← Тафсир

Тафсир · id 151168

تفسير العثيمين: جزء عم

ابن عثيمين

Полный текст (350 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تفسير سورة التين ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الَاْمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ * إِلَاّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَكِمِينَ﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿والتين والزيتون وطور سينين. وهذا البلد الأمين﴾ إقسام الله تعالى بهذه الأشياء الأربعة: بالتين، والزيتون، وبطور سينين، وهذا البلد الأمين يعني مكة، لأن السورة مكية فالمشار إليه قريب وهو مكة، ﴿والتين﴾ هو الثمر المعروف، ﴿والزيتون﴾ معروف، وأقسم الله بهما لأنهما يكثران في فلسطين، ﴿وطور سينين﴾ أقسم الله به لأنه الجبل الذي كلم الله عنده موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿وهذا البلد الأمين﴾ أقسم الله به أعني مكة لأنها أحب البقاع إلى الله، وأشرف البقاع عند الله . قال بعض أهل العلم: أقسم الله بهذه الثلاثة، لأن الأول ﴿والتين والزيتون﴾ أرض فلسطين التي فيها الأنبياء، وآخر أنبياء بني إسرائيل هو عيسى بن مريم ﵊، وبطور سينين لأنه الجبل الذي أوحى الله تعالى إلى موسى حوله، وأما البلد الأمين فهو مكة

стр. 247

الذي بعث الله منه محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال العلماء: ومعنى قوله: ﴿وطور سينين﴾ أي طور البركة لأن الله تعالى وصفه أو وصف ما حوله بالوادي المقدس. ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ هذا هو المقسم عليه، أقسم الله تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهذه الجملة التي فيها المقسم عليه مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، وقد، أقسم الله أنه خلق الإنسان ﴿في أحسن تقويم﴾ في أحسن هيئة وخِلقة و ﴿في أحسن تقويم﴾ فطرة وقصداً، لأنه لا يوجد أحد من المخلوقات أحسن من بني آدم خلقة، فالمخلوقات الأرضية كلها دون بني آدم في الخلقة، لأن الله تعالى قال: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ قوله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ هذه الردة التي ذكرها الله تعني أن الله تعالى يرد الإنسان أسفل سافلين خِلقة كما قال الله تعالى: ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ [النحل: ٧٠] . فكلما ازدادت السن في الإنسان تغير إلى أردأ في القوة الجسدية، وفي الهيئة الجسدية، وفي نضارة الوجه وغير ذلك يرد أسفل سافلين، وإذا قلنا إن أحسن تقويم تشمل حتى الفطرة التي جبل الله الخلق عليها، والعبادة التي تترتب أو تنبني على هذه الفطرة، فإن هذا إشارة إلى أن من الناس من تعود به حاله ـ والعياذ بالله ـ إلى أن يكون أسفل سافلين بعد أن كان في الأعلى والقمة من الإيمان والعلم، والآية تشمل المعنيين جميعاً ثم قال تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون﴾ هذا استثناء من قوله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ يعني إلا المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم لا يردون إلى أسفل السافلين، لأنهم متمسكون بإيمانهم وأعمالهم، فيبقون عليها إلى أن يموتوا. وقوله: ﴿فلهم أجر﴾ أي ثواب ﴿غير

стр. 248

ممنون﴾ غير مقطوع، ولا ممنون به أيضاً فكلمه ﴿ممنون﴾ صالحه لمعنى القطع، وصالحة لمعنى المنة، فهم لهم أجر لا ينقطع، ولا يمن عليهم به، يعني أنهم إذا استوفوا هذا الأجر لا يمن عليهم فيقال أعطيناكم وفعلنا وفعلنا، وإن كانت المنة لله عليهم بالإيمان والعمل الصالح والثواب، كلها منّة من الله لكن لا يمن عليهم به، أي: لا يؤذون بالمن كما يجري ذلك في أمور الدنيا، إذا أحسن إليك أحد من الناس فربما يؤذيك بمنه عليك، في كل مناسبة يقول: فعلت بك، أعطيتك وما أشبه ذلك. ثم قال الله ﵎: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ انتقل الله تعالى من الكلام على وجه الغيبة إلى الكلام على وجه المقابلة والخطاب قال: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ أي: أي شيء يكذبك أيها الإنسان بعد هذا البيان ﴿بالدين﴾ أي بما أمر الله به من الدين، ولهذا كلما نظر الإنسان إلى نفسه وأصله وخلقته، وأن الله اجتباه وأحسن خلقته، وأحسن فطرته فإنه يزداد إيماناً بالله ، وتصديقاً بكتابه وبما أخبرت به رسله. ثم قال: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ وهذا الاستفهام للتقرير يقرر الله أنه أحكم الحاكمين، وأحكم هنا اسم تفضيل وهو مأخوذ من الحكمة، ومن الحكم، فالحكم الأكبر الأعظم الذي لا يعارضه شيء هو حكم الله ، والحكمة العليا البالغة هي حكمة الله فهو أحكم الحاكمين قدراً وشرعاً، وله الحكم، وإليه يرجع الأمر كله. نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم بكتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنه على كل شيء قدير.

стр. 249

تفسير سورة العلق ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الَاْكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ هذه الآيات أول ما نزل على الرسول ﵊ من القرآن الكريم (١) ، نزلت عليه وهو يتعبد في غار حراء وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما بدء بالوحي أنه يرى الرؤيا في المنام، فتأتي مثل فلق الصبح (٢) يعني يحدث ما يصدق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فلق الصبح، وفي رمضان نزل الوحي الذي في اليقظة، والمدة بين ربيع الأول ورمضان ستة شهور، وزمن الوحي ثلاث وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث «أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» (٣) ، لما كان يرى هذه الرؤيا التي

стр. 250

تجيء مثل فلق الصبح حُبب إليه الخلاء، يعني أن يخلو بنفسه ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى ﵊ أن أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء وهو غار في قمة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القوي إلا بمشقة، فكان يصعده ﵊ ويتحنث، يتعبد لله بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالي ذوات العدد، يعني عدة ليال، ومعه زاد أخذه يتزود به من طعام وشراب، ثم ينزل ويتزود لمثلها من أهله، ويرجع ويتحنث لله ، إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمره أن يقرأ فقال: «ما أنا بقارىء» ومعنى «ما أنا بقارىء» يعني لست من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة، إذ أنه ﷺ كان أميًّا كما قال الله تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي﴾ [الأعراف: ٥٨] . وقال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ [الجمعة: ٢] . فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنه لا يقرأ ولا يكتب، حتى تتبين حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاك شك في صدقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: ٤٨] . قال له: «ما أنا بقارىء» فغطه مرتين أو ثلاثاً، ثم قال له ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ خمس آيات نزلت فرجع بها النبي ﷺ يرجف فؤاده من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة، وحديث الوحي وابتداءه موجود في أول صحيح البخاري (١) من أحب

стр. 251

أن يرجع إليه فليرجع يقول الله : ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ قوله: ﴿باسم ربك﴾ قيل معناه متلبساً بذلك، وقيل مستعيناً بذلك، يعني اقرأ مستعيناً باسم الله؛ لأن أسماء الله تعالى كلها خير، وكلها إعانة يستعين بها الإنسان، ويستعين بها على وضوئه، ويستعين بها على أكله، ويستعين بها على جماعه فهي كلها عون، وقال: ﴿باسم ربك﴾ دون أن يقول باسم الله لأن المقام مقام ربوبية وتصرف وتدبير للأمور وابتداء رسالة فلهذا قال: ﴿باسم ربك﴾ إلا أنه ﵊ قد رباه الله تعالى تربية خاصة ورباه كذلك ربوبية خاصة. ﴿الذي خلق﴾ أي خلق كل شيء كما قال تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديراً﴾ [الفرقان: ٢] . وقال تعالى: ﴿الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل﴾ [الزمر: ٦٢] . فما من شيء في السماء ولا في الأرض، من خفي وظاهر، وصغير وكبير إلا وهو مخلوق لله ولهذا قال: ﴿خلق﴾ وحذف المفعول إشارة للعموم؛ لأن حذف المفعول يفيد العموم، إذ لو ذكر المفعول لتقيد الفعل به، لو قال خلق كذا تقيد الخلق بما ذكر فقط، لكن إذا قال ﴿خلق﴾ وأطلق صار عامًّا فهو خالق كل شيء جل وعلا. ثم قال: ﴿خلق الإنسان من علق﴾ خص الله تعالى خلق الإنسان تكريماً للإنسان وتشريفاً له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠] . فلهذا نص على خلق الإنسان ﴿خلق الإنسان﴾ أي ابتدأ خلقه ﴿من علق﴾ جمع، أو اسم جمع علقة، كشجر اسم جمع شجرة، والعلق عبارة عن دودة حمراء من الدم صغيرة وهذا هو المنشأ الذي به الحياة؛ لأن الإنسان دم لو تفرغ من الدم لهلك.

стр. 252

وقد بين الله أنه خلق الإنسان من علق، ولكنه يتطور، وبين في آيات أخرى أنه خلق الإنسان من تراب، وفي آيات أخرى خلقه من طين، وفي آيات أخرى من صلصال كالفخار، وفي آيات أخرى من ماء دافق، وفي آيات أخرى من ماء مهين، وفي هذه الآية من علق فهل في هذا تناقض؟ الجواب: ليس هناك تناقض، ولا يمكن أن يكون في كلام الله تعالى، أو ما صح عن رسوله ﷺ شيء من التناقض أبداً، فإن الله يقول: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء: ٨٢] . لكنه يذكر أحياناً مبدأ الخلق من وجه، ومبدأ الخلق من وجه آخر، فخلقه من تراب؛ لأن أول ما خلق الإنسان من التراب ثم صب عليه الماء فكان طيناً ثم استمر مدة فكان حمئاً مسنوناً، ثم طالت مدته فكان صلصالاً، يعني إذا ضربته بيدك تسمع له صلصلة كالفخار، ثم خلقه لحماً، وعظماً، وعصباً إلى آخره، هذا ابتداء الخلق المتعلق بآدم. والخلق الآخر من بنيه أول منشئهم من نطفة، وهي الماء المهين وهي الماء الدافق، هذه النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً، ثم تتحول شيئاً فشيئاً وبتمام الأربعين تتقلب بالتطور والتدريج حتى تكون دماً علقة، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطور شيئاً فشيئاً، فإذا تمت ثمانين يوماً انتقلت إلى مضغة ـ قطعة من لحم بقدر ما يمضغه الإنسان ـ وتبقى كذلك أربعين يوماً فهذه مائة وعشرون يوماً، وهي بالأشهر أربعة أشهر، بعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملك الموكل بالأرحام، فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذن الله ، والروح لا نستطيع أن نعرف كنهها وحقيقتها ومادتها، أما الجسد فأصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النطفة، لكن الروح

стр. 253

لا نعرف من أي جوهر هي؟ ولا من أي مادة ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] . فينفخ الملك الروح في هذا الجنين فيبدأ يتحرك، لأن نماءه الأول كنماء الأشجار بدون إحساس، بعد أن تنفخ فيه الروح يكون آدمياً يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمل من البطن قبل أربعة أشهر دفن في أي مكان من الأرض، بدون تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة عليه، ولا يبعث؛ لأنه ليس آدميًّا، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في المقابر؛ لأنه صار إنساناً، ويسمى أيضاً؛ لأنه يوم القيامة سيدعى باسمه، ويعق عنه، لكن العقيقة عنه ليست في التأكيد كالعقيقة عمن بلغ سبعة أيام بعد خروجه، على كل حال هذا الجنين في بطن أمه يتطور حتى يكون بشراً، ثم يأذن الله له بعد المدة التي أكثر ما تكون عادة تسعة أشهر فيخرج إلى الدنيا. وبهذه المناسبة أبين أن للإنسان أربع دور: الدار الأولى: في بطن أمه. الدار الثانية: في الدنيا. الدار الثالثة: في البرزخ. الدار الرابعة: في الجنة أو النار وهي المنتهى. ﴿اقرأ وربك الأكرم﴾ ﴿اقرأ﴾ تكرار للأولى لكن هل هي توكيد أو هي تأسيس؟ الصحيح أنها تأسيس وأن الأولى ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ قرنت بما يتعلق بالربوبية، و ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم﴾ قرنت بما يتعلق بالشرع، فالأولى بما يتعلق بالقدر، والثانية بما يتعلق بالشرع، لأن التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه، إذ أن الشرع يكتب ويحفظ، والقرآن يكتب ويحفظ، والسنة

стр. 254

تكتب وتحفظ، وكلام العلماء، يكتب ويحفظ، فلهذا أعادها الله مرة ثانية. ﴿كَلَاّ إِنَّ الإِنسَنَ لَيَطْغَى * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِى يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَاّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَاّ لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ . قال الله تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾ ﴿كلا﴾ في القرآن الكريم ترد على عدة معاني منها: أن تكون بمعنى حقًّا كما في هذه الآية فـ ﴿كلا﴾ بمعنى حقًّا، يعني أن الله تعالى يثبت هذا إثباتاً لا مرية فيه ﴿إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى﴾ الإنسان هنا ليس شخصاً معيناً، بل المراد الجنس، كل إنسان من بني آدم إذا رأى نفسه استغنى فإنه يطغى، من الطغيان وهو مجاوزة الحد، إذا رأى أنه استغنى عن رحمة الله طغى ولم يبالِ، إذا رأى أنه استغنى عن الله في كشف الكربات وحصول المطلوبات صار لا يلتفت إلى الله ولا يبالي، إذا رأى أنه استغنى بالصحة نسي المرض، وإذا رأى أنه استغنى بالشبع نسي الجوع، إذا رأى أنه استغنى بالكسوة نسي العري، وهكذا فالإنسان من طبيعته الطغيان والتمرد متى رأى نفسه في غنى، ولكن هذا يخرج منه المؤمن، لأن المؤمن لا يرى أنه استغنى عن الله طرفة عين، فهو دائماً مفتقر إلى الله ، يسأل ربه كل حاجة، ويلجأ إليه عند كل مكروه،

стр. 255

ويرى أنه إن وكله الله إلى نفسه وكله إلى ضعف وعجز وعورة، وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضًّرا، هذا هو المؤمن، لكن الإنسان من حيث هو إنسان من طبيعته الطغيان، وهذا كقوله تعالى: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] . ثم قال مهدداً هذا الطاغية ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ أي المرجع يعني مهما طغيت وعلوت واستكبرت واستغنيت فإن مرجعك إلى الله ، كما قال الله ﵎ ﴿إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر. إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٣ ـ ٢٦] . وإذا كان المرجع إلى الله في كل الأمور فإنه لا يمكن لأحد أن يفر من قضاء الله أبداً، ولا من ثواب الله وعدله، وقوله: ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ ربما نقول إنه أعم من الوعيد والتهديد يعني أنه يشمل الوعيد والتهديد، ويشمل ما هو أعم فيكون المعنى أن إلى الله المرجع في كل شيء في الأمور الشرعية التحاكم إلى الكتاب والسنة ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] . والأمور الكونية المرجع فيها إلى الله ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ [الأنفال: ٩] . فلا رجوع للعبد إلا إلى الله، كل الأمور ترجع إلى الله ، يفعل ما يشاء، حتى ما يحصل بين الناس من الحروب والفتن والشرور فإن الله هو الذي قدرها، لكنه قدرها لحكمة كما قال الله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة: ٢٥٣] . إذن ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ يكون فيها تهديد لهذا الإنسان الذي طغى حين رأى نفسه مستغنياً عن ربه، وفيها أيضاً ما هو أشمل وأعم وهو أن المرجع إلى الله تعالى في كل الأمور. ثم قال: ﴿أرأيت الذي ينهى عبداً

стр. 256

إذا صلى﴾ يعني أخبرني عن حال هذا الرجل وتعجب من حال هذا الرجل الذي ينهى عبداً إذا صلى، ففي الآية ناهٍ ومنهي، فالناهي هو طاغية قريش أبو جهل، وكان يسمى في قريش أبا الحكم؛ لأنهم يتحاكمون إليه، ويرجعون إليه فاغتر بنفسه، وشرق بالإسلام ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا جهل (١) ضد تسميتهم إياه أبا الحكم. وأما المنهي فهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو العبد ﴿عبداً إذا صلى﴾ أبو جهل قيل له: إن محمداً يصلي عند الكعبة أمام الناس، يفتن الناس ويصدهم عن أصنامهم وآلهتهم، فمر به ذات يوم وهو ساجد فنهى النبي ﵊، وقال: لقد نهيتك فلماذا تفعل؟ فانتهره النبي ﵊ فرجع، ثم قيل لأبي جهل إنه أي محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم مازال يصلي فقال: والله لئن رأيته لأطأن عنقه بقدمي، ولأعفرن وجهه بالتراب، فلما رآه ذات يوم ساجداً تحت الكعبة وأقبل عليه يريد أن يبر بيمينه وقسمه، لما أقبل عليه وجد بينه وبينه خندقاً من النار وأهوالاً عظيمة، فنكص على عقبيه وعجز أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (٢) ، هذا العبد الذي ينهى عبداً إذا صلى يتعجب من حاله كيف يفعل هذا؟ ولهذا جاء في آخر الآيات ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ وأنه سيجازيه ثم قال: ﴿أرأيت إن كان على الهدى﴾ ﴿أرأيت﴾ يعني أخبرني أيها المخاطب إن كان هذا الساجد محمد ﷺ على الهدى فكيف تنهاه عنه. ﴿أو أمر بالتقوى﴾ قال

стр. 257

بعض المفسرين ﴿أو﴾ هنا بمعنى الواو يعني وأمر بالتقوى، ولكن الصحيح أنها على بابها للتنويع، يعني أرأيت إن كان على الهدى فيما فعل من السجود والصلاة، أو أمر غيره بالتقوى؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالتقوى بلا شك فهو صالح بنفسه مصلح لغيره. ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ يعني يرى المنهي وهو الساجد محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمر بالتقوى ويرى هذا العبد الطاغية الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ يرى علماً ورؤية، فهو سبحانه يرى كل شيء مهما خفي ودق، ويعلم كل شيء مهما بعد، ومهما كثر أو قل، فيعلم الآمر والناهي ويعلم المصلي والساجد، ويعلم من طغى، ومن خضع لله ، وسيجازي كل إنسان بعمله، والمقصود من هذا تهديد الذي ينهى عبداً إذا صلى، وبيان أن الله تعالى يعلم بحاله، وحال من ينهاه، وسيجازي كلاًّ منهما بما يستحق. فهذا تهديد لهذا الرجل الذي كان ينهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، يعني ألم يعلم هذا الرجل أن الله تعالى يراه ويعلمه، وهو محيط بعمله، فيجازيه عليه إما في الدنيا، وإما في الدنيا والآخرة. ثم قال: ﴿كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية﴾ ﴿كلا﴾ هذه بمعنى حقًّا، ويحتمل أن تكون للردع، أي لردعه عن فعله السيىء الذي كان يقوم به تجاه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو بمعنى حقًّا ﴿لنسفعن بالناصية﴾ جملة ﴿لنسفعن﴾ جواب لقسم مقدر والتقدير: والله لئن لم ينته لنسفعن بالناصية، وحذف جواب الشرط وبقي جواب القسم، لأن هذه هي القاعدة في اللغة العربية أنه إذا اجتمع قسم وشرط فإنه يحذف جواب المتأخر، قال ابن مالك في ألفيته:

стр. 258

واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم وهنا المتأخر هو الشرط ﴿لئن﴾ والقسم مقدر قبله إذ تقديره: والله لئن لم ينته لنسفعن، ومعنى ﴿لنسفعن﴾ أي لنأخذن بشدة و ﴿الناصية﴾ مقدم الرأس و (الـ) فيها أي: في الناصية للعهد الذهني، والمراد بالناصية هنا ناصية أبي جهل الذي توعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صلاته ونهاه عنها، أي لنسفعن بناصيته، وهل المراد الأخذ بالناصية في الدنيا، أو في الآخرة يجر بناصيته إلى النار؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل أنه يؤخذ بالناصية وقد أخذ بناصيته في يوم بدر حين قتل مع من قتل من المشركين، ويحتمل أن يكون يؤخذ بناصيته يوم القيامة فيقذف في النار كما قال الله تعالى: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: ٤١] . وإذا كانت الآية صالحة لمعنيين لا يناقض أحدهما الآخر فإن الواجب حملها على المعنيين جميعاً كما هو المعروف والذي قررناه سابقاً وهو أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر فالواجب الأخذ بالمعنيين جميعاً. قوله تعالى: ﴿ناصية كاذبة خاطئة﴾ ناصية بدل من الناصية الأولى، وهي بدل نكرة من معرفة، وهي جائزة في اللغة العربية وإنما قال: ﴿ناصية﴾ من أجل أن يكون ذلك توطئة للوصف الآتي بعدها وهو قوله ﴿كاذبة خاطئة﴾ ﴿كاذبة﴾ أي أنها موصوفة بالكذب، ولا شك أن من أكبر ما يكون كذباً ما يحصل من الكفار الذين يدعون أن مع الله ألهة أخرى، فإن هذا أكذب القول وأقبح الفعل، ﴿خاطئة﴾ أي مرتكبة للخطأ عمداً، وليعلم أن هناك فرقاً بين خاطىء ومخطىء، الخاطىء من ارتكب الخطأ عمداً، والمخطىء من ارتكبه جهلاً، والثاني معذور، والأول غير معذور، قال الله ﵎: ﴿لا يأكله إلا الخاطئون﴾ [الحاقة: ٣٧] .

стр. 259

أي المذنبون ذنباً عن عمد، وقال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . فقال الله قد فعلت (١) ، ومثل ذلك القاسط والمقسط، القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، قال الله تعالى: ﴿وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩] . وقال تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾ [الجن: ١٥] . إذاً ﴿خاطئة﴾ أي مرتكبة للإثم عمداً. ﴿فليدع ناديه﴾ اللام هنا للتحدي، يعني إن كان صادقاً وعنده قوة، وعنده قدرة فليدع ناديه، والنادي هو مجتمع القوم للتحدث بينهم والتخاطب والتفاهم والاستئناس بعضهم ببعض، وكان أبو جهل معظمًا في قريش، وله نادٍ يجتمع الناس إليه فيه، ويتكلمون في شؤونهم فهنا يقول الله إن كان صادقاً فليدع ناديه، وهذا لا شك أنه تحدي، كما تقول لعدوك إن كان لك قوم فتقدم وما أشبه ذلك من الكلمات الدالة على التحدي. ﴿سندع الزبانية﴾ يعني عندنا من هم أعظم من نادي هذا الرجل وهم الزبانية ملائكة النار، وقد وصف الله ملائكة النار بأنهم غلاظ شداد، غلاظ في الطباع، شداد في القوة ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ [التحريم: ٦] . بل يمتثلون كل ما أمرهم الله به ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ لا يعجزون عن ذلك فوصفهم بوصفين أنهم في تمام الانقياد لله ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ وأنهم في تمام القدرة ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ وعدم تنفيذ أمر الله إما أن يكون للعجز، وإما أن يكون للمعصية، فمثلاً الذي لا يصلي الفرض قائماً قد يكون للعجز، وقد يكون للعناد فهو لا ينفذ أمر الله، لكن الملائكة الذين على النار ليس عندهم عجز، بل عندهم قوة وقدرة، وليس عندهم استكبار عن الأمر، بل عندهم تمام

стр. 260

التذلل والخضوع، هؤلاء الزبانية لا يمكن لهذا وقومه وناديه أن يقابلوهم أبداً ولهذا قال: ﴿سندع الزبانية﴾ فإن قال قائل: أين الواو في قوله ﴿سندع﴾ ؟ قلنا: إنها محذوفة لالتقاء الساكنين، لأن الواو ساكنة والهمزة همزة الوصل ساكنة، وإذا التقى ساكنان فإنه إن كان الحرف صحيحاً كسر، وإن كان غير صحيح حذف، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق وإن يكن ليناً فحذفه استحق يعني إذا التقى ساكنان إن كان الحرف الأول صحيحاً ليس من حروف العلة كسر مثل قوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ وأصلها ﴿لم يكنْ﴾ لأن لم إذا دخلت على الفعل جزمته كما في قوله تعالى: ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ لكن هنا التقى ساكنان، وكان الأول حرفاً صحيحاً فكسر، أما إذا كان الأول حرف لين، يعني حرفاً من حروف العلة فإنه يحذف كما في هذه الآية ﴿سندع الزبانية﴾ . ﴿كلا لا تطعه واسجد واقترب﴾ يقال في ﴿كلا﴾ ما قيل في الأولى التي قبلها والخطاب في قوله: ﴿لا تطعه﴾ أي لا تطع هذا الذي ينهاك عن الصلاة، بل اسجد ولا تبالي به، وإذا كان الله نهى نبيه ﷺ أن يطيع هذا الرجل فهذا يعني أنه جل وعلا سيدافع عنه، يعني افعل ما تؤمر ولا يهمنك هذا الرجل، واسجد لله ، والمراد بالسجود هنا الصلاة، لكن عبر بالسجود عن الصلاة لأن السجود ركن في الصلاة لا تصح إلا به، فلهذا عبر به عنها. وقوله: ﴿واقترب﴾ أي اقترب من الله ؛ لأن الساجد أقرب ما يكون من ربه كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: «أقرب ما

стр. 261

يكون العبد من ربه وهو ساجد» (١) ، وقال ﵊: «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم» (٢) ، أي حري أن يستجاب لكم. هذه السورة (العلق) سورة عظيمة ابتدأها الله تعالى بما منّ به على رسوله ﵊ من الوحي، ثم اختتمها بالسجود والاقتراب من الله ، نسأل الله تعالى أن يرزقنا القيام بطاعته والقرب منه، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، إنه على كل شيء قدير.

стр. 262

تفسير سورة القدر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَمٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ﴿إنا أنزلناه﴾ الضمير هنا يعود إلى الله ، والهاء في قوله ﴿أنزلناه﴾ يعود إلى القرآن، وذكر الله تعالى نفسه بالعظمة ﴿إنا أنزلناه﴾ لأنه العظيم الذي لا شيء أعظم منه، والله تعالى يذكر نفسه أحياناً بصيغة العظمة مثل هذه الآية الكريمة ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] . ومثل قوله تعالى: ﴿إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس: ١١] . وأحياناً يذكر نفسه بصيغة الواحد مثل ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] . وذلك لأنه واحد عظيم، فباعتبار الصفة يأتي ضمير العظمة، وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد. والضمير في قوله: ﴿أنزلناه﴾ ضمير المفعول به وهي الهاء يعود إلى القرآن وإن لم يسبق له ذكر؛ لأن هذا أمر معلوم، ولا يمتري أحد في أن المراد بذلك إنزال القرآن الكريم، أنزله الله تعالى في ليلة القدر

стр. 263

فما معنى إنزاله في ليلة القدر؟ الصحيح أن معناها: ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، وليلة القدر في رمضان لا شك في هذا ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ [البقرة: ١٨٥] . فإذا جمعت هذه الآية أعني ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ إلى هذه الآية: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ تبين أن ليلة القدر في رمضان، وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند بعض العامة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له، ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان، وليلة النصف من شعبان كليلة النصف من رجب، وجمادى، وربيع، وصفر، ومحرم وغيرهن من الشهور لا تختص بشيء، حتى ما ورد في فضل القيام فيها فهو أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومها وهو يوم النصف من شعبان بصيام فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، لكن بعض العلماء ﵏ يتساهلون في ذكر الأحاديث الضعيفة فيما يتعلق بالفضائل: فضائل الأعمال، أو الشهور، أو الأماكن وهذا أمر لا ينبغي، وذلك لأنك إذا سقت الأحاديث الضعيفة في فضل شيء ما، فإن السامع سوف يعتقد أن ذلك صحيح، وينسبه إلى الرسول ﵊ وهذا شيء كبير، فالمهم أن يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصان بشيء دون سائر الشهور، فليلة النصف لا تختص بفضل قيام، وليلة النصف ليست ليلة القدر، ويوم النصف لا يختص بصيام، نعم شهر شعبان ثبتت السنة بأن النبي ﷺ يكثر الصيام فيه حتى لا يفطر منه إلا قليلاً (١) وما سوى ذلك مما يتعلق

стр. 264

بصيامه لم يثبت عن النبي ﷺ إلا ما لسائر الشهور كفضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر (١) وأن تكون في الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وهي أيام البيض. وقوله تعالى: ﴿في ليلة القدر﴾ من العلماء من قال: القدر هو الشرف كما يقال (فلان ذو قدر عظيم، أو ذو قدر كبير) أي ذو شرف كبير، ومن العلماء من قال: المراد بالقدر التقدير، لأنه يقدر فيها ما يكون في السنة لقول الله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٣، ٤] . أي يفصل ويبين. والصحيح أنه شامل للمعنيين، فليلة القدر لا شك أنها ذات قدر عظيم، وشرف كبير، وأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من الإحياء والإماتة والأرزاق وغير ذلك. ثم قال جل وعلا: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ هذه الجملة بهذه الصيغة يستفاد منها التعظيم والتفخيم، وهي مطردة في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] . وقال تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١ ـ ٣] . ﴿القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة﴾ [القارعة: ١ ـ ٣] . فهذه الصيغة تعني التفخيم والتعظيم فهنا قال: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ أي ما أعلمك ليلة القدر وشأنها وشرفها وعظمها، ثم بين هذا بقوله: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ وهذه الجملة كالجواب للاستفهام الذي سبقها، وهو قوله: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ الجواب: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي من ألف شهر ليس فيه ليلة القدر، والمراد بالخيرية هنا ثواب العمل فيها، وما

стр. 265

ينزل الله تعالى فيها من الخير والبركة على هذه الأمة، ولذلك كان من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ثم ذكر ما يحدث في تلك الليلة فقال: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ أي تنزل شيئاً فشيئاً؛ لأن الملائكة سكان السموات، والسموات سبع فتتنزل الملائكة إلى الأرض شيئاً فشيئاً حتى تملأ الأرض، ونزول الملائكة في الأرض عنوان على الرحمة والخير والبركة، ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيء كان ذلك دليلاً على أن هذا المكان الذي امتنعت الملائكة من دخوله قد يخلو من الخير والبركة كالمكان الذي فيه الصور، فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة (١) ، يعني صورة محرمة؛ لأن الصورة إذا كانت ممتهنة في فراش أو مخدة، فأكثر العلماء على أنها جائزة، وعلى هذا فلا تمتنع الملائكة من دخول المكان، لأنه لو امتنعت لكان ذلك ممنوعاً، فالملائكة تتنزل في ليلة القدر بكثرة، ونزولهم خير وبركة. ﴿والروح﴾ هو جبريل ﵇ خصه الله بالذكر لشرفه وفضله، وقوله تعالى: ﴿بإذن ربهم﴾ أي بأمره، والمراد به الإذن الكوني؛ لأن إذن الله ـ أي أمره ـ ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وإذن شرعي، فقوله تعالى: ﴿شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١] . أي ما لم يأذن به شرعاً، لأنه قد أذن به قدراً، فقد شرع من دون الله، لكنه ليس بإذن الله الشرعي، إذن هذه الآية ﴿بإذن ربهم﴾ أي بأمره القدري وقوله: ﴿من كل أمر﴾ قيل إن ﴿من﴾ بمعنى الباء أي بكل أمر مما يأمرهم الله به، وهو مبهم لا نعلم ما هو، لكننا نقول إن تنزل الملائكة في الأرض عنوان على الخير والرحمة والبركة. ﴿سلام هي﴾ الجملة هنا

стр. 266

مكونة من مبتدأ وخبر، والخبر فيها مقدم، والتقدير: «هي سلام» أي هذه الليلة سلام، ووصفها الله تعالى بالسلام، لكثرة من يسلم فيها من الآثام وعقوباتها، قال النبي ﷺ : «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) ، ومغفرة الذنوب لا شك أنها سلامة من وبائها وعقوباتها. ﴿حتى مطلع الفجر﴾ أي تتنزل الملائكة في هذه الليلة حتى مطلع الفجر، أي إلى مطلع الفجر، وإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر. تنبيه: سبق أن قلنا إن ليلة القدر في رمضان، لكن في أي جزء من رمضان أفي أوله، أو وسطه، أو آخره؟ نقول في الجواب على هذا: إن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول، ثم العشر الأوسط تحرياً لليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر فاعتكف العشر الأواخر (٢) ، إذاً فليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. وفي أي ليلة منها؟ الله أعلم قد تكون في ليلة إحدى وعشرين، أو في ليلة الثلاثين، أو فيما بينهما، فلم يأت تحديد لها في ليلة معينة كل عام، ولهذا أري النبي ﷺ ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين ورأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فأمطرت السماء تلك الليلة أي ليلة إحدى وعشرين، فصلى النبي ﷺ في مسجده، وكان مسجده من عريش لا يمنع تسرب الماء من السقف، فسجد النبي ﷺ صباحها أي في صلاة الفجر في الماء والطين، ورأى الصحابة ﵃ على جبهته أثر الماء والطين (٣) ، ففي تلك الليلة كانت في ليلة إحدى

стр. 267

وعشرين، ومع ذلك قال: «التمسوها في العشر الأواخر» (١) ، وفي رواية: «في الوتر من العشر الأواخر» (٢) ، ورآها الصحابة ذات سنة من السنين في السبع الأواخر، فقال ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» (٣) ، يعني في تلك السنة، أما في بقية الأعوام فهي في كل العشر، فليست معينة، ولكن أرجاها ليلة سبع وعشرين، وقد تكون (مثلاً) في هذا العام ليلة سبع وعشرين، وفي العام الثاني ليلة إحدى وعشرين، وفي العام الثالث ليلة خمس وعشرين وهكذا.. وإنما أبهمها الله لفائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: بيان الصادق في طلبها من المتكاسل، لأن الصادق في طلبها لا يهمه أن يتعب عشر ليال من أجل أن يدركها، والمتكاسل يكسل أن يقوم عشر ليال من أجل ليلة واحدة. الفائدة الثانية: كثرة ثواب المسلمين بكثرة الأعمال؛ لأنه كلما كثر العمل كثر الثواب. وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى غلط كثير من الناس في الوقت الحاضر حيث يتحرون ليلة سبع وعشرين في أداء العمرة، فإنك في ليلة سبع وعشرين تجد المسجد الحرام قد غص بالناس وكثروا، وتخصيص

стр. 268

ليلة سبع وعشرين بالعمرة من البدع، لأن رسول الله ﷺ لم يخصصها بعمرة في فعله، ولم يخصصها أي ليلة سبع وعشرين بعمرة في قوله، فلم يعتمر ليلة سبع وعشرين من رمضان مع أنه في عام الفتح ليلة سبع وعشرين من رمضان كان في مكة ولم يعتمر، ولم يقل للأمة تحروا ليلة سبع وعشرين بالعمرة، وإنما أمر أن نتحرى ليلة سبع وعشرين بالقيام فيها لا بالعمرة، وبه يتبين خطأ كثير من الناس، وبه أيضاً يتبين أن الناس ربما يأخذون دينهم كابراً عن كابر، على غير أساس من الشرع، فاحذر أن تعبد الله إلا على بصيرة، بدليل من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ أو عمل الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم. وفي هذه السورة الكريمة فضائل متعددة لليلة القدر: الفضيلة الأولى: أن الله أنزل فيها القرآن الذي به هداية البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة. الفضيلة الثانية: ما يدل عليه الاستفهام من التفخيم والتعظيم في قوله: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ . الفضيلة الثالثة: أنها خير من ألف شهر. الفضيلة الرابعة: أن الملائكة تتنزل فيها، وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة. الفضيلة الخامسة: أنها سلام، لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب بما يقوم به العبد من طاعة الله . الفضيلة السادسة: أن الله أنزل في فضلها سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة. ومن فضائل ليلة القدر ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيماناً

стр. 269

واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه» (١) ، فقوله: «إيماناً واحتساباً» يعني إيماناً بالله وبما أعد الله من الثواب للقائمين فيها، واحتساباً للأجر وطلب الثواب. وهذا حاصل لمن علم بها ومن لم يعلم، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يشترط العلم بها في حصول هذا الأجر. وبهذا انتهى الكلام على سورة القدر.

стр. 270

تفسير سورة البينة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَآ أُمِرُواْ إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. يقول الله : ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾ يعني ما كان الكفار من ﴿أهل الكتاب﴾ وهم اليهود والنصارى، سموا بذلك لأن صحفهم بقيت إلى أن بعث النبي ﷺ مع ما فيها من التحريف والتبديل والتغيير، ولكن هم أهل الكتاب، فاليهود لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل ﴿والمشركين﴾ المشركون هم عبدة الأوثان من كل جنس من بني إسرائيل ومن غيرهم، لم يكن هؤلاء ﴿منفكين﴾ أي تاركين لما هم عليه من الشرك والكفر ومنفكين عنه ﴿حتى تأتيهم البينة﴾ والبينة ما يبين به الحق في كل شيء، فكل شيء يبين به الحق فإنه يسمى بينة، ولهذا قال النبي ﵊: «البينة على المدعي» (١) ، فكل ما بان به الحق فهو بينة، ويكون في كل شيء بحسبه، فما هي البينة التي ذكرها الله هنا؟ البينة قال ﴿رسول من الله﴾ وهذا الرسول هو النبي ﷺ محمد رسول الله ابن

стр. 271

عبد الله الهاشمي القرشي صلوات الله وسلامه عليه، وجاء بصيغة النكرة ﴿رسول﴾ تعظيماً له؛ لأنه ﵊ جدير بأن يعظم التعظيم اللائق به من غير نقص ولا غلو ﴿رسول من الله﴾ يعني أن الله أرسله إلى العالمين بشيراً ونذيراً، قال الله ﵎: ﴿وأرسلناك للناس رسولاً﴾ [النساء: ٧٩] . وقال: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً﴾ [الفرقان: ١] . فهو محمد ﵊ مرسل من عند الله بواسطة جبريل ﵊؛ لأن جبريل هو رسول رب العالمين إلى رسله موكل بالوحي ينزل به على من شاء الله من عباده. ﴿يتلو صحفاً مطهرة﴾ يعني يقرأ لنفسه وللناس، ﴿صحفاً﴾ جمع صحيفة وهي الورقة أو اللوح أو ما أشبه ذلك مما يكتب به ﴿مطهرة﴾ أي منقاة من الشرك، ومن رذائل الأخلاق، ومن كل ما يسوء، لأنها نزيهة مقدسة ﴿فيها﴾ أي في هذه الصحف ﴿كتب قيمة﴾ كتب: أي مكتوبات قيمة، فكتب جمع كتاب، بمعنى مكتوب، والمعنى أن في هذه الصحف مكتوبات قيمة كتبها الله ، ومن المعلوم أن الإنسان إذا تصفح القرآن وجده كذلك، وجده يتضمن كتباً أي مكتوبات قيمة، انظر إلى ما جاء به القرآن من توحيد الله ، والثناء عليه، وحمده وتسبيحه تجده مملوءاً بذلك، انظر إلى ما في القرآن من وصف النبي ﷺ ووصف أصحابه المهاجرين والأنصار ووصف التابعين لهم بإحسان، انظر إلى ما جاء به القرآن من الأمر بالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة تجد أن كل ما جاء به القرآن فهو قيم بنفسه، وكذلك هو مقيم لغيره ﴿فيها كتب قيمة﴾ . إذاً أخبر الله في هذه الآية أنه لا يمكن أن ينفك هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والمشركين حتى تأتيهم البينة، فلما

стр. 272

جاءتهم البينة هل انفكوا عن دينهم، عن كفرهم وشركهم؟ الجواب قال الله تعالى: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ يعني لما جاءتهم البينة اختلفوا، منهم من آمن، ومنهم من كفر، فمن النصارى من آمن مثل النجاشي ملك الحبشة، ومن اليهود من آمن أيضاً مثل عبد الله بن سلام ﵁ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، فمن علم الله منه أنه يريد الخير، ويريد الدين لله آمن ووفق للإيمان، ومن لم يكن كذلك وفق للكفر، كذلك أيضاً من المشركين من آمن، وما أكثر المشركين من قريش الذين آمنوا، فصار الناس قبل بعثة الرسول ﵊ لم يزالوا على ما هم عليه من الكفر حتى جاءتهم البينة، ثم لما جاءتهم البينة تفرقوا واختلفوا كما قال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ [آل عمران: ١٠٥] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَآ أَوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الَاْنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رِّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ . ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾ بين الله تعالى في هذه الآية بياناً مؤكداً بـ (إن) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ﴿في نار جهنم﴾ أي في النار التي تسمى جهنم، وسميت جهنم، لبعد قعرها

стр. 273

وسوادها، فهو مأخوذ من الُجهمة، وقيل: إنه اسم أعجمي عربته العرب. وأيًّا كان فإنه أعني لفظ ﴿جهنم﴾ اسم من أسماء النار، وقوله: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ ﴿من﴾ هنا بيان للإبهام، أعني إبهام الإسم الموصول في قوله: ﴿إن الذين كفروا﴾ وعلى هذا فيقتضي أن أهل الكتاب كفار وهم (اليهود والنصارى) ، والأمر كذلك، فإن اليهود والنصارى كفار حين لم يؤمنوا برسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن قالوا: إنهم مؤمنون بالله واليوم الآخر، ويدعون لموتاهم بالرحمة وما أشبه ذلك من العبارات التي يتزلفون بها فإنهم كاذبون، إذ لو كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر لآمنوا بمحمد ﷺ ، بل لآمنوا برسلهم، لأن النبي ﷺ قد وجد وصفه في التوراة والإنجيل كما قال الله ﵎ في سورة الأعراف ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧] . بل إن عيسى ﷺ قال لبني إسرائيل ﴿يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦] . فلما جاء هذا الرسول الذي بشر به عيسى بالبينات، قالوا: هذا سحر مبين، وكذبوه ولم يتبعوه إلا نفراً قليلاً من اليهود والنصارى، فقد آمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم واتبعوه. ﴿أولئك هم شر البرية﴾ أي شر الخليقة؛ لأن البرية هي الخليقة، وعلى هذا فيكون الكفار من بني آدم من (اليهود والنصارى والمشركين) شر البرية (شر الخلائق) وقد بين الله ذلك تماماً في قوله: ﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون﴾ [الأنفال: ٥٥] . وقال تعالى: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا

стр. 274

يعقلون، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ [الأنفال: ٢٢-٢٣ [فهؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين هم شر البرية عند الله ، وإذا كانوا هم شر البرية فلن نتوقع منهم إلا كل شر، لأن الشرير ينبثق منه الشر، ولا يمكن أبداً أن نحسن الظن بهم، قد نثق بالصادقين منهم كما وثق النبي ﷺ بالمشرك، عبد الله بن أريقط، حين استأجره ليدله على طريق الهجرة (١) ، لكن غالبهم وجمهورهم لا يوثق منهم، لأنهم شر، ولما ذكر الله حكم هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ذكر حكم المؤمنين فقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ والقرآن الكريم مثاني تثنى فيه المعاني، فيؤتى بالمعنى وما يقابله، ويأتي بأصحاب النار وأصحاب الجنة، ويأتي بآيات الترهيب وآيات الترغيب، وهلم جرا، لأجل أن يكون الإنسان سائراً إلى الله بين الخوف والرجاء، ولئلا يمل، فإن تنويع الأساليب وتنويع المواضيع لا شك أنه يعطي النفس قوة واندفاعاً، بخلاف ما لو كان الكلام على وتيرة واحدة، فإن الإنسان قد يمل ولا تتحرك نفسه ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ فخير خلق الله هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم على طبقات أربع بينها الله في قوله: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ [النساء: ٦٩] . هذه الطبقات الأربع هي طبقات المؤمنين أعلاها: طبقة النبوة، وأعلى طبقات النبوة طبقة الرسالة، ثم بعد النبوة الصديقية، وعلى رأس الصديقين أبو بكر ﵁.

стр. 275

الطبقة الثالثة: الشهداء، قيل: إنهم أُولوا العلم. وقيل: إنهم الذين قتلوا في سبيل الله، والآية تحتمل المعنيين جميعاً بدون مناقضة، والذي ينبغي لمفسر القرآن معرفته أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين بدون مناقضة أن يحملها على المعنيين جميعاً، فالشهداء هم أولوا العلم، وهم الذين قتلوا في سبيل الله، وكلهم مرتبتهم عالية فوق سائر المتبعين للرسل إلا الصديقين؛ قال تعالى: ﴿والصالحين﴾ وهم أدنى الطبقات، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات على اختلاف طبقاتهم هم خير البرية، أي خير ما خلق الله من البرايا، ثم بين جزاءهم فقال ﴿جزاؤهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وهنا قدم الله الثناء على المؤمنين الذين عملوا الصالحات على ذكر جزائهم، لأن ثناء الله عليهم أعظم مرتبة وأعلى منقبة، فلذلك قدمه على الجزاء الذي هو جزاؤهم في يوم القيامة ﴿جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار﴾ ﴿جنات﴾ جمعها لاختلاف أنواعها، لأن النبي ﷺ قال: إن الجنات «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» (١) ، وإلى هذا يشير قول الله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦] . ثم ذكر أوصاف هاتين الجنتين، ثم قال: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ [الرحمن: ٦٢] . فلهم جنات والجنات التي ذكرها الله تعالى جزاء للمؤمنين العاملين الصالحات هي عبارة عن منازل عظيمة أعدها الله للمؤمنين المتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن لإنسان في هذه الدنيا أن يتصور كيف نعيم الآخرة أبداً، لأنه أعلى وأجل مما نتصور، قال ابن عباس ﵄ (ليس في الجنة مما في الدنيا إلا

стр. 276

الأسماء) (١) ، لكنها الحقائق تختلف اختلافاً عظيماً، قال : ﴿جنات عدن﴾ العدن بمعنى الإقامة في المكان وعدم النزوح عنه، ومن تمام نعيم أهل الجنة أن كل واحد منهم لا يطلب تحولاً عما هو عليه من النعيم، لأنه لا يرى أن أحداً أكمل منه، ولا يحس في قلبه أنه في غضاضة بالنسبة لمن هو أرقى منه وأكمل قال الله ﵎: ﴿لا يبغون عنها حولاً﴾ [الكهف: ١٠٨] . أي لا يبغون تحولاً عما هم عليه لأن الله قد أقنعهم بما أعطاهم فلا يجدون أحداً أكمل نعيماً منهم، ولهذا سمى الله تعالى هذه الجنات جنات عدن ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ ﴿من تحتها﴾ قال العلماء: من تحت قصورها وأشجارها وإلا فهو على سطحها وليس أسفل، إنما هو من تحت هذه القصور والأشجار، والأنهار التي ذكرها الله هنا مجملة فصلها في سورة (محمد) فقال: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ [محمد: ١٥] . وقد جاء في الآثار من وصف هذه الأنهار أنها تجري بغير أخدود وبغير خنادق (٢) بمعنى أن النهر يجري على سطح الأرض يتوجه حيث وجهه الإنسان، ولا يحتاج إلى شق خنادق، ولا إلى بناء أخدود تمنع سيلان الماء يميناً وشمالاً، وفي هذا يقول ابن القيم ﵀ في كتابه النونية: أنهارها من غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان ﴿خالدين فيها أبداً﴾ أي ماكثين فيها أبداً، لا يموتون، ولا يمرضون، ولا يبأسون، ولا يألمون، ولا يحزنون، ولا يمسهم فيها

стр. 277

نصب، فهم في أكمل النعيم دائماً وأبداً ـ أبد الآبدين ـ ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ وهذا أكمل نعيم أن الله تعالى يرضى عنهم، فيحل عليهم رضوانه فلا يسخط بعده أبداً، بل وينظرون إلى الله ﵎ بأعينهم كما يرون القمر ليلة البدر لا يشكون في ذلك، ولا يمترون في ذلك، ولا يتضامون في ذلك، أي لا ينضم بعضهم إلى بعض ليريه الآخر، بل كل إنسان يراه في مكانه حسب ما أراد الله . ثم قال : ﴿ذلك لمن خشي ربه﴾ أي ذلك الجزاء لمن خشي الله ، والخشية هي خوف الله المقرون بالهيبة والتعظيم ولا يصدر ذلك إلا من عالم بالله كما قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور﴾ [فاطر: ٢٨] . أي العلماء بعظمته وكمال سلطانه، فالخشية أخص من الخوف، ويتضح الفرق بينهما بالمثال: إذا خفت من شخص لا تدري هل هو قادر عليك أم لا؟ فهذا خوف، وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك فهذه خشية. (١) وبهذا تمت هذه السورة العظيمة وتم ما تيسر لنا من الكلام على تفسيرها، ونسأل الله أن يجعلنا ممن يتلون كتاب الله حق تلاوته إنه على كل شيء قدير.

стр. 278

تفسير سورة الزلزلة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الَاْرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَنُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ المراد بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ [الحج: ١، ٢] . وقوله: ﴿زلزالها﴾ يعني الزلزال العظيم الذي لم يكن مثله قط، ولهذا يقول الله : ﴿ترى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾ يعني من شدة ذهولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سكارى، وما هم بسكارى بل هم صحاة، لكن لشدة الهول صار الإنسان كأنه سكران لا يدري كيف يتصرف، ولا كيف يفعل. ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ المراد بهم: أصحاب القبور، فإنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، يخرجون من قبورهم لرب العالمين كما قال الله ﵎: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين: ٦] . ﴿وقال الإنسان مالها﴾ الإنسان المراد به الجنس، يعني أن الإنسان البشر يقول: ما لها؟

стр. 279

أي شيء لها هذا الزلزال؟ ولأنه يخرج وكأنه كما قال الله تعالى: ﴿سكارى﴾ [الحج: ٢] . فيقول: ما الذي حدث لها وما شأنها؟ لشدة الهول. ﴿يومئذ﴾ أي في ذلك اليوم إذا زلزلت ﴿تحدث أخبارها﴾ أي تخبر عما فعل الناس عليها من خير أو شر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن المؤذن إذا أذن فإنه لا يسمع صوته شجر، ولا مدر، ولا حجر، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة (١) ، فتشهد الأرض بما صنع عليها من خير أو شر، وهذه الشهادة من أجل بيان عدل الله ، وأنه لا يؤاخذ الناس إلا بما عملوه، وإلا فإن الله تعالى بكل شيء محيط، ويكفي أن يقول لعباده جل وعلا عملتم كذا وعملتم كذا.. لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين ينكرون أن يكونوا مشركين، قال الله تعالى: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣] . لأنهم إذا رأوا أهل التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشرك لعلهم ينجون، ولكنهم يختم على أفواههم، وتكلم الأيدي، وتشهد الأرجل والجلود والألسن كلها تشهد على الإنسان بما عمل، وحينئذ لا يستيطع أن يبقى على إنكاره بل يقر ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت. وقوله: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ هو جواب الشرط في قوله تعالى: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها﴾ . قوله: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ أي بسبب أن الله أوحى لها، يعني أذن لها في أن تحدث أخبارها، وهو على كل شيء قدير إذا أمر شيئاً بأمر فإنه لابد أن يقع، يخاطب الله الجماد فيتكلم الجماد كما قال الله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان

стр. 280

فقال لها وللأرض إئتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] . وقال الله تعالى للقلم اكتب، قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (١) . وقال الله تعالى: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ [يس: ٦٥] . فالله إذا وجه الكلام إلى شيء ولو جماداً فإنه يخاطب الله ويتكلم ولهذا قال: ﴿يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها﴾ قوله: ﴿يومئذ﴾ يعني يومئذ تزلزل الأرض زلزالها. ﴿يصدر الناس أشتاتاً﴾ أي جماعات متفرقين، يصدرون كل يتجه إلى مأواه، فأهل الجنة ـ جعلنا الله منهم ـ يتجهون إليها، وأهل النار ـ والعياذ بالله ـ يساقون إليها ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً. ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً. لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً﴾ [مريم: ٨٥ ـ ٨٧] . فيصدر الناس جماعات وزمراً على أصناف متباينة تختلف اختلافاً كبيراً كما قال الله تعالى: ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً﴾ [الإسراء: ٢١] . ﴿ليروا أعمالهم﴾ يعني يصدرون أشتاتاً فيروا أعمالهم، يريهم الله تعالى أعمالهم إن خيراً فخير، وإن شًّرا فشر، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيعطى الإنسان كتابه إما بيمينه، وإما بشماله، ثم يحاسب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله ، أما المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحده ويقرره بذنوبه ويقول: فعلت كذا، وفعلت كذا وكذا، وفعلت كذا، حتى يقر ويعترف، فإذا رأى أنه هلك، قال الله : «إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (٢) ، وأما الكافر ـ والعياذ بالله ـ فإنه

стр. 281

لا يعامل هذه المعاملة بل ينادى على رؤوس الأشهاد ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] . وقوله: ﴿ليروا أعمالهم﴾ هذا مضاف والمضاف يقتضي العموم وظاهره أنهم يرون الأعمال الصغير والكبير وهو كذلك، إلا ما غفره الله من قبل بحسنات، أو دعاء أو ما أشبه ذلك فهذا يمحى كما قال الله تعالى ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ [هود: ١١٤] . فيرى الإنسان عمله، يرى عمله القليل والكثير حتى يتبين له الأمر جليًّا ويعطى كتابه ويقال: ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ [الإسراء: ٦٤] . ولهذا يجب على الإنسان أن لا يقدم على شيء لا يرضي الله ؛ لأنه يعلم أنه مكتوب عليه، وأنه سوف يحاسب عليه. ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شًّرا يره﴾ ﴿من﴾ شرطية تفيد العموم، يعني: أي إنسان يعمل مثقال ذرة فإنه سيراه، سواء من الخير، أو من الشر ﴿مثقال ذرة﴾ يعني وزن ذرة، والمراد بالذرة: صغار النمل كما هو معروف، وليس المراد بالذرة: الذرة المتعارف عليها اليوم كما ادعاه بعضهم، لأن هذه الذرة المتعارف عليها اليوم ليست معروفة في ذلك الوقت، والله لا يخاطب الناس إلا بما يفهمون، وإنما ذكر الذرة لأنها مضرب المثل في القلة، كما قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ [النساء: ٤٠] . ومن المعلوم أن من عمل ولو أدنى من الذرة فإنه سوف يجده، لكن لما كانت الذرة مضرب المثل في القلة قال الله تعالى ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ . وقوله ﵎: ﴿مثقال ذرة﴾ يفيد أن الذي يوزن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم:

стр. 282

فمن العلماء من قال: إن الذي يوزن العمل. ومنهم من قال: إن الذي يوزن صحائف الأعمال. ومنهم من قال: إن الذي يوزن هو العامل نفسه. ولكل دليل، أما من قال: إن الذي يوزن هو العمل فاستدل بهذه الآية ﴿فمن يعمل مثقال ذرة﴾ لأن تقدير الآية فمن يعمل عملاً مثقال ذرة. واستدلوا أيضاً بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (١) . لكن يشكل على هذا أن العمل ليس جسماً يمكن أن يوضع في الميزان بل العمل عمل انتهى وانقضى. ويجاب عن هذا بأن يقال: أولاً: على المرء أن يصدق بما أخبر الله تعالى به ورسوله ﷺ من أمور الغيب، وإن كان عقله قد يحار فيه، ويتعجب ويقول كيف يكون هذا؟ فعليه التصديق لأن قدرة الله تعالى فوق ما نتصور، فالواجب على المسلم أن يسلم ويستسلم ولا يقول كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصور. ثانياً: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمال أجساماً توضع في الميزان وتثقل وتخف، والله تعالى قادر على أن يجعل الأمور المعنوية أجساماً، كما صح عن النبي ﷺ في أن الموت يؤتى به على صورة كبش ويوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة فيشرئبون ويطلعون ويقال: يا أهل النار فيشرئبون ويطلعون فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون:

стр. 283

نعم، هذا الموت، مع أنه في صورة كبش والموت (معنى) ليس جسماً ولكن الله تعالى يجعله جسماً يوم القيامة، فيقولون: هذا الموت فيذبح أمامهم ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، (١) وبهذا يزول الإشكال الوارد على هذا القول. أما من قال: إن الذي يوزن هو صحائف الأعمال فاستدلوا بحديث صاحب البطاقة الذي يؤتى يوم القيامة به، ويقال: انظر إلى عملك فتمد له سجلات مكتوب فيها العمل السيىء، سجلات عظيمة، فإذا رأى أنه قد هلك أتي ببطاقة صغيرة فيها لا إله إلا الله فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال له: إنك لا تظلم شيئاً، ثم توزن البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فترجح بهن البطاقة وهي لا إله إلا الله قالوا (٢) فهذا دليل على أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال. وأما الذين قالوا: إن الذي يوزن هو العامل نفسه فاستدلوا بحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان ذات يوم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهبت ريح شديدة، فقام عبد الله بن مسعود ﵁ فجعلت الريح تكفئه؛ لأنه نحيف القدمين والساقين، فجعل الناس يضحكون، فقال النبي ﷺ : «مما تضحكون؟ أو مما تعجبون؟ والذي نفسي بيده إن ساقيه في الميزان أثقل من أحد» (٣) وهذا يدل على أن الذي يوزن هو العامل. فيقال: نأخذ بالقول الأول: أن الذي يوزن العمل، ولكن ربما

стр. 284

يكون بعض الناس توزن صحائف أعماله، وبعض الناس يوزن هو بنفسه. فإن قال قائل: على هذا القول أن الذي يوزن هو العامل هل ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأن صاحب الجسم الكبير العظيم يثقل ميزانه يوم القيامة؟ فالجواب: لا ينبني على أجسام الدنيا، فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة» (١) ، وقال: اقرؤا ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ . [الكهف: ١٠٥] . وهذا عبد الله بن مسعود يقول النبي ﵊: «إن ساقيه في الميزان أثقل من أحد» ، فالعبرة بثقل الجسم وثقله يوم القيامة بما كان معه من أعمال صالحة. يقول : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شًّرا يره﴾ . وهذه السورة كلها التحذير والتخويف من زلزلة الأرض، وفيها الحث على الأعمال الصالحة، وفيها أن العمل لا يضيع مهما قل، حتى لو كان مثقال ذرة، أو أقل فإنه لابد أن يراه الإنسان ويطلع عليه يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يختم لنا بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا ممن يحشرون إلى الرحمن وفداً إنه على كل شيء قدير.

стр. 285

تفسير سورة العاديات ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحاً * فَالمُورِيَتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً * إِنَّ الإِنسَنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِى الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ . البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿والعاديات ضبحاً﴾ هذا قسم، والعاديات صفة لموصوف محذوف فما هو هذا الموصوف؟ هل المراد الخيل يعني (والخيل العاديات) أو المراد الإبل يعني (والإبل العاديات) ؟ في هذا قولان للمفسرين: فمنهم من قال: إن الموصوف هي الإبل، والتقدير (والإبل العاديات) ويعني بها الإبل التي تعدوا من عرفة إلى مزدلفة، ثم إلى منى، وذلك في مناسك الحج، واستدلوا لهذا بأن هذه السورة مكية، وأنه ليس في مكة جهاد على الخيل حتى يقسم بها. أما القول الثاني لجمهور المفسرين وهو الصحيح فإن الموصوف هو الخيل والتقدير (والخيل العاديات) والخيل العاديات معلومة للعرب حتى قبل مشروعية الجهاد، هناك خيل تعدو على أعدائها سواء بحق أو بغير حق فيما قبل الإسلام، أما بعد الإسلام فالخيل تعدوا على أعدائها بحق. يقول الله تعالى: ﴿والعاديات﴾ والعادي اسم فاعل من العدو
следующие страницы →