به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٣٨ ـ ٤٠] . يعني إذا مددت طرفك ثم رجعته فقبل أن يرجع إليك آتيك به ﴿فلما رآه مستقرّاً عنده﴾ في الحال رآه مستقراً عنده ﴿قال هذا من فضل ربي ليبلونيءَأَشكر أم أكفر﴾ قال العلماء: إنه حملته الملائكة حتى جاءت به إلى سليمان من اليمن، وسليمان بالشام بلحظة فدل هذا على أن قوة الملائكة أشد بكثير من قوة الجن، وقوة الجن أشد من بني آدم؛ لأنه لا يستطيع أحد من بني آدم أن يأتي بعرش ملكة سبأ من اليمن إلى الشام إلا مدة طويلة، فالحاصل أن الملائكة تسبح بأمر الله بما يأمرها به. ﴿فالسابقات سبقاً﴾ أيضاً هي الملائكة تسبق إلى أمر الله ، ولهذا كانت الملائكة أسبق إلى أمر الله وأقوم بأمر الله من بني آدم، قال الله تعالى في وصف ملائكة النار: ﴿عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ .
[التحريم: ٦] . وقال : ﴿ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠] . فهم سباقون إلى أمر الله بما يأمرهم لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لقوتهم وقدرتهم على فعل أوامر الله . ﴿فالمدبرات أمراً﴾ أيضاً وصف للملائكة تدبر الأمر، وهو واحد الأمور يعني أمور الله لها ملائكة تدبرها، حسب أمره فجبرائيل موكل بالوحي يتلقاه من الله وينزل به على الرسل، وإسرافيل موكل بنفخ الصور الذي يكون عند يوم القيامة ينفخ في الصور فيفزع الناس ويموتون، ثم ينفخ فيه أخرى فيبعثون، وميكائيل موكل بالقطر وبالمطر والنبات، وملك الموت موكل بالأرواح، ومالك موكل بالنار، ورضوان موكل بالجنة، وعن اليمين وعن الشمال قعيد موكل بالأعمال، وملائكة موكلون بحفظ أعمال بني آدم كلٌّ يدبر ما أمره الله به.
стр. 37
فهذه الأوصاف كلها أوصاف للملائكة على حسب أعمالهم، وأقسم الله بالملائكة لأنهم من خير المخلوقات، ولا يقسم الله بشيء إلا وله شأن عظيم إما في ذاته، وإما لكونه من آيات الله . ثم قال تعالى: ﴿يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة﴾ هذه ﴿يوم ترجف﴾ متعلقة بمحذوف والتقدير أذكر يا محمد وذكّر الناس بهذا اليوم العظيم: ﴿يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة﴾ ، وهما النفختان في الصور، النفخة الأولى ترجف الناس ويفزعون ثم يموتون عن آخرهم إلا من شاءالله، والنفخة الثانية يبعثون من قبورهم فيقوم الناس من قبورهم مرة واحدة، قال الله تعالى: ﴿فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات:: ١٣، ١٤] . إذا رجفت الراجفة وتبعتها الرادفة انقسم الناس إلى قسمين: ﴿قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة. يقولون إنا لمردودون في الحافرة.
أإذا كنا عظاماً نخرة قالوا تلك إذاً كرة خاسرة﴾ وهذه قلوب الكفار ﴿واجفة﴾ أي: خائفة خوفاً شديداً. ﴿أبصارها خاشعة﴾ يعني ذليلة لا تكاد تحدق أو تنظر بقوة ولكنه قد غضت أبصارهم ـ والعياذ بالله ـ لذلهم قال الله تعالى: ﴿وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾ [الشورى: ٤٥] . وأما القسم الثاني فقلوبهم على عكس قلوب هؤلاء ويدل لهذا التقسيم قوله: ﴿قلوب يومئذ﴾ بصيغة النكرة، فيكون المعنى: وقلوب على عكس ذلك، ﴿فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة﴾ زجرة من الله يزجرون ويصاح بهم فيقومون من قبورهم قيام رجل واحد على ظهر الأرض بعد أن كانوا في بطنها قال الله ﵎: ﴿إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٥٣] . كل الخلق في هذه الكلمة الواحدة يخرجون من قبورهم أحياء، ثم يحضرون إلى الله ليجازيهم، ولهذا قال: ﴿فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وما أمرنا إلا
стр. 38
واحدة كلمح بالبصر﴾ [القمر: ٥٠] . يعني أنَّ الله إذا أراد شيئاً إنما يقول له: (كن) مرة واحدة فقط فيكون ولا يتأخر هذا عن قول الله لحظة ﴿كلمح بالبصر﴾ والله لا يعجزه شيء، فإذا كان الخلق كلهم يقومون من قبورهم لله بكلمة واحدة فهذا أدل دليل على أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأن الله لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض كما قال تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ ﴿فاطر: ٤٤﴾ .
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الآية الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الَاْعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الَاْخِرَةِ وَالاُْوْلَى * إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ .
ثم قال تعالى مبيناً ما جرى للأمم قبل محمد ﵌، (١) فقال الله تعالى: ﴿هل أتاك حديث موسى﴾ والخطاب في
стр. 39
قوله: ﴿هل أتاك﴾ للنبي ﵌ أو لكل من يتأتى خطابه ويصح توجيه الخطاب إليه، ويكون على المعنى الأول (هل أتاك يا محمد) ، وعلى المعنى الثاني: (هل أتاك أيها الإنسان) ﴿حديث موسى﴾ وهو ابن عمران ﵊ أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو أحد أولي العزم الخمسة الذين هم: محمد ﵌، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح عليهم الصلاة والسلام، وقد ذكر هؤلاء الخمسة في القرآن في موضعين، أحدهما في الأحزاب في قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾ [الأحزاب: ٧] . والثاني في قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى﴾ [الشورى: ١٣] . وحديث موسى ﵊ ذكر في القرآن أكثر من غيره؛ لأن موسى هو نبي اليهود وهم كثيرون في المدينة وحولها في عهد النبي ﵌، فكانت قصص موسى أكثر ما قص علينا من نبأ الأنبياء وأشملها وأوسعها وفي قوله: ﴿هل أتاك حديث موسى﴾ تشويق للسامع ليستمع إلى ما جرى في هذه القصة. ﴿إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى﴾ ناداه الله نداءً سمعه بصوت الله ، قال تعالى: ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيًّا﴾ [مريم: ٥٢] . وقوله:
стр. 40
﴿بالواد المقدس﴾ هو الطور، والوادي هو مجرى الماء، وسماه الله مقدساً لأنه كان فيه الوحي إلى موسى ﵊. وقوله: ﴿طوى﴾ اسم للوادي.
﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ فرعون كان ملك مصر، وكان يقول لقومه إنه ربهم الأعلى، وأنه لا إله غيره ﴿وقال فرعون يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري﴾ فادعى ما ليس له، وأنكر حق غيره وهو الله ، وأمر الله نبيه موسى ﵊ أن يذهب إلى فرعون وهذه هي الرسالة، وبين سبب ذلك وهو طغيان هذا الرجل ـ أعني فرعون ـ وفي سورة طه قال: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى﴾ [طه: ٤٣] . ولا منافاة بين الايتين وذلك أن الله تعالى أرسل موسى أولاً ثم طلب موسى ﵌ من ربه أن يشد أزره بأخيه هارون فأرسل هارون ﵊ مع موسى فصار موسى وهارون كلاهما مرسل إلى فرعون. وقوله تعالى: ﴿إنه طغى﴾ أي: زاد على حده؛ لأن الطغيان هو الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية﴾ [الحاقة: ١١] . ومنه الطاغوت: لأن فيه مجاوزة الحد. ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ الاستفهام هنا للتشويق، تشويق فرعون أن يتزكى مما هو عليه من الشر والفساد، وأصل الزكاة النمو والزيادة، وتطلق بمعنى الإسلام والتوحيد، ومنه قوله تعالى: ﴿وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾ [فصلت: ٦، ٧] . ومنه قوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ٩ ـ ١٠] . ﴿وأهديك إلى ربك﴾ أي أدلك إلى ربك أي إلى دين الله الموصل إلى الله. ﴿فتخشى﴾ أي فتخاف الله على علم منك؛ لأن الخشية هي الخوف المقرون بالعلم، فإن لم يكن علم فهو خوف مجرد، وهذا هو الفرق بين الخشية والخوف. الفرق
стр. 41
بينهما أن الخشية عن علم قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر:: ٢٨] .
وأما الخوف فهو خوف مجرد ذعر يحصل للإنسان ولو بلا علم، ولهذا قد يخاف الإنسان من شيء يتوهمه لا حقيقة له، قد يرى في الليلة الظلماء شبحاً لا حقيقة له فيخاف منه، فهذا ذعر مبني على وهم، لكن الخشية تكون عن علم. فذهب موسى ﵊ وقال لفرعون ما أمره الله به ﴿هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ ولما كان البشر لا يؤمنون ولا يقبلون دعوى شخص أنه رسول إلا بآية كما أنه لا يقبل من أحد دعوى إلا ببينة جعل الله مع كل رسول آية تدل على صدقه، وهنا قال: ﴿فأراه الآية الكبرى﴾ يعني أرى موسى فرعون الآية الكبرى، فما هي هذه الآية؟ الآية أن معه عصاً من خشب من فروع الشجر كما هو معروف، فكان إذا وضعها في الأرض صارت حية تسعى ثم يحملها فتعود عصا، وهذا من آيات الله أن شيئاً جماداً إذا وضع على الأرض صار حية تسعى، وإذا حمل من الأرض عاد في الحال فوراً إلى حاله الأولى عصا من جملة العصي، وإنما بعثه ﵊ بهذه الآية، وبكونه يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء أي من غير عيب، أي: بيضاء بياضاً ليس بياض البرص ولكنه بياض جعله الله آية، إنما بعثه الله بالعصا واليد؛ لأنه كان في زمن موسى السحر منتشراً شائعاً فأرسله الله بشيء يغلب السحرة الذين تصدوا لموسى ﵊.
قال أهل العلم: وفي عهد عيسى ﵌ انتشر الطب انتشاراً عظيماً، فجاء عيسى بأمر يعجز الأطباء، وهو أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برىء، إذا جيء إليه بشخص فيه عاهة أي عاهة تكون مسحه بيده ثم برىء بإذن الله ﴿يبرىء
стр. 42
الأكمه والأبرص﴾ مع أن البرص لا دواء له لكن هو يبرىء الأبرص بإذن الله ، ويبرىء الأكمه الذي خلق بلا عيون، وأشد من هذا وأعظم أنه يحيي الموتى بإذن الله، يؤتى إليه بالميت فيتكلم معه ثم تعود إليه الحياة، وأشد من ذلك وأبلغ أنه يخرج الموتى بإذن الله من قبورهم، يقف على القبر وينادي صاحب القبر فيخرج من القبر حيًّا، وهذا شيء لا يمكن لأي طب أن يبلغه، ولهذا كانت آية عيسى في هذا الوقت مناسبة تماماً لما كان عليه الناس. قال أهل العلم: أما رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد أتى إلى العرب وهم يتفاخرون في الفصاحة، ويرون أن الفصاحة أعظم منقبة للإنسان فجاء محمد ﵌، بهذا القرآن العظيم الذي أعجز أمراء الفصاحة، وعجزوا عن أن يأتوا بمثله، قال الله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ [الإسراء: ٨٨] . يعني لو كان بعضهم يعاون بعضاً فإنهم لن يأتوا بمثله. حينئذ نقول إن موسى ﵊ أرى فرعون الآية الكبرى ولكن لم ينتفع بالآيات ﴿وما تغني الايات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١] . ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب﴾ [يس: ١١] فالذين ليس في قلوبهم استعداد للهداية لا يهتدون ولو جاءتهم كل آية ـ والعياذ بالله ـ ولهذا قال: ﴿فكذب وعصى﴾ كذب الخبر، وعصى الأمر، يعني قال لموسى إنك لست رسولاً بل قال ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ [الشعراء: ٢٧] .
وعصى الأمر فلم يمتثل أمر موسى ولم ينقد لشرعه. ﴿ثم أدبر يسعى﴾ أي تولى مدبراً يسعى حثيثاً. ﴿فحشر فنادى﴾ حشر الناس أي جمعهم ونادى فيهم بصوت مرتفع ليكون ذلك أبلغ في نهيهم عما يريد منهم موسى ﵊. ﴿فقال أنا
стр. 43
ربكم الأعلى﴾ يعني لا أحد فوقي لأن ﴿الأعلى﴾ اسم تفضيل من العلو، فانظر كيف استكبر هذا الرجل وادعى لنفسه ما ليس له في قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ وكان يفتخر بالأنهار والُملك الواسع يقول لقومه في ما قال لهم ﴿يا قومِ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف:: ٥١، ٥٢] . فما الذي حصل؟ أغرقه الله بالماء الذي كان يفتخر به، وأورث الله ملك مصر بني إسرائيل الذين كان يستضعفهم. ﴿فأخذه الله نكال الآخرة والأولى﴾ أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، ﴿نكال الآخرة والأولى﴾ يعني أنه نكّل به في الآخرة وفي الأولى، فكان عبرة في زمنه، وعبرة فيما بعد زمنه إلى يوم القيامة، كل من قرأ كتاب الله وما صنع الله بفرعون فإنه يتخذ ذلك عبرة يعتبر به، وكيف أهلكه الله مع هذا الملك العظيم وهذا الجبروت وهذا الطغيان فصار أهون على الله تعالى من كل هين.
﴿إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾ ﴿إن في ذلك﴾ أي فيما جرى من إرسال موسى إلى فرعون ومحاورته إياه واستهتار فرعون به واستكباره عن الانقياد له عبرة، ﴿لمن يخشى﴾ أي يخشى الله ، فمن كان عنده خشية من الله وتدبر ما حصل لموسى مع فرعون والنتيجة التي كانت لهذا ولهذا فإنه يعتبر ويأخذ من ذلك عبرة، والعبر في قصة موسى كثيرة ولو أن أحداً انتدب لجمع القصة من الايات في كل سورة ثم يستنتج ما حصل في هذه القصة من العبر لكان جيداً، وذلك بأن يأتي بالقصة كلها في كل الايات، لأن السور في بعضها شيء ليس في البعض الآخر، فإذا جمعها وقال مثلاً يؤخذ من هذه القصة العظيمة العبر التالية ثم يسردها، كيف أرسله الله إلى فرعون؟ كيف قال لهما ﴿فقولا له قولاً ليناً﴾ [طه: ٤٤] . مع أنه
стр. 44
مستكبر خبيث؟ وكيف كانت النتيجة؟ وكيف كان موسى ﵊، خرج من مصر خائفاً على نفسه يترقب كما خرج الرسول ﵊ من مكة يترقب، وصارت العاقبة للرسول ﵊ ولموسى ﵊، لكن العاقبة للرسول ﷺ بفعله وأصحابه، عذب الله أعداءهم بأيديهم، وعاقبة موسى بفعل الله ، فهي عبر يعتبر بها الإنسان يصلح بها نفسه وقلبه حتى يتبين الأمر.
﴿أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَهَا * وَالَاْرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَهَا * مَتَعاً لَّكُمْ وَلَاِنْعَمِكُمْ﴾ .
﴿ءأنتم أشد خلقاً أم السماء﴾ هذا الاستفهام لتقرير إمكان البعث؛ لأن المشركين كذبوا النبي ﵌ بالبعث وقالوا: ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨] . فيقول الله : ﴿ءأنتم أشد خلقاً أم السماء﴾ الجواب معلوم لكل أحد أنه السماء كما قال تعالى: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [غافر: ٥٧] . ﴿بناها﴾ هذه الجملة لا تتعلق بالتي قبلها، ولهذا ينبغي للقارىء إذا قرأ أن يقف على قوله ﴿أم السماء﴾ ثم يستأنف فيقول: ﴿بناها﴾ فالجملة استئنافية لبيان عظمة السماء، ﴿بناها﴾ أي بناها الله وقد بين الله في آية أخرى في سورة الذاريات أنه بناها بقوة فقال: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ أي
стр. 45
بقوة وقد يظن ظان أن الأيد هنا جمع يد، وليس كذلك لأن أيد مصدر (آد) يئيد اي قوي. ﴿رفع سمكها فسواها﴾ رفعه يعني عن الأرض ورفعه بغير عمد كما قال الله تعالى: ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها﴾ [الرعد: ٢] . ﴿فسواها﴾ أي جعلها مستوية تامة كاملة كما قال تعالى في خلق الإنسان: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك﴾ [الانفطار: ٦، ٧] . فسواك: أي جعلك سويًّا تام الخلقة، فالسماء كذلك سواها الله . ﴿وأغطش ليلها﴾ أغطشه أي أظلمه، فالليل مظلم، قال الله تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ [الإسراء: ١٢] . ﴿وأخرج ضحاها﴾ بينه بالشمس التي تخرج كل يوم من مطلعها وتغيب من مغربها. ﴿والأرض بعد ذلك﴾ أي بعد خلق السماوات والأرض ﴿دحاها﴾ بين سبحانه هذا الدحو بقوله: ﴿أخرج منها ماءها ومرعاها﴾ وكانت الأرض مخلوقة قبل السماء كما قال الله تعالى: ﴿قل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين.
وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ [فصلت: ٩ ـ ١٢] . فالأرض مخلوقة من قبل السماء لكن دحوها وإخراج الماء والمرعى منها كان بعد خلق السماوات. ﴿والجبال أرساها﴾ أي جعلها راسية في الأرض فلا تنسفها الرياح مهما قويت، وهي أيضاً تمسك الأرض لئلا تضطرب بالخلق كما قال تعالى: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ . ﴿متاعاً لكم ولأنعامكم﴾ أي جعل الله تعالى ذلك متاعاً لنا نتمتع به فيما نأكل ونشرب، ولأنعامنا أي مواشينا من الإبل والبقر والغنم وغيرها. التي تدر علينا وتنمو بها أموالنا.
стр. 46
ولما ذكَّر الله عباده بهذه النعم الدالة على كمال قدرته ورحمته ذكرهم بمآلهم الحتمي الذي لابد منه، فقال :
﴿فَإِذَا جَآءَتِ الطَّآمَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَنُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى * فَأَمَّا مَن طَغَى * وَءاثَرَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ .
﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى﴾ وذلك قيام الساعة، وسماها طامة لأنها داهية عظيمة تطم كل شيء سبقها. ﴿الكبرى﴾ يعني أكبر من كل طامة. ﴿يوم يتذكر الإنسان ما سعى﴾ لهذا اليوم الذي تكون فيه الطامة الكبرى وهو اليوم الذي يتذكر فيه الإنسان ما سعى، أي ما يعمله في الدنيا يتذكره مكتوباً بكتاب، عنده يقرأه هو بنفسه قال الله تعالى: ﴿ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤] . فإذا قرأه تذكر ما سعى أي ما عمل، أما اليوم فإننا قد نسينا ما عملنا، عملنا أعمالاً كثيرة منها الصالح، ومنها اللغو، ومنها السيىء، لكن كل هذا ننساه، وفي يوم القيامة يعرض علينا هذا في كتاب ويقال اقرأ كتابك أنت بنفسك ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ [الإسراء: ١٤] . فحينئذ يتذكر ما سعى ﴿ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً﴾ [النبأ: ٤٠] . ﴿وبُرِّزت الجحيم لمن يرى﴾ ﴿برزت﴾ أظهرت تجيء تقاد بسبعين ألف زمام كل زمام فيه سبعون ألف ملك يجرونها (١) ، إذا ألقي منها الظالمون مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً،
стр. 47
فتنخلع القلوب ويشيب المولود ولهذا قال: ﴿فأما من طغى. وآثر الحياة الدنيا﴾ هذان وصفان هما وصفا أهل النار، الطغيان وهو مجاوزة الحد، وإيثار الدنيا على الآخرة بتقديمها على الآخرة وهما متلازمتان فكل من طغى فقد آثر الحياة الدنيا وكذلك العكس، والطغيان مجاوزة الحد، وحد الإنسان مذكور في قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] .
فمن جاوز حده ولم يعبد الله فهذا هو الطاغي لأنه تجاوز الحد، فأنت مخلوق لا لتأكل وتتنعم وتتمتع كما تتمتع الأنعام، بل أنت مخلوق لعبادة الله فاعبد الله ، فإن لم تفعل فقد طغيت فهذا هو الطغيان ألا يقوم الإنسان بعبادة الله. ﴿وآثر الحياة الدنيا﴾ أي قدمها على طاعة الله مثاله: إذا أذن الفجر آثر النوم على الصلاة، وإذا قيل له أذكر الله آثر اللغو على ذكر الله وهكذا ... ﴿فإن الجحيم هي المأوى﴾ أي هي مأواه، والمأوى هو المرجع والمقر وبئس المقر مقر جهنم ـ أعاذنا الله منها ـ ﴿وأما من خاف مقام ربه﴾ يعني خاف القيام بين يديه؛ لأن الإنسان يوم القيامة سوف يقرره الله بذنوبه حين يخلو به ويقول عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا كما جاء في الصحيح، فإذا أقر قال الله له: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١) ، فهذا الذي خاف هذا المقام، ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ أي عن هواها، المخالف لأمر الله ورسوله، والنفس أمَّارة بالسوء لا تأمر إلا بالشر. ولكن هناك نفس أخرى تقابلها وهي النفس المطمئنة؛ وللإنسان ثلاث نفوس: مطمئنة، وأمارة، ولوامة، وكلها في القرآن، أما المطمئنة ففي قوله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك
стр. 48
راضية مرضية. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي﴾ [الفجر: ٢٧ ـ ٣٠] . وأما الأمَّارة بالسوء ففي قوله تعالى: ﴿وما أبرىء نفسي إن النفس لأمَّارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ [يوسف: ٥٣] . وأما اللوامة ففي قوله تعالى: ﴿لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ [القيامة: ١، ٢] .
والإنسان يحس بنفسه بهذه الأنفس؛ يرى في نفسه أحياناً نزعة خير يحب الخير ويفعله وهذه هي النفس المطمئنة، ويرى أحياناً في نفسه نزعة شر فيفعله وهذه النفس الأمارة بالسوء، وتأتي بعد ذلك النفس اللوامة التي تلومه على ما فعل فتجده يندم على ما فعل من المعصية، أو لوامة أخرى تلومه على ما فعل من الخير، فإن من الناس من قد يلوم نفسه على فعل الخير وعلى مصاحبة أهل الخير ويقول: كيف أصاحب هؤلاء الذين صدوني عن حياتي.. عن شهواتي.. عن لهوي، وما أشبه ذلك. فاللوامة نفس تلوم الأمارة بالسوء مرة، وتلوم المطمئنة مرة أخرى، فهي في الحقيقة نفس بين نفسين تلوم النفس الأمارة بالسوء إذا فعلت السوء، وتندم الإنسان، وقد تلوم النفس المطمئنة إذا فعلت الخير. ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله لأوليائه فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧] . هكذا جاء في القرآن، وجاء في الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١) ، هذه الجنة يدركها الإنسان قبل أن يموت، إذا حضر الأجل ودعت الملائكة النفس للخروج قالت: أخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى رضوان الله (٢) ،
стр. 49
وتبشر النفس بالجنة، قال الله تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم﴾ [النحل: ٣٢] .
يقولونه حين التوفي ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ فيبشر بالجنة فتخرج روحه راضية متيسرة سهلة، ولهذا لما حدث النبي ﵊ فقال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» (١) قالت عائشة: يا رسول الله: كلنا يكره الموت، فذكر لها أنه ليس الأمر ذلك ـ ولكن المؤمن إذا بشر بما يبشر به عند الموت أحب لقاء الله أحب الموت وسهل عليه» ، وإن الكافر إذا بشر ـ والعياذ بالله ـ بما يسوؤه عند الموت كره لقاء الله وهربت نفسه وتفرقت في جسده حتى ينتزعوها منه كما ينتزع السفود من الشعر المبلول، والشعر المبلول إذا جر عليه السفود وهو معروف عند الغزالين يكاد يمزقه من شدة سحبه عليه هكذا روح الكافر والعياذ بالله ـ تتفرق في جسده لأنها تبشر بالعذاب فتخاف (٢) ، فالجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والإنسان قد يدركها قبل أن يموت بما يبشر به، وقد قال أنس بن النضر ﵁ لسعد بن معاذ: «يا سعد، والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد» (٣) ، وهذا ليس معناه الوجدان الذوقي، وجدان حقيقي، قال ابن القيم ﵀: (إن بعض الناس قد يدرك الآخرة وهو في الدينا) ، ثم انطلق فقاتل وقُتل ﵁، فالحاصل أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
стр. 50
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَهَآ * إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَهَا
﴿يسألونك عن الساعة إيَّان مرسها﴾ ﴿يسألونك﴾ يعني يسألك الناس كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله﴾ [الأحزاب: ٦٣] . (مرساها) أي متى وقوعاها سؤال الناس عن الساعة ينقسم إلى قسمين: سؤال استبعاد وإنكار وهذا كفر كما سأل المشركون النبي ﷺ عن الساعة واستعجلوها، وقد قال الله عن هؤلاء: ﴿يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق﴾ . وسؤال عن الساعة يسأل متى الساعة ليستعد لها وهذا لا بأس به، وقد قال رجل للنبي ﵊: يا رسول الله متى الساعة؟ قال له: «ماذا أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله. قال: «المرء مع من أحب» (١) ، فالناس يسألون النبي ﵊ ولكن تختلف نياتهم في هذا السؤال، ومهما كانت نياتهم ومهما كانت أسئلتهم فعلم الساعة عند الله ولهذا قال: ﴿فيمَ أنت من ذكراها﴾ يعني أنه لا يمكن أن تذكر لهم الساعة، لأن علمها عند الله كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قل إنما علمها عند الله﴾ [الأحزاب: ٦٣] . وقد سأل جبريل ﵇ وهو أعلم الملائكة، بوحي الله النبي ﵌ وهو أعلم البشر بذلك قال: أخبرني عن الساعة. فقال له النبي ﵌: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (٢) ،
يعني أنت إذا
стр. 51
كانت خافية عليك فأنا خافية علي، وإذا كان أعلم الملائكة وأعلم البشر لا يعلمان متى الساعة فما بالك بمن دونهما، وبهذا نعرف أن ما يشيعه بعض الناس من أن الساعة تكون في كذا وفي كذا وفي زمن معين كله كذب، نعلم أنه كذب؛ لأنه لا يعلم متى الساعة إلا الله . ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ يعني ليس عندك علم منها ولكنك منذر ﴿من يخشاها﴾ أي يخافها وهم المؤمنون، أما من أنكرها واستبعدها وكذبها فإن الإنذار لا ينفع فيه ﴿وما تغني الايات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١] . ولهذا نقول لا تسأل متى تموت ولا أين تموت لأن هذا أمر لا يحتاج إلى سؤال أمر مفروغ منه ولابد أن يكون ومهما طالت بك الدنيا فكأنما بقيت يوماً واحداً بل كما قال تعالى هنا: ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ ولكن السؤال الذي يجب أن يرد على النفس ويجب أن يكون لديك جواب عليه هو على أي حال تموت؟! ولست أريد على أي حال تموت هل أنت غني أو فقير، أو قوي أو ضعيف، أو ذو عيال أو عقيم، بل على أي حال تموت في العمل، فإذا كنت تساءل نفسك هذا السؤال فلابد أن تستعد؛ لأنك لا تدري متى يفجَؤُك الموت، كم من إنسان خرج يقود سيارته ورجع به محمولاً على الأكتاف، وكم من إنسان خرج من أهله يقول هيئوا لي طعام الغداء أو العشاء ولكن لم يأكله، وكم من إنسان لبس قيمصه وزر أزرته ولم يفكها إلا الغاسل يغسله، وهذا أمر مشاهد لكل أحد بحوادث بغتة.
فانظر الان وفكر على أي حال تموت، ولهذا ينبغي لك أن تكثر من الاستغفار ما استطعت، فإن الاستغفار فيه من كل هم فرج، ومن كل ضيق مخرج، حتى إن بعض العلماء يقول إذا استفتاك شخص فاستغفر
стр. 52
الله قبل أن تفتيه، لأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين الهدى واستنبط ذلك من قول الله ﵎: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً. واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦] . وهذا استنباط جيد، ويمكن أيضاً أن يستنبط من قوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد: ١٧] . والاستغفار هو الهدى، لذلك أوصيكم بالمراقبة، وكثرة الاستغفار، ومحاسبة النفس حتى نكون على أهبة الاستعداد خشية أن يفجأُنا الموت ـ نسأل الله أن يحسن لنا الخاتمة ـ. ﴿كأنهم يوم يرونها﴾ أي يرون القيامة ﴿لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ العشية من الزوال إلى غروب الشمس، والضحى من طلوع الشمس إلى زوالها، يعني كأنهم لم يلبثوا إلا نصف يوم، وهذا هو الواقع لو سألنا الان كم مضى من السنوات علينا؟ هل نشعر الان بأنه سنوات أو كأنه يوم واحد؟ لا شك أنه كأنه يوم واحد. والإنسان الآن بين ثلاثة أشياء: يوم مضى فهذا قد فاته، ويوم مستقبل لا يدري أيدركه أو لا يدركه، ووقت حاضر هو المسؤول عنه، وأما ما مضى فقد فات وما فات فقد مات، هلك عنك الذي مضى، والمستقبل لا تدري أتدركه أم لا، والحاضر هو الذي أنت مسؤول عنه. نسأل الله تعالى أن يحسن لنا العاقبة، وأن يجعل عاقبتنا حميدة، وخاتمتنا سعيدة إنه جواد كريم.
стр. 53
تفسير سورة عبس
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَآءَهُ الَاْعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَاّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ * فَى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِى سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿عبس وتولى﴾ الضمير يعود إلى رسول الله ﵌. ومعنى ﴿عبس﴾ أي كلح في وجهه يعني استنكر الشيء بوجهه. ومعنى ﴿تولى﴾ أعرض. ﴿أن جاءه الأعمى﴾ الأعمى هو عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم ﵁، فإنه جاء إلى النبي ﵌ قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي ﵌ في إسلامهم، ـ ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سبباً لإسلام من تحتهم وكان طمع النبي ﷺ فيهم شديداً ـ فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكروا أنه كان يقول: علمني مما علمك الله ويستقرىء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان النبي ﵊ يعرض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعاً في
стр. 54
إسلام هؤلاء العظماء (١) وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء يزدرون النبي ﵌ إذا وجه وجهه لهذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء، كما قال قوم نوح: (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) (٢٧) فكان النبي ﵊ في عبوسه وتوليه يلاحظ هذين الأمرين. الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء. والأمر الثاني: ألا يزدروا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو محتقر عندهم، ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس احتقاراً لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوة الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء بل من كان أشد إقبالاً على الإسلام فهو أحب إليه.
هذا ما نعتقده في رسول الله ﷺ ﴿وما يدريك﴾ أي: أي شيء يريبك أن يتزكى هذا الرجل ويقوي إيمانه. ﴿لعله﴾ أي لعل ابن أم مكتوم ﴿يزكى﴾ أي يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجو منه فإنه أحق أن يلتفت إليه. ﴿أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ يعني وما يدريك لعله يذكر أي يتعظ فتنفعه الموعظة فإنه ﵁ أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر. ﴿أما من استغنى﴾ يعني استغنى بماله لكثرته، واستغنى بجاهه لقوته وهم العظماء الذين عند رسول الله صلى الله عليه سلم فهذا ﴿فأنت له تصدى﴾ أي تتعرض وتطلب إقباله عليك وتقبل عليه. ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ يعني ليس عليك شيء إذا لم يتزكى هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فبيّن الله أن ابن أم مكتوم ﵁ أقرب إلى التزكي من هؤلاء العظماء، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول ﵊ عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء. ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ يعني ليس عليك شيء إذا لم يتزكى لأن إثمه عليه وليس عليك
стр. 55
إلا البلاغ. ثم قال تعالى: ﴿وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى﴾ هذا مقابل قوله: ﴿أما من استغنى. فأنت له تصدى﴾ . ﴿وأما من جاءك يسعى﴾ أي يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿وهو يخشى﴾ أي يخاف الله بقلبه. لعلمه بعظمته تعالى ﴿فأنت عنه تلهى﴾ أي تتلهى عنه وتتغافل لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون. ﴿كلا﴾ يعني لا تفعل مثل هذا ولهذا نقول: إن ﴿كلا﴾ هنا حرف ردع وزجر أي لا تفعل مثل ما فعلت. ﴿إنها تذكرة﴾ ﴿إنها﴾ أي الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿تذكرة﴾ تذكر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه ويتعظ بها القلب.
﴿فمن شاء ذكره﴾ أي فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومن شاء لم يتعظ لقول الله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩] . فالله جعل للإنسان الخيار قدراً بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعاً فإنه لا يرضى لعباده الكفر، وليس الإنسان مخير شرعاً بين الكفر والإيمان بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخير وليس كما يزعم بعض الناس مسير مجبر على عمله، بل هذا قول مبتدع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم (١) . فالإنسان في الحقيقة مخير، ولذلك إذا وقع الأمر بغير أختياره كالمكره والنائم والنسي ونحوهم لم يترتب عليه حكمه فيما بينه وبين الله تعالى ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، ومن شاء لم يذكره، والموفق من وفقه الله . ﴿في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة﴾ أي أن هذا الذكر الذي تضمنته هذه الايات ﴿في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة﴾ معظمة عند الله، والصحف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة وهي ما يكتب فيه القول. ﴿بأيدي
стр. 56
سفرة﴾ السفرة الملائكة، وسموا سفرة لأنهم كتبة مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب كقوله تعالى: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾ [الجمعة: ٥] . وقيل: السفرة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع ﵁ أن النبي ﵌ تزوج ميمونة ﵂ قبل أن يحرم قال: «وكنت السفير بينهما» (١) أي الواسطة.
والصحيح أنهم، وسموا سفرة لهذا وهذا لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل ﵊ واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكتبة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضاً يكتبونه ويبلغونه إلى الله ، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته. ﴿كرام﴾ كرام في أخلاقهم. . كرام في خلقتهم لأنهم على أحسن خلقة، وعلى أحسن خُلق، (بررة) جمع بر وهو كثير الفضل والإحسان ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبين يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون. وهذه الايات فيها تأديب من الله للخلق ألا يكون همهم هًّما شخصيًّا بل يكون همهم هًّما معنويًّا وألا يفضلوا في الدعوة إلى الله شريفاً لشرفه، ولا عظيماً لعظمته، ولا قريباً لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد، وفيها أيضاً تلطف الله بمخاطبة النبي ﵌ فقال في أولها: ﴿عبس وتولى. أن جاءه الأعمى﴾ ثلاث جمل لم يخاطب الله فيها النبي ﵌ لأنها عتاب فلو وجهت إلى الرسول بالخطاب لكان شديد عليه لكن جاءت بالغيبة ﴿عبس﴾ وإلا كان مقتضي الحال أن يقول (عبست وتوليت إن جاءك الأعمي) ولكنه قال: (عبس وتولى) فجعل الحكم
стр. 57
للغائب كراهية أن يخاطب النبي ﵌ بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألا يقع بمثل ذلك من يقع من هذه الأمة، والله وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه، وفي الايات أيضاً دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود ...
وهكذا، قال أهل العلم واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول ـ إذا كان المقصود به تبيين الشخص ـ تدعو الحاجة إليه، والثانية ـ إذا كان المقصود به التعيير ـ فإنه لا يقصد به التبيين وإنما يقصد به الشماتة وقد جاء في الأثر «لا تظهر الشماتة في أخيك فيرحمه الله ويبتليك» (١) .
﴿قُتِلَ الإِنسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ * كَلَاّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ * فَلْيَنظُرِ الإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الَاْرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَعاً لَّكُمْ وَلَاِنْعَمِكُمْ﴾ .
﴿قتل الإنسان﴾ ﴿قتل﴾ قال بعض العلماء: إن معناها لعن، والذي يظهر أن معناها أُهلك؛ لأن القتل يكون به الهلاك وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه
стр. 58
فيقولون مثلاً: قتل فلان ما أسوأ خلقه، قتل فلان ما أخبثه وما أشبه ذلك. وقوله تعالى: ﴿قتل الإنسان﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان لقوله فيما بعد ﴿ما أكفره﴾ ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس، لأن أكثر بني آدم كفار كما ثبت في الحديث الصحيح: أن الله يقول يقوم القيامة: «يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول له الله : أخرج من ذريتك بعثاً إلى النار. فيقول: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين» (١) ، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس ويخرج المؤمن من ذلك بما دلت عليه النصوص الأخرى. ﴿ما أكفره﴾ قال بعض العلماء إن ﴿ما﴾ هنا استفهامية أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟ وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب يعني ما أعظم كفره! وإنما كان كفر الإنسان عظيماً لأن الله أعطاه عقلاً، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب وأمده بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر فيكون كفره عظيماً. والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿ما﴾ استفهامية أي: ما الذي أكفره؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية يعني عجباً له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى والكفر والإيمان!! والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث فإن كثيراً من الكفار كذبوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبعث الناس بعد أن كانت عظامهم رميماً كما قال تعالى: ﴿وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨] .
ولهذا قال: ﴿من أي شيء خلقه﴾ استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿من نطفة خلقه﴾ يعني أنت أيها الإنسان الذي تكفر بالبعث؟ من أي شيء خلقت؟ ألم تخلق من
стр. 59
العدم لم تكن شيئاً مذكوراً من قبل فوجدت وصرت إنساناً فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿من نطفة خلقه﴾ والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل ﴿فقدره﴾ أي جعله مقدراً أطواراً: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق فقال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (١) . فالإنسان مقدر في بطن أمه من الذي يقدره هذا التقدير؟ من الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه؟ إلا الله ، ولهذا قال: ﴿ثم السبيل يسره﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق يعني يسر له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة، ويسر له أيضاً بعد ذلك ما ذكره تعالى في قوله: ﴿وهديناه النجدين﴾ [البلد: ١٠] .
يسر له ثديي أمه يتغذى بهما، ويسر له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويسر له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح وذلك بما أرسل إليه من
стр. 60
الرسالات، وأنزل عليه من الكتب، ثم بعد هذا ﴿أماته﴾ الموت مفارقة الروح للبدن. ﴿فأقبره﴾ أي جعله في قبر، أي مدفوناً ستراً عليه وإكراماً واحتراماً؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جثثاً ترمى في الزبال لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله أن شرع لعباده هذا الدفن، ولهذا قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فأقبره﴾ قال: أكرمه بدفنه. ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ أي إذا شاء الله ﴿أنشره﴾ أي بعثه يوم النشور ليجازيه على عمله. وقوله: ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ يعني أنه لا يعجزه أن ينشره لكن لم يأتِ أمر الله بعد ولهذا قال: ﴿كلا لما يقض ما أمره﴾ ﴿لما﴾ هنا بمعنى (لم) لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يقضِ ما أمره، أي ما أمر به كوناً وقدراً، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لانشار هذا الميت بل له موعد منتظر، وفي هذا رد على المكذبين بالبعث الذين يقولون لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍ مكذوب؛ لأن الرسل لم تقل لهم إنكم تبعثون الان، ولكنهم قالوا لهم إنكم تبعثون جميعاً بعد أن تموتوا جميعاً. ثم قال مذكراً للإنسان بما أنعم الله عليه ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه﴾ . أي فلينظر إلى طعامه من أين جاء؟ ومن جاء به؟ وهل أحدٌ خلقه سوى الله ؟ وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله ﵎: ﴿أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون. لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون بل نحن محرومون﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٧] .
من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويسر الحصول عليه حتى كان طعاماً لنا؟ هو الله ، ولهذا قال ﴿لو نشاء لجعلناه حطاماً﴾ أي بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به. ﴿أنا
стр. 61
صببنا الماء صبًّا﴾ يعني من السحاب ﴿ثم شققنا الأرض شقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات. ﴿فأنبتنا فيها﴾ أي في الأرض ﴿حبًّا﴾ كالبر والرز والذرة والشعير وغير ذلك من الحبوب الكثيرة ﴿وعنباً﴾ معروف ﴿وقضباً﴾ قيل: إنه القت المعروف ﴿وزيتوناً﴾ معروف ﴿ونخلاً﴾ معروف ﴿وحدائق غلباً﴾ حدائق جمع حديقة، والغلب كثير الأشجار ﴿وفاكهة﴾ يعني ما يتفكه به الإنسان من أنواع الفواكه ﴿وأبًّا﴾ الأب نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل ﴿متاعاً لكم ولأنعامكم﴾ يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم بها أودكم، وتتمتعون بها أيضاً بالتفكه بهذه النعم.
ثم لما ذكر الله الإنسان بحاله منذ خلق من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش، ذكر حاله الآخرة في قوله:
﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَحِبَتِهُ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ .
﴿فإذا جاءت الصاخة﴾ يعني الصيحة العظيمة التي تصخ الاذان، وهذا هو يوم القيامة ﴿يوم يفر المرء من أخيه﴾ من أخيه شقيقه أو لأبيه أو لأمه ﴿وأمه وأبيه﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضاً، والجدات يفر من هؤلاء كلهم ﴿وصاحبته﴾ زوجته ﴿وبنيه﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه. ويفر من هؤلاء كلهم. قال أهل
стр. 62
العلم: يفر منهم لئلا يطالبوه بما فرط به في حقهم من أدب وغيره، لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبداً أن يكون له أحد يطالبه بشيء ﴿لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ كل إنسان مشتغل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي ﵊: «إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة، عراة، غرلاً» قالت عائشة ﵂: «الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض» ؟ قال النبي ﷺ : «الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض» (١) ، ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين فقال: ﴿وجوه يومئذ﴾ يعني يوم القيامة (مسفرة) من الإسفار وهو الوضوح لأنها وجوه المؤمنين تُسفر عما في قلوبهم من السرور والانشراح ﴿ضاحكة﴾ يعني متبسمة، وهذا من كمال سرورهم ﴿مستبشرة﴾ أي قد بشرت بالخير لأن الملائكة تتلقاهم بالبشرى يقولون ﴿سلام عليكم﴾ ﴿ووجوه يومئذ﴾ يعني يوم القيامة ﴿عليها غبرة﴾ أي شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة ﴿ترهقها قترة﴾ أي ظلمة ﴿أولئك هم الكفرة الفجرة﴾ الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة إنه جواد كريم.
стр. 63
تفسير سورة التكوير
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَآءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ .
البسملة: تقدم الكلام عليها.
﴿إذا الشمس كورت﴾ هذا يكون يوم القيامة، والتكوير: جمع الشيء بعضه إلى بعض ولفّه كما تكوّر العمامة على الرأس، والشمس كتلة عظيمة كبيرة واسعة في يوم القيامة يكورها الله فيلفها جميعاً ويطوي بعضها على بعض فيذهب نورها (١) ، ويلقيها في النار إغاظة للذين يعبدونها من دون الله، قال الله ﵎: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ أي تحصبون في جهنم ﴿أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨] . ويستثني من ذلك من عُبد من دون الله من أولياء الله فإنه لا يلقى في النار كما قال الله تعالى بعد هذه الآية ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢] .
стр. 64
﴿وإذا النجوم انكدرت﴾ انكدرت يعني تساقطت كما تفسره الآية الثانية. ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ [الانفطار: ٢] . فالنجوم يوم القيامة تتناثر وتزول عن أماكنها ﴿وإذا الجبال سُيرت﴾ هذه الجبال العظيمة الصلبة العالية الرفيعة تكون هباءً يوم القيامة وتسيّر كما قال الله تعالى: ﴿وسيّرت الجبال فكانت سراباً﴾ [النبأ: ٢٠] . ﴿وإذا العشار عُطلت﴾ العشار جمع عشراء، وهي الناقة الحامل التي تم لحملها عشرة أشهر وهي من أنفس الأموال عند العرب، وتجد صاحبها يرقبها ويلاحظها، ويعتني بها ويأوي إليها ويحف بها في الدنيا، لكن في الآخرة تعطل ولا يلتفت إليها؛ لأن الإنسان في شأن عظيم مزعج ينسيه كل شيء كما قال الله ﵎: ﴿يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه. وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ [عبس: ٣٤ ـ ٣٧] .
﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ الوحوش جمع وحش، والمراد بها جميع الدواب، لقول الله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أُمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ [الأنعام: ٣٨] . فستحشر الدواب يوم القيامة ويشاهدها الناس ويُقتص لبعضها من بعض، حتى إنه يقتص للبهيمة الجلحاء التي ليس لها قرن من البهيمة القرناء (١) ، فإذا اقتص من بعض هذه الوحوش لبعض أمرها الله تعالى فكانت تراباً، وإنما يفعل ذلك لإظهار عدله بين خلقه ﴿وإذا البحار سُجّرت﴾ البحار جمع بحر وجمعت لعظمتها وكثرتها، فإنها تمثل ثلاثة أرباع الأرض تقريباً أو أكثر. هذه البحار العظيمة إذا كان يوم القيامة فإنها تُسجر، أي توقد ناراً، تشتعل ناراً عظيمة وحينئذ تيبس الأرض ولا يبق فيها ماء؛ لأن بحارها المياه العظيمة تسجّر حتى تكون
стр. 65
ناراً ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ النفوس جمع نفس، والمراد بها الإنسان كله، فتزوّج النفوس يعني يُضم كل صنف إلى صنفه؛ لأن الزوج يراد به الصنف كما قال الله تعالى: ﴿وكنتم أزواجاً ثلاثة﴾ [الواقعة: ٧] . أي أصنافاً ثلاثة وقال تعالى: ﴿وآخر من شكله أزواج﴾ [ص: ٥٨] . أي أصناف، وقال تعالى: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ [الصافات: ٢٢] . أي أصنافهم وأشكالهم فيوم القيامة يضم كل شكل إلى مثله، أهل الخير إلى أهل الخير، وأهل الشر إلى أهل الشر، وهذه الأمة يضم بعضها إلى بعض ﴿وترى كل أمة جاثية﴾ لوحدها ﴿كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون﴾ [الجاثية ٢٨] .
إذاً ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ يعني شكّلت وضُم بعضها إلى بعض كل صنف إلى صنفه، كل أمة إلى أمتها ﴿وإذا المؤؤدة سُئلت بأي ذنب قُتلت﴾ الموؤدة هي الأنثى تدفن حية، وذلك أنه في الجاهلية لجهلهم وسوء ظنهم بالله، وعدم تحملهم يعيّر بعضهم بعضاً إذا أتته الأنثى، فإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، ممتلىء هًّما وغمًّا ﴿يتوارى من القوم﴾ يعني يختفي منهم ﴿من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب﴾ [النحل ٥٩] . يعني إذا قيل لأحدهم نبشرك أن الله جاء لك بأنثى ـ ببنت ـ اغتم واهتم، وامتلأ من الغم والهم، وصار يفكر هل يبقي هذه الأنثى على هون وذل؟ أو يدسها في التراب ويستريح منها؟ فكان بعضهم هكذا، وبعضهم هكذا. فمنهم من يدفن البنت وهي حية، إما قبل أن تميز أو بعد أن تميز، حتى إن بعضهم كان يحفر الحفرة لبنته فإذا أصاب لحيته شيء من التراب نفضته عن لحيته وهو يحفر لها ليدفنها ولا يكون في قلبه لها رحمة، وهذا يدلك على أن الجاهلية أمرها سفال، فإن الوحوش تحنو على أولادها وهي وحوش، وهؤلاء لا يحنون على أولادهم، يقول
стр. 66
عز وجل: ﴿وإذا المؤودة سئلت﴾ تسأل يوم القيامة ﴿بأي ذنب قتلت﴾ هل أذنبت؟ فإذا قال قائل: كيف تُسأل وهي المظلومة ... هي المدفونة، ثم هي قد تدفن وهي لا تميز، ولم يجر عليها قلم التكليف، فكيف تسأل؟ قيل: إنها تُسأل توبيخاً للذي وأدها، لأنها تُسأل أمامه فيقال: بأي ذنب قُتِلْتِ أو قُتِلَتْ؟ نظير ذلك لو أن شخصاً اعتدى على آخر في الدنيا فأتوا إلى السلطان إلى الأمير فقال للمظلوم: بأي ذنب ضربك هذا الرجل؟ وهو يعرف أنه معتدىً عليه ليس له ذنب. لكن من أجل التوبيخ للظالم، فالموؤدة تُسأل بأي ذنب قتلت توبيخاً لظالمها وقاتلها ودافنها نسأل الله العافية.
﴿وإذا الصحف نشرت﴾ الصحف جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيها الأعمال. واعلم أيها الإنسان أن كل عمل تعمله من قول أو فعل فإنه يكتب ويسجل بصحائف على يد أمناء كرام كاتبين يعلمون ما تفعلون، يسجل كل شيء تعمله حتى توافى يوم القيامة فإن الله يقول في كتابه: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ يعني عمله في عنقه ﴿ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً﴾ مفتوحاً ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ [الإسراء١٣- ١٤] ، كلامنا الان ونحن نتكلم يكتب، كلام بعضكم مع بعض يكتب، كل كلام يكتب ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] . ولهذا قال النبي ﵊: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١) ، وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (٢) ، لأن كل شيء سيكتب عليه، ومن كثُر كلامُه كثُر
стр. 67
سقطه، يعني الذي يُكثر الكلام يكثر منه السقط والزلات، فاحفظ لسانك فإن الصحف سوف يكتب فيها كل ما تقول وسوف تنشر لك يوم القيامة. ﴿وإذا السماء كشطت﴾ السماء فوقنا الان سقف محفوظ قوي شديد. قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ [الذاريات: ٤٧] . أي بقوة. وقال تعالى: ﴿وبنينا فوقكم سبعاً شداداً﴾ [النبأ: ١٢] . أي قوية. وفي يوم القيامة تكشط يعني تُزال عن مكانها كما يكشط الجلد عند سلخ البعير عن اللحم يكشطها الله ثم يطويها جل وعلا بيمينه كما قال تعالى: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] .
﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . يعني كما يطوي السجل الكتب، يعني الكاتب إذا فرغ من كتابته طوى الورقة حفظاً لها عن التمزق وعن المحي، فالسماء تكشط يوم القيامة ويبقى الأمر فضاء إلا أن الله تعالى يقول: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة: ١٧] . يكون بدل السماء التي فوقنا الان يكون الذي فوقنا هو العرش؛ لأن السماء تطوى بيمين الله يطويها بيمينه ويهزها وكذلك يقبض الأرض (١) ويقول: «أنا الملك، أين ملوك الأرض» ، ﴿وإذا الجحيم سعرت﴾ الجحيم هي النار، وسميت بذلك لبعد قعرها وظلمة مرءاها. تُسعر أي توقد. وما وقودها الذي توقد به؟ وقودها الذي توقد به قال الله عنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة﴾ [التحريم: ٦] . بدل ما توقد بالحطب يكون الوقود الناس يعني الكفار. والحجارة حجارة من نارٍ عظيمة شديدة الاشتعال شديدة الحرارة، هذا تسعير جهنم ﴿وإذا الجنة﴾ الجنة دار المتقين
стр. 68
فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿أزلفت﴾ يعني قُرِّبت وزُيِّنت للمؤمنين، وانظر الفرق بين هذا وذاك. دار الكفار تسعّر، توقد، ودار المؤمنين تزيّن وتقرّب ﴿وإذا الجنة أزلفت﴾ كل هذا يكون يوم القيامة، إذا قرأنا هذه الايات: ﴿إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سيرت. وإذا العشار عطلت. وإذا الوحوش حشرت. وإذا البحار سجرت. وإذا النفوس زوجت. وإذا الموؤدة سئلت. بأي ذنب قتلت. وإذا الصحف نشرت. وإذا الشماء كشطت. وإذا الجحيم سعرت. وإذا الجنة أزلفت﴾ هذه اثنتا عشرة جملة إلى الان لم يأت بالجواب.
لأن كلها في ضمن الشرط ﴿إذا الشمس كورت﴾ فالجواب لم يأت بعد ماذا يكون إذا كانت هذه الأشياء؟ قال الله تعالى: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ أي ما قدمته من خير وشر ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء﴾ [آل عمران: ٣٠] . يعني يكون محضراً أيضاً ﴿تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٣٠] . فتعلم في ذلك اليوم كل نفس ما أحضرت من خير أو شر، في الدنيا نعلم ما نعمل من خير وشر لكن سرعان ما ننسى. نسينا الشيء الكثير لا من الطاعات ولا من المعاصي، ولكن هذا لن يذهب سدى كما نسيناه؟ بل والله هو باق، فإذا كان يوم القيامة أحضرته أنت بإقرارك على نفسك بأنك عملته، ولهذا قال تعالى: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ فينبغي بل يجب على الإنسان أن يتأمل في هذه الايات العظيمة وأن يتعظ بما فيها من المواعظ، وأن يؤمن بها كأنه يراها رأي عين؛ لأن ما أخبر الله به وعلمنا مدلوله فإنه أشد يقيناً عندنا مما شاهدناه بأعيننا أو سمعناه بأذاننا؛ لأن خبر الله لا يكذب، صدق، لكن ما نراه أو نسمعه كثيراً ما يقع فيه الوهم. قد ترى
стр. 69
الشيء البعيد شبحاً تعينه في تصورك وهو خلاف الواقع، وقد تسمع الصوت فتظنه شيئاً معيناً في ذهنك وهو خلاف الواقع، فالوهم يرد على الحواس، لكن خبر الله إذا علم مدلوله لا يمكن أبداً أن يرد عليه شيء من الوهم؛ لنه خبر صدق، فهذه الأمور التي ذكر الله في هذ الآيات أمور حقيقية يجب أت تؤمن بها كأنك تراها رأي العين ثم بعد الإيمان بها يجب أن تعمل بمقتضي ما تدل عليه من الاتعاظ والانزجار، والقيام بالواجب، وترك المنهيات حتى تكون من أهل القرآن الذين يتلونه حق تلاوته.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالاُْفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَنٍ رَّجِيمٍ * فَأيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِّلْعَلَمِينَ * لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ .
﴿فلا أقسم بالخنس﴾ قوله تعالى: ﴿فلا أقسم﴾ قد يظن بعض الناس أن ﴿لا﴾ نافية وليس كذلك، بل هي مثبتة للقسم ويؤتى بها بمثل هذا التركيب للتأكيد. فالمعنى ﴿أقسم بالخنس﴾ والخنس جمع خانسة، وهي النجوم التي تخنس، أي ترجع فبينما تراها في أعلى الأفق إذا بها راجعة إلى آخر الأفق، وذلك والله أعلم لارتفاعها وبُعدها فيكون ما تحتها من النجوم أسرع منها في الجري بحسب رؤية العين،
стр. 70
﴿الجوار﴾ أصلها (الجواري) بالياء لكن حذفت الياء للتخفيف و ﴿الكنس﴾ هي التي تكنس أي تدخل في مغيبها. فأقسم الله بهذه النجوم ثم أقسم بالليل والنهار فقال: ﴿والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس﴾ معنى قوله: ﴿عسعس﴾ يعني أقبل، وقيل: معناه أدبر، وذلك أن الكلمة ﴿عسعس﴾ في اللغة العربية تصلح لهذا وهذا. لكن الذي يظهر أن معناها «أقبل» ليوافق أو ليطابق ما بعده من القسم. وهو قوله: ﴿والصبح إذا تنفس﴾ فيكون الله أقسم بالليل حال إقباله، وبالنهار حال إقباله. وإنما أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات لعظمها وكونها من آياته الكبرى، فمن يستطيع أن يأتي بالنهار إذا كان الليل، ومن يستطيع أن يأتي بالليل إذا كان النهار، قال الله : ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة مَن إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون. قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة مَن إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون﴾ . [القصص: ٧١- ٧٢] . ﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ [القصص: ٧٣] . فهذه المخلوقات العظيمة يقسم الله بها لعظم المقسم عليه وهو قوله: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ ﴿إنه﴾ أي القرآن ﴿لقول رسول كريم﴾ هو جبريل ﵊، فإنه رسول الله إلى الرسل بالوحي الذي ينزله عليهم.
ووصفه الله بالكرم لحسن منظره كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ذو مرة فاستوى﴾ [النجم: ٦] . ﴿ذو مرة﴾ قال العلماء: المرة: الخلق الحسن والهيئة الجميلة، فكان جبريل ﵊ موصوفاً بهذا الوصف: ﴿كريم﴾ ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ ﴿ذي قوة﴾ وصفه الله تعالى بالقوة العظيمة، فإن الرسول ﷺ رآه على
стр. 71
صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح قد سدّ الأفق (١) كله من عظمته ﵊، وقوله: ﴿عند ذي العرش﴾ أي عند صاحب العرش وهو الله جل وعلا، والعرش فوق كل شيء، وفوق العرش رب العالمين . قال الله تعالى: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده﴾ [غافر: ١٥] . فذو العرش هو الله. وقوله: ﴿مكين﴾ أي ذو مكانة، أي أن جبريل عند الله ذو مكانة وشرف، ولهذا خصه الله بأكبر النعم التي أنعم بها على عباده، وهو الوحي فإن النعم لو نظرنا إليها لوجدنا أنها قسمان: نِعَم يستوي فيها البهائم والإنسان، وهي متعة البدن الأكل والشرب، والنكاح والسكن، هذه النعم يستوي فيها الإنسان والحيوان، فالإنسان يتمتع بما يأكل، وبما يشرب، وبما ينكح، وبما يسكن، والبهائم كذلك. ونِعمٌ أخرى يختص بها الإنسان، وهي الشرائع التي أنزلها الله على الرسل لتستقيم حياة الخلق، لأنه لا يمكن أن تستقيم حياة الخلق التي تكون بها سعادة الدنيا والآخرة إلا بالشرائع ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل: ٩٧] . فالمؤمن العامل بالصالحات هو الذي له الحياة الطيبة في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة.
ووالله لو فتشت الملوك وأبناء الملوك، والوزراء وأبناء الوزراء، والأمراء وأبناء الأمراء، والأغنياء وأبناء الأغنياء، لو فتشتهم وفتشت من آمن وعمل صالحاً لوجدت الثاني أطيب عيشة، وأنعم بالاً، وأشرح صدراً، لأن الله الذي بيده مقاليد السموات والأرض تكفل. قال: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ فتجد المؤمن العامل للصالحات
стр. 72
مسرور القلب، منشرح الصدر، راضياً بقضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر الله على ذلك، وإن أصابه ضده صبر على ذلك واعتذر إلى الله مما صنع، وعلم أنه إنما أصابه بذنوبه فرجع إلى الله ، قال النبي ﵊: «عجباً للمؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سَّراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضَّراء صبر فكان خيراً له» (١) ، وصدق النبي ﵊، إذن أكبر نعمة أنزلها الله على الخلق هي نعمة الدين الذي به قوام حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، والحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، والدليل قوله تعالى في سورة الفجر: ﴿يقول يا ليتني قدمت لحياتي﴾ [الفجر: ٢٤] . فالدنيا ليست بشيء. الحياة حقيقة حياة الآخرة، والذي يعمل للاخرة يحيا حياة طيبة في الدنيا، فالمؤمن العامل للصالحات هو الذي كسب الحياتين: حياة الدنيا، وحياة الآخرة. والكافر هو الذي خسر الدنيا والآخرة ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ [الزمر: ١٥] . ﴿مطاع ثمَّ﴾ أي هناك ﴿أمين﴾ على ما كُلف به. جبريل هو المطاع فمن الذي يطيعه؟ قال العلماء: تطيعه الملائكة لأنه ينزل بالأمر من الله فيأمر الملائكة فتطيع، فله إمرة وله طاعة على الملائكة.
ثم الرسل عليهم الصلاة والسلام الذين ينزل جبريل عليهم بالوحي لهم إمرة وطاعة على المكلفين ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ . [المائدة: ٩٢] .
في هذه الايات ﴿إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ أقسم الله على أن هذا القرآن قول هذا الرسول الكريم
стр. 73
الملكي جبريل ﵊، وفي آية أخرى بين الله وأقسم أن هذا القرآن قول رسول كريم بشري في قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر﴾ [الحاقة: ٣٨ ـ ٤١] . فالرسول هنا في سورة التكوير رسول ملكي أي من الملائكة وهو جبريل ﵊، والرسول هناك رسول بشري وهو محمد ﵊، والدليل على هذا واضح. هنا قال: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ وهذا الوصف لجبريل، لأنه هو الذي عند الله، أما محمد ﵊ فهو في الأرض. هناك قال: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر﴾ ردًّا لقول الكفار الذين قالوا إن محمداً شاعر ﴿ولا بقول كاهن﴾ فأيهما أعظم قسماً ﴿فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس. والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة﴾ أو ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم﴾ ، الثاني أعظم، ليس فيه شيء أعمّ منه ﴿بما تبصرون وما لا تبصرون﴾ كل الأشياء إما نبصرها أو لا نبصرها. إذن أقسم الله بكل شيء. وهنا أقسم بالايات العلوية ﴿فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس. والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس﴾ هذه آيات علوية أفقية تناسب الرسول الذي أُقسم على أنه قوله وهو جبريل؛ لأن جبريل عند الله.
فإذا قال قائل: كيف يصف الله القرآن بأنه قول الرسول البشري، والرسول الملكي؟
فنقول: نعم الرسول الملكي بلّغه إلى الرسول البشري، والرسول البشري بلغه إلى الأمة، فصار قول هذا بالنيابة، قول جبريل بالنيابة
стр. 74
وقول محمد بالنيابة، والقائل الأول هو الله ، فالقرآن قول الله حقيقة، وقول جبريل باعتبار أنه بلغه لمحمد، وقول محمد باعتبار أنه بلغه إلى الأمة.
﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ أي محمد رسول الله ﷺ وتأمل أنه قال: ﴿وما صاحبكم﴾ فأضافه إليهم ليكون أشد لوماً وتوبيخاً لهم حين ردوا دعوته كأنه قال: ما صاحبكم الذي تعرفونه وأنتم وإياه دائماً، بقي فيهم أربعين سنة في مكة قبل النبوة يعرفونه، ويعرفون صدقه وأمانته، حتى كانوا يطلقون عليه اسم الأمين ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ يعني ليس مجنوناً، بل هو أعقل العقلاء ﵊، أكمل الناس عقلاً بلا شك وأسدّهم رأياً. ﴿ولقد رآه﴾ أي رأى محمد جبريل ﴿بالأفق المبين﴾ الأفق جابن السماء والمبين أي البين الظاهر العالي، فإن الرسول ﵊ رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها مرتين: مرة في غار حراء (١) ، ومرة في السماء السابعة لما عُرج به ﵊ (٢) ، وهذه الرؤية هي التي في غار حراء، لأنه يقول ﴿رآه بالأفق﴾ إذن محمد في الأرض ﴿وما هو﴾ يعني ما محمد ﷺ ﴿على الغيب﴾ يعني على الوحي الذي جاءه من عند الله ﴿بضنين﴾ بالضاد أي ببخيل، فهو ﵊ ليس بمتهم في الوحي ولا باخل به، بل هو أشد الناس بذلاً لما أوحي إليه، يعلم الناس في كل مناسبة، وهو أبعد الناس عن التهمة لكمال صدقه ﵊، وفي قراءة ﴿بظنين﴾ بالظاء المشالة، أي: بمتهم، من الظن وهو التهمة.
﴿وما هو بقول شيطان رجيم﴾ أي ليس القرءان بقول أحد من الشياطين، وهم الكهنة
стр. 75
الذين توحي إليهم الشياطين الوحي ويكذبون معه ويخبرون الناس فيظنونهم صادقين. ﴿فأين تذهبون. إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ ﴿إن﴾ هنا بمعنى (ما) وهذه قاعدة: «أنه إذا جاءت (إلا) بعد (إن) فهي بمعنى (ما) » أي أنها تكون نافية لأن «إن» تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي مخففة من الثقيلة، والذي يبين هذه المعاني هو السياق فإذا جاءت (إن وبعدها إلا) فهي نافية، أي ما هو أي القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ونزل به جبريل على قلبه ﴿إلا ذكر للعالمين﴾ ، ذكر يشمل التذكير والتذكّر، فهو تذكير للعالمين، وتذكر لهم، أي أنهم يتذكرون به ويتعظون به (والمراد بالعالمين) من بُعث إليهم رسول الله ﵌ كما قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . وقال تعالى: ﴿تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً﴾ [الفرقان: ١] . فالمراد بالعالمين هنا من أرسل إليهم محمد ﵌ ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ ﴿لمن شاء﴾ هذه الجملة بدل مما قبلها لكنها بإعادة العامل وهو (إلا) كانه قال: «إن هو إلا ذكر لمن شاء منكم أن يستقيم» فخص بعد التعميم وأما من لا يشاء الاستقامة فإنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا ينتفع به كما قال تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ [ق: ٣٧] . فالإنسان الذي لا يريد الاستقامة لا يمكن أن ينتفع بهذا القرآن، ولكن إذا قال قائل: هل مشيئة الإنسان باختياره؟
نقول: نعم مشيئة الإنسان باختياره. فالله جعل للإنسان اختياراً وإرادة، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم تقم الحجة على الخلق الذين أرسلت إليهم الرسل بإرسال الرسل، فما نفعله هو باختيارنا وإرادتنا، ولولا ذلك ما كان لإرسال