يعمل عملاً يغضب الله، لكن مع ذلك ينتهي إلى الله إذاً قوله: ﴿يا أيها الإنسان﴾ يعم كل إنسان مؤمن وكافر ﴿إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾ الفاء يقول النحويون: إنها تدل على الترتيب والتعقيب، يعني، فأنت ملاقيه عن قرب ﴿إن ما توعدون لآت﴾ [الأنعام: ١٣٤] . وكل آت قريب ﴿وما يدريك لعل الساعة قريب﴾ [الشورى: ١٧] . وإذا شئت أن يتبين لك أن ملاقاة الرب قريبة فانظر ما مضى من عمرك الان، لو مضى لك مئة سنة كأنما هذه السنوات ساعة واحدة. كل الذي مضى من أعمارنا كأنه ساعة واحدة.
إذاً هو قريب، ثم إذا مات الإنسان، فالبرزخ الذي بين الحياة الدنيا والآخرة قريب قريب كاللحظة، والإنسان إذا نام نوماً هادئاً ولنقل نام أربعاً وعشرين ساعة، وقام فإنه يقدر النوم بدقيقة واحدة مع أنه نام أربعاً وعشرين ساعة، فإذا كان هذا في مفارقة الروح في الحياة يمضي الوقت بهذه السرعة، فما بالك إذا كانت الروح بعد خروجها من البدن مشغولة إما بنعيم أو جحيم، ستمر السنوات على الإنسان كأنها لا شيء، لأن امتداد الزمن في حال يقظتنا ليس كامتداد الزمن في حال نومنا، فالإنسان المستيقظ من طلوع الشمس إلى زوال الشمس يحس بأن الوقت طويل، لكن لو كان نائماً ما كأنها شيء، والذي أماته الله مئة عام ثم بعثه ﴿قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم﴾ (البقرة: ٢٥٩) . وأصحاب الكهف لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وتسع سنين، فلما بُعثوا قال بعضهم لبعض: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وهذا يدل على أن الإنسان يتعجب كيف تذهب السنوات على هؤلاء الأموات؟ نقول نعم، السنوات ما كأنها إلا دقيقة واحدة، لأن حال الإنسان بعد أن تفارق الروح بدنه سواء كانت مفارقة كلية أو جزئية غير
стр. 107
حاله إذا كانت الروح في البدن، فإذا كانت الروح في البدن يعاني من المشقة والمشاكل والهواجيس والوساوس أشياء تطيل عليه الزمن، لكن في النوم يتقلص الزمن كثيراً، في الموت يتقلص أكثر وأكثر، فهؤلاء الذين ماتوا منذ سنين طويلة كأنهم لم يموتوا إلا اليوم فلو بعثوا وقيل لهم كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وهذه مسألة قد يرد على الإنسان فيها إشكال، ولكن لا إشكال في الموضوع مهما طالت المدة بأهل القبور فإنها قصيرة، ولهذا قال: ﴿فملاقيه﴾ (بالفاء) الدالة على الترتيب والتعقيب، وما أسرع أن تلاقي الله .
ثم قسم الله الناس عند ملاقاته تعالى إلى قسمين: منهم من يأخذ كتابه بيمينه، ومنهم من يأخذ كتابه من وراء ظهره، ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ لما ذكر أن الإنسان كادح إلى ربه ﴿كادحاً﴾ أي عامل بجد ونشاط وأن عمله هذا ينتهي إلى الله كما قال الله تعالى: ﴿ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣] . لما ذكر هذا قال: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ ، إشارة إلى أن هؤلاء العاملين منهم من يؤتى كتابه بيمينه، ومنهم من يؤتى كتابه من وراء ظهره ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ و ﴿أوتي﴾ هنا فعل مبني لما لم يسم فاعله، فمن الذي يؤتيه؟ يحتمل أنه الملائكة، أو غير ذلك لا ندري، المهم أنه يعطى كتابه بيمينه أي يستلمه باليمنى. ﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ أي يحاسبه الله تعالى بإحصاء عمله عليه، لكنه حساب يسير، ليس فيه أي عسر كما جاءت بذلك السنة: أن الله يخلو بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه، فيقول: عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا، ويقر بذلك ولا ينكر فيقول الله تعالى: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك
стр. 108
اليوم» (١) ، ولا شك أن هذا حساب يسير يظهر فيه منّة الله على العبد، وفرحه بذلك واستبشاره. والمحاسب له هو الله كما قال تعالى: ﴿إن إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦] . ﴿وينقلب إلى أهله مسروراً﴾ ينقلب من الحساب إلى أهله في الجنة مسروراً، أي مسرور القلب، وقد أخبر النبي ﵊ أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر (٢) ،
ثم هم بعد ذلك درجات، وهذا يدل على سرور القلب؛ لأن القلب إذا سُر استنار الوجه ﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره. فسوف يدعو ثبورًا. ويصلى سعيًرا﴾ هؤلاء هم الأشقياء والعياذ بالله، يؤتى كتابه وراء ظهره وليس عن يمينه، وفي الآية الأخرى في سورة الحاقة ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ [الحاقة: ٢٥] . فقيل: إن من لا يؤتى كتابه بيمينه ينقسم إلى قسمين: منهم من يؤتى كتابه بالشمال، ومنهم من يؤتى كتابه وراء ظهره، والأقرب والله أعلم أنه يؤتى كتابه بالشمال، ولكن تلوى يده حتى تكون من وراء ظهره، إشارة إلى أنه نبذ كتاب الله وراء ظهره، فيكون الأخذ بالشمال ثم تلوى يده إلى الخلف إشارة إلى أنه قد ولى ظهره كتاب الله ولم يبال به، ولم يرفع به رأساً، ولم ير بمخالفته بأساً.
﴿فسوف يدعو ثبوراً﴾ أي يدعو على نفسه بالثبور، يقول: واثبوراه يا ويلاه، وما أشبه ذلك من كلمات الندم والحسرة، ولكن هذا لا ينفع في ذلك اليوم؛ لأنه انتهى وقت العمل، فوقت العمل هو في الدنيا، أما في الآخرة فلا عمل وإنما هو الجزاء ﴿ويصلى سعيًرا﴾ أي يصلى النار التي
стр. 109
تسعر به ويكون مخلداً فيها أبداً، لأنه كافر ﴿إنه كان في أهله مسروراً﴾ إنه كان في الدينا في أهله مسروراً، ولكن هذا السرور أعقبه الندم والحزن الدائم المستمر، واربط بين قوله تعالى فيمن أوتي كتابه بيمينه ﴿وينقلب إلى أهله مسروراً﴾ ، وهذا ﴿كان في أهله مسروراً﴾ تجد فرقاً بين السرورين، فسرور الأول سرور دائم ـ نسأل الله أن يجعلنا منهم ـ وسرور الثاني سرور زائل، ذهب ﴿كان في أهله مسروراً﴾ أما الان فلا سرور عنده ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ أي: ألا يرجع بعد الموت، ولهذا كانوا ينكرون البعث ويقولون لا بعث، ويقولون: من يحيي العظام وهي رميم ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ قال تعالى: ﴿بلى﴾ أي سيحور ويرجع ﴿إن ربه كان به بصيراً﴾ يعني أنه سيرجع إلى الله الذي هو بصير بأعماله، وسوف يحاسبه عليها على ما تقتضيه حكمته وعدله.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ * فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَاّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
﴿فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا اتسق. لتركبن طبقاً عن طبق﴾ . هذه الجملة مكونة من قسم، ومُقسم به، ومقسم عليه، ومُقسِم، فالقسم في قوله: ﴿لا أقسم بالشفق﴾ قد يظن الظان أن معنى ﴿لا أقسم﴾ نفي، وليس كذلك بل هو إثبات و ﴿لا﴾
стр. 110
هنا جيء بها للتنبيه، ولها نظائر مثل ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ . ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ . ﴿فلا أقسم برب المشارق﴾ . ﴿فلا أقسم بما تبصرون﴾ . وكلها يقول العلماء: إن (لا) فيها للتنبيه، وأن القسم مثبت، أما المقسِم فهو الله أما المقسَم به في هذه الآية فهو الشفق وما عطف عليه.
فإن قال قائل: لماذا يقسم الله على خبره وهو سبحانه الصادق بلا قسم؟ وكذلك يقسم النبي ﵌ على خبره وهو صادق بلا قسم؟
قلنا: إن القسم يؤكد الكلام، والقرآن الكريم نزل باللسان العربي وإذا كان من عادتهم أنهم يؤكدون الكلام بالقسم صار هذا الأسلوب جارياً على اللسان العربي الذي نزل به القرآن.
وقوله: ﴿بالشفق﴾ الشفق هو الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس. وإذا غابت هذه الحمرة خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء، هذا قول أكثر العلماء، ﴿والليل وما وسق﴾ هذا أيضاً مقسم به معطوف على الشفق، يعني وأقسم بالليل وما وسق وهذان قسمان ﴿والليل وما وسق﴾ الليل معروف ﴿وما وسق﴾ أي ما جمع، لأن الليل يجمع الوحوش والهوام وما أشبه ذلك، تجتمع وتخرج وتبرز من جحورها وبيوتها، وكذلك ربما يشير إلى اجتماع الناس بعضهم إلى بعض. ﴿والقمر إذا اتسق﴾ القمر معروف.
стр. 111
ومعنى ﴿إذا اتسق﴾ يعني إذا اجتمع نوره وتم وكمل، وذلك في ليالي الإبدار. فأقسم الله ﴿بالليل وما وسق﴾ أي ما جمع. وبالقمر لأنه آية الليل، ثم قال بعد ذلك: ﴿لتركبن طبقاً عن طبق﴾ هذه الجملة جواب القسم وهي مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم، واللام، ونون التوكيد والخطاب هنا لجميع الناس، أي لتتحولن حالاً عن حال، وهو يعني أن الأحوال تتغير فيشمل أحوال الزمان، وأحوال المكان، وأحوال الأبدان، وأحوال القلوب:
الأول: أحوال الزمان تتنقل ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ [آل عمران: ١٤٠] . فيوم يكون فيه السرور والانشراح وانبساط النفس، ويوم آخر يكون بالعكس، حتى إن الإنسان ليشعر بهذا من غير أن يكون هناك سبب معلوم، وفي هذا يقول الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا
ويوم نساء ويوم نسر
وهذا شيء يعرفه كل واحد بنفسه تصبح اليوم فرحاً مسروراً وفي اليوم الثاني بالعكس بدون سبب لكن هكذا لابد أن الإنسان يركب طبقاً عن طبق. وتتغير حال الزمان من أمن إلى خوف، ومن حرب إلى سلم، ومن قحط إلى مطر، ومن جدب إلى خصب إلى غير ذلك من تقلبات الأحوال..
الثاني: الأمكنة ينزل الإنسان هذا اليوم منزلاً، وفي اليوم التالي منزلاً آخر، وثالثاً ورابعاً إلى أن تنتهي به المنازل في الآخرة، وما قبل الآخرة وهي القبور هي منازل مؤقتة. القبور ليست هي آخر المنازل بل هي مرحلة. وسمع أعرابي رجلاً يقرأ قول الله تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾ فقال الأعرابي: «والله ما الزائر بمقيم» فالأعرابي بفطرته عرف أن وراء هذه القبور شيئاً يكون المصير إليه، لأنه كما هو معلوم الزائر يزور ويمشي، وبه نعرف أن ما نقرؤه في الجرائد «فلان توفي ثم نقلوه إلى مثواه الأخير» أن هذه الكلمة غلط كبير ومدلولها كفر بالله كفر باليوم الآخر، لأنك إذا جعلت القبر هو المثوى
стр. 112
الأخير فهذا يعني أنه ليس بعده شيء، والذي يرى أن القبر هو المثوى الأخير وليس بعده مثوى، كافر، فالمثوى الأخير إما جنة وإما نار.
الثالث: الأبدان يركب الإنسان فيها طبقاً عن طبق واستمع إلى قول الله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير﴾ [الروم: ٥٤] . أول ما يخلق الإنسان طفلاً صغيراً يمكن أن تجمع يديه ورجليه بيد واحدة منك وتحمله بهذه اليد ضعيفًا، ثم لايزال يقوى رويداً رويداً حتى يكون شاباً جلداً قوياً، ثم إذا استكمل القوة عاد فرجع إلى الضعف، وقد شبه بعض العلماء حال البدن بحال القمر يبدو هلالاً ضعيفاً، ثم يكبر شيئاً فشيئاً حتى يمتلىء نوراً، ثم يعود ينقص شيئاً فشيئاً حتى يضمحل، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة.
الرابع: حال القلوب وما أدراك ما أحوال القلوب؟! أحوال القلوب هي النعمة وهي النقمة، والقلوب كل قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء (١) ، فإن شاء أزاغه وإن شاء هداه، ولما حدّث النبي ﵊ في هذا الحديث قال: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (٢) ، فالقلوب لها أحوال عجيبة، فتارة يتعلق القلب بالدنيا، وتارة يتعلق بشيء من الدنيا، وتارة يتعلق بالمال ويكون المال أكبر همه، وتارة يتعلق بالنساء وتكون النساء أكبر همه، وتارة يتعلق بالقصور والمنازل ويكون ذلك أكبر همه، وتارة يتعلق بالمركوبات والسيارات ويكون ذلك أكبر همه، وتارة يكون مع الله
стр. 113
عز وجل، دائماً مع الله يتعلق بالله ، ويرى أن الدنيا كلها وسيلة إلى عبادة الله، وطاعتة، فيستخدم الدنيا من أجل تحقيق العبودية لله ؛ لأنها خلقت له ولا تستخدمه الدنيا. وهذه أعلى الأحوال وأصحاب الدنيا هم الذين يخدمونها، هم الذين أتعبوا أنفسهم في تحصيلها.
لكن أصحاب الآخرة هم الذين استخدموا الدنيا وخدمتهم الدنيا، ولذلك لا يأخذونها إلا عن طريق رضى الله، ولا يصرفونها إلا في رضى الله ، فاستخدموها أخذاً وصرفاً، لكن أصحاب الدنيا الذين تعبوا بها سهروا الليالي يراجعون الدفاتر، يراجعون الشيكات، يراجعون المصروفات، يراجعون المدفوعات، يراجعون ما أخذوا وما صرفوا، هؤلاء في الحقيقة استخدمتهم الدنيا ولم يستخدموها، لكن الرجل المطمئن الذي جعل الله رزقه كفافاً يستغني به عن الناس، ولا يشقى به عن طاعة الله، هذا هو الذي خدمته الدنيا، هذه أحوال القلوب، وأحوال القلوب هي أعظم الأحوال الأربع، ولهذا يجب علينا جميعاً أن نراجع قلوبنا كل ساعة كل لحظة أين صرفت أيها القلب؟ أين ذهبت؟ لماذا تنصرف عن الله؟ لماذا تلتفت يميناً وشمالاً؟ ولكن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وقد غلب على كثير من الناس، حتى إن الإنسان ليصرف عن صلاته التي هي رأس ماله بعد الشهادتين فتجده إذا دخل في صلاته ذهب قلبه يميناً وشمالاً، حتى يخرج من صلاته ولم يعقل منها شيئاً، والناس يصيحون يقولون صلاتنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر أين وعد الله؟ فيقال: يا أخي هل صلاتك صلاة إذا كنت من حين تكبر تفتح لك باب الهواجيس التي لا نهاية لها، فهل أنت مصل؟ صليت بجسمك لكن لم تصل بقلبك، ويقال لمثل هؤلاء: إن الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي الصلاة التي يعقل فيها صاحبها ما يقرأه من القرآن والأذكار والتسبيح والأدعية ويحافظ على ركوعها وسجودها وخشوعها وطمأنينتها أما الصلاة التي يهيم فيها القلب في كل واد ويخرج منها ولم يدر ما قرأ فلا تنهى عن الفحشاء والمنكر من أجل ذلك أخبر رسول الله ﷺ : «إنه ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها نصفها، ربعها، ثلثها، عشرها،
стр. 114
خمسها» (١)
حسب ما تعقل منها، إذاً فالقلوب تركب طبقاً عن طبق ثم قال تعالى: ﴿فما لهم لا يؤمنون. وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون﴾ ﴿ما لهم﴾ أي شيء يمنعهم من الإيمان، وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله، أي شيء يمنعهم من الإيمان، وأي شيء يضرهم إذا آمنوا، قال مؤمن آل فرعون: ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ [غافر: ٢٨] . فأي شيء على الإنسان إذا آمن؟ ولهذا قال موبخاً لهم: ﴿فما لهم لا يؤمنون. وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون﴾ أي لا يخضعون لله فالسجود هنا بمعنى الخضوع لله، وإن لم تسجد على الأرض لكن يسجد القلب ويلين ويذل، إن كان الأمر كذلك فأنت من المؤمنين ﴿إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ [الأنفال: ٢] . وإن لم يكن قلبك كذلك ففيك شبهٌ من المشركين الذين إذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون، ومن علامات الخضوع لله عند قراءة القرآن أن الإنسان إذا قرأ آية سجدة سجد لله ذلاً له وخضوعاً، وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب سجود التلاوة. وقال: إن الإنسان إذا مر بآية سجدة ولم يسجد كان آثماً. والصحيح: أنها ليست بواجبة وإن كان هذا القول أعني القول بالوجوب هو مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لكن هذا قول مرجوح، وذلك أنه ثبت في الصحيح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب الناس يوماً فقرأ سورة النحل فلما وصل آية السجدة نزل من المنبر فسجد، ثم قرأها من الجمعة الثانية فمر بها ولم يسجد فقال ﵁: إن الله لم
стр. 115
يفرض علينا السجود إلا أن نشاء (١) ،
وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃ ولم يُنكر عليه أحد. وسنته ﵁ من السنن التي أُمرنا باتباعها، وعلى هذا فالقول الراجح أن سجود التلاوة ليس بواجب، لكنه سنة مؤكدة، فإذا مررت بآية سجدة فاسجد في أي وقت كنت في الصباح، أو في المساء، في الليل، أو في النهار، تكبر عند السجود، وإذا رفعت فلا تكبر ولا تسلم هذا إذا سجدت خارج الصلاة، أما إن سجدت في الصلاة فلابد أن تكبر إذا سجدت، وأن تكبر إذا نهضت؛ لأنها لما كانت في الصلاة كان لها حكم السجود في الصلاة. قال الله تعالى: ﴿بل الذين كفروا يكذبون.
والله أعلم بما يوعون﴾ لما ذكر أنهم إذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون بيّن أن سبب تركهم السجود هو تكذيبهم بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، لأن كل من كان إيمانه صادقاً فلا بد أن يمتثل الأمر، وأن يجتنب النهي، لأن الإيمان الصادق يحمل صاحبه على ذلك، ولا تجد شخصاً ينتهك المحارم أو يترك الواجبات إلا بسبب ضعف إيمانه، ولهذا كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان، فمتى رأيت الرجل يترك الواجبات، أو بعضاً منها، أو يفعل المحرمات فاعلم أن إيمانه ضعيف إذ لو كان إيمانه قوياً ما أضاع الواجبات ولا انتهك المحظورات، ولهذا قال تعالى هنا: ﴿بل الذين كفروا يكذبون﴾ أي في تركهم السجود كان ذلك بسبب تكذيبهم لما جاءت به الرسل ﴿والله أعلم بما يوعون﴾ أي أنه أعلم بما يوعونه أي بما يجمعونه في صدورهم، وما
стр. 116
يجمعونه من أموالهم، وما يجتمعون عليه من منابذة الرسل ومخالفة الرسل، بل محاربة الرسل وقتالهم، والكفار أعداء للرسل من حين بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم يجمعون لهم وهذا وعيد لهم بدليل قوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ أخبرهم بالعذاب الأليم الذي لابد أن يكون، والخطاب في قوله: ﴿فبشرهم﴾ عام للرسول ﵌ ولكل من يصح خطابه. ثم قال: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون﴾ ﴿إلا﴾ هذه بمعنى لكن ولا تصح أن تكون استثناء متصلاً، لأن الذين آمنوا ليسوا من المكذبين في شيء، بل هم مؤمنون مصدقون، وهذا هو الاستثناء المنقطع، أي إذا كان المستثنى ليس من جنس المستنثى منه فهو استثناء منقطع وتقدر ﴿إلا﴾ بـ (لكن) أي لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجرٌ غير ممنون.
الذين آمنوا بقلوبهم، واستلزم إيمانهم قيامهم بالعمل الصالح، هؤلاء هم الذين ليس لهم عذاب ولا ينتظرون العذاب لهم أجر غير ممنون. أي ثواب غير غير مقطوع، وقيل: لا يلحقهم به من الأذي..
فإن قيل: ما هو العمل الصالح؟ الذي يترتب عليه هذا الأجر.؟
فالجواب: أن العمل الصالح ما جمع شيئين:
الأول: الإخلاص لله تعالى بأن لا يريد بعمله إلا وجه لله وابتغاء مرضاته، وابتغاء ثوابه، وابتغاء النجاة من النار فلا يريد شيئاً من الدنيا
стр. 117
وزينتها، ولهذا قال العلماء: إن الأعمال التي لا تقع إلا عبادة لا يصح أخذ الأجرة عليها كالآذان والإمامة وقراءة القرآن ونحوها، لكن لا باس أن ياخذ شيئاً من بيت المال على ما يعم نفعه، كالآذان والإمامة والتدريس ونحوها..
الثاني: أن يكون متبعاً فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي أن يتبع الإنسان رسول الله ﷺ في عمله فعلاً لما فعل، وتركاً لما ترك. فما فعله النبي ﷺ تعبداً مع وجود سببه فالسنة فعله إذا وجد سببه. وما وجد سببه في عهد الرسول ﵌ ولم يفعله فإن السنة تركه.
﴿لهم أجر﴾ أي ثواب ﴿غير ممنون﴾ أي غير مقطوع، بل هو مستمر أبد الآبدين، والآيات في تأبيد الجنة كثيرة معلومة في الكتاب والسنة، فأجر الآخرة لا ينقطع أبداً، ليس كالدنيا فيه وقت تثمر الأشجار ووقت لا تثمر، أو وقت تنبت الأرض ووقت لا تنبت، فالجنة الأجر فيها دائم، ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً﴾ ﴿مريم: ٦٢﴾ .. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المؤمنين العاملين بالصالحات، المجتنبين للسيئات، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 118
تفسير سورة البروج
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَبُ الاُْخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَاّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالَاْرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿والسماء ذات البروج﴾ الواو هذه حرف قسم يعني يقسم تعالى بالسماء ﴿ذات البروج﴾ أي صاحبة البروج، والبروج جمع برج، وهو المجموعة العظيمة من النجوم وسميت بروجاً لعلوها وارتفاعها وظهورها وبيانها، والبروج عند الفلكيين اثني عشر برجاً جمعت في قول الناظم:
حملٌ فثور فجوزاء ... فسرطان فأسدٌ سنبلة ميزان
فعقربٌ قوسٌ فجدي وكـ ... ذا دلو وذي آخرها الحيتان
فهي اثنا عشر برجاً، ثلاثة منها للربيع، وثلاثة للصيف، وثلاثة للخريف، وثلاثة للشتاء، فيقسم الله تعالى بالسماء ذات البروج وله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، أما نحن فلا نقسم إلا بالله، بأسمائه
стр. 119
وصفاته، ولا نقسم بشيء من المخلوقات لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (١) ولقوله ﵊: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٢)، قوله تعالى: ﴿واليوم الموعود﴾ اليوم الموعود هو يوم القيامة، وعد الله تعالى به وبينه في كتابه، ونصب عليه الأدلة العقلية التي تدل على أنه واقع حتماً، كما قال تعالى: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنَّا كنا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
﴿وشاهد ومشهود﴾ ذكر علماء التفسير في الشاهد والمشهود عدة أقوال يجمعها أن الله أقسم بكل شاهد وبكل مشهود، والشهود كثيرون منهم محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهيداً علينا، كما قال الله تعالى: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) (النساء: من الآية ٤١) ومنهم هذه الأمة شهداء على الناس، (وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: من الآية ١٤٣) وأعضاء الإنسان يوم القيامة تشهد عليه بما عمل من خير وشر كما قال تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ومنهم الملائكة يشهدون يوم القيامة، فكل من شهد بحق فهو داخل في قوله ﴿وشاهد﴾ وأما ﴿المشهود﴾ فهو يوم القيامة وما يعرض فيه من الأهوال العظيمة كما قال تعالى: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾ [هود: ١٠٣]. فأقسم الله بكل شاهد وبكل مشهود. ﴿قتل أصحاب الأخدود﴾ هذه الجملة جواب القسم ﴿قتل﴾ يعني أهلك، وقيل: القتل هنا بمعنى اللعن، وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، و ﴿أصحاب الأخدود﴾ هم قوم كفار أحرقوا المؤمنين بالنار، وقد وردت قصص متعددة في هؤلاء القوم منها شيء في الشام، ومنها شيء في اليمن، والمقصود أن هؤلاء الكفار حاولوا بالمؤمنين أن يرتدوا عن دينهم، ولكنهم عجزوا فحفروا أخدوداً حُفراً
стр. 120
ممدودة في الأرض كالنهر وجمعوا الحطب الكثير وأحرقوا المؤمنين بها ـ والعياذ بالله ـ ولهذا قال: ﴿النار ذات الوقود﴾ يعني أن الأخدود هي أخدود النار. ﴿ذات الوقود﴾ أي الحطب الكثير المتأجج.
﴿إذ هم عليها قعود﴾ يعني أن هؤلاء الذين حفروا الأخاديد وألقوا فيها المؤمنين كانوا ـ والعياذ بالله ـ عندهم قوة وجبروت يرون النار تلتهم هؤلاء البشر وهم قعود عليها على الأسرة، فكهون كأن شيئاً لم يكن، وهذا من الجبروت أن يرى الإنسان البشر تلتهمه النار وهو جالس على سريره يتفكه بالحديث ولا يبالي. ﴿وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود﴾ يعني هم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين أي حضور لا يغيب عنهم ما فعلوه بالمؤمنين، ولذلك استحقوا هذا الوعيد، بل استحقوا هذه العقوبة أن الله أهلكهم ولعنهم وطردهم وأبعدهم عن رحمته. ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾ أي ما أنكر هؤلاء الذين سعروا النار بأجساد هؤلاء المؤمنين إلا هذا، أي: إلا أنهم آمنوا بالله ﴿إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾ وهذا من باب توكيد الذم بما يشبه المدح، لأن الإيمان بالله ليس محل إنكار وهذا الإنكار أحق أن ينكر؛ لأن المؤمن بالله العزيز الحميد يجب أن يساعد ويعان، وأن تسهل له الطرق، أما أن يمنع ويردع حتى يصل الحد إلى أن يحرق بالنار فلا شك أن هذا عدوان كبير، وليس هذا بمنكر عليهم، بل هم يحمدون على ذلك؛ لأنهم عبدوا من هو أهل للعبادة، وهو الله جل وعلا، الذي خلق الخلق ليقوموا بعبادته، فمن قام بهذه العبادة فقد عرف الحكمة من الخلق وأعطاها حقها. وقوله: ﴿إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾ العزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، فهو له الغلبة والعزة على كل أحدوالقهر، ولما قال المنافقون: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ قال الله ﵎: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
стр. 121
ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ [المنافقون: ٨] .
وقوله: ﴿الحميد﴾ بمعنى المحمود فالله محمود على كل حال وكان من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه إذا جاءه ما يُسر به قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات» ، وإذا جاءه خلاف ذلك قال: «الحمد لله على كل حال» (١) ، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يقول عند المكروه «الحمد لله على كل حال» أما ما يقوله بعض الناس (الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه) فهذا خلاف ما جاءت به السنة به، قل كما قال النبي ﵊: «الحمد لله على كل حال» أما أن تقول: (الذي لا يحمد على مكروه سواه) فكأنك الان تعلن أنك كاره ما قدر الله عليك، وهذا لا ينبغي، بل الواجب أن يصبر الإنسان على ما قدر الله عليه مما يسوؤه أو يُسره، لأن الذي قدره الله هو ربك وأنت عبده، هو مالكك وأنت مملوك له، فإذا كان الله هو الذي قدر عليك ما تكره فلا تجزع، يجب عليك الصبر وألا تتسخط لا بقلبك ولا بلسانك ولا بجوارحك، اصبر وتحمل والأمر سيزول ودوام الحال من المحال، قال النبي ﵊: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً» (٢) ، فالله محمود على كل حال من السراء أو الضراء؛ لأنه إن قدر السراء فهو ابتلاء وامتحان، قال الله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: ٣٥] . ولما رأى سليمان عرش بلقيس بين يديه قال: ﴿هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر﴾ [النمل: ٤٠] .
فإذا أصبت بالنعمة لا تأخذها على أنها نعمة فتمرح وتفرح، هي نعمة لا شك لكن اعلم أنك ممتحن بها هل
стр. 122
تؤدي شكرها أو لا تؤدي، إن أصابتك ضراء فاصبر فإن ذلك أيضاً ابتلاء وامتحان من الله ليبلوك هل تصبر أو لا تصبر، وإذا صبرت واحتسبت الأجر من الله فإن الله يقول: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠] .
ويجوز أن يكون معنى قوله: ﴿الحميد﴾ أنه هو الحامد، فإنه يحمد من يستحق الحمد، يثني على عباده من المرسلين والأنبياء والصالحين، والثناء عليهم حمدٌ لهم، فهو جل وعلا حامد، وهو كذلك محمود، وقد ثبت عن النبي ﵊ أن الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها (١) ، لأنه لولا أن الله يسر لك هذه الأكلة والشربة ما حصلت عليها، قال الله ﵎: ﴿أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٣-٦٤] . الله يسألنا، أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ الجواب: بل أنت يا ربنا ﴿لو نشاء لجعلناه حطاماً﴾ بعد أن يخرج وتتعلق به النفوس يجعله الله حطاماً، ولم يأت التعبير «لو نشاء لم ننبته» لأن كونه ينبت وتتعلق به النفس ثم يكون حطاماً أشد وقعاً على النفس من كونه لا ينبت أصلاً ﴿لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون﴾ ﴿الواقعة: ٦٥- ٦٧﴾ ثم ذكر الشرب فقال: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون. أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ ﴿الواقعة ٦٨- ٦٩﴾ الجواب: بل أنت يا ربنا ﴿لو نشاء جعلناه أجاجاً﴾ أي مالحاً غير عذب لا يستطيع الإنسان أن يشربه ﴿فلولا تشكرون﴾ يعني فهلا تشكرون الله على ذلك، وهنا لم يأت التعبير «لو نشاء لم ننزله من المزن» ، لأن كونه ينزل
стр. 123
ولكن لا يشرب لا يطاق أشد من كونه لم ينزل أصلاً فتأملوا القرآن الكريم تجدون فيه من الأسرار والحكم الشيء الكثير.
﴿الذي له ملك السماوات والأرض﴾ أي الذي بملك السماوات والأرض، وهذه الملكية شاملة لملك الأعيان والتدبير وما فيها، فهو يملك السماوات ومن فيها، والأراضين ومن فيها، وما بينهما، وما فيها كل شيء ملك لله ولا يشاركه أحد في ملكه،) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة: ١٢٠)
وما يضاف إلينا من الملك فيقال: مثلاً هذا البيت ملك لفلان، هذه السيارة ملك لفلان فهو ملك قاصر وليس ملكاً حقيقياً؛ لأنه لو أن إنسان أراد أن يهدم بيته بدون سبب فلا يملك ذلك، لأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال (١) ، لو أراد إنسان أن يحرق سيارته بدون سبب فلا يملك هذا. ولو أنه فعل لحجر القاضي عليه بمنعه من التصرف في ماله، مع أن الله منعه قبل، إذن ملكنا قاصر، والملك التام لله، ﴿والله على كل شيء شهيد﴾ أي: مطلع على كل شيء، ومن جملته ما يفعله هؤلاء الكفار بالمؤمنين من الإحراق بالنار، وسوف يجازيهم، ولكن مع ذلك ومع فعلهم هذه الفعلة الشنيعة قال: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ قال بعض السلف: انظر إلى حلم الله يحرقون أولياءه، ثم يعرض عليهم التوبة يقول: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا﴾ .
قال العلماء: ﴿فتنوا﴾ بمعنى أحرقوا كما قال تعالى: ﴿يوم هم على النار يفتنون. ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾
стр. 124
[الذاريات: ١٣، ١٤] . فهؤلاء أحرقوا المؤمنين وأحرقوا المؤمنات في النار.
وقيل: فتنوهم أي صدوهم عن دينهم. والصحيح: أن الآية شاملة للمعنيين جميعاً، لأنه ينبغي أن نعلم أن القرآن الكريم معانيه أوسع من أفهامنا، وأنه مهما بلغنا من الذكاء والفطنة فلن نحيط به علماً، والقاعدة في علم التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا مرجح لأحدهما عن الآخر ولا يتضادان فإنها تحمل عليهما جميعاً، فنقول: هم فتوا المؤمنين بصدهم عن سبيل الله، وفتنوهم بالإحراق أيضاً. ﴿ثم لم يتوبوا﴾ أي يرجعوا إلى الله من معصيته إلى طاعته ﴿فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ لأنهم أحرقوا أولياء الله فكان جزاؤهم مثل عملهم جزاء وفاقاً. وشتان بين نار الدنيا ونار الآخرة فقد فضلت على الأولى بتسعة وتسعين جزءاً.
في هذه الآيات من العبر: أن الله قد يسلط أعداءه على أوليائه، فلا تستغرب إذا سلط الله الكفار على المؤمنين وقتلوهم وحرقوهم، وانتهكوا أعراضهم، لا تستغرب فلله تعالى في هذا حكمة، المصابون من المؤمنين أجرهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار المعتدون أملى لهم الله ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، والمسلمون الباقون لهم عبرة وعظة فيما حصل لإخوانهم، فمثلاً نحن نسمع ما يحصل من الانتهاكات العظيمة، انتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وتجويع الصغار والعجائز، نسمع أشياء تبكي، فنقول: سبحان الله ما هذا التسليط الذي سلطه الله على هؤلاء المؤمنين؟ نقول يا أخي لا تستغرب فالله ضرب لنا أمثالاً فيمن سبق يحرقون المؤمنين بالنار، فهؤلاء الذين سلطوا على إخواننا في بلاد المسلمين هذا رفعة درجات للمصابين، وتكفير السيئات، وهو عبرة للباقين، وهو أيضاً إغراء لهؤلاء الكافرين حتى يتسلطوا فيأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
стр. 125
وفي هذه الايات من العبر: أن هؤلاء الكفار لم يأخذوا على المسلمين بذنب إلا شيئاً واحداً وهو: أنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد، وهذا ليس بذنب، بل هذا هو الحق، ومن أنكره فهو الذي ينكر عليه، نسأل الله أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن يقينا شر أعدائنا، وأن يجعل كيدهم في نحورهم إنه على كل شيء قدير.
وفي الآية إشارة إلى أن التوبة تهدم ما قبلها، ولكن التوبة لا تكون توبة نصوحاً مقبولة عند الله إلا إذا اشتملت على شروط خمسة:
الأول: الإخلاص لله بأن يكون الحامل للإنسان على التوبة خوف الله ورجاء ثوابه؛ لأن الإنسان قد يتوب من الذنب من أجل أن يمدحه الناس، أو من أجل دفع مذمة الناس له، أو من أجل مرتبة يصل إليها، أو من أجل مال يحصل عليه، كل هؤلاء لا تقبل توبتهم، لأن التوبة يجب أن تكون خالصة، وأما من أراد بعمله الدنيا فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار﴾ . [هود: ١٥، ١٦] .
الثاني: من شروط كون التوبة نصوحاً: الندم على ما حصل من الذنب بمعنى ألا يكون الإنسان كأنه لم يذنب، لا يتحسر ولا يحزن، لابد أن يندم، إذا ذكر عظمة الله ندم، كيف أعصي ربي وهو الذي خلقني ورزقني وهداني، فيندم.
الثالث: أن يقلع عن الذنب فلا تصح التوبة مع الإصرار على الذنب، لأن التائب هو الراجع، فإذا كان الإنسان يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من أكل الربا، ولكنه لايزال يرابي فلا تصح توبته، لو قال: أستغفر الله من الغيبة، والغيبة ذكرك أخاك بما يكره ولكنه في كل مجلس
стр. 126
يغتاب الناس فلا تصح توبته، كيف تصح وهو مصر على المعصية، فلابد أن يقلع، إذا تاب من أكل أموال الناس وقد سرق من هذا، وأخذ مال هذا بخداع وغش فلا تصح توبته، حتى يرد ما أخذ من أموال الناس إلى الناس، لو فرضنا أن شخصاً أدخل مراسيمه في ملك جاره واقتطع جزءًا من أرضه وقال إني تائب، فنقول له: رد المراسيم إلى حدودها الأولى وإلا فإن توبتك لا تقبل، لأنه لابد من الإقلاع عن الذنب الذي تاب منه.
الشرط الرابع: أن يعزم عزماً تاماً ألا يعود إلى الذنب، فإن تاب وهو في نفسه لو حصل له فرصة لعاد إلى الذنب فإن توبته لا تقبل، بل لابد أن يعزم عزماً أكيداً على ألا يعود.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة، لأنه يأتي أوقات لا تقبل فيها التوبة، وذلك في حالين:
الحال الأولى: إذا حضره الموت فإن توبته لا تقبل لقول الله ﵎: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨] . بعدما عاين الموت وشاهد العذاب يقول تبت فلا ينفع هذا، ومثال واقع لهذه المسألة أن فرعون لما أدركه الغرق قال آمنت بالذي آمنت به بنوا إسرائيل يعني بالله ولم يقل آمنت بالله إذلالاً لنفسه حيث كان يحارب بني إسرائيل على الإيمان بالله، والآن يقول آمنت بالذي آمنوا به فكأنه جعل نفسه تابعاً لبني إسرائيل إلى هذا الحد بلغ به الذل ومع ذلك قيل له الآن تتوب، آلان تؤمن بالذي آمنت به بنوا إسرائيل ﴿الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ [يونس: ٩١] . إذاً إذا حضر الموت فإن التوبة لا تقبل، فلابد من المبادرة بالتوبة لأنك لا تدري في أي وقت يحضرك الموت، ألم تعلم
стр. 127
أن من الناس من نام على فراشه في صحة وعافية ثم حمل من فراشه إلى سرير تغسيله؟! ألم تعلم أن بعض الناس جلس على كرسي العمل يعمل ثم حمل من كرسي العمل إلى سرير الغسل؟! كل هذا واقع، لذا يجب أن تبادر بالتوبة قبل أن تغلق الأبواب.
الحال الثانية: إذا طلعت الشمس من مغربها، فإن الشمس إذا طلعت من مغربها ورآها الناس آمنوا لأن الله يقول:) يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) (الأنعام: من الآية١٥٨) . والمراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها.
﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الَاْنْهَرُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ .
ثم لما ذكر عقاب المجرمين ذكر ثواب المؤمنين، وهذه هي طريقة القرآن في عرض الترغيب والترهيب، والقرآن الكريم مثاني، تذكر فيه المعاني المتقابلة، فيذكر فيه عذاب أهل النار ونعيم أهل الجنة، صفات المؤمنين وصفات الكافرين، من أجل أن يكون الإنسان سائراً إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، فيعرف نعمة الله عليه بالإسلام، ويعرف حكمة الله تعالى في وجود هؤلاء الكافرين المجرمين. ويزداد حذرا من ذلك ﴿إن الذين آمنوا﴾ هم الذين آمنوا بالله،
стр. 128
وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره فإن هذا هو الإيمان كما فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سأله جبريل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» (١) ، وأما قوله: ﴿وعملوا الصالحات﴾ فالمراد عملوا الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة هي التي بنيت على الإخلاص لله، واتباع شريعة الله، فمن عمل عملاً أشرك به مع الله غيره فعمله مردود عليه؛ لقول النبي ﵌ فيما يرويه عن ربه أنه تعالى قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٢) .
وأما المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن من عمل عملاً ليس على شريعة الله فإنه باطل مردود، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) ، وبناء على ذلك تكون عبادة المرائي الذي يعبد الله لكن يرائي الناس أي يظهر العبادة ليراه الناس فيمدحوه وهو لا يريد التقرب إلى الناس، يريد التقرب إلى الله لكن يريد أن يمدحه الناس على تقربه إلى الله وعبادته لله فهذا مراءٍ وعمله مردود أيضاً، كذلك من تكلم بكلام قرآن أو ذكر ورفع صوته ليسمعه الناس فيمدحوه على ذكره لله فهذا أيضاً مراءٍ، عمله مردودٌ عليه؛ لأنه أشرك فيه مع الله غيره، أراد أن يمدحه الناس على عبادة الله، أما من تعبد للناس فهذا مشرك شركاً أكبر يعني من قام يصلي أمام شخص تعظيماً له، لا لله، وركع للشخص وسجد
стр. 129
للشخص فهذا مشرك شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، ومن ابتدع في دين الله ما ليس منه كما لو رتب أذكاراً معينة في وقت معين فإن ذلك لا يقبل منه، حتى ولو كان ذكر الله لو كان تسبيحاً، أو تحميداً، أو تكبيراً، أو تهليلاً ولكنه رتبه على وجه لم ترد به السنة فإن ذلك ليس مقبولاً عند الله ؛ لأنه عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، فالمهم أن الله اشترط مع الإيمان العمل الصالح، وبهذا نعرف أنه لا ينبغي لنا أن نركز دائماً على العقيدة، ونقول: نحن على العقيدة الإسلامية وعلى كذا، وعلى كذا، ولا نذكر العمل؛ لأن مجرد العقيدة لا يكفي لابد من عمل، فينبغي عندما تذكر أننا على العقيدة الإسلامية ينبغي أن تقول ونعمل العمل الصالح؛ لأن الله يقرن دائماً بين الإيمان المتضمن للعقيدة وبين العمل الصالح، حتى لا يخلو الإنسان من عمل صالح، أما مجرد العقيدة فلا ينفع
لو أن الإنسان يقول أنا مؤمن بالله لكن لا يعمل فأين الإيمان بالله؟ ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة وقد بينا أدلة ذلك في رسالة لنا صغيرة، يغني عن إعادتها هنا. ﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ ﴿لهم﴾ يعني عند الله ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وذلك بعد البعث فإنهم يدخلون هذه الجنات التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] . وقال الله في الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١) . لأن فيها من النعيم ما لا يتصوره الإنسان والله تعالى يذكر في الجنات: نخلاً،
стр. 130
ورماناً، وفاكهةً، ولحمَ طير، وعسلاً، ولباًن، وماءً، وخمراً، لكن حقائق هذه الأشياء ليست كحقائق ما في الدنيا أبداً، لأنها لو كانت حقائقها كحقائق ما في الدنيا لكنا نعلم ما أخفي لنا من هذا، ولكنها أعظم وأعظم بكثير مما نتصوره، فالرمان وإن كنا نعرف معنى الرمان، ونعرف أنه على شكل معين، وطعم معين، وذو حبات معينة، لكن ليس الرمان الذي في الآخرة كهذه فهو أعظم بكثير، لا من جهة الحجم، ولا من جهة اللون، ولا من جهة المذاق، كما قال ابن عباس ﵄: (ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء فقط) (١) ، أما الحقائق فهي غير معلومة.
وقوله: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ قال العلماء: ﴿من تحتها﴾ أي من تحت أشجارها وقصورها وإلا فهي على السطح فوق، ثم هذه الأنهار جاء في الأحاديث أنها لا تحتاج إلى حفر ولا تحتاج إلى بناء أخدود (٢) ، وفي هذا يقول ابن القيم في النونية:
أنهارها في غير أخدود جرت
سبحان ممسكها عن الفيضان
الأنهار في المعروف عندنا تحتاج إلى حفر، أو إلى أخدود تمنع من تسرب الماء يميناً وشمالاً، لكن في الجنة لا تحتاج إلى أخدود، تجري حيث شاء الإنسان، يعني يوجهها كما شاء بدون حفر، وبدون إقامة أخدود، والأنهار في هذه الآية وفي آيات كثيرة مجملة لكنه فصلت في سورة القتال ـ سورة محمد ـ قال: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة
стр. 131
للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ [محمد: ١٥] . ﴿ذلك الفوز الكبير﴾ ﴿ذلك﴾ المشار إليه الجنات وما فيها من النعيم ﴿الفوز الكبير﴾ يعني الذي به النجاة من كل مرهوب وحصول كل مطلوب؛ لأن الفوز هو عبارة عن حصول المطلوب وزوال المكروه، والجنة كذلك فيها كل مطلوب، وقد زال عنها كل مرهوب، فلا يذوقون فيها الموت، ولا المرض، ولا السقم، ولا الهم، ولا النصب. ثم قال تعالى: ﴿إن بطش ربك لشديد﴾ ﴿بطش﴾ يعني أخذه بالعقاب، والشديد القوي كما قال تعالى:) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: ٩٨) فبطش الله يعني أنتقامه وأخذه شديد عظيم ولكنه لمن يستحق ذلك أما من لا يستحق ذلك فإن رحمة الله تعالى أوسع، ما أكثر ما يعفو الله عن الذنوب وما أكثر ما يستر من العيوب، ما أكثر ما يدفع من النقم، وما أكثر ما يجري من النعم، لكن إذا أخذ الظالم لم يفلته كما قال النبي ﵊: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ، وتلى قوله تعالى: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ (١)
﴿هود: ١٠٢﴾ ، وعلى هذا فنقول: ﴿بطش ربك﴾ أي فيمن يستحق البطش، أما من لا يستحقه فإن الله تعالى يعامله بالرحمة، ويعامله بالكرم، ويعامله بالجود، ورحمة الله تعالى سبقت غضبه ﴿إنه هو يبدىء ويعيد﴾ ﴿الروم: ٢٧﴾ يعني أن الأمر إليه ابتداء وإعادة وهذا كقوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ فهو الذي بدأ الأشياء، وإليه تنتهي الأشياء، الأشياء منه وإليه في كل شيء، الخلق من الله وإليه، الشرائع من الله وإليه، كل الأمور من الله وإليه، ولهذا قال
стр. 132
﴿يبدأ﴾ ولم يذكر ما الذي يبدؤه، فمعناه ﴿يبدأ﴾ كل شيء، ويعيد كل شيء، فكل الأمر بيده ، فاعرف أيها العبد من أين أنت، وأنك ابتدأت من عدم، واعرف منتهاك وغايتك، وأن غايتك إلى الله ﴿وهو الغفور الودود﴾ ﴿الغفور﴾ يعني ذو المغفرة، والمغفرة ستر الذنب والعفو عنه فليست المغفرة ستر الذنب فقط بل ستره وعدم المؤاخذة عليه كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يخلو بعبده المؤمن يوم القيامة ويقرره بذنوبه حتى يقربها ويعترف فيقول الله : قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١) ، ويُذكر أن بني إسرائيل كانوا إذا أذنب الواحد منهم ذنباً وجده مكتوباً على باب بيته فضيحة وعاراً (٢) ، لكننا نحن ولله الحمد قد ستر الله علينا، فعلينا أن نتوب إلى الله ونستغفره من الذنب فتمحى آثاره، ولهذا قال: ﴿وهو الغفور﴾ أي الساتر لذنوب عباده المتجاوز عنها. ﴿الودود﴾ مأخوذة من الود، والود هو خالص المحبة فهو جل وعلا ودود، ومعنى ودود أنه محبوب وأنه حاب، فهو يشمل الوجهين جميعاً، قال الله ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤] .
فهو جل وعلا واد يحب الأعمال، ويحب الأشخاص، ويحب الأمكنة وهو كذلك أيضاً محبوب يحبه أولياؤه ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١] . فكلما كان الإنسان أتبع لرسول الله ﷺ كان أحب إلى الله، فهو جل وعلا وادٌ وهو أيضاً مودود، أي أنه يُحِب ويُحَب، يِحب الأعمال ويحب العاملين، ويحب الأشخاص يعني أن محبة الله قد تتعلق بشخص
стр. 133
معين مثل قول الرسول ﵊ في يوم خيبر: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» فبات الناس ثم غدوا إلى رسول الله ﷺ كلهم يرجوا أن يُعطاها فقال: «أين علي بن أبي طالب» ؟ قالوا: يشتكي عينيه فدعا به فأتى فبصق في عينه فبرأ كأن لم يكن به وجع في الحال، ثم أعطاه الراية وقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام» (١) . الشاهد قوله: (يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) فهنا أثبت أن الله يحب هذا الرجل بعينه علي بن أبي طالب، ولما بعث النبي ﷺ رجلاً على سرية صار يقرأ لهم في الصلاة ويختم القراءة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ فلما رجعوا إلى النبي ﷺ أخبروه بذلك، لأن عمله هذا وهو أنه يختم القراءة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ غير معروف، فقال: «سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك» ؟ فسألوه فقال: إنها صفة الله وأنا أحب أن أقرأها.
فقال النبي ﷺ : «أخبروه أن الله يحبه» (٢) ، فهنا المحبة علقت بشخص معين يحبه الله، وقد تكون محبة الله بمعينين بأوصافهم مثل: ﴿إن الله يحب المتقين﴾ ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص﴾ [الصف: ٤] . هذها ليست في شخص معين لكن في شخص موصوف بصفة، كذلك يحب الله الأماكن «أحب البقاع إلى الله مساجدها» (٣) ، وأخبر النبي ﵊ أن مكة أحب
стр. 134
البقاع إلى الله (١) هذه المحبة متعلقة بالأماكن فالله تعالى يُحِب ويُحَب ولهذا قال: ﴿وهو الغفور الودود﴾ . ثم بين عظمته وتمام سلطانه في قوله: ﴿ذو العرش﴾ أي صاحب العرش، والعرش هو الذي استوى عليه الله ، وهو أعظم المخلوقات وأكبرها وأوسعها، وقد جاء في الأثر أن السماوات السبع والأراضين السبع بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ألقيت في فلاة في الأرض، وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة (٢) ،
حلقة الدرع صغيرة ألقيت في فلاة من الأرض ليست بشيء بالنسبة لها، «وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة» ، إذن لا أحد يقدر سعته، وإذا كنا نشاهد من المخلوقات المشهودة الآن التباين العظيم في أحجامها. ولقد أطلعني رجل على صورة الشمس وصورة الأرض، فوجدت أن الأرض بالنسبة لهذه الشمس كنقطة غير كبيرة في صحن واسع كبير، وأنها لا تنسب إلى الشمس إطلاقا، فإذا كان هذا في الأشياء المشهودة التي تدرك بالتلسكوب وغيره فما بالك بالأشياء الغائبة عنا لأن ما غاب عنا أعظم مما نشاهد قال الله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] . فالحاصل أن العرش هو سقف المخلوقات كلها، عرش عظيم استوى عليه الرحمن ـ جل وعلا ـ كما قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] . وقوله:
стр. 135
﴿المجيد﴾ فيها قراءتان (المجيدِ) و (المجيدُ) فعلى القراءة الأولى تكون وصفاً للعرش، وعلى الثانية تكون وصفًّا للرب ، وكلاهما صحيح فالعرش مجيد، وكذلك الرب مجيد، ونحن نقول في التشهد إنك حميد مجيد. ﴿فعال لما يريد﴾ هذا وصف لله تعالى بأنه الفعال لما يريد فكل ما أراده سبحانه فهو يفعله، ولا يمنعه من فعله مانع؛ لأن له ملك السموات والأرض، ولا يمنعه أحد من أن يفعل في ملكه ما يشاء؛ وهذا كقوله تعالى:) وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء) (ابراهيم: من الآية٢٧) فالخلق كلهم مهما كانوا لا يستطيعون أن يفعلوا ما يشاءونه.
بل قد يريدون الشيء إرادة جازمة، ولكن إذا لم يرد الله أن يقع منهم ذلك الشيء صرفهم الله عن فعله، ومنعهم منه، وحال بينهم وبين تنفيذه، أما الرب ﵎ فإنه فعال لما يريد، فإذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، ففي هذه الآية الكريمة إثبات إرادة الله إرادة كاملة تامة في خلقه وفيما يتعلق بأفعال الخلق، فلا يكون فعل من الناس إلا بإرادة الله، كما قال سبحانه:) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ*وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير ٢٨-٢٩) . فبين الله سبحانه في هذه الآية أن مشيئة العباد مرتبطة بمشيته هو سبحانه، كما قال:) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة: من الآية٢٥٣) فإرادة الله شاملة لما يكون من فعله، ولما يكون من فعل العباد وأضرب لكم مثلاً بذلك: فأنا لو تكلمت بكلامي هذا أو بغيره أو ما سبقه من الكلام، فكل كلامي كائن بإرادة الله، ولو شاء الله ألا أتكلم ما تكلمت ولعجزت عن الكلام وإذا شاء ان اتكلم تكلمت فتنبعث من قلبي إرادة للكلام فأتكلم. ولهذا قال سبحانه وتعال:) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج: ١٦) ، ثم قال تعالى:) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ) (البروج: ١٧)
والخطاب هنا موجه لرسول الله ﷺ أو لكل من يصح أن يتوجه إليه بالخطاب، والاستفهام للتنبيه. لأن الشيء إذا جاء بالاستفهام انتبه له الإنسان أكثر (الجنود) جمع جند وهو هنا مبهم لكنه فسره بقوله:) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ) (البروج: ١٨) يعني هل أتاك خبرهم،؟ والجواب نعم، أتانا خبرهم فقد قص الله علينا من نبأ فرعون ونبا ثمود ما فيه العبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. فقصة فرعون ذكرها الله تعالى في آيات كثيرة وفي سور متعددة كمقدمة بين يدي سلف موسى ﵇ وكما هو معروف أن موسى مبعوث لبني اسرائيل، وقص الله سبحانه على رسول الله صلى الله عيله وسلم من نبأ موسى ﵇ مالم يقصه من نبأ غيره، لأن النبي ﷺ سوف يكون مهاجره إلى المدينة التي بها ثلاث قبائل من اليهود، فكان رسول الله ﷺ يعلم من نبأهم الشيء الكثير من أجل أن يكون على استعداد لمناظرتهم ومجادلتهم بالحق حتى لا يخفى عليه من أمرهم شيء..
وفرعون ملك مصر، وهل هو علم شخص يسمى باسم فرعون أم وصف لكل من ملك مصر وهو كافر؟ من العلماء من قال: إنه علم شخص أي أنه الذي أرسل إليه موسى ﵇ هو فرعون وهذا اسمه، ومنهم من قال: أنه علم وصف لكل من ملك مصر كافراً، كما يقال: كسرى لكل من ملك الفرس، وهرقل لكل من ملك الروم، والنجاشي لكل من ملك الحبشة، وما أشبه ذلك..
وفرعون هذا كان جباراً عنيداً متكبراً يدعي أنه الرب كما قال:) أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (النازعات: من الآية٢٤) وأدعى أيضاً الألوهية حينما قال:) مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص: من الآية٣٨) وكان يستهزئ بموسى ﵇ وبما جاء به من الآيات ويتحداه، ويقول له صراحةً وجهاً لوجه:) إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً) (الاسراء: من الآية١٠١) ويفتخر على موسى وعلى قومه فيقول:) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ *فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) (الزخرف: ٥١- ٥٣)
فماذا كانت النتيجة؟ أن كفر به أخص الناس بكيده وهم السحره، فإن السحرة لما جمعوا كل من عندهم من السحر، وجاءوا لمقابلة موسى ﵇ حيث إن موسى ﵇ أتى بآية تشبه السحر، ولكنها ليست بسحر، بل آية من آيات الله ، وهي أن يضع العصى التي معه على الأرض فتنقلب حية تسعى، وجمع السحرة كلهم في مكان حدد) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوَىً) (طه: ٥٨) يعني مكاناً مستوياً منبسطاً حتى يشاهد الناس ما يشاهدون من السحر وأعمال السحرة. فقال لهم:) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً) (طه: ٥٩) ويوم الزينة هو يوم عيدهم، وهو يوم تكثر فيه الجموع لتهنئة بعضهم بعضاً، واجتمعوا في الموعد المحدد والمكان المعين، وحشر الناس ضحى في رابعة النهار ن وألقى السحرة ما بأيديهم من الحبال والعصى، وخيل إلى الحاضرين من سحرهم أنها تسعى، فأوجس في نفسه خيفة موسى، لأنه شاهد أمراً عظيماً وكيداً كبيراً، فأوحى الله إليه أن يلقي عصاه، فإذا هي تلقف ما يأفكون، وحينئذٍ علم السحرة أن موسى صادق وليس بساحر، لأنه لو كان ساحراً ما استطاع أن يغلبهم بسحره، فآمن السحرة بموسى ﵇، وكفروا بفرعون الطاغية، وقالوا:) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: ٤٧) ووقفوا في وجه فرعون وتحدوه وانقلبوا عليه، وفي النهاية أغرق الله فرعون في الماء الذي كان يفتخر به بالأمس.
أما ثمود: فإن الله أعطاهم قدرة وقوة حتى كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين، ويتخذوا من القصور سهولاً، وعندما كذبوا رسولهم صالح ﵇ أهلكهم الله برجفة وصيحة، فهلكوا عن بكرة أبيهم، فأصبحوا فب ديارهم جاثمين. وكان من نبأ فرعون وثمود فائدتان:
الأولى: تسلية النبي ﷺ وتقويته، وأن الذي نصر رسله من قبل سوف يؤيده وينصره ويعززه، وهذا لا شك أنه يقوي العزيمة، ويشحذ الهمم في الدعوة إلى الله وتبليغ رسالاته.
والفائدة الثانية: تهديد ووعيد شديد لقريش الذين كذبوا رسول الله ﷺ ووقفوا له بالمرصاد، وأنهم ليسوا أشد قوة من فرعون وثمود، ومع ذلك أصابهم الدمار والهلاك ووقع عليهم كلمة العذاب..
قال سبحانه:) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ) (البروج: ١٩)
اي إن الذين كفروا بمحمد ﷺ تكذيب، وكأنهم منغمسون في التكذيب، والتكذيب محيط بهم من كل جانب وهذا أبلغ من قوله:) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) (الانشقاق: ٢٢) في هذا الموضع وقد تكون (يكذبون) أبلغ في موضع آخر غير هذا الموضع لأن القرآن قد يأتي بالكلمتين المختلفتين في موضعين وتكون كل واحدة منهما في موضعها أبلغ من الآخرى، والذين كفروا يشمل كل من كفر بالله ورسوله سواء كان من المشركين أو من اليهود أو من النصارى، أو غيرهم، وذلك لأن اليهود والنصارى الآن وبعد بعثة الرسول الله ﷺ ليسوا على دين مرضي عند الله ولا تنفعهم أديانهم لأنه - أي النبي ﷺ خاتم الأنبياء فمن لم يؤمن به فليس على شيء من دينه، بل إن لم يؤمن برسول واحد من الرسل فهو كافر بجميع الرسل، فمثلاً من لم يؤمن بنوح أنه رسول ولو آمن بغيره من الأنبياء فإنه مكذب لغيره من الرسل والدليل على ذلك قوله:) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء: ١٠٥) فبين الله تعالى ان قوم نوح كذبوا جملة الرسل مع أنهم لم يدركوا إلا رسولهم وهو نوح ﵇، وكذلك الذي كذب محمداً ﷺ هو مكذب لغيره من رسل الله وأنبيائه، فإذا ادعت اليهود أنهم على دين وأنهم يتبعون التوراة التي جاء بها موسى نقول لهم: أنتم كافرون بموسى ﵇ كافرون بالتوراة، وإذا ادعت النصارى الذين يسمون أنفسهم اليوم (بالمسيحيين) أنهم مؤمنون
стр. 136
بعيسى قلنا لهم: كذبتم أنتم كافرون بعيسى ﵇؛ لأنكم كافرون بمحمد ﵊، والعجب أن هؤلاء اليهود والنصارى يكفرون بمحمد ﵊ مع أنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم
الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكن العناد والكبرياء والحسد منعهم أن يؤمنوا بمحمد ﵊ ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾ [البقرة: ١٠٩] . فالحاصل أن قوله تعالى: ﴿بل الذين كفروا﴾ يشمل كل من كفر بمحمد ﷺ حتى من اليهود والنصارى، ولهذا قال النبي ﵊: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يعني أمة الدعوة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار» (١) ، ﴿والله من ورائهم محيط﴾ يعني أن الله تعالى محيط بهم من كل جانب لا يشذون عنه ولا عن علمه ولا عن سلطانه ولا عن عقابه، ولكنه قد يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. ﴿بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ﴾ ﴿بل هو﴾ أي ما جاء به الرسول ﵊ ﴿قرآن مجيد﴾ أي ذو عظمة ومجد، ووصف القرآن بأنه مجيد لا يعني أن المجد وصف للقرآن نفسه فقط، بل هو وصف للقرآن، ولمن تحمل هذا القرآن فحمله وقام بواجبه من تلاوته حق تلاوته، فإنه سيكون لهم
стр. 137
المجد والعزة والرفعة. وقوله تعالى: ﴿في لوح محفوظ﴾ يعني بذلك اللوح المحفوظ عند الله الذي هو أم الكتاب كما قال الله ﵎: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩] .
وهذا اللوح كتب الله به مقادير كل شيء، ومن جملة ما كتب به أن هذا القرآن سينزل على محمد ﷺ فهو في لوح محفوظ، قال العلماء ﴿محفوظ﴾ لا يناله أحد، محفوظ عن التغيير والتبديل، والتبديل والتغيير إنما يكون في الكتب الأخرى؛ لأن الكتابة من الله أنواع:
النوع الأول: الكتابة في اللوح المحفوظ وهذه الكتابة لا تبدل ولا تغير، ولهذا سماه الله لوحاً محفوظاً، لا يمكن أن يبدل أو يغير ما فيه.
الثاني: الكتابة على بني آدم وهم في بطون أمهاتهم، لأن الإنسان في بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر، بعث الله إليه ملكاً موكلاً بالأرحام، فينفخ فيه الروح بإذن الله، لأن الجسد عبارة عن قطعة من لحم إذا نفخت فيه الروح صار إنسانًا، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد (١) .
النوع الثالث: كتابة حولية كل سنة، وهي الكتابة التي تكون في ليلة القدر، فإن الله يقدر في هذه الليلة ما يكون في تلك السنة، قال الله ﵎: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤] . فيكتب في هذه الليلة ما يكون في تلك السنة.
النوع الرابع: كتابة يومية وهي التي تقوم بها الملائكة حيث يكتبون كل ما يعمله الإنسان في ذلك اليوم، سواء كان قولاً بلسانه أو عملاً بجوارحه، أو اعتقاداً بقلبه وذلك في الصحف التي بأيدي الملائكة وهذه الكتابة تكون بعد العمل، والكتابات الثلاث السابقة كلها قبل العمل،
стр. 138
لكن الكتابة الأخيرة هذه تكون بعد العمل، يكتب على الإنسان ما يعمل من قول بلسانه، أو فعل بجوارحه، أو اعتقاد بقلبه، فإن الملائكة الموكلين بحفظ بني آدم أي بحفظ أعمالهم يكتبون قال الله تعالى: ﴿كلا بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار: ٩ ـ ١٢] . فإذا كان يوم القيامة فإنه يعطى هذا الكتاب كما قال تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤] . يعني تعطى الكتاب ويقال لك أنت: اقرأ وحاسب نفسك، قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك، وهذا صحيح أي إنصاف أبلغ من أن يقال للشخص تفضل هذا ما عملت حاسب نفسك، أليس هذا هو الإنصاف؟! بل أكبر إنصاف هو هذا، فيوم القيامة تعطى هذا الكتاب منشوراً مفتوحًا أمامك ليس مغلقاً، تقرأ ويتبين لك أنك عملت في يوم كذا، في مكان كذا، كذا وكذا، فهو شيء مضبوط لا يتغير، وإذا أنكرت فهناك من يشهد عليك ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم﴾ يقول اللسان: نطقت بكذا ﴿وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ ﴿النور: ٢٤﴾ تقول اليد: بطشت، تقول الرجل: مشيت، بل يقول الجلد أيضاً، الجلود تشهد بما لمست ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون﴾ [فصلت: ٢١] .
فالأمر ليس بالأمر الهين ـ نسأل الله تعالى أن يتولانا وإياكم بعفوه ومغفرته ـ وإلى هنا ينتهي الكلام على هذه السورة العظيمة التي ابتدأها الله تعالى بالقسم بالسماء ذات البروج وأنهاها بقوله: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾ فمن تمسك بهذا القرآن العظيم فله المجد والعزة والكرامة والرفعة، ولهذا
стр. 139
ننصح أمتنا الإسلامية بادئين بأفراد شعوبها أن يتمسكوا بالقرآن العظيم، ونوجه الدعوة على وجه أوكد إلى ولاة أمورها أن يتمسكوا بالقرآن العظيم، وأن لا يغرهم البهرج المزخرف الذي يرد من الأمم الكافرة التي تضع القوانين المخالفة للشريعة، المخالفة للعدل، المخالفة لإصلاح الخلق، أن يضعوها موضع التنفيذ، ثم ينبذوا كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وراء ظهورهم، فإن هذا والله سبب التأخر ولا أظن أحداً يتصور أن أمة بهذا العدد الهائل تكون متأخرة هذا التأخر، وكأنها إمارة في قرية بالنسبة للدول الكافرة، لكن سبب ذلك لا شك معلوم هو أننا تركنا ما به عزتنا وكرامتنا وهو: التمسك بهذا القرآن العظيم، وذهبنا نلهث وراء أنظمة بائدة فاسدة مخالفة للعدل، مبنية على الظلم والجور، فنحن نناشد ولاة أمور المسلمين جميعاً، أناشدهم أن يتقوا الله ، وأن يرجعوا رجوعاً حقيقيًّا إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ حتى يستتب لهم الأمن والاستقرار، وتحصل لهم العزة والمجد والرفعة، وتطيعهم شعوبهم، ولا يكون في قلوب شعوبهم عليهم شيء؛ وذلك لأن الإنسان إذا أصلح ما بينه وبين ربه، أصلح الله ما بينه وبين الناس، فإذا كان ولاة الأمور يريدون أن تذعن لهم الشعوب، وأن يطيعوا الله فيهم، فليطيعوا الله أولاً حتى تطيعهم أممهم، وإلا فليس من المعقول أن يعصوا مالك الملك وهو الله ، ثم يريدون أن تطيعهم شعوبهم هذا بعيد
جدًّا، بل كلما بَعُد القلب عن الله بعد الناس عن صاحبه، وكلما قَرُب من الله قرب الناس منه، فنسأل الله أن يعيد لهذه الأمة الإسلامية مجدها وكرامتها، وأن يذل أعداء المسلمين في كل مكان، وأن يكبتهم، وأن يردهم على أعقابهم خائبين، إنه على كل شيء قدير.
стр. 140
تفسير سورة الطارق
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالسَّمَآءِ وَالطَّارِقِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنظُرِ الإِنسَنُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ .
البسملة سبق الكلام عليها.
﴿والسماء والطارق﴾ ابتدأالله هذه السورة بالقسم، أقسم الله تعالى بالسماء والطارق وقد يشكل على بعض الناس كيف يقسم الله بالمخلوقات مع أن القسم بالمخلوقات شرك لقول النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (١) ، وقال ﵊: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (٢) . فلا يجوز الحلف بغير الله لا بالأنبياء، ولا بالملائكة، ولا بالكعبة، ولا بالوطن، ولا بأي شيء من المخلوقات؟
والجواب على هذا الإشكال أن نقول: إن الله له أن يقسم بما شاء من خلقه، وإقسامه بما يقسم به من خلقه يدل على عظمة الله ، لأن عِظم المخلوق يدل على عِظم الخالق، وقد
стр. 141
أقسم الله تعالى بأشياء كثيرة من خلقه، ومن أحسن ما رأيته تكلم على هذا الموضوع ابن القيم ﵀ في كتابه (التبيان في أقسام القرآن) وهو كتاب جيد ينفع طالب العلم كثيراً، فهنا يقسم الله تعالى بالسماء، والسماء هو كل ما علا، فكل ما علاك فهو سماء، حتى السحاب الذي ينزل منه المطر يسمى سماءً، كما قال الله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ [الرعد: ١٧] . وإذا كان يطلق على كل ما علاك فإنه يشمل ما بين السماء والأرض ويشمل السماوات كلها لأنها كلها قد علتك وهي فوقك. وأما قوله: ﴿والطارق﴾ فهو قسم ثان، أي أن الله أقسم بالطارق فما هو الطارق؟ ليس الطارق هو الذي يطرق أهله ليلاً بل فسره الله بقوله: ﴿النجم الثاقب﴾ هذا هو الطارق، والنجم هنا يحتمل أن يكون المراد به جميع النجوم فتكون (ال) للجنس، ويحتمل أنه النجم الثاقب، أي: النجم اللامع، قوي اللمعان، لأنه يثقب الظلام بنوره، وأيًّا كان فإن هذه النجوم من آيات الله الدالة على كمال قدرته، في سيرها وانتظامها، واختلاف أشكالها واختلاف منافعها أيضاً، قال الله ﵎: ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: ١٦] . وقال تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين﴾ [الملك: ٥] . فهي زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها.
ثم بين الله المقسم عليه بقوله: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ ﴿إن﴾ هنا نافية يعني ما كل نفس، و ﴿لما﴾ بمعنى (إلا) يعني ما كل نفس إلا عليها حافظ من الله، وبين الله مهمة هذا الحافظ بقوله: ﴿وإن عليكم لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار: ١٠ ـ ١٢] . هؤلاء الحفظة يحفظون على الإنسان عمله، ما له وما عليه، ويجده يوم القيامة
стр. 142
كتاباً منشوراً يقال له: ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ [الإسراء: ١٤] . هؤلاء الحفظة يكتبون ما يقوم به الإنسان من قول، وما يقوم به من فعل، سواء كان ظاهراً كأقوال اللسان، وأعمال الجوارح، أو باطناً حتى ما في القلب مما يعتقده الإنسان فإنه يكتب عليه لقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمن وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق ١٦ ـ ١٨] . هذا الحافظ يحفظ عمل بني آدم، وهناك حفظة آخرون ذكرهم الله في قوله: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١] .
﴿فلينظر الإنسان مما خلق﴾ (اللام) هنا للأمر، والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار وهو النظر بالبصيرة، يعني ليفكر الإنسان مما خلق؟ هل خلق من حديد؟ هل خلق من فولاذ؟ هل خلق من شيء قاسٍ قوي؟ والجواب على هذه التساؤلات: أنه ﴿خلق من ماء دافق﴾ وهو ماء الرجل، ووصفه الله تعالى في آيات أخرى بأنه ماء مهين ضعيف السيلان ليس كالماء العادي المنطلق، ووصفه الله تعالى في آية أخرى أنه نطفة أي قليل من الماء، هذا الذي خلق منه الإنسان، والعجب أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين، ثم يكون قلبه أقسى من الحجارة ـ والعياذ بالله ـ إلا من ألان الله قلبه لدين الله، ثم بين أن هذا الماء الدافق ﴿يخرج من بين الصلب والترائب﴾ من بين صلب الرجل وترائبه أعلى صدره، وهذا يدل على عمق مخرج هذا الماء، وأنه يخرج من مكان مكين في الجسد، وقال بعض العلماء: ﴿يخرج من بين الصلب﴾ أي صلب الرجل ﴿والترائب﴾ ترائب المرأة. ولكن هذا خلاف ظاهر اللفظ، والصواب أن الذي يخرج من بين الصلب والترائب هو ماء الرجل، لأن الله تعالى
стр. 143
وصفه بذلك. ثم قال تعالى: ﴿إنه على رجعه لقادر﴾ ﴿إنه﴾ أي الله . ﴿على رجعه﴾ أي على رجع الإنسان ﴿لقادر﴾ وذلك يوم القيامة لقوله ﴿يوم تبلى السرائر﴾ فالذي قدر على أن يخلق الإنسان من هذا الماء الدافق المهين، قادر على أن يعيده يوم القيامة، وهذا من باب الاستدلال بالمحسوس على المنظور المترقب، وهو قياس عقلي، فإن الإنسان بعقله يقول إذا كان الله قادراً على أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين ويحييه قادر على أن يعيده مرة ثانية ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧] .
ولهذا يستدل الله بالمبدأ على المعاد لأنه قياس جلي واضح، ينتقل العقل من هذا إلى هذا بسرعة وبدون كلفة، وقوله: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ أي تختبر السرائر، وهي القلوب، فإن الحساب يوم القيامة على ما في القلوب، والحساب في الدنيا على ما في الجوارح، ولهذا عامل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المنافقين معاملة المسلمين حيث كان يُستأذن في قتلهم فيقول: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (١) ، فكان لا يقتلهم وهو يعلم أن فلانًا منافق، وفلانًا منافق، لكن العمل في الدنيا على الظاهر ويوم القيامة على الباطن ﴿يوم تبلى السرائر﴾ أي تختبر وهذا كقوله: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور. وحصل ما في الصدور﴾ [العاديات: ٩، ١٠] . ولهذا يجب علينا العناية بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، عمل الجوارح علامة ظاهرة، لكن عمل القلب هو الذي عليه المدار، ولهذا أخبر النبي ﵊ عن الخوارج يخاطب الصحابة يقول: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم ـ يعني أنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة لكن قلوبهم خالية والعياذ بالله ـ لا يتجاوز
стр. 144
الإسلام حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» (١) ،
قال الحسن البصري ﵀: (والله ما سبقهم أبو بكر بصلاة ولا صوم، وإنما سبقهم بما وقر في قلبه من الإيمان) والإيمان إذا وقر في القلب حمل الإنسان على العمل، لكن العمل الظاهر قد لا يحمل الإنسان على إصلاح قلبه، فعلينا أن نعتني بقلوبنا وأعمالها، وعقائدها، واتجاهاتها، وإصلاحها وتخليصها من شوائب الشرك والبدع، والحقد والبغضاء، وكراهة ما أنزل الله على رسوله وكراهة الصحابة ﵃، وغير ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه.
ثم قال تعالى: ﴿فما له من قوة﴾ يعني يوم القيامة ما للإنسان من قوة ذاتية ﴿ولا ناصر﴾ وهي القوة الخارجية، هو بنفسه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا أحد يستطيع أن يدافع عنه، قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١] . في الدنيا يتساءلون، يسأل بعضهم بعضاً، ويحتمي بعضهم ببعض، لكن يوم القيامة لا أنساب يعني لا قرابة، لا تنفع القرابة ولا يتساءلون.
﴿وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالَاَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ .
بعد أن ذكر الله تعالى الإقسام ﴿والسماء والطارق﴾ إلى
стр. 145
آخره ... إلى قوله ﴿يوم تبلى السرائر. فما له من قوة ولا ناصر﴾ قال تعالى: ﴿والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع﴾ هذا هو القسم الثاني للسماء، والقسم الأول ما كان في أول السورة، فهناك قال: ﴿والسماء والطارق. وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب﴾ وهنا قال: ﴿والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع. إنه لقول فصل﴾ والمناسبة بين القسمين ـ والله أعلم ـ أن الأول فيه إشارة إلى الطارق الذي هو النجم، والنجم تُرمى به الشياطين الذين يسترقون السمع، وفي رمي الشياطين بذلك حفظ لكتاب الله ، أما هنا فأقسم بالسماء ذات الرجع أن هذا القرآن قول فصل، فأقسم على أن القرآن قول فصل، فصار القسم الأول مناسبته أن فيه الإشارة إلى ما يحفظ به هذا القرآن حال إنزاله، وفي القسم الثاني الإشارة إلى أن القرآن حياة، يعني يقال: ﴿والسماء ذات الرجع﴾ الرجع هو المطر، يسمى رجعاً لأنه يرجع ويتكرر، ومعلوم أن المطر به حياة الأرض. ﴿والأرض ذات الصدع﴾ الصدع هو الانشقاق يعني التشقق بخروج النبات منه، فأقسم بالمطر الذي هو سبب خروج النبات، وبالتشقق الذي يخرج منه النبات، وكله إشارة إلى حياة الأرض بعد موتها، والقرآن به حياة القلوب بعد موتها، كما قال الله ﵎: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢] . فسمى الله القرآن روحاً لأنه تحيى به القلوب.
يقول : ﴿والسماء ذات الرجع﴾ أي ذات المطر. ﴿والأرض ذات الصدع﴾ أي ذات الانشقاق لخروج النبات منها. ﴿إنه﴾ أي القرآن ﴿لقول فصل﴾ وصفه الله تعالى بأنه قول فصل، وهو قول الله ، فهو الذي تكلم به وألقاه إلى جبريل عليه الصلاة