← Тафсир

Тафсир · id 151168

تفسير العثيمين: جزء عم

ابن عثيمين

Полный текст (350 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من الإكرام والصدقات، وإذا كان قريباً ازداد حظه من ذلك؛ لأنه يكون واجب الصلة، فمن جمع هذين الوصفين اليتم والقرابة فإن الإنفاق عليه من اقتحام العقبة إذا كان ذلك في يوم ذي مسغبة. ﴿أو مسكيناً ذا متربة﴾ يعني: أو إطعام في يوم ذي مسغبة ﴿مسكيناً ذا متربة﴾ ، المسكين: هو الذي لا يجد قوته ولا قوت عياله. المتربة: مكان التراب، والمعنى: أنه مسكين ليس بيديه شيء إلا التراب. ومعلوم أنه إذا قيل عن الرجل: ليس عنده إلا التراب، فالمعنى: أنه فقير جداً ليس عنده طعام، وليس عنده كساء، وليس عنده مال فهو مسكين ذو متربة. ﴿ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ ﴿ثم كان﴾ يعني: ثم هو بعد ذلك ليس محسناً على اليتامى والمساكين فقط، بل هو ذو إيمان، آمن بكل ما يجب الإيمان به. وقد بين الرسول ﷺ الذي يجب الإيمان به، فقال حين سأله جبريل عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» (١) . وقوله: ﴿وتواصوا بالصبر﴾ أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر، والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، فهم صابرون متواصون بالصبر بهذه الأنواع: الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة. وقد اجتمعت هذه الأنواع الثلاثة، في الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، فها هو الرسول ﵊ صابر على طاعة الله، يجاهد في سبيل الله، ويدعو إلى الله، ويؤذى ويعتدى عليه بالضرب، حتى هم المشركون بقتله وهو مع ذلك صابر محتسب، وهو أيضاً صابر عن معصية الله، لا يمكن أن

стр. 212

يغدر بأحد، ولا أن يكذب أحداً، ولا أن يخون أحداً، وهو أيضاً متق لله تعالى بقدر ما يستطيع. كذلك صابر على أقدار الله، كم أوذي في الله من أجل طاعته، أليست قريش قد آذوه حتى إذا رأوه ساجداً تحت الكعبة أمروا من يأتي بسلا ناقة فيضعه على ظهره، وهو ساجد ﵊؟! (١) وهو صابر في ذلك كله. ويوسف ﵊، صبر على أقدار الله فقد أُلقي في البئر في غيابة الجب، وأوذي في الله بالسجن، ومع ذلك فهو صابر محتسب لم يتضجر ولم ينكر ما وقع به. وقوله: ﴿وتواصوا بالمرحمة﴾ أي: أوصى بعضهم بعضاً أن يرحم الآخر، ورحمة الإنسان للمخلوقات تكون في البهائم وتكون في الناطق. فهو يرحم آباءَه، وأمهاته، وأبناءَه، وبناته، وإخوانه، وأخواته، وأعمامه، وعماته، وهكذا. ويرحم كذلك سائر البشر، وهو أيضاً يرحم الحيوان البهيم فيرحم ناقته، وفرسه، وحماره، وبقرته، وشاته، وغير ذلك، وقد قال النبي ﵊: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٢) . ﴿أولئك﴾ أي هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات ﴿أصحاب الميمنة﴾ أي: أصحاب اليمين، الذين يُؤتون كتابهم يوم القيامة بأيمانهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً. ثم قال : ﴿والذين كفروا بآياتنا﴾ أي: جحدوا بها ﴿هم أصحاب المشئمة﴾ ﴿هم﴾ : الضمير هنا جاء للتوكيد، ولو قيل في غير القرآن: والذين كفروا بآياتنا أصحاب المشئمة. لصح لكن هذا من باب التوكيد.

стр. 213

﴿المشئمة﴾ يعني: الشمال أو الشؤم. ﴿عليهم نار مؤصدة﴾ أي عليهم نار مغلقة، لا يخرجون منها ولا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً، نسأل الله أن يجعلنا من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة إنه سميع مجيب.

стр. 214

تفسير سورة الشمس ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّهَا * وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَهَا * وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَهَا * وَالَاْرْضِ وَمَا طَحَهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّهَا﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿والشمس وضحاها﴾ أقسم الله تعالى بالشمس وضحاها وهو ضؤها لما في ذلك من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله ، وكمال علمه ورحمته. فإن في هذه الشمس من الآيات ما لا يدركه بعض الناس، فإذا طلعت الشمس فكم توفر على العالم من طاقة كهربائية؟ توفر آلاف الملايين، لأنهم يستغنون بها عن هذه الطاقة، وكم يحصل للأرض من حرارتها، من نضج الثمار، وطيب الأشجار، ما لا يعلمه إلا الله ، ويحصل فيها فوائد كثيرة لا أستطيع أن أعدها؛ لأن غالبها يتعلق في علم الفلك وعلم الأرض والجيولوجيا لكنها من آيات الله العظيمة. ﴿والقمر إذا تلاها﴾ . قيل: إذا تلاها في السير. وقيل: إذا تلاها في الإضاءة، ومادامت الآية تحتمل هذا وهذا فإن القاعدة في علم التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين لا تعارض

стр. 215

بينهما وجب الأخذ بهما جميعاً، لأن الأخذ بالمعنيين جميعاً أوسع للمعنى. فنقول: إذا تلاها في السير؛ لأن القمر يتأخر كل يوم عن الشمس، فبينما تجده في أول الشهر قريباً منها في المغرب، إذا هو في نصف الشهر أبعد ما يكون عنها في المشرق، لأنه يتأخر كل يوم. أو إذا تلاها في الإضاءة، لأنها إذا غابت بدأ ضوء القمر لاسيما في الربع الثاني إلى نهاية الربع الثالث فإن ضوء القمر يكون بيناً واضحاً. يعني: إذا مضى سبعة أيام إلى أن يبقى سبعة أيام يكون الضوء قويًّا، وأما في السبعة الأولى والأخيرة فهو ضعيف، وعلى كل حال فإن إضاءة القمر لا تكون إلا بعد ذهاب ضوء الشمس كما هو ظاهر. فأقسم الله تعالى بالشمس لأنها آية النهار، وبالقمر لأنه آية الليل. ﴿والنهار إذا جلاها. والليل إذا يغشاها﴾ متقابلات، ﴿والنهار إذا جلاها﴾ إذا جلى الأرض وبينها ووضحها؛ لأنه نهار تتبين به الأشياء وتتضح ﴿والليل إذا يغشاها﴾ إذ يغطي الأرض حتى يكون كالعباءة المفروشة على شيء من الأشياء، وهذا يتضح جلياً فيما إذا غابت الشمس وأنت في الطائرة تجد أن الأرض سوداء تحتك، لأنك أنت الآن تشاهد الشمس لارتفاعك، لكن الأرض التي تحتك حيث غربت عليها الشمس تجدها سوداء كأنها مغطاة بعباءة سوداء وهذا معنى قوله: ﴿والليل إذا يغشاها﴾ . ﴿والسماء وما بناها. والأرض ... ﴾ السماء والأرض متقابلات. ﴿والسماء وما بناها﴾ قال المفسرون: إن ﴿ما﴾ هنا مصدرية أي: والسماء وبنائها؛ لأن السماء عظيمة بارتفاعها وسعتها وقوتها، وغير ذلك مما هو من آيات الله فيها، وكذلك بناؤها بناء محكم، كما قال ﵎: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو

стр. 216

حسير﴾ . [الملك: ٣، ٤] . ﴿والأرض وما طحاها﴾ يعني: الأرض وما سواها حتى كانت مستوية، وحتى كانت ليست لينة جداً، وليست قوية صلبة جداً، بل هي مناسبة للخلق على حسب ما تقوم به حوائجهم، وهذا من نعمة الله على عباده أن سوى لهم الأرض وجعلها بين اللين والخشونة إلا في مواضع لكن هذا القليل لا يحكم به على الكثير. ﴿ونفس وما سواها﴾ نفس هنا وإن كانت واحدة لكن المراد العموم. يعني كل نفس ﴿وما سواها﴾ يعني سواها خِلقة وسواها فطرة، سواها خلقة حيث خلق كل شيء على الوجه الذي يناسبه ويناسب حاله. قال الله تعالى: ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه﴾ أي خلقه المناسب له ﴿ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] . أي: هداه لمصالحه، وكذلك سواه فطرة ولا سيما البشر فإن الله جعل فطرتهم هي الإخلاص والتوحيد كما قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ . [الروم: ٣٠] . ﴿فألهمها﴾ أي الله ألهم هذه النفوس ﴿فجورها وتقواها﴾ بدأ بالفجور قبل التقوى مع أن التقوى لا شك أفضل، قالوا: مراعاة لفواصل الآيات. ﴿فجورها وتقواها﴾ الفجور هو ما يقابل التقوى، والتقوى طاعة الله، فالفجور معصية الله، فكل عاص فهو فاجر. وإن كان الفاجر خصَّ عرفاً بأنه من ليس بعفيف، لكن هو شرعاً يعم كل من خرج عن طاعة الله كما قال تعالى: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ [المطففين: ٧] . والمراد الكفار. وإلهامها تقواها هو الموافق للفطرة؛ لأن الفجور خارج عن الفطرة، لكن قد يلهمه الله بعض النفوس لانحرافها لقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥] . والله تعالى لا يظلم أحدًا، لكن من علم منه أنه لا يريد الحق أزاغ الله قلبه. ﴿قد أفلح من زكاها﴾ ﴿قد أفلح﴾ أي: فاز بالمطلوب

стр. 217

ونجا من المرهوب، ﴿من زكاها﴾ أي: من زكى نفسه، وليس المراد بالتزكية هنا التزكية المنهي عنها في قوله: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ [النجم: ٣٢] . المراد بالتزكية هنا: أن يزكي نفسه بإخلاصها من الشرك وشوائب المعاصي، حتى تبقى زكية طاهرة نقية. ﴿وقد خاب من دساها﴾ أي من أرداها في المهالك والمعاصي، وهذا يحتاج إلى دعاء الله أن يثبت الآنسان على طاعته، وعلى القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فعليك دائماً أن تسأل الله الثبات والعلم النافع، والعمل الصالح فإن الله تعالى قال: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ . [البقرة: ١٨٦] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾ . ﴿كذبت ثمود بطغواها﴾ ﴿كذبت ثمود﴾ ثمود اسم قبيلة ونبيهم صالح ﵊، وديارهم في الحجر معروفة في طريق الناس، هؤلاء كذبوا نبيهم صالًحا. ونبيهم صالح ﵊ كغيره من الآنبياء يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. كما قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الآنبياء: ٢٥] . دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأعطاه الله سبحانه آية تدل على نبوته وهي الناقة العظيمة التي تشرب من البئر يوماً وتسقيهم لبناً في اليوم الثاني. وقد قال بعض

стр. 218

العلماء: إنه كلما جاء إنسان وأعطاها من الماء بقدر أعطته من اللبن بقدره، ولكن الذي يظهر من القرآن خلاف ذلك. لقوله تعالى: ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء: ١٥٥] . فالناقة تشرب من البئر يوماً، ثم تدر اللبن في اليوم الثاني، ولكن لم تنفعهم هذه الآية: ﴿كذبت ثمود بطغواها﴾ أي بطغيانها وعتوها، والباء هنا للسببية، أي: بسبب كونها طاغية كذبت الرسول. ﴿إذ انبعث أشقاها﴾ هذا بيان للطغيان الذي ذكره الله وذلك حين انبعث أشقاها. و ﴿انبعث﴾ يعني: انطلق بسرعة. ﴿أشقاها﴾ أي أشقى ثمود أي: أعلاهم في الشقاء ـ والعياذ بالله ـ يريد أن يقضي على هذه الناقة. فقال لهم رسولهم صالح ﵊: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ أي ذروا ناقة الله، لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فذروها تأكل في أرض الله﴾ [الأعراف: ٧٣] . يعني اتركوا الناقة لا تقتلوها ولا تتعرضوا لها بسوء ولكن كانت النتيجة بالعكس. ﴿فكذبوه﴾ أي: كذبوا صالحاً وقالوا: إنك لست برسول، وهكذا كل الرسل الذين أرسلوا إلى أقوامهم يصمهم أقوامهم بالعيب. كما قال الله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ . [الذاريات: ٥٢] . كل الرسل قيل لهم هذا ساحر أو مجنون، كما قيل للرسول ﵊: إنه ساحر، كذاب، مجنون، شاعر، كاهن، ولكن ألقاب السوء التي يلقبها الأعداء لأولياء الله لا تضرهم، بل يزدادون بذلك رفعة عند الله ، وإذا احتسبوا الأجر أثيبوا على ذلك. فيقول : ﴿فعقروها﴾ أي: فذبحوا الناقة عقراً حصل به الهلاك. ﴿فدمدم عليهم ربهم﴾ يعني: أطبق عليهم فأهلكهم كما تقول: دمدمت البئر: أي أطبقت عليها التراب. ﴿بذنبهم﴾ أي: بسبب ذنوبهم؛ لأن الله لا

стр. 219

يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فالذنوب سبب للهلاك والدمار والفساد لقول الله ﵎: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١] . وقال تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً﴾ . [الإسراء: ١٦] . وقال الله تعالى يخاطب أشرف الخلق وخير القرون: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ . [آل عمران: ١٦٥] . فالآنسان يصاب بالمصائب من عند نفسه، ولهذا قال: ﴿فدمدم عليهم ربهم بذنبهم﴾ أي: بسبب ذنبهم. ﴿فسواها﴾ أي: عمها بالهلاك حتى لم يبق منهم أحد وأصبحوا في ديارهم جاثمين. ﴿ولا يخاف عقباها﴾ يعني: أن الله لا يخاف من عاقبة هؤلاء الذين عذبهم، ولا يخاف من تبعتهم، لأن له الملك وبيده كل شيء، بخلاف غيره من الملوك لو انتصروا على غيرهم، أو عاقبوا غيرهم تجدهم في خوف يخشون أن تكون الكرة عليهم. أما الله فإنه لا يخاف عقباها. أي: لا يخاف عاقبة من عذبهم، لأنه له الملك كله، والحمد كله، فسبحانه وتعالى ما أعظمه، وما أجل سلطانه.

стр. 220

تفسير سورة الليل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنثى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿والليل إذا يغشى﴾ أقسم الله بالليل إذا يغشى يعني حين يغشى الأرض ويغطيها بظلامه، لأن الغشاء بمعنى الغطاء. ﴿والنهار إذا تجلى﴾ أي: إذا ظهر وبان، وذلك بطلوع الفجر الذي هو النور الذي هو مقدمة طلوع الشمس، والشمس هي آية النهار كما أن القمر آية الليل. ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ يعني وخَلْق الذكر والأنثى على أحد التفسيرين الذي جعل (ما) هنا مصدرية، والذي خَلَق الذكر والأنثى وهو الله على التفسير الآخر. فعلى المعنى الأول: يكون الله أقسم بخلق الذكر والأنثى. وعلى الثاني: يكون الله تعالى أقسم بنفسه، لأنه هو الذي خلق الذكر والأنثى. ﴿إن سعيكم لشتى﴾ يعني إن عملكم ﴿لشتى﴾ أي لمتفرق تفرقاً عظيماً. فالله أقسم بأشياء متضادة على أشياء متضادة: الليل ضد النهار، الذكر ضد الأنثى، السعي متضاد صالح وسيىء، فتناسب

стр. 221

المقسم به والمقسم عليه، وهذا من بلاغة القرآن. فالمعنى أن اختلاف الليل والنهار والذكر والأنثى أمر ظاهر لا يخفى، فكذلك أعمال العباد متباينة متفاوتة، منها الصالح، ومنها الفاسد، ومنها ما يخلط صالحاً وفاسداً، كل ذلك بتقدير الله ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ثم فصّل هذا السعي المتفرق فقال: ﴿فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى﴾ . ﴿فأما من أعطى﴾ أي: أعطى ما أمر بإعطائه من مال، أو جاه، أو علم. ﴿واتقى﴾ اتقى ما أمر باتقائه من المحرمات. ﴿وصدق بالحسنى﴾ أي: صدق بالقولة الحسنى وهي قول الله ، وقول رسوله ﷺ ، لأن أصدق الكلام، وأحسن الكلام كلام الله . ﴿فسنيسره لليسرى﴾ السين: هنا للتحقيق أي: أن من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسييسره الله لليسرى في أموره كلها، في أمور دينه ودنياه، ولهذا تجد أيسر الناس عملاً هو من اتقى الله ، من أعطى واتقى وصدق بالحسنى. وكلما كان الآنسان أتقى لله كانت أموره أيسر له. قال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسًرا﴾ . [الطلاق: ٤] . وكلما كان الآنسان أبعد عن الله كان أشد عسراً في أموره ولهذا قال: ﴿وأما من بخل﴾ فلم يعط ما أمر بإعطائه ﴿واستغنى﴾ استغنى عن الله ، ولم يتق ربه، بل رأى أنه في غنى عن رحمة الله. ﴿وكذب بالحسنى﴾ أي: بالقولة الحسنى، وهي قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿فسنيسره للعسرى﴾ ييسر للعسرى في أموره كلها، ولكن قد يأتي الشيطان للإنسان فيقول: نجد أن الكفار تيسر أمورهم فيقال: نعم. قد تيسر أمورهم، لكن قلوبهم تشتعل ناراً وضيقاً وحرجاً كما قال تعالى: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد

стр. 222

في السماء﴾ . [الآنعام: ١٢٥] . ثم ما ينعمون به فهو تنعيم جسد فقط، لا تنعيم روح، ثم هو أيضاً وبال عليهم لقول الله تعالى فيهم: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين﴾ . [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣] . وقال النبي ﷺ : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (١) . وتلا قوله تعالى: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ . [هود: ١٠٢] . وهؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ومع ذلك فإن هذه الدنيا جنة لهم بالنسبة للآخرة. وقد ذكروا عن ابن حجر العسقلاني شارح البخاري بالشرح الذي سماه (فتح الباري) وكان قاضي القضاة بمصر، أنه مر ذات يوم وهو على عربته تجره البغال والناس حوله، مر برجل يهودي سمان يعني: يبيع السمن والزيت، ومن المعلوم أن الذي يبيع السمن والزيت تكون ثيابه وسخة وحاله سيئة فأوقف العربة وقال لابن حجر: إن نبيكم يقول: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» (٢) ، فكيف أنا أكون بهذه الحال وأنت بهذه الحال؟ فقال له ابن حجر على البديهة: أنا في سجن بالنسبة لما أعد الله للمؤمنين من الثواب والنعيم، لأن الدنيا بالنسبة للآخرة ليست بشيء كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (٣) ، وأما أنت أيها اليهودي: فأنت في جنة بالنسبة لما أعد لك من العذاب إن مت على الكفر فاقتنع بذلك اليهودي وصار ذلك سبباً في إسلامه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

стр. 223

ثم قال : ﴿وما يغني عنه ماله إذا تردى﴾ يعني أي شيء يغني عنه ماله إذا بخل به وتردى. أي: هلك أي شيء يغني المال؟ لا يغني شيئاً. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا للآخرة وَالاُْولَى * فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَهَآ إِلَاّ الَاْشْقَى * الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الَاْتْقَى * الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لَاِحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَاّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الَاْعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ . ﴿إن علينا للهدى﴾ فيه التزام من الله أن يبين للخلق ما يهتدون به إليه. والمراد بالهدىهنا: هدى البيان والإرشاد فإن الله تعالى التزم على نفسه بيان ذلك حتى لا يكون للناس على الله حجة وهذا في قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣] . إلى أن قال: ﴿رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ . [النساء: ١٦٥] . فلا يمكن للعقل البشري أن يستقل بمعرفة الهدى، ولذلك التزم الله بأن يبين الهدى للإنسان ﴿إن علينا للهدى﴾ وليُعلم أن الهدى نوعان: ١ ـ هدى التوفيق. فهذا لا يقدر عليه إلا الله. ٢ ـ هدى إرشاد ودلالة، فهذا يكون من الله، ويكون من الخلق: من الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن العلماء. كما قال الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ . [الشورى: ٥٢] . أما هداية التوفيق فهي إلى الله لا أحد يستطيع أن يوفق شخصاً إلى الخير كما قال الله تعالى: ﴿إنك لا

стр. 224

تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] . وإذا نظرنا إلى هذه الآية الكريمة ﴿إن علينا للهدى﴾ وجدنا أن الله تعالى بين كل شيء. بين ما يلزم الناس في العقيدة، وما يلزمهم في العبادة، وما يلزمهم في الأخلاق، وما يلزمهم في المعاملات، وما يجب عليهم اجتنابه في هذا كله. حتى قال أبو ذر ﵁: لقد توفي رسول الله ﵌ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما (١) ً. وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: علمكم نبيكم حتى الخراءة (٢) ، قال: أجل علمنا حتى الخراءة. يعني: حتى آداب قضاء الحاجة علمها النبي ﷺ أمته، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ . [المائدة: ٣] . ﴿وإن لنا للآخرة والأولى﴾ يعني: لنا الآخرة والأولى. الأولى متقدمة على الآخرة في الزمن، لكنه في هذه الآية أخرها لفائدتين: الفائدة الأولى: معنوية. الفائدة الثانية: لفظية. أما المعنوية فلأن الآخرة أهم من الدنيا، ولأن الآخرة يظهر فيها ملك الله تعالى تماماً. في الدنيا هناك رؤساء، وهناك ملوك، وهناك أمراء يملكون ما أعطاهم الله من الملك، لكن في الآخرة لا ملك لأحد ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] . فلهذا قدم ذكر الآخرة من أجل هذه الفائدة المعنوية.

стр. 225

أما الفائدة اللفظية: فهي مراعاة الفواصل يعني: أواخر الآيات كلها آخرها ألف. فإن قيل: إن الله قال: ﴿إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى﴾ فما الفرق؟ الجواب: الفرق أن الهدى التزم الله تعالى ببيانه وإيضاحه للخلق، أما الملك فهو لله ملك الآخرة والأولى، ولهذا قال: ﴿وإن لنا للآخرة والأولى﴾ ثم قال : ﴿فأنذرتكم نارًا تلظى﴾ ﴿فأنذرتكم﴾ يعني: خوفتكم ﴿ناراً﴾ يعني بها نار الآخرة. ﴿تلظى﴾ تشتعل، ولها أوصاف كثيرة في القرآن والسنة. ﴿لا يصلاها إلا الأشقى﴾ ﴿لا يصلاها﴾ يعني: لا يحترق بها ﴿إلا الأشقى﴾ يعني الذي قدرت له الشقاوة. والشقاوة ضد السعادة لقوله تعالى: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ [هود: ١٠٦] . وقوله: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة﴾ [هود: ١٠٨] . فالمراد بالأشقى يعني: الذي لم تكتب له السعادة، هذا هو الذي يصلى النار التي تلظى. ثم بين هذا بقوله: ﴿الذي كذب وتولى﴾ التكذيب في مقابل الخبر، والتولي في مقابل الأمر والنهي. فهذا كذب الخبر ولم يصدق، قيل له: إنك ستبعث. قال: لا أبعث. قيل له: هناك جنة ونار. قال: ليس هناك جنة ونار. قيل له: سيكون كذا وكذا، قال: ما يكون. هذا تكذيب. ﴿تولى﴾ يعني أعرض عن طاعة الله، وأعرض عما جاءت به رسله، فهذا هو الشقي. ﴿وسيجنبها﴾ أي: يجنب هذه النار التي تلظى ﴿الأتقى﴾ والأتقى اسم تفضيل من التقوى يعني: الذي اتقى الله تعالى حق تقاته. ﴿الذي يؤتي ماله يتزكى﴾ يعني: يعطي ماله من يستحقه على وجه يتزكى به، أي: يتطهر به، قال الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم

стр. 226

إن صلاتك سكن لهم﴾ . [التوبة: ١٠٣] . فقوله: ﴿الذي يؤتي ماله يتزكى﴾ يفيد أنه لا يبذر ولا يبخل، وإنما يؤتي المال على وجه يكون به التزكية، وضابط ذلك ما ذكره الله في سورة الفرقان ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ . [الفرقان: ٦٧] . نجد بعض الناس يعطيه الله مالاً، ولكنه يبخل يقتر حتى الواجب عليه لزوجته وأولاده وأقاربه لا يقوم به. ونرى بعض الناس قدر الله عليه الرزق وضيق عليه بعض الشيء، ومع هذا يذهب يتدين من الناس من أجل أن يكمل بيته حتى يكون مثل: بيت فلان وفلان، أو من أجل أن يشتري سيارة فخمة كسيارة فلان وفلان، وكلا المنهجين والطريقين منهج باطل. الأول: قصر. والثاني: أفرط. والواجب على الآنسان أن يكون إنفاقه بحسب حاله. فإن قال قائل: هل يجوز أن يتدين الآنسان ليتصدق؟ فالجواب: لا. لأن الصدقة تطوع، والتزام الدّين خطر عظيم، لأن الدين ليس بالأمر الهين، فالآنسان إذا مات وعليه دين فإن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه، وكثير من الورثة لا يهتم بدين الميت، تجده يتأخر يماطل وربما لا يوفيه. وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا قدمت إليه جنازة سأل هل عليه دين؟ أله وفاء؟ فإن قالوا لا، قال: «صلوا على صاحبكم» (١) . وأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين (٢) ، فالدين أمره عظيم، لا يجوز للإنسان أن يتهاون به ثم قال: ﴿وما لأحد عنده من

стр. 227

نعمة تجزى﴾ يعني أنه لا يعطي المال مكافأة على نعمة سابقة من شخص فليس لأحد عليه فضل حتى يعطيه مكافأة، ولكنه يعطي ابتغاء وجه الله ولهذا قال: ﴿إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ . فهو لا ينفق إلا طلب وجه الله، أي طلب الوصول إلى دار كرامة الله التي يكون بها رؤية الله . ﴿ولسوف يرضى﴾ يعني سوف يرضيه الله بما يعطيه من الثواب الكثير وقد بين الله ذلك في قوله: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦١] . نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء البررة الأطهار الكرام، إنه على كل شيء قدير.

стр. 228

تفسير سورة الضحى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالضُّحَى * وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَللآخرة خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاُْولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿والضحى﴾ ﴿الضحى﴾ هو أول النهار، وفيه النور والضياء ﴿والليل إذا سجى﴾ أي: الليل إذا غطى الأرض وسدل عليها ظلامه، فأقسم الله تعالى بشيئين متباينين أولهما: الضحى إذا إنتشر وملأ الأرض ضياءً ونوراً، والثاني: الليل إذا يغشى وفيه الظلمة. ﴿ما ودعك ربك﴾ أي ما تركك وأهملك ﴿وما قلى﴾ أي: وما أبغض، بل أحب الخلق إليه فيما نعلم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكلن رسول الله ﷺ الخليلين الذين إختصا بهذه الصفة العظيمة وهي الخلة، والخلة أعلى أنواع المحبة، وليس من عباد الله فيما نعلم من هو خليل الله إلا إبراهيم ومحمد عليها الصلاة والسلام كما قال النبي ﷺ : (إن الله إتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلاًً) (١) ولهذا اختاره الله لأعظم الرسالات، وأفضل الأمم، وجعله خاتم النبيين، فلا نبي بعده ﵌، يقول لنبيه ﷺ : ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ [الطور: ٤٨] . فعين الله تعالى تكلأه وترعاه وتحميه وتحفظه وهو الذي قال له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٨-٢١٩] . فما تركه الله بل أحاطه بعلمه، ورحمته، وعنايته وغير ذلك مما يقتضي رفعته في الدنيا والآخرة. كما قال في السورة التي تليها: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ . [الشرح: ٤] . ﴿وللآخرة خير

стр. 229

لك من الأولى﴾ هذه الجملة مؤكدة باللام، لام الابتداء و ﴿الآخرة﴾ هي اليوم الذي يبعث فيه الناس، ويأوون إلى مثواهم الأخير إلى الجنة أو إلى النار، فيقول الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾ أي: من الدنيا، وذلك لأن الآخرة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وموضع سوط أحدنا في الجنة خير من الدنيا وما فيها، كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (١) . ولهذا لما خير الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مرضه بين أن يعيش في الدنيا ما يعيش وبين ما عند الله، اختار ما عند الله، كما أعلن ذلك صلى الله عليه وعلى آله وسلم في خطبته حيث قال وهو على المنبر: «إن عبداً من عباد الله خيره الله بين أن يعيش في الدنيا ما شاء الله أن يعيش وبين ما عنده فاختار ما عنده» ، فبكى أبو بكر ﵁ وتعجب الناس من بكائه كيف يبكي من هذا، ولكنه ﵁ كان أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. علم أن المخير هو الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه اختار ما عند الله وهو الآخرة، وأن هذا إيذان بقرب أجله. (٢) ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ ﴿ولسوف﴾ اللام هذه أيضاً للتوكيد وهي موطئة للقسم، و ﴿سوف﴾ تدل على تحقق الشيء لكن بعد مهلة وزمن ﴿يعطيك ربك﴾ أي يعطيك ما يرضيك فترضى، ولقد أعطاه الله ما يرضيه ﷺ ، فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة مقاماً محموداً، يحمده فيه الأولون والآخرون، حتى الأنبياء وأولو العزم من الرسل لا يستطيعون

стр. 230

الوصول إلى ما وصل إليه. فإذا كان يوم القيامة، وعظم الكرب والغم على الخلق، وضاقت عليهم الأمور طلب بعضهم من بعض أن يلتمسوا من يشفع لهم إلى الله فيأتون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، هؤلاء خمسة أولهم أبو البشر، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وهؤلاء الأربعة عليهم الصلاة والسلام من أولي العزم، كلهم يعتذرون عن الشفاعة للخلق حتى تصل إلى النبي ﷺ فيقوم ويشفع (١) ، ولا شك أن هذا عطاء عظيم لم ينله أحد من الخلق، ثم بين الله نعمه عليه السابقة حتى يستدل بها على النعم اللاحقة. فقال: ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى﴾ والاستفهام هنا للتقرير، يعني قد وجدك الله تعالى يتيماً فأواك، يتيماً من الأب، ويتيماً من الأم، فإن أباه توفي قبل أن يولد، وأمه توفيت قبل أن تتم إرضاعه، ولكن الله تعالى تكفل به ويسر له من يقوم بتربيته والدفاع عنه، حتى وصل إلى الغاية التي أرادها الله . وقوله: ﴿يتيماً فآوى﴾ وجاء التعبير ـ والله أعلم ـ بـ ﴿فآوى﴾ لسبب لفظي، وسبب معنوي. أما السبب اللفظي: فلأجل أن تتوافق رؤوس الآيات من أول السورة، وأما السبب المعنوي: فإنه لو كان التعبير (فآواك) اختص الإيواء به صلى الله عليه وعلى آله وسلم والأمر أوسع من ذلك، فإن الله تعالى آواه، وآوى به، آوى به المؤمنين فنصرهم وأيدهم، ودفع عنهم بل دافع عنهم . ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ ﴿وجدك ضالاً﴾ أي غير عالم؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يعلم شيئاً قبل أن ينزل عليه الوحي، كما قال تعالى: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣] . وقال: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ [العنكبوت: ٤٨] . فهو ﷺ

стр. 231

لم يكن يعلم شيئاً بل هو من الأميين ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ [الجمعة: ٢] . لا يقرأ ولا يكتب، لكن وصل إلى هذه الغاية العظيمة بالوحي الذي أنزله الله عليه، فعلم وعلَّم وهنا قال ﴿فهدى﴾ ولم يأت التعبير ـ والله أعلم ـ فهداك، ليكون هذا أشمل وأوسع فهو قد هدى ﵊، وهدى الله به، فهو هاد مهدي ﵊. إذاً فهدى أي فهداك وهدى بك. ﴿ووجدك عائلاً فأغنى﴾ أي وجدك فقيراً لا تملك شيئاً ﴿فأغنى﴾ أي أغناك وأغنى بك قال الله تعالى: ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها﴾ [الفتح: ٢٠] . وما أكثر ما غنم المسلمون من الكفار تحت ظلال السيوف، غنائم عظيمة كثيرة كلها بسبب هذا الرسول الكريم ﵊ حين اهتدوا بهديه، واتبعوا سنته فنصرهم الله تعالى به وغنموا من مشارق الأرض ومغاربها، ولو أن الأمة الإسلامية عادت إلى ما كان عليه السلف الصالح لعاد النصر إليهم، والغنى، والعزة، والقوة ولكن مع الأسف أن الأمة الإسلامية في الوقت الحاضر كل منها ينظر إلى حظوظ نفسه بقطع النظر عما يكون به نصرة الإسلام أو خذلان الإسلام. ولا يخفى على من تأمل الوقائع التي حدثت أخيراً أنها في الحقيقة إذلال للمسلمين، وأنها سبب لشر عظيم كبير يترقب من وراء ما حدث، ولاسيما من اليهود والنصارى الذين هم أولياء بعضهم لبعض كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ [المائدة: ٥١] . وهم أعني اليهود والنصارى متفقون على عداوة المسلمين، كل لا يريد الإسلام، ولا يريد أهل الإسلام، ولا يريد عز الإسلام. ولكن سينصر الله تعالى دينه مهما كانت الأحوال، فالله تعالى ناصر دينه وكتابه، وإن حصل على المسلمين

стр. 232

ما يحصل فإن الله يقول: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ [آل عمران: ١٤٠] . وسيأتي اليوم الذي يجاهد فيه المسلمون اليهود يختبىء اليهودي خلف الشجر فينادي الشجر يا مسلم، يا عبد الله هذا يهودي خلفي، فيأتي المسلم ويقتله (١) ، وما ذلك على الله بعزيز. ولكن المسلمين يحتاجون إلى قيادة حكيمة عليمة بأحكام الشريعة قبل كل شيء، لأن القيادة بغير الاستفادة بنور الشريعة عاقبتها الوبال، مهما علت ولو علت إلى أعلى قمة فإنها سوف تنزل إلى أسفل قعر. الهداية بالإسلام، بنور الإسلام، لا بالقومية، ولا بالعصبية، ولا بالوطنية ولا بغير ذلك، بالإسلام فقط. فالإسلام وحده هو الكفيل بعزة الأمة، لكن تحتاج إلى قيادة حكيمة تضع الأشياء مواضعها، وتتأنى في الأمور ولا تستعجل، لا يمكن أن يصلح الناس بين عشية وضحاها، ومن أراد ذلك فإنه قد أراد أن يغير الله سنته، والله لا يغير سنته، فهذا نبي الله ﵊ بقي في مكة ثلاث عشرة سنة ينزل عليه الوحي، ويدعو إلى الله بالتي هي أحسن، ومع ذلك في النهاية خرج من مكة خائفاً مختفياً لم تتم الدعوة في مكة، فلماذا نريد أن نغير الأمة التي مضى عليها قرون وهي في غفلة وفي نوم بين عشية وضحاها، هذا سفه في العقل، وضلال في الدين. الأمة تحتاج إلى علاج رفيق هادىء يدعو بالتي هي أحسن، الأمة الإسلامية تحتاج بعد الفقه في دين الله والحكمة في الدعوة إلى الله، تحتاج إلى العلم بالواقع والفطنة والخبرة، ونظر في الأمور التي تحتاج إلى نظر بعيد، لأن النتائج قد لا تتبين في شهر، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين، لكن العاقل يصبر

стр. 233

وينظر ويتأمل حتى يعرف، والأمور تحتاج أيضاً إلى عزم وتصميم وصبر؛ لأنه لابد من هذا لابد من عزم يندفع به الإنسان، ولابد من صبر يثبت به الإنسان وإلا لفاتت الأمور أو فات كثير منها والله المستعان. قال : ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾ هذا في مقابلة ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى﴾ ، فإذا كان الله آواك في يتمك فلا تقهر اليتيم، إلا أن يكون قهراً في مصلحة له، فهذا ليس قهراً في الحقيقة وغن كان قهراً ظاهرياً ولكن المصلحة عظيمة لهذا اليتيم فلا تقهر اليتيم، بل أكرم اليتيم، والإحسان إلى اليتامى وإكرامهم من أوامر الشريعة ومن حسنات الشريعة، لأن اليتيم الذي مات أبوه قبل أن يبلغ منكسر الخاطر، يحتاج إلى جبر، يحتاج إلى من يسليه، وإلى من يدخل عليه السرور لاسيما إذا كان قد بلغ سنًّا يعرف به الأمور كالسابعة والعاشرة وما أشبه ذلك ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ هذا في مقابل ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ أول ما يدخل في السائل، السائل عن الشريعة عن العلم لا تنهره؛ لأنه إذا سألك يريد أن تبين له الشريعة وجب عليك أن تبينها له لقول الله ﵎: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧] . لا تنهره إن نهرته نفرته، ثم إنك إذا نهرته وهو يعتقد أنك فوقه؛ لأنه لم يأت يسأل إلا أنه يعتقد أنك فوقه، إذا نهرته وهو يشعر أنك فوقه أصابه الرعب واختلفت حواسه، وربما لا يفقه ما يلقي إليك من السؤال، أو لا يفقه ما تلقيه إليه من الجواب، وقس نفسك أنت لو كلمت رجلاً أكبر منك منزلة ثم نهرك ضاعت حواسك، ولم تستطع أن ترتب فكرك وعقلك، لهذا لا تنهر السائل، وربما يدخل في ذلك أيضاً سائل المال، يعني إذا جاءك سائل يسألك مالاً فلا تنهره، لكن هذا العموم يدخله التخصيص: إذا عرفت أن السائل في العلم إنما يريد التعنت، وأخذ

стр. 234

رأيك وأخذ رأي فلان وفلان حتى يضرب آراء العلماء بعضها ببعض، فإذا علمت ذلك فهنا لك الحق أن تنهره، وأن تقول: يا فلان اتق الله ألم تسأل فلاناً كيف تسألني بعدما سألته؟! أتلعب بدين الله؟! أتريد إن أفتاك الناس بما تحب سكتّ، وإن أفتوك بما لا تحب ذهبت تسأل؟!. هذا لا بأس أن تنهره، لأن هذا النهر تأديب له. وكذلك سائل المال إذا علمت أن الذي سألك المال غني فلك الحق أن تنهره ولك الحق أيضاً أن توبخه على سؤاله وهو غني، إذاً هذا العموم ﴿السائل فلا تنهر﴾ مخصوص فيما إذا اقتضت المصلحة أن ينهر فلا بأس ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ نعمة الله تعالى على الرسول ﷺ التي ذكرت في هذه الآيات ثلاث ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى. ووجدك ضالاً فهدى. ووجدك عائلاً فأغنى﴾ وبهذه الثلاث تتم النعم. حدث بنعمة الله قل: كنت يتيماً فآواني الله، كنت ضالاً فهداني الله، كنت عائلاً فأغناني الله، لكن تحدث بها إظهاراً للنعمة وشكراً للمنعم، لا افتخاراً بها على الخلق؛ لأنك إذا فعلت ذلك افتخاراً على الخلق كان هذا مذموماً. أما إذا قلت أو إذا ذكرت نعمة الله عليك تحدثاً بالنعم، وشكراً للمنعم فهذا مما أمر الله به. هذه كلمات يسيرة على هذه السورة العظيمة، وما نقوله نحن أو غيرنا من أهل العلم فإنه لا يستوعب ما دل عليه القرآن من المعاني العظيمة، نسأل الله أن يرزقنا الفهم في دين الله، والعمل بما علمنا إنه على كل شيء قدير.

стр. 235

تفسير سورة الشرح ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. قال الله مبيناً نعمته على نبيه محمد ﷺ : ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ هذا الاستفهام يقول العلماء إنه استفهام تقرير، واستفهام التقرير يرد في القرآن كثيراً، ويقدّر الفعل بفعل ماضٍ مقرون بقد. ففي قوله ﴿ألم نشرح لك﴾ يقدّر بأن المعنى قد شرحنا لك صدرك؛ لأن الله يقرر أنه شرح له صدره، وهكذا جميع ما يمر بك من استفهام التقرير فإنه يقدر بفعل ماضٍ مقرون بقد، أما كونه يقدر بفعل ماضٍ؛ فلأنه قد تم وحصل، وأما كونه مقروناً بقد؛ فلأن قد تفيد التحقيق إذا دخلت على الماضي، وتفيد التقليل إذا دخلت على المضارع، وقد تفيد التحقيق، ففي قول الناس: (قد يجود البخيل) قد هذه للتقليل، لكن في قوله تعالى: ﴿قد يعلم ما أنتم عليه﴾ [النور: ٦٤] . هذه للتحقيق ولا شك. يقول الله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ أي: نوسعه، وهذا الشرح شرح معنوي ليس شرحاً حسيًّا، وشرح الصدر أن يكون متسعاً لحكم الله بنوعيه، حكم الله الشرعي وهو

стр. 236

الدين، وحكم الله القدري وهو المصائب التي تحدث على الإنسان؛ وذلك لأن الشرع فيه مخالفة للهوى فيجد الإنسان ثقلاً في تنفيذ أوامر الله، وثقلاً في اجتناب محارم الله، لأنه مخالف لهوى النفس، والنفس الأمارة بالسوء لا تنشرح لأوامر الله ولا لنواهيه، تجد بعض الناس تثقل عليه الصلاة كما قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ [النساء: ١٤٢] . ومن الناس من تخف عليه الصلاة بل يشتاق إليها ويترقب حصولها كما قال النبي ﵊: «جعلت قرة عيني في الصلاة» (١) ، إذاً فالشرع فيه ثقل على النفوس، كاجتناب المحرمات، فبعض الناس يهوى أشياء محرمة عليه كالزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك فتثقل عليه، ومن الناس من ينشرح صدره لذلك ويبتعد عما حرم الله، وانظر إلى يوسف ﵊ لما دعته امرأة العزيز بعد أن غلقت الأبواب وقالت: هيت لك وتهيأت له بأحسن ملبس وأحسن صورة، والمكان آمن أن يدخل أحد، غلقت الأبواب، وقالت: هيت لك، قال: معاذ الله، استعاذ بربه لأن هذه حال حرجة، شاب وامرأة العزيز، ومكان خالٍ وآمن، والإنسان بشر ربما تسوّل له نفسه أن يفعل ولهذا قال: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ [يوسف: ٧٤] . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت

стр. 237

عيناه» (١) ، والشاهد من هذا قوله: «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله» فشرح الصدر للحكم الشرعي معناه قبول الحكم الشرعي والرضا به وامتثاله، وأن يقول القائل سمعنا وأطعنا، وأنت بنفسك أحياناً تجد قلبك منشرحاً للعبادة تفعلها بسهولة وانقياد وطمأنينة ورضا، وأحياناً بالعكس لولا خوفك من الإثم ما فعلت، فإذا كان هذا الاختلاف في الشخص الواحد فما بالك بالأشخاص. وأما انشراح الصدر للحكم القدري، فالإنسان الذي شرح الله صدره للحكم الكوني تجده راضياً بقضاء الله وقدره، مطمئناً إليه، يقول: أنا عبد، والله رب يفعل ما يشاء، هذا الرجل الذي على هذه الحال سيكون دائماً في سرور لا يغتم ولا يهتم، هو يتألم لكنه لا يصل إلى أن يحمل هًّما أو غمًّا ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﵊ قال: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له» (٢) ، إذاً شرح الصدر يعني توسعته وتهيئته لأحكام الله الشرعية والقدرية، لا يضيق بأحكام الله ذرعاً إطلاقاً، ونبينا محمد ﷺ له الحظ الأوفر من ذلك، ولهذا تجده أتقى الناس لله، وأشدهم قياماً بطاعة الله، وأكثرهم صبراً على أقدار الله، ماذا فعل الناس به حين قام بالدعوة؟ وماذا يصيبه من الأمراض؟ حتى إنه يوعك كما يوعك الرجلان منا يعني من المرض يشدد عليه يعني كرجلين منا، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو

стр. 238

يوعك، فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً، قال: «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» (١) . وحتى أنه شدد عليه عند النزع عند الموت ﵊ حتى يفارق الدنيا وهو أصبر الصابرين، والصبر درجة عالية لا تنال إلا بوجود شيء يصبر عليه، أما الشيء اليسير البارد فلا صبر عليه، لهذا نجد الأنبياء أكثر الناس بلاء ثم الصالحين الأمثل فالأمثل. ﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك﴾ قد يقول قائل: إن بين الجملتين تنافر، الجملة الأولى فعل مضارع ﴿نشرح﴾ والثانية فعل ماض ﴿وضعنا﴾ لكن بناء على التقرير الذي قلت وهو أن ﴿ألم نشرح﴾ بمعنى قد شرحنا يكون عطف ووضعنا عطفه على نظيره ومثيله ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ وضعناه أي طرحناه وعفونا وسامحنا وتجاوزنا عنك ﴿وزرك﴾ أي إثمك ﴿الذي أنقض ظهرك﴾ يعني أقضه وآلمه؛ لأن الظهر هو محل الحمل، فإذا كان هناك حمل يتعب الظهر فإتعاب غيره من باب أولى، لأن أقوى عضو في أعضائك للحمل هو الظهر، وانظر للفرق بين أن تحمل كيساً على ظهرك أو تحمله بين يديك بينهما فرق، فالمعنى أن الله تعالى غفر للنبي ﷺ وزره وخطيئته حتى بقي مغفوراً له، قال الله ﵎: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ . [الفتح: ١، ٢] . وقيل للنبي ﷺ وهو يقوم الليل ويطيل القيام حتى تتورم قدماه أو تتفطر قيل له: أتصنع هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً» (٢) ، إذاً مغفرة الذنوب

стр. 239

المتقدمة والمتأخرة ثابتة بالقرآن والسنة، وهذا من خصائص الرسول ﵊، لا أحد من الناس يغفر له ما تقدم وما تأخر إلا الرسول ﷺ ، أما غيره فيحتاج إلى توبة من الذنب، وقد يغفر الله له بدون توبة ما دون الشرك، لكن الرسول ﵊ نجزم بأنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولهذا قال: ﴿ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك﴾ . فإن قال قائل: هذه الآية وما سقناه شاهداً لها يدل على أن الرسول ﷺ قد يذنب فهل النبي ﷺ يذنب؟ فالجواب: نعم، ولا يمكن أن نرد النصوص لمجرد أن نستبعد وقوع الذنب منه ﵌، ونحن لا نقول الشأن ألا يذنب الإنسان بل الشأن أن يغفر للإنسان، هذا هو المهم أن يغفر له، أما أن لا يقع منه الذنب فقد قال النبي ﵊: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (١) ، لابد من خطيئة لكن هناك أشياء لا يمكن أن تقع من الأنبياء مثل الكذب والخيانة، فإن هذا لا يمكن أن يقع منهم إطلاقاً، لأن هذا لو فرض وقوعه لكان طعناً في رسالتهم وهذا شيء مستحيل، وسفاسف الأخلاق من الزنا وشبهه هذا أيضاً ممتنع، لأنه ينافي أصل الرسالة، فالرسالة إنما وجدت لتتميم مكارم الأخلاق كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٢) ، فالحاصل أن الله وضع عن محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وزره، وبين أن هذا الوزر قد أنقض ظهره أي أقضه وأتعبه، وإذا كان هذا وزر الرسول ﵊ فكيف بأوزار غيره،

стр. 240

أوزارنا تقض ظهورنا وتنقضها وتتعبها، ولكن كأننا لم نحمل شيئاً، وذلك لضعف إيماننا وبصيرتنا وكثرة غفلتنا، نسأل الله أن يعاملنا بالعفو، في بعض الآثار أن المؤمن إذا أذنب ذنباً صار عنده كالجبل فوق رأسه وإن المنافق إذا أذنب ذنباً صار عنده كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا (١) ، يعني أنه لا يهتم، فالمؤمن تهمه خطاياه وتلحقه الهموم حتى يتخلص منها بتوبة واستغفار، أو حسنات جليلة تمحو آثار هذه السيئة، وأنت إذا رأيت من قلبك الغفلة عن ذنوبك فاعلم أن قلبك مريض، لأن القلب الحي لا يمكن أن يرضى بالمرض، ومرض القلوب هي الذنوب كما قال عبد الله بن المبارك ﵀: رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها فيجب علينا أن نهتم بأنفسنا وأن نحاسبها، وإذا كان التجار لا ينامون حتى يراجعوا دفاتر تجارتهم، ماذا صرفوا، وماذا أنفقوا، وماذا كسبوا، فإن تجار الآخرة ينبغي أن يكونوا أشد اهتماماً؛ لأن تجارتهم أعظم، فتجارة أهل الدنيا غاية ما تفيدهم إن أفادتهم هو إتراف البدن فقط، على أن هذه التجارة يلحقها من الهم والغم ما هو معلوم، وإذا خسر في سلعة اهتم لذلك، وإذا كان في بلده مخاوف: قطاع طريق، أو سراق صار أشد قلقاً، لكن تجارة الآخرة على العكس من هذا ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [الصف: ١٠ ـ ١٢] . تنجي من العذاب، ويغفر الله بها الذنوب،

стр. 241

ويدخل بها الجنات، جنات عدن أي جنات إقامة، ومساكن طيبة في جنات عدن، مساكن طيبة في بنايتها وفي مادة البناء، كما قال النبي ﵊: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» (١) ، والله لو يبقى الإنسان في سجدة منذ بلغ إلى أن يموت لكان هذا ثمناً قليلاً بالنسبة إلى هذه الغنيمة العظيمة، ولو لم يكن إلا أن ينجو الإنسان من النار لكفى، أحياناً الإنسان يفكر يقول ليتني لم أولد أو يكفيني أن أنجو من النار، وها هو عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ليتني شجرة تعضد، ليت أمي لم تلدني (٢) ، لأن الإنسان يظن أنه آمن لأنه يصلي، ويصوم، ويتصدق، ويحج ويبر الوالدين وما أشبه ذلك، لكن قد يكون في قلبه حسيكة تؤدي إلى سوء الخاتمة، ـ والعياذ بالله ـ كما قال النبي ﷺ : «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع» يعني مدة قريبة لموته ما هو إلا ذراع في العمل؛ لأن عمله كله هباء، هو يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار كما جاء في الحديث الصحيح، لكن قوله: «حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع» ليس معناه أن عمله أوصله إلى قريب من الجنة، وإنما المعنى حتى لا يبقى عليه إلا مدة قليلة في الحياة «ثم يعمل بعمل أهل النار فيدخلها» لكن هذا فيما إذا كان عمل الإنسان للناس كما قال ﵊: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار» (٣) ، والإنسان إذا مر على مثل هذه النصوص يخاف على نفسه، يخاف من الرياء، يخاف من

стр. 242

العجب، يخاف من الإذلال. ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ رفع ذكر الرسول ﵊ لا أحد يشك فيه؛ أولاً: لأنه يرفع ذكره عند كل صلاة في أعلى مكان وذلك في الأذان: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله. ثانياً: يرفع ذكره في كل صلاة فرضاً في التشهد، فإن التشهد مفروض، وفيه أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ثالثاً: يرفع ذكره عند كل عبادة، كل عبادة مرفوع فيها ذكر الرسول ﷺ ، وذلك لأن كل عبادة لابد فيها من شرطين أساسيين هما: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للرسول ﵊، ومن المعلوم أن المتابع للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم سوف يستحضر عند العبادة أنه متبع فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهذا من رفع ذكره. قوله: ﴿فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً﴾ هذا بشارة من الله للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولسائر الأمة، وجرى على الرسول ﵊ عسر حينما كان بمكة يضيق عليه، وفي الطائف، وكذلك أيضاً في المدينة من المنافقين فالله يقول: ﴿فإن مع العسر يسراً﴾ يعني كما شرحنا لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، ورفعنا لك ذكرك، وهذه نعم عظيمة كذلك هذا العسر الذي يصيبك لابد أن يكون له يسر ﴿فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً﴾ قال ابن عباس عند هذه الآية: «لن يغلب عسٌر يسرين» (١) ،

стр. 243

وتوجيه كلامه ﵁ مع أن العسر ذكر مرتين واليسر ذكر مرتين. قال أهل البلاغة: توجيه كلامه أن العسر لم يذكر إلا مرة واحدة ﴿فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً﴾ العسر الأول أعيد في الثانية بأل، فأل هنا للعهد الذكري، وأما يسر فإنه لم يأت معرفاً بل جاء منكراً، والقاعدة: أنه إذا كرر الاسم مرتين بصيغة التعريف فالثاني هو الأول إلا ما ندر، وإذا كرر الاسم مرتين بصيغة التنكير فالثاني غير الأول، لأن الثاني نكرة، فهو غير الأول، إذاً في الآيتين الكريمتين يسران وفيهما عسر واحد، لأن العسر كرر مرتين بصيغة التعريف ﴿فإن مع العسر يسراً﴾ هذا الكلام خبر من الله ، وخبره جل وعلا أكمل الأخبار صدقاً، ووعده لا يخلف، فكلما تعسر عليك الأمر فانتظر التيسير، أما في الأمور الشرعية فظاهر، ففي الصلاة: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب، فهذا تيسير، إذا شق عليك القيام اجلس، إن شق عليك الجلوس صل وأنت على جنبك، وفي الصيام إن قدرت وأنت في الحضر فصم، وإن لم تقدر فأفطر، إذا كنت مسافراً فأفطر، في الحج إن استطعت إليه سبيلاً فحج، وإن لم تستطع فلا حج عليك، بل إذا شرعت في الحج وأحصرت ولم تتمكن معه من إكمال الحج فتحلل، وافسخ الحج واهدِ لقول الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] . إذاً كل عسر يحدث للإنسان في العبادة يجد التسهيل واليسر. كذلك في القضاء والقدر، يعني تقدير الله على الإنسان من مصائب، وضيق عيش، وضيق صدر وغيره لا ييأس، فإن مع العسر يسراً، والتيسير قد يكون أمراً ظاهراً حسيًّا، مثل: أن يكون الإنسان فقيراً فتضيق عليه الأمور فييسر الله له الغنى، مثال آخر: إنسان مريض

стр. 244

يتعب يشق عليه المرض فيشفيه الله ، هذا أيضاً تيسير حسي، هناك تيسير معنوي وهو معونة الله الإنسان على الصبر هذا تيسير، فإذا أعانك الله على الصبر تيسر لك العسير، وصار هذا الأمر العسير الذي لو نزل على الجبال لدكها، صار بما أعانك الله عليه من الصبر أمراً يسيراً، وليس اليسر معناه أن ينفرج الشيء تماماً فقط، اليسر أن ينفرج الكرب ويزول وهذا يسر حسي، وأن يعين الله الإنسان على الصبر حتى يكون هذا الأمر الشديد العسير أمراً سهلاً عليه، نقول هذا لأننا واثقون بوعد الله. ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ أي إذا فرغت من أعمالك فانصب لعمل آخر، يعني اتعب لعمل آخر، لا تجعل الدنيا تضيع عليك، ولهذا كانت حياة الإنسان العاقل حياة جد، كلما فرغ من عمل شرع في عمل آخر، وهكذا؛ لأن الزمن يفوت على الإنسان في حال يقظته ومنامه، وشغله وفراغه، يسير ولا يمكن لأحد أن يمسك الزمن، لو اجتمع الخلق كلهم ليوقفوا الشمس حتى يطول النهار ما تمكنوا، فالزمن لا يمكن لأحد أن يمسكه، إذاً اجعل حياتك حياة جد، إذا فرغت من عمل فانصب في عمل آخر، إذا فرغت من عمل الدنيا عليك بعمل الآخرة، فرغت من عمل الآخرة اشتغلت بأمر الدنيا فإذا قضيت الصلاة يوم الجمعة فانتشر في الأرض وابتغِ من فضل الله، وصلاة الجمعة يكتنفها عملان دنيويان ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ يعني وأنتم مشتغلون في دنياكم ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة: ٩، ١٠] . فإذا فرغنا من شغل اشتغلنا في آخر، وإذا فرغنا منه اشتغلنا في آخر وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان دائماً في جد.

стр. 245

فإذا قال قائل: لو أنني استعملت الجد في كل حياتي لتعبت ومللت. قلنا: إن استراحتك لتنشيط نفسك وإعادة النشاط يعتبر شغلاً وعملاً، يعني لا يلزم الشغل بالحركات ففراغك من أجل أن تنشط للعمل الآخر يعتبر عملاً، المهم أن تجعل حياتك كلها جدًّا وعملاً. ﴿وإلى ربك فارغب﴾ يعني إذا عملت الأعمال التي فرغت منها ونصبت في الأخرى، فارغب إلى الله في حصول الثواب، وفي حصول الأجر، وفي الإعانة كن مع الله قبل العمل وبعد العمل، قبل العمل كن مع الله تستعينه ، وبعده ترجو منه الثواب. وفي قوله: ﴿إلى ربك فارغب﴾ فائدة بلاغية ﴿إلى ربك﴾ متعلقة من حيث الإعراب بـ (ارغب) وهي مقدمة عليها، وتقديم المعمول يفيد الحصر، يعني إلى الله لا إلى غيره فارغب في جميع أمورك، وثق بأنك متى علقت رغبتك بالله فإنه سوف ييسر لك الأمور، وكثير من الناس تنقصهم هذه الحال أي ينقصهم أن يكونوا دائماً راغبين إلى الله، فتجدهم يختل كثير من أعمالهم؛ لأنهم لم يكن بينهم وبين الله تعالى صلة في أعمالهم. نسأل الله أن يجعلنا ممتثلين لأوامره، مصدقين بأخباره، إنه على كل شيء قدير.

стр. 246

تفسير سورة التين ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الَاْمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ * إِلَاّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَكِمِينَ﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿والتين والزيتون وطور سينين. وهذا البلد الأمين﴾ إقسام الله تعالى بهذه الأشياء الأربعة: بالتين، والزيتون، وبطور سينين، وهذا البلد الأمين يعني مكة، لأن السورة مكية فالمشار إليه قريب وهو مكة، ﴿والتين﴾ هو الثمر المعروف، ﴿والزيتون﴾ معروف، وأقسم الله بهما لأنهما يكثران في فلسطين، ﴿وطور سينين﴾ أقسم الله به لأنه الجبل الذي كلم الله عنده موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿وهذا البلد الأمين﴾ أقسم الله به أعني مكة لأنها أحب البقاع إلى الله، وأشرف البقاع عند الله . قال بعض أهل العلم: أقسم الله بهذه الثلاثة، لأن الأول ﴿والتين والزيتون﴾ أرض فلسطين التي فيها الأنبياء، وآخر أنبياء بني إسرائيل هو عيسى بن مريم ﵊، وبطور سينين لأنه الجبل الذي أوحى الله تعالى إلى موسى حوله، وأما البلد الأمين فهو مكة

стр. 247

الذي بعث الله منه محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال العلماء: ومعنى قوله: ﴿وطور سينين﴾ أي طور البركة لأن الله تعالى وصفه أو وصف ما حوله بالوادي المقدس. ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ هذا هو المقسم عليه، أقسم الله تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهذه الجملة التي فيها المقسم عليه مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، وقد، أقسم الله أنه خلق الإنسان ﴿في أحسن تقويم﴾ في أحسن هيئة وخِلقة و ﴿في أحسن تقويم﴾ فطرة وقصداً، لأنه لا يوجد أحد من المخلوقات أحسن من بني آدم خلقة، فالمخلوقات الأرضية كلها دون بني آدم في الخلقة، لأن الله تعالى قال: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ قوله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ هذه الردة التي ذكرها الله تعني أن الله تعالى يرد الإنسان أسفل سافلين خِلقة كما قال الله تعالى: ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ [النحل: ٧٠] . فكلما ازدادت السن في الإنسان تغير إلى أردأ في القوة الجسدية، وفي الهيئة الجسدية، وفي نضارة الوجه وغير ذلك يرد أسفل سافلين، وإذا قلنا إن أحسن تقويم تشمل حتى الفطرة التي جبل الله الخلق عليها، والعبادة التي تترتب أو تنبني على هذه الفطرة، فإن هذا إشارة إلى أن من الناس من تعود به حاله ـ والعياذ بالله ـ إلى أن يكون أسفل سافلين بعد أن كان في الأعلى والقمة من الإيمان والعلم، والآية تشمل المعنيين جميعاً ثم قال تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون﴾ هذا استثناء من قوله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ يعني إلا المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم لا يردون إلى أسفل السافلين، لأنهم متمسكون بإيمانهم وأعمالهم، فيبقون عليها إلى أن يموتوا. وقوله: ﴿فلهم أجر﴾ أي ثواب ﴿غير

стр. 248

ممنون﴾ غير مقطوع، ولا ممنون به أيضاً فكلمه ﴿ممنون﴾ صالحه لمعنى القطع، وصالحة لمعنى المنة، فهم لهم أجر لا ينقطع، ولا يمن عليهم به، يعني أنهم إذا استوفوا هذا الأجر لا يمن عليهم فيقال أعطيناكم وفعلنا وفعلنا، وإن كانت المنة لله عليهم بالإيمان والعمل الصالح والثواب، كلها منّة من الله لكن لا يمن عليهم به، أي: لا يؤذون بالمن كما يجري ذلك في أمور الدنيا، إذا أحسن إليك أحد من الناس فربما يؤذيك بمنه عليك، في كل مناسبة يقول: فعلت بك، أعطيتك وما أشبه ذلك. ثم قال الله ﵎: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ انتقل الله تعالى من الكلام على وجه الغيبة إلى الكلام على وجه المقابلة والخطاب قال: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ أي: أي شيء يكذبك أيها الإنسان بعد هذا البيان ﴿بالدين﴾ أي بما أمر الله به من الدين، ولهذا كلما نظر الإنسان إلى نفسه وأصله وخلقته، وأن الله اجتباه وأحسن خلقته، وأحسن فطرته فإنه يزداد إيماناً بالله ، وتصديقاً بكتابه وبما أخبرت به رسله. ثم قال: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ وهذا الاستفهام للتقرير يقرر الله أنه أحكم الحاكمين، وأحكم هنا اسم تفضيل وهو مأخوذ من الحكمة، ومن الحكم، فالحكم الأكبر الأعظم الذي لا يعارضه شيء هو حكم الله ، والحكمة العليا البالغة هي حكمة الله فهو أحكم الحاكمين قدراً وشرعاً، وله الحكم، وإليه يرجع الأمر كله. نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم بكتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنه على كل شيء قدير.

стр. 249

تفسير سورة العلق ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الَاْكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ هذه الآيات أول ما نزل على الرسول ﵊ من القرآن الكريم (١) ، نزلت عليه وهو يتعبد في غار حراء وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما بدء بالوحي أنه يرى الرؤيا في المنام، فتأتي مثل فلق الصبح (٢) يعني يحدث ما يصدق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فلق الصبح، وفي رمضان نزل الوحي الذي في اليقظة، والمدة بين ربيع الأول ورمضان ستة شهور، وزمن الوحي ثلاث وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث «أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» (٣) ، لما كان يرى هذه الرؤيا التي

стр. 250

تجيء مثل فلق الصبح حُبب إليه الخلاء، يعني أن يخلو بنفسه ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى ﵊ أن أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء وهو غار في قمة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القوي إلا بمشقة، فكان يصعده ﵊ ويتحنث، يتعبد لله بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالي ذوات العدد، يعني عدة ليال، ومعه زاد أخذه يتزود به من طعام وشراب، ثم ينزل ويتزود لمثلها من أهله، ويرجع ويتحنث لله ، إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمره أن يقرأ فقال: «ما أنا بقارىء» ومعنى «ما أنا بقارىء» يعني لست من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة، إذ أنه ﷺ كان أميًّا كما قال الله تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي﴾ [الأعراف: ٥٨] . وقال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ [الجمعة: ٢] . فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنه لا يقرأ ولا يكتب، حتى تتبين حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاك شك في صدقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: ٤٨] . قال له: «ما أنا بقارىء» فغطه مرتين أو ثلاثاً، ثم قال له ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ خمس آيات نزلت فرجع بها النبي ﷺ يرجف فؤاده من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة، وحديث الوحي وابتداءه موجود في أول صحيح البخاري (١) من أحب
следующие страницы →