سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج والتوزيع بالرياض (١٧٠)
المغربية في شرح العقيدة القيروانية
«مقدمة الرسالة لابن أبي زيد القيرواني المغربي ت ٣٨٦ هـ»
وهو ما نقله القيرواني من قول مالك، والمعلوم من مذهبه وما عليه أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث
تأليف
عبد العزيز بن مرزوق الطريفي
стр. 2
المغَرِبيَّة في شَرِحْ الْعَقِيدَةِ الْقَيْرَوَانِيَّة
стр. 3
جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهاج بالرياض
الطبعَة الأولى
١٤٣٨ هـ
مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرّياض
المركَز الرئيسي - الدائري الشرقي - مخرَج ١٥ - جنوب أسوَاق المجد
ت: ٤٤٥٦٢٢٩ - فاكس: ٤٩٦٢٠١٤ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرّياض ١١٥٥٣
الفرُوع - طريق خالد بن الوليد (إنكاس سَابقا) ت: ٢٣٢٢٠٩٥
مكّة المكرمة - الجميزة - الطريق النازل للحَرَم - ت: ٥٧٦١٣٧٧/ ٠٢
المَدينة النَّبويَّة - أِمَام الجامِعَة الإسلاميَّة مِن جهةَ الجنوب - ت: ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤
حِسَاب الدَّار في موقع تويتر: Alminhajj
المُقَدِّمَة
الحمدُ للهِ؛ له الحمدُ كلُّهْ، أوَّلُهُ وآخِرُ، ظاهِرُهُ وباطنُهْ، وله الشكرُ كلُّهُ على ما أفاضَ به وتكرَّمْ، وتفضَّلَ به على عبادِهِ وأنعَمْ.
ونَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه.
وصلَّى اللهُ وسلَّم على النبيِّ الأَمِينْ، محمَّدِ بنِ عبد اللهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينْ.
أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ أعظَمَ الواجباتِ على الإنسانِ: مَعرِفةُ مُوجِدِهِ، وغايةِ وجودِهِ، وحَقِّ مُوجِدِهِ -وهو اللهُ- عليه؛ وذلك أنَّ هذا هو دعوةُ جميعِ الرسل؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وبيانُ الحقِّ يكونُ بأخذِهِ مِن أصولِهِ والتدليلِ عليه به، وبيانُهُ يكونُ بلا جدالٍ ولا مراء؛ فإنَّ الجدالَ والمراءَ الزائدَ عن البَيِّنة يُورِثُ العنادَ والمكابَرة، ويُحدِثُ في نفوسِ المخالِفِينَ العِزَّةَ بالإثمِ حتى وإنِ استبانوا الحقَّ.
فمِن الناسِ مَن يقولُ الخطأَ بِلا قَنَاعة، فإذا جادَلَه أحدٌ عانَدَ وكابَر؛ فيكونُ جِدَالُه تَثْبيتًا للخطأِ في نَفْسِه! ومِثلُ هذا يبيَّنُ له الصوابُ ويُترَكُ بلا جِدال.
стр. 13
وقد نهَجَ الأئمَّةُ مِن السلفِ بيانَ الحقِّ والبعدَ عن الجدالِ الزائد فيه، وقد قيل لمالك: الرجُلُ له عِلْمٌ بالسُّنَّةِ يجادِلُ عنها؟ قال: "لا، ولكنْ يُخبِرُ بالسُّنَّة؛ فإنْ قُبِلَ منه، وإلَّا سكَتَ" (١).
وإيضاحُ الحقِّ بلا جدالٍ ولا مراءٍ زائدٍ عن الحُجة، يُبقِي في قلبِ المخالِفِ قبَسًا منه وإنْ لم يُظهِرْ قَبُولَه، وربَّما حمَلَهُ ذلك على المراجَعةِ في السِّرِّ؛ تهيُّبًا من الرجوع في العَلَن؛ فللنَّفْسِ سُلْطانٌ وعِزَّةٌ لا يَغلِبُها بالحقِّ إلا النُّدْرةُ مِن أصفياءِ الناس.
والواجبُ على المتكلِّم: بيانُ الحقِّ بحُجَّتِهِ بما يَفهَمُهُ السامعُ والقارئُ بلا تكلُّف، مع الأخذِ في الحُسْبانِ: المعانِدُ، وضعيفُ الفَهْم، والتفريقُ بينهما؛ فإنَّ بعضَ مَن يَعجِزُ عن الفهم، يظُنُّ أنَّ القائلَ يَعجِزُ عن التعبير؛ وهذا يُمكِنُ تقريبُهُ بالرِّفْق، ويُمكِنُ أن يُبعَدَ فيَصنَعَ منه الإبعادُ معانِدًا بالشِّدَّة.
ولم يَزَلِ العلماءُ يعرِّفونَ الإنسان ويذكِّرونَهُ بذلك، ويعرِّفونَهُ بحقِّ ربِّه عليه، وذلك في كلِّ بلدٍ، وفي كلِّ زَمَن، ولم تَخْلُ بلدٌ مِن بلدانِ الإسلامِ مَشرِقًا ومَغرِبًا مِن مبلِّغٍ عن اللهِ مُقِيمٍ للحُجَّةِ على الخلق؛ وهذا مقتضى حفظِ اللهِ لدينِهِ أنْ سخَّر له حَفَظةً يَحفَظُونَهُ ويبلِّغونه.
وفي المغرِبِ أئمَّةٌ على آثارٍ مِن سلفٍ؛ فقد نَزَلَها صحابةٌ وتابعون، وأئمَّةٌ مهتدون، وأخَذَ عنهم أهلُها، ومنهم أبو محمَّدٍ عبدُ اللهِ بنُ أبي زيدٍ القَيْرَوَانيُّ، وله كتبٌ على آثارٍ مِن السلفِ في الأصولِ والفروع، ومنها كتابَاهُ: "الرِّسَالة"، و"الجامِع"، وقد أبان فيهما اعتقادَ السلفِ في
стр. 14
مَعرِفةِ اللهِ وحقِّه على عبادِه، وقد تعدَّى نفعُ كتبِهِ أهلَ بلدِهِ؛ فانتفَعَ بها أهلُ المشرِقِ والمغرِب.
هذا؛ وقد زُرْتُ القيروانَ عامَ ثلاثةٍ وثلاثينَ وأربعِ مِئَةٍ وألفٍ، وكان في أهلِها حبٌّ للعلمِ وحرصٌ على تلَقِّيهِ فيما كان مِن مجالسَ في جامعِ القَيْرَوانِ: (عُقْبةَ بنِ نافعٍ)، وغيرِه.
وقد رَغِبَ إليَّ بعضُ مَن لَقِيتُ: شرحَ معتقَدِ ابنِ أبي زيدٍ، وبيانَ ما عليه أسلافُهُ مِن الأئمَّةِ المهديِّينَ مِن الصحابةِ والتابعينَ، وما عليه الإمامُ مالكٌ وأصحابُهُ؛ خاصَّةً مِن أهلِ المغرِبِ الذين لا يَختلِفُونَ عن طَبَقَتِهم مِن الأئمَّةِ في شيءٍ مِن الأصولِ إلا باختلافِ الأَرْض، وتباعُدِ القُطْر.
وقد كان التعليقُ على مقدِّمة "الرِّسَالة"؛ مِن غيرِ إطالةٍ تُمِلّ، ولا اختصارٍ يُخِلّ، حتى يتحقَّقَ المقصود، ومِن اللهِ التوفيقُ والتسديد.
وصلَّى اللهُ وسلَّم على النبيِّ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين
عبد العزيز الطَّرِيفي
стр. 15
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين، مستوجِبِ كمالِ الشكرِ لتفرُّدِهِ بالنِّعَمْ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِ ولَدِ آدَمَ المبعوثِ لجميعِ الأُمَمْ:
أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ توفيقَ الإنسانِ يكونُ بمقدارِ علمِهِ وصدقِهِ فيه؛ فلا ينالُ التوفيقَ إلَّا بالعلمِ بالحَقّ، وكمالُ التوفيقِ إصابةُ الحقِّ عن علمٍ به، وذلك أنه قد يُصِيبُ الإنسانُ الحقَّ وهو جاهلٌ؛ وذلك بالصُّدْفةِ والتقليد، ومَن أصاب الحقَّ بالصُّدْفةِ والتقليدِ لا يثبُتُ عليه، وإنما يتغيَّرُ بحسَبِ عواملِ الصُّدْفةِ وسَيْرِ المتبوعينَ وما يَلحَقُهُ مِن خوفٍ أو طمَعٍ في طريقِه.
وقد ينشأُ الإنسانُ في بلدٍ أو مجتمَعٍ ويكونُ على ما كان عليه مَنشَؤُه، وقد يُصيبُ الحقَّ وقد لا يُصيبه، وقد يُصيبُهُ عن علمٍ، وقد يُصيبُهُ عن جهلٍ، كما أنه قد يُخطِئُهُ عن علمٍ، وقد يُخطِئُهُ عن جهلٍ.
* فضلُ العلم وأفضَلُه:
ولا يَختلِفُ الناسُ على فضلِ العلم، وأنَّ زيادةَ اليقينِ تكونُ -من بينِ ما تكون- بمقدارِ زيادةِ العلم، وأعظَمُ مراتبِ اليقينِ اليقينُ بالله، ففضلُ العلومِ بفضلِ المعلوم، وأفضَلُ العلومِ نوعان:
الأوَّل: العلمُ بالمعبودِ؛ وهو اللهُ تعالى.
الثاني: العلمُ بحقِّ المعبودِ، وحقُّه: أن يُعبَدَ وَحدَه بما شرَعَ؛
стр. 16
فالعبادةُ هي الصلةُ التي تكونُ بين العابِدِ ومعبودِه، والمخلوقِ وخالقِه.
وأدنى دَرَكاتِ الجَهْلِ: الجهلُ بالمعبود، ثُمَّ الجهلُ بعبادتِه؛ فمَن كان جاهلًا بالله، صرَفَ العبادةَ لغيرِ الله، ومَن كان عالِمًا بالله، وجاهلًا بالعبادةِ، عبَدَ اللهَ بغيرِ ما شَرَع، ومَن كان جاهلًا بالعبادةِ والمعبود، وقَعَ في الشركِ والبدعةِ كِلَيْهما.
وقد أوجَدَ اللهُ الإنسانَ في الأرض، وجعَلَ له عقلًا لِيُبْصِرَ به دنياه، وأنزَلَ إليه النقلَ (الوَحْيَ) ليُبْصِرَ به دِينَه؛ فمَن عطَّل العقلَ، فسَدَتْ دنياه؛ كما تفسُدُ دنيا المجنون، ومَن عطَّل النقلَ، فسَدَ دِينُهُ؛ كما يفسُدُ دِينُ المحرِّفينَ وأهلِ الأهواء، ومَن أبصَرَ فسادَ دنيا فاقدِ العقل، عرَفَ كيف يكونُ فسادُ دِينِ فاقِدِ النقل.
* حفظُ العقلِ والنقلِ:
وقد فطَرَ اللهُ الإنسانَ على الاحترازِ ممَّا يُفسِدُ عقلَهُ مِن الأمراضِ والعِلَلِ؛ حتى لا تؤثِّرَ على دنياه، وبمثلِ ذلك جاءت حِيَاطةُ النقلِ مِن الأهواءِ والبِدَعِ؛ حتى لا تؤثِّرَ على الدِّين، ولكنْ لما كانت لَذَّةُ الدنيا عاجِلةً، ومتعةُ الآخرةِ آجِلةً، غلَبَ على الناسِ حمايةُ الدنيا أكثَرَ مِن حمايةِ الدين.
وقد وصَفَ اللهُ مَيْلَ الإنسانِ وحبَّه للذةِ العاجلةِ في مواضع؛ قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠]، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإنسان: ٢٧]، وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء: ١٨].
فالنفسُ ميَّالةٌ للمتعةِ العاجلةِ؛ فإنَّ المتعةَ العاجِلةَ تسلُبُ الحواسَّ وتَجذِبُها إليها؛ ولهذا أمَرَ اللهُ بعدمِ مدِّ البصَرِ إليها حتى لا تَجذِبَهُ وتَحرِفَهُ، وقد قال اللهُ لنبيِّه المعصومِ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ
стр. 17
أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، والتوسُّعُ بالمتعةِ العاجلةِ يُنسِي النعيمَ الآجِلَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨].
وسَيْرُ الإنسانِ لتحقيقِ المتعةِ الدنيويَّةِ والاكتفاءُ بذلك، قَدْرٌ يُشارِكُهُ فيه الحيوانُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، بل إنَّ الحيوانَ أكمَلُ في تحقيقِ كمالِ متعتِهِ مِن الإنسان، ولكنَّ اللهَ اختصَّ الإنسانَ بالعبوديَّة له؛ وهي التي يُفارِقُ الإنسانُ بها الحيوان؛ ولهذا فإنَّ اللهَ إذا ذكَرَ الإنسانَ في القرآنِ ذكَرَهُ مذمومًا، وإذا وصفَهُ بالإيمانِ مدَحَهُ.
وقد أنزَلَ اللهُ الوحيَ ليحفظَ العقولَ مِن سطوةِ النفوسِ واستبدادِها على الإنسان.
* فضلُ قُرْبِ الزمانِ والمكانِ الأوَّلِ:
وأصحُّ الناسِ اعتقادًا وأسلَمُهم فهمًا: أصحابُ القرونِ الثلاثةِ الأُولى؛ لقولِهِ ﷺ : (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)، وقد أنزَلَ اللهُ الوحيَ على نبيِّه ﷺ بلسانٍ عَرَبيٍّ مُبِين، وكان وضعُهُ على وضعِ قُرَيْشٍ ولسانِهم، وأقرَبُ الناسِ إلى الحَقِّ وفهمِهِ: مَن تحقَّق فيه القُرْبانِ مِن الوحيِ:
القربُ الأوَّلُ: قربُ الزمان.
والقربُ الثاني: قربُ المكان.
وقد كان طُلَّابُ الحقِّ في القرونِ الأُولى يعظِّمونَ أهلَ الفقهِ في الحجاز، ويقدِّمونَ فَهْمَهم:
стр. 18
فكلَّما كان الواحدُ منهم أسبَقَ زمنًا وأقرَبَ مكانًا، كان أقرَبَ إلى الصوابِ مِن غيرِه؛ لأنَّ الوحيَ نزَلَ بين أظهُرِهم وبلسانِهِم أو لسانِ مَن حَوْلَهم.
وكلَّما تقادَمَ الزمانُ، وتباعَدَ المكان، ضَعُف اللسان.
وقد يُوجَدُ صحيحُ الاعتقادِ بعيدَ المَنزِل، وقريبُ المَنزِلِ فاسدَ الاعتقاد.
* المَغرِبُ في زمَنِ الصحابةِ والتابعين:
دخَلَ الإسلامُ المَغرِبَ في خلافةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، ثُمَّ توسَّع في خلافةِ مَن بعدَهُ؛ كعُثْمانَ، ثُمَّ في إمارةِ مُعاوِيةَ، ويَزِيدَ، وعبدِ المَلِكِ بن مَرْوانَ:
فإنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قد بعَثَ عَمْرَو بنَ العاصِ، وعُثْمانُ بعَثَ عبدَ اللهِ بنَ أبي السَّرْح، ومعاويةُ بعَثَ رُوَيفِعَ بنَ ثابتٍ، ومعاويةَ بنَ حُدَيْجٍ، وعبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْرِ، وعُقْبةَ بنَ نافعٍ، وجاء يزيدُ وأتَمَّ أمرَ عُقْبةَ بنِ نافعٍ.
وكلُّ أولئكَ المبعوثينَ صحابةٌ؛ إلا عُقْبةَ، فمولودٌ زمَنَ النبيِّ ﷺ ؛ وبه دخَلَ الإسلامَ عامَّةُ المَغرِبِ الأدنى والأوسَط، حتى بلَغَ محيطَهُ الأَطْلَسِيَّ، ومما اشتَهَر عنه قولُهُ: "اللَّهُمَّ، اشْهَدْ أَنِّي قَدْ بَلَغْتُ المَجْهُودَ، وَلَوْلَا هَذَا البَحْرُ، لَمَضَيْتُ فِي البِلَادِ أُقَاتِلُ مَنْ كَفَرَ بِكَ؛ حَتَّى لَا يُعْبَدَ أَحَدٌ دُونَكَ" (١).
ثم اتسَعَ الإسلامُ بعدُ بيَدِ زُهَيْرِ بنِ قيسٍ، وموسى بنِ نُصَيْرٍ، وطارقِ بنِ زيادٍ؛ حتى جاوَزَتِ الأَنْدَلُسَ إلى جنوبِ فَرَنْسَا.
стр. 19
وكلُّ هذا قبلَ تمامِ المئةِ مِن الهِجْرة.
وقد دخَلَ بلدانَ المغربِ جماعةٌ مِن الصحابةِ فاتحين، وقد سمَّى أهلُ السِّيَرِ خلقًا منهم متفرِّقين؛ يقرُبُونَ أو يزيدون على خمسينَ نَفْسًا، وقد أخرَجَ ابنُ عبد الحَكَمِ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ؛ قال: "غَزَوْنَا إفريقيَّةَ معَ معاويةَ بنِ حُدَيْجٍ، ومعنا بَشَرٌ كثيرٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ مِن المهاجِرِينَ والأنصارِ" (١).
وأمَّا التابعونَ: فخلقٌ كثيرٌ لا يُحصَوْنَ، وقد ارتحَلَ إلى المَغرِبِ جماعةٌ مِن فقهاءِ التابِعينَ ممَّن سَمِعَ أو أدرَكَ جماعةً مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ -كابنِ عبَّاس، وابنِ عُمَر، وعبدِ اللهِ بنِ عمرو، وطبقتِهم -لنشرِ العلمِ في المغرِبِ؛ كحَيِّ بنِ مَوْهَبٍ المَعَافِرِيِّ، وحِبَّانَ بنِ أبي جَبَلةَ القُرَشيِّ، وإسماعيلَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ القُرَشيِّ، وبكرِ بنِ سَوَادةَ الجُذَاميِّ، وعبدِ الرحمنِ بنِ رافعٍ التَّنُوخِيِّ، وعبدِ اللهِ بنِ يزيدَ المَعَافِرِيِّ، وإسماعيلَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أبي المُهاجِر، وجُعْثُلِ بنِ عاهانَ الرُّعَيْنِيِّ، وسعدِ بنِ مسعودٍ التُّجِيبِيِّ، وطَلْقِ بنِ جَعْبانَ الفارسيِّ.
وهؤلاءِ أرسَلَهم عمرُ بن عبدِ العزيزِ لتعليمِ أهلِ المغرِب.
وكذلك في المغرِبِ مِن التابعينَ: عبدُ اللهِ بن أبي بُرْدةَ القُرَشيُّ، وعُلَيُّ بن رَبَاحٍ اللَّخْميُّ.
وعامَّةُ هؤلاءِ سكَنَ القَيْرَوانَ بلدَ ابنِ أبي زيدٍ، وأكثَرُهم تُوُفِّيَ فيها، وخَلَفَهم في ذلك تلامذتُهم، وكان السلفُ يسمُّونَ القيروانَ بإفريقيَّةَ، وقد قال مالك: "تُوُفِّيَتْ حَفْصةُ عامَ فُتِحَتْ إفريقيَّةُ" (٢)؛ يريدُ: القيروانَ،
стр. 20
وهكذا في "المدوَّنة" إذا أُطلِقَ إفريقيَّةُ، فالمراد بها: القَيْرَوانُ؛ لأنها أظهَرُ مَعَالِمِها وعَوَامِرِها (١).
* السُّنَّةُ والأثَرُ وعلمُ الكلامِ في المَغرِب:
وكان الناسُ في إفريقيَّةَ والمَغرِبِ على السُّنَّةِ والأثَر، ولمْ تَظهَرْ فيهم البِدَعُ متمكِّنةً، ولا علمُ الكلامِ والفلسفةُ، وقد كان الفيلسوفُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ الطُّفَيْلِ القَيْسيُّ في القرنِ السادسِ يصفُ نُدْرةَ الفلسفةِ في المغرِبِ بأنها أعدَمُ مِن الكِبْرِيتِ الأحمَر (٢)، وكانتِ المغربُ آخِرَ بلدانِ الإسلامِ يَنتظِمُ فيها علمُ الكلام، وقد كانت بلدانُ الإسلامِ على جهاتٍ ثلاثٍ:
الأُولى: بلادُ المَشرِقِ؛ وهي: مِن عِرَاقِ العجَمِ إلى خُرَاسانَ وما وراءَها، وهي موضعُ الفلاسفةِ في الإسلام، وفيها ظهَرَ علمُ الكلامِ، ودخَلَ في تقريرِ مسائلِ الدِّين؛ كأقوالِ الجَهْمِ بنِ صَفْوانَ، والجَعدِ بنِ دِرْهَمٍ، وهي مَوطِنُ الفارابيِّ، وابنِ سِينَا، وابنِ مِسْكَوَيْهِ، وهي موطنُ الأئمَّةِ المتكلِّمينَ؛ كابنِ فُورَكَ، وأبي إسحاقَ الإِسْفَرايِينيِّ، وأبي القاسمِ القُشَيْرِيِّ، والجُوَيْنِيِّ، والغَزَاليِّ.
الثانية: بلادُ المَغرِبِ؛ وهي: المغرِبُ الأدنى؛ وتُسمَّى إفريقيَّةَ، وهي القيروانُ وما حولَها، والمغرِبُ الأقصى؛ وهي الأَندَلُسُ وما وراءَها.
الثالثةُ: ما بينَهما؛ وهي: جزيرةُ العرَبِ وما اتصَلَ بها مما بين
стр. 21
المشرِقِ والمغرِبِ، وما يَربِطُ بهما مِن عراقِ العرَبِ والشامِ، وإنْ كان العراقُ يَعُدُّهُ أهلُ الحجازِ شرقًا، والشامُ يَعُدُّونَهُ غربًا.
* أثَرُ المَشرِقِ على المَغرِب:
والمذاهبُ الإسلاميَّةُ في المَغرِبِ في الأصولِ والفروعِ، إنما أُخِذَتْ مِن المشرقِ؛ حتى مذهبُ أهلِ الظاهِرِ لم ينشأْ في المغرِبِ؛ وإنما نَشِطَ فيه، ونشأتُهُ مشرقيَّة.
ومَن نظَرَ في عامَّةِ متكلِّمي الأشاعِرةِ في المَشرِق، وجَدَ أنهم لا يكادونَ يذكُرُونَ متكلِّميهم في المَغرِب؛ بخلافِ المغارِبةِ مع متكلِّميهم في المَشرِق، حتى القرنِ التاسع.
* فلسفة اليُونان وأثَرُها على المتكلِّمِين:
وبعضُ العلومِ كالفلسفةِ أصلُها في الغربِ؛ فقد كان رؤوسُ الفلاسفةِ يونانيِّين، ولكنْ لم تُؤَسْلَمْ فلسفتُهم إلا في المشرقِ أوَّلَ الأمر، ثم أخَذَها المغاربةُ بعد أَسْلَمَتِها من الشرقِ، ولم يُؤسْلِمُوها بأنفسِهم.
وقد ذكَرَ الفيلسوفُ اليهوديُّ ابنُ مَيْمونٍ القُرْطُبيُّ (١): أنَّ كلَّ ما قالَتْهُ المعتزِلةُ والأشاعِرةُ في علمِ الكلامِ مبنيٌّ على مقدِّماتٍ مأخوذةٍ كلِّها مِن كتبِ اليونانيِّينَ والسُّرْيانيِّينَ، الذين رامُوا مخالَفةَ آراءِ الفلاسِفةِ الذين يَطْعُنُونَ في دِينِهِمُ النَّصْرانيِّ، ودعَمَهُمْ ملوكٌ يريدونَ منهم حمايةَ دِينِهم مِن تلك الآراءِ الفلسفيَّةِ التي تَهُدُّ قواعدَ شَرِيعَتِهم؛ فنشَأَ فيهم علمُ الكلامِ، وعنهم أخَذَ المعتزِلةُ، ثم الأشاعِرة، وطبَّقوه بزَعْمِهم حمايةً للدِّينِ مِن تلك الآراءِ، واختارُوا مِن آراءِ الفلاسِفةِ ما رأَوْهُ مستقيمًا على طَرِيقَتِهم؛
стр. 22
حتى قال ابنُ مَيْمونٍ: "إنَّه نظَرَ في كتبِ المتكلِّمِينَ والفلاسِفةِ كلِّهم حسَبَ طاقتِهِ -مِن اليهودِ والنصارى والمسلِمِينَ- فوجَدَ أنَّ طريقَ المتكلِّمينَ كلِّهم طريقٌ واحدٌ بالنوع، وإنِ اختلَفَتْ أصنافُه، وأنَّهم في مواضعَ كثيرةٍ يَتَّبِعُونَ الخَيَال، ويسمُّونه عقلًا" (١).
* اعتقاد أهلِ المغرب:
ولم يكنِ الناسُ في المغرِبِ أهلَ جَدَلٍ، بل أهلَ سُنَّةٍ وأثَر، حتى في المغربِ الأقصى الأَندَلُسِ، وكما قال الباجيُّ: "كانوا عن سَنَنِ المُجادِلةِ عادِلِين" (٢)، وقِلَّةُ الجدَلِ في متقدِّمي أهلِ المغرِبِ لا تعني عدَمَهُ فيهم؛ فلابنِ سُحْنُونٍ كتابٌ في "أدَبِ المتناظِرين"، وكانوا على معتقَدِ السلَفِ، فنُقِلَ إليهم اعتقادُ مالكٍ، كما نُقِلَ إليهم فِقْهُه، ونُقِلَ إليهم اعتقادُ أحمدَ بنِ حنبلٍ؛ فقد أدخَلَهُ المغرِبَ الأقصى والأدنى: أَسْلَمُ بن عبد العزيزِ قاضي قضاةِ الأَنْدَلُسِ، وقد ارتحَلَ ولَقِيَ أصحابَ أحمَدَ، وأصحابَ الشافعيِّ؛ كالمُزَنيِّ، والرَّبِيعِ، ويونسَ بنِ عبد الأعلى، وغيرهم، كما أسنَدَ عقيدةَ أحمدَ بنِ حنبلٍ بروايةِ أسلَمَ وسنَدِهِ: محمَّدُ بن الحارثِ الخُشَنيُّ القَيْرَوانيُّ في كتابِهِ: "أخبارِ الفُقَهاءِ والمحدِّثينَ بالأَندَلُس"، وفيها عقيدتُهُ بصفاتِ اللهِ؛ كالاستواءِ، وكلامِ الله، وعلوِّهِ، ومَعِيَّتِه، ومسائلِ الإيمانِ والبعثِ، وابنُ الحارِثِ ناقلُ عقيدةِ ابنِ حنبلٍ تلك، هو شيخُ ابنِ أبي زَيْدٍ القَيْرَوانيِّ.
والاعتزالُ لم يكنْ منتشِرًا في المغرِبِ في القرنِ الثاني والثالثِ والرابعِ لدى العلماءِ؛ يَعقِدُونَ له المجالسَ، ويصنِّفُونَ فيه الكتبَ؛ فلم
стр. 23
يَتَبَنَّهُ عالمٌ معتَبَرٌ، ولا رأسٌ في الشريعة؛ وهذا في المغربِ عامَّةً الأقصى والأدنى، وخاصَّةً مِن المالكيَّةِ أتباعِ مالكٍ، حتى قيلَ: "إنَّه لا يُوجَدُ مالكيٌّ معتزليٌّ إلا أبا إسحاقَ إبراهيمَ الغافقيَّ"؛ كما قاله أبو العبَّاسِ أحمَدُ المَقَّرِيُّ في "النَّفْح" (١).
وقد قال ابنُ حَزْمٍ في "رسائلِهِ" (٢): "وأمَّا علمُ الكلامِ: فإنَّ بلادَنا وإنْ كانت لم تَتجاذَبْ فيها الخصوم، ولا اختَلَفَتْ فيها النِّحَل، فقَلَّ لذلك تصرُّفُهم في هذا البابِ؛ فهي على كلِّ حالٍ غيرُ عريَّةٍ عنه، وقد كان فيهم قومٌ يَذهَبُونَ إلى الاعتزال".
وبنحوِهِ قال ابنُ جُبَيْرٍ صاحبُ "الرِّحْلة" (٣): أنَّ المغرِبَ على جادَّةٍ واضحة، لا بُنيَّاتِ لها، وليس فيه ما في الجهاتِ الشرقيَّةِ مِن أهواءٍ وبِدَعْ، وفرقٍ ضالَّةٍ وشِيَعْ.
* وجودُ الاعتزالِ في المغرِبِ، وموقفُ العلماءِ منه:
والاعتزالُ في المغرِبِ موجود، ووجودُهُ لا يعني أنَّ له شَوْكةً ورأسًا في علمٍ؛ كما قال ابنُ عبد البَرِّ فيهم: "لا يُعَدُّونَ عند الجميعِ في جميعِ الأمصارِ في طبقاتِ العلماء"؛ كما في كتابِه "الجامع" (٤)، وقد كان العلماءُ لا يَرُدُّونَ عليهم بالتصنيفِ ردًّا ظاهِرًا؛ لأنهم لا يَعُدُّونَ خلافَهُمْ خلافًا؛ كما قاله ابن عبد البَرِّ في "الاستذكار" (٥).
ووجودُهُمْ في تلك القرونِ في طبقتَيْن:
الطبقة الأُولى: حَمَلةٌ مِن العامَّةِ وأواسِطِ المتعلِّمينَ، لا يُنسَبُونَ إلى
стр. 24
العلمِ بالشريعةِ والفهمِ فيها؛ وهذا وُجِدَ في أوَّلِ ظهورِ الاعتزالِ في المشرِقِ؛ فقد ارتحَلَ بعضُ أصحابِ واصلِ بنِ عَطَاءٍ إلى المغرِبِ؛ كعبدِ اللهِ بنِ الحارِث، وتأثَّر بهم بعضُ عَوَامِّ المَغرِبِ وجُهَّالِهم؛ خاصَّةً مِن البَرْبَرِ في تَاهَرْتَ في المغربِ الأوسَطِ الجزائرِ اليومَ.
الطبقة الثانية: بعضُ أمراءِ المغرِبِ؛ ككثيرٍ مِن الأَغَالِبةِ؛ فقد كانوا على الاعتزالِ؛ اقتداءً ببعضِ أمراءِ المشرِقِ مِن بني العبَّاسِ؛ كالمأمونِ، والمعتصِمِ، والواثِقِ، وبعضِ قُضَاتِهم؛ وذلك لِمَا جعَلَهُ اللهُ مِن تأثُّرِ النفوسِ بالعِلْيةِ والكُبَراءِ؛ فيَقتدِي الأدنى بالأعلى فيُحاكِيهِ، فحاكى بعضُ أمراءِ المغرِبِ أمراءَ المشرِقِ، وحاكى بعضُ قضاةِ المغرِبِ قضاةَ المشرِقِ؛ فحمَلَ بعضُ أُمَراءِ الأَغَالِبةِ -وهم أولادُ الأَغْلَبِ بنِ سالِمٍ التميميِّ، قائدِ بني العبَّاسِ في غزوِ المغربِ- الناسَ على الاعتزالِ؛ كمحمَّدٍ وأحمدَ ابنَيِ الأغلب، ومِن القضاةِ والمنسوبينَ إلى العلمِ المغاربةِ: ابنُ أبي الجَوَّادِ، ومحمَّدُ بن الأسوَدِ الصَّدِّينِيُّ، وسُلَيْمانُ بن عُمَرَ العِرَاقيُّ القَيْرَوانيُّ، ومِن أشهَرِهم: سُلَيْمانُ بن أبي عصفورٍ الحنفيُّ شيخُ الاعتزالِ بالقيروانِ، ويُعرَفُ بالفَرَّاء؛ فقد كتَبَ في خَلقِ القرآنِ، وكان مقامُهُ قريبًا مِن مقامِ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ عندَ المشارِقةِ؛ فهو مِن أصحابِ بِشْرٍ، وأبي الهُذَيْلِ، ومِن الراحِلِينَ إليهم.
وقد امتُحِنَ في المغربِ العلماءُ والعامَّةُ؛ كسُحْنُونِ بنِ سعيدٍ، وموسى بنِ معاويةَ، وكان سُحْنُونُ بن سعيدٍ عصريًّا لأحمدَ بنِ حنبلٍ، وقام وثبَتَ في فتنةِ خلقِ القرآنِ في المغرِبِ؛ كما قام ابنُ حنبلٍ وثبَتَ في المشرِق.
وكان العلماءُ والعامَّةُ يهجُرُونَ أهلَ الكلامِ ومَن يقولُ بقولهم؛ فقد
стр. 25
كان بُهْلُولُ بنُ راشدٍ، وسُحْنُونُ بنُ سعيدٍ، وعليُّ بنُ زيادٍ: لا يسلِّمون عليهم، وكان سُحْنُونُ بنُ سعيدٍ لا يصلِّي خَلْفَهم، بل كان عبدُ اللهِ بنُ فَرُّوخٍ، وابنُ غانمٍ، وبُهْلُولُ بنُ راشدٍ، لا يصلُّون على جَنائِزِهم، وقد حكى بعضُ علماءِ المغربِ اتفاقَ علماءِ السُّنَّةِ المغارِبةِ على أنه لا تجوزُ الصلاةُ على مَن يَدِينُ بالاعتزالِ.
* بدايةُ رَدِّ المغاربةِ على المشارِقةِ في الفروعِ لا في الأصول:
والمذاهِبُ الفقهية -ومنها: المذاهِبُ الأربعةُ المشهورة- مذاهِبُ فقهيَّة، وليست طُرُقًا عَقَدِيَّة؛ فليس كلُّ مَن انتسَبَ إلى إمامٍ في الفروع، فهو على طريقتِهِ في الاعتقاد، ولا يُنسَبُ للإمامِ اعتقادٌ قرَّره بعضُ أتباعِهِ في الفروع.
ومَن نظَرَ في كثيرٍ مِن رؤوسِ الاعتزالِ، وجَدَهم حنفيَّةً في الفروعِ، وأبو حنيفةَ بريءٌ مِنِ اعتزالهم، وهكذا في بعضِ مَن ينتسِبُ لمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ فتؤخَذُ مذاهبُ الفروعِ بمأخَذٍ غيرِ طرائقِ العقائد.
ولم تَظهَرِ الأهواءُ في المغربِ منتظِمةً مبكِّرةً؛ كما ظهَرَتْ في المشرِقِ والعراقِ والشامِ، وقد كانت غايةُ البدعِ الكلاميَّةِ يَحمِلُها أفرادٌ، وربَّما يتهيَّبون من الدعوةِ إليها والكتابةِ بها، وكان عامَّةُ ردودِ المغارِبةِ ومناظراتُهم في القرنِ الثالثِ والرابعِ -خاصَّةً المالكيَّةَ- في الفروعِ، ودفاعًا عن مالكٍ ومذهبِهِ مِن ردودِ بعضِ المشارِقةِ وغيرِهم عليه؛ خاصَّةً مِن أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأصحابِهما، وخاصَّةً في كتابِ محمَّد بن الحسَن "الحُجَّةِ على أهلِ المدينة"، وكتابِ الشافعيِّ "اختلافِ مالك"، وغيرِهما.
وقد رَدَّ جماعةٌ مِن المغارِبةِ على الشافعيِّ، منهم: محمَّدُ بنُ سُحْنُونٍ في كتابِهِ "الجوابَات"، ويحيى بن عُمَرَ الكِنَانيُّ الأندلسيُّ
стр. 26
القَيْرَوانيُّ في كتابِهِ "الحُجَّةِ في الردِّ على الشافعيِّ"، ورَدَّ على الشافعيِّ: يُوسُفُ المُغَامِيُّ الأندلسيُّ، وأبو عثمانَ سعيدٌ الحدَّاد، ورَدَّ محمَّدُ بن سُحْنُونٍ على أبي حنيفةَ وأصحابِهِ في كتابِهِ "الردِّ على أهلِ العراق".
وهذه الردودُ كلُّها في القرنِ الثالث.
وقد كانوا يَرُدُّونَ الاحتجاجَ بكتبِ داوُدَ الظاهِريِّ وأقوالِهِ قبلَ دخولِ بعض رجالِ المغربِ في مذهبِه، وقبلَ ولادةِ ابنِ حزمٍ، وأوَّلُ مَن أدخَلَ كتبَ داودَ الأَندَلُسَ تلامذتُهُ: عبدُ اللهِ بن قاسمِ بنِ هِلَالٍ القرطبيُّ، ومُنْذِرُ بن سَعيدٍ البَلُّوطيُّ، ثم أدخَلَ كتبَ داودَ مَغرِبَ إفريقيَّة: محمَّدُ بن خَيْرُونَ القيروانيُّ في "رحلتِهِ إلى العراق"، التي لَقِيَ فيها أصحابَ أحمَدَ، وابنِ مَعِينٍ، وابنِ المَدِينيِّ؛ وهو أوَّلُ مَن أدخَلَها القَيْرَوانَ؛ وهذا قبلَ ولادةِ ابنِ حَزْمٍ بنحوِ قَرْنٍ.
وقد تكلَّم أبو عُثْمانَ سعيدُ بن الحدَّادِ في مسألةٍ، فقيل له: إنَّ داودَ قال فيها كذا وكذا، فقال: "لو كان نَوْمِي كيَقَظةِ داودَ، ما تكلَّمْتُ في العِلْم" (١).
وابنُ الحدَّاد شيخُ شيوخِ ابنِ أبي زَيْد.
ورَدَّ ابنُ أبي زيدٍ نفسُهُ على الظاهريَّةِ وخلافِهم لمالكٍ في كتابِهِ "الذَّبِّ عن مذهبِ مالك"، وكان كتابُهُ ردًّا على كتابٍ لأحدِ الظاهريَّةِ سمَّاه: "التنبيهَ والبيانَ، عن مسائلَ اختلَفَ فيها مالكٌ والشافعيُّ"؛ حيثُ ذكَرَ صاحبُ "التنبيهِ" مخالَفةَ مالكٍ للسُّنَّةِ في بعضِ أصولِ فقهِهِ، وسبعًا وثلاثينَ مسألةً مِن فروعِه، وكان المَغارِبةُ يسمُّونَ داودَ بالقِيَاسيِّ؛ لأنه ينفي القياسَ.
стр. 27
وإنَّما قَوِيَتْ شوكةُ أهلِ الظاهِرِ في المَغرِبِ الأقصى بعدَ ابنِ حزمٍ، وانتشَرَ مذهبُهُمْ حتى القرنِ السابعِ؛ فضَعُفُوا حتى كأنْ لم يكنْ لهم فيها أثَرٌ.
وكتبُ الأئمَّةِ المشارِقةِ السابِقِينَ في العقائدِ معروفةٌ، ولم يكنْ أهلُ المغربِ يَرُدُّونَ على شيءٍ منها، ومِن ذلك: كتبُ أبي جعفرٍ الطَّحَاويِّ الحَنَفيِّ؛ فقد كتَبَ رسالتَهُ في "معتَقَدِهِ ومعتَقَدِ أئمَّةِ مذهبِهِ أبي حنيفةَ وأصحابِه"، وكتَبَ في فروعِهم وأدلَّتِها: "مُشكِلَ الآثار"، و"معانيَ الآثار"، وغيرَهما.
ولم يَرُدَّ عليه المالكيُّونَ إلا في الفروعِ؛ كما رَدَّ عليه شيخُ ابنِ أبي زيدٍ القَيْرَوانيِّ: أبو الفضلِ العبَّاسُ المُمْسِيُّ في تحريمِ المُسكِرِ.
وكثرةُ ردودِهم في الفروعِ في تلك الطَّبَقةِ دليلُ اتفاقِهم في الأصول؛ فإنَّهم لم يكونوا يَختَلِفونَ مع الشافعيِّ ولا أصحابِهِ في عقائِدِهم، ولا لهم في القرنِ الثالثِ كبيرُ شيءٍ مِن كتبٍ في أصولِ الدِّينِ؛ لاستقرارِ الأمرِ على السُّنَّة، وجَرَيانِهِ على الفِطْرة.
* أسبابُ تأخُّرِ ذيوعِ علمِ الكلامِ في المَغرِب:
وقد كان ما بين المَشرِقِ والمَغرِبِ مِن البلدانِ -كجزيرةِ العرَبِ وما علاها مِن علماءِ العراقِ والشامِ- حائلًا عن وصولِ علمِ الفلسفةِ والكلامِ إلى المغربِ؛ فشَغَلُوا فلاسفةَ المشرقِ الأقصى ومتكلِّميهم بالردِّ والنقضِ والتحذيرِ، ونازَعُوهم بالحُجَّةِ والبرهانِ؛ فحُبِسَتْ تلك البدعةُ في العراقِ والشامِ، ولم تَنتقِلْ إلى المغربِ إلا بعدَ نحوِ مِئَتَيْ سَنَةٍ مِن ظهورِها في المشرِقِ؛ على يَدِ الجَعْدِ بنِ دِرْهَمٍ، فالجهمِ بنِ صَفْوانَ، فبِشْرٍ المَرِيسِيِّ، فأحمدَ بنِ أبي دُؤَادٍ، وطَبَقَتِهم وأصحابِهم مِن المعتزِلة، وكذلك: مَن
стр. 28
أخَذَ بعلمِ الكلامِ ممَّن لم يَجْرِ مجرى المعتزِلةِ، وإنَّما رَدَّ عليهم؛ كأبي الحسَنِ الأشعريِّ، فضلًا عن الفلاسفةِ المشَّائِينَ وأشباهِهم مِن المَشارِقةِ؛ كيعقوبَ بنِ إسحاقَ الكِندِيِّ.
وإنْ كان في المغرِبِ فلاسفةٌ؛ كابنِ مَسَرَّةَ الجبليِّ بقُرْطُبةَ مِن أتباعِ أَنْبَاذوقْلِيسَ أحدِ حُكَماءِ اليونانِ السَّبْعةِ، وكان يزعُمُ الانتسابَ إلى مذهبِ مالكٍ، واختصَرَ "المدوَّنة"، وكان يَحفَظُ مسائِلَها ويسرُدُها، وهو مِن فلاسفةِ المتصوِّفة، وتَبِعَهُ تلامذةٌ نُدْرةٌ على مذهَبِهِ؛ كمحمَّدٍ الخَوْلانيِّ ابنِ الإمام، وعبدِ العزيزِ بنِ حَكَمٍ، وكان الخليفةُ يَتتبَّعُ أتباعَهُ بالحَبْسِ والنفي.
وقد رَدَّ ابنُ أبي زَيْدٍ القَيْرَوانيُّ على ابنِ مَسَرَّةَ في كتابِه "الرَّدِّ على ابنِ مَسَرَّةَ المارقِ"، وبَقِيَ مذهبُ ابنِ مَسَرَّةَ في المغربِ، وهو الذي آلَ إليه ابنُ عَرَبيٍّ في القرنِ السادسِ بالأَندَلُس.
وكذلك: فإنَّ فيهم معتزِلةً قليلِينَ؛ كخليلِ بنِ عبد الملكِ بنِ كُلَيْبٍ القرطبيِّ، المعروفِ بخليلِ الغَفْلة، وقد شدَّد عليه جماعةٌ؛ كبَقِيِّ بنِ مَخْلَدٍ، وابنِ وضَّاح.
ومِن المعتزِلةِ: أبو طالبٍ شيخُ المعتزِلةِ ولسانُهم، وفيهم أهلُ خُرَافةٍ في الكَرَاماتِ؛ كأبي القاسمِ البَكْريِّ الصِّقِلِّيِّ القيروانيِّ، وقد رَدَّ عليه ابنُ أبي زَيْدٍ بكتابِهِ: "الرَّدِّ على البَكْريَّة".
وليس لهؤلاءِ المبتدِعةِ كُتُبٌ، وإنما هي أقوالٌ تفوَّهوا بها.
وقد كتَبَ ابنُ أبي زيدٍ القَيْرَوانيُّ إلى الباقلَّانيِّ -مع كونِ ابنِ أبي زيدٍ أسَنَّ منه- يسألُهُ عن الكَرَاماتِ لِعِلْمِهِ بأقوالِ المعتزِلة، وردِّه عليهم؛ حيث نُسِبَ ابنُ أبي زَيْدٍ في "ردِّه على البَكْريِّ" بمشابَهةِ قولِ المعتزِلةِ
стр. 29
بنفيِ الكَرامَات؛ فانتصَرَ الباقِلَّانيُّ لابنِ أبي زيدٍ، وبيَّن قولَهُ (١)؛ وقد قال في ابنِ أبي زيدٍ: "شَيْخُنا" (٢).
* أسبابُ انتشارِ علمِ الكلامِ في المَغرِب:
وقد كانت غالبُ البِدَعِ الكلاميَّةِ في المغربِ يَحمِلُها أفرادٌ، وربَّما يَتهيَّبونَ الدعوةَ إليها، والكتابةَ بها، حتى إذا كان القرنُ الرابعُ والخامسُ، حمَلَها بعضُ المَغارِبةِ إلى بُلْدانِهم مِن بعضِ شيوخِ المَشرِق، وبدَأَ الخوضُ في الكلامِ والفلسفةِ، وبدَأَتْ رياحُ المشرِقِ الكلاميَّةُ تصلُ وتؤثِّرُ في المغرِبِ، بأسبابٍ ثلاثةٍ:
أوَّلُها: ارتحالُ المَغارِبةِ إلى المشرقِ الأدنى والأقصى، والأخذُ والسماعُ مِن عُلَمائِها؛ فسَمِعُوا منهم القرآنَ والسُّنَّةَ والأثَرَ، والفقهَ والكلامَ، ورحَلَ فرَجُ بنُ سَلَّامٍ القرطبيُّ، ولَقِيَ الجاحظَ، وأخَذَ كُتُبَهُ، ورحَلَ عبدُ اللهِ بن مَسَرَّةَ بنِ نَجِيحٍ، وأبو بكرٍ يحيى بنُ السَّمِينة، وإبراهيمُ القَلَانِسِيُّ، ودَرَّاسُ بن إسماعيلَ؛ القيروانيُّونَ، وغيرُهم.
ولم يأخُذْ -فيما أعلَمُ- أحدٌ مِن أعيانِ المَغارِبةِ المعتَبَرِينَ مِن أبي الحسَنِ الأشعريِّ عِلْمَ الكلامِ مباشَرةً، وإنما كان هناك مَن التَقَى ببعضِ أصحابِهِ؛ كابنِ مجاهِدٍ الطائيِّ؛ فقد ارتحَلَ إلى العراقِ: أبو بكرٍ إسماعيلُ بن إسحاقَ بنِ عُذْرةَ، ومحمَّدُ بنُ خَلْدُونَ؛ وكلاهما مِن تلامذةِ ابنِ أبي زيدٍ القَيْرَوانيِّ، والتقيا ابنَ مجاهدٍ مِن جملةِ مَن التقياهُ بالعراق، وقد استجاز ابنُ مجاهِدٍ كتابَ "المختَصَر" لابنِ أبي زَيْدٍ القَيْرَوانيِّ، وأرسَلَ إليه مع تلاميذِهِ بذلك، ورحَلَ إلى المشرقِ: أبو بكر محمَّدُ بن مَوْهَبٍ، وهو جَدُّ أبي الوليدِ الباجيِّ، وحَكَمُ بن مُنذِرٍ البَلُّوطِيُّ.
стр. 30
وأكثَرُ المتكلِّمينَ أثرًا في المغرِبِ: أبو بكرٍ الباقِلَّانِيُّ، وصاحبُهُ أبو ذَرٍّ الهَرَويُّ، ثُمَّ الجُويْنِيُّ:
فالأوَّلُ: أخَذَ عنه المَغارِبةُ في العراق، وبلَغَت بعضُ كُتبِه المغرِبَ، كـ "التمهيد"؛ فقد شرَحَه أبو القاسِم عبدُ الجَلِيل الرَّبعيُّ القيروانيُّ، وسَمَّى شَرْحَه: "التَّسْدِيد، في شرحِ التَّمْهِيد"، وكان منتَصَفَ القَرنِ الخامس.
والثاني: أخَذُوا عنه في مَكَّةَ؛ لأنَّه جاوَرَ فيها، وأسمَعَ البخاريَّ والفقهَ والكلامَ أزيَدَ مِن ثلاثينَ عامًا، وكان يَمِيلُ إلى مذهبِ مالك، وكان يُعجَبُ مِن مذهبِهِ، وهو هَرَوِيٌّ، وكان يُسأَلُ: مِن أينَ تَمَذْهَبْتَ بمذهبِ مالكٍ ورأيِ الأشعريِّ، معَ أنَّك هَرَوِيٌّ؟ !
وأمَّا الثالثُ: فقد انتشَرَتْ كتبُهُ وتلاميذُهُ في المغرِبِ وغيرِه.
وقد سَمِعَ مِن الباقلَّانيِّ جماعةٌ مِن أهلِ المغربِ وساكنيها؛ كأبي عِمْرانَ الفاسيِّ، وأبي طاهِرٍ البغداديِّ، والحُسَيْنِ بنِ حاتمٍ الأَذَريِّ نزيلِ القَيْرَوانِ، وأبي عَمْرٍو الدانيِّ.
وسَمِعَ مِنْ تلامذةِ الباقِلَّانيُّ جماعةٌ مِن المغارِبة؛ كعبدِ الجَلِيل الرَّبعيِّ القيروانيِّ.
وسَمِعَ مِن أبي ذَرٍّ الهَرَويِّ -وقد سكَنَ مكَّةَ عقودًا- وأخَذَ عنه جماعةٌ كثيرةٌ مِن أهلِ المغربِ، وكان يُقصَدُ لروايتِهِ للبخاريِّ، وصحةِ ضبطِهِ له، وكان أكثَرَ مَن أدخَلَ أَهلَ الحديثِ المغاربةَ في علمِ الكلام؛ فقد أخَذَ عنه أبو عِمْرانَ الفاسيُّ، وأبو الوليدِ الباجيُّ، ومَكِّيُّ بن أبي طالبٍ، وجماعةٌ.
وسَمِعَ مِن الجوينيِّ جماعةٌ مِن المغاربةِ؛ كابنِ أبي حَمْزةَ الأندلسيِّ، ومحمَّدٍ المَيُّورَقِيِّ، وأبي القاسمِ المَعَافِرِيِّ، ورحَلَ بعضُ أصحابِهِ المشارِقةِ إلى المغربِ معلِّمِينَ؛ كأبي نَصْرٍ سهلِ بنِ عثمانَ النَّيْسابُوريِّ، ثُمَّ
стр. 31
لَقِيَ أبو بكرِ بن العَرَبيِّ أصحابَ الجُوَيْنيِّ في المشرقِ؛ كالغَزَاليِّ، ولكنَّه لم يَلْقَ الجوينيَّ نَفْسَهُ؛ فأخَذَ علمَهُ ونشَرَهُ في المغربِ واتسَعَ.
ولم يكنْ مذهبُ المتكلِّمينَ -التأويلُ والتفويضُ التامُّ- منتظِمًا في المغربِ الأقصى والأدنى، ولا رَوَاجَ له مستمِرٌّ، وإنما في أفرادٍ وزوايا، حتى آخِرِ القرنِ الخامسِ؛ كما قال ابنُ حَزْم: "إنَّ الأشعريَّةَ قامَتْ لهم سُوقٌ بصِقِلِّيَّةَ والقَيْرَوانِ، ثم رَقَّ أمرُهم" (١).
وكان أوَّلُ أمرِهم وإدخالِهم علمَ الكلامِ في الاعتقادِ يستنكِرُهُ علماءُ المغربِ، وربَّما بالَغُوا في ذلك، وقد كان الأندلسيُّ أبو محمَّدٍ عبدُ اللهِ القَحْطانيُّ يَصِفُهم في "قصيدتِهِ" بـ "الزنادقةِ"، وكان ذلك في منتصَفِ القرنِ الرابع (٢)، ومِن بعدِهِ فعَلَ ابنُ حزمٍ، وسمَّى مَقَالَتَهم بـ "الملعونةِ" (٣)، حتى ذكَرَ المَرَّاكُشِيُّ في "المُعجِب": أنَّ أهلَ المغرِبِ أوَّلَ الأمرِ كفَّروا كلَّ مَن دخَلَ في علمِ الكلامِ (٤)، وكان بعضُ الأئمَّةِ يُسأَلُ عن حكمِ لعنِ مَن استعمَلَ علمَ الكلامِ وسبِّهم؛ كما سُئِلَ ابنُ أبي زيدٍ، وابنُ رشدٍ (٥).
والإشاراتُ في تفويضِ الحقيقةِ في كلامِ بعضِ أئمَّةِ المغارِبةِ، لا تعني: أنهم يؤصِّلون لذلك، وإنما هي تقريراتٌ عارِضةٌ يقرِّرونَ في نظائِرِها خلافَها؛ مما يدُلُّ على أنَّهم لم يكونوا على أصولِ الكلام في التأويلِ والتفويضِ التامِّ، وإشاراتُ التفويضِ عند بعضِ المغارِبةِ المتقدِّمينَ نظيرُ إشاراتِ التشبيهِ في كلامِ بعضِ المشارِقةِ التي ليست أصلًا لَدَيْهِم؛ يقرِّرونَ خلافَها في مواضعَ أُخرى مِن النظائر.
وقد كان المتقدِّمونَ مِن المالكيَّةِ على إثباتِ حقيقةِ الصفاتِ وإمرارِ
стр. 32
نصوصِها؛ بلا تكييفٍ ولا تفسيرٍ ولا تشبيهٍ؛ حتى كانوا يُسمَّوْنَ مِن خُصُومِهم بـ: "الحَشَويَّةِ"؛ كما قال أبو القاسمِ بنُ حَوْقَلٍ في أهلِ السُّوسِ: "والمالكيَّةُ مِن فُظَّاظِ الحَشَويَّة" (١).
وكلما تقدَّم الزمَنُ في المغرِبِ، اتسَعَ القولُ بالكلامِ مع الأعوامِ، حتى تقرَّر وثبَتَ ورسَخَتْ أصولُهُ في مجالسِ العلمِ والكتبِ بأيدي المغارِبةِ أنفسِهم، بعدما كان بأيدي غيرِهم.
وثانيها: انتقالُ كتبِ المشارِقةِ إلى المغرِبِ مع الرُّسُلِ والنُّسَّاخ، وقد كان بعضُ المعتزِلةِ ممَّن يزعُمُ اتباعَ مذهبِ مالكٍ في العراق، يُكاتِبُ أصحابَ مالكٍ بالمغربِ بالاعتزالِ ويدعوهم إليه؛ فقد كتَبَ عليُّ بنُ أحمَدَ البغداديُّ رسالةً إلى أهلِ المغرب بالقَيْرَوانِ يدعوهم إلى الاعتزالِ، ونَفْيِ القَدَرِ، وخَلْقِ القرآنِ، ويزعُمُ أنَّ هذا مذهبُ مالكِ بنِ أنَسٍ؛ لأنه يَعلَمُ إجلالَهم لمالكٍ وقولِه، وقد رَدَّ عليه جماعةٌ مِن المغارِبة، ومنهم ابنُ أبي زَيْدٍ في رسالتِهِ "الرَّدِّ على القدريَّة" (٢).
وكانت بعضُ كتبِ ابنِ مجاهِدٍ صاحبِ أبي الحسَنِ قد أُدخِلَتِ المغرِبَ؛ ككتابِهِ: "عُقُودِ أهلِ السُّنَّةِ"، ورسالتِهِ فيما التمَسَهُ أهلُ الثَّغْرِ مِن شرحِ أصولِ مذاهبِ المتعبِّدين.
وثالثُها: انتقالُ بعضِ المشارِقةِ إلى المغرِبِ ممَّن له نظَرٌ في الفلسفةِ والكلامِ، وهذا قليلٌ؛ كالحُسَيْنِ بنِ حاتِمٍ الأَذَرِيِّ نزيلِ القيروانِ، صاحبِ أبي بكرٍ الباقلَّانيِّ (٣)، ولكِنِ الأَذَريُّ موصوفٌ بالضَّعْفِ في علمِ الكلام، وكان أبو محمَّدِ بن عَطِيَّةَ الأندَلُسيُّ في فِهرِسِه يَصِفُه ببَلادةِ الذِّهْنِ في علمِ
стр. 33
الأُصول، وكان نحويًّا يأذَنُ له شيخُه الباقلانيُّ أن يصحِّحَ كُتُبَه مِن جهةِ النَّحْو، ويَنْهاهُ عمَّا عدا ذلك (١).
* أثَرُ الاعتزالِ في قَبُولِ علمِ الكلامِ على طريقةِ الأشاعِرةِ:
وقد بلَغَتِ المعتزِلةُ المغرِبَ بالكلامِ والنَّظَر، وعامَّةُ أهلِ المغرِبِ أهلُ حديثٍ وأثَر، وكان دخولُ علمِ الكلامِ على طريقةِ الأشاعِرةِ مؤثِّرًا في تلقِّي المغارِبةِ له؛ لأنه الحُجَّةُ التي يَرُدُّونَ بها على المعتزِلةِ؛ فيَرُدُّونَ عليهم بلُغَتِهم، ولو دخَلَ علمُ الكلامِ المغرِبَ على طريقةِ الأشاعِرةِ أوَّلَ الأمرِ، لم يكنْ له قَبُولٌ ولا نظَرٌ ولا تمكُّن، ولكنْ سبَقَهُ شرُّ الاعتزالِ وفتنتُهُ؛ فرقَّق علمُ الكلامِ بعضُهُ بعضًا.
وقد ذكَرَ الفيلسوفُ ابنُ مَيْمونٍ القُرْطُبيُّ في القرنِ السادسِ (٢): أنَّ علمَ الكلامِ على طريقةِ المعتزِلةِ نشَأَ في مُسلِمِي المَغرِبِ قبلَ دخولِهِ على طريقةِ الأشاعِرةِ فيهم، حتى أخَذَ يهودُ الأَندَلُسِ علمَ الكلامِ مِن المعتزِلة.
* مراتبُ المخالفينَ تقتضي مدحَ الأقرَبِ واللِّينَ معه:
ومِن هذا البابِ: مدحُ جماعةٍ مِن الأئمَّةِ بعضَ المنظِّرِينَ مِن المتكلِّمينَ على طريقةِ الأشاعِرةِ؛ لأنَّ غالبَهُ كان مقترِنًا بزمَنِ شِدَّةِ النزاعِ بين المعتزِلةِ والأشاعِرةِ، وكان لهم فضلٌ في صَدِّ عاديةِ المعتزِلةِ، وكان ابنُ أبي زَيْدٍ يُثنِي على الأشعريِّ، مع كونِهِ ليس مِن أهلِ الكلامِ ولا النَّظَرِ فيه، بل كان محذِّرًا منه.
وثناؤُهُ على الأشعريِّ وأصحابِهِ إنما كان لأَثَرِهم على أهل البِدَعِ، وردِّهم على المعتزِلةِ والجهميَّة، وقد قال في أبي الحسَنِ الأشعريِّ لمَّا وقَعَ فيه المعتزِلةُ: "هو رجُلٌ مشهورٌ؛ أنَّه يَرُدُّ على أهل البِدَعِ وعلى
стр. 34
القَدَريَّةِ والجهميَّة، متمسِّكٌ بالسُّنَن" (١).
ومثلَ هذا قالَهُ في الذبِّ عن ابنِ كُلَّابٍ (٢).
وهذا مِن فقهِ ابنِ أبي زَيْدٍ ودرايَتِه؛ أنَّ مَن انبَرَى مِن المخالِفِينَ لصَدِّ عاديةِ الزنادِقةِ ومَن هم أشدُّ منهم مخالَفةً، ليس مِن الفقهِ دفعُهُ بذاتِه؛ لأنه بابٌ لو كُسِرَ، لَفُتِحَ على السُّنَّةِ بعده شرٌّ أعظَمُ لا يقومُ به غيرُه، وبعضُ المتمسِّكينَ بالسُّنَّةِ والأثَرِ يعامِلُ كلَّ مخالِفٍ بالنظَرِ إلى مخالَفَتِه، ولا ينظُرُ إلى ما وراءه مِن شرورٍ مدفوعةٍ به، وكان يَسَعُهُ بيانُ السُّنَّةِ مِن البِدْعة، وعدمُ كسرِ بابِ بِدْعةٍ يدخُلُ على الإسلامِ منه بدعةٌ أكبَرُ منها.
وهذه طريقةُ الأئمَّةِ في التعامُلِ مع المخالِفِينَ؛ يَحفَظُونَ السُّنَّةَ مِن البِدْعة، ومِن حِفْظها: تقديرُ مراتبِ المخالِفِينَ وأحوالِهم؛ ففرقٌ بين مخالِفٍ وجهُهُ إلى بدعةٍ أشدَّ مِن بدعتِهِ يُحارِبُها، وبين مخالِفٍ وجهُهُ إلى سُنَّةٍ يُحارِبُها، ولو كانت مخالَفةُ الثاني أخفَّ، فربَّما شدَّدوا على الثاني، وخفَّفوا في الأوَّل.
وقد كان أبو عُثْمانَ الصابُونيُّ يُثنِي على أبي منصورٍ البَغْداديِّ، ويعظِّمُهُ؛ لمقامِهِ في الردِّ على المعتزِلةِ، مع كونِهِ مِن أهلِ الكلام (٣).
وقد كان ابنُ أبي زيدٍ على هذا النَّهْج، ومعتقَدُهُ يبيِّنُهُ ما كتَبَهُ وقالَهُ، ولا يُؤخَذُ مِن مَضامِينِ الثناءِ والمدحِ للأعلام.
وقد كان ابنُ أبي زيدٍ على طريقةِ مالكٍ وأحمَدَ، وكان معظِّمًا لأحمدَ، وكان يقولُ: "أحمَدُ بنُ محمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ به يُقتدَى، وقد أنكَرَ هذا، وما أنكَرَ أبو عبد اللهِ أنكَرْناه" (٤).
стр. 35
ونسبةُ ابنِ أبي زيدٍ في المغرِبِ لطريقةِ الأشعريِّ قديمةٌ؛ بسببِ ما تقدَّم ذكرُهُ مِن نُصْرَةِ الأشعريِّ وأصحابِهِ في سياقِ صدِّ المعتزِلةِ والجهميَّة.
وقد بيَّن أبو نَصْرٍ عُبَيْدُ اللهِ السِّجْزيُّ وهو في أوائل القرن الخامس -في رسالتِهِ "الردِّ على مَن أنكَرَ الحرفَ والصوتَ"- خطأ ظنِّ بعضِ المغارِبةِ أشعريَّةَ ابنِ أبي زَيْدٍ، وأبي الحسَنِ القابِسِيِّ؛ فرسالتُهُ على طريقةِ السلفِ؛ كما في "رسالتِهِ"، و"جامِعِهِ"، وبقيَّةِ كتبه، ومثلُهُ القابِسِيُّ كما في كتابِهِ في "الاعتقاد".
وابنُ أبي زَيْدٍ يُثبِتُ الصفاتِ للهِ على ظاهِرٍ يليقُ بالخالقِ، لا بالمخلوقِ، بلا تكييفٍ؛ وهذا ظاهِرٌ في إثباتِهِ لصفةِ اليدَيْن، والرِّضَا والسَّخَطِ والغَضَب، والنزولِ والمجيءِ، والضَّحِكِ وغيرِها.
* كتابةُ أهلِ المَغرِبِ في العقائد:
وبهذا بدَأَ علمُ الكلامِ يَظهَرُ في المغرِبِ ويَفشُو في تقريرِ بعضِ علمائِها؛ على سبيلِ الاستطراد، لا على سبيلِ التأصيل؛ فيكونُ منثورًا في ثنايا بعضِ كلامِهم وفتاويهم، وربَّما جرى في كلامِ بعضِ أئمَّتهم في أواخِرِ القرنِ الرابعِ والخامسِ ممَّن هو على طريقةِ السلَف، ويحذِّرُ مِن علمِ الكلامِ؛ فأدرَكَهُ بعضُهُ في فروعِ تقريراتِه، لا في تأصيلاتِه.
ولهذا بدَأَ المغارِبةُ بالكتابةِ في العقائِدِ وأصولِ الدِّينِ وبيانِ الحَقِّ فيما اعتُقِدَ خلافُهُ مِن الباطلِ، مِن غيرِ تخصيصِ القائلِ بتلك البِدْعة، وهده عادةُ العلماءِ عند بدءِ ظهورِ البِدَعِ مِن المغمورِ: تقريرُ السُّنَّةِ وإبطالُ البِدْعةِ، مِن غيرِ ذكرِ صاحبِها؛ حتى لا يُدَلُّ عليه:
فمنهم: مَن كتَبَ بأعيانِ البدعِ؛ كمحمَّدِ بنِ سُحنون في كتابه "الحُجة على القَدَرية"، وكيحيى بنِ عُمر الكِنْديِّ السُّوسيِّ في كُتُبِه: "الرَّدِّ
стр. 36
على المُرجِئة"، و"الرُّؤية"، و"المِيزَان"، وكأبي عُثْمانَ الحدَّادِ في كتابِهِ: "الاستواء"، وأبي عبد الله محمَّدِ بنِ مَحْبوبٍ الزناتي، وابنِ أبي زَيْدٍ لهما كُتُبٌ في: الرد على القَدَريَّة.
ومنهم: مَن أجمَلَ بيانَ معتقَدِ السلفِ، وكان مِن أوائلِ المَغارِبةِ الذين كتَبُوا في تقريرِ أصولِ العقائدِ عامَّةً: أبو القاسِمِ مَسْلَمةُ بنُ القاسمِ القرطبيُّ في كتابِهِ: "تبيينِ أصولِ السُّنَّةِ، وحفظِ ما لا بُدَّ للعمَلِ منه بشاهِدِ القرآنِ والحديث" (١)، وقد تُوفِّيَ منتصَفَ القرنِ الرابعِ قبلَ ابنِ أبي زيدٍ بثلاثةٍ وثلاثينَ عامًا، وضمَّن كتابَهُ ردًّا على أهلِ الأهواء، واشتكى مِن فُشُوِّ البِدْعة، وبيَّن قولَ السلفِ في كلامِ الله، والنظَرِ إليه، وعلوِّهِ واستوائِهِ على عرشِهِ، ونزولِهِ إلى السماءِ الدنيا، وإثباتِ صفاتِهِ سبحانه، وفضلِ الصحابةِ وتفاضُلِهم، وغيرِ ذلك مِن مسائلِ الاعتقاد.
* أصولُ مالكٍ وفروعُهُ، وأحوالُ أصحابِهِ في المَغرِب:
وقد كانت عامَّةُ أهلِ المَغرِبِ في القرنِ الثالثِ والرابعِ على مذهبِ مالكٍ في الأصولِ والفروعِ، في الاعتقادِ والفقهِ، وقد شاع مذهَبُ مالكٍ في المَغرِبِ في حياتِه، وكان أقرَبُ الناسِ إلى مذهبِهِ وأصولِهِ أقرَبَهم منه زمانًا ومكانًا، وأقرَبُ أهلِ المغرِبِ إلى أصولِهِ وفروعِهِ أقرَبَهم إليه زمانًا، وقد كان أصحابُ مالكٍ مِن المَغارِبةِ على طائفتَيْن:
* الطائفةُ الأولى: المتقدِّمونَ ممن سَمِعَ مالكًا وأخَذَ عنه، ومَن انتهَجَ نَهْجَهم؛ كعبدِ اللهِ بنِ فَرُّوخٍ الفارسيِّ القَيْرَوانيِّ، وقد كان مالكٌ يُجِلُّهُ ويعظِّمه، وقيل: "إنه كان يسمِّيهِ فقيهَ أهلِ المَغرِب" (٢).
стр. 37
وكبُهْلُولِ بنِ راشدٍ القَيْرَوانيِّ، وأبي الحسَنِ عليِّ بنِ زيادٍ التُّونُسِيِّ،
وقد قال أبو سعيدِ بنُ يُونُسَ: "إنه أوَّلُ مَن أدخَلَ "الموطَّأَ" و"جامِعَ سُفْيانَ" المغرِبَ" (١)، وفسَّر لهم قولَ مالكٍ، ولم يكونوا يَعرِفُونَهُ، وكان قد دخَلَ الحجازَ والعراقَ في طلَبِ العلم، وهو معلِّمُ سُحْنُونٍ الفقهَ.
وكان سحنونٌ لا يقدِّمُ عليه أحدًا مِن أهلِ إفريقيَّة، ويقولُ: "وما أنجَبَتْ إفريقيَّةُ مثلَ عليِّ بن زيادٍ" (٢)، وقد فضَّله على المصريِّين.
ومِن هذه الطَّبَقةِ: عبدُ اللهِ بن غانِمٍ الإفريقيُّ القَيْرَوانيُّ، وكان مالكٌ يُحِبُّهُ ويُجِلُّهُ، وإذا التقاه، اشتغَلَ به عن أصحابِه؛ حتى قيل: "إنَّه عرَضَ عليه ابنَتَهُ، ويقيمُ عندَهُ"، فأبى (٣)، وكان أصحابُ مالكٍ إذا رأَوْهُ، قالوا: "شغَلَهُ المَغرِبيُّ عنا" (٤)، ولمَّا وَليَ قضاءَ المغربِ، أعلَمَ مالكٌ بذلك أصحابَهُ، وسُرَّ به، وكان مالكٌ يكاتِبُهُ وهو في القَيْرَوانِ؛ كما جاء في "المدوَّنة" (٥).
ومنهم: أبو محمَّدٍ الغازي بن قيسٍ الأُمَويُّ القرطبيُّ، وصِقْلابُ بن زيادٍ الهَمْدانيُّ القَيْرَوانيُّ، وأبو جعفرٍ موسى بن معاوِيةَ الصُّمَادِحِيُّ، وأسَدُ بن الفُرَاتِ الحَرَّانيُّ القَيْرَوانيُّ قاضي القيروانِ، وعيسى بنُ دِينَارٍ القرطبيُّ، وعبَّاسُ بن أبي الوليدِ الفارسيُّ التونسيُّ، وأبو مسعودِ بنُ أَشْرَسَ التونسيُّ، وأبو خارجةَ عَنْبَسةُ بن خارجةَ الغافقيُّ، وأحمدُ بن أبي مُحرِزٍ، وعبدُ اللهِ بن أبي حسَّانَ اليَحْصَبيُّ، ويحيى بن يحيى اللَّيْثيُّ الأندَلُسيُّ، وأبو عبد اللهِ زيادُ بن عبد الرحمنِ القرطبيُّ، وأبو عبد اللهِ محمَّدُ بن سعيدِ بنِ بَشِيرِ بنِ شَرَاحِيلَ.
стр. 38
وهؤلاءِ كلُّهم سَمِعُوا مِن مالكِ بنِ أنسٍ، ونقَلُوا قولَهُ إلى المغرِب، يَرْوُونَ عن مالكٍ السُّنَّةَ والأثَرَ والفقه، وكانوا يَكرَهُونَ الكلامَ ومعارَضةَ السُّنَّةِ بالرأيِ، وأصولُهم أصولُ مالك، وفروعُهم فروعُه، وكانوا في العقائدِ يَجرُونَ على أصلٍ وفرعٍ واحدٍ، ولم يكنْ بينهم فيه نزاعٌ، وإنما اختلافُهم في الفروع، وَيدُلُّ على ذلك: أنَّهم لا يكتُبُونَ في العقائدِ إلا تَبَعًا؛ لاستقرارِ الأمرِ على الأمرِ الأوَّل.
ولمَّا بلَغَ أسدَ بنَ الفُرَاتِ قاضيَ القَيْرَوانِ: أنَّ بِشْرًا المَرِيسِيَّ كتَبَ كتابَهُ "التوحيد"، قال: "أَوَجَهِلَ الناسُ التوحيدَ حتى يضعَ لهم بِشْرٌ فيه كتابًا؛ هذه نُبُوَّةٌ ادَّعاها" (١).
وكانوا يَعرِفُونَ مصدرَ البِدَعِ الشرقيَّةِ وأصولَها، وقد كان ابنُ أبي حَسَّانَ صاحبُ مالكٍ قال فيمن يفاضِلُ بين أبي بكرٍ وعُمَرَ: "ليس هذا دِينَ قريشٍ، ولا دِينَ العرَبِ؛ هذا دِينُ أَهْلِ قُمّ" (٢).
* الحديثُ والكلام، وأثرهما في الخلاف:
وأهلُ الكلامِ أكثَرُ نِزَاعًا مِن أهلِ الحديثِ والأَثَر؛ فأهلُ الحديثِ نِزَاعُهم في الفروعِ، وأهلُ الكلامِ نزاعُهم في الأصولِ والفروع، وإذا تنازَعُوا في أصلٍ، تنازَعُوا في فروعِه، والناظِرُ في مذهبِ الأشاعِرةِ: يرى تشديدَهُمْ في الخلافِ في العقليَّات، وأنهم يَرَوْنَ المخالِفَ يتردَّدُ بين الكُفْرِ والابتداعِ والإِثْم، وبين أئمَّتِهم خلافٌ في أصولِهم؛ فقد خالَفَ رؤوسٌ منهم في أصولِهم؛ كأبي المَعَالِي الجُوَيْنِيِّ، والفَخْرِ الرازيِّ، وجَلَالِ الدِّينِ الدَّوَّانيِّ:
стр. 39
فالجُويْنِيُّ: يَرَى أنَّ القدرةَ الحادِثةَ تؤثِّرُ في مقدورِها، واستحَلَّ إطلاقَ القولِ بأنَّ العبدَ خالِقُ أعمالِه، وأنَّ فعلَ العبدِ واقِعٌ بقدرتِهِ قَطْعًا، وقدرتَهُ منفرِدةٌ بالتأثيرِ فيه (١).
وكذلك قولُ الرازيِّ في "الأَربَعِين"، و "المَطَالِبِ العَالِيَة": إنَّ الصفاتِ إنَّما هي نِسَبٌ وإضافاتٌ تحصُلُ بين ذاتِهِ تعالى، وبين المعلومِ والمقدورِ والمرادِ (٢).
وكذلك الجَلَالُ الدَّوَّانِيُّ: فإنَّه يقولُ بعَيْنِيَّةِ الصفاتِ، وأنَّ الصفاتِ عَيْنُ الذاتِ، وأنَّ الحوادِثَ لا أَوَّلَ لها، كما في "شرحِ العقائِدِ العَضُدِيَّة" (٣)، إلى غيرِ ذلك مِن أنواعِ النِّزَاع.
* ثباتُ أهلِ المغربِ، وامتحانُهم بعلمِ الكلام:
ولم يكن أحدٌ مِن أصحابِ مالكٍ يخوضُ في الكلامِ، ولا يقرِّرُهُ في أصولِ الدِّين، ولما امتُحِنَ الناسُ بخلقِ القرآنِ في العراقِ، اقتَدَى كثيرٌ مِن السلاطينِ بذلك في المغرِب، وامتَحَنُوا علماءَهم؛ فامتُحِنَ بعضُ أصحابِ مالكٍ؛ كموسى بنِ معاويةَ الصُّمَادِحِيِّ، وأحمدَ بنِ يزيدَ، وسُحْنُونِ بنِ سعيدٍ، وخلقٍ، وتولَّى المحنةَ قضاةٌ؛ كقاضي القَيْرَوانِ ابنِ أبي الجَوَّاد، وكان مقامُهُ في القَيْرَوانِ قريبًا مِن مقامِ أحمدَ بنِ أبي دُؤَادٍ في العراقِ في هذه الفِتْنة، وكان يسمِّيهِ سُحْنُونٌ: "فِرْعَوْنَ هذه الأُمَّةِ وجَبَّارَها" (٤).
стр. 40
وتَبِعَ هؤلاءِ طبقةُ تلامذتِهم ممَّن جرى مَجْرَاهم، وسلَكَ سبيلَهم؛ كزيدِ بنِ بشرٍ الأزديِّ القَيْرَوانيِّ؛ حيثُ سكَنَ القيروانَ لمَّا هرَبَ مِن مِصْرَ بعدما امتُحِنَ في خلقِ القرآن، وزَيْدِ بنِ سِنَانٍ الأسديِّ القيروانيِّ، ومحمَّدِ بنِ نصرِ بنِ حضرمٍ القَيْرَوانيِّ، ومحمَّدِ بنِ سحنونٍ، وبكرِ بنِ حمَّادٍ الزَّنَاتِيِّ التاهرتيِّ، وأبي العبَّاسِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ طالبٍ، ومحمَّدِ بنِ وضَّاحٍ القرطبيِّ، ويحيى بنِ عُمَرَ الكِنَانيِّ، وأبي عُثْمانَ سعيدٍ الحَدَّادِ القيروانيِّ، وأحمدَ بنِ نصرِ بنِ زيادٍ الهَوَّارِيِّ، ولُقْمانَ بنِ يوسُفَ الغَسَّاني.
وقد استمسَكَ هؤلاءِ الأئمَّةُ بالسُّنَّةِ والأثَرِ، وما عَلِمُوهُ مِن السلفِ في مسألةِ خلقِ القرآنِ، وعُلُوِّ الله، وكانوا على معتَقَدِ مَن سبَقَهم، ولا يَرَوْنَ الخوضَ في الكلامِ عمَّا زاد عن الوارِدِ في النصوصِ؛ لا بتأويلٍ ولا تشبيه، وقد كان سُحْنُونٌ يقولُ: "مِنَ العِلْمِ باللهِ: الجهلُ بما لم يُخْبِرِ اللهُ به عن نَفْسِه" (١).
وهذا نظيرُ ما يقرِّرُه الشافعيُّ في علمِ الكلامِ؛ أنَّ: "الفِقْهَ في الكلامِ الجَهْلُ به" (٢)؛ لأنَّ علمَ الكلامِ يؤدِّي إلى القولِ على اللهِ بلا علمٍ نفيًا وإثباتًا، ومنتهى الفقهِ في ذلك: الكلامُ عند ورودِ النَّصّ، والوقوفُ عند عدَمِ ورودِه.
وبَقِيَتْ شواهدُ القبورِ بالقَيْرَوانِ شاهِدةً على ذلك إلى اليومِ؛ حيث كُتِبَ عليها بعد الشهادتَيْن: "وأنَّ القرآنَ كلامُ الله، وليس بمخلوقٍ"، والشواهدُ مؤرَّخةٌ بصَفَرٍ عامَ اثنَيْنِ وتسعينَ ومِئَتَيْنِ، ومِن شواهدِ القبورِ: شواهدُ مكتوبٌ عليها اليومَ بعد الشهادتَيْنِ: "وأنَّ اللهَ يُرَى يومَ القيامةِ"، ومؤرَّخٌ ذلك في شَعْبانَ عامَ اثنَيْنِ وتسعينَ وثلاث مئةٍ.