صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح قد سدّ الأفق (١) كله من عظمته ﵊، وقوله: ﴿عند ذي العرش﴾ أي عند صاحب العرش وهو الله جل وعلا، والعرش فوق كل شيء، وفوق العرش رب العالمين . قال الله تعالى: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده﴾ [غافر: ١٥] . فذو العرش هو الله. وقوله: ﴿مكين﴾ أي ذو مكانة، أي أن جبريل عند الله ذو مكانة وشرف، ولهذا خصه الله بأكبر النعم التي أنعم بها على عباده، وهو الوحي فإن النعم لو نظرنا إليها لوجدنا أنها قسمان: نِعَم يستوي فيها البهائم والإنسان، وهي متعة البدن الأكل والشرب، والنكاح والسكن، هذه النعم يستوي فيها الإنسان والحيوان، فالإنسان يتمتع بما يأكل، وبما يشرب، وبما ينكح، وبما يسكن، والبهائم كذلك. ونِعمٌ أخرى يختص بها الإنسان، وهي الشرائع التي أنزلها الله على الرسل لتستقيم حياة الخلق، لأنه لا يمكن أن تستقيم حياة الخلق التي تكون بها سعادة الدنيا والآخرة إلا بالشرائع ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل: ٩٧] . فالمؤمن العامل بالصالحات هو الذي له الحياة الطيبة في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة.
ووالله لو فتشت الملوك وأبناء الملوك، والوزراء وأبناء الوزراء، والأمراء وأبناء الأمراء، والأغنياء وأبناء الأغنياء، لو فتشتهم وفتشت من آمن وعمل صالحاً لوجدت الثاني أطيب عيشة، وأنعم بالاً، وأشرح صدراً، لأن الله الذي بيده مقاليد السموات والأرض تكفل. قال: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ فتجد المؤمن العامل للصالحات
стр. 72
مسرور القلب، منشرح الصدر، راضياً بقضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر الله على ذلك، وإن أصابه ضده صبر على ذلك واعتذر إلى الله مما صنع، وعلم أنه إنما أصابه بذنوبه فرجع إلى الله ، قال النبي ﵊: «عجباً للمؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سَّراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضَّراء صبر فكان خيراً له» (١) ، وصدق النبي ﵊، إذن أكبر نعمة أنزلها الله على الخلق هي نعمة الدين الذي به قوام حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، والحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، والدليل قوله تعالى في سورة الفجر: ﴿يقول يا ليتني قدمت لحياتي﴾ [الفجر: ٢٤] . فالدنيا ليست بشيء. الحياة حقيقة حياة الآخرة، والذي يعمل للاخرة يحيا حياة طيبة في الدنيا، فالمؤمن العامل للصالحات هو الذي كسب الحياتين: حياة الدنيا، وحياة الآخرة. والكافر هو الذي خسر الدنيا والآخرة ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ [الزمر: ١٥] . ﴿مطاع ثمَّ﴾ أي هناك ﴿أمين﴾ على ما كُلف به. جبريل هو المطاع فمن الذي يطيعه؟ قال العلماء: تطيعه الملائكة لأنه ينزل بالأمر من الله فيأمر الملائكة فتطيع، فله إمرة وله طاعة على الملائكة.
ثم الرسل عليهم الصلاة والسلام الذين ينزل جبريل عليهم بالوحي لهم إمرة وطاعة على المكلفين ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ . [المائدة: ٩٢] .
في هذه الايات ﴿إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ أقسم الله على أن هذا القرآن قول هذا الرسول الكريم
стр. 73
الملكي جبريل ﵊، وفي آية أخرى بين الله وأقسم أن هذا القرآن قول رسول كريم بشري في قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر﴾ [الحاقة: ٣٨ ـ ٤١] . فالرسول هنا في سورة التكوير رسول ملكي أي من الملائكة وهو جبريل ﵊، والرسول هناك رسول بشري وهو محمد ﵊، والدليل على هذا واضح. هنا قال: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ وهذا الوصف لجبريل، لأنه هو الذي عند الله، أما محمد ﵊ فهو في الأرض. هناك قال: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر﴾ ردًّا لقول الكفار الذين قالوا إن محمداً شاعر ﴿ولا بقول كاهن﴾ فأيهما أعظم قسماً ﴿فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس. والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة﴾ أو ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم﴾ ، الثاني أعظم، ليس فيه شيء أعمّ منه ﴿بما تبصرون وما لا تبصرون﴾ كل الأشياء إما نبصرها أو لا نبصرها. إذن أقسم الله بكل شيء. وهنا أقسم بالايات العلوية ﴿فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس. والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس﴾ هذه آيات علوية أفقية تناسب الرسول الذي أُقسم على أنه قوله وهو جبريل؛ لأن جبريل عند الله.
فإذا قال قائل: كيف يصف الله القرآن بأنه قول الرسول البشري، والرسول الملكي؟
فنقول: نعم الرسول الملكي بلّغه إلى الرسول البشري، والرسول البشري بلغه إلى الأمة، فصار قول هذا بالنيابة، قول جبريل بالنيابة
стр. 74
وقول محمد بالنيابة، والقائل الأول هو الله ، فالقرآن قول الله حقيقة، وقول جبريل باعتبار أنه بلغه لمحمد، وقول محمد باعتبار أنه بلغه إلى الأمة.
﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ أي محمد رسول الله ﷺ وتأمل أنه قال: ﴿وما صاحبكم﴾ فأضافه إليهم ليكون أشد لوماً وتوبيخاً لهم حين ردوا دعوته كأنه قال: ما صاحبكم الذي تعرفونه وأنتم وإياه دائماً، بقي فيهم أربعين سنة في مكة قبل النبوة يعرفونه، ويعرفون صدقه وأمانته، حتى كانوا يطلقون عليه اسم الأمين ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ يعني ليس مجنوناً، بل هو أعقل العقلاء ﵊، أكمل الناس عقلاً بلا شك وأسدّهم رأياً. ﴿ولقد رآه﴾ أي رأى محمد جبريل ﴿بالأفق المبين﴾ الأفق جابن السماء والمبين أي البين الظاهر العالي، فإن الرسول ﵊ رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها مرتين: مرة في غار حراء (١) ، ومرة في السماء السابعة لما عُرج به ﵊ (٢) ، وهذه الرؤية هي التي في غار حراء، لأنه يقول ﴿رآه بالأفق﴾ إذن محمد في الأرض ﴿وما هو﴾ يعني ما محمد ﷺ ﴿على الغيب﴾ يعني على الوحي الذي جاءه من عند الله ﴿بضنين﴾ بالضاد أي ببخيل، فهو ﵊ ليس بمتهم في الوحي ولا باخل به، بل هو أشد الناس بذلاً لما أوحي إليه، يعلم الناس في كل مناسبة، وهو أبعد الناس عن التهمة لكمال صدقه ﵊، وفي قراءة ﴿بظنين﴾ بالظاء المشالة، أي: بمتهم، من الظن وهو التهمة.
﴿وما هو بقول شيطان رجيم﴾ أي ليس القرءان بقول أحد من الشياطين، وهم الكهنة
стр. 75
الذين توحي إليهم الشياطين الوحي ويكذبون معه ويخبرون الناس فيظنونهم صادقين. ﴿فأين تذهبون. إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ ﴿إن﴾ هنا بمعنى (ما) وهذه قاعدة: «أنه إذا جاءت (إلا) بعد (إن) فهي بمعنى (ما) » أي أنها تكون نافية لأن «إن» تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي مخففة من الثقيلة، والذي يبين هذه المعاني هو السياق فإذا جاءت (إن وبعدها إلا) فهي نافية، أي ما هو أي القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ونزل به جبريل على قلبه ﴿إلا ذكر للعالمين﴾ ، ذكر يشمل التذكير والتذكّر، فهو تذكير للعالمين، وتذكر لهم، أي أنهم يتذكرون به ويتعظون به (والمراد بالعالمين) من بُعث إليهم رسول الله ﵌ كما قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . وقال تعالى: ﴿تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً﴾ [الفرقان: ١] . فالمراد بالعالمين هنا من أرسل إليهم محمد ﵌ ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ ﴿لمن شاء﴾ هذه الجملة بدل مما قبلها لكنها بإعادة العامل وهو (إلا) كانه قال: «إن هو إلا ذكر لمن شاء منكم أن يستقيم» فخص بعد التعميم وأما من لا يشاء الاستقامة فإنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا ينتفع به كما قال تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ [ق: ٣٧] . فالإنسان الذي لا يريد الاستقامة لا يمكن أن ينتفع بهذا القرآن، ولكن إذا قال قائل: هل مشيئة الإنسان باختياره؟
نقول: نعم مشيئة الإنسان باختياره. فالله جعل للإنسان اختياراً وإرادة، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم تقم الحجة على الخلق الذين أرسلت إليهم الرسل بإرسال الرسل، فما نفعله هو باختيارنا وإرادتنا، ولولا ذلك ما كان لإرسال
стр. 76
الرسل حجة علينا، فالإنسان لا شك فاعل باختياره، وكل إنسان يعرف أنه إذا أراد أن يذهب إلى مكة فهو باختياره، وإذا أراد أن يذهب إلى المدينة فهو باختياره، وإذا أراد أن يذهب إلى بيت المقدس فهو باختياره وإذا أراد أن يذهب إلى الرياض فهو باختياره، أو إلى أي شيء أراده فهو باختياره لا يرى أن أحداً أجبره عليه، ولا يشعر أن أحداً أجبره على ذلك، كذلك أيضاً من أراد أن يقوم بطاعة الله فهو باختياره ومن أراد أن يعصي الله فهو باختياره، فللإنسان مشيئة ولكن نعلم علم اليقين أنه ما شاء شيئاً إلا وقد شاءه الله من قبل، ولهذا قال: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ ما نشاء شيئاً إلا بعد أن يكون الله قد شاءه، فإذا شئنا الشيء علمنا أن الله قد شاءه، ولولا أن الله شاءه ما شئناه. كما قال تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] . فنحن إذا عملنا الشيء نعمله بمشيئتنا واختيارنا، ولكن نعلم أن هذه المشيئة والاختيار كانت بعد مشيئة الله ، ولو شاء الله ما فعلنا.
فإن قال قائل: إذن لنا حجة في المعصية لأننا ما شئناها إلا بعد أن شاءها الله.
فالجواب: أنه لا حجة لنا لأننا لم نعلم أن الله شاءها إلا بعد أن فعلناها، وفعلنا إياها باختيارنا، ولهذا لا يمكن أن نقول إن الله شاء كذا إلا بعد أن يقع، فإذا وقع فبأي شيء وقع؟ وقع بإرادتنا ومشيئتنا، لهذا لا يتجه أن يكون للعاصي حجة على الله وقد أبطل الله هذه الحجة في قوله: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا
стр. 77
بأسنا﴾ . [الأنعام: ١٤٨] . فلولا أنه لا حجة لهم ما ذاقوا بأس الله، ولسَلِموا من بأس الله، ولكنه لا حجة لهم فلهذا ذاقوا بأس الله، وكلنا نعلم أن الإنسان لو ذُكر له أن بلداً آمناً مطمئناً، يأتيه رزقه رغداً من كل مكان، فيه من المتاجر والمكاسب ما لا يوجد في البلاد الأخرى، وأن بلداً آخر بلدٌ خائف غير مستقر، مضطرب في الاقتصاد، مضطرب في الخوف والأمن، فإلى أيهما يذهب؟ بالتأكيد سيذهب إلى الأول ولا شك، ولا يرى أن أحداً أجبره أن يذهب إلى الأول، يرى أنه ذهب إلى الأول بمحض إرادته، وهكذا الآن طريق الخير وطريق الشر، فالله بيّن لنا: هذه طريق جهنم وهذه طريق الجنة، وبيّن لنا ما في الجنة من النعيم، وما في النار من العذاب. فأيهما نسلك؟ بالقياس الواضح الجلي أننا سنسلك طريق الجنة لا شك، كما أننا في المثال الذي قبل نسلك طريق البلد الآمن الذي يأتيه رزقه رغداً من كل مكان.
ولو أننا سلكنا طريق النار فإنه سيكون علينا العتب والتوبيخ واللوم، ويُنادى علينا بالسفه، كما لو سلكنا في المثال الأول طريق البلد المخوف المتزعزع الذي ليس فيه استقرار، فإن كل أحد يلومنا ويوبخنا، إذاً ففي قوله: ﴿لمن شاء أن يستقيم﴾ تقرير لكون الإنسان يفعل الشيء بمشيئته واختياره، ولكن بعد أن يفعل الشيء ويشاء الشيء نعلم أن الله قد شاءه من قبل ولو شاء الله ما فعله، وكثيراً ما يعزم الإنسان على شيء ويتجه بعد العزيمة إلى هذا الشيء وفي لحظة يجد نفسه منصرفاً عنه، أو يجد نفسه مصروفاً عنه؛ لأن الله لم يشأه، كثيراً ما نريد أن نذهب مثلاً إلى المسجد لنستمع إلى محاضرة، وإذا بنا ننصرف بسبب أو بغير سبب، أحياناً بسبب بحيث نتذكر أن لنا شغلاً فنرجع، وأحياناً نرجع بدون سبب لا ندري إلا وقد صرف الله تعالى همتنا عن ذلك فرجعنا. ولهذا
стр. 78
قيل لأعرابي بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم. (بنقض العزائم) يعني الإنسان يعزم على الشيء عزماً مؤكداً وإذا به ينتقض!! من نقض عزيمته، لا يشعر، أن هناك مرجحاً أوجب أن يعدل عن العزيمة الأولى بل بمحض إرادة الله (صرف الهمم) يهم الإنسان بالشيء ويتجه إليه تماماً وإذا به يجد نفسه منصرفاً عنه سواء كان الصارف مانعاً حسيًّا أو كان الصارف مجرد اختيار.. اختار الإنسان أن ينصرف، كل هذا من الله (١) .
فالحاصل أن الله يقول: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ والاستقامة هي الاعتدال، ولا عدل أقوم من عدل الله في شريعته، في الشرائع السابقة كانت الشرائع تناسب حال الأمم زماناً ومكاناً وحالاً، وبعد بعثة الرسول ﵊، كانت شريعته تناسب الأمة التي بُعث النبي ﷺ إليها من أول بعثته إلى نهاية الدنيا. ولهذا كان من العبارات المعروفة «أن الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان وحال» . لو تمسك الناس به لأصلح الله الخلق. انظر مثلاً الإنسان يصلي أولاً قائماً، فإن عجز فقاعداً، فإن عجز فعلى جنب، إذن الشريعة تتطور بحسب حال الشخص؛ لأن الدين صالح لكل زمان ومكان وحال. يجب على المحدث أن يتطهر بالماء، فإن تعذر استعمال الماء لعجز أو عدم. عدل إلى التيمم، فإن لم يوجد ولا تراب، أو كان عاجزاً عن استعمال التراب فإنه يصلي بلا شيء، لا بطهارة ماء ولا بطهارة تيمم، كل هذا لأن شريعة الله كلها مبنية على العدل، ليس فيها جور، وليس فيها ظلم، وليس فيها حرج، ليس فيها مشقة، ولهذا قال: ﴿أن يستقيم﴾ وضد
стр. 79
الاستقامة انحرافان: انحراف إلى جانب الإفراط والغلو، وانحراف إلى جانب التفريط والتقصير، ولهذا كان الناس في دين الله ثلاثة أشكال: طرفان ووسط، طرف غالٍ مبالغ متنطع متعنت، وطرف آخر مفرّط مقصّر مهمل. الثالث: وسط بين الإفراط والتفريط، مستقيم على دين الله هذا هو الذي يُحمَد. أما الأول الغالي، والثاني الجافي فكلاهما هالك..
هالك بحسب ما عنده من الغلو، أو من التقصير، وقد نهى النبي ﵊ عن الغلو والإفراط والتعنت والتنطع حتى إنه قال: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون» ، لأن التنطع فيه إشقاق على النفس وفيه خروج عن دين الله ، كما أنه ذمّ المفرطين المهملين وقال في وصف المنافقين: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ [النساء: ١٤٢] . فدين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، ولهذا قال هنا: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ لا يميل يميناً ولا شمالاً، يكون سيره سير استقامة على دين الله والاستقامة كما تكون في معاملة الخالق وهي العبادة تكون أيضاً في معاملة المخلوق، فكن مع الناس بين طرفين، بين طرفي الشدة والغلظة والعبوس، وطرف التراخي والتهاون وبذل النفس وانحطاط الرتبة، كن حازماً من وجه، ولينا من وجه، ولهذا قال الفقهاء ﵏ في القاضي: «ينبغي أن يكون ليناً من غير ضعف، قويًّا من غير عنف» . فلا يكون لينه يشطح به إلى الضعف، ولا قوته إلى العنف، يكون بين ذلك، ليناً من غير ضعف، قويًّا من غير عنف حتى تستقيم الأمور، فبعض الناس مثلاً يعامل الناس دائماً بالعبوس والشدة وإشعار نفسه بأنه فوق الناس وأن الناس تحته، وهذا خطأ،
стр. 80
ومن الناس من يحط قدر نفسه ويتواضع إلى حد التهاون وعدم المبالاة بحيث يبقى بين الناس ولا حرمة له، وهذا أيضاً خطأ، فالواجب أن يكون الإنسان بين هذا وبين هذا كما هو هدي النبي ﵌، فإنه ﵊ يشتدّ في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين.
فيجمع الإنسان هنا بين الحزم والعزم، واللين والعطف والرحمة ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ يعني لا يمكن أن تشاؤا شيئاً إلا وقد شاءه الله من قبل، فمشيئة الإنسان ما كانت إلا بعد مشيئة الله عز جل، لو شاء الله لم يشأ، ولو شاء الله أن لا يكون الشيء ما كان ولو شئته. حتى لو شئت والله تعالى لم يشأ فإنه لن يكون، بل يقيض الله تعالى أسباباً تحول بينك وبينه حتى لا يقع، وهذه مسألة يجب على الإنسان أن ينتبه لها، أن يعلم أن فعله بمشيئته مشيئة تامة بلا إكراه، لكن هذه المشيئة مقترنة بمشيئة الله. يعلم أنه ما شاء الشيء إلا بعد أن شاء الله، وأن الله لو شاء ألا يكون لم يشأه الإنسان، أو شاءه الإنسان ولكن يحول الله بينه وبينه بأسباب وموانع، ﴿رب العالمين﴾ قال: ﴿رب العالمين﴾ إشارة إلى عموم ربوبية الله، وأن ربوبية الله تعالى عامة ولكن يجب أن نعلم أن العالمين هنا ليست كالعالمين في قوله ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ فالعالمين الأولى ﴿ذكر للعالمين﴾ من أُرسل إليهم الرسول، أما هنا ﴿رب العالمين﴾ فالمراد بالعالمين كل من سوى الله، فكل من سوى الله فهو عالم؛ لأنه ما ثمّ إلا رب ومربوب، فإذا قيل رب العالمين تعيّن أن يكون المراد بالعالمين كل من سوى الله، كما قال الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: «وكل ما سوى الله فهو عالم، وأنا واحد من ذلك العالم» (١) .
стр. 81
والحاصل أن هذه السورة سورة عظيمة، فيها تذكرة وموعظة ينبغي للمؤمن أن يقرأها بتدبر وتمهل، وأن يتعظ بما فيها، كما أن الواجب عليه في جميع سور القرآن وآياته أن يكون كذلك حتى يكون ممن اتعظ بكتاب الله وانتفع به، نسأل الله تعالى أن يعظنا وإياكم بكتابه وسنة رسوله ﵌ وآياته الكونية إنه على كل شيء قدير.
стр. 82
تفسير سورة الانفطار
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يأَيُّهَا الإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِى أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ * كَلَاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ * كِرَاماً كَتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ .
البسملة سبق الكلام عليها.
﴿إذا السماء انفطرت﴾ يعني انشقت كما قال الله ﵎: ﴿إذا السماء انشقت. وأذنت لربهاوحقت﴾ [الانشقاق: ١، ٢] . ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ يعني النجوم صغيرها وكبيرها تنتثر وتتفرق وتتساقط لأن العالم انتهى، ﴿وإذا البحار فجِّرت﴾ أي فُجر بعضها على بعض وملئت الأرض ﴿وإذا القبور بعثرت﴾ أي أخرج ما فيها من الأموات حتى قاموا لله ، فهذه الأمور الأربعة إذا حصلت ﴿علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾ ﴿نفس﴾ هنا نكرة لكنها بمعنى العموم إذ أن المعنى: علمت كل نفس ما قدمت وأخرت، وذلك بما يُعرض عليها من الكتاب، فكل إنسان ألزمه الله طائره في عنقه ويخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً. وفي ذلك اليوم يقول المجرمون: مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فيعلم الإنسان ما قدم وأخر، بينما هو
стр. 83
في الدنيا قد نسي، لكن يوم القيامة يعرض العمل فتعلم كل نفس ما قدمت وأخرت، والغرض من هذا التحذير تحذير العبد من أن يعمل مخالفة لله ورسوله؛ لأنه سوف يعلم بذلك ويحاسب عليه، ﴿يا أيها الإنسان﴾ المراد بالإنسان هنا قيل: هو الكافر، وقيل: الإنسان من حيث هو إنسان؛ لأن الإنسان من حيث هو إنسان ظلوم جهول، ظلوم كفار ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
فيقول الله : ﴿يا أيها الإنسان﴾ ويخاطب الإنسان من حيث هو إنسان بقطع النظر عن ديانته ﴿ما غرك بربك الكريم﴾ يعني أي شيء غرك بالله حيث تكذبه في البعث، تعصيه في الأمر والنهي، بل ربما يوجد من ينكر الله فما الذي غرك؟! قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿ما غرك بربك الكريم﴾ إشارة إلى الجواب، وهو أن الذي غر الإنسان كرم الله وإمهاله وحلمه، لكنه لا يجوز أن يغتر الإنسان بذلك فإن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، إذاً ما غرك بربك الكريم؟ الجواب: كرمه وحلمه هذا هو الذي غر الإنسان وصار يتمادى في المعصية في التكذيب، يتمادى في المخالفة ﴿الذي خلقك﴾ خلقك من العدم، وأوجدك من العدم، ﴿فسواك﴾ أي جعلك مستوي الخلقة ليست يد أطول من يد، ولا رجل أطول من رجل، ولا أصبع أطول من أصبع، بحسب اليدين والرجلين، فتجد الطويل في يد هو الطويل في اليد الأخرى، والقصير هو القصير، وهلم جرى، سوّى الله الإنسان من كل ناحية من ناحية الخلقة ﴿فعدَلك﴾ وفي قراءة سبعية ﴿فعدَّلك﴾ أي جعلك معتدل القامة، مستوي الخلقة لست كالبهائم التي لم تكن معدّلة بل تسير على يديها ورجليها، أما الإنسان فإنه خصّه الله بهذه الخصيصة ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾ يعني الله ركبك في أي
стр. 84
صورة شاء، من الناس من هو جميل، ومنهم من هو قبيح، ومنهم المتوسط، ومنهم الأبيض، ومنهم الأحمر، ومنهم الأسود، ومنهم ما بين ذلك، أي صورة يركبك الله على حسب مشيئته، ولكنه شاء للإنسان أن تكون صورته أحسن الصور ثم قال: ﴿كلا بل تكذبون بالدين﴾ ﴿كلا﴾ للاضراب يعني مع هذا الخلق والإمداد والإعداد تكذبون بالدين أي بالجزاء، وتقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، فتكذبون بالدين أي بالجزاء، وربما نقول: وتكذبون أيضاً بالدين نفسه،
فلا تقرّون بالدين الذي جاءت به الرسل والآية شاملة لهذا وهذا؛ لأن القاعدة في علم التفسير وعلم شرح الحديث: «أنه إذا كان النص يحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر فإنه يُحمل عليهما» . ﴿وإن عليكم لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون﴾ تأكيد بمؤكدين «إن» و «اللام» ﴿وإن عليكم لحافظين﴾ الإنسان عليه حافظ يحفظه ويكتب كل ما عمل، قال الله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] . فعلى كل إنسان حفظة يكتبون كل ما قال وكل ما فعل، وهؤلاء الحفظة كرام ليسوا لئاماً، بل عندهم من الكرم ما ينافي أن يظلموا أحداً، فيكتبوا عليه ما لم يعمل، أو يهدروا ما عمل؛ لأنهم موصوفون بالكرم ﴿يعلمون ما تفعلون﴾ إما بالمشاهدة إن كان فعلاً، وإما بالسماع إن كان قولاً، بل إن عمل القلب يطلعهم الله عليه فيكتبونه كما قال النبي ﵊: «من هم بالحسنة فلم يعملها كتبت حسنة، ومن همّ بالسيئة ولم يعملها كتبت حسنة كاملة» (١) ، لأنه تركها لله والأول يثاب على مجرد الهم بالحسنة.
стр. 85
﴿إِنَّ الَاْبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالَاْمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ .
﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ هذا بيان للنهاية والجزاء ﴿إن الأبرار﴾ جمع بر وهم كثيروا فعل الخير، المتباعدون عن الشر ﴿لفي نعيم﴾ أي نعيم في القلب، ونعيم في البدن ولهذا لا تجد أحداً أطيب قلباً، ولا أنعم بالاً من الأبرار أهل البر، حتى قال بعض السلف: «لو يعلم الملوك، وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف» ، وهذا النعيم الحاصل يكون في الدنيا وفي الآخرة، أما في الآخرة فالجنة، وأما في الدنيا فنعيم القلب وطمأنينته ورضاه بقضاء الله وقدره، فإن هذا هو النعيم الحقيقي، ليس النعيم في الدنيا أن تترف بدنيًّا، النعيم نعيم القلب ﴿وإن الفجار﴾ الفجار هم الكفار ضد الأبرار ﴿لفي جحيم﴾ أي في نار حامية ﴿يصلونها﴾ يعني يحترقون بها ﴿يوم الدين﴾ أي يوم الجزاء وذلك يوم القيامة ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ أي لن يغيبوا عنها فيخرجوا منها كما قال الله ﵎: ﴿وما هم بخارجين منها﴾ [المائدة: ٣٧] . لأنهم مخلدون بها أبداً ـ والعياذ بالله ـ ﴿وما أدراك ما يوم الدين.
ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ هذا الاستهفام للتفخيم والتعظيم يعني أي شيء أعلمك بيوم الدين؟ والمعنى أعلم هذا اليوم، وأقدره قدره ﴿يوم لا تملك نفس لنفسٍ شيئاً﴾ في يوم القيامة لا أحد يملك لأحد شيئاً لا بجلب خير ولا بدفع ضرر إلا بإذن الله لقوله: ﴿والأمر يومئذ لله﴾ في الدنيا هناك أناس يأمرون من الأمراء، والوزراء، والرؤساء، والآباء، والأمهات، لكن في الآخرة الأمر لله عز
стр. 86
وجل، ولا تملك نفس لنفس شيئاً إلا بإذن الله، ولهذا كان الناس في ذلك اليوم يلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، ثم يطلبون الشفاعة من آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم الصلاة والسلام حتى تنتهي إلى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيشفع بإذن الله فيريح الله العالم من الموقف، ﴿والأمر يومئذ لله﴾ (١) .
فإن قال قائل: أليس الأمر لله في ذلك اليوم وفي غيره؟
قلنا: بلى الأمر لله تعالى في يوم الدين وفيما قبله، لكن ظهور أمره في ذلك اليوم أكثر بكثير من ظهور أمره في الدنيا؛ لأن في الدنيا يخالف الإنسان أوامر الله ويطيع أمر سيده، فلا يكون الأمر لله بالنسبة لهذا، لكن في الآخرة ليس فيه إلا أمر لله . وهذا كقوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] . والملك لله في الدنيا وفي الآخرة، لكن في ذلك اليوم يظهر ملكوت الله وأمره، ويتبين أنه ليس هناك آمر في ذلك اليوم إلا الله ، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 87
تفسير سورة المطففين
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿ويل﴾ كلمة ويل تكررت في القرآن كثيراً، وهي على الأصح كلمة وعيد يتوعد الله بها من خالف أمره، أو ارتكب نهيه على الوجه المفيد في الجملة التي بعدها فهنا يقول ﴿ويل للمطففين﴾ فمن هؤلاء المطففون؟ هؤلاء المطففون فسرتهم الايات التي بعدها فقال: ﴿الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ .
﴿إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ يعني اشتروا منهم ما يكال استوفوا منهم الحق كاملاً بدون نقص ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم﴾ يعني إذا كالوا لهم أي هم الذين باعوا الطعام كيلاً، فإنهم إذا كالوا للناس أو باعوا عليهم شيئاً وزناً إذا وزنوا نقصوا ﴿يخسرون﴾ فهؤلاء يستوفون حقهم كاملاً، وينقصون حق غيرهم، فجمعوا بين الأمرين، بين الشح والبخل، الشح: في طلب حقهم كاملاً بدون مراعاة أو مسامحة، والبخل: بمنع ما يجب عليهم من إتمام الكيل والوزن، وهذا المثال الذي ذكره الله في الكيل والوزن هو مثال، فيقاس عليه كل ما شبهه، فكل من طلب حقه كاملاً ممن هو عليه
стр. 88
ومنع الحق الذي عليه فإنه داخل في الآية الكريمة، فمثلاً الزوج يريد من زوجته أن تعطيه حقه كاملاً ولا يتهاون في شيء من حقه، لكنه عند أداء حقها يتهاون ولا يعطيها الذي لها، وما أكثر ما تشكي النساء من هذا الطراز من الأزواج ـ والعياذ بالله ـ حيث إن كثيراً من النساء يريد منها الزوج أن تقوم بحقه كاملاً، لكنه هو لا يعطيها حقها كاملاً، ربما ينقص أكثر حقها من النفقة والعشرة بالمعروف وغير ذلك، إن ظلم الناس أشد من ظلم الإنسان نفسه في حق الله؛ لأن ظلم الإنسان نفسه في حق الله تحت المشيئة إذا كان دون الشرك، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عاقبه عليه، لكن حق الادميين لابد أن يوفى، ولهذا قال النبي ﵊: «من تعدون المفلس فيكم؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم عنده ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ـ كثيرة ـ فيأتي وقد ظلم هذا، وشتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (١) ،
فنصيحتي لهؤلاء الذين يفرطون في حق أزواجهم أن يتقوا الله فإن النبي ﷺ أوصى بذلك في أكبر مجمع شهده العالم الإسلامي في حياة الرسول ﵊ في يوم عرفة في حجة الوداع، قال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (٢) ، فأمرنا أن نتقي الله تعالى في النساء وقال: «اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم» (٣) أي بمنزلة الأسرى لأن
стр. 89
الأسير إن شاء فكه الذي أسره وإن شاء أبقاه، والمرأة عند زوجها كذلك إن شاء طلقها وإن شاء أبقاها، فهي بمنزلة الأسير عنده فليتق الله فيها، كذلك أيضاً نجد بعض الناس يريد من أولاده أن يقوموا بحقه على التمام لكنه مفرط في حقهم، فيريد من أولاده أن يبروه ويقوموا بحقه، أن يبروه في المال، وفي البدن، وفي كل شيء يكون به البر، لكنه هو مضيع لهؤلاء الأولاد، غير قائم بما يجب عليه نحوهم، نقول هذا مطفف، كما نقول في المسألة الأولى في مسألة الزوج مع زوجته إنه إذا أراد منها أن تقوم بحقه كاملاً وهو يبخس حقها نقول إنه «مطفف» هذا الأب الذي أراد من أولاده أن يبروه تمام البر وهو مقصر في حقهم نقول إنك «مطفف» ونقول له تذكر قول الله تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ ثم قال تعالى: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون﴾ يعني ألا يتيقن هؤلاء ويعلموا علم اليقين؛ لأن الظن هنا بمعنى اليقين، والظن بمعنى اليقين يأتي كثيراً في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون﴾ [البقرة:: ٤٦] .
فقال: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ وهم يتيقنون أنهم ملاقوا الله، لكن الظن يستعمل بمعنى اليقين كثيراً في اللغة العربية، وهنا يقول : ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون﴾ ألا يتيقن هؤلاء أنهم مبعوثون أي مخرجون من قبورهم لله رب العالمين ﴿ليوم عظيم﴾ هذا اليوم عظيم ولا شك أنه عظيم كما قال تعالى: ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ [الحج: ١] . عظيم في طوله، في أهواله، فيما يحدث فيه، في كل معنى تحمله كلمة عظيم، لكن هذا العظيم هو على قوم عسير، وعلى قوم يسير، قال تعالى: ﴿على الكافرين غير يسير﴾ [المدثر: ١٠] . وقال تعالى: ﴿يقول الكافرون هذا يوم عسر﴾ [القمر: ٨] .
стр. 90
لكنه بالنسبة للمؤمنين ـ جعلنا الله منهم ـ يسير كأنما يؤدي به صلاة فريضة من سهولته عليه ويسره عليه، لاسيما إذا كان ممن استحق هذه الوقاية العظيمة، وكان من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فهذا اليوم عظيم لكنه بالنسبة للناس يكون يسيراً ويكون عسيراً ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ قال الله تعالى:) وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً) (الفرقان: من الآية٢٦) يعني هذا اليوم العظيم هو ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ يقومون من قبورهم حفاة ليس لهم نعال ولا خفاف، عراة ليس عليهم ثياب لا قُمص ولا سراويل ولا أزر ولا أردية، غرلاً أي غير مختونين بمعنى أن القلفة التي تقطع في الختان تعود يوم القيامة مع صاحبها كما قال الله تعالى: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
ويعيده الله لبيان كمال قدرته تعالى، وأنه يعيد الخلق كما بدأهم، والقلفة إنما قطعت في الدنيا من أجل النزاهة عن الأقذار؛ لأنها إن بقيت فإنه ينحبس فيها شيء من البول وتكون عرضة للتلويث، لكن هذا في الآخرة لا حاجة إليه؛ لأن الآخرة ليست دار تكليف بل هي دار جزاء إلا أن الله قد يكلف فيها امتحاناً كما قال تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويُدعون إلى السجود فلا يستطيعون. خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون﴾ [القلم: ٤٢-٤٣] . فالناس يقومون على هذا الوصف حفاة، عراة، غرلا ً (١) ، وفي بعض الأحاديث بُهماً (٢) قال العلماء: البهم يعني الذين لا مال معهم، ففي يوم القيامة لا مال يفدي به الإنسان نفسه من العذاب في يوم القيامة، ليس هناك ابن يجزي عن أبيه شيئاً، ولا أب يجزي عن ابنه شيئاً، ولا صاحبة ولا قبيلة كلٌّ يقول
стр. 91
نفسي نفسي. ﴿لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ [عبس: ٣٧] . نسأل الله تعالى أن يعيننا على أهواله وأن ييسره علينا.
قال تعالى: ﴿لرب العالمين﴾ وهو الله جل وعلا، وفي هذا اليوم تتلاشى جميع الأملاك إلا ملك رب العالمين جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيئاً. لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب﴾ [غافر: ١٦ ـ ١٧] .
﴿كَلَاّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَبٌ مَّرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِءَايَتُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الَاْوَّلِينَ * كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * كَلَاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ .
﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ ﴿كلا﴾ إذا وردت في القرآن لها معانٍ حسب السياق، قد تكون حرف ردع وزجر، وقد تكون بمعنى حقًّا، وقد يكون لها معانٍ أخرى يعينها السياق؛ لأن الكلمات في اللغة العربية ليس لها معنى ذاتي لا تتجاوزه، بل كثير من الكلمات العربية لها معانٍ تختلف بحسب سياق الكلام، في هذه الآية يقول الله : ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ فتحتمل أن تكون بمعنى حقًّا إن كتاب الفجار لفي سجين، أو تكون بمعنى: الردع عن التكذيب بيوم الدين، وعلى كل حال فبين الله تعالى في هذه الآية
стр. 92
الكريمة أن كتاب الفجار في سجين، والسجين قال العلماء: إنه مأخوذ من السجن وهو الضيق، أي في مكان ضيق، وهذا المكان الضيق هو نار جهنم ـ والعياذ بالله ـ كما قال الله ﵎: ﴿وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً. لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً﴾ [الفرقان ١٣، ١٤] . وجاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في قصة المحتضر وما يكون بعد الموت أن الله يقول: «اكتبوا كتاب عبدي يعني ـ الكافر ـ في السجين في الأرض السابعة السفلى» (١)
فسجين هو أسفل ما يكون من الأرض الذي هو مقر النار نعوذ بالله منها فهذا الكتاب في سجين ثم عظم الله هذا السجين بقوله: ﴿وما أدراك ما سجين﴾ فالاستفهام هنا للتعظيم أي ما الذي أعلمك بسجين؟ وهل بحثت عنه؟ وهل سألت عنه حتى يبين لك، والتعظيم قد يكون لعظمة الشيء رفعة، وعلواً كما قال تعالى:) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) (المطففين: ١٨) وقد يكون لعظمة الشيء نزولاً، وهذا التعظيم في سجين ليس لرفعته وعلوه ولكنه لسفوله ونزوله، ثم قال تعالى: ﴿كتاب مرقوم﴾ كتاب هذه لا تعود على سجين وإنما تعود على كتاب في قوله: ﴿كلا إن كتاب الفجار﴾ فما هذا الكتاب فقال: ﴿كتاب مرقوم﴾ يعني مكتوب لا يزاد فيه ولا ينقص ولا يبدل ولا يغيّر، بل هذا مآلهم ومقرهم ـ والعياذ بالله ـ أبد الابدين ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ويل سبق الكلام عليها في أول هذه السورة ﴿الذين يكذبون بيوم الدين﴾ أي يكذبون بيوم الجزاء، وهو يوم القيامة؛ هؤلاء الذين يكذبون بيوم الدين توعدهم الله بالويل؛ لأن هؤلاء المكذبين بيوم الدين لا يمكن أن يستقيموا على شريعة الله. لا يستقيم على شريعة الله إلا من آمن بيوم الدين؛ لأن من لم
стр. 93
يؤمن به وإنما آمن بالحياة فقط، فهو لا يهتم بما ورائها، ولا يعمل لذلك، وإنما يبقى كالأنعام يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم. والله يقرن الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر دائماً؛ لأن الإيمان بالله ابتداء والإيمان باليوم الآخر انتهاء.
فتؤمن بالله ثم تعمل لليوم الآخر الذي هو المقر، فهؤلاء ـ والعياذ بالله ـ كذبوا بيوم الدين، ومن كذب به لا يمكن أن يعمل له أبداً؛ لأن العمل مبني على عقيدة، فإذا لم يكن هناك عقيدة فلا عمل، ولهذا قال: ﴿وما يكذب به إلا كل معتدٍ أثيم﴾ أي ما يكذب بيوم الدين وينكره ﴿إلا كل معتد أثيم﴾ : ﴿معتد﴾ في أفعاله ﴿أثيم﴾ في أقواله، وقيل: ﴿معتد﴾ في أفعاله ﴿أثيم﴾ في كسبه أي أن مآله إلى الإثم، والمعنيان متقاربان فلا يمكن أن يكذب بيوم الدين إلا رجل معتد أثيم، آثم كاسب للآثام التي تؤدي به إلى نار جهنم نعوذ بالله ﴿إذا تتلى عليه آياتنا﴾ يعني إذا تلاها عليه أحد، وهذا يدل على أن هذا الرجل لا يفكر أن يتلو آيات الله ولكنها تتلى عليه فإذا تليت عليه ﴿قال أساطير الأولين﴾ أي هذه أساطير الأولين وأساطير: جمع أسطورة وهي الكلام الذي يذكر للتسلي ولا حقيقة له ولا أصل له، فيقول: هذا القرآن أساطير الأولين، ولم ينتفع بالقرآن وهو أبلغ الكلام وأشده تأثيراً على القلب حتى قال الله تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ [ق: ٣٧] . لأنه يكذب بيوم الدين، وما يكذب به إلا كل معتدٍ أثيم، فلم يكن مؤمناً فلم يصل نور آيات الله إلى قلبه، بل يراها مثل أساطير الأولين التي يتكلم بها العجائز وليس لها أي حقيقة وليس فيها أي جد. قال الله ﴿كلا بل﴾ أي ليست أساطير الأولين ولكن هؤلاء ﴿ران على قلوبهم﴾ أي اجتمع عليها وحجبها عن الحق ﴿ما كانوا يكسبون﴾ أي
стр. 94
من الأعمال السيئات؛ لأن الأعمال السيئات تحول بين المرء وبين الهدى كما قال الله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد: ١٧] .
فمن اهتدى بهدي الله واتبع ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، وصدق بما أخبر الله به، وفعل مثل ذلك فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أن قلبه يستنير وأنه يرى الحق حقًّا، ويرى الباطل باطلاً، ويعظم آيات الله ، ويرى أنها فوق كل كلام، وأن هدي محمد ﷺ فوق كل هدي، هذا من أنار الله قلبه بالإيمان، أما من تلطخ قلبه بأرجاس المعاصي وأنجاسها فإنه لا يرى هذه الايات حقًّا بل لا يراها إلا أساطير الأولين كما في هذه الآية. ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ وفي ﴿بل﴾ سكتة لطيفة عند بعض القراء وعند آخرين لا سكتة فيجوز على هذا أن تقول ﴿كلا بل. ران﴾ ويجوز أن تقول: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ وهذه لا تغير المعنى سواء سكتّ أم لم تسكت فالمعنى لا يتغير. ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ أي حقًّا إنهم عن ربهم لمحجوبون، وذلك في يوم القيامة فإنهم يحجبون عن رؤية الله كما حُجبوا عن رؤية شريعته وآياته فرأوا أنها أساطير الأولين. وبهذه الآية استدل أهل السنة والجماعة على ثبوت رؤية الله ، ووجه الدلالة ظاهر فإنه ما حجب هؤلاء في حال السخط إلا وقد مكن للأبرار من رؤيته تعالى في حال الرضا، فإذا كان هؤلاء محجوبون فإن الأبرار غير محجوبين، ولو كان الحجب لكل منهم لم يكن لتخصيصه بالفجار فائدة إطلاقاً. ورؤية الله ثابتة بالكتاب، ومتواتر السنة، وإجماع الصحابة والأئمة، لا إشكال في هذا أنه تعالى يُرى حقًّا بالعين كما قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٣] .
стр. 95
وقال تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] .
وقد فسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله تعال (١) ى، وكما في قوله تعالى: ﴿لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥] . والمزيد هنا هو بمعنى الزيادة في قوله ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ وكما قال تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] . فإن نفي الإدراك يدل على ثبوت أصل الرؤية، ولهذا كانت هذه الآية مما استدل به السلف على رؤية الله، واستدل به الخلف على عدم رؤية الله، ولا شك أن الآية دليل عليهم، لأن الله لم ينف بها الرؤية وإنما نفى الإدراك، ونفي الإدارك يدل على ثبوت أصل الرؤية. فالحاصل أن القرآن دل على ثبوت رؤية الله حقًّا بالعين، وكذلك جاءت السنة الصحيحة بذلك حيث قال النبي ﵊ «إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب» (٢) ، وقال ﵊: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» (٣) ،
وقد آمن بذلك الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان من سلف هذه الأمة وأئمتها، وأنكر ذلك من حُجبت عقولهم وقلوبهم عن الحق فقالوا: إن الله لا يمكن أن يُرى بالعين، وإنما المراد بالرؤية في الايات هي رؤية القلب أي اليقين، ولا شك أن هذا قول باطل مخالف للقرآن والسنة
стр. 96
وإجماع السلف، ثم إن اليقين ثابت لغيرهم أيضاً حتى الفجار يوم القيامة سوف يرون ما وُعدوا به حقًّا ويقينًا، وليس هذا موضع الإطالة في إثبات رؤية الله والمناقشة في أدلة الفريقين؛ لأن الأمر ولله الحمد أوضح من أن يطال الكلام فيه (١) ، ﴿ثم إنهم لصالوا الجحيم﴾ أي هؤلاء الفجار ﴿لصالوا الجحيم﴾ أي يصلونها يصلون حرارتها أو عذابها نسأل الله العافية، ثم يقال تقريعاً لهم وتوبيخاً ﴿هذا الذي كنتم به تكذبون﴾ فيجتمع عليهم العذاب البدني والألم البدني بصلي النار وكذلك العذاب القلبي بالتوبيخ والتنديم حيث يقال: ﴿هذا الذي كنتم به تكذبون﴾ ولهذا يقولون يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ . [الأنعام: ٢٨] .
ولما ذكر الله تعالى أحوال الفجار وما لهم من العذاب، ذكر أحوال الأبرار وما لهم من النعيم فقال:
﴿كَلَاّ إِنَّ كِتَبَ الَاْبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَبٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الَاْبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * عَلَى الَاْرَآئِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَفِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ .
﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾ هذه الآية يذكر الله خبراً مؤكدا «بإن» لأن ﴿إن﴾ في اللغة العربية من أدوات التوكيد. فإنك إذا قلت: الرجل قائم، هذا خبر غير مؤكد، فإذا قلت: إن الرجل قائم. صار خبراً مؤكداً فيقول الله : ﴿إن كتاب الأبرار
стр. 97
لفي عليين﴾ وهذا مقابل ﴿إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ فكتاب الفجار في سجين في أسفل الأرض، وكتاب الأبرار في عليين في أعلى الجنة، أي أنهم في هذا المكان العالي قد كُتب ذلك عند الله قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ﴿وما أدراك ما عليون﴾ أي ما الذي أعلمك ما عليون؟ وهذا الاستفهام يراد به التفخيم والتعظيم. يعني أي شيء أدراك به فإنه عظيم قال الله تعالى: ﴿كتاب مرقوم﴾ هذا بيان لقوله: ﴿إن كتاب الأبرار﴾ أي أن كتاب الأبرار كتاب مرقوم مكتوب لا يتغير ولا يتبدل ﴿يشهده المقربون﴾ يشهده أي يحضره، أو يشهد به المقربون، و ﴿المقربون﴾ عند الله هم الذين تقربوا إلى الله بطاعته. وكلما كان الإنسان أكثر طاعة لله كان أقرب إلى الله. وكلما كان الإنسان أشد تواضعاً لله كان أعز عند الله، وكان أرفع عند الله، قال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١] . فالمقربون هم الذين تقربوا إلى الله تعالى بصالح الأعمال، فقربهم الله من عنده ﴿إن الأبرار﴾ الأبرار: جمع بر، والبر كثير الخير، كثير الطاعة، كثير الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، فهؤلاء الأبرار الذين منّ الله عليهم بفعل الخيرات، وترك المنكرات ﴿لفي نعيم﴾ والنعيم هنا يشمل نعيم البدن ونعيم القلب، أما نعيم البدن فلا تسأل عنه فإن الله قال في الجنة: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون﴾ [الزخرف: ٧١] .
وقال تعالى: ﴿فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] . وأما نعيم القلب فلا تسأل عنه أيضاً فإنهم يقال لهم وقد شاهدوا الموت قد ذبح يقال لهم: يا أهل الجنة خلود ولا
стр. 98
موت (١) ويقال لهم: ادخلوها بسلام، ويقال لهم: إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وأن تصحوا فلا تمرضوا أبدا ً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً (٢) ، وكل هذا مما يدخل السرور على القلب فيحصل لهم بذلك نعيم القلب ونعيم البدن (والملائكة يدخون عليهم من كل باب) يقولون ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٤] . جعلنا الله منهم، وقوله تعالى: ﴿على الأرائك﴾ الأرائك جمع أريكة وهي السرير المزخرف المزيّن الذي وَضع عليه مثل الظل، وهو من أفخر أنواع الأسرة فهم على الأرائك على هذه الأسرة الناعمة الحسنة البهية ﴿ينظرون﴾ يعني ينظرون ما أنعم الله به عليهم من النعيم الذي لا تدركه الأنفس الآن ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧] . وقال بعض العلماء: إن هذا النظر يشمل حتى النظر إلى وجه الله، وجعلوا هذه الآية من الأدلة على ثبوت رؤية الله في الجنة ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ أي تعرف أيها الناظر إليهم ﴿في وجوههم نضرة النعيم﴾ أي حسن النعيم وبهاءه، أي التنعم، وأنتم تشاهدون الان في الدنيا أن المنعمين المترفين وجوههم غير وجوه الكادحين العاملين.
تجدها نضرة، تجدها حسنة، تجدها منعمة، فأهل الجنة تعرف في وجوههم نضرة النعيم أي التنعم والسرور؛ لأنهم أسّر ما يكون، وأنعم ما يكون، ثم قال الله تعالى في بيان ما لهم من النعيم ﴿يسقون من رحيق مختوم﴾ الضمير في قوله: ﴿يسقون﴾ يعني الأبرار، يسقيهم الله بأيدي الخدم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون. بأكواب وأباريق وكأس من معين. لا يصدعون
стр. 99
عنها ولا ينزفون﴾ [الواقعة: ١٧، ١٩] . ﴿يسقون من رحيق﴾ أي من شراب خالص لا شوب فيه ولا ضرر فيه على العقل، ولا ألم فيه في الرأس، بخلاف شراب الدنيا فإنه يغتال العقل ويصدع الرأس. أما هذا فإنه رحيق خالص ليس فيه أي أذى ﴿مختوم. ختامه مسك﴾ أي بقيته وآخره مسك أي طيّب الريح. بخلاف خمر الدنيا فإنه خبيث الرائحة. فهؤلاء القوم الأبرار لما حبسوا أنفسهم عن الملاذ التي حرمها الله عليهم في الدنيا أعطوها يوم القيامة. ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ أي وفي هذا الثواب والجزاء ﴿فليتنافس المتنافسون﴾ أي فليتسابق المتسابقون سباقاً يصل بهم إلى حد النفس، وهو كناية عن السرعة في المسابقة. يقال: نافسته أي سابقته سباقاً بلغ بي النفس، والمنافسة في الخير هي المسابقة إلى طاعة الله وإلى ما يرضي الله ، والبعد عما يسخط الله ثم قال : ﴿ومزاجه من تسنيم. عيناً يشرب بها المقربون﴾ أي مزاج هذا الشراب الذي يُسقاه هؤلاء الأبرار ﴿من تسنيم﴾ : أي من عين رفيعة معنى وحسًّا، وذلك لأن أنهار الجنة تفجّر من الفردوس، والفردوس هو أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرب كما ثبت ذلك عن رسول الله ﵌ (١)
فهذا الشراب يمزج بهذا الطيب الذي يأتي من التسنيم أي: من المكان المسنَّم الرفيع العالي، وهو جنة عدن ﴿عيناً يشرب بها المقربون﴾ أي أن هذه العين والمياه النابعة، والأنهار الجارية يشرب بها المقربون.
وهنا سيقول قائل: لماذا قال: ﴿يشرب بها﴾ ؟ هل هي إناء يُحمل حتى يقال شرب بالإناء؟
стр. 100
فالجواب: لا. لأن العين والنهر لا يُحمل. إذن لماذا لم يقل يشرب منها المقربون؟ والجواب عن هذا الإشكال من أحد وجهين: فمن العلماء من قال: (الباء) بمعنى (من) فمعنى ﴿يشرب بها﴾ أي يشرب منها. ومنهم من قال: إن يشرب بمعنى يروى ضمّنت معنى يروى فمعنى ﴿يشرب بها﴾ أي يروى بها المقربون. وهذا المعنى أو هذا الوجه أحسن من الوجه الذي قبله؛ لأن هذا الوجه يتضمن شيئين يرجحانه وهما: أولاً: إبقاء حرف الجر على معناه الأصلي. والثاني: أن الفعل ﴿يشرب﴾ ضمَّن معنى أعلى من الشرب وهو الري، فكم من إنسان يشرب ولا يروى، لكن إذا روي فقد شرب، وعلى هذا فالوجه الثاني أحسن وهو أن يضمّن الفعل ﴿يشرب﴾ بمعنى يروى.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَآلُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الَاْرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ .
﴿إن الذين أجرموا﴾ أي قاموا بالجرم وهو المعصية والمخالفة ﴿كانوا﴾ أي في الدنيا ﴿من الذين آمنوا يضحكون﴾ استهزاءاً وسخرية واستصغاراً لهم، ﴿وإذا مروا﴾ الفاعل يصح أن يكون إذا مر المؤمنون بالمجرمين، أو إذا مر المجرمون بالمؤمنين، والقاعدة التي ينبغي أن تفهم في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي أحدهما الآخر وجب
стр. 101
حملها على المعنيين؛ لأن ذلك أعم، فإذا جعلناها للأمرين صار المعنى: أن المجرمين إذا مروا بالمؤمنين وهم جلوس تغامزوا، وإذا مر المؤمنون بالمجرمين وهم جلوس تغامزوا أيضاً فتكون شاملة للحالين: حال مرور المجرمين بالمؤمنين، وحال مرور المؤمنين بالمجرمين. ﴿يتغامزون﴾ يعني يغمز بعضهم بعضاً، انظر إلى هؤلاء سخرة واستهزاء واستصغاراً. ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين﴾ إذا انقلب المجرمون إلى أهلهم ﴿انقلبوا فكهين﴾ يعني متفكهين بما نالوه من السخرية بهؤلاء المؤمنين، فهم يستهزؤن ويسخرون ويتفكهون بهذا، ظنًّا منهم أنهم نجحوا وأنهم غلبوا المؤمنين، ولكن الأمر بالعكس. ثم قال تعالى: ﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ ﴿إذا رأوهم﴾ أي رأى المجرمون المؤمنين ﴿قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ ، ضالون عن الصواب، متأخرون، متزمتون متشددون إلى غير ذلك من الألقاب، ولقد كان لهؤلاء السلف خلف في زماننا اليوم وما قبله وما بعده، من الناس من يقول عن أهل الخير: إنهم رجعيون، إنهم متخلفون ويقولون عن المستقيم: إنه متشدد متزمت، وفوق هذا كله من قالوا للرسل عليهم الصلاة والسلام إنهم سحرة أو مجانين، قال الله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ . [الذاريات: ٥٢] .
فورثة الرسل من أهل العلم والدين سينالهم من أعداء الرسل ما نال الرسل من ألقاب السوء والسخرية وما أشبه ذلك، ومن هذا تلقيب أهل البدع أهل التعطيل للسلف أهل الإثبات بأنهم حشوية مجسمة مشبهة وما أشبه ذلك من ألقاب السوء التي ينفرون بها الناس عن الطريق السوي ويبررون طريقم المعوج الملتوي ﴿وما أرسلوا عليهم حافظين﴾ أي أن هؤلاء المجرمين ما بعثوا حافظين لهؤلاء يرقبونهم ويحكمون عليهم، بل
стр. 102
الحكم لله ثم قال تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ اليوم يعني يوم القيامة، الذين آمنوا يضحكون من الكفار فـ ﴿فالذين﴾ مبتدأ و ﴿يضحكون﴾ خبره و ﴿من الكفار﴾ متعلق بيضحكون، والمعنى: فالذين آمنوا يضحكون اليوم من الكفار، وهذا والله هو الضحك الذي لا بكاء بعده، أما ضحك المجرمين بالمؤمنين في الدنيا فسيعقبه البكاء والحزن والويل والثبور ﴿على الأرائك ينظرون﴾ أي أن المؤمنين على الأرائك في الجنة، والأرائك هي السرر الفخمة الحسنة النضرة ﴿ينظرون﴾ أي ينظرون ما أعد الله لهم من الثواب، وينظرون أولئك الذين يسخرون بهم في الدنيا، ينظرون إليهم وهم في عذاب الله كما قال الله تعالى: ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمدينون. قال هل أنتم مطلعون﴾ [الصافات: ٥١ ـ ٥٤] . يقول لأصحابه في الجنة يعرض عليهم أن يطلعوا إلى قرينه الذي كان في الدنيا ينكر البعث ويكذب به ﴿فاطلع فرآه في سواء الجحيم﴾ (الصافات: ٥٥) في قعره وأصله قال له: ﴿تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين﴾ (الصافات: ٥٦ - ٦٧) فأنت ترى أن المؤمنين يرون الكفار وهم يعذبون في قعر النار والمؤمنون في الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون﴾ ﴿ثوب﴾ أي جوزي، و ﴿هل﴾ هنا للتقرير أي أن الله تعالى قد ثوب الكفار وجازاهم جزاء فعلهم في الدنيا، وهو حكم عدل. فحكمه دائر بين العدل والفضل، بالنسبة للذين آمنوا حكمه وجزاؤه فضل، وبالنسبة للكافرين حكمه وجزاؤه عدل، فالحمد لله رب العالمين، وبهذا تم الكلام الذي يسره الله على سورة المطففين نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم به، وأن يجعلنا من المتعظين الواعظين. إنه جواد كريم.
стр. 103
تفسير سورة الانشقاق
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الَاْرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * يأَيُّهَا الإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿إذا السماء انشقت﴾ انشقت: انفتحت وانفرجت كقوله تعالى: ﴿وإذا السماء فُرجت﴾ [المرسلات: ٩] . وكقوله تعالى: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان. فبأي ألاء ربكما تكذبان. فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٩] . إذاً فانشقاقها يوم القيامة. ﴿وأذنت لربها﴾ أذنت: بمعنى استمعت وأطاعت أمر ربها أن تنشق فانشقت بينما هي كانت كما وصفها الله تعالى ﴿سبعاً شداداً﴾ [النبأ: ١٢] . قوية كما قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ [الذاريات: ٤٧] . أي بقوة فهذه السماء القوية العظيمة تنشق يوم القيامة تتشقق تتفرج بإذن الله ﴿وحقت﴾ أي حق لها أن تأذن، أي تسمع وتطيع؛ لأن الذي أمرها الله ربها خالقها ، فتسمع وتطيع،
стр. 104
كما أنها سمعت وأطاعت في ابتداء خلقها، ففي ابتداء خلقها قال الله ﵎: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] . فتأمل أيها الآدمي البشر الضعيف كيف كانت هذه المخلوقات العظيمة تسمع وتطيع لله ، هذه الطاعة العظيمة في ابتداء الخلق وفي انتهاء الخلق. في ابتداء الخلق قال: ﴿ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ في انتهاء الخلق ﴿إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت﴾ حُق لها أن تأذن تسمع وتطيع. ثم أعاد قال: ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ تأكيداً لاستماعها لربها وطاعتها له.
﴿وإذا الأرض مدت﴾ هذه الأرض التي نحن عليها الان هي غير ممدودة، أولاً: أنها كرة مدورة، وإن كانت جوانبها الشمالية والجنوبية منفتحة قليلاً ـ أي ممتدة قليلاً ـ فهي مدورة الآن، ثانياً: ثم هي أيضاً معرجة فيها المرتفع جداً، وفيها المنخفض، فيها الأودية، فيها السهول، فيها الرمال، فهي غير مستوية لكن يوم القيامة ﴿وإذا الأرض مدت﴾ أي تمد مدًّا واحداً كمد الأديم يعني كمد الجلد، كأنما تفرش جلداً أو سماطاً، تُمد حتى إن الذين عليها ـ وهم الخلائق ـ يُسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، لكن الآن لا ينفذهم البصر، لو امتد الناس على الأرض لوجدت البعيدين منخفضين لا تراهم لكن يوم القيامة إذا مُدت صار أقصاهم مثل أدناهم كما جاء في الحديث: «يجمع الله تعالى يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفُذُهُم البصر» (١) . ﴿وألقت ما فيها وتخلت﴾ أي جثث بني آدم تلقيها يوم القيامة، تلقي هذه الجثث فيخرجون من قبورهم لله عز
стр. 105
وجل، كما بدأهم أول خلق، أي كما خرجوا من بطون أمهاتهم يخرجون من بطون الأرض، وأنت خرجت من بطن أمك حافياً، عارياً، أغرل إلا أن بعض الناس قد يخلق مختوناً لكن عامة الناس يخرجون من بطون أمهاتهم غرلاً كذلك تخرج من بطن الأرض يوم القيامة حافياً ليس عليك نعال، عارياً ليس عليك كساء، أغرل لست مختوناً، ولما حدّث النبي ﵊ بذلك قالت عائشة: يا رسول الله: الرجال والنساء جميعاً، ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض» (١) ،
الأمر شديد، كل إنسان لاهٍ بنفسه ﴿لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ [عبس: ٣٧] . والإنسان إذا تصور الناس في ذلك الوقت مجرد تصور فإنه يرتعب ويخاف، وإذا كان عاقلاً مؤمناً عمل لهذا اليوم، ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ أذنت يعني استمعت وأطاعت لربها وحقت فبعد أن كانت مدورة فيها المرتفع والنازل صارت كأنها جلد ممتدة امتداداً واحداً. ثم قال : ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً﴾ الكادح: هو الساعي بجد ونوع مشقة وقوله: ﴿إلى ربك﴾ يعني أنك تكدح كدحاً يوصلك إلى ربك، يعني أن منتهى كدحك مهما كنت ينتهي إلى الله، لأننا سنموت وإذا متنا رجعنا إلى الله ، فمهما عملت فإن المنتهى هو الله ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢] . ولهذا قال: ﴿كادح إلى ربك كدحاً﴾ حتى العاصي كادح كادحًا غايته الله ﴿إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦] . لكن الفرق بين المطيع والعاصي: أن المطيع يعمل عملاً يرضاه الله، ويصل به إلى مرضاة الله يوم القيامة، والعاصي
стр. 106
يعمل عملاً يغضب الله، لكن مع ذلك ينتهي إلى الله إذاً قوله: ﴿يا أيها الإنسان﴾ يعم كل إنسان مؤمن وكافر ﴿إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾ الفاء يقول النحويون: إنها تدل على الترتيب والتعقيب، يعني، فأنت ملاقيه عن قرب ﴿إن ما توعدون لآت﴾ [الأنعام: ١٣٤] . وكل آت قريب ﴿وما يدريك لعل الساعة قريب﴾ [الشورى: ١٧] . وإذا شئت أن يتبين لك أن ملاقاة الرب قريبة فانظر ما مضى من عمرك الان، لو مضى لك مئة سنة كأنما هذه السنوات ساعة واحدة. كل الذي مضى من أعمارنا كأنه ساعة واحدة.
إذاً هو قريب، ثم إذا مات الإنسان، فالبرزخ الذي بين الحياة الدنيا والآخرة قريب قريب كاللحظة، والإنسان إذا نام نوماً هادئاً ولنقل نام أربعاً وعشرين ساعة، وقام فإنه يقدر النوم بدقيقة واحدة مع أنه نام أربعاً وعشرين ساعة، فإذا كان هذا في مفارقة الروح في الحياة يمضي الوقت بهذه السرعة، فما بالك إذا كانت الروح بعد خروجها من البدن مشغولة إما بنعيم أو جحيم، ستمر السنوات على الإنسان كأنها لا شيء، لأن امتداد الزمن في حال يقظتنا ليس كامتداد الزمن في حال نومنا، فالإنسان المستيقظ من طلوع الشمس إلى زوال الشمس يحس بأن الوقت طويل، لكن لو كان نائماً ما كأنها شيء، والذي أماته الله مئة عام ثم بعثه ﴿قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم﴾ (البقرة: ٢٥٩) . وأصحاب الكهف لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وتسع سنين، فلما بُعثوا قال بعضهم لبعض: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وهذا يدل على أن الإنسان يتعجب كيف تذهب السنوات على هؤلاء الأموات؟ نقول نعم، السنوات ما كأنها إلا دقيقة واحدة، لأن حال الإنسان بعد أن تفارق الروح بدنه سواء كانت مفارقة كلية أو جزئية غير
стр. 107
حاله إذا كانت الروح في البدن، فإذا كانت الروح في البدن يعاني من المشقة والمشاكل والهواجيس والوساوس أشياء تطيل عليه الزمن، لكن في النوم يتقلص الزمن كثيراً، في الموت يتقلص أكثر وأكثر، فهؤلاء الذين ماتوا منذ سنين طويلة كأنهم لم يموتوا إلا اليوم فلو بعثوا وقيل لهم كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وهذه مسألة قد يرد على الإنسان فيها إشكال، ولكن لا إشكال في الموضوع مهما طالت المدة بأهل القبور فإنها قصيرة، ولهذا قال: ﴿فملاقيه﴾ (بالفاء) الدالة على الترتيب والتعقيب، وما أسرع أن تلاقي الله .
ثم قسم الله الناس عند ملاقاته تعالى إلى قسمين: منهم من يأخذ كتابه بيمينه، ومنهم من يأخذ كتابه من وراء ظهره، ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ لما ذكر أن الإنسان كادح إلى ربه ﴿كادحاً﴾ أي عامل بجد ونشاط وأن عمله هذا ينتهي إلى الله كما قال الله تعالى: ﴿ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣] . لما ذكر هذا قال: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ ، إشارة إلى أن هؤلاء العاملين منهم من يؤتى كتابه بيمينه، ومنهم من يؤتى كتابه من وراء ظهره ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ و ﴿أوتي﴾ هنا فعل مبني لما لم يسم فاعله، فمن الذي يؤتيه؟ يحتمل أنه الملائكة، أو غير ذلك لا ندري، المهم أنه يعطى كتابه بيمينه أي يستلمه باليمنى. ﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ أي يحاسبه الله تعالى بإحصاء عمله عليه، لكنه حساب يسير، ليس فيه أي عسر كما جاءت بذلك السنة: أن الله يخلو بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه، فيقول: عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا، ويقر بذلك ولا ينكر فيقول الله تعالى: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك
стр. 108
اليوم» (١) ، ولا شك أن هذا حساب يسير يظهر فيه منّة الله على العبد، وفرحه بذلك واستبشاره. والمحاسب له هو الله كما قال تعالى: ﴿إن إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦] . ﴿وينقلب إلى أهله مسروراً﴾ ينقلب من الحساب إلى أهله في الجنة مسروراً، أي مسرور القلب، وقد أخبر النبي ﵊ أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر (٢) ،
ثم هم بعد ذلك درجات، وهذا يدل على سرور القلب؛ لأن القلب إذا سُر استنار الوجه ﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره. فسوف يدعو ثبورًا. ويصلى سعيًرا﴾ هؤلاء هم الأشقياء والعياذ بالله، يؤتى كتابه وراء ظهره وليس عن يمينه، وفي الآية الأخرى في سورة الحاقة ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ [الحاقة: ٢٥] . فقيل: إن من لا يؤتى كتابه بيمينه ينقسم إلى قسمين: منهم من يؤتى كتابه بالشمال، ومنهم من يؤتى كتابه وراء ظهره، والأقرب والله أعلم أنه يؤتى كتابه بالشمال، ولكن تلوى يده حتى تكون من وراء ظهره، إشارة إلى أنه نبذ كتاب الله وراء ظهره، فيكون الأخذ بالشمال ثم تلوى يده إلى الخلف إشارة إلى أنه قد ولى ظهره كتاب الله ولم يبال به، ولم يرفع به رأساً، ولم ير بمخالفته بأساً.
﴿فسوف يدعو ثبوراً﴾ أي يدعو على نفسه بالثبور، يقول: واثبوراه يا ويلاه، وما أشبه ذلك من كلمات الندم والحسرة، ولكن هذا لا ينفع في ذلك اليوم؛ لأنه انتهى وقت العمل، فوقت العمل هو في الدنيا، أما في الآخرة فلا عمل وإنما هو الجزاء ﴿ويصلى سعيًرا﴾ أي يصلى النار التي
стр. 109
تسعر به ويكون مخلداً فيها أبداً، لأنه كافر ﴿إنه كان في أهله مسروراً﴾ إنه كان في الدينا في أهله مسروراً، ولكن هذا السرور أعقبه الندم والحزن الدائم المستمر، واربط بين قوله تعالى فيمن أوتي كتابه بيمينه ﴿وينقلب إلى أهله مسروراً﴾ ، وهذا ﴿كان في أهله مسروراً﴾ تجد فرقاً بين السرورين، فسرور الأول سرور دائم ـ نسأل الله أن يجعلنا منهم ـ وسرور الثاني سرور زائل، ذهب ﴿كان في أهله مسروراً﴾ أما الان فلا سرور عنده ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ أي: ألا يرجع بعد الموت، ولهذا كانوا ينكرون البعث ويقولون لا بعث، ويقولون: من يحيي العظام وهي رميم ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ قال تعالى: ﴿بلى﴾ أي سيحور ويرجع ﴿إن ربه كان به بصيراً﴾ يعني أنه سيرجع إلى الله الذي هو بصير بأعماله، وسوف يحاسبه عليها على ما تقتضيه حكمته وعدله.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ * فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَاّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
﴿فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا اتسق. لتركبن طبقاً عن طبق﴾ . هذه الجملة مكونة من قسم، ومُقسم به، ومقسم عليه، ومُقسِم، فالقسم في قوله: ﴿لا أقسم بالشفق﴾ قد يظن الظان أن معنى ﴿لا أقسم﴾ نفي، وليس كذلك بل هو إثبات و ﴿لا﴾
стр. 110
هنا جيء بها للتنبيه، ولها نظائر مثل ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ . ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ . ﴿فلا أقسم برب المشارق﴾ . ﴿فلا أقسم بما تبصرون﴾ . وكلها يقول العلماء: إن (لا) فيها للتنبيه، وأن القسم مثبت، أما المقسِم فهو الله أما المقسَم به في هذه الآية فهو الشفق وما عطف عليه.
فإن قال قائل: لماذا يقسم الله على خبره وهو سبحانه الصادق بلا قسم؟ وكذلك يقسم النبي ﵌ على خبره وهو صادق بلا قسم؟
قلنا: إن القسم يؤكد الكلام، والقرآن الكريم نزل باللسان العربي وإذا كان من عادتهم أنهم يؤكدون الكلام بالقسم صار هذا الأسلوب جارياً على اللسان العربي الذي نزل به القرآن.
وقوله: ﴿بالشفق﴾ الشفق هو الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس. وإذا غابت هذه الحمرة خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء، هذا قول أكثر العلماء، ﴿والليل وما وسق﴾ هذا أيضاً مقسم به معطوف على الشفق، يعني وأقسم بالليل وما وسق وهذان قسمان ﴿والليل وما وسق﴾ الليل معروف ﴿وما وسق﴾ أي ما جمع، لأن الليل يجمع الوحوش والهوام وما أشبه ذلك، تجتمع وتخرج وتبرز من جحورها وبيوتها، وكذلك ربما يشير إلى اجتماع الناس بعضهم إلى بعض. ﴿والقمر إذا اتسق﴾ القمر معروف.