← Тараджим

Тараджим · id 151171

المسالك القويمة بتراجم رجال ابن خزيمة، في الصحيح والتوحيد والفوائد

أبو الطيب نايف المنصوري

Полный текст (1 113 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَقَالَ فِي مُقَدِّمَةِ "تمَامِ المِنَّةِ" (١): "نَعَمْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ - يَعْنِي: الرَّاوِي - إِذَا رَوَى عَنْهُ جَمْعٌ مِنَ الثِّقَاتِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ فِي حَدِيْثِهِ مَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا عَمَلُ المُتَأَخِّرِيْنَ مِنَ الحُفَّاظِ كَابْنِ كَثِير، وَالعِرَاقِي، وَالعَسْقَلانِي، وَغَيْرِهِم". اهـ. وَالمُتَتَبِّعُ لِمَنْهَجِ الحَافِظ فِي "التَّقْرِيب" فِيْمَن رَوَى عَنْهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي "الصَّحِيحِ" وَرَوَى عَنْهُ جَمْع مِنَ الثِّقَاتِ وَلَمْ يجرَّحْ، يَجِدْهُ فِي الأَعَمِّ الأَغْلَبِ يَحْكُمُ عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ بـ "صَدُوق". كَمَا فِي تَرْجَمَةِ: أَحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بن المُعَلَّى الأَدَمِيِّ البَصْرِيِّ. وَمُحَمَّدِ بن عُثْمَانَ بن بَحْرِ العُقَيْليِّ البَصْرِيِّ. وَحَوْثَرَة بن مُحَمَّدِ بن قُدَيْدِ المِنْقَرِيِّ البَصْرِيِّ. وَعَبْدِ الله بن مُحَمَّدِ بن الحَجَّاجِ بن أَبِي عُثْمَانَ الصَّوَّاف البَصْرِيِّ. وَعُبَيْدِ اللَّهِ بن يُوْسُفَ الجُبَيْرِيِّ البَصْرِيِّ. وَعُمَرَ بن حَفْصِ بن صُبَيْحِ الشَّيْبَانِيِّ البَصْرِيِّ. وَمُحَمَّدِ بن خَالِدِ بن خِدَاشِ بن عَجْلانِ البَصْرِيِّ. وَمُحَمَّدِ بن عُثْمَانَ بن بَحْرِ العُقَيْليِّ البَصْرِيِّ. وَيَحْيَى بن الفَضْلِ بن يَحْيَى بن كَيْسَانِ العَنَزِيِّ البَصْرِيِّ. وَعَلَى هَذَا مَشَيْتُ فِي كِتَابِي هَذَا، وَغَيْرِهِ، وَبِالله التَّوْفِيْقِ. الطَّرِيْقُ الثَّانِيَةُ: يَرَى الحَافِظُ السَّخَاوِي أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَة يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ الوَاحِدِ مِمَّنْ لا يَرْوِي إِلا عَنْ عَدْلٍ تَعْدِيْلٌ لَهُ.

стр. 37

فَقَدْ قَالَ فِي "فَتْحِ المُغِيثِ" (١): "إِذَا عُلِمَ أَنَّ الرَّاوِي لا يَرْوِي إِلا عَنْ عَدْلٍ كَانَتْ رِوَايَتُهُ عَنِ الرَّاوِي تَعْدِيْلًا لَهُ، وَإِلا فَلا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمْعٌ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّيْخَيْنِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي "صِحَاحِهِم"، وَالحَاكِم فِي "مُسْتَدْرَكِهِ". اهـ. وَلَمْ يَتَفَرَّدْ بِذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ بَلْ قَدْ نُسِبَ هَذَا المَذْهَب إِلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَنُقَّادِهِ. قَالَ أَبُو دَاوُد فِي "سُؤَالاتِهِ" (٢): قُلْتُ لِأَحْمَدَ: إِذَا رَوَى يَحْيَى أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن مَهْدِي عَنْ رَجُلٍ مَجهُوْلٍ يُحتَجُّ بِحَدِيْثهِ؟ قَالَ: يُحْتَجُّ بِحَدِيْثهِ". وَقَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ قَالَ: أَبَانُ بن خَالِدٍ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ لا بَأْسَ بِهِ، كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَانَ لا يُحَدِّثُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ" (٣). وَقَالَ: قُلْتُ لأَحْمَدَ: أَبُو زَيْد المَدَنِي؟ قَالَ: أَيُّ شَيءٍ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ رَوَى عَنْهُ أَيُّوْب" (٤). وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ: "مَالِكُ بن أَنَس إِذَا رَوَى عَنْ رَجُلٍ لا يُعْرَفُ فَهُوَ حُجَّةٌ" (٥). وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي "شَرْحِ العِلَل" (٦): "وَالمَنْصُوْصُ عَنْ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ

стр. 38

مَنْ عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ لا يَرْوِي إِلا عَنْ ثِقَةٍ فَرِوَايَتُهُ عَنْ إِنْسَانٍ تَعْدِيْلٌ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِتَعْدِيْلٍ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنِ المُحَقِّقِيْنَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِي". وَقَالَ يَعْقُوْبُ بن شَيْبَة: قُلْتُ لِيَحْيَى بن مَعِين: مَتَى يَكُوْنُ الرَّجُلُ مَعْرُوْفًا؟ إِذَا رَوَى عَنْهُ كَم؟ قَالَ: إِذَا رَوَى عَنِ الرَّجُلِ مِثْلَ ابْنِ سِيْرِيْنَ وَالشَّعْبِيِّ، وَهَؤُلاءِ أَهْلُ العِلْمِ فَهُوَ غَيْرُ مَجْهُولٌ. قُلْتُ: فَإِذَا رَوَى عَنِ الرَّجُلِ مِثْلَ سِمَاكِ بن حَرْبٍ، وَأبِي إِسْحَاقَ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ يَرْوُوْنَ عَنْ مَجْهُوْلِيْنَ" (١). وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِم فِي "الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل" (٢): سُئِلَ أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بن أَبِي رَزِيْن؟ فَقَالَ: "شَيْخٌ بَصْرِيٌّ لا أَعْرِفُهُ، لا أعْلَمُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ سُلَيْمَانَ بن حَرْب، وَكَانَ سُلَيْمَانُ قَلَّ مَنْ يَرْضَى مِنَ المَشَايِخِ، فَإِذَا رَأَيْتَهُ قَدْ رَوَى عَنْ شَيْخٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ ثِقَةٌ". وَقَالَ العَلامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن يَحْيَى المُعَلِّمِي فِي "التَّنْكِيْل" (٣): "وَالحُكْمُ فِيْمَنَ رَوَى عَنْهُ أَحَدُ أُولِئَكَ المُحْتَاطِيْنَ أَنْ يُبْحَثَ عَنْهُ؛ فَإِنْ وُجِدَ أَنَّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ قَدْ جَرَّحَهُ تَبَيَّنَ أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الحِكَايَةِ، فَلا تَكُوْنُ تَوْثِيْقًا، وَإِنْ وُجِدَ أَنَّ غَيْرَهُ جَرَّحَهُ جَرْحًا أَقْوَى مِمَّا تَقْتَضِيْهِ رِوَايَتُهُ عَنْهُ تَرَجَّحَ الجَرْحُ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ رِوَايَتُهُ عَنْهُ التَّوْثِيْقُ".

стр. 39

وَيَرَى العَلامَة الأَلْبَانِي أَنَّ الرَّاوِي الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ إِلَّا مِنْ جَهَةِ رِوَايَةِ مَنْ لا يَرْوِي إِلا عَنْ ثِقَةٍ، أَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنَّهُ حَسَن الحَدِيث (١). الطَّرِيْقَةُ الثَّالِثَةُ: يَرَى الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ جَهَالَةَ العَيْنِ تَرْتَفِعُ عَنْدَ ابْنِ خُزَيْمَة بِرِوَايَةِ وَاحِدٍ مَشْهُوْرٍ. قَالَ فِي مُقَدِّمَةِ "اللِّسَان" (٢): "وَكَأَنَّ عِنْدَ ابْنِ حِبَّان: أَنَّ جَهَالَةَ العَيْنِ تَرْتَفِعُ بِرِوَايَةِ وَاحَدٍ مَشْهُوْرٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ شَيْخِهِ ابْنِ خُزَيْمَة، وَلَكِنْ جَهَالَةَ حَالِهِ بَاقِيَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ". اهـ. قَالَ الذَّهَبِي فِي "المُوْقِظَة" (٣): وَمَنْ لَمْ يُوَثَّقْ وَلا ضُعِّفَ إِنْ كَانَ المُنْفَرِدُ عَنْهُ مِنْ كِبَارِ الأَثْبَات، فَأَقْوَى لِحَالِهِ، وَيَحْتَجُّ بِمِثْلِهِ جَمَاعَةٌ كَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّان". وَالمُتَتَبِّعُ لمَنْهَجِ الحَافِظ فِي "التَّقْرِيب" فَيْمَنْ تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ وَاحِدٌ مِنَ الثِّقَات، وَأَخْرَجَ لَهُ ابْن خُزَيْمَةَ فِي "الصَّحِيحِ"، وَلَمْ يجرَّح، أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بـ "مَقْبُول"، سَوَاءً كَانَ تَابِعِيًّا أَمْ لا، وَسَوَاءً ذَكرَهُ ابْنُ حِبَّان فِي "ثِقَاتِهِ" أَمْ لا، كَمَا فِي تَرْجَمَةِ: رَجَاء الأَنْصَارِيِّ الكُوْفِي. وعَبْدِ اللهِ بن عُتْبَةَ بن أَبِي سُفْيَان. وَعَمْرو بن عَلْقَمَةَ بن وَقَّاصِ اللَّيْثِيِّ المَدَنِيِّ.

стр. 40

وَمُحَمَّد بن مُسْلِم بن عَائِذ المَدَنِيِّ. وَأَبِي عَطِيَّة مَوْلَى بَنِي عُقَيْل. وَقَدْ سَلَكْتُ فِيْمَنْ كَانَ هَذَا حَالَهُ مِمَّنْ هُمْ فِي كِتَابِنَا هَذَا، مَسْلَكَ الحَافِظِ - رَحِمَهُ الله تَعَالَى -. ٣٨ - ثُمَّ ذَكَرْتُ المَصَادِر الَّتي تُرْجِمَ لَهُ فِيْهَا، حَسَب تَارِيخ وَفَاة أَصْحَابِهَا، إِلا مَا كَانَ مِنْ كِتَابٍ لَهُ "مُختصَرَات"، أَوْ "تَهْذِيْبَات" - وَنَحْو ذَلِكَ - عَلَيْهِ؛ فَإِنِّي أَذْكُرُهُ عَقِبَهُ، كَمَا فَعَلْتُ فِي "تَرْتِيبِ ثِقَات ابن حِبَّان" للهَيْثَمِي، فَإِنِّي ذَكَرْتُهُ عَقِبَ كِتَاب ابن حِبَّان "الثِّقَات"، وَكَذَا فَعَلْتُ فِي "مختصَر"، و"تَهْذِيب"، "تَاريخ ابن عَسَاكِر". ٣٩ - قَدْ أَعْزُو فِي أَثْنَاءِ التَّوْثِيْقِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ طَبْعَةٍ للكِتَابِ الوَاحِد؛ لمَزِيَّةٍ فِي أَحَدِهِمَا لا تُوْجَدُ فِي الأُخْرَى. ٤٠ - اكْتَفَيْتُ فِي تَوْثِيْقِ مَا نَقلْتُهُ مِنْ كَلامٍ فِي المُتَرْجَمِ لَهُ بِإِحَالَتِي عَلَى مَصَادِرِ تَرْجَمَتِهِ إِنْ كَانَ فِيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهَا وَثَّقْتُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِي لَهُ. وَأَمَّا عَنْ صِيَاغَةِ التَّرْجَمَة فَقَدْ سَلَكْتُ فِي ذَلِكَ مَا سَلَكْتُهُ فِي الكِتَابِ الأَوَّل مِنْ هَذِهِ المَجْمُوْعَةِ: "غُنْيَةُ السَّالِك بِتَرَاجِم رِجَالِ مُوَطَّإِ الإِمَام مَالِك". وَاللهَ أَسْأَل التَّوْفِيْقَ وَالسَّدَاد، وَالعَوْنَ وَالرَّشَاد. * * *

стр. 41

" إِرْشَادُ الأُمَّهْ إِلَى تَرْجَمَةِ ابْنِ خُزَيْمَة إِمَام الأَئِمَّهْ " الحمْدُ لله وَكَفَى وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِيْنَ اصْطَفَى: وَبَعْدُ: فَهَذِهِ شَذَرَاتٌ مِما وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِ شَيْخِ الإِسْلامِ، وَإِمَامِ الأَئِمَّةِ الأَعْلام، المُجْتَهِد فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ وَعُلُوْمِهَا، وَالمُدَافِع عَنْ حَوْزَتِهَا وَحِيَاضِهَا، مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، جَمَعْتُ هَذِهِ الفَوَائِدَ من بطون الأسفار، ثُمَّ قَمْتُ بِتَرْتيْبِهَا وَتَنْسِيْقِهَا وَفَاءً لِما سَطَّرَتهُ لَنَا بَنَانُهُ، وَأَتْحَفَنَا بِهِ جَنَانُهُ؛ مِنْ عُلَوْمٍ غَزِيْرَةٍ، وَفُهُوْمٍ عَمِيْقَةٍ، وَتَرْجِيْحَاتٍ دَقِيْقَةٍ، وَاسْتِنْبَاطَاتٍ عَجِيْبَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم فِي مَعْرِفَةِ عُلُوْمِ الحدِيث" (١) أَنَّ فَضَائِلَ هَذَا الإِمَام مَجْمُوْعَةٌ عِنَدْهُ فِي أَوْرَاقٍ كَثِيْرَةٍ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الحُفَّاظِ أَنَّ أَبَا عَبْد الله الحاكِم ﵀ قَدِ اسْتَوفَى تَرْجَمَتَهُ فِي كِتَابِهِ العَظِيْم "تَارِيخ نَيْسَابُوْر". قَالَ ابْنُ عَبْد الهَادِي فِي "طَبَقَاتِهِ" (٢): "مَنَاقِبُ ابْنِ خُزَيْمَةَ كَثِيْرَةٌ قَدِ اسْتَوْعَبَهَا الحَاكِم". وَقَالَ الذَّهَبِي فِي "تَارِيْخِهِ" (٣): "وَقَدِ اسْتَوْعَبَ أَخْبَارَهُ الحَاكِم أَبُو عَبْد الله فِي "تَارِيْخِ نَيْسَابُوْر"، وَفِيْهَا أَشْيَاءَ كَيِّسَةٌ، وَأَخْبَارٌ مُفِيْدَةٌ". وَقَالَ فِي "التَّذْكِرَة": "قَدِ اسْتَوْعَبَ الحَاكِمُ سِيْرَةَ ابْنِ خُزَيْمَة، وَأَحْوَالَهُ".

стр. 42

وَقَالَ فِي "النُّبَلاء" (١): "وَلابنِ خُزَيْمَةَ تَرْجَمَةٌ طَوِيْلَةٌ فِي (تَاريخِ نَيْسَابُوْرَ)، تَكُونُ بِضْعًا وَعِشْرِيْنَ وَرقَةً". وَقَالَ السُّبُكِّي فِي "طَبَقَاتِهِ" (٢): "وَمَنْ أَرَادَ الإِحَاطَةَ بِتَرْجَمَتِهِ فَعَلَيْهِ بِهَا فِي "تَارِيْخِ نَيْسَابُوْر" للحَاكِم أَبِي عَبْد الله". وَقَدْ ذَكَرَ د. الأَعْظَمِي فِي مُقَدِّمَتِهِ لـ "الصَّحِيح"، وَد. مَاهِر الفَحْل - أَيْضًا - جُمْلَةً مِنْ سِيْرَتهِ وَأَحْوَالِهِ، وَأَفْرَدَ الكَلامَ عَلَى ذَلِكَ د. عَبْد العَزِيز بن شَاكِر بن حَمْدَان الفَيَّاض الكُبَيْسِي - حفظه الله - فِي رِسَالَتِهِ "الإِمَام ابْنِ خُزَيْمَةَ وَمَنْهَجه فِي كِتَابِهِ الصَّحِيح"، وَقَدْ بَذَلَ فِي ذَلِكَ جُهْدًا عَظِيْمًا يُشْكَرُ عَلَيْهِ، فَجَزَاهُم الله جَمِيْعًا خَيْرًا عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ جَعَلْتُ مَا وَقَفَتُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِي بَابَيْنِ، وَقَدِ اشِتَمَلَ كُلُّ بَابٍ مِنْهُمَا عَلَى فُصوْلٍ وَمَبَاحِثَ، وَذَلِكَ تَسْهِيْلًا للوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا تَضَمَّنَتهُ مِنْ فَوَائِدَ وَفَرَائِدَ، وَشَوَارِدَ وَزَوَائِدَ، وَأَسْمَيْتُهَا: "إِرْشَادُ الأُمَّهْ بِتَرْجَمَةِ ابْنِ خُزَيْمَة إِمَام الأَئِمَّهْ"، وَالله أَسْأَل التَّوْفِيْقَ وَالسَّدَاد. * * *

стр. 43

الباب الأوَّل: سيرته الشَّخصيَّة الفَصْلُ الأَوَّل: هَوِيَّتُهُ وَفِيْهِ مَبَاحِث: المَبْحَثُ الأَوَّل: اسِمهُ، وَنَسَبُهُ: مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة بن المُغِيرَة بن صَالِح بن بَكْر (١). المَبْحَثُ الثَّانِي: كُنْيَتُهُ: " أَبُو بَكْر". اتَّفَقَ عَلى ذَلِكَ كُلُّ مَنْ ترَجْمَ لَهُ. وَعَدَّ الشَّيْخ عَبَّاس القُمِّي "ابن خُزَيْمَة" كُنْيَةً أُخْرَى لَهُ، وَلا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ (٢). المَبْحَثُ الثَّالِثُ: نِسْبَتُهُ: تَعَدَّدَ نِسَبُهُ، فَتَارَةً يُنْسَبُ إِلَى القَبِيْلَةِ، وَتَارَةً إِلَى أَحَدِ أَجْدَادِهِ، وَتَارَةً إِلَى بَعْضِ صِفَاتِهِ، وَتَارَةً إِلَى مُحَافَظَتِهِ، وَتَارَةً إِلَى قَرْيَتِهِ التَّابِعَة لِمُحَافَظَتِهِ، وَهَاكَ بَيَانَ ذَلِكَ: "السُّلَمِيُّ". قال السَّمْعَانِي: "هَذِهِ النِّسْبَةُ بِضَمِّ السِّيْن المُهْمَلَة، وَفَتَحِ اللام؛ إِلَى "سُلَيْم"، وَهِي قَبِيْلَةٌ مِنَ العَرَب مَشْهُوْرَةٌ". (٣) اهـ.

стр. 44

نَسَبَهُ إِلَيْهَا تِلْمِيْذُهُ أَبُو أَحْمَد الحَاكِم (١)، وَذَكَرَهُ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِمنْ تَرَجَمَ لَهُ. وَقَدْ بَيَّنَ الحَاكِم أَنَّ نِسْبَتَهُ إِلَيْهَا إِنَّمَا هِي بِالوَلاءِ، فَقَالَ: "مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة بن المُغِيرَة بن صَالِح بن بَكْر السُّلَمِي "مَوْلَى مُجَشِّر بن مُزَاحِم" (٢) - يَعْنِي: السُّلَمِي أَحَدُ أُمَرَاء خُرَاسَان. وَقَالَ الشِّيْرَازِي: "السُّلَمِيُّ مَوْلَى لَهُم" (٣). وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ - أَيْضًا - ابنُ الجَوْزِي (٤)، وَابنُ كَثِير (٥): "الخُزَيْمِي". قَالَ السَّمْعَانِي: "بِضَم الخَاء المُعْجَمَة، وَفَتْح الزَّاي، وَسُكُون اليَاء المَنْقُوْطَة باثْنَتَيْن مِنْ تَحْتِهَا، وَفِي آخِرِهَا المِيم، هَذه النِّسْبَةُ إِلَى أَبِي بَكْر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة" (٦). وَقَدْ نَسَبَهُ إِلَيْهَا ابنُ مَاكُوْلا (٧)، وَالذَّهَبِي (٨)، وَتَبِعَهُ ابنُ نَاصِر الدِّين الدِّمَشْقِي، وَابن حَجَر، وَجَمَال الدِّين بَامَخْرَمَة (٩).

стр. 45

"الشَّعْرَانِيُّ". قَالَ السَّمْعَانِي: "بِفَتْح الشِّيْن المُعْجَمَة، وَسُكُون العَيْن المُهْمَلَة، بَعْدَهَا الرَّاء المَفْتُوْحَة، وَفِي آخِرِهَا النُّوْن، هَذه النِّسْبَةُ إِلَى الشَّعْر عَلَى الرَّأْسِ وَإِرْسَالِهِ" (١). نَسَبَهُ إِلَيْهَا شَيْخُهُ الرَّبِيع بن سُلَيْمَان (٢). وَقَالَ أَبُو حَامِد أَحْمَد بن عِلي بن الحَسَن الحسَنَوِي: "رَأَيْتَ أَبَا بَكْر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيمة بِمِصْر، وَلَهُ شَعْرٌ وَافِرٌ، وَكَانَ يُعْرَفُ بِالشَّعْرَانِي" (٣). "النَّيْسَابُوْرِيُّ". قَالَ السَّمْعَانِي: "بِفَتْح النُّوْن، وَسُكُون اليَاء المَنْقُوْطَة مِنْ تَحْتِهَا باثْنَتَيْن، وَفَتْح السِّيْن المُهْمَلَة، وَبَعْد الأَلِف بَاء مَنْقُوْطَة بِوَاحِدَةٍ، وَفِي آخِرِهَا الرَّاء، هَذه النِّسْبَةُ إِلَى نَيْسَابُوْر، وَهِي أَحْسَنُ مَدِيْنَة وَأَجْمَعُهَا للخَيْرَات بِخُرَاسَان" (٤). "الجَنْجَرُوْذِي": قَالَ السَّمْعَانِي: "بِالنُّوْن بَيْن الجِيْمَيْن المَفْتُوْحَتَيْن، وَضَمّ الرَّاء بَعْدَهَا الوَاو، وَفِي آخِرِهَا الذَّال المُعْجَمَة، هَذه النِّسْبَة إِلَى "جَنْجَرُوْذ" وَهِي قَرْيَةٌ قَرِيْبَةٌ مِنْ نَيْسَابُوْر" (٥). وَقَدْ صَرَّحَ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهَا الحَاكَم أَبُو عَبْد الله (٦)، وَعَبْد الغَافِر (٧)، وَتَبِعَهُ

стр. 46

الصريفيني (١). المَبْحَثُ الرَّابِع: لَقَبُهُ: " إِمَامُ الأَئِمَّة". قَالَ الخَلِيْلي: "اتَّفَقَ فِي وَقْتِهِ أَهْلُ الشَّرْقِ أَنَّهُ إِمَامُ الأَئِمَّة" (٢). وَقَالَ ابنُ مَاكُوْلا: "كَانَ أَهْلُ بَلَدِهِ يُسَمُّوْنَهُ إِمَام الأَئِمَّة" (٣). وَقَالَ الشِّيْرَازِي: "كَانَ يُقَالُ لَهُ: إِمَامُ الأَئِمَّة" (٤). وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَقَبٌ لَهُ غَيَرُ وَاحَدٍ مِنَ العُلَمَاء، مِنْهُم: ابنُ دَقِيْقٌ العِيْد (٥)، وَشَيْخ الإِسْلام ابنُ تَيمِيَّة (٦)، وَابنُ القَيِّم (٧)، والإِسْنَوِي (٨)، وَابنُ كَثِير (٩)، وَالعِرَاقِي (١٠). وَأَمَّا عَنْ سَبَبِ تَلْقِيْبِهِ بِذَلِك فَقَالَ ابنُ المُلَقِّن: "ابنُ خُزَيْمَة قَدْ عُلِمَ شِدَّةُ تَحَرِّيْهِ فِي الرِّجَال، وَاجْتِهَادِهِ، حَتَّى لُقِّبَ بِإِمَامِ الأَئِمَّةِ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ

стр. 47

أَقْرَانِهِ" (١). وَقَالَ بَعْضُهُم: "لُقِّبَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ رَوَى عَنْهُ مِنَ الحُفَّاظِ الكِبَار فِي حَيَاتِهِ" (٢). المَبْحَثُ الخَامِس: الاسْم الَّذِي اشْتَهَرَ بِهِ: قَالَ النَّوَوِي: "هُوَ بِابْنِ خُزَيْمَةَ أَشْهَر" (٣). وَقَالَ العَيْنِي: "اشْتَهَرَ بِابْنِ خُزَيْمَة" (٤). المَبْحَثْ السَّادِس: ولادَتُهُ: وُلدَ بِنيسَابُوْر، فِي صَفَر سَنَة ثَلاثٍ وَعِشْرِيْن وَمَائَتَيْن، صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ المُؤَرِّخِيْن، مِنْهُم: ابنُ حِبَّان، وَابنُ عَبْد الهَادِي (٥)، وَالذَّهَبِيُّ (٦)، وَالسُّبُكِيُّ (٧)، وَالإِسْنَوِيُّ (٨). وَأَغْرَبَ ابنُ العِمَاد - كَعَادَتِهِ - فَقَالَ: "وُلدَ سَنَةِ اثْنَتَيْن وَعِشْرِيْن وَمَائَتَيْن" (٩).

стр. 48

المَبْحَثُ السَّابعُ: أُسْرَتُهُ: لا شَكَّ أَنَّ أُسْرَةَ الإِنْسَان تَتَكَوَّنُ - غَالِبًا - مِنْ أُصُوْلٍ، وَفُرُوْعٍ، وَحَوَاشِي، وَأَصْهَار، وقد رَتَبْتُ ما وقفت عليه من أفراد أسرة هذا العالم الهمام، على هذا النحو. أُصُوْلُهُ: أَبُوْهُ: كَانَ - رَحِمَهُ الله تَعَالَى - مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ وَالفَضْل، قَالَ مُحَمَّد بن الفَضْل: سَمِعْتُ جدّي يَقُولُ: اسْتَأْذَنْتُ أَبِي فِي الخُرُوْجِ إِلَى قُتَيْبَة، فَقَالَ: اقْرَأ القُرْآن أَوَّلًا حَتَّى آذَنَ لَك. فَاسْتَظْهَرْتُ القُرْآن. فَقَالَ لِي: امْكُثْ حَتَّى تُصَلِّي بِالخِتْمَة. فَمَكَثَّتُ. فَلَمَّا عَيَّدنَا أَذِنَ لي، فَخَرَجْتُ إِلَى مَرْو، وَسَمِعْتُ بِمَرْو الرُّوْذ مِنْ مُحَمَّد بن هِشَام، فَنُعِيَ إِلَيْنَا قُتَيْبَة" (١). أَبْنَاؤُهُ: ١ - أَبُو العَبَّاس الفَضْل بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة السُّلَمِي. ذَكَرَهُ الحَاكِم فِي "تَارِيخِه" (٢) فِي الطَّبَقَةِ السَّادِسَةِ، وَقَالَ: "هُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ الإِمَامِ أَبِي بَكْر". ٢ - أَبُو النَّضْر بَكْر بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة السُّلَمِي. رَوَى عنه أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المزكِّي (٣)، وَأَبُوْ بَكْر أَحْمَد بن إِبْرَاهِيم الإِسْمَاعِيْلِي، فِي "مُعْجَمِهِ" (٤)، وَأَبُوْ أَحْمَد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الحَاكِم (٥)،

стр. 49

وَأَبُوْ العَبَّاس المُزَكِّي. وَتَرْجَمَهُ أَبُو أَحْمَد الحَاكِم فِي "الأَسَامِي وَالكُنَى"، وَتَبِعَهُ الذَّهَبِي فِي "المُقْتَنَى" (١)، وَتَرْجَمَهُ - أَيْضًا - أَبُو عَبْد الله الحَاكِم فِي "تَارِيخه" (٢) فِي الطَّبَقَةِ السَّادِسَةِ، وَقَالَ: قَالَ أَبُو الطَّاهِر مُحَمَّد بن الفَضْل بن إِسْحَاق: "تُوُفِّي عَمِّي أَبُو النَّضْر سَنَة ثَلاثٍ وَعِشْرِيْن وَثَلاثُمَائَة". يُرْوَى عَنْهُ هَذَا البَيْت (٣): لِسَانُ الْفَتَى نَصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَلَمْ يَبْقَ إِلا صُوْرَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ وَكَائِنْ تَرَى مِنْ سَاكِتٍ لَكَ مُعْجَبٍ ... زِيَادُتُهُ أَوْ نُقْصُهُ فِي التَّكَلَّمِ وَتَرْجَمَهُ ابنُ مَاكُوْلا وَقَالَ: "كَانَ مِنَ الأَعْيَانِ فِي حَيَاةِ أَبِيْهِ، رَأَى مُحَمَّد بن يَحْيَى يَعُوْدُ أَبَاهُ" (٤). وَذَكَرَهُ أَبُو عَبْد الله الحاكِم فِي تَرْجَمَتِهِ لأَبِيْهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، فَقَالَ: "وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو النَّضْر" (٥). ٣ - أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة السُّلَمِي. ذَكَرَهُ عَبْد الغَافِر فِي "السِّيَاق" (٦)، وَتَبِعَهُ الصَّريفيني فِي "المُنْتَخَب مِنْهُ" (٧)، فِي تَرْجَمَتِهِ لِحَفِيْدِهِ "الفَضْل".

стр. 50

أَحْفَادُهُ وَأَحْفَادُهُم: حَفِيْدُهُ أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن الفَضْل بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة السُّلَمِي. وَهُوَ رَاوِيَةُ كُتُبِهِ، مُتَرْجَمٌ فِي كِتَابِنَا "الرَّوْض البَاسِم" (١). حَفِيْدُهُ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن الفَضْل بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة السُّلَمِي. تَرْجَمَهُ عَبْد الغَافِر فِي "السِّيَاق" (٢)، وَتَبِعَهُ الصَّريفيني فِي "المُنْتَخَب مِنْهُ" (٣) فَقَالَ: "أَبُو عَبْد الرَّحْمَن بن أَبِي طَاهِر نَافِلَة إِمَام الأَئِمَّة السُّلَمِيّ الجنْجَرُوْذِي، شَيْخٌ كَبِيرٌ، مِنْ بَيْتِ العِلْمِ، وَالعَدَالَةِ، وَالتَّزْكِيَة، مِيْلادُهُ سَنَة خَمْسِيْن وَثَلاثُمَائَة، رَوَى عَنْهُ أَبُو صَالِح المُؤَذِّن". حَفِيْدَتُهُ: فَاطِمَة بِنْت بَكْر بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة السُّلَمِي. تَرْجَمَ لَهَا الحاكِم فِي "ذَيْلِهِ عَلَى تَارِيخ نَيْسَابُوْر"، وَقَالَ: : سَمِعَتْ أَبَاهَا، وَحَدَّثَتْ، وَتُوُفِّيَتْ سَنَة اثْنَتَيْن وَأَرْبَعْمَائَة" (٤). ابنُ حَفِيْدِهِ أَبُو العَبَّاس ابنُ أَبِي طَاهِر الفضل بن مُحَمَّد بن الفَضْل بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة السُّلَمِي. تَرْجَمَهُ عَبْد الغَافِر فِي "السِّيَاق" (٥)، وَتَبِعَهُ الصَّريفيني فِي "المُنْتَخَب

стр. 51

مِنْهُ" (١) فَقَالَ: "أَبُو العَبَّاس ابنُ أَبِي طَاهِر، ثِقَةٌ مِنْ بِيْتِ العَدَالَةِ، وَالتَّزْكِيَة، وَالإِمَامَة، وَالزَّعَامَة القَدِيْمَة، حَدَّثَ عَنْ أَبِيْهِ أَبِي طَاهِر، وَطَبَقَتِهِ، ثُمَّ عَنْ أَبِي عَبْد الله الحَاكِم، وَطَبَقَتِهِ، رَوَى عَنْهُ أَحْمَد بن أَبِي سَعْد الإِسْكَاف". حَوَاشِيْه: عَمُّهُ: إِسْمَاعِيل بن خُزَيْمَة بن المُغِيرَة بن صَالِح بن بَكْر السُّلَمِي النَّيْسَابُوْرِي. تَأتِي تَرْجَمَتُهُ - إِنْ شَاء الله تَعَالَى - فِي كِتَابِنَا هَذَا (بِرَقْم: ٢٢). أَصْهَارُهُ: " خَتَنُهُ" (٢) أَبُو سَعِيد عَمْرو بن مُحَمَّد بن مَنْصُوْر بن مَخْلَد: نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ" (٣)، وتَرْجَمَهُ يَاقُوْت الحَمَوِي فَقَالَ: "أَبُو سَعِيد عَمْرو بن مُحَمَّد بن مَنْصُوْر بن مَخْلَد العَدْل الجنْجَرُوْذِي الخَتَن، وَإِنَّمَا قِيْلَ لَهُ الخَتَن؛ لأَنَّهُ كَانَ خَتَنَ أَبِي بَكْر بن خُزَيْمَة. ابنُ عَمَّتِهِ: أَبُو بِشْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد القَطَّان النَّيْسَابُوْرِي. رَوَى عَنْهُ أَبُو الحُسَيْن أَحْمَد بن أَبِي بَكْر مُحَمَّد بن مَنْصُوْر بن العَالِي البُوْشَنْجِي، فَقَالَ: "حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ مُحَمَّدُ بن مُحَمَّدٍ الْقَطَّانُ وَهُوَ ابْنُ عَمَّةِ مُحَمَّدِ بن

стр. 52

إِسْحَاقَ بن خُزَيْمَةَ، بِنَيْسَابُورَ" (١). المَبْحَثُ الثَّامِنُ: مُعَلِّمُهُ أُصُوْل السُّنَّة: قَالَ ابْنُ حِبَّان: أَحْمَدُ بن نَصْر أَبُو عَبْد الله المُقْرِىء النَّيْسَابُوْرِي: "مِنْهُ تَعَلَّمَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق أُصُوْلَ السُّنَّة، مَاتَ سَنَة خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْن وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ الله، وَأَصْلَبِ أَهْلِ بَلَدِهِ فِي السُّنَّة" (٢). يَعْنِي: تُوُفِّي وَعُمْر ابْن خُزَيْمَة (٢٢) سَنَة. المَبْحَثُ التَّاسِعُ: جَارُهُ الأدْنَى، وَمَنْ تَرَبَّى فِي حِجْرِهِ إِلَى حِيْنَ تُوُفِّي: قَالَ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم في "تاريخه": "كَانَ حُسَيْنَك - يعني: الحُسَيْن بن عِلي بن مُحَمَّد التَّمِيْمِي النَّيْسَابُوْرِي - تَرْبِيَةَ أَبِي بَكْر ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَجَارَهُ الأَدْنَى، وَفي حِجْرِهِ مِنْ حِيْن وُلِدَ إِلَى أَنْ تُوُفِّي أَبُو بَكْر، وَهُوَ ابنُ ثَلاثٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَة، وَكَانَ يُقَدِّمُهُ عَلَى جَمِيعِ أَوْلادِهِ، وَيَقْرَأُ لَهُ وَحْدَهُ مَا لا يَقْرَأُهُ لِغَيْرِهِ" (٣). المَبْحَثُ العَاشِر: مُسْتَمْلِيْهِ: أَبُو عَبْد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَبْد الله النَّيْسَابُوْرِي . رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاق المُزَكِّي، فَقَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا عَبْد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَبْد الله مُسْتَمْلِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة" (٤). المَبْحَثُ الحَادِي عَشَر حَاجِبُهُ: أَبُو الفَضْل البَطَايِيْنِي . قَالَ أَبُو عَبْد الله مُحَمَّد بن العَبَّاس الضَّبِّي: "كَانَ أَبُو الفَضْل يَحْجِبُ بَيْنَ يَدَيّ

стр. 53

أَبِي بَكْر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة إِذَا رَكِبَ" (١). المَبْحَثُ الثَّانِي عَشَر: تَارِيْخُ سَنَة وَفَاتِهِ: اتَّفق المُؤَرِّخُوْن عَلَى أَنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ بِنَيْسَابُوْر سَنَة إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلاثُمَائَة، وَشَذَّ الشِّيْرَازِي فَقَالَ: "مَاتَ سَنَة اثْنَتَي عَشْرَةَ وَثَلاثُمَائَة" (٢)، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُوْر المُؤَرِّخِيْن، هُوَ الرَّاجِحَ. قَالَ ابنُ حِبَّان فِي "ثِقَاتِهِ": اعْتَلَّ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاء، وَمَات مُحَمَّد بن إِسْحَاق لَيْلَة السَّبْت بَعْدَ العِشَاء الْآخِرَة الْخَامِس مِنْ ذِي القَعْدَة سَنَة إِحْدَى عَشْرَة وَثَلاثُمَائَة، وَدُفِنَ يَوْم السَّبْت بَعْدَ الأُوْلَى، وَلَهُ ثَمَان وَثَمَانُونَ سَنَة". وَقَالَ ابنُ زَبْرٍ فِي "تَارِيْخِهِ": "تُوُفِّيَ بِنَيْسَابُوْر سَنَة إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلاثُمَائَة". وَقَالَ الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ": "تُوُفِّي لَيْلَة السَّبْت الثَّامِن مِنْ ذِي القَعْدَة سَنَة إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلاثُمَائَة" (٣). وَقَالَ الخَلِيْلِي فِي "الإِرْشَاد": "مَاتَ قَبْلَ السَّرَّاج بِسَنَتَيْن" (٤). وَقَالَ ابنُ الجَوْزِي فِي "المُنْتَظَم": "تُوُفِّي لَيْلَةَ السَّبْت ثَامِن ذَي العَقْدَة مِنْ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلاثُمَائَة، وَدُفِنَ فِي حُجْرَةٍ مِنْ دَارِهِ، ثُمَّ صُيِّرَتْ تَلِكَ الدَّارُ مَقْبَرَةً". المَبْحَثُ الثَّالِثَ عَشَرَ حُسْنُ خَاتِمَتِهِ: قَالَ الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ": سَمِعْتُ أَبَا سَعِيد عَمْرو بن مُحَمَّد بن مَنْصُوْر خَتَن

стр. 54

أَبِي بَكْر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُولُ: حَضَرْتُ وَفَاةَ الإِمَام أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ يحرِّكُ إِصبَعَهُ بِالشَّهَادَةِ عَنْدَ آخِرِ رَمَقٍ" (١). المَبْحَثُ الرَّابِع عَشَرَ عُمْرُهُ: قَالَ ابنُ حِبَّان: "مَاتَ وَلَهُ ثَمَان وَثَمَانُوْنَ سَنَة" (٢). وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابنُ عَبْد الهَادِي فِي "طَبَقَاتِهِ". وَقَالَ الذَّهَبِي: "عَاشَ تِسْعًا وَثَمَانِيْنَ سَنَة" (٣). وَقَالَ السُّيُوْطِي: "مَاتَ عَنْ نَحْوِ تَسْعِيْنَ سَنَة". المَبْحَثُ الخَامِس عَشَر ذِكْرُ مَنْ تَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ: قَالَ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم: "صَلَّى عَلَيْهِ ابِنُهُ أَبُو النَّضْر". المَبْحَثُ السَّادِس عَشَر مَكَان دَفْنِهِ: قَالَ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم: "وَدُفِنَ فِي حُجْرَةٍ مِنْ دَارِهِ، ثُمَّ صُيِّرَتْ تَلِكَ الحُجْرَة مَقْبَرَةً" (٤). وَقَالَ السَّمْعَانِي: "دُفِنَ فِي دَارِهِ، ثُمَّ جُعِلَتْ مَقْبَرَة" (٥). وَقَالَ ابنُ الجَوْزِي: "تُوُفِّي لَيْلَةَ السَّبْت ثَامِن ذَي العَقْدَة مِنْ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلاثُمَائَة، وَدُفِنَ فِي حُجْرَةٍ مِنْ دَارِهِ، ثُمَّ صُيِّرَتْ تَلِكَ الدَّارُ مَقْبَرَةً" (٦).

стр. 55

المَبْحَثُ السَّابِع عَشَر: كَثْرَةُ المُشَيِّعِيْن لَهُ: قَالَ الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ": "صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو النَّضْر، وَكَانَ قَدِ امْتَلأَ مِيْدَان الحُسَيْن وَالِي جَنْجَرُوْد إِلَى المَوَضِعِ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ فِيهِ" (١). المَبْحَثُ الثَّامِن عَشَر: المَرَاثِي الَّتِي رُثِيَ بِهَا: قَالَ السُّبُكِيُّ فِي "طَبَقَاتِهِ" (٢): وَفِى مَرْثِيَّتِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْم: يَا ابْنَ إِسْحَاقَ قَدْ مَضَيْتَ حَمِيْدًا ... فَسَقَى قَبَرَك السَّحَابُ الهَتُوَنُ مَا تَوَلَّيْتَ لَا بَلِ الْعِلْمُ وَلَّى ... مَا دَفَنَّاكَ بَلْ هُوَ المَدْفُوْنُ المَبْحَث التَّاسِع عَشَرَ: الرُّؤْيَا الّتِي رُؤْيَتْ لَهُ يَوم موته، وَبَعْدَ مَوْتِهِ: قَالَ أَبُو العَبَّاس الحَجَّاجِي ﵀: كَانَ فِي وَقْتِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ﵁ هَاهُنَا رَجُلٌ بَكْرِيٌّ وَرَدَ مِنَ المَدِيْنَةِ، فَصِيْحُ اللَّهْجَةِ، قَالَ فِي اليَوَمِ الَّذِي تُوُفِّي فِيهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ﵁: رَأَيْتُ البَارِحَةَ رُؤْيَا عَجَبًا، رَأَيْتُ كَأَنِّي دَخَلْتُ كَنْجَرُوْذ، فَرَأَيْتُ نَاقَةً عَلَى بَابِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، وَقَدْ أَخَذَ بِزِمَامِهَا رَجَلٌ فَقُلْتُ: مِنْ هَذَا؟ قَالُوَا: هَذَا صَاحِبُ رَسُولِ الله ﷺ حُذِيْفَة بن اليَمَان، قَالَ: فَدَخَلْتُ الدِّهْلِيْز، فَوَجَدْتُ هُنَاكَ رَجُلًا كَوْسَجًا، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوَا: قَيْسُ بن عُبَادَة صَاحِبُ رَسُولِ الله ﷺ ، فَدَخَلْتُ الدَّارَ، فَرَأَيْتُ النَّبِي ﷺ قَاعِدًا عَلَى السَّرِيْرِ فِي الصُّفَّةِ الَّتِي فِي الدَّارِ الأُوْلَى، فَبَيْنَا كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ﵁ مِنَ الدَّارِ السُّفْلَى، وَجَاءَ فَقَعَدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَاوَلَهُ رَسُوْلُ الله ﷺ كِتَابًا فَقَرَأَهُ، ثُمَّ قَالَ:

стр. 56

سَمْعًا وَطَاعَةً لِرَسُوْلِ الله ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَخَرَجَا مَعًا" (١). وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المُضَارِب قال: رَأَيْتُ ابْنَ خُزَيْمَة فِي النُّوْمِ، فَقُلْتُ جَزَاكَ اللهُ عَنِ الإِسْلامِ خَيْرًا. فَقَالَ: كَذَا قَالَ لِي جَبْرِيْل فِي السَّمَاء" (٢). * * *

стр. 57

الفَصْلُ الثَّانِي: بَعْضُ أَخْلاقِهِ وَسَجَايَاهُ المَبْحَثُ الأوَّل: عِبَادَتُهُ، وَتَقْوَاهُ: قَالَ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ": "كَانَ حُسَيْنَك الحُسَيْن بن عَلي بن مُحَمَّد التَّمِيْمِي النَّيْسَابُوْرِي: يحكي (١) أَبَا بَكْرٍ فِي وَضُوْئِهِ وَصَلاتِهِ، فَإِنِّي مَا رَأَيْتُ فِي الأَغْنِيَاءِ أَحْسَنَ طَهَارَةً وَصَلاةً مِنْهُ، وَلَقَدْ صَحِبْتُهُ قَرِيْبًا مِنْ ثَلاثِين سَنَة فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَفِي الحَرِّ وَالبَرْدِ، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ صَلاةَ اللَّيْلِ، وَكَانَ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ سُبْعًا مِنَ القُرْآنِ، وَلا يَفُوْتُهُ ذَلِكَ، وَكَانَتْ صَدَقَاتُهُ دَائِمَةً فِي السِّرِ وَالعَلانِيَّة" (٢). وَقَالَ أَبُو أَحْمد الدَّارِمِيُّ: سَمِعت ابْن خُزَيْمَة يَقُول: مَا حَلَلْتُ سَرَاوِيْلِي عَلَى حَرَامٍ قَطُّ" (٣). المَبْحَثُ الثَّانِي: زُهْدْهُ: قَالَ أَبُو أَحْمد الدَّارِمِي: "قِيْلَ لَهُ يَوْمًا: لَوْ قَطَّعْتَ لنَفْسِكَ ثِيَابًا تَتَجَمَّلُ بِهَا؟ فَقَالَ مَا أَذْكُرْ نَفْسِي قَطُّ وَلِي أَكْثَرُ مِنْ قَمِيْصَيْن". وَكَانَ لَهُ قَمِيْصٌ يَلْبَسُهُ، وَقَمِيصٌ عِنْدَ الْخَيَّاط؛ فَإِذَا نَزَعَ الَّذِي يَلْبَسُهُ، وَوَهَبَهُ غَدَوَا إِلَى الخَيَّاطِ وَجَاؤُا بِالقَمِيْص الآخَر" (٤).

стр. 58

وَقَدْ لَخَّصَ مَا سَبَقَ مِنْ كَلامِ أَبِي أَحْمَد الدَّارِمِيِّ الإِسْنَوِي فِي "طَبَقَاتِهِ" (١)، - وَتَبِعَهَ ابنُ هِدَايَة الله (٢) - فَقَالَ: "كَانَ مُتَقَلِلًا، لَهُ قَمِيْصٌ وَاحِدٌ دَائِمًا، فَإِذَا جَدَّدَ آخَر وَهَبَ مَا كَانَ عَلَيَهِ". المَبْحَثُ الثَّالِثُ: إِمَامَتُهُ فِي السُّنَّة: قَالَ شَيْخ الإِسْلام ابن تَيْمِيَّة: "هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّة" (٣). وَقَالَ ابنُ القَيِّم: "إِمَام الأَئَمَّة أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة إِمَام السُّنَّة" (٤). المَبْحَثُ الرَّابعُ: حِرْصُهُ عَلَى تَطْبِيْقِ السُّنَّة: قَالَ أَبُو بَكْر بن بالُوَيْه: سَمِعْتُهُ يَقُولُ، وقيل لَهُ: لَوْ حَلَقْتَ شَعْرَك فِي الحَمَّام، فَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ دخَلَ حَمَّامًا قطُّ، وَلا حَلَقَ شَعَرَهُ، إِنَّمَا تَأْخُذْ شَعَرِي جَارِيةٌ لِي بالمِقْرَاض" (٥). قَالَ الحْاكِم سَمِعت أَبَا عَمْرو بن إِسْمَاعِيل يَقُولُ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ ابْنِ خُزَيْمَة فَاسْتَمَدَّنِي مُدَّةً فَنَاوَلْتُهُ بِيَسَارِي، إِذْ كَانَت يَمِيْنِي قَدِ اسْوَدَّتْ مِنَ الْكِتَابَةِ، فَلَمْ يَأْخُذِ الْقَلَمَ وَأمْسَك، فَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَوْ نَاوَلْتَ الشَّيْخ بِيَمِيْنِكَ، فَأَخَذْتُ الْقَلَمَ بِيَمِيْنِي؛ فَنَاوَلْتُهُ، فَأَخَذَ مِنِّي" (٦).

стр. 59

المَبْحَثُ الخَامِسُ: تَعْظِيْمُهُ للسُّنَّة: قَالَ أَبُو الحسَن مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم الآبُرِي: "سَمِعْتُ الإِمَام مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُولُ مَا لا أُحْصِي مِنْ مَرَّةٍ: "أَنَا عَبْدٌ لأَخَبْارِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" (١). وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا العَنْبريّ: سَمِعْتُ ابنَ خُزَيْمة يَقُولُ: لَيْسَ لأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ قَوْلٌ إِذَا صَحَّ الخَبَرُ عَنْهُ" (٢). وَقَالَ أَبُو عَمْرو: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُول: "حَرَجٌ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ مِنِّي مَسْأَلةً يُرْوَى عَنِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيَهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم خَبَرٌ صَحِيحٌ خِلافَهُ لَمْ يَبْلُغْنِي، أَوْ لَمْ أَحْفَظْهُ فِي وَقَتِ جَوَابِي أَنْ يَحْكِي عَنِّي تَلْكَ المَسْأَلَةَ الَّتِي خِلاف قَوْل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم، وَكلُّ قَوْلٍ قُلْتُ خِلاف صَحِيْحًا خَبَر رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم صَحِيْحًا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ لَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم خِلافُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَاشْهَدُوَا عَلَى رُجُوْعِي عَنْ ذَلِكَ القَوْل، وَأَنَا أَتُوْبُ وَأَسْتَغْفِرُ الله مِنْ كَلِّ قَوْلِ قُلْتُ خِلاف قَوْل رَسُول الله ﷺ " (٣). المَبْحَثُ السَّادِسُ: شَجَاعَتُهُ فِي بَيَانِ الحَقِّ وَرَدِّ الخَطَأِ: قَالَ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ": قَالَ أَبُو بَكْر بن بَالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْن خُزَيْمَة يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ الْأَمِيرِ إِسْمَاعِيل بن أَحْمَد فَحَدَّث عَن أَبِيْهِ بِحَدِيث وَهِمَ

стр. 60

فِي إِسْنَادِهِ، فَرَدَدْتُهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ أَبُو ذَر القَاضِي قَدْ كُنَّا نَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ خَطَأٌ مُنْذُ عِشْرِيْنَ سَنَة، فَلَمْ يَقْدِرْ وَاحِدٌ مِنَّا أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَسْمَعَ حَدِيْثًا لِرَسُولِ الله ﷺ فِيهِ خَطَأٌ أَو تَحْرِيفٌ فَلَا أَرُدُّ" (١). وَقَالَ أَبُو عَبْد الله القُضَاعِي: أَنَا مُحَمَّدُ بن عَليٍّ الْغَازِي، بِالمُسْجِدِ الْحَرَامِ، أَنَا أَبُو عَبْدِ الله، مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله الحافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعْدٍ عَمْرَو بن مُحَمَّدِ بن مَنْصُورٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكرٍ، مُحَمَّدَ بن إِسْحَاقَ بن خُزَيْمَةَ يَقُولُ: لمَّا دَخَلْتُ بُخَارَى فَفِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْأَمِيرِ إِسْمَاعِيلَ بن أَحْمَدَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَذُكِرَتْ فِي حَضْرَتِهِ أَحَادِيثَ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: حَدَّثَنَا أَبِي، نا يَزِيدُ بن هَارُونَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ ... "، الحدِيثَ، فَقُلْتُ: "أَيَّدَ الله الْأَمِيرَ، مَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَسٌ، وَلَا حُمَيْدٌ، وَلَا يَزِيدُ بن هَارُونَ، فَسَكَتَ، وَقَالَ: فَكَيْفَ؟ قُلْتُ: هَذَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَمَدَارُهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قُمْنَا مِنَ الْمَجْلِسِ قَالَ أَبُو عَليٍّ صَالِحُ بن مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ: يَا أَبَا بَكْرٍ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ لَنَا هَذَا الْإِسْنَادَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَمْ يَجْسُرْ وَاحِدٌ مِنَّا أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ" (٢). المَبْحَثُ السَّابِعُ: كَرَامَاتُهُ: قَالَ أَبُو بَكْر الخَطِيب فِي "تَارِيْخِهِ" (٣): حَدَّثَنِي أَبُو الفَرَج مُحَمَّد بن عُبَيْدِ

стр. 61

الله بن مُحَمَّد الخَرْخُوْشِي الشِّيْرَازِى لَفْظًا، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَد بن مَنْصُوْر بن مُحَمَّد الشِّيْرَازِي يَقُول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن أَحْمَد الصَّحَّاف السِّجِسْتَانِي قال: سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاس البَكْرِي مِنْ وَلِدِ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيْق يَقُولُ: جَمَعَتِ الرِّحْلَةُ بَيْنَ مُحَمَّد بن جَرِيْر، وَمُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَةَ، وَمُحَمَّد بن نَصْر المَرْوَزِى، وَمُحَمَّد بن هَارُون الرُّويانِى بِمِصْرَ، فَأَرْمَلُوا وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُم مَا يَقُوْتهم، وَأَضَرَّ بِهْمُ الجُوْعَ، فَاجْتَمَعُوا لَيْلَةً فِي مَنْزِلٍ كَانُوا يَأْوُون إِلَيْهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُم عَلَى أَنْ يَسْتَهِمُوا، وَيَضْربُوا القُرْعَة فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةَ سَأَل لِأَصْحَابِهِ الطَّعَامَ، فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ عَلَى مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ أَمْهِلُوْنِى حَتَّى أَتَوَضأ وَأُصَلِّى صَلاةَ الخِيَرَةَ. قَالَ: فَانْدَفَعَ فِي الصَّلاةِ فَإِذَا هُمْ بِالشُّمُوْعِ وَخَصيٍّ مِنْ قِبَلِ وَالِى مِصْر يَدقُّ البَابَ، فَفَتَحُوا البَاب فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّد بن نَصْر؟ فَقِيْلَ هُوَ هَذَا. فَأَخْرَجَ صُرَّةً فِيْهَا خَمْسُوْنَ دِيْنَارًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّد بن جَرِيْر؟ فَقَالُوا هَذَا. فَأَخْرَجَ صُرَّةً فِيْهَا خَمْسُوْنَ دِيْنَارًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّد بن هَارُون؟ فَقَالُوا: هُوَ ذَا. فَأَخْرَجَ صُرَّةً فِيْهَا خَمْسُوْنَ دِيْنَارًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَةَ؟ فَقَالُوا: هُوَ ذَا. فَأَخْرَجَ صُرَّةً فِيْهَا خَمْسُوْنَ دِيْنَارًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الأَمِيْرَ كَانَ قَائِلًا بالأَمْسِ فَرَأَى فِي المَنَامِ خَيَّالًا، قَالَ: إِنَّ المَحَامِد طَوَوا كَشْحَهُم جِيَاعًا، فَأَنْفَذَ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الصِّرَر، وَأَقْسَم عَلَيْكُم إِذَا نَفَدَتْ فَابْعَثُوا إِلَّيَّ أَمُدَّكُم" (١).

стр. 62

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِير فِي "البِدَايَةِ" (١) فِي تَرْجَمَتِهِ لابْنِ خُزَيْمَة: "وَهُوَ الَّذِي قَامَ يُصَلِّي حِيْنَ وَقَعْتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ لَيَسْتَرْزِقَ الله فِي صَلاتِهِ حِيْنَ أَرْمَلَ هُوَ وَمُحَمَّد بن نَصْر، وَمُحَمَّد بن جَرِيْر، وَمُحَمَّد بن هَارُون الرُّويانِي، وَقَدْ أَوْرَدَهَا ابْنُ الجوْزِي مِنْ طَرِيْقَيْنِ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَذَلِكَ بِبَلَد مِصْر فِي دَوْلَةِ أَحْمَد بن طُولوْن فَرَزَقَهُم الله عَلَى يَدَيْهِ". المَبْحَثُ السَّادِسُ: مُنَاظَرَتُهُ للكَلامِيَّة: قَالَ أَبُو عِلي الحُسَيْن بن عَلي النَّيْسَابُوْرِي يَقُولُ سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُولُ: دَخَلَ إِلَيَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الكَلامِيَّة سَمَّاهُم بِأَسْمَائهِمْ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُم: إِنْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُوْنَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا حَتَّى خَلَقَ الخَلْقَ فَأَنْتُمْ تَزْعُمُوْنَ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِالآخِرِ، وَالله يَقُولُ: "هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِر"، فَلَيْسَ هُوَ بِالآخِر حَتَّى يَفْنَى الخَلْقَ وَلَيْسَ بِمَالِكِ يَوْمَ الدِّين لِأَنَّ يَوْمَ الدِّين يَوْمَ القِيَامَة، فَبُهُتُوَا وَرَجَعُوَا" (٢). المَبْحَثُ الثَّامِنُ: بَذْلُهُ وَسَخَاؤُهُ وَإِكَرَامُهُ لأهْلِ العِلْم: أَبُو بَكْرٍ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا جهدَهُ، بَلْ يُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِ العِلْم، وَكَانَ لا يَعْرِفُ سَنْجَةَ الوَزْنِ، وَلا يُمَيِّزُ بَيْن العَشَرَةِ وَالعِشْرِيْن" (٣). المَبْحَثُ التَّاسِعُ: ضِيَافَتُهُ العَظِيْمَةُ العَدِيْمَةُ النَّظِيْر فِي بَسَاتِيْنِ نُزْهَتِهِ: قَالَ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم فِي "تَارِيِخِه": سَمِعْتُ أَبَا بَكْر أَحْمَد بن إِسْحَاق يَقُولُ:

стр. 63

كَانَ مِنْ قَضَاءِ الله أَنَّ الحَاكِم أَبَا سَعِيد (١) لمَّا تُوُفِّي أَظْهَرَ بن خُزَيْمَة الشَّمَاتَةَ بِوَفَاتِهِ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَهْلًا مِنْهُم، فَسَأَلُوْهُ أَنْ يَعْمَلَ ضِيَافَةً، وَكَانَتْ لابن خُزَيْمَة بَسَاتِيْن نُزْهَة، فَأُكْرِهْتُ أَنَا مِنْ بَيْنَ الجَمَاعَةِ عَلَى الخُرُوْجِ فِي الجُمْلَةِ إِلَيْهَا. قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَد الحُسَيْن بن عِلي أَنَّ الضِّيَافَةَ كَانَتْ فِي جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة تِسْعٍ، وَكَانَتْ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا، عَمِلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فَأَحْضَرَ جُمْلَةً مِنَ الأَغْنَامِ، وَالحِمْلان وَأعْدَال السُّكّرِ، وَالفُرُشِ، والآلاتِ، وَالطَّبَّاخِيْنَ، ثُمَّ تَقَّدَمَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ المُحَدِّثِيْن مِنَ الشُّبَّانِ وَالشُّيُوْخِ، فَاجْتَمَعُوَا بِجَنْزَرُوْذ، وَرَكِبُوَا مِنْهَا، وَتَقَدَّمَهُم أَبُو بَكْرٍ بْنُ خُزَيْمَةَ يَخْرقُ الأَسْوَاقَ سُوْقًا سُوْقَا، يَسْأَلُهُم أَنْ يُجِيْبُوهُ، وَيَقُوْلُ: سَأَلْتُ مَنْ يَرْجِعُ إِلَى الفُتُّوَةِ وَالمَحَبَّةِ لِي أَنْ يَلْزَمَ جَمَاعَتِنَا اليَوَمَ، فَكَانُوَا يَجِيْئُوَن فَوْجًا فَوْجَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ كَبِير أَحَدٍ فِي البَلَدِ. وَالطَّبَّاخُوَنَ يَطْبَخُوْنَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الخَبَّازينَ يَخْبِزُوَن، حَتَّى حُمِلَ جَمِيع مَا وَجَدُوَا أَيْضًا فِي البَلَدِ مِنَ الخُبْزِ، وَالشِّوَاءِ عَلَى البِغَالِ وَالجِمَالِ وَالحَمِيْر، وَالإِمَامُ قَائِمٌ يَجرِي أَمْرَ الضِّيَافَة عَلَى أَحْسَنِ مَا يَكُوْنُ حَتَّى شَهِدَ مَنْ حَضَرَ أَنَّهُ لَم يَشْهَدْ مِثْلَهَا" (٢). قَالَ الحَاكِم: "وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا بِكَثْرَةِ الخَلْقِ، لا يَتَهَيَّأُ مِثْلَهُ إِلا لِسُطْانٍ كَبِير" (٣).

стр. 64

وَقَدْ لَخَّصَ هَذِهِ الضِّيَافَةَ العَظِيْمَةَ المَهِيْبَةَ، الحافِظُ الذَّهَبِي فَقَالَ في "تَارِيْخِهِ" (١): نقَلَ الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ" أَنَّ ابنَ خُزَيْمَةَ عَمِلَ دَعْوَةً عَظِيْمَةً بِبُسْتَانٍ، فَمَرَّ فِي الأَسْوَاقِ يَعْزِمُ عَلَى التُّجَّارِ، فَبَادَرُوَا مَعَهُ وَخَرَجُوَا، وَنَقَلَ كُلَّ مَا فِي البَلَدِ مِنَ المَأَكِلِ وَالشِّواءِ وَالحَلْواءِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا بِكَثْرَةِ الخَلْقِ، لَمْ يَتَهَيّأ مِثْلَهُ إِلَّا لِسُلْطَانٍ كَبِير". وَقَالَ الذَّهَبِي فِي "التَّذْكِرَة" (٢): "سَاقَ الحَاكَمُ فِي "تَارِيْخِهِ" أَنَّهُ عَمِلَ دَعْوَةً عَظِيْمَةً عَدِيْمَةَ النَّظِيْر فِي بُسْتَانٍ خَرَجَ إِلَيْهِ، يَمُرُّ فِي أَسْوَاقِ نَيْسَابُوْرِ، وَيَعْزِمُ عَلَى النَّاسِ، وَيُبَادِرُوَنَ مَعَهُ فَرِحِيْنَ مَسْرُوْرِيْن حَامِلِيْنَ مَا أَمْكَنَهُمْ مِنَ الشِّواء وَالحَلْوَاء وَالطِّيَبَات، حَتَّى لَمْ يَتْرُكُوَا فِي المَدِيْنَةٍ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ عَالَمٌ لا يُحْصَوْنَ، وَهَذه دَعْوَةٌ لَمْ يَتَهَيّأْ مِثْلُهَا إِلا لِسُلْطَانٍ". * * *

стр. 65

الفَصْلُ الثَّالِثُ: مَذْهَبُهُ الاعْتِقَادِي وَالفِقْهِي المَبْحَثُ الأوَّلُ: مَذْهَبُهُ الاعْتِقَادِي يُعَدُّ الإِمَام ابْنُ خُزَيْمَة مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الحَدِيثِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، المُقَرِّرينَ لِعَقِيْدَةِ السَّلَفِ الصَّالِح مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْن رُضْوَان الله عَلَيْهِم. وَفِي مَبْحَثِنَا هَذَا سَأَذْكُرُ شَذَرَاتٍ مِنْ كَلامِهِ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ الَّتِي كَثُرَ فِيْهَا الخَوْضُ وَالكَلامُ، بَيْنَ المُتَّبِعِيْنَ للسَّلَفِ الصَّالِح مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْن، وَالخَلَفِ المتأَخِّرِيْن (١). مَذْهَبُهُ فِي الاسْتِوَاء: قَالَ مُحَمَّد بن صَالِح بن هَانِئ: سَمِعْتُ ابن خُزَيْمة يَقُولُ: مَنْ لَمْ يُقِر بِأَنَّ الله عَلَى عَرْشِهِ قَدْ اسْتَوَى فَوْقَ سَبع سَمَاوَاتِهِ فَهُوَ كَافِر بِرَبِهِ، يُسْتَتَابُ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَأُلْقِي عَلَى بَعْضِ المَزَابِلِ، حَيْثُ لا يَتَأَذَّى المُسْلِمُوْن وَالمُعَاهِدُوْنَ بِنَتَنِ جِيْفَتِهِ، وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا، لا يَرِثُهُ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِيْن، إِذْ "المُسْلِمُ لا يَرِثُ الكَافِر" كَمَا قَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" (٢).

стр. 66

وَقَالَ ابْنُ القَيِّم فِي "النُّوْنِيَّة" (١): وَهُوَ الَّذِي قَدْ شَجَّعَ ابْنَ خُزَيْمَةٍ ... إِذْ سَلَّ سَيْفَ الحَقِّ وَالعِرْفَانِ وَقَضَى بِقَتْلِ المُنْكِرِيْنَ عُلُوَّهُ ... بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِمْ مِنَ الكُفْرَانِ وَبِأَنَّهُمْ يُلْقَوْنَ بَعْدَ القَتْلِ فَوْقَ ... مَزَابِلَ المَيْتَاتِ وَالأَنْتَانِ فَشَفَى الإِمَامُ العَالِمُ الحَبْرُ الَّذِي ... يُدْعَى إِمَام أَئِمَّةِ الأَزْمَانِ وَلَقَدْ حَكَاهُ الحَاكِمُ العَدْلُ الرِّضَا ... فِي كُتْبِهِ عَنْهُ بِلَا نُكْرَانِ مَذْهَبُهُ فِي القُرْآن: قَالَ أَبُو الوَلِيد الفَقِيْهُ: سَمِعْتُ ابنَ خُزَيْمَة يَقُولُ: "القُرْآنُ كَلامُ اللهَّ، وَمَنْ قَالَ: مَخْلُوْقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَلا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ المُسْلِمِيْن" (٢). وَقَالَ أَبُو سَعْد عَبْد الرَّحْمَن بن المُقْرِئ: سَمِعْتُ ابنَ خُزَيْمة يَقُولُ: القُرْآن كَلامُ اللهَّ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيْلُهُ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ شَيْئًا مِنْ تَنْزِيْلِهِ وَوَحْيِهِ مَخْلُوْقٌ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى مَخْلُوْقَة، أَوْ يَقُولُ: إِنَّ القُرْآن مُحْدَثٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِي بانَ لَهُ أَنَّ الكُلّابِيَة كَذَبَةٌ فِيْمَا يَحْكُوْن عَنِّي فَقَدْ عَرَفَ الخَلْقُ أَنَّهُ لَمْ

стр. 67

يُصَنِّفْ أَحَدٌ فِي التَّوْحِيد، وَالقَدَرِ، وَأُصُوْلِ العِلْم مِثْلَ تَصْنِيْفِي" (١). عَقِيْدَتُهُ في الصِّفَات: قَالَ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ "التَّوْحِيد" (٢): "فَنَحْنُ وَجَمِيعُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَهْلِ الحجَازِ، وَتِهَامَةَ، وَالْيَمَنِ، وَالْعِرَاقِ، وَالشَّامِ، وَمِصرَ، مَذْهَبُنَا: أَنَّا نُثْبِتُ لله مَا أَثْبَتَهُ الله لِنَفْسِهِ، نُقِرُّ بِذَلِكَ بِأَلْسِنَتِنَا، وَنُصَدِّقُ ذَلِكَ بِقُلُوبِنَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ نُشَبِّهَ وَجْهَ خَالِقِنَا بِوَجْهِ أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، عَزَّ رَبُّنَا عَنْ أَنْ يُشْبِهَ الْمَخْلُوقِينَ، وَجَلَّ رَبُّنَا عَنْ مَقَالَةِ الْمُعَطِّلِينَ، وَعَزَّ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا كَمَا قَالَهُ الْمَبْطِلُونَ، لِأَنَّ مَا لَا صِفَةَ لَهُ عَدَمٌ! تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الجَهْمِيُّونَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ صِفَاتِ خَالِقِنَا الَّذِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ". عَقِيْدَتُهُ فِي الصَّحَابَةِ: قَالَ البَيْهَقِي فِي "الاعْتِقَاد" (٣): أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد الله الحَافِظ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّد بن جَعْفَرٍ المُزكِّي، وَأَبَا الطِّيِّب مُحَمَّدَ بن أَحْمَد الكَرَابِيْسِي، وَأَبَا أَحْمَد بن أَبِي الحَسَن الدَّارِمي يَقُولون سَمِعْنَا أبَا بَكْرٍ مُحَمَّد بن إِسْحَاقَ يَقُولُ - وَهُوَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ﵀: "خَيْرُ النَّاسَ بَعْدَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم وَأَوْلاهُم بِالخِلافَةَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق ثُمَّ عُمَر الفَارُوْق، ثُمَّ عُثْمَان ذُوْ النُّوْرين، ثُمَّ عِلي بن أَبِي طَالِب رَحِمَةُ الله وَرِضْوَاُنهُ عَلَيْهِم أَجْمَعِيْن. قَالَ: "وَكُلُّ مَنْ نَازَعَ أَمِير المُؤْمِنِيْنَ عَلي بن أَبِي طَالِبٍ فِي إِمَارَتِهِ فَهْوُ بَاغٍ، عَلَى هَذَا عَهِدْتُ مَشَايِخنَا، وَبِهِ

стр. 68

قَالَ ابْنُ إِدْرِيس" (١). يَعْنِي: الشَّافِعِي ﵀. وَهَذا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ غَايَةٌ فِي الصِّحَّةٍ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ أَبُو مَنْصُور عَبْد القَادِر بن طَاهِر البَغْدَادِي في كتابه (٢)، وَابْنُ الصَّلاح، وَابْنُ كَثِير (٣)، وَالحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ (٤) عَنِ ابْنِ خُزَيْمَة مِنْ أَنَّهُ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ ﵄، فَيُنْظَرَ فِي صِحَّةِ إِسْنَادِ ذَلِكَ عَنْهُ. المَبْحَثُ الثَّانِي: مَذْهَبُهُ الفِقْهِي: وَقد اشْتَمِلَ هَذَا المَبْحَثُ عَلَى العَنَاصِرِ الآتية: بِدَايَةُ أَخْذِهِ للفِقْهِ: قَالَ الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ": "سَمِعْتُ أَبَا الوَلِيد حَسَّان بن مُحَمَّد الفَقِيْه وَسُئِلَ عِنْدَ مَنْ تَفَقَّهَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة قَبْلَ خُرُوْجِهِ إِلَى مِصر؟ فَقَال: عِنْدَ أَحْمَد بن نَصْر المُقْرِئُ، فَقِيْل: وَعَلَى مَذْهَب مَنْ كَانَ؟ يَعْنِي: أَحْمَد بن نَصْر قَالَ: عَلَى مَذْهَب أَبِي عُبَيْد، خَرَجَ إِلَيْهِ عَلَى كِبَرِ السِّنِّ مُتَفَقِّهًا، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الكُتُب" (٥). وَقَالَ السَّمْعَانِي: "أَدْرَكَ أَصْحَابَ الشَّافِعِي، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِم" (٦).

стр. 69

وَقَالَ الذَّهَبِي: "تَفَقَّهَ عَلَى المُزَنِيِّ وَغَيْرِهِ" (١). وَقَالَ ابنُ المُلَقِّن: "تَفَقَّهَ عَلَى الرَّبِيعِ، وَالمُزَنِيِّ" (٢). وَقَالَ أَبُو بَكْر بنُ هِدَايَةِ الله الحُسَيْنِي: "تَفَقَّهَ عَلَى البُوْطِي، وَالمُزَنِيِّ" (٣). المَذْهَبُ الَّذِي تَفَقَّهَ عَلَيْهِ: وَقَالَ النَّوَوِي فِي "المَجْمُوع": "مُحَمَّدُ بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة الإِمَام مِنْ أَصْحَابِنَا، تَكَرَّرَ فِي "الرَّوْضَة" (٤). وَقَالَ - أَيْضًا: " ... وَاخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْر بن خُزَيْمَة" (٥). وَقَالَ مَرَّةً: " ... إِمَامُ الأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِنَا الفُقَهَاء". وَقَالَ مَرَّةً: "وَجَلالَةُ ابْنِ خُزَيْمَة وَإِمَامَتُهُ فِي الحَدِيثِ وَالفِقْهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِنُصُوْصِ الشَّافِعِي بِالمِحِلِّ المَعْرُوْف". قَالَ شَيْخ الإِسْلام ابن تَيْمِيَّة: مُحَمَّدُ بن إِسْحَاقَ بن خُزَيْمَةَ المُلَقَّبُ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ مِمَّنْ يَفْرَحُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِمَا يَنْصُرُهُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَيَكَادُ يُقَالُ لَيْسَ فِيهِمْ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُ" (٦).

стр. 70

وَقَالَ السُّبُكِّي: "المُحَمَّدُوْن الْأَرْبَعَة: مُحَمَّد بن نَصر، وَمُحَمَّد بن جَرِيْر، وَابْن خُزَيْمَة وَابْن المُنْذر مِنْ أَصْحَابنَا، وَقَدْ بَلَغُوَا دَرَجَة الاجْتِهَاد الْمُطلق، وَلم يُخْرِجْهُم ذَلِك عَن كَوْنِهِم مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيُّ المُخَرِّجِيْن عَلَى أُصُوْلِهِ المُتَمَذْهِبِيْنَ بِمَذْهَبِهِ لِوِفَاقِ اجْتِهَادِهِم اجْتِهَادهُ، بَلْ قَدْ ادّعَى مَنْ هُوَ بَعْدُ مِنْ أَصْحَابنَا الخُلَّص كَالشَّيخِ أَبِى عِلى وَغَيْرِهِ، أَنَّهُم وَافَقَ رَأْيُهُمْ رَأَى الإِمَام الْأَعْظَم، فَتَبِعُوْهُ وَنُسِبُوَا إِلَيْهِ لَا أَنَّهُم مُقَلِّدُوْنَ فَمَا ظَنُّكَ بِهَؤُلاءِ الْأَرْبَعَة فَإِنَّهُم وَإِن خَرجُوا عَن رَأْى الإِمَام الْأَعْظَم فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ فَلَمْ يَخْرُجُوَا فِي الْأَغْلَب، فَاعْرِفْ ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُم فِي أَحْزَابِ الشَّافِعِيَّة مَعْدُوْدُوْن وَعَلَى أُصُوْلِهِ فِي الْأَغْلَبِ مُخَرِّجُوْن، وَبِطَرِيْقِهِ مُتَهَذِّبُوْن، وَبِمَذْهَبِهِ مُتَمَذْهِبُوْن". وَقَالَ مَرَّةً: "ابْنُ نَصْر، وَابْنُ جَرِيْر، وَابْنُ خُزَيْمَة مِنْ أَرْكَانِ مَذْهَبِنَا". وَقَالَ الحافِظُ فِي "الفَتْح" (١): "وَاخْتَارَهُ ابْنُ خُزَيْمَة وَغَيْرُهُ مِنْ مُحَدِّثِيّ الشَّافِعِيَّة". وَقَالَ مَرَّةً: "وَوَافَقَهُم مِنَ الشَّافِعِيَّة ابْن خُزَيْمَة" (٢). وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة: أَبُو عَاصِم العَبَّادِي (٣)، والشِّيْرَازِي (٤)، وَتَبِعَهُمَا: تَاج الدِّين السُّبُكِي (٥)، وَجَمَال الدِّين الإِسْنَوِي (٦)، وَعِمَاد الدِّين

стр. 71

ابن كَثِير (١)، وَسِرَاج الدِّين بن المُلَقِّن (٢)، وَتَقِي الدِّين بن قَاضِي شُهْبَه (٣)، وَابن هِدَايَةِ الله الحُسَيْنِي (٤). وَوَصَفَة الذَّهَبِيُّ "بِالشَّافِعِي" (٥). إِمَامَتُهُ فِي الفِقْهِ، وَقُوَّةُ اسْتِنْبَاطِهِ للأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة: وَصَفَهَ بِالفَقِيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الَّذِيْن أَخَذُوَا عَنْهُ، مِنْهُم: الحَافِظُ أَبُو أَحْمَد الحَاكِم الكَبِير (٦)، وَمُحَمَّد بن أَبِي زَكَرِيَّا الهَمَذَانِي (٧)، وَقَالَ أَبُو بَكْر الصَّدَفِي: "أَبُو بَكْر بن خُزَيْمَة يَسْتَخْرِجُ النُّكَتَ وَالمَعَانِيَ مِنْ حَدِيث رَسُولِ الله ﷺ بِالمَنَاقِيشِ". وَقَالَ أبو العَبَّاس أَحْمَد بن عُمَر بن سُرَيْج فَقِيْهُ العِرَاقَيْنِ وَذُكِرَ عِنْدَهُ ابن خُزَيْمَة، فَقَالَ: أَبُو بَكْر يَسْتَخْرِجُ الفِقْهَ مِنَ الحَدِيثِ بِالمِنْقَاش" (٨). وَفِي لَفْظٍ: "يُخَرِّجُ النُّكُتَ مِنْ حَدِيث رَسُولِ الله ﷺ بِالمِنْقَاش" (٩).

стр. 72

وَقَالَ أَبُو الحَسَن عَلي بن الحَسَن بن مُحَمَّد السَّنْجَانِي أَحَدُ فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة: "نَظَرْتُ فِي مَسْأَلَةِ الحَج" لِمُحَمَّد بن إِسحَاق، فَتَيَقَّنْتُ أَنَّهُ عِلْمٌ لا نُحْسِنُهُ نَحْنُ" (١). وَقَالَ الْإِمَام أَبُو عَليّ الحَافِظ: "كَانَ ابنُ خُزَيْمَة يَحْفَظُ الفِقْهِيَّات مِنْ حَدِيْثِهِ، كَمَا يَحْفَظُ القَارِئُ السُّوْرَة" (٢). وَذَكَرَهُ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم فِي فُقَهَاءِ الإِسْلام أَصْحَاب القِيَاس وَالرَّأْي، والاسْتِنْبَاط وَالجَدَل وَالنَّظَر، وَقَالَ: "وَلَهُ فِقْهُ حَدِيثِ بَرِيْرَةِ فِي ثَلاثَةِ أَجْزَاءٍ، وَمَسْأَلة الحَجّ فِي خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ" (٣). بُلُوْغُهُ دَرَجَةِ الاجْتِهَاد المُطْلَق: يُعَدُّ الإِمَامُ ابنُ خُزَيْمَة مِنَ الأَئِمَّةِ المُجْتَهِدِيْن فِي دِيْنِ الإِسْلام، غَيَرِ المُقَلِّدِيْنَ لأَحَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَعْلامِ، وَقَدْ كَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهِبِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِهِ، حَتَّى صَارَ مَنْ يَتَفَقَّهُ عَلَى مَذْهَبِهِ يُقَالُ لَهُ: الخُزَيْمِيُّ (٤). قَالَ الشِّيْرَازِي فِي طَبَقَاتِ الفُقَهَاء" (٥): "حَكَىَ عَنْهُ أَبُو بَكْر النَّقَّاش أَنَّهُ قَالَ: "مَا قَلَّدْتُ أَحَدًا فِي مَسْأَلَةٍ مُنْذُ بَلَغْتُ سِت عَشْرَة سَنَة".

стр. 73

وَقَالَ ابنُ كَثِير فِي "البِدَايَة" (١): وَهُوَ مِنَ المُجْتَهِدِيْن فِي دِيْنِ الإِسْلام". وَذَكَرَ الحاكم فِي "تَارِيْخِهِ" أَنَّ عَلي بن أَحْمَد كَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ خُزَيَمْة. وَقَالَ الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ": "دَعْلَج بن أَحْمَد السِّجْزِيُّ شَيْخُ أَهْل الحَدِيث فِي عَصْرِهِ، سَمِعَ "المُصَنَّفَات" مِنْ أَبِي بَكْر بنِ خُزَيْمَة، وَكَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِهِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ" (٢). وَعَدَّهُ شَيْخُ الإِسْلام ابْنُ تَيْمِيَّة أَثْنَاء ذِكْرِهِ لمِذَاهِبِ الفُقَهَاء فِي فُقَهَاءِ أَهْلِ الحَدِيث (٣). وَقَالَ لمَّا سُئِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ مِنْهُم ابْنُ خُزَيْمَة هَلْ كَانَ هَؤُلاءِ مُجتهِدُوْن لَمْ يُقَلِّدُوَا أَحَدًا مِنَ الأَئِمَّة؟ أَم كَانُوا مُقَلِّدِيْن؟ فَقَالَ: "أَمَّا مُسْلِم، وَالتِّرْمِذِي، وَالنَّسَائِي، وَابْنُ مَاجَة، وَابْنُ خُزَيْمَة، وَأَبُوْ يَعْلَى، وَالبَزَّار، وَنَحْوُهُم، فَهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الحَدِيثِ، لَيْسُوَا مُقَلِّدِيْنَ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِنَ العُلَمَاءِ، وَلا مِنَ الأَئمةِ المُجْتَهِدِيْنَ عَلَى الإِطْلاقِ، بَلْ هُمْ يَمِيْلُوَنَ إِلَى قَوْلِ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدِ وَأَمْثَالهِم" (٤). وَقَالَ ابنُ كَثِير فِي "البِدَايَة" (٥): وَهُوَ مِنَ المُجْتَهِدِيْن فِي دِيْنِ الإِسْلام".

стр. 74

وَقَالَ ابنُ قَيِّم الجوْزِيَّة: "كَانَ إِمَامُ الأَئِمَّة ابنُ خَزَيْمَة - رَحِمَهُ الله تَعَالَى - لَهُ أَصْحَابٌ يَنْتَحِلُوْنَ مَذْهَبهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا؛ بَلْ إِمَامًا مُسْتَقِلًا كَمَا ذَكَرَ البَيَهْقَي فِي "مَدْخَلِهِ" عَن يَحْيَى بن مُحَمَّد العَنْبَرِي قَالَ: طَبَقَات أَصْحَاب الحَدِيث خَمْسَةٌ: المَالِكِيَّة، وَالشَّافِعِيَّة، وَالحَنَبِلِيَّة، وَالرَّاهَوِيَّة، وَالخُزَيْمِّيَّة أَصحَاب ابن خُزْيَمَة" (١). وَقَالَ السُّبُكِّي: "المُحَمَّدُوْن الْأَرْبَعَة: مُحَمَّد بن نَصْر، وَمُحَمَّد بن جَرِيْر، وَابْن خُزَيْمَة وَابْن المُنْذر مِنْ أَصْحَابنَا، وَقَدْ بَلَغُوَا دَرَجَة الاجْتِهَاد الْمُطلق". تَقَيّد بَعْضُ حُفَّاظِ زَمَانِهِ بِالفَتْوَى عَلَى مَذْهَبِهِ. قَالَ الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ": "عِلي بن أَحْمَد كَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ خُزَيْمَة". * * *

стр. 75

الباب الثَّانِي: حياته العلميَّة الفَصْلُ الأَوَّلُ: سِيْرَتُهُ العِلْمِيَّة وَالدَّعَوِيَّة المَبْحَثُ الأَوَّل: نَشْأَتُهُ العِلْمِيَّة: نَشَأَ الإِمَامُ ابنُ خُزَيْمَة - رَحِمَهُ الله تَعَالَى - مُنْذُ نُعُوْمَةِ أَظْفَارِهِ فِي مَسْقَطِ رَأْسِهِ مَدِيْنَةِ نَيْسَابُوْر؛ أَعْظَم مُدنِ خُرَاسَان وَأَشْهَرِهَا، وَأَكْثَرِهَا أَئِمَّةً فِي مُخْتَلِفِ العُلُوْمِ. قَالَ يَاقُوْت الحَمَوِي فِي "مُعْجَمِ البُلْدَان" (١): "نَيْسَابُوْر: هِي مَدِيْنَةٌ عَظِيمةٌ ذَاتُ فَضَائِل جَسِيْمَةٌ، مَعْدِنُ الفُضَلاء، وَمَنْبَعُ العُلَمَاء، لَمْ أَرَ فِيْمَا طَوَّفْتُ مِنَ البِلادِ مَدِيْنَةً كَانَتْ مِثْلهَا". قَالَ السُّبُكِي: "كَانَتْ نَيْسَابُوْر مِنْ أَجَلِّ البَلادِ وَأَعْظَمِهَا، لَمْ يَكُنْ بَعْدَ بَغْدَادِ مِثْلهَا" (٢). وَقَالَ - أَيْضًا -: "نَيْسَابُوْر قَاعِدَةُ بِلادِ خُرَاسَان إِذْ ذَاكَ فِي العِلْم" (٣). هَذِهِ هِي المَدِيْنَةُ الَّتِي تَرَعْرَعَ فِيْهَا، وَنَهَلَ مِنْ مَعِيْنِهَا، وَتَنَقَّلَ فِي سِكَكِهَا وَدَهَلِيْزِهَا، فَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَئِمَّتِهَا، وَأَعْلامِهَا، وَمَشَاهِيْرِ عُلَمَائِهَا، وَالوَارِدِيْن عَلَيْهَا، وَقَدْ كَانَ سَمَاعُهُ بِهَا قَبَلَ سِنِّ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، فِي حَدَاثَةِ سِنِّهِ، وَنَقْصِ إِتْقَانِهِ.
следующие страницы →