أقسم الله تعالى بأشياء كثيرة من خلقه، ومن أحسن ما رأيته تكلم على هذا الموضوع ابن القيم ﵀ في كتابه (التبيان في أقسام القرآن) وهو كتاب جيد ينفع طالب العلم كثيراً، فهنا يقسم الله تعالى بالسماء، والسماء هو كل ما علا، فكل ما علاك فهو سماء، حتى السحاب الذي ينزل منه المطر يسمى سماءً، كما قال الله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ [الرعد: ١٧] . وإذا كان يطلق على كل ما علاك فإنه يشمل ما بين السماء والأرض ويشمل السماوات كلها لأنها كلها قد علتك وهي فوقك. وأما قوله: ﴿والطارق﴾ فهو قسم ثان، أي أن الله أقسم بالطارق فما هو الطارق؟ ليس الطارق هو الذي يطرق أهله ليلاً بل فسره الله بقوله: ﴿النجم الثاقب﴾ هذا هو الطارق، والنجم هنا يحتمل أن يكون المراد به جميع النجوم فتكون (ال) للجنس، ويحتمل أنه النجم الثاقب، أي: النجم اللامع، قوي اللمعان، لأنه يثقب الظلام بنوره، وأيًّا كان فإن هذه النجوم من آيات الله الدالة على كمال قدرته، في سيرها وانتظامها، واختلاف أشكالها واختلاف منافعها أيضاً، قال الله ﵎: ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: ١٦] . وقال تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين﴾ [الملك: ٥] . فهي زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها.
ثم بين الله المقسم عليه بقوله: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ ﴿إن﴾ هنا نافية يعني ما كل نفس، و ﴿لما﴾ بمعنى (إلا) يعني ما كل نفس إلا عليها حافظ من الله، وبين الله مهمة هذا الحافظ بقوله: ﴿وإن عليكم لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار: ١٠ ـ ١٢] . هؤلاء الحفظة يحفظون على الإنسان عمله، ما له وما عليه، ويجده يوم القيامة
стр. 142
كتاباً منشوراً يقال له: ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ [الإسراء: ١٤] . هؤلاء الحفظة يكتبون ما يقوم به الإنسان من قول، وما يقوم به من فعل، سواء كان ظاهراً كأقوال اللسان، وأعمال الجوارح، أو باطناً حتى ما في القلب مما يعتقده الإنسان فإنه يكتب عليه لقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمن وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق ١٦ ـ ١٨] . هذا الحافظ يحفظ عمل بني آدم، وهناك حفظة آخرون ذكرهم الله في قوله: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١] .
﴿فلينظر الإنسان مما خلق﴾ (اللام) هنا للأمر، والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار وهو النظر بالبصيرة، يعني ليفكر الإنسان مما خلق؟ هل خلق من حديد؟ هل خلق من فولاذ؟ هل خلق من شيء قاسٍ قوي؟ والجواب على هذه التساؤلات: أنه ﴿خلق من ماء دافق﴾ وهو ماء الرجل، ووصفه الله تعالى في آيات أخرى بأنه ماء مهين ضعيف السيلان ليس كالماء العادي المنطلق، ووصفه الله تعالى في آية أخرى أنه نطفة أي قليل من الماء، هذا الذي خلق منه الإنسان، والعجب أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين، ثم يكون قلبه أقسى من الحجارة ـ والعياذ بالله ـ إلا من ألان الله قلبه لدين الله، ثم بين أن هذا الماء الدافق ﴿يخرج من بين الصلب والترائب﴾ من بين صلب الرجل وترائبه أعلى صدره، وهذا يدل على عمق مخرج هذا الماء، وأنه يخرج من مكان مكين في الجسد، وقال بعض العلماء: ﴿يخرج من بين الصلب﴾ أي صلب الرجل ﴿والترائب﴾ ترائب المرأة. ولكن هذا خلاف ظاهر اللفظ، والصواب أن الذي يخرج من بين الصلب والترائب هو ماء الرجل، لأن الله تعالى
стр. 143
وصفه بذلك. ثم قال تعالى: ﴿إنه على رجعه لقادر﴾ ﴿إنه﴾ أي الله . ﴿على رجعه﴾ أي على رجع الإنسان ﴿لقادر﴾ وذلك يوم القيامة لقوله ﴿يوم تبلى السرائر﴾ فالذي قدر على أن يخلق الإنسان من هذا الماء الدافق المهين، قادر على أن يعيده يوم القيامة، وهذا من باب الاستدلال بالمحسوس على المنظور المترقب، وهو قياس عقلي، فإن الإنسان بعقله يقول إذا كان الله قادراً على أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين ويحييه قادر على أن يعيده مرة ثانية ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧] .
ولهذا يستدل الله بالمبدأ على المعاد لأنه قياس جلي واضح، ينتقل العقل من هذا إلى هذا بسرعة وبدون كلفة، وقوله: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ أي تختبر السرائر، وهي القلوب، فإن الحساب يوم القيامة على ما في القلوب، والحساب في الدنيا على ما في الجوارح، ولهذا عامل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المنافقين معاملة المسلمين حيث كان يُستأذن في قتلهم فيقول: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (١) ، فكان لا يقتلهم وهو يعلم أن فلانًا منافق، وفلانًا منافق، لكن العمل في الدنيا على الظاهر ويوم القيامة على الباطن ﴿يوم تبلى السرائر﴾ أي تختبر وهذا كقوله: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور. وحصل ما في الصدور﴾ [العاديات: ٩، ١٠] . ولهذا يجب علينا العناية بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، عمل الجوارح علامة ظاهرة، لكن عمل القلب هو الذي عليه المدار، ولهذا أخبر النبي ﵊ عن الخوارج يخاطب الصحابة يقول: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم ـ يعني أنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة لكن قلوبهم خالية والعياذ بالله ـ لا يتجاوز
стр. 144
الإسلام حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» (١) ،
قال الحسن البصري ﵀: (والله ما سبقهم أبو بكر بصلاة ولا صوم، وإنما سبقهم بما وقر في قلبه من الإيمان) والإيمان إذا وقر في القلب حمل الإنسان على العمل، لكن العمل الظاهر قد لا يحمل الإنسان على إصلاح قلبه، فعلينا أن نعتني بقلوبنا وأعمالها، وعقائدها، واتجاهاتها، وإصلاحها وتخليصها من شوائب الشرك والبدع، والحقد والبغضاء، وكراهة ما أنزل الله على رسوله وكراهة الصحابة ﵃، وغير ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه.
ثم قال تعالى: ﴿فما له من قوة﴾ يعني يوم القيامة ما للإنسان من قوة ذاتية ﴿ولا ناصر﴾ وهي القوة الخارجية، هو بنفسه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا أحد يستطيع أن يدافع عنه، قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١] . في الدنيا يتساءلون، يسأل بعضهم بعضاً، ويحتمي بعضهم ببعض، لكن يوم القيامة لا أنساب يعني لا قرابة، لا تنفع القرابة ولا يتساءلون.
﴿وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالَاَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ .
بعد أن ذكر الله تعالى الإقسام ﴿والسماء والطارق﴾ إلى
стр. 145
آخره ... إلى قوله ﴿يوم تبلى السرائر. فما له من قوة ولا ناصر﴾ قال تعالى: ﴿والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع﴾ هذا هو القسم الثاني للسماء، والقسم الأول ما كان في أول السورة، فهناك قال: ﴿والسماء والطارق. وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب﴾ وهنا قال: ﴿والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع. إنه لقول فصل﴾ والمناسبة بين القسمين ـ والله أعلم ـ أن الأول فيه إشارة إلى الطارق الذي هو النجم، والنجم تُرمى به الشياطين الذين يسترقون السمع، وفي رمي الشياطين بذلك حفظ لكتاب الله ، أما هنا فأقسم بالسماء ذات الرجع أن هذا القرآن قول فصل، فأقسم على أن القرآن قول فصل، فصار القسم الأول مناسبته أن فيه الإشارة إلى ما يحفظ به هذا القرآن حال إنزاله، وفي القسم الثاني الإشارة إلى أن القرآن حياة، يعني يقال: ﴿والسماء ذات الرجع﴾ الرجع هو المطر، يسمى رجعاً لأنه يرجع ويتكرر، ومعلوم أن المطر به حياة الأرض. ﴿والأرض ذات الصدع﴾ الصدع هو الانشقاق يعني التشقق بخروج النبات منه، فأقسم بالمطر الذي هو سبب خروج النبات، وبالتشقق الذي يخرج منه النبات، وكله إشارة إلى حياة الأرض بعد موتها، والقرآن به حياة القلوب بعد موتها، كما قال الله ﵎: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢] . فسمى الله القرآن روحاً لأنه تحيى به القلوب.
يقول : ﴿والسماء ذات الرجع﴾ أي ذات المطر. ﴿والأرض ذات الصدع﴾ أي ذات الانشقاق لخروج النبات منها. ﴿إنه﴾ أي القرآن ﴿لقول فصل﴾ وصفه الله تعالى بأنه قول فصل، وهو قول الله ، فهو الذي تكلم به وألقاه إلى جبريل عليه الصلاة
стр. 146
والسلام، ثم نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أضاف الله القرآن قولاً إلى جبريل، وإلى محمد عليهما الصلاة والسلام، فقال تعالى في الأول: ﴿إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثمَّ أمين﴾ [التكوير: ١٩ ـ ٢١] . وقال في الثاني إضافته إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون﴾ [الحاقة: ٤٠، ٤١] . ففي الأول أضاف القول إلى جبريل ﵊، لأنه بلغه عن الله إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي الثاني أضافه إلى محمد ﷺ لأنه بلغه إلى الناس، وإلا فإن الذي قاله ابتداءً هو الله . ﴿إنه لقول فصل﴾ فصل يفصل بين الحق والباطل، وبين المتقين والظالمين، بل إنه فصل أي قاطع لكل من ناوأه وعاداه، ولهذا نجد المسلمين لما كانوا يجاهدون الكفار بالقرآن نجدهم غلبوا الكفار، وقطعوا دابرهم، وقضي بينهم، فلما أعرضوا عن القرآن هُزموا وأذلوا بقدر بُعدهم عن القرآن، وكلما أبعد الإنسان عن كتاب الله ابتعدت عنه العزة، وابتعد عنه النصر حتى يرجع إلى كتاب الله .
﴿وما هو بالهزل﴾ أي ما هو باللعب والعبث واللغو، بل هو حق، كلماته كلها حق، أخباره صدق، وأحكامه عدل، وتلاوته أجر، لو تلاه الإنسان كل أوانه لم يمل منه، وإذا تلاه بتدبر وتفكر فتح الله عليه من المعاني ما لم يكن عنده من قبل، وهذا شيء مشاهد، اقرأ القرآن وتدبره، كلما قرأته وتدبرته حصل لك من معانيه ما لم يكن يحصل لك من قبل، كل هذا لأنه فصل وليس بالهزل، لكن الكلام اللغو من كلام الناس كلما كررته مججته وكرهته ومللته أما كتاب الله فلا. ثم قال تعالى: ﴿إنهم يكيدون كيداً﴾ ﴿إنهم﴾ يعني الكفار المكذبين للرسول صلى الله عليه
стр. 147
وعلى آله وسلم ﴿يكيدون كيداً﴾ أي كيداً عظيماً، يكيدون للرسول ﵊، ويكيدون لمن اتبعه، وانظر ماذا كانوا يفعلون بالمؤمنين أيام كانوا في مكة من التعذيب والتوبيخ والتشريد، هاجر المسلمون مرتين إلى الحبشة، ثم هاجروا إلى المدينة كل ذلك فراراً بدينهم من هؤلاء المجرمين، الذين آذوهم بكل كيد، وأعظم ما فعلوه بالنبي ﵊ حين الهجرة حيث اجتمع رؤساؤهم وأشرافهم يتشاورون ماذا يفعلون بمحمد؟ فكلما ذكروا رأياً نقضوه، قالوا هذا لا يصلح، حتى أشار إليهم فيما ذكره أهل التاريخ الشيطان الذي جاء بصورة رجل وقال لهم: إني أرى أن تختاروا عشرة شبان من قبائل متفرقة، وتعطوا كل واحد منهم سيفاً حتى يقتلوا محمداً قتلة رجل واحد، فإذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل، فلم تستطع بنو هاشم أن تقتص من القبائل كلها فيرضخون إلى أخذ الدية.
وهذا هو الذي يريدون، فأجمعوا على هذا الرأي واستحسنوا هذا الرأي، وفعلاً جلس الشبان العشرة ينتظرون خروج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليقتلوه، ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج من الباب وهم جلوس ولم يشاهدوه، وذكر التاريخ (١) أنه جعل يذر التراب على رؤوسهم إذلالاً لهم، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ [يس: ٩] . ولا تتعجب كيف خرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بينهم ولم يشاهدوه، لا تعجب من هذا، فها هم قريش حين اختبأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الغار لما خرج من مكة يريد المدينة اختبأ في الغار ثلاثة أيام ليخف عنه الطلب؛ لأن قريش صارت تطلبه، وجعلت لمن
стр. 148
جاء به مئة بعير، ولمن جاء به مع أبي بكر مئتي بعير، وهذه جائزة كبيرة، فوقفوا على الغار الذي فيه النبي ﵌ وأبو بكر، وكلنا يعلم أن الغار المفتوح إذا كان فيه أحد فسوف يُرى، ولكنهم لم يروا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا أبا بكر ﵁، فقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا. فقال: «لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (١) . فاطمأن أبو بكر.
فهؤلاء القوم الذين وقفوا على الغار ليس عندهم قصور في السمع، ولا قصور في البصر، ولا قصور في الذكاء، ولكن أعمى الله أبصارهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبه، فلا تعجبوا أن خرج من بين هؤلاء الشبان العشرة كما قال أهل التاريخ، وجعل يذر التراب على رؤوسهم ويقول: ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ . وقال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ يعني يحبسوك ﴿أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠] . ﴿إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً﴾ ثم قال : ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويداً﴾ مهل وأمهل معناهما واحد يعني انتظر بمهلة ولا تنتظر بمهلة طويلة، ﴿رويداً﴾ أي قليلاً، ورويداً تصغير رود أو إرواد، والمراد به الشيء القليل. وفي هذه الآية تهديد لقريش، وتسلية للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووعد له بالنصر. وحصل الأمر كما أخبر الله ، خرج النبي ﵊ مهاجراً منهم، وحصل بينه وبينهم حروب، وفي السنة الثانية من الهجرة قُتل من صناديد قريش
стр. 149
وكبرائهم وزعمائهم نحو أربعة وعشرين رجلاً، منهم قائدهم أبو جهل، وبعد ثماني سنوات بل أقل من ثماني سنوات دخل النبي ﷺ مكة فاتحاً منصوراً ظافراً، حتى إنه قال كما جاء في التاريخ وهو ممسك بعضادتي باب الكعبة وقريش تحته قال لهم: «ما ترون أني فاعل بكم» ؟ لأن أمرهم أصبح بيده ﵊، «ما ترون أني فاعل بكم» ؟ قالوا: أخٌ كريم، وابن أخ كريم. فقال: «إني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢] . اذهبوا فأنتم الطلقاء» (١) ،
وإنما منّ عليهم هذه المنة ﵊ لأنهم أسلموا، وقد قال الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] .
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يتلون كتاب الله حق تلاوته، وأن ينفعنا به، وأن يجعله شفيعاً لنا يوم القيامة، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 150
تفسير سورة الأعلى
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الَاَعْلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِى أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى * سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَاّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى * فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الَاْشْقَى * الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ .
البسملة سبق الكلام عليها، وإنها آية من كتاب الله مستقلة ليست من الفاتحة ولا من البقرة، ولا من آل عمران، ولا من أي سورة من القرآن، لكنها آية مستقلة تنزل في ابتداء كل سورة سوى سورة (براءة) .
﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ الخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والخطاب الموجه للرسول في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يقوم الدليل على أنه خاص به فيختص به.
القسم الثاني: أن يقوم الدليل على أنه عام فيعم.
القسم الثالث: أن لا يدل دليل على هذا ولا على هذا، فيكون خاصًّا به لفظاً، عامًّا له وللأمة حكماً.
مثال الأول: قوله ﵎: ﴿ألم نشرح لك صدرك.
стр. 151
ووضعنا عنك وزرك﴾ [الشرح: ١، ٢] . ومثاله أيضاً قوله تعالى: ﴿وأرسلناك للناس رسولاً﴾ [النساء: ٧٩] . فإن هذا من المعلوم أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومثال الثاني الموجه للرسول ﵊، وفيه قرينة تدل على العموم: قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] . فوجه الخطاب أولاً للرسول ﵊ قال: ﴿يا أيها النبي﴾ ولم يقل «يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم» قال: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم﴾ ، ولم يقل: (يا أيها النبي إذا طلقت) قال: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم﴾ فدل هذا على أن الخطاب الموجه للرسول ﵊ موجه له وللأمة.
وأما أمثلة الثالث: فهي كثيرة جداً يوجه الله الخطاب للرسول ﵊، والمراد الخطاب له لفظاً وللعموم حكماً.
هنا يقول الله : ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ﴿سبح﴾ يعني نزه الله عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، فإن التسبيح يعني التنزيه، إذا قلت: سبحان الله، يعني أنني أنزه الله عن كل سوء، عن كل عيب، عن كل نقص، ولهذا كان من أسماء الله تعالى (السلام، القدوس) لأنه منزه عن كل عيب. وأضرب أمثلة: من صفات الله تعالى: الحياة ليس فيها نقص بوجه من الوجوه، وحياة المخلوق فيها نقص، أولاً: لأنها مسبوقة بالعدم فالإنسان ليس أزلياً. وثانياً: أنها ملحوقة بالفناء ﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦] .
مثال آخر: سمع الله ليس فيه نقص يسمع كل شيء، حتى إن المرأة التي جاءت تشتكي إلى النبي ﷺ والتي ذكر الله تعالى قصتها في سورة المجادلة، كانت تُحدث النبي صلى الله عليه وعلى آله
стр. 152
وسلم وعائشة في الحجرة يخفى عليها بعض حديثها، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١] . ولهذا قالت عائشة: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات) (١) ، إن المرأة المجادلة لتشتكي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنه ليخفى علي بعض حديثها. إذن معنى ﴿سبح﴾ نزه الله عن كل عيب ونقص. وقوله: ﴿اسم ربك الأعلى﴾ قال بعض المفسرين: إن قوله ﴿اسم ربك﴾ يعني مسمى ربك؛ لأن التسبيح ليس للاسم بل لله نفسه، ولكن الصحيح أن معناها: سبح ربك ذاكراً اسمه، يعني لا تسبحه بالقلب فقط بل سبحه بالقلب واللسان، وذلك بذكر اسمه تعالى، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة: ٩٦] . يعني سبح تسبيحاً مقروناً باسم، وذلك لأن تسبيح الله تعالى قد يكون بالقلب، بالعقيدة، وقد يكون باللسان، وقد يكون بهما جميعاً، والمقصود أن يسبح بهما جميعاً بقلبه لافظاً بلسانه. وقوله ﴿ربك﴾ الرب معناه الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، فالله تعالى هو الخالق، وهو المالك، وهو المدبر لجميع الأمور، والمشركون يقرون بذلك ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ [لقمان: ٢٥] . ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ [الزخرف: ٨٧] . وأخبر الله أنهم إذا سئلوا ﴿أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله﴾ [يونس: ٣١] .
فهم يقرون بأن الله له الملك، وله التدبير، وله الخلق، لكن يعبدون معه غيره، وهذا من الجهل، كيف تقر بأن الله وحده هو الخالق، المالك، المدبر للأمور
стр. 153
كلها وتعبد معه غيره!! إذن معنى الرب هو الخالق، المالك، المدبر لجميع الأمور، وكل إنسان يقر بذلك يلزمه أن لا يعبد إلا الله، كما تدل عليه الآيات الكثيرة: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١] . قال: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ يعني لا تعبدون غيره. ﴿الأعلى﴾ من العلو، وعلو الله نوعان: علو صفة، وعلو ذات، أما علو الصفة: فإن أكمل الصفات لله ، قال تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠] .
وأما علو الذات: فهو أن الله تعالى فوق عباده مستو على عرشه، والإنسان إذا قال: يا الله أين يتجه؟ يتجه إلى السماء إلى فوق، فالله جل وعلا فوق كل شيء مستو على عرشه. إذن ﴿الأعلى﴾ إذا قرأتها فاستشعر بنفسك أن الله عال بصفاته، وعال بذاته، ولهذا كان الإنسان إذا سجد يقول: سبحان ربي الأعلى، يتذكر بسفوله هو، لأنه هو الان نزل، فأشرف ما في الإنسان وأعلى ما في الإنسان هو وجهه ومع ذلك يجعله في الأرض التي تداس بالأقدام، فكان من الحكمة أن تقول: سبحان ربي الأعلى، يعني أنزه ربي الذي هو فوق كل شيء، لأني نزلت أنا أسفل كل شيء، فتسبح الله الأعلى بصفاته، والأعلى بذاته، وتشعر عندما تقول: سبحان ربي الأعلى، أن ربك تعالى فوق كل شيء، وأنه أكمل كل شيء في الصفات. ثم قال: ﴿الذي خلق فسوى﴾ ﴿خلق﴾ يعني أوجد من العدم، كل المخلوقات أوجدها الله ، قال الله ﵎: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه﴾ [الحج: ٢٣] .
وهو مثل عظيم، كل الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً، ولو اجتمعوا له، لو يجتمع جميع الالهة التي تعبد
стр. 154
من دون الله وجميع السلاطين وجميع الرؤساء وجميع المهندسين على أن يخلقوا ذباباً واحداً ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ونحن في هذا العصر وقد تقدمت الصناعة هذا التقدم الهائل لو اجتمع كل هؤلاء الخلق أن يخلقوا ذباباً ما استطاعوا، حتى لو أنهم كما يقولون: صنعوا آدمياً آلياً ما يستطيعون أن يخلقوا ذبابة، هذا الادمي الالي ما هو إلا الالات تتحرك فقط، لكن لا تجوع، ولا تعطش، ولا تحتر، ولا تبرد، ولا تتحرك إلا بتحريك، الذباب لا يمكن أن يخلقه كل من سوى الله، فالله وحده هو الخالق وبماذا يخلق؟ بكلمة واحدة ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران: ٥٩] . ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢] . كلمة واحدة، الخلائق كلها تموت وتفنى وتأكلها الأرض، وتأكلها السباع، وتحرقها النيران، وإذا كان يوم القيامة زجرها الله زجرة واحدة أخرجي فتخرج. ﴿فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات: ١٣] . ﴿إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٥٣] . كل العالم من إنس وجن، ووحوش وحشرات وغيرها كلها يوم القيامة تحشر بكلمة واحدة. إذن فالله وحده هو الخالق ولا أحد يخلق معه، والخلق لا يعسره ولا يعجزه وهو سهل عليه ويكون بكلمة واحدة. وقوله ﴿فسوى﴾ يعني سوى ما خلقه على أحسن صورة، وعلى الصورة المتناسبة، فالإنسان مثلاً قال الله تعالى في سورة الانفطار: ﴿الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك﴾ [الانفطار: ٧، ٨] . ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ [التين: ٤] .
لا يوجد في الخلائق شيء أحسن من خلقة الإنسان، رأسه فوق، وقلبه في الصدر، وعلى هيئة تامة، ولهذا أول من يدخل في قوله:
стр. 155
﴿فسوى﴾ هو تسوية الإنسان ﴿الذي خلق فسوى﴾ كل شيء يسوى على الوجه الذي يكون لائقاً به. ﴿والذي قدر فهدى﴾ قدر كل شيء كما قال تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديراً﴾ [الفرقان: ٢] . قدره في حاله، وفي مآله، وفي ذاته، وفي صفاته، كل شيء له قدر محدود، فالآجال محدودة، والأحوال محدودة، والأجسام محدودة، وكل شيء مقدر تقديراً كما قال تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديراً﴾ . وقوله: ﴿فهدى﴾ يشمل الهداية الشرعية، والهداية الكونية، الهداية الكونية: أن الله هدى كل شيء لما خلق له، قال فرعون لموسى: ﴿فمن ربكما يا موسى. قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠] . تجد كل مخلوق قد هداه الله تعالى لما يحتاج إليه، فالطفل إذا خرج من بطن أمه وأراد أن يرضع يهديه الله إلى هذا الثدي يرتضع منه، وانظر إلى أدنى الحشرات النمل مثلاً لا تصنع بيوتها إلا في مكان مرتفع على ربوة من الأرض تخشى من السيول تدخل بيوتها فتفسدها، وإذا جاء المطر وكان في جحورها، أو في بيوتها طعام من الحبوب تخرج به إذا طلعت الشمس تنشره لئلا يعفن، وهي قبل أن تدخره تأكل أطراف الحبة لئلا تنبت فتفسد عليهم، هذا الشيء مشاهد مجرب من الذي هداها لذلك؟ إنه الله ، وهذه هداية كونية أي: أنه هدى كل مخلوق لما يحتاج إليه.
أما الهداية الشرعية ـ وهي الأهم بالنسبة لبني آدم ـ فهي أيضاً بينها الله حتى الكفار قد هداهم الله يعني بيّن لهم، قال الله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧] . والهداية الشرعية هي المقصود من حياة بني آدم ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] . وإنما أخبرنا الله بذلك لأجل أن
стр. 156
نلجأ إليه في جميع أمورنا، إذا علمنا أنه هو الخالق بعد العدم وأصابنا المرض نلجأ إلى الله لأن الذي خلقك وأوجدك من العدم قادر على أن يصح بدنك، إذاً الجأ إلى ربك، اعتمد عليه، ولا حرج أن تتناول ما أباح لك من الدواء، لكن مع اعتقاد أن هذا الدواء سبب من الأسباب جعله الله ، وإذا شفيت بهذا السبب فالذي شفاك هو الله ، هو الذي جعل هذا الدواء سبباً لشفائك، ولو شاء لجعل هذا الدواء سبباً لهلاكك، فإذا علمنا أن الله هو الخالق فنحن نلجأ في أمورنا كلها إلى الله ، إذا علمنا أنه هو الهادي فإننا نستهدي بهدايته، بشريعته حتى نصل إلى ما أعد لنا ربنا من الكرامة. ﴿سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى﴾ هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يقرئه القرآن ولا ينساه الرسول، وكان الرسول ﵊ يتعجل إذا جاء جبريل يُلقي عليه الوحي فقال الله له: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٦ ـ ١٩] . فصار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي ثم يقرأه، وهنا يقول: ﴿سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله﴾ يعني إلا ما شاء أن تنساه فإن الأمر بيده ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد: ٣٩] .
﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير. ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ [البقرة: ١٠٦، ١٠٧] . وربما نُسّي النبي ﵌ آية من كتاب الله ولكنه سرعان ما يذكرها ﵊، وقوله تعالى: ﴿إنه يعلم الجهر﴾ أي أن الله تعالى يعلم الجهر، والجهر:
стр. 157
ما يجهر به الإنسان ويتكلم به مسموعاً. ﴿وما يخفى﴾ أي ما يكون خفيًّا لا يُظهر فإن الله يعلمه كما قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ [ق: ١٦] . فهو يعلم الجهر ويعلم أيضاً ما يخفى. ﴿ونيسرك لليسرى﴾ وهذا أيضاً وعد من الله لرسوله ﵊ أن ييسره لليسرى، واليسرى أن تكون أموره ميسرة، ولاسيما في طاعة الله ، ولما أخبر النبي ﵊ أنه ما من أحد من الناس إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار، كل بني آدم مكتوب مقعده من الجنة إن كان من أهل الجنة، ومقعده من النار إن كان من أهل النار، قالوا: (يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل ـ يعني على ما كتب ـ قال: «لا. اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له» فأهل السعادة ييسرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسرة لليسرى﴾ (١) وهذا الحديث يقطع حُجة من يحتج بالقدر على معاصي الله فيعصي الله ويقول: هذا مكتوب علي. وهذا ليس بحجة؛ لأن الرسول ﵊ قال: «اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له» هل أحد يحجزك عن العمل الصالح لو أردته؟ أبداً.
هل أحد يجبرك على المعصية لو لم تردها؟ أبداً لا أحد، ولهذا لو أن أحداً أجبرك على المعصية وأكرهك عليها لم يكن عليك إثم، ولا يترتب على فعلك لها ما يترتب على فعل المختار لها، حتى إن الكفر وهو أعظم الذنوب، قال الله تعالى فيه: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح
стр. 158
بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ [النحل: ١٠٦] . إذن نقول اعمل أيها الإنسان، اعمل الخير وتجنب الشر، حتى ييسرك الله لليسرى ويجنبك العسرى، فرسول الله ﷺ وعده الله بأن ييسره لليسرى فيسهل عليه الأمور، ولهذا لم يقع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شدة وضنك إلا وجد له مخرجاً ﵊. ثم أمره تعالى أن يذكر فقال: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ يعني ذكر الناس، ذكرهم بآيات الله، ذكرهم بأيام الله، عظهم، ﴿إن نفعت الذكرى﴾ يعني في محل تنفع فيه الذكرى، وعلى هذا فتكون ﴿إن﴾ شرطية والمعنى إن نفعت الذكرى فذكر، وإن لم تنفع فلا تذكر، لأنه لا فائدة من تذكير قوم نعلم أنهم لا ينتفعون، هذا ما قيل في هذه الآية.
وقال بعض العلماء: المعنى ذكر على كل حال، إن كان هؤلاء القوم تنفع فيهم الذكرى فيكون الشرط هنا ليس المقصود به أنه لا يُذكر إلا إذا نفعت، بل المعنى ذكر إن كان هؤلاء القوم ينفع فيهم التذكير، فالمعنى على هذا القول: ذكر بكل حال، والذكرى سوف تنفع. تنفع المؤمنين، وتنفع الُمذكِّر أيضاً، فالمذكر منتفع على كل حال، والمذكر إن انتفع بها فهو مؤمن، وإن لم ينتفع بها فإن ذلك لا ينقص من أجر المذكر شيئاً، فذكر سواء نفعت الذكرى أم لم تنفع.
وقال بعض العلماء: إن ظن أن الذكرى تنفع وجبت، وإن ظن أنها لا تنفع فهو مخير إن شاء ذكر وإن شاء لم يذكر.
ولكن على كل حال نقول: لابد من التذكير حتى وإن ظننت أنها لا تنفع، فإنها سوف تنفعك أنت، وسوف يعلم الناس أن هذا الشيء الذي ذكرت عنه إما واجب، وإما حرام، وإذا سكتَّ والناس يفعلون المحرم، قال الناس: لو كان هذا محرماً لذكَّر به العلماء، أو لو كان هذا
стр. 159
واجباً لذكَّر به العلماء، فلابد من التذكير ولابد من نشر الشريعة سواء نفعت أم لم تنفع. ثم ذكر الله من سيذكر ومن لا يتذكر فقال: ﴿سيذكر من يخشى. ويتجنبها الأشقى﴾ فبين تعالى أن الناس ينقسمون بعد الذكرى إلى قسمين:
القسم الأول: من يخشى الله ، أي يخافه خوفاً عن علم بعظمة الخالق جل وعلا، فهذا إذا ذكر بآيات ربه تذكر كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًّا وعمياناً﴾ [الفرقان: ٧٣] . فمن يخشى الله ويخاف الله إذا ذكر ووعظ بآيات الله اتعظ وانتفع.
أما القسم الثاني: فقال: ﴿ويتجنبها الأشقى﴾ أي يتجنب هذه الذكرى ولا ينتفع بها الأشقى و ﴿الأشقى﴾ هنا اسم تفضيل من الشقاء وهو ضد السعادة كما في سورة هود: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ [هود: ١٠٦] . ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة﴾ [هود: ١٠٨] . فالأشقى المتصف بالشقاوة يتجنب الذكرى ولا ينتفع بها، والأشقى هو البالغ في الشقاوة غايتها وهذا هو الكافر، فإن الكافر يذكر ولا ينتفع بالذكرى، ولهذا قال: ﴿الذي يصلى النار الكبرى. ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ الذي يصلى النار الموصوفة بأنها ﴿الكبرى﴾ وهي نار جهنم؛ لأن نار الدنيا صغرى بالنسبة لها، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة» (١) ، أي أن نار الآخرة فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، والمراد بنار الدنيا كلها أشد ما يكون من نار الدنيا فإن نار الآخرة فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً ولهذا وصفها بقوله: ﴿النار الكبرى﴾ ثم إذا صلاها ﴿لا
стр. 160
يموت فيها ولا يحيى﴾ المعنى لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة سعيدة، وإلا فهم أحياء في الواقع لكن أحياء يعذبون ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها﴾ [النساء: ٥٦] . كما قال الله ﴿ونادوا يا مالك﴾ وهو خازن النار ﴿ليقض علينا ربك﴾ يعني ليهلكنا ويريحنا من هذا العذاب ﴿قال إنكم ماكثون﴾ ولا راحة ويقال لهم: ﴿لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون﴾ [الزخرف: ٧٨] . هذا معنى قوله: ﴿لا يموت فيها ولا يحيى﴾ لأنه قد يشكل على بعض الناس كيف يكون الإنسان لا حي ولا ميت؟ والإنسان إما حي وإما ميت؟
فيقال: لا يموت فيها ميتة يستريح بها، ولا يحيى حياة يسعد بها، فهو في عذاب وجحيم، وشدة يتمنى الموت ولكن لا يحصل له، هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ .
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا * وَالآخرة خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِى الصُّحُفِ الاُْولَى * صُحُفِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى﴾ .
﴿قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى﴾ ﴿أفلح﴾ مأخوذ من الفلاح، والفلاح كلمة جامعة، وهو: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، هذا هو معنى الفلاح فهي كلمة جامعة لكل خير، دافعة لكل شر. وقوله: ﴿من تزكى﴾ مأخوذة من التزكية وهو التطهير، ومنه سميت الزكاة زكاة؛ لأنها تطهر الإنسان من الأخلاق الرذيلة، أخلاق البخل كما قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة
стр. 161
: ١٠٣] . إذن ﴿تزكى﴾ يعني تطهر، ظاهره وباطنه، يتزكى أولاً من الشرك بالنسبة لمعاملة الله، فيعبد الله مخلصاً له الدين، لا يرائي، ولا يسمع، ولا يطلب جاهاً، ولا رئاسة فيما يتعبد به الله ، وإنما يريد بهذا وجه الله والدار الآخرة. تزكى في اتباع الرسول ﵊ بحيث لا يبتدع في شريعته لا بقليل ولا كثير، لا في الاعتقاد، ولا في الأقوال ولا في الأفعال، وهذا أعني التزكي بالنسبة للرسول ﵊، وهو اتباعه من غير ابتداع لا ينطبق تماماً إلا على الطريقة السلفية طريقة أهل السنة والجماعة الذين يؤمنون بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على الطريقة السلفية الذين لا يبتدعون في العبادات القولية، ولا في العبادات الفعلية شيئاً في دين الله، تجدهم يتبعون ما جاء به الشرع، خلافاً لما يصنعه بعض المبتدعة في الأذكار المبتدعة، إما في نوعها، وإما في كيفيتها وصفتها، وإما في أدائها كما يفعله بعض أصحاب الطرق من الصوفية وغيرهم. كذلك يتزكى بالنسبة لمعاملة الخلق بحيث يطهر قلبه من الغل والحقد على إخوانه المسلمين فتجده دائماً طاهر القلب يحب لإخوانه ما يحب لنفسه لا يرضى لأحد أن يمسه سوء، بل يود أن جميع الناس سالمون من كل شر، موفقون لكل خير.
فـ ﴿من تزكى﴾ أي من تطهر ظاهره وباطنه، فتطهر باطنه من الشرك بالله ، ومن الشك، ومن النفاق، ومن العداوة للمسلمين والبغضاء، وغير ذلك مما يجب أن يتطهر القلب منه، وتطهر ظاهره من إطلاق لسانه وجوارحه في العدوان على عبادالله ، فلا يغتاب أحداً، ولا ينم عن أحد، ولا يسب أحداً، ولا يعتدي على أحد بضرب، أو جحد مال أو غير ذلك، فالتزكي كلمة عامة تشمل التطهر
стр. 162
من كل درن ظاهر أو باطن، فصارت التزكية لها ثلاث متعلقات: الأول: في حق الله. والثاني: في حق الرسول. والثالث: في حق عامة الناس. في حق الله تعالى يتزكى من الشرك فيعبد الله تعالى مخلصاً له الدين. في حق الرسول يتزكى من الابتداع فيعبد الله على مقتضى شريعة النبي ﷺ في العقيدة، والقول، والعمل. في معاملة الناس يتزكى من الغل والحقد والعداوة والبغضاء، وكل ما يجلب العداوة والبغضاء بين المسلمين يتجنبه، ويفعل كل ما فيه المودة والمحبة ومن ذلك: إفشاء السلام الذي قال فيه الرسول ﵊: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم» (١) ،
فالسلام من أقوى الأسباب التي تجلب المحبة والمودة بين المسلمين وهذا الشيء مشاهد، لو مر بك رجل ولم يسلم عليك صار في نفسك شيء، وإذا لم تسلم عليه أنت صار في نفسه شيء، لكن لو سلمت عليه، أو سلم عليك صار هذا كالرباط بينكما يوجب المودة والمحبة، وقد قال النبي ﵊ في السلام: «وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٢) ، وأكثر الناس اليوم إذا سلم يسلم على من يعرف، وأما من لا يعرفه فلا يسلم عليه، وهذا غلط، لأنك إذا سلمت على من تعرف لم يكن السلام خالصاً لله، سلم على من عرفت ومن لم تعرف من المسلمين حتى تنال بذلك محبة المسلمين بعضهم لبعض، وتمام الإيمان، والنهاية دخول الجنة جعلنا الله من أهلها.
стр. 163
وقوله: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ أي: ذكر الله، ولكنه ذكر الاسم من أجل أن يكون الذكر باللسان؛ لأنه ينطق فيه باسم الله فيقول مثلاً: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، فيذكر اسم الله، ويعني أيضاً ذكر اسم الله تعالى بالتعبد له، ويدخل في ذكر اسم الله الوضوء، فالوضوء من ذكر اسم الله، أولاً: لأن الإنسان لا يتوضأ إلا امتثالاً لأمر الله. وثانياً: أنه إذا ابتدأ وضوءه قال: بسم الله، وإذا انتهى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. ومن ذكر الله خطبة الجمعة، فإن خطبة الجمعة من ذكر الله، لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] . وعلى هذا قال بعض العلماء: ﴿وذكر اسم ربه﴾ يعني الخطيب يوم الجمعة ﴿فصلى﴾ أي صلاة الجمعة. فهذه الآية تشمل كل الصلوات التي يسبقها ذكر، وما من صلاة إلا ويسبقها ذكر؛ لأن الإنسان يتوضأ قبيل الصلاة فيذكر اسم الله ثم يصلي.
لكن الصحيح: أنها أعم من هذا، وأن المراد به كل ذكر لاسم الله ، أي كلما ذكر الإنسان اسم الله اتعظ وأقبل إلى الله وصلى. والصلاة معروفة هي عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. ثم قال تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى﴾ ﴿بل﴾ هنا للإضراب الانتقالي، لأن ﴿بل﴾ تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الانتقالي، أي أنه انتقل ليبين حال الإنسان أنه مؤثر للحياة الدنيا لأنها عاجلة، والإنسان خلق من عجل، ويحب ما فيه العجلة، فتجده يؤثر الحياة الدنيا، وهي في الحقيقة على وصفها دنيا، دنيا زمناً، ودنيا وصفاً، أما كونها دنيا زمناً فلأنها
стр. 164
سابقة على الآخرة فهي متقدمة عليها، والدنو بمعنى القرب. وأما كونها دنيا ناقصة فكذلك هو الواقع فإن الدنيا مهما طالت بالإنسان فإن أمدها الفناء، ومنتهاها الفناء، ومهما ازدهرت للإنسان فإن عاقبتها الذبول، ولهذا لا يكاد يمر بك يوم في سرور إلا وعقبه حزن، وفي هذا يقول الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا
ويوم نساء ويوم نسر
تأمل حالك في الدنيا تجد أنه لا يمر بك وقت ويكون الصفو فيه دائماً بل لابد من كدر، ولا يكون السرور دائماً بل لابد من حزن، ولا تكون راحة دائماً بل لابد من تعب، فالدنيا على اسمها دنيا. ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ الآخرة خير من الدنيا وأبقى، خير بما فيها من النعيم والسرور الدائم الذي لا ينغص بكدر ﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ [الحجر: ٤٨] . كذلك أيضاً هي أبقى من الدنيا؛ لأن بقاء الدنيا كما أسلفنا قليل زائل مضمحل، بخلاف بقاء الآخرة فإنه أبد الآبدين. ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى﴾ ﴿إن هذا﴾ أي ما ذكر من كون الإنسان يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة وينسى الآخرة، وكذلك ما تضمنته الآيات من المواعظ ﴿لفي الصحف الأولى﴾ أي السابقة على هذه الأمة ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ وهي صحف جاء بها إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وفيها من المواعظ ما تلين به القلوب وتصلح به الأحوال، نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاه الله عذاب النار، إنه جواد كريم.
стр. 165
تفسير سورة الغاشية
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍءَانِيَةٍ * لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَاّ مِن ضَرِيعٍ * لَاّ يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ يجوز أن يكون الخطاب موجه للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحده وأمته تبعاً له، ويجوز أن يكون عاماً لكل من يتأتى خطابه، والاستفهام هنا للتشويق فهو كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ [الصف: ١٠] . ويجوز أن يكون للتعظيم لعظم هذا الحديث عن الغاشية. ﴿حديث الغاشية﴾ أي نبأها وخبرها، و ﴿الغاشية﴾ هي الداهية العظيمة التي تغشى الناس، وهي يوم القيامة التي تحدث الله عنها في القرآن كثيراً، ووصفها بأوصاف عظيمة مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ [الحج: ١، ٢] . ثم قسم الله الناس في هذا اليوم إلى قسمين فقال: ﴿وجوه يومئذ خاشعة﴾ ﴿خاشعة﴾ أي ذليلة كما قال الله تعالى: ﴿وتراهم يعرضون
стр. 166
عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾ [الشورى: ٤٥] . فمعنى خاشعة يعني ذليلة. ﴿عاملة ناصبة﴾ عاملة عملاً يكون به النصب وهو التعب. قال العلماء: وذلك أنهم يكلفون يوم القيامة بجر السلاسل والأغلال، والخوض في نار جهنم، كما يخوض الرجل في الوحل، فهي عاملة تعبة من العمل الذي تكلف به يوم القيامة؛ لأنه عمل عذاب وعقاب، وليس المعنى كما قال بعضهم أن المراد بها: الكفار الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وذلك لأن الله قيد هذا بقوله: ﴿وجوه يومئذ﴾ أي يومئذ تأتي الغاشية، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة. إذن فهي عاملة ناصبة بما تكلف به من جر السلاسل والأغلال، والخوض في نار جهنم أعاذنا الله منها.
﴿تصلى ناراً حامية﴾ أي تدخل في نار جهنم، والنار الحامية التي بلغت من حموها أنها فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا، يعني نار الدنيا كلها بما فيها من أشد ما يكون من حرارة نار جهنم أشد منها بتسعة وستين جزءًا، ويدلك على شدة حرارتها أن حرارة الشمس تصل إلينا مع بعد ما بيننا وبينها، ومع أنها تنفذ من خلال أجواء باردة غاية البرودة وتصل لنا هذه الحرارة التي تدرك ولاسيما في أيام الصيف، فالنار نار حامية، ولما بين مكانهم، وأنهم في نار جهنم الحامية، بين طعامهم وشرابهم فقال: ﴿تسقى من عين آنية. ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ ﴿تسقى﴾ أي هذه الوجوه ﴿من عين آنية﴾ أي شديدة الحرارة، هذا بالنسبة لشرابهم، ومع هذا لا يأتي هذا الشراب بكل سهولة، أو كلما عطشوا سقوا، وإنما يأتي كلما اشتد عطشهم واستغاثوا كما قال تعالى: ﴿وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب﴾ [الكهف: ٢٩] . هذا الماء إذا قرب من وجوههم شواها وتساقط لحمها، وإذا دخل في
стр. 167
أجوافهم قطعها، يقول : ﴿وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعائهم﴾ [محمد: ١٥] . فلا يستفيدون منه لا ظاهراً ولا باطناً، لا ظاهراً بالبرودة ببرد الوجوه، ولا باطناً بالري، ولكنهم ـ والعياذ بالله ـ يغاثون بهذا الماء ولهذا قال: ﴿تسقى من عين آنية﴾ .
فإذا قال قائل: كيف تكون هذه العين في نار جهنم والعادة أن الماء يطفىء النار؟
فالجواب: أولاً: أن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، لو أنها قيست بأمور الدنيا ما استطعنا أن نتصور كيف يكون، أليس الشمس تدنو يوم القيامة من رؤوس الناس على قدر ميل، والميل إما ميل المكحلة وهو نصف الإصبع أو ميل المسافة كيلو وثلث أو نحو ذلك، وحتى لو كان كذلك فإنه لو كانت الآخرة كالدنيا لشوت الناس شيًّا، لكن الآخرة لا تقاس بالدنيا. أيضاً يحشر الناس يوم القيامة في مكان واحد، منهم من هو في ظلمة شديدة، ومنهم من هو في نور ﴿نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم﴾ [التحريم: ٨] . يحشرون في مكان واحد ويعرقون منهم من يصل العرق إلى كعبه، ومنهم من يصل إلى ركبتيته، ومنهم من يصل إلى حِقويه، ومع ذلك هم في مكان واحد. إذن أحوال الآخرة لا يجوز أن تقاس بأحوال الدنيا.
ثانياً: أن الله على كل شيء قدير. ها نحن الآن نجد أن الشجر الأخضر توقد منه النار كما قال تعالى: ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون﴾ [يس: ٨٠] . الشجر الأخضر رَطِب، ومع ذلك إذا ضرب بعضه ببعض، أو ضرب بالزند انقدح خرج منه نار حارة يابسة، وهو رطب بارد، فالله على كل شيء قدير، فهم يسقون من عين آنية في النار ولا يتنافى ذلك مع قدرة الله .
стр. 168
أما طعامهم فقال: ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغني من جوع﴾ الضريع قالوا: إنه شجر ذو شوك عظيم إذا يبس لا يرعاه ولا البهائم، وإن كان أخضر رعته الإبل ويسمى عندنا الشبرق. فهم ـ والعياذ بالله ـ في نار جهنم ليس لهم طعام إلا من هذا الضريع، ولكن لا تظن أن الضريع الذي في نار جهنم كالضريع الذي في الدنيا فهو يختلف عنه اختلافاً عظيماً، ولهذا قال: ﴿لا يسمن﴾ فلا ينفع الأبدان في ظاهرها ﴿ولا يغني من جوع﴾ فلا ينفعها في باطنها فهو لا خير فيه ليس فيه إلا الشوك، والتجرع العظيم، والمرارة، والرائحة المنتنة التي لا يستفيدون منها شيئاً. ثم ذكر الله القسم الثاني من أقسام الناس في يوم الغاشية فقال:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَاّ تَسْمَعُ فِيهَا لَغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ .
﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾ أي ناعمة بما أعطاها الله من السرور والثواب الجزيل؛ لأنها علمت ذلك وهي في قبورها، فإن الإنسان في قبره ينعم، يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها، فهي ناعمة ﴿لسعيها راضية﴾ أي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية لأنها وصلت به إلى هذا النعيم وهذا السرور وهذا الفرح، فهي راضية لسعيها بخلاف الوجوه الأولى فإنها غاضبة ـ والعياذ بالله ـ غير راضية على ما قدمت. ﴿في جنة عالية﴾ الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله لأوليائه يوم القيامة، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا
стр. 169
خطر على قلب بشر، قال الله ﵎: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١١] . وقال ﵎: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١] . وقال الله تعالى: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون﴾ [الزخرف: ٧١] . فهم في ﴿جنة عالية﴾ العلو ضد السفول فهي فوق السماوات السبع، ومن المعلوم أنه في يوم القيامة تزول السماوات السبع والأرضون ولا يبقى إلا الجنة والنار فهي عالية وأعلاها ووسطها الفردوس الذي فوقه عرش الرب جل وعلا. ﴿لا تسمع فيها لاغية﴾ أي لا تسمع في هذه الجنة قولةً لاغية، أو نفساً لاغية، بل كل ما فيها جد، كل ما فيها سلام، كل ما فيها تسبيح، وتحميد، وتهليل، وتكبير، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، أي أنه لا يشق عليهم، فهم دائماً في ذكر الله ، وتسبيح وأنس وسرور، يأتي بعضهم إلى بعض يزور بعضهم بعضاً في حبور لا نظير له.
﴿فيها عين جارية﴾ وهذه العين بين الله أنها أنهار ﴿فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ [محمد: ١٥] . ﴿جارية﴾ أي تجري حيث أراد أهلها لا تحتاج إلى حفر ساقية، ولا إقامة أخدود كما قال ابن القيم ﵀:
أنهارها في غير أخدود جرت
سبحان ممسكها عن الفيضان
﴿فيها سرر مرفوعة. وأكواب موضوعة. ونمارق مصفوفة. وزرابي مبثوثة﴾ انظر للتقابل ﴿فيها سرر مرفوعة﴾ عالية يجلسون عليها
стр. 170
يتفكهون ﴿هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون﴾ [يس: ٥٦] . ﴿وأكواب موضوعة﴾ الأكواب جمع كوب وهو الكأس ونحوه ﴿موضوعة﴾ يعني ليست مرفوعة عنهم، بل هي موضوعة لهم متى شاءوا شربوا فيها من هذه الأنهار الأربعة التي سبق ذكرها. ﴿ونمارق مصفوفة﴾ النمارق جمع نمرقة وهي الوسادة أو ما يتكىء عليه. ﴿مصفوفة﴾ على أحسن وجه تلتذ العين بها قبل أن يلتذ البدن بالاتكاء إليها. ﴿وزرابي مبثوثة﴾ الزرابي أعلى أنواع الفرش ﴿مبثوثة﴾ منشورة في كل مكان، ولا تظن أن هذه النمارق، وهذه الأكواب، وهذه السرر، وهذه الزرابي لا تظن أنها تشبه ما في الدنيا؛ لأنها لو كانت تشبه ما في الدنيا لكنا نعلم نعيم الآخرة، ونعلم حقيقته لكنها لا تشبهه لقول الله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] . إنما الأسماء واحدة والحقائق مختلفة، ولهذا قال ابن عباس ﵄: (ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط) (١) ، فنحن لا نعلم حقيقة هذه النعم المذكورة في الجنة وإن كنا نشاهد ما يوافقها في الاسم في الدنيا لكنه فرق بين هذا وهذا.
﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الَاْرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ * إِلَاّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيْعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الَاْكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَاحِسَابَهُمْ﴾ .
стр. 171
لما قرر الله في هذه السورة حديث الغاشية وهي يوم القيامة، وبين أن الناس ينقسمون إلى قسمين: وجوه خاشعة عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية، ووجوه ناعمة لسعيها راضية، وبين جزاء هؤلاء وهؤلاء، قال: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ وهذا الاستفهام للتوبيخ، أي إن الله يوبخ هؤلاء الذين أنكروا ما أخبر الله به عن يوم القيامة، وعن الثواب والعقاب، أنكر عليهم إعراضهم عن النظر في آيات الله تعالى التي بين أيديهم، وبدأ بالإبل؛ لأن أكثر ما يلابس الناس في ذلك الوقت الإبل، فهم يركبونها، ويحلبونها، ويأكلون لحمها، وينتفعون من أوبارها إلى غير ذلك من المنافع فقال: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل﴾ وهي الأباعر ﴿كيف خلقت﴾ يعني كيف خلقها الله ، هذا الجسم الكبير المتحمل، تجد البعير تمشي مسافات طويلة لا يبلغها الإنسان إلا بشق الأنفس وهي متحملة، وتجد البعير أيضاً يحمل الأثقال وهو بارك ثم يقوم في حمله لا يحتاج إلى مساعدة، والعادة أن الحيوان لا يكاد يقوم إذا حُّمل وهو بارك لكن هذه الإبل أعطاها الله قوة وقدرة من أجل مصلحة الإنسان، لأن الإنسان لا يمكن أن يحمل عليها وهي قائمة لعلوها، ولكن الله تعالى يسر لهم الحمل عليها وهي باركة ثم تقوم بحملها، وكما قال الله تعالى في سورة يس: ﴿ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون﴾ [يس: ٧٣] . منافعها كثيرة لا تحصى، وأهلها الذين يمارسونها أعلم منا بذلك، فلهذا قال: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ ولم يذكر سواها من الحيوان كالغنم والبقر والظبي وغيرها لأنها أعم الحيوانات نفعاً وأكثرها مصلحة للعباد.
﴿وإلى السماء كيف رفعت﴾ يعني وينظرون إلى السماء كيف رفعت بما فيها من النجوم، والشمس، والقمر وغير هذا من
стр. 172
الآيات العظيمة التي لم يتبين كثير منها إلى الآن، ولا نقول إن هذه الآيات السماوية هي كل الآيات، بل لعل هناك آيات كبيرة عظيمة لا ندركها حتى الان، وقوله: ﴿كيف رفعت﴾ أي رفعت هذا الارتفاع العظيم، ومع هذا فليس لها عمد مع أن العادة أن السقوف لا تكون إلا على عمد، لكن هذا السقف العظيم المحفوظ قام على غير عمد ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها﴾ [الرعد: ٢] .
﴿وإلى الجبال كيف نصبت﴾ هذه الجبال العظيمة التي تحمل الصخور والقطع المتجاورات المتباينات، الجبال مكونة من أحجار كثيرة وأنواع كثيرة، فيها المعادن المتنوعة وهي متجاورة ومع ذلك تجد مثلاً هذا الخط في وسط الصخر تجده يشتمل على معادن لا توجد فيما قرب منه من هذا الصخر، ويعرف هذا علماء طبقات الأرض (الجيولوجيا) كيف نصب الله هذه الجبال العظيمة، ونصبها جل وعلا بهذا الارتفاع لتكون رواسي في الأرض لئلا تميد بالناس، لولا أن الله خلق هذه الجبال لمادت الأرض بأهلها، لأن الأرض في وسط الماء، الماء محيط بها من كل جانب، وما ظنك بكرة تجعلها في وسط ماء سوف تتحرك وتضطرب، وتتدحرج أحياناً، وتنقلب أحياناً لكن الله جعل هذه الجبال رواسي تمسك الأرض كما تمسك الأطناب الخيمة، وهي راسية ثابتة على ما يحصل في الأرض من الأعاصير العظيمة التي تهدم البنايات التي بناها الآدميون لكن هذه الجبال لا تتزحزح راسية ولو جاءت الأعاصير العظيمة، بل إن من فوائدها: أنها تحجب الأعاصير العظيمة البالغة التي تنطلق من البحار، أو من غير البحار لئلا تعصف بالناس، وهذا شيء مشاهد تجد الذين في سفوح الجبال وتحتها في الأرض تجدهم في مأمن من أعاصير الرياح العظيمة التي تأتي من خلف الجبل، ففيها
стр. 173
فوائد عظيمة، وهي رواسي لو أن الخلق اجتمعوا على أن يضعوا سلسلة مثل هذه السلسلة من الجبال ما استطاعوا إلى هذا سبيلاً مهما بلغت صنعتهم، وقوتهم، وقدرتهم، وطال أمدهم فإنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذه الجبال.
وقد قال بعض العلماء: إن هذه الجبال راسية في الأرض بمقدار علوها في السماء، يعني أن الجبل له جرثومة وجذر في داخل الأرض في عمق يساوي ارتفاعه في السماء، وليس هذا ببعيد أن يُمكّن الله لهذا الجبل في الأرض حتى يكون بقدر ما هو في السماء لئلا تزعزعه الرياح فلهذا يقول الله : ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: ١٥، ١٦] . يقول : ﴿وإلى الأرض كيف سطحت﴾ أي وانظروا كيف سطح الله هذه الأرض الواسعة، وجعلها سطحاً واسعاً ليتمكن الناس من العيش فيه بالزراعة والبناء وغير هذا، وما ظنكم لو كانت الأرض صبباً غير مسطحة يعني مثل الجبال يرقى لها ويصعد لكانت شاقة، ولما استقر الناس عليها، لكن الله جعلها سطحاً ممهداً للخلق، وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الأرض ليست كروية بل سطح ممتد لكن هذا الاستدلال فيه نظر، لأن هناك آيات تدل على أن الأرض كروية، والواقع شاهد بذلك يقول الله : ﴿يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل﴾ [الزمر: ٥] . والتكوير التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يتعاقبان على الأرض، فإذا كانا مكورين لزم أن تكون الأرض مكورة، وقال الله ﵎: ﴿إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت. وألقت ما فيها وتخلت﴾ [الانشقاق: ١ ـ ٤] . فقال: ﴿وإذا الأرض مدت﴾ وقد جاء في الحديث أنها يوم القيامة تمد مد الأديم أي مد
стр. 174
الجلد (١)
حتى لا يكون فيها جبال، ولا أودية، ولا أشجار، ولا بناء، يذرها الرب قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا ً، فقوله: ﴿إذا السماء انشقت﴾ والسماء لا تنشق إلا يوم القيامة وهي الان غير منشقة إذاً قوله: ﴿إذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت﴾ يعني يوم القيامة فهي إذاً الان غير ممدودة، إذاً مكورة، والواقع المحسوس المتيقن الان أنها كروية لا شك (٢) ، والدليل على هذا أنك لو سرت بخط مستقيم من هنا من المملكة متجهاً غرباً لأتيت من ناحية الشرق، تدور على الأرض ثم تأتي إلى النقطة التي انطلقت منها، وكذلك بالعكس لو سرت متجهاً نحو المشرق وجدتك راجعاً إلى النقطة التي قمت منها من نحو المغرب، إذاً فهي الآن أمر لا شك فيه أنها كروية.
فإذا قال الإنسان: إذا كانت كما ذكرت كروية فكيف تثبت المياه، مياه البحار عليها وهي كروية؟
نقول في الجواب عن ذلك: إن الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه يمسك البحار أن تفيض على الناس فتغرقهم، والله على كل شيء قدير، قال بعض أهل العلم: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ أي حبست ومنعت من أن تفيض على الناس كالشيء الذي يُسجر (يربط) ، وعلى كل حال القدرة الإلهية لا يمكن لنا أن نعارض فيها. نقول قدرة الله أمسكت هذه البحار أن تفيض على أهل الأرض فتغرقهم، وإن كانت الأرض كروية.
ثم قال لما بين من آياته هذه الايات الأربع: الإبل، والسماء، والجبال، والأرض قال لنبيه ﵌
стр. 175
﴿فذكر﴾ أمره الله أن يذكر ولم يخصص أحداً بالتذكير، أي لم يقل ذكّر فلاناً وفلاناً فالتذكير عام، لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بُعث إلى الناس كافة، أي ذكّر كل أحد في كل حال وفي كل مكان، فذكر النبي ﵊، وذكّر خلفاؤه من بعده الذين خلفوه في أمته في العلم والعمل والدعوة، ولكن هذه الذكرى هل ينتفع بها كل الناس؟ الجواب: لا، ﴿فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات: ٥٥] . أما غير المؤمن فإن الذكرى تقيم عليه الحجة لكن لا تنفعه، لا تنفع الذكرى إلا المؤمن، ونقول إذا رأيت قلبك لا يتذكر بالذكرى فاتهمه، لأن الله يقول: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ فإذا ذُكرت ولم تجد من قلبك تأثراً وانتفاعاً فاتهم نفسك، واعلم أن فيك نقص إيمان، لأنه لو كان إيمانك كاملاً لانتفعت بالذكرى، لأن الذكرى لابد أن تنفع المؤمنين. ﴿إنما أنت مذكر﴾ يعني أن محمداً ﵊ ليس إلا مذكراً مبلغاً، وأماالهداية فبيد الله ، ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [البقرة: ٢٧٢] . وقد قام صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالذكرى والتذكير إلى آخر رمق من حياته حتى أنه في آخر حياته يقول: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» (١) ، حتى جعل يغرغر بها ﵊، فذكّر صلوات الله وسلامه عليه منذ بعث وقيل له ﴿قم فأنذر﴾ [المدثر: ٢] .
إلى أن توفاه الله، لم يأل جهداً في التذكير في كل موقف، وفي كل زمان على ما أصابه من الأذى من قومه ومن غير قومه، والذي قرأ التاريخ ـ السيرة النبوية ـ يعرف ما جرى له من أهل مكة من قومه الذين هم أقرب الناس إليه، والذين كانوا يعرفونه، ويلقبونه
стр. 176
بالأمين يلقبونه بذلك ويثقون به حتى حكّموه في وضع الحجر الأسود في الكعبة حينما هدموا الكعبة ووصلوا إلى حد الحجر قالوا من ينصب الحجر، فتنازعوا بينهم كل قبيلة تقول نحن الذين نتولى وضع الحجر في مكانه، حتى جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحكموه فيما بينهم وأمر أن يوضع رداء وأن تمسك كل واحدة من هذه القبائل بطرف من هذا الرداء حتى يرفعوه، فإذا حاذوا محله أخذه هو بيده الكريمة ونصبه في مكانه، (١) فكانوا يلقبونه بالأمين لكن لما أكرمه الله تعالى بالنبوة انقلبت المعايير، فصاروا يقولون إنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون وكذاب، ورموه بكل سب، فالرسول ﵊ يذكّر وليس عليه إلا التذكير، ومن هنا نأخذ أن الهداية بيد الله، لا يمكن أن نهدي أقرب الناس إلينا ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] . فلا نجزع إذا ذكّرنا إنساناً ووجدناه يعاند، أو يخاصم، أو يقول أنا أعمل ما شئت، أو ما أشبه ذلك. قال الله تعالى لنبيه: ﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾ [الشعراء: ٣] . لا تهلك نفسك إذا لم يؤمنوا، إيمانهم لهم وكفرهم ليس عليك ولهذا قال: ﴿لست عليهم بمصيطر﴾ يعني ليس لك سلطة عليهم، ولا سيطرة عليهم، السلطة لله رب العالمين، أنت عليك البلاغ بلغ، والسلطان والسيطرة لله . ﴿إلا من تولى وكفر.
فيعذبه الله العذاب الأكبر﴾ قال العلماء: ﴿إلا﴾ هنا بمعنى لكن يعني أن الاستثناء في الآية منقطع وليس بمتصل، والفرق بين المتصل والمنقطع أن المتصل يكون فيه المستثنى من جنس المستنثى منه، والمنقطع يكون أجنبيًّا منه، فمثلاً لو قلنا إنه متصل لصار معنى الآية
стр. 177
(لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فأنت عليهم مصيطر) وليس الأمر كذلك بل المعنى: لكن من تولى وكفر بعد أن ذكرته فيعذبه الله العذاب الأكبر. فمن تولى وكفر بعد أن بلغه الوحي النازل على رسول الله ﷺ فإنه سيعذب ﴿إلا من تولى وكفر﴾ التولي يعني الإعراض فلا يتجه للحق، ولا يقبل الحق، ولا يسمع الحق، حتى لو سمعه بأذنه لم يسمعه بقلبه كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون. ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ [الأنفال: ٢٠، ٢١] . أي لا ينقادون. فهنا يقول : ﴿إلا من تولى وكفر﴾ ﴿تولى﴾ أعرض، ﴿وكفر﴾ أي استكبر ولم يقبل ما جاء به الرسول ﵊ ﴿فيعذبه الله العذاب الأكبر﴾ والعذاب الأكبر يوم القيامة وهنا قال ﴿الأكبر﴾ ولم يذكر المفضل عليه يعني لم يقل الأكبر من كذا فهو قد بلغ الغاية في الكبر والمشقة والإهانة، وكل من تولى وكفر فإن الله يعذبه العذاب الأكبر. وهناك عذاب أصغر في الدنيا قد يبتلى المتولي المعرض بأمراض في بدنه، أو في عقله، أو في أهله، أو في ماله، أو في مجتمعه، وكل هذا بالنسبة لعذاب النار عذاب أصغر، لكن العذاب الأكبر إنما يكون يوم القيامة ولهذا قال بعدها: ﴿إن إلينا إيابهم﴾ أي مرجعهم، فالرجوع إلى الله مهما فر الإنسان فإنه راجع إلى ربه لو طالت به الحياة راجع إلى الله، ولهذا قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾ [الانشقاق: ٦] .
فاستعد يا أخي لهذه الملاقاة لأنك سوف تلاقي ربك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ـ مباشرة بدون مترجم يكلمه الله يوم القيامة ـ فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه ـ يعني على اليسار ـ فلا يرى إلا
стр. 178
ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» (١) ، كلنا سيخلو به ربه يوم القيامة ويقرره بذنوبه، يقول: فعلت كذا في يوم كذا، حتى يقر ويعترف، فإذا أقر واعترف قال الله تعالى: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (٢) ، وكم من ذنوب سترها الله ، كم من ذنوب اقترفناها لم يعلم بها أحد ولكن الله تعالى علم بها، فموقفنا من هذه الذنوب أن نستغفر الله ، وأن نكثر من الأعمال الصالحة المكفرة للسيئات حتى نلقى الله ونحن على ما يرضيه .
﴿ثم إن علينا حسابهم﴾ نحاسبهم، قال العلماء: وكيفية الحساب ليس مناقشة يناقش الإنسان، لأنه لو يناقش هلك، لو يناقشك الله على كل حساب هلكت، لو ناقشك في نعمة من النعم كالبصر لا يمكن أن تجد أي شيء تعمله يقابل نعمة البصر، نعمة النفس، الذي يخرج ويدخل بدون أي مشقة، وبدون أي عناء، الإنسان يتكلم وينام، يأكل ويشرب، ومع ذلك لا يحس بالنفس، ولا يعرف قدر النفس إلا إذا أصيب بما يمنع النفس، حينئذ يذكر نعمة الله، لكن مادام في عافية يقول هذا شيء طبيعي، لكن لو أنه أصيب بكتم النفس لعرف قدر النعمة، فلو نوقش لهلك كما قال النبي ﵊ لعائشة: «من نوقش الحساب هلك» (٣) أو قال «عذب» (٤) ، لكن كيفية الحساب:
стр. 179
أما المؤمن فإن الله تعالى يخلو به بنفسه ليس عندهما أحد ويقرره بذنوبه فعلت كذا فعلت كذا، فعلت كذا حتى إذا أقر بها قال الله تعالى: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» ، أما الكفار فلا يحاسبون هذا الحساب لأنه ليس لهم حسنات تمحو سيئاتهم لكنها تحصى عليهم أعمالهم، ويقررون بها أمام العالم، ويحصون بها، وينادى على رؤوس الأشهاد ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] .
ـ نعوذ بالله من الخذلان ـ وبهذا ينتهي الكلام على هذه السورة العظيمة وهي إحدى السورتين اللتين كان النبي ﷺ يقرأ بهما في المجامع الكبيرة، فقد كان يقرأ في صلاتي العيدين ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ وكذلك في صلاة الجمعة (١) ، ويقرأ أحياناً في العيدين ﴿ق. والقرآن المجيد﴾ و ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ (٢) ، وفي الجمعة سورة الجمعة والمنافقين (٣) ، ينوع مرة هذا، ومرة هذا، نسأل الله أن يجعلنا ممن تكون وجوههم ناعمة لسعيها راضية، وأن يتولانا بعنايته في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير.
стр. 180
تفسير سورة الفجر
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَالَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى الَاْوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى الْبِلَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .
البسملة: تقدم الكلام عليها.
﴿والفجر. وليال عشر. والشفع والوتر. والليل إذا يسر﴾ كل هذه إقسامات بالفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر، خمسة أشياء أقسم الله تعالى بها، الأول: الفجر ﴿والفجر﴾ هو النور الساطع الذي يكون في الأفق الشرقي قرب طلوع الشمس، وبينه وبين طلوع الشمس ما بين ساعة واثنتين وثلاثين دقيقة، إلى ساعة وسبع عشرة دقيقة، ويختلف باختلاف الفصول، فأحياناً تطول الحصة ما بين الفجر وطلوع الشمس، وأحياناً تقصر حسب الفصول، والفجر فجران: فجر صادق، وفجر كاذب، والمقصود بالفجر هنا الفجر الصادق، والفرق بين الفجر الصادق والكاذب من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: الفجر الكاذب يكون مستطيلاً في السماء ليس