على المُرجِئة"، و"الرُّؤية"، و"المِيزَان"، وكأبي عُثْمانَ الحدَّادِ في كتابِهِ: "الاستواء"، وأبي عبد الله محمَّدِ بنِ مَحْبوبٍ الزناتي، وابنِ أبي زَيْدٍ لهما كُتُبٌ في: الرد على القَدَريَّة.
ومنهم: مَن أجمَلَ بيانَ معتقَدِ السلفِ، وكان مِن أوائلِ المَغارِبةِ الذين كتَبُوا في تقريرِ أصولِ العقائدِ عامَّةً: أبو القاسِمِ مَسْلَمةُ بنُ القاسمِ القرطبيُّ في كتابِهِ: "تبيينِ أصولِ السُّنَّةِ، وحفظِ ما لا بُدَّ للعمَلِ منه بشاهِدِ القرآنِ والحديث" (١)، وقد تُوفِّيَ منتصَفَ القرنِ الرابعِ قبلَ ابنِ أبي زيدٍ بثلاثةٍ وثلاثينَ عامًا، وضمَّن كتابَهُ ردًّا على أهلِ الأهواء، واشتكى مِن فُشُوِّ البِدْعة، وبيَّن قولَ السلفِ في كلامِ الله، والنظَرِ إليه، وعلوِّهِ واستوائِهِ على عرشِهِ، ونزولِهِ إلى السماءِ الدنيا، وإثباتِ صفاتِهِ سبحانه، وفضلِ الصحابةِ وتفاضُلِهم، وغيرِ ذلك مِن مسائلِ الاعتقاد.
* أصولُ مالكٍ وفروعُهُ، وأحوالُ أصحابِهِ في المَغرِب:
وقد كانت عامَّةُ أهلِ المَغرِبِ في القرنِ الثالثِ والرابعِ على مذهبِ مالكٍ في الأصولِ والفروعِ، في الاعتقادِ والفقهِ، وقد شاع مذهَبُ مالكٍ في المَغرِبِ في حياتِه، وكان أقرَبُ الناسِ إلى مذهبِهِ وأصولِهِ أقرَبَهم منه زمانًا ومكانًا، وأقرَبُ أهلِ المغرِبِ إلى أصولِهِ وفروعِهِ أقرَبَهم إليه زمانًا، وقد كان أصحابُ مالكٍ مِن المَغارِبةِ على طائفتَيْن:
* الطائفةُ الأولى: المتقدِّمونَ ممن سَمِعَ مالكًا وأخَذَ عنه، ومَن انتهَجَ نَهْجَهم؛ كعبدِ اللهِ بنِ فَرُّوخٍ الفارسيِّ القَيْرَوانيِّ، وقد كان مالكٌ يُجِلُّهُ ويعظِّمه، وقيل: "إنه كان يسمِّيهِ فقيهَ أهلِ المَغرِب" (٢).
стр. 37
وكبُهْلُولِ بنِ راشدٍ القَيْرَوانيِّ، وأبي الحسَنِ عليِّ بنِ زيادٍ التُّونُسِيِّ،
وقد قال أبو سعيدِ بنُ يُونُسَ: "إنه أوَّلُ مَن أدخَلَ "الموطَّأَ" و"جامِعَ سُفْيانَ" المغرِبَ" (١)، وفسَّر لهم قولَ مالكٍ، ولم يكونوا يَعرِفُونَهُ، وكان قد دخَلَ الحجازَ والعراقَ في طلَبِ العلم، وهو معلِّمُ سُحْنُونٍ الفقهَ.
وكان سحنونٌ لا يقدِّمُ عليه أحدًا مِن أهلِ إفريقيَّة، ويقولُ: "وما أنجَبَتْ إفريقيَّةُ مثلَ عليِّ بن زيادٍ" (٢)، وقد فضَّله على المصريِّين.
ومِن هذه الطَّبَقةِ: عبدُ اللهِ بن غانِمٍ الإفريقيُّ القَيْرَوانيُّ، وكان مالكٌ يُحِبُّهُ ويُجِلُّهُ، وإذا التقاه، اشتغَلَ به عن أصحابِه؛ حتى قيل: "إنَّه عرَضَ عليه ابنَتَهُ، ويقيمُ عندَهُ"، فأبى (٣)، وكان أصحابُ مالكٍ إذا رأَوْهُ، قالوا: "شغَلَهُ المَغرِبيُّ عنا" (٤)، ولمَّا وَليَ قضاءَ المغربِ، أعلَمَ مالكٌ بذلك أصحابَهُ، وسُرَّ به، وكان مالكٌ يكاتِبُهُ وهو في القَيْرَوانِ؛ كما جاء في "المدوَّنة" (٥).
ومنهم: أبو محمَّدٍ الغازي بن قيسٍ الأُمَويُّ القرطبيُّ، وصِقْلابُ بن زيادٍ الهَمْدانيُّ القَيْرَوانيُّ، وأبو جعفرٍ موسى بن معاوِيةَ الصُّمَادِحِيُّ، وأسَدُ بن الفُرَاتِ الحَرَّانيُّ القَيْرَوانيُّ قاضي القيروانِ، وعيسى بنُ دِينَارٍ القرطبيُّ، وعبَّاسُ بن أبي الوليدِ الفارسيُّ التونسيُّ، وأبو مسعودِ بنُ أَشْرَسَ التونسيُّ، وأبو خارجةَ عَنْبَسةُ بن خارجةَ الغافقيُّ، وأحمدُ بن أبي مُحرِزٍ، وعبدُ اللهِ بن أبي حسَّانَ اليَحْصَبيُّ، ويحيى بن يحيى اللَّيْثيُّ الأندَلُسيُّ، وأبو عبد اللهِ زيادُ بن عبد الرحمنِ القرطبيُّ، وأبو عبد اللهِ محمَّدُ بن سعيدِ بنِ بَشِيرِ بنِ شَرَاحِيلَ.
стр. 38
وهؤلاءِ كلُّهم سَمِعُوا مِن مالكِ بنِ أنسٍ، ونقَلُوا قولَهُ إلى المغرِب، يَرْوُونَ عن مالكٍ السُّنَّةَ والأثَرَ والفقه، وكانوا يَكرَهُونَ الكلامَ ومعارَضةَ السُّنَّةِ بالرأيِ، وأصولُهم أصولُ مالك، وفروعُهم فروعُه، وكانوا في العقائدِ يَجرُونَ على أصلٍ وفرعٍ واحدٍ، ولم يكنْ بينهم فيه نزاعٌ، وإنما اختلافُهم في الفروع، وَيدُلُّ على ذلك: أنَّهم لا يكتُبُونَ في العقائدِ إلا تَبَعًا؛ لاستقرارِ الأمرِ على الأمرِ الأوَّل.
ولمَّا بلَغَ أسدَ بنَ الفُرَاتِ قاضيَ القَيْرَوانِ: أنَّ بِشْرًا المَرِيسِيَّ كتَبَ كتابَهُ "التوحيد"، قال: "أَوَجَهِلَ الناسُ التوحيدَ حتى يضعَ لهم بِشْرٌ فيه كتابًا؛ هذه نُبُوَّةٌ ادَّعاها" (١).
وكانوا يَعرِفُونَ مصدرَ البِدَعِ الشرقيَّةِ وأصولَها، وقد كان ابنُ أبي حَسَّانَ صاحبُ مالكٍ قال فيمن يفاضِلُ بين أبي بكرٍ وعُمَرَ: "ليس هذا دِينَ قريشٍ، ولا دِينَ العرَبِ؛ هذا دِينُ أَهْلِ قُمّ" (٢).
* الحديثُ والكلام، وأثرهما في الخلاف:
وأهلُ الكلامِ أكثَرُ نِزَاعًا مِن أهلِ الحديثِ والأَثَر؛ فأهلُ الحديثِ نِزَاعُهم في الفروعِ، وأهلُ الكلامِ نزاعُهم في الأصولِ والفروع، وإذا تنازَعُوا في أصلٍ، تنازَعُوا في فروعِه، والناظِرُ في مذهبِ الأشاعِرةِ: يرى تشديدَهُمْ في الخلافِ في العقليَّات، وأنهم يَرَوْنَ المخالِفَ يتردَّدُ بين الكُفْرِ والابتداعِ والإِثْم، وبين أئمَّتِهم خلافٌ في أصولِهم؛ فقد خالَفَ رؤوسٌ منهم في أصولِهم؛ كأبي المَعَالِي الجُوَيْنِيِّ، والفَخْرِ الرازيِّ، وجَلَالِ الدِّينِ الدَّوَّانيِّ:
стр. 39
فالجُويْنِيُّ: يَرَى أنَّ القدرةَ الحادِثةَ تؤثِّرُ في مقدورِها، واستحَلَّ إطلاقَ القولِ بأنَّ العبدَ خالِقُ أعمالِه، وأنَّ فعلَ العبدِ واقِعٌ بقدرتِهِ قَطْعًا، وقدرتَهُ منفرِدةٌ بالتأثيرِ فيه (١).
وكذلك قولُ الرازيِّ في "الأَربَعِين"، و "المَطَالِبِ العَالِيَة": إنَّ الصفاتِ إنَّما هي نِسَبٌ وإضافاتٌ تحصُلُ بين ذاتِهِ تعالى، وبين المعلومِ والمقدورِ والمرادِ (٢).
وكذلك الجَلَالُ الدَّوَّانِيُّ: فإنَّه يقولُ بعَيْنِيَّةِ الصفاتِ، وأنَّ الصفاتِ عَيْنُ الذاتِ، وأنَّ الحوادِثَ لا أَوَّلَ لها، كما في "شرحِ العقائِدِ العَضُدِيَّة" (٣)، إلى غيرِ ذلك مِن أنواعِ النِّزَاع.
* ثباتُ أهلِ المغربِ، وامتحانُهم بعلمِ الكلام:
ولم يكن أحدٌ مِن أصحابِ مالكٍ يخوضُ في الكلامِ، ولا يقرِّرُهُ في أصولِ الدِّين، ولما امتُحِنَ الناسُ بخلقِ القرآنِ في العراقِ، اقتَدَى كثيرٌ مِن السلاطينِ بذلك في المغرِب، وامتَحَنُوا علماءَهم؛ فامتُحِنَ بعضُ أصحابِ مالكٍ؛ كموسى بنِ معاويةَ الصُّمَادِحِيِّ، وأحمدَ بنِ يزيدَ، وسُحْنُونِ بنِ سعيدٍ، وخلقٍ، وتولَّى المحنةَ قضاةٌ؛ كقاضي القَيْرَوانِ ابنِ أبي الجَوَّاد، وكان مقامُهُ في القَيْرَوانِ قريبًا مِن مقامِ أحمدَ بنِ أبي دُؤَادٍ في العراقِ في هذه الفِتْنة، وكان يسمِّيهِ سُحْنُونٌ: "فِرْعَوْنَ هذه الأُمَّةِ وجَبَّارَها" (٤).
стр. 40
وتَبِعَ هؤلاءِ طبقةُ تلامذتِهم ممَّن جرى مَجْرَاهم، وسلَكَ سبيلَهم؛ كزيدِ بنِ بشرٍ الأزديِّ القَيْرَوانيِّ؛ حيثُ سكَنَ القيروانَ لمَّا هرَبَ مِن مِصْرَ بعدما امتُحِنَ في خلقِ القرآن، وزَيْدِ بنِ سِنَانٍ الأسديِّ القيروانيِّ، ومحمَّدِ بنِ نصرِ بنِ حضرمٍ القَيْرَوانيِّ، ومحمَّدِ بنِ سحنونٍ، وبكرِ بنِ حمَّادٍ الزَّنَاتِيِّ التاهرتيِّ، وأبي العبَّاسِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ طالبٍ، ومحمَّدِ بنِ وضَّاحٍ القرطبيِّ، ويحيى بنِ عُمَرَ الكِنَانيِّ، وأبي عُثْمانَ سعيدٍ الحَدَّادِ القيروانيِّ، وأحمدَ بنِ نصرِ بنِ زيادٍ الهَوَّارِيِّ، ولُقْمانَ بنِ يوسُفَ الغَسَّاني.
وقد استمسَكَ هؤلاءِ الأئمَّةُ بالسُّنَّةِ والأثَرِ، وما عَلِمُوهُ مِن السلفِ في مسألةِ خلقِ القرآنِ، وعُلُوِّ الله، وكانوا على معتَقَدِ مَن سبَقَهم، ولا يَرَوْنَ الخوضَ في الكلامِ عمَّا زاد عن الوارِدِ في النصوصِ؛ لا بتأويلٍ ولا تشبيه، وقد كان سُحْنُونٌ يقولُ: "مِنَ العِلْمِ باللهِ: الجهلُ بما لم يُخْبِرِ اللهُ به عن نَفْسِه" (١).
وهذا نظيرُ ما يقرِّرُه الشافعيُّ في علمِ الكلامِ؛ أنَّ: "الفِقْهَ في الكلامِ الجَهْلُ به" (٢)؛ لأنَّ علمَ الكلامِ يؤدِّي إلى القولِ على اللهِ بلا علمٍ نفيًا وإثباتًا، ومنتهى الفقهِ في ذلك: الكلامُ عند ورودِ النَّصّ، والوقوفُ عند عدَمِ ورودِه.
وبَقِيَتْ شواهدُ القبورِ بالقَيْرَوانِ شاهِدةً على ذلك إلى اليومِ؛ حيث كُتِبَ عليها بعد الشهادتَيْن: "وأنَّ القرآنَ كلامُ الله، وليس بمخلوقٍ"، والشواهدُ مؤرَّخةٌ بصَفَرٍ عامَ اثنَيْنِ وتسعينَ ومِئَتَيْنِ، ومِن شواهدِ القبورِ: شواهدُ مكتوبٌ عليها اليومَ بعد الشهادتَيْنِ: "وأنَّ اللهَ يُرَى يومَ القيامةِ"، ومؤرَّخٌ ذلك في شَعْبانَ عامَ اثنَيْنِ وتسعينَ وثلاث مئةٍ.
стр. 41
وقد يَرتفِعُ الشرُّ، ويَقوَى الباطلُ، حتى إذا ظَنَّ بعضُ الناسِ أنْ لا قائمةَ للحَقِّ، أدار اللهُ الدائرةَ للحَقِّ وأهلِه؛ فالمعتزِلةُ بدَّلوا الدِّينَ، وتسلَّطوا بالسلطانِ على المسلِمِينَ شرقًا وغربًا:
• ففي المَشرِق: حُرِّفَ القرآنُ على كِسْوةِ الكَعْبة؛ فكُتِبَ عليها: "ليس كمِثْلِهِ شيءٌ وهو اللطيفُ الخَبِير"؛ أزالوا: "السَّمِيع البَصِير"؛ يقولُ حَنبَلٌ: حجَجْتُ فرأيتُ ذلك، فلمَّا قَدِمْتُ، أخبَرْتُ أحمدَ، فقال: قاتَلَهُ اللهُ! الخبيثُ -يعني: ابنَ أبي دؤادٍ- عمَدَ إلى كتابِ الله، فغَيَّرَهُ" (١).
• وفي المَغرِب: أوصى العلماءُ أنْ يُكتَبَ الحقُّ على شواهِدِ القبور، لمَّا عجَزُوا عنه على المَنابِر؛ فواجبُ العلماء أن يبيِّنُوا الحقَّ حسبَ المقدور، واللهُ كفيلٌ بإظهاره.
وبدَأَ الأئمَّةُ يصنِّفونَ ويكتُبُونَ في بيانِ المعتَقَدِ الحقِّ في ذلك إجمالًا وتفصيلًا؛ ككتابِ محمَّدِ بنِ وَضَّاحٍ: "رسالةٌ في رؤيةِ الله"، وكتَبَ محمَّدُ بن سُحْنُونٍ كتابَ "الحُجَّةِ على القدريَّةِ"، وسعيدُ بن الحَدَّادِ كتابَ "الاستواء"، وله أيضًا مناظَراتٌ مع المعتزِلةِ بالقَيْرَوان.
وقد دخَلَ سُحْنُونٌ على ابنِ القَصَّارِ وهو مَرِيضٌ، فقال: "ما هذا القَلَقُ؟ قال له: الموتُ والقدومُ على الله، قال له سُحْنُونٌ: ألَسْتَ مصدِّقًا بالرُّسُلِ والبعثِ، والحسابِ والجَنَّةِ والنار، وأنَّ أفضَلَ هذه الأمَّةِ أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، والقرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، وأنَّ اللهَ يُرَى يومَ القيامةِ، وأنَّه على العرشِ استَوَى، ولا تَخرُجُ على الأئمَّةِ بالسَّيْفِ، وإنْ جاروا؟ قال: إي والله، فقال: مُتْ إذا شئتَ، مُتْ إذا شئتَ" (٢).
стр. 42
وكان أبو العبَّاسِ عبدُ اللهِ بن طالبٍ يقولُ في خطبتِهِ على منبرِ جامعِ القَيْرَوانِ، والعلماءُ والعامَّةُ شهودٌ: "الحمدُ للهِ الذي يُشكَرُ على ما به أنعَمْ، والحمدُ للهِ الذي عذَّب على ما لو شاءَ منه عصَمْ، والحمدُ للهِ الذي على عرشِهِ استَوَى، وعلى مُلْكِهِ احتَوَى، وهو في الآخِرةِ يُرَى" (١).
وتَبِعَ هؤلاءِ أئمَّةٌ في المغربِ؛ كابنِ أبي زيدٍ القَيْرَوانيِّ صاحبِ "الرسالة"، وفي المغربِ الأقصى مِن الأندلس: أبو القاسمِ مَسْلَمةُ بن القاسم، وابنُ أبي زَمَنِينَ، وأبو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ، وابنُ عبد البَرِّ، ولم يَجْرُوا في أصولِهم مَجْرَى أهلِ الكلامِ والفلسفة.
وقد مَرَّ المَغرِبُ بمِحَنٍ شديدة، ومِن أشدِّ ما مَرَّ به أصحابُ مالكٍ في المَغرِبِ مِن محنٍ في تلك القرونِ: حُكْمُ الأَغالِبَة، وحكمُ الفاطميِّين، وحكمُ الموحِّدين؛ الأوَّل: حَنَفِي -معتزليٌّ وغيرُ معتزليّ-، والثاني: باطني، والثالثُ: أشعريٌّ غالٍ.
* التأويلُ والتفويضُ في كلامِ بعضِ أهلِ السُّنَّة:
وقد يُوجَدُ في تقريراتِ بعضِ هذه الطَّبَقةِ تفريعاتٌ كلاميَّة، لا تأصيلاتٌ، أو ما يشابِهُ فروعَ أهلِ الكلام ولم يخرَّجْ على أصولهم، وتأتي في سياقِ كلامِهم وثنايا استطرادِهم، ولا يذكُرُونَ تلك الفروعَ تقريرًا، وربَّما ظَنَّ مَن يقرأُ بعضَ استطراداتِهم وتفريعاتِهم: أنَّ أصولَهُمْ كلاميَّةٌ، وليس كذلك:
• فابنُ عبد البَرِّ قرَّر عقيدةَ السلفِ وأهلِ السُّنَّةِ في الصفاتِ في قولِه: "أهلُ السُّنَّةِ مُجمِعونَ على الإقرارِ بالصفاتِ الواردةِ كلِّها في القرآنِ
стр. 43
والسُّنَّةِ، والإيمانِ بها، وحملِها على الحقيقة، لا على المَجَاز" (١)، وأَثبَتَ علوَّ الذاتِ، واستواءَ اللهِ على عَرْشِه، وأبطَلَ قولَ المتكلِّمينَ بتفسيرِ الاستواءِ بأنه الاستيلاءُ (٢)، ولكنَّه في النزولِ حُكِيَ عنه في أحد المواضع أنه نزولُ الأمرِ والرحمةِ، وهذا ليس موافَقةً للمتكلمينَ في أصلِهم في الصِّفات الاختيارية؛ فإنه يَنقُضُ أصلَهم في ذلك في مواضع، وفي مواضعَ أخرى يُثبِتُ نزولَ الله تعالى على الحقيقةِ على ما يليقُ به سبحانَه ويُنكِرُ غيرَه.
ويُوجَدُ مِن هذه الطبقةِ بعضُ الأئمَّةِ الذين ربَّما وافَقُوا المتكلِّمينَ في بعضِ الأصولِ لا كلِّها؛ كأبي عمرٍو الدانيِّ، فهو مِن تلامِذةِ الباقِلَّانيُّ، وله مَيْلٌ إلى بعضِ كلامِهِ في "الرسالةِ الوافية"، وفي "الأُرْجُوزة"، ورسالتُهُ "الوافيةُ" أخَذَ مَعانِيَها مِن كتابِ "الإنصاف" للباقِلَّانيِّ، وقد وافَقَ فيها الباقلانيَّ في الصفات.
وربَّما كان فيهم مَن خالَفَ في الإثباتِ؛ كما في قولِ أبي عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيِّ في إثباتِ الجَنْبِ للهِ (٣)؛ لقوله: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]؛ وذلك أنه نظَرَ لمجرَّدِ الإضافةِ للهِ، ومجرَّدُ الإضافةِ لا تُفِيدُ إثباتَ الصفةِ؛ فللسياقِ معنًى يجبُ الأخذُ به؛ كما هو معروفٌ في لسانِ العرَبِ عند نزولِ الوحي، ولا يُنظَرُ لمجرَّدِ اللفظِ، فقد يُضِيفُ اللهُ إليه شيئًا، وليس منه، بل هو مخلوقٌ مِن مخلوقاتِه؛ كقولِهِ تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وقولِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقولِهِ ﷺ في خالدِ بنِ الوَلِيدِ: (سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ) (٤).
стр. 44
والمرادُ مِن جنبِ اللهِ: هو القُرْبُ؛ فمَن فرَّط فيما يقرِّبُهُ مِن أحدٍ، فقد فرَّط في جَنْبِه.
* الطائفةُ الثانية: طائفةٌ كَثُرَ فيها تقريرُ العقائدِ على طريقةِ أهلِ الكلامِ، وكان ذلك في كثيرٍ مِن أصولِهِم، ولم يكنْ ذلك في فرعٍ منها ولا في أصلٍ واحدٍ، وإنما كان ذلك كثيرًا أو غالبًا؛ وذلك كأبي الوليدِ الباجيِّ، وأبي بكرِ بنِ العَرَبيِّ، وتلميذِهِ القاضي عِيَاضٍ، ومِن هؤلاءِ مَن يَرُدُّ على المتقدِّمِينَ ويُخطِّئُهم كابنِ العَرَبيِّ في رَدِّهِ على ابنِ أبي زيدٍ في قولِهِ في استواءِ الذات، وعلى ابنِ عبد البَرِّ وغيرِه؛ كما في كتابِهِ "العارِضة"، و "العواصم".
وهذا يَدُلُّ على البَوْنِ بين الطائفتَيْن، وسَيْرِ الأوَّلينَ على طريقةِ السلف.
* وبين الطائفتَيْنِ: مَن له أصولٌ يُوافِقُ في بعضِها أهلَ الكلام، وله أُخرى أكثَرُ: خلافُ ذلك؛ كأبي الحسَنِ القابِسيِّ في جعلِ الإيمانِ هو التصديقَ فقطْ، ويَنُصُّ على إخراجِ العمَلِ منه، وله كتابُ "المُنقِذِ في شُبَهِ التأويل"، ولم أَرَه، وله كتابٌ في الاعتقاد، ذكَرَ فيه: "أنَّ الاعتمادَ على السمعِ، وأنَّ الجدَلَ وعلمَ الكلامِ مذمومٌ، وأنَّ للهِ يَدَيْنِ؛ كما يقولُ أهلُ الحديثِ والأثر" (١)؛ ولهذا عدَّهُ أبو نَصرٍ السِّجزيُّ ممن سلَكَ طريقَ السلف في الاعتقاد.
ومنهم: مَن يقرِّرُ على أصولِ بعضِ أهلِ الكلامِ في موضعٍ، وفي مواضعَ على أصولِ السلَفِ وأهلِ الأثَرِ؛ كمَكِّيِّ بنِ أبي طالبٍ؛ فإنَّ له شيئًا مِن التأويلِ في كتابِهِ: "الهِدَايَهْ، إلى بلوغِ النِّهَايَهْ"، وكان مِن تلاميذِ
стр. 45
أبي ذَرٍّ الهَرَويِّ، وابنِ أبي زَيْد، وقد تأوَّل الاستواءَ وصفةَ اليدِ؛ فجعلَهُما بمعنى القُدْرةِ في موضع (١)، والأكثَرُ تصريحُهُ بالإثبات، وقد قال: "وأحسَنُ الأقوالِ في هذه: "عَلَا"، والذي يعتقِدُهُ أهلُ السُّنَّةِ ويقولونَهُ في هذا: أنَّ اللهَ جلَّ ذكرُهُ: فوقَ سمواتِهِ على عرشِهِ دونَ أرضِه، وأنَّه في كلِّ مكانٍ بعلمِه، وله -تعالى ذِكرُه- كُرْسيٌّ وَسِعَ السمواتِ والأرضَ؛ كما قال جلَّ ذكرُه؛ وكذلك ذكَرَ شيخُنا أبو محمَّدِ بن أبي زَيْدٍ ﵀" (٢).
ومِن الأئمَّةِ: مَن يفسِّرُ الخبَرَ بما يَظهَرُ منه التأويلُ، وهو أرادَ معنًى مِن معانيه، لا حقيقتَهُ؛ فإنَّ مِن معاني العُلُوِّ: القُدْرةَ؛ فلا يعلو إلا قادِرٌ قاهِرٌ؛ كما أنَّ مِن معاني القُدْرةِ والقهرِ: العلوَّ؛ فلا يَقْهَرُ ويَقْدِرُ إلا عالٍ؛ فيُظَنُّ أنه يَتأوَّلُ، ولو نُظِرَ إلى قولِهِ في موضعٍ آخَرَ، لبان معتقَدُهُ، وإنْ قصُرَ قولُهُ في موضعٍ آخَر.
والكلامُ في المتأخِّرينَ مِن المالكيَّةِ أكثَرُ مِن المتقدِّمينَ، حتى كان مِن هذه الطَّبَقةِ: مَن يُنكِرُ على مَن لم يَجْرِ على طريقةِ أهلِ الكلامِ؛ كما حطَّ ابنُ العَرَبيِّ على ابنِ خُوَيْزْ مِنْدَادَ، وابنِ أبي زَيْد.
وإنما ظهَرَ بعضُ كلامِ الأشعريِّ في قليلٍ من كلامِ أبي الحسَنِ بنِ القابِسِيِّ، وبعضِ تلامذتِهِ؛ كأبي عِمْرانَ الفاسيِّ على ما تقدَّم، وتوسَّع في بعضِ تلامذةِ أبي عِمْرانَ؛ كأبي محمَّدٍ عبد الحميدِ بنِ الصائغِ القَيرَوانيِّ، وفي بعضِ تلامذةِ الصائغِ؛ كمحمَّدِ بنِ عليٍّ المازَرِيِّ شارحِ "مسلِمٍ" بكتابِهِ "المُعلِم".
ومِن طَبَقةِ الصائغِ في المغرِبِ: أبو بكرٍ محمَّدُ بن الحسَنِ المُرَادِيُّ الحَضْرَميُّ القَيْرَوانيُّ، صاحبُ "التجريد، في علمِ الكلام"، وتلاميذُهُ؛
стр. 46
كأبي الحَجَّاجِ يُوسُفَ بنِ موسى الكَلْبيِّ، وأبي عبد اللهِ محمَّدِ بنِ خلَفٍ الإِلْبِيرِيِّ صاحبِ "الأصولْ، إلى معرفةِ اللهِ والرسولْ"، و"الرَّدِّ على أبي الوليدِ بنِ رُشْدٍ، في مسألةِ الاستواء"، وكان الإلبيريُّ معظِّمًا للجُوَيْنِيِّ.
وقد أخَذَ علمَ الكلامِ عن هذه الطَّبَقةِ: القاضي عِيَاضٌ؛ فقد أخَذَ عن أبي الحجَّاجِ يُوسُفَ بنِ موسى الضَّرِير، وقد كان نَظَمَ "الإرشاد" للجُويْنيِّ وتأثَّرَ به.
وقد أذاعَهُ ابنُ تُومَرْتَ في منتصَفِ المئةِ السادسةِ بسلطانِه، وأبو بكرِ بن العَرَبيِّ بمنقولِه؛ وكلاهما أخَذَ عن الغَزَاليِّ في المشرِق.
وليس في عامَّةِ المغرِبِ الأدنى والأقصى حتى المئةِ الخامسةِ أشعريٌّ خالصُ الأشعريَّةِ على طريقةِ المتأخِّرين، وإنْ قيل، فهي ظنونٌ لا بُرْهانَ عليها؛ فليس الثناءُ ولا التَّلْمذَةُ يُدخِلُ أحدًا في مذهَبِ أحد، ولا المُوافَقةُ في قولٍ يُدخِلُ أحدًا مع أحدٍ في الموافَقةِ على الأصول.
وإنْ كان بعضُ المتكلِّمينَ على طريقةِ الأشعريِّ مِن المتأخِّرينَ ينسُبُ بعضَ المتقدِّمينَ لطريقتِهم، فلأنَّه وافَقَهم في موضعٍ أو مَواضِع، وليس لهم كتبٌ ولا أصولٌ منقولةٌ تدُلُّ على تلك النِّسْبةِ التامَّة.
ومِن ذلك: ما يُنسَبُ إلى إبراهيمَ بنِ عبد اللهِ الزُّبَيْريِّ القَلَانِسيِّ، ودَرَّاسِ بنِ إسماعيلَ؛ القَيْرَوانيَّيْن، وكانا قبلَ ابنِ أبي زَيْد، وليس لهما كتبٌ في العقائدِ بين أيدي الناسِ اليومَ، ووجودُ بعضِ المسائلِ المنقولةِ عنهم المشابِهةِ لما عليه الأشاعِرةُ شبيهٌ بما عليه بعضُ الأئمَّةِ قبلَ الأشعريِّ بما يُشابِهُهُ في بعضِ أصولِه؛ فالموافَقةُ في مسائلَ لا تعني الموافَقةَ في المَدرَسة والأصول.
ولمَّا تمكَّن محمَّدُ بن تُومَرْتَ في القرنِ السادسِ مِن المغربِ، نشَرَ
стр. 47
الأشعريَّةَ المتأخِّرةَ المفوِّضةَ بالجملةِ والمتأوِّلةَ، وأطَرَ الناسَ عليها، وفتَنَ المخالِفِينَ وشَرَّدَهم، وسمَّى أتباعَ مذهبِهِ: "الموحِّدينَ"؛ لَمْزًا للمخالِفِينَ، وكان يسمِّي مَن سبَقَهُ مِن أهلِ المغرِبِ بـ: "المجسِّمةِ"؛ يُريدُ: المثبِتةَ التي لا تَتأوَّلُ، مِن المُرابِطِينَ وغيرِهم.
وفي زَمَنِ ابنِ تُومَرْتَ وما بعدَه: قَوِيَ علمُ الكلامِ في المَغرِبِ، وأُطِرَ الناسُ على الظاهِرِيَّةِ في الفروع، وعلى الأشعريَّةِ في الأصول، وشُنِّعَ على المخالِفِين، وأُحرِقَتْ كُتُبُ المالكيَّة، وكُفِّرَ أهلُ السُّنَّةِ بحُجَّةِ أنَّهم مجسِّمةٌ، وذكَرَ أبو بكرٍ البَيْذَقُ: أنَّه سُبِيَتْ نساؤُهُم لأجل ذلك، وانتشَرَتْ كتبُ ابنِ تُومَرْتَ "المُرشِدَةُ"، و"أَعَزُّ ما يُطلَب"، وشاع تدريسُ كتابِ "الإرشاد" للجُوَيْنِيِّ.
ثم جاء أبو عَمْرٍو السلالجيُّ في القرنِ السادس، وتصدَّى لتعليمِ عقيدةِ ابنِ تُومَرْتَ، وألَّف "العقيدةَ البُرْهانِيَّة" (١)، وبَقِيَتْ عمدةَ المغاربةِ في علمِ أصولِ الدِّينِ إلى اليومِ، ولا يزاحِمُها إلا كتبُ المتأخِّرِينَ؛ كالسُّنُوسيِّ في القرنِ التاسعِ في رسالتِهِ "أُمِّ البَرَاهِينِ"، و"العقيدةِ الصُّغْرى"، وقد كانت في المغرِبِ دولةُ المُرابِطِين، وكان أوَّلُها خيرًا مِن آخِرِها، ثم تَبِعَتْها دولةُ الموحِّدِين، وكان آخِرُها خيرًا مِن أوَّلِها.
وكان في المغرب قبل الموحِّدينَ مَن يصنِّفُ في الاعتقادِ على طريقةِ المتكلِّمين؛ كأبي بكرٍ المُرَاديِّ الحضرميِّ، وكان يَعُدُّهُ عياضٌ مَن أدخَلَ علمَ العقائدِ بهذه الطريقةِ إلى المغرِب.
وقد أخَذَ ابنُ تُومَرْتَ مذهَبَهُ مِن رحلتِهِ إلى المَشارِقةِ المتكلِّمين؛
стр. 48
كما ذكَرَ ذلك: أبو الحَجَّاجِ بن طمْلُوسٍ (١)، والناصِريُّ (٢)، وابنُ خَلْدونَ (٣)، وابنُ تيميَّة (٤).
ولم يكنِ ابنُ تُومَرْتَ يدَّعي الاعتزالَ، وقد نسَبَهُ إلى الأشعريَّةِ جماعة؛ كالسُّبْكيِّ (٥) وغيرِه، وربَّما نسَبَهُ إلى الاعتزالِ بعضُ مَن يَستبشِعُ أفعالَهُ وظُلْمَهُ وبغيَهُ مِن الأشاعرة، وعلمُ الكلامِ سبَقَ إليه المعتزِلةُ، ومنهم أخَذَهُ الأشاعرة، والاعتزالُ فكرٌ انتشَرَ في طوائفَ، وليست جماعةً منتظِمةً لها أصولُها وفروعُها؛ لأنَّ الاعتزالَ علمٌ كلاميٌّ، وقد تغلغَلَ في الرافضةِ والزيديةِ والإباضية، والأشاعِرةِ وغيرِهم.
والمذهبُ الأشعريُّ تدرَّج حتى آلَ إلى ما آلَ إليه، ولم يكنْ أئمَّتُهُ في المُبتدَى كأئمَّتِهِ في المُنتهَى، ومذهبُ المتأخِّرينَ غيرُ مذهبِ المتقدِّمين.
وعلمُ العقائدِ علمٌ ثابتٌ لا يَتوسَّعُ كعلمِ الفقهِ، وإنما اتسَعَ لدى المتكلِّمينَ وتدرَّجوا في تطويرِهِ؛ لأنَّهم أَجرَوْا فيه علمَ الكلامِ، كما أجرى الفقهاءُ في الفقهِ علمَ الرأي.
فالمتقدِّمونَ الأشعريُّ وأصحابُهُ؛ كأبي الحسَنِ الطَّبَريِّ، وابنِ مجاهِدٍ، وتلامذتِهما؛ كالقاضي الباقِلَّانِيِّ: يُثبِتُونَ الصفاتِ الخَبَريَّةَ، ولا يتأوَّلونها؛ كالوجهِ واليد، والعلوِّ والاستواء، وأمَّا الطَّبَقةُ التي تليهم؛ كالجُوَيْنِيِّ، والغَزَاليِّ، فيَنفُونَها.
والأشاعِرةُ منهَجٌ قبلَ أبي الحسَنِ الأشعريِّ، وإنْ سُمِّيَ به، وهو
стр. 49
مسلكٌ جرَى عليه بعضُ أهلِ العربيَّةِ؛ كأبي زكريَّا يحيى بنِ زيادٍ الفَرَّاءِ، وأبي العبَّاسِ محمَّدٍ المبرِّد، وغيرِهم، ثم بدَأَ يَلتئِمُ شَعَثُهُ ويَجتمِعُ شتاتُهُ بعد ذلك.
* علمُ الكلامِ والإمامُ مالكُ بن أَنَس:
وقد كان مالكٌ مِن المعظِّمينَ للأَثرِ، المحذِّرينَ مِن علمِ الكلام؛ وذلك أنَّ الأثَرَ يقيِّدُ العقلَ للوقوفِ عمَّا لا يُحسِنُهُ، وعلمُ الكلامِ يُطلِقُهُ ويجسِّرُهُ باسترسالٍ على ما لا بُرْهانَ له به؛ حتى يكونَ منتهاهُ على حالَيْنِ:
• إمَّا أن يقرِّرَ ما لا بُرْهانَ له به مِن مشابَهةِ الخالِقِ للمخلوق، ويُحدِثَ مِن لوازمِ الصفاتِ صفاتٍ وتفسيراتٍ، حتَّى لو كان في صفةٍ ثابتةٍ بالدليل، لم يُجِزْ له ذلك الأخذَ بتلك اللوازم بإطلاق.
• وإمَّا أن يَستحضِرَ باسترسالِهِ معانيَ باطلةً؛ فيَرجِعَ على أصولِهِ بالنفيِ والنقضِ، ويَتحايَلَ على الحقائقِ بالتأويلِ والتفويضِ التامِّ.
والوقوفُ على الحديثِ والأثَرِ براءةٌ مِن الخَوْضِ فيما لا عِلْمَ للإنسانِ به، وأسلَمُ لِدِينه، وأجمَعُ للمسلِمِينَ، مِن التفرُّقِ في معرِفةِ ربِّهم وصفاتِه.
ومعلومٌ أن الرؤوسَ الذين نشَأتْ فيهم الفلسفةُ والكلامُ يَقِلُّ فيهم علمُ الأَثَر؛ لأنَّ الأثَرَ يَحُدُّ العقلَ مِن الخوضِ فيما لا يَعلَمُ، والكلامُ يُرسِلُه، ثُمَّ إنَّه لا حدَّ لخيالِ العقلِ في الغيبيَّاتِ ولا منتهَى له، وكثيرٌ مِن فرعيَّات المتكلِّمين في الأسماء والصفاتِ والغيبيَّات، لا رأيَ لأهلِ السُّنَّة فيه، ويظنُّون أنَّ هذا علمٌ يَعجِزُونَ عنه، وإنما يُمسِكُ أهلُ السُّنَّة عنه؛ تعظيمًا لله، وأن يقولُوا على الله ما لا يَعلَمُونَ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، والمتكلِّمون لا ينتهون إلى فرع.
стр. 50
ولهذا فما مِن فِرْقةٍ كلاميَّةٍ إلا كان أئمَّتُها الأوَّلُونَ أخفَّ مِن المتأخِّرين؛ لأنَّهم يَتوسَّعُونَ جِيلًا بعدَ جِيل، وقد قال مالكٌ: "مَن طلَبَ الدِّينَ بالكلامِ، تَزَنْدَق" (١)؛ يعني: منتهاهُ إلى ذلك، وأمَّا الآثارُ: فإنَّها تَحْكُمُهم، وقد قال مالكُ بن أنسٍ: "ما قَلَّتِ الآثارُ في قومٍ إلا ظهَرَتْ فيهم الأهواءْ، ولا قلَّت العلماءُ إلا ظهَرَ في الناسِ الجَفَاءْ" (٢).
وقد كان مالكٌ يحذِّرُ أصحابَهُ مِن علمِ الكلامِ لأجلِ ذلك؛ ومِن قولِهِ: "إيَّاكُمْ والبِدَعَ، قيل: يا أبا عبد الله، وما البِدَع؟ قال: أهلُ البِدَعِ الذين يَتكلَّمُونَ في أسماءِ اللهِ وصفاتِه، وكلامِهِ وعلمِهِ وقدرتِهِ، ولا يسكُتُونَ عمَّا سكَتَ عنه الصحابةُ والتابِعونَ لهم بإحسان" (٣).
وقد كان أهلُ المدينةِ يَنْهَوْنَ عن الخوضِ في علمِ الكلام، وهم أعلَمُ الناسِ بأثَرِهِ على الحديث، وقد قال مالكٌ ومُصعَبٌ الزُّبَيْريُّ: "رأيتُ أهلَ بَلَدِنا -يعني: أهلَ المدينةِ- يَنْهَوْنَ عن الكلامِ في الدِّين" (٤).
* الرأيُ وعِلْمُ الكلام:
والسلفُ يُطلِقُونَ "الرَّأْيَ"، و"عِلْمَ الكلامِ"، والأصلُ في كلامِهم: أنَّهم يَقصِدُونَ بعلمِ الكلامِ: ما يُستدَلُّ به مِن المعقولِ في الأصولِ مِن العقائد، ويَقصِدُونَ بالرأيِ: ما يُستدَلُّ به مِن المعقولِ في الفروعِ مِن الفقه، وكانوا يَنهَوْنَ عن الرأيِ، وهو بابٌ للخوضِ في فروعٍ أمرُها أيسَرُ
стр. 51
مِن الأصول؛ وذلك تعظيمًا للوحيِ قرآنًا وسُنَّة، وانتهاءً إلى ما بلَّغَهُ اللهُ لنبيِّه، وكلُّ مَن شدَّد في الرأيِ مِن السلفِ، فهو في علمِ الكلامِ أشَدّ، ولا يوجدُ إمامٌ منهم نَهَى عن الرأي، ثم أَذِنَ بالكلام، حتى كان مِن أصحابِ مالكٍ -وخاصَّةً المغارِبةَ- مَن دخَلَ العراق، ولم يَسمَعْ مِن أهلِ الرأي، ولم يأخُذْ عنهم الفقهَ، بل كانت تلك الطَّبَقةُ مِن أهلِ الرأيِ يَنْهَوْنَ عن علمِ الكلامِ؛ كما قال أبو يُوسُفَ: "مَن طلَبَ الدِّينَ بالكلام، تَزَنْدَق" (١)، وهؤلاءِ كانوا مَحَلَّ إنكارِ كثيرٍ مِن السلفِ، مع أنَّهم أدخَلُوا الرأيَ في الفروعِ، لا في الأصول.
* نهيُ مالكٍ عن علمِ الكلامِ، ومرادُه:
وقد كان مالكٌ ينهى عن علمِ الكلامِ كلِّه، ولا يَستثنِي منه شيئًا؛ فهو -وإنْ لم يَظهَرْ في زمنِهِ وفي بلدِهِ علمُ الكلامِ تامًّا، كما هو عليه بعدَهُ بقرون- إلَّا أنَّ مالكًا نهى عن الكلامِ، ولم يَستثْنِ، وربَطَ نهيَهُ عنه بعِلَلٍ هي متحقِّقةٌ في كلِّ علومِ الكلامِ؛ سواءٌ ما كان عليه الجهميَّةُ أو المعتزِلةُ أو المتكلِّمونَ مِن الأشاعِرةِ.
وبهذا فسَّره جماعةٌ مِن أتباعِ مالكٍ المتقدِّمينَ؛ كابنِ خُوَيْزْ مِنْدَادَ، وأبي عُمَرَ بنِ عبد البَرِّ، وقد كان ابنُ خُوَيْزْ ينهى عن قَبُولِ شهادةِ أهلِ الكلامِ كافَّةً، وكان ابنُ عبد البَرِّ ينقُلُ كلامَهُ معتمِدًا عليه؛ فقد نقَلَ عنه قولَهُ في تأويلِ قولِ مالكٍ: "لا تجوزُ شهادةُ أهلِ البِدَعِ وأهلِ الأهواءِ"؛ قال: "أهلُ الأهواءِ عندَ مالكٍ وسائرِ أصحابِنا هم أهلُ الكلام؛ فكلُّ متكلِّمٍ، فهو مِن أهلِ الأهواءِ والبِدَعِ؛ أشعريًّا كان أو غيرَ أشعريٍّ،
стр. 52
ولا تُقبَلُ له شهادةٌ في الإسلامِ أبدًا، ويُهجَرُ ويُؤدَّبُ على بدعتِهِ؛ فإنْ تَمادَى عليها، استُتِيبَ منها" (١).
ولابنِ عبد البَرِّ كلامٌ في غيرِ موضعٍ مِن كتبِه، لا يَرَى تقريرَ ما يتعلَّقُ بالغيبيَّاتِ ومسائلِ الصفاتِ بالنظَر، ولا يَرَى المناظَرةَ فيها، ومِن ذلك قولُهُ: "ليس في الاعتقادِ كلَّهِ في صفاتِ اللهِ وأسمائِهِ إلا ما جاء منصوصًا في كتابِ الله، أو صَحَّ عن رسولِ الله، أو أجمَعَتْ عليه الأمَّة، وما جاء مِن أخبارِ الآحادِ في ذلك كلِّه أو نحوِهِ: يُسلَّمُ له، ولا يُناظَرُ فيه" (٢).
ولمَّا كان التوسُّعُ في البِدَع الكلاميَّةِ لم يكنْ في زمَنِ مالك، ولم يدخُلْ فيه أهلُ السُّنَّةِ والأثَرِ إلا ما ندَرَ، ولم يَستعمِلْه كبيرُ أحدٍ في الردِّ على أهلِ الأهواءِ والكلامِ في عصرِهِ-: جعَلَ بعضُهم كلامَ مالكٍ لا يُرِيدُ به طوائفَ مِن المتكلِّمينَ الذين استعمَلُوا علمَ الكلامِ للردِّ على المعتزِلةِ والفلاسِفة؛ لأنَّهم رأَوْا أثَرَ هؤلاءِ المتكلِّمِينَ في الردِّ على الفلاسِفةِ والمعتزِلة.
فقد كان البيهقيُّ يَحمِلُ كلامَ مالكٍ على أنه يُرِيدُ كلامَ الغُلَاةِ، لا الكلامَ الذي سلَكَهُ بعضُ أهلِ السُّنَّةِ مِن بعدِهِ؛ قال: "إنَّما يريدُ -واللهُ أعلم- بالكلامِ: كلامَ أهلِ البِدَعِ؛ فانَ في عَصْرِهما (٣) إنَّما كان يُعرَفُ بالكلامِ أهلُ البدع، فأمَّا أهلُ السُّنَّةِ، فقلَّما كانوا يَخوضُونَ في الكلامِ، حتى اضطُرُّوا إليه بعدُ" (٤).
وهذا صحيحٌ في أنَّ مالكًا قصَدَ البِدَعِ الكلاميَّةَ التي أظهَرَها الزنادِقةُ
стр. 53
والمعتزِلةُ والجهميَّة؛ لأنها هي التي ظهَرَتْ في زَمَنِه، ولكنَّ قولَ مالكٍ ونهيَهُ عن علمِ الكلامِ لا يُحصَرُ فيها؛ لأنَّ دخولَ بعضِ أهلِ السُّنَّةِ في علمِ الكلامِ -مع نُدْرَتِهِ- كان في طَبَقةِ شيوخِ مالكٍ وتلامذَتِهم، وكان مالكٌ يَعلَمُ أنه في بعضِ شيوخِهِ وبعضِ تلاميذِه، وكان يَحمَدُ ردَّهم على أهلِ البِدَعِ به، وسلامةَ معتقَدِهِم منه، ويحذِّرُهم مِن الخوضِ فيه بلا علمٍ مِن الأثَر، ولا تمكُّنٍ منه؛ حيث يُفحَمُونَ لِجَهْلِهم به، فيَغتَرُّ المُبطِلُ بباطِلِه لِجَهْلِهم؛ كما حذَّر مالكٌ تلميذَهُ ابنَ فَرُّوخٍ مِن ذلك (١).
وقد اتخذَتْهُ تلك الطَّبَقةُ لإبطالِ باطلِ المُبطِلِين، لا لإحقاقِ حَقِّ المؤمنين، وظهورُهُ على هذا النحوِ في شيوخِ مالكٍ في ابنِ هُرْمُزٍ عبد اللهِ بنِ يزيدَ المَدَنيِّ، وقد قال مالكٌ: "كان ابنُ هُرْمُزٍ رجلًا كنتُ أُحِبُّ أن أَقتدِيَ به، وكان قليلَ الكلامِ، قليلَ الفتيا، شديدَ التحفُّظ، وكان كثيرًا ما يُفتِي الرجلَ، ثُمَّ يَبعَثُ في أثَرِهِ، فيَرُدُّهُ إليه حتى يُخبِرَهُ بغيرِ ما أفتاه؛ قال: وكان بصيرًا بالكلام، وكان يَرُدُّ على أهلِ الأهواءِ؛ قال: وكان مِن أعلَمِ الناسِ بما اختَلَفَ الناسُ فيه مِن هذه الأهواءِ! " (٢).
وظهورُهُ في تلامذةِ مالكٍ على هذا النحوِ أيضًا: في عبد اللهِ بنِ فَرُّوخٍ القيروانيِّ، وقد كتَبَ إلى مالكٍ مِن المغربِ يُخبِرُهُ أنَّ بلدَهُ كثيرُ البدعِ، وأنه ألَّف لهم كتبًا في الرَّدِّ عليهم؛ فكتَبَ إليه مالكٌ يقولُ: "إنْ ظَنَنْتَ ذلك بنَفْسِك، خِفْتُ أنْ تَزِلَّ فتَهْلِكَ؛ لا يَرُدُّ عليهم إلا مَن كان ضابِطًا عارِفًا بما يقولُ لهم، لا يَقدِرُونَ أنْ يُعرِّجُوا عليه؛ فهذا لا بأسَ به، وأمَّا غيرُ ذلك، فإنِّي أخافُ أنْ يُكلِّمَهم فيُخطِئَ؛ فيَمْضُوا على خَطَئِه، أو يَظفَرُوا منه بشيءٍ؛ فيَطْغَوْا ويزدادوا تماديًا على ذلك"؛ كما نقَلَهُ أبو العرَبِ في "طَبَقاته".
стр. 54
وكلامُ مالكٍ ونهيُهُ هو لجميعِ علمِ الكلامِ في الغيبيَّاتِ؛ كالأسماءِ والصفاتِ والقَدَرِ؛ قليلِهِ وكثيرِهِ؛ سواءٌ ما كان عند الفلاسِفةِ وغُلَاةِ المتكلِّمينَ؛ كالمعتزِلةِ، أو كالذي يَتخِذُهُ الأشاعِرةُ والماتُرِيديَّةُ، يَرُدُّونَ به على غلاةِ المتكلِّمينَ والزنادقةِ، ثم يقرِّرونَ به الحَقِّ لأهلِ الحَقّ؛ فهو ينهى عن ذلك كلِّه، وقد قال مالك: "أهلُ البدعِ الذين يتكلَّمونَ في أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ، وكلامِهِ وعلمِهِ وقدرتِهِ، ولا يسكُتُونَ عمَّا سكَتَ عنه الصحابةُ والتابِعونَ لهم بإحسان".
فهو يَرَى أنَّ كلَّ قَدْرٍ زائدٍ يؤدِّيه الكلامُ عمَّا كان عليه الصَّدْرُ الأوَّلُ؛ صحابةً وتابعينَ -: فهو بِدْعة، مع علمِهِ بما اتخَذَهُ بعضُ شيوخِهِ وتلامذتِهِ لردِّ الباطِلِ، لا لتقريرِ الحق، وهذا الذي يَتفِقُ عليه مَن بعدَهُ؛ كالشافعيِّ، وأحمَدَ.
وقد فَهِمَ مِن نهي مالك عن علمِ الكلامِ العمومَ بلا استثناءٍ: جماعةٌ؛ كالغزاليِّ في "الإحياء" (١)، بل جعَلَه قولَ مالكٍ والشافعيِّ وأحمد.
وقد كان أبو حنيفةَ مِن أهلِ الرأيِ في الفقهِ، وينهى عن الكلامِ في الغيبيَّاتِ، ويشدِّدُ فيه، ويقولُ: "لعَنَ اللهُ عَمْرَو بنَ عُبَيْدٍ؛ فإنَّه فتَحَ للناسِ الطريقَ إلى الكلامِ فيما لا يَعْنِيهِمْ مِن الكلامِ" (٢)، وقد كان ينهى أصحابَهُ عنه؛ كما قال محمَّد بن الحسَنِ: "كان أبو حَنِيفَةَ يَحُثُّنَا على الفقه، وينهانا عن الكلامِ" (٣).
وكان الأئمَّةُ ممَّن سبَقَ مالكًا ومَن في طبقتِهِ ومَن جاء بعدَهُم:
стр. 55
يَعلَمُونَ أنَّ علمَ الكلامِ دَرَجاتٌ وخُطُوات، وأنَّ له مُبتدًى، وله مُنتهًى، وقد يُدرِكُ بعضُ الداخِلِينَ فيه آخِرَه، وبعضُهم يُدرِكُ مِن أوَّلِهِ شيئًا، ويَمنَعُهُ مِن الاسترسالِ فيه بشاعةُ ما يَؤُولُ إليه مِن نفيٍ وتعطيل؛ ولذا يقولُ ابنُ مَهْدِيٍّ: "مَن طلَبَ الكَلَامَ، فآخِرُ أمرِهِ زَنْدَقةٌ" (١).
وكثيرٌ ممَّن وصَلَ إلى نهايتِه، نَدِمَ مِن بدايتِه؛ لأنَّ أصلَ علمِ الكلامِ يُبنَى على القياسِ، واللهُ تعالى لا مَثِيلَ له يُشابِهُه.
* الاسترسالُ في علمِ الكلامِ وأثُره:
والحقُّ: أنْ تُؤخَذَ مسائلُ الصفاتِ والغيبيَّاتِ على ظاهِرِها الذي يليقُ باللهِ وحدَهُ، ويُترَكَ ما سواه، وكثيرٌ مِن الأئمَّةِ خاض وسبَحَ ذهنُهُ في بحورِ الخيالِ، وانتهى إلى التسليمِ بالفِطْرةِ، وأخذِ النصِّ على ظاهرِهِ اللائقِ بالخالقِ لا بالمخلوقِ، والإمساكِ عن غيرِه؛ وهذا لا يَحتاجُ إلى كبيرِ عقل؛ فالدِّينُ لم يُنزِلْهُ اللهُ للأذكياءْ بل أنزلَهُ اللهُ للأَسْوِيَاءْ؛ فكلُّ مكلَّفٍ قادِرٌ على تكميلِ معتقَدِهِ بما يَرِدُ عليه مِن النصوص.
وقد قال هذا وأقَرَّ به أئمَّةُ أهلِ الكلامِ في نهايةِ طَوَافِهم في المعقولاتِ الكلاميَّة؛ كما قال المتكلِّمُ الوليدُ بن أَبَانَ الكَرَابيسيُّ لما حضَرَتْهُ الوفاةُ لبنيه: "هل تَعلَمُونَ أحدًا أعلَمَ بالكلامِ منِّي؟ قالوا: لا، قال: فتَتَّهِمُوني؟ قالوا: لا، قال: فإنِّي أُوصِيكُم بما عليه أصحابُ الحديثِ؛ فإنِّي رأيتُ الحقِّ معهم" (٢)، وقال أبو المَعَالِي الجُوَيْنيُّ: "أموتُ على ما يموتُ عليه عجائزُ نَيْسَابُور" (٣)، ويقولُ أبو الوفاءِ بنُ
стр. 56
عَقِيلٍ: "عُدتُّ القَهْقَرَى إلى مذهَبِ المَكْتَبِ" (١)، ويقول الشَّهْرَسْتانيُّ: "عليكم بِدِينِ العَجَائِز" (٢)، ويقولُ الفخرُ الرازيُّ: "لقد اختَبَرْتُ الطُّرُقَ الكلاميَّة، والمناهجَ الفلسفيَّة، والعلومَ المختلِفةَ؛ فما رأيتُ فيها فائدةً تساوي الفائدةَ التي وَجَدتُّها في القرآنِ العظيمِ؛ لأنه يَسعَى إلى تسليمِ العَظَمةِ والجَلَالِ بالكليَّةِ للهِ تعالى، ويَمنَعُ مِن التمعُّنِ في إيرادِ المعارَضاتِ والمناقَضات" (٣).
وقد روى الشاطبيُّ في كتابه "الإفادات والإنشادات" (٤) بإسنادِهِ إلى الرازيِّ، أبياتًا بيَّن فيها حَسْرَتَهُ ووَحْشَتَهُ مِن مباحثِهِ العقليَّة.
* التعرُّف على الله بعلم الكلام يورِثُ الوحشة:
والمتكلِّمونُ يُحاوِلُونَ التعرُّفَ على اللهِ مِن غيرِ طريقِ الله، وما دلَّل اللهُ على نفسِهِ به، ومِن أظهَرِ فسادِ تلك العلومِ الكلاميَّةِ: أنَّ العلمَ الصحيحَ يُورِثُ خشيةً لله؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، ولا يكادُ داخلٌ في علمِ الكلامِ لِيتعرَّفَ على الله به، إلا ضَعُفَتْ خشيةُ اللهِ في قَلْبِه، ورَقَّ دِينُه؛ لأنه بعلمِ الكلامِ عرَفَ شيئًا غيرَ الله، فلو عرَفَ الله، لازداد له خَشْيةً لا وحشة.
والفلاسفةُ كلَّما تعمَّقوا في الفلسفة، ازدادوا حزنًا وحَيْرة، لا طمأنينةً ويقينًا؛ يَبدَأُ الداخلُ في الفلسفةِ وعلمِ الكلامِ بِنَشْوة، ثم ينتهي بحَيْرة؛ كما كان يقول أرسطوطاليس: "لماذا كلَّما تجاوَزْنا المستوى المتوسِّطَ في الفلسفة، تملَّكَتْنا الأحزان، ولازَمَتْنا الأمراض".
стр. 57
* اعتقادُ السلفِ في الصفاتِ:
ولمَّا كان السلفُ يُمِرُّونَ آياتِ الصفاتِ وأحاديثَها، ولا يزيدون على قراءَتِها، ولمَّا ظهَرَتِ البدعُ الكلاميَّة، وظهَرَ التأويلُ والتشبيهُ والتعطيلُ -: توهَّم بعضُ الناسِ: أنَّ السلفَ يريدونَ نفيَ الحقيقةِ كلِّها، وأنَّ كتابَتَهم للنصوصِ مِن غيرِ كلامٍ؛ يعني الإيمانَ بالحروفِ فقطْ، لا مجرَّدَ أنهم يَنفُونَ كيفيَّةَ الصفةِ وبيانَ كُنْهِها، والسلفُ إنما يُثبِتُونَ الحقيقةَ للصفةِ اللائقةَ بالله، لا اللائقةَ بالعبد، وإثباتُهم للحقيقةِ تلك لا يعني تشبيهًا؛ كما أنَّ نَفْيَهم للتكييفِ لا يعني تعطيلًا؛ فلا هم مشبِّهةٌ، ولا معطِّلةٌ، ولا مكيِّفة؛ لأنَّ التأويلَ للحقيقةِ زيادةٌ على النصِّ، كما أنَّ التشبيهَ زيادةٌ على النصِّ.
والعدلُ: أنْ يَقِفَ الإنسانُ بينهما؛ فلا يَحمِلُهُ خوفُ التشبيهِ على نفيِ الحقيقةِ، ولا يَحمِلُهُ خوفُ التأويلِ على إثبات التشبيه، ويُمسِكُ عمَّا عدا ذلك؛ لأنَّ هذا غايةُ العلمِ، وما سواه جَهْلٌ؛ كما قال سُحْنُونٌ: "مِنَ العلمِ باللهِ: الجهلُ بما لم يُخبِرْ به اللهُ عن نَفْسِه".
وبنحوِهِ قال ابنُ أبي زَمَنِين (١).
ويجبُ إمساكُ الذِّهْنِ عَنِ الاسترسالِ بالتفكُّرِ في كيفية ذاتِ اللهِ وصفاتِهِ؛ لأنَّ العقلَ يشبِّهُ ويمثِّلُ ويكيِّفُ؛ فكلُّ عقلٍ يصوِّرُ الغائبَ عنه على ما يَرَى، حتى تَختلِفَ الصُّوَرُ في العقولِ للذاتِ الواحدةِ؛ لاختلافِ المُشاهَدِ في كلِّ عقل؛ ولهذا نهى السلفُ عن الجِدَالِ في اللهِ وصفاتِهِ وأسمائِه؛ وقد قال ابنُ عبد البَرِّ: "نُهِينَا عن التفكُّرِ في الله، وأُمِرْنا
стр. 58
بالتفكُّرِ في خَلقِه الدالِّ عليه" (١)؛ لأنَّ التفكُّرَ في الأسماءِ يؤدِّي لمعرِفةِ معناها وآثارِها، والعمَلِ بمقتضاها، وهو الإحصاءُ المقصودُ بقولِهِ ﷺ : (إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا؛ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ) (٢).
* اللغةُ وعلمُ الكلام، وأسبابُ انتشارِ البِدْعة:
كان اللسانُ العَرَبيُّ الأوَّلُ حاميًا مِن الخروجِ عن وضعِ الشريعةِ، ومرادِ اللهِ سبحانه، ولمَّا انتشَرَتِ العُجْمةُ في الناس، ظنَّ أولادُ العرَبِ أنَّهم كآبائِهم يَرِثُونَ اللسانَ، كما يَرِثُونَ النسَب؛ ففسَدَتْ أفهامُ بعضِهم للنصوصِ لفسادِ اللسان؛ وقد صحَّ عن الحسَنِ البصريِّ قولُه: "أهلَكَتْهُمُ العُجْمةُ؛ يتأوَّلون القرآنَ على غيرِ تأويلِه" (٣).
وكان مالكٌ يحذِّرُ مِن تفسيرِ القرآنِ وتأويلِهِ مِن غيرِ معرِفةٍ بلسانِ العرَبِ ولغاتِها، ويدعو إلى تأديبِ فاعلِهِ؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى حملِ كلامِ اللهِ على غيرِ مرادِه؛ قال: "لا أُوتَى برَجُلٍ يفسِّرُ كتابَ اللهِ غيرَ عالِمٍ بلغاتِ العرَبِ، إلا جعَلْتُهُ نَكَالًا" (٤).
ويكفي في رَدِّ البدعِ الكلاميَّةِ معرِفةُ مَنْشَئِها اللسانيّ، وبُعْدِها المكانيِّ والزمانيّ؛ ولهذا لم يكنِ العرَبُ الذين سَمِعُوا القرآنَ يَستشكِلُونَ مِن الصفاتِ ما استشكَلَهُ المتكلِّمونَ حتى كفَّارُ قريش، ولم يكنِ الصحابةُ يَسألُونَ النبيَّ ﷺ عن أنواعِ الصفاتِ الذاتيَّةِ والفعليَّة؛ لأنَّ لسانَهم وبيانَهم لا يحتاجُ لِمِثْلِ هذا التقسيم.
стр. 59
وقد بيَّن ابنُ أبي زيدٍ القَيْرَوانيُّ: أنَّ البِدَعَ في الدِّينِ كانت بسبَبِ تصديرِ بني العبَّاسِ للعجَمِ مِن الفُرْسِ وغيرِهم، ولم يكنْ ذلك في بني أُميَّة (١).
ولما تمكَّن علمُ الكلامِ مِن بعضِ الناسِ، التمَسُوا مِن علمِ العربيَّةِ وأشعارِ العرَبِ ما يؤيِّدُ قولَهم، ولو كان مخالِفًا للوضعِ العرَبيِّ الأوَّل، ولسانِ قريش؛ فهم اعتقَدُوا بدليلِ علمِ الكلامِ، ثم استأنسُوا بالعربيَّة، حتى أصبَحَ هناك مَن يَقصِدُ تعلُّمَ العربيَّةِ، لتقريرِ علمِ العقائدِ على طريقةِ أهلِ الكلام.
وأهلُ السُّنَّةِ يُرجِعُونَ فهمَ مسائلِ الدِّينِ إلى ما تواضَعَ عليه أهلُ الصدرِ الأوَّلِ، واشتهَرَ الأخذُ به مِن زمنِ النبيِّ ﷺ والصحابةِ والتابِعِينَ خاصَّةً الحجازيِّين، ولا يَعتمِدُونَ على كلِّ لغةٍ واستعمال، ويتثبَّتون في النقلِ، ولا يَستدِلُّونَ بكلِّ شيءٍ مِن شواهدِ العرَبِ وأشعارِهم، بل بما تَفهَمُهُ عامَّةُ العرَبِ عند الإطلاق.
وقد نبَّه على هذا جمعٌ مِن الأئمَّةِ؛ كالشافعيِّ في "الرسالة" (٢)، وعبدِ العزيزِ الكِنَانيِّ في "الحَيْدة" (٣)؛ وهو الذي يَجرِي عليه في استعمالِهِ ونهجِهِ أئمَّةُ العربيَّةِ؛ كأبي عمرِو بنِ العَلَاءِ، وحمَّادِ بنِ سَلَمةَ، والخليلِ بنِ أحمدَ، وسِيبَوَيْهِ، والكِسَائِيِّ، والأَصمَعيِّ، وأبي عُبَيدٍ القاسمِ بنِ سلَّامٍ، وابنِ قُتَيْبةَ، وثَعْلَبٍ، وأبي منصورٍ الأَزْهَريِّ، وغيرِهم.
стр. 60
* خطأ المتكلِّمينَ في استعمال اللغة:
وأمَّا المتكلِّمونَ: فيقدِّمون مِن اللغةِ ما يوافِقُ أصولَهم الكلاميَّة، ويقدِّمون الاستعمالَ الأغرَبَ على الأغلَب، ولا يَعتبِرُونَ بالسياقِ ولا القرائنِ ولا أحوالِ المتكلِّمِ والمخاطَب؛ فقد يتشابَهُ الفعلُ مع غيرِه، ولكنْ يَختلِفُ في سياقِه، ويتغيَّرُ معناه:
كالإتيانِ في قولهِ تعالى: " ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]، فإنَّه يَختلِفُ عن الإتيانِ في قولِهِ تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، مع أنَّ الإتيانَيْنِ مضافانِ جميعًا إلى الله، ولكنَ الأوَّلَ مقرونٌ بإسقاطِ السقفِ وخرورِهِ؛ فكان مكرًا بهم، والثاني صفةٌ للهِ تعالى.
ومِن ذلك: قولُهُ ﷺ : (الحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ) (١)، وقولُهُ: (إِنِّي أَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ) (٢)، وقولُهُ تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وقولُهُ ﷺ عن خالدِ بنِ الوليدِ: (سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ؛ سَلَّهُ اللهُ) (٣)؛ فهذه تَعرِفُها العرَبُ بسياقِها: أنَّ الإضافةَ فيها لله، لا يعني كونَها صفةً؛ وهذا السياقُ يُعرَفُ بالوضعِ العَرَبيِّ الأوَّل، وليس مجرَّدُ التركيبِ اللفظيِّ كافيًا في الفهمِ.
ومثلُ هذا كان سببًا في خطأِ المتكلِّمينَ مِن المعتزِلةِ والأشاعِرةِ حينما ألزَمُوا المُثبِتةَ على منهجِ السلفِ بأمثالِ هذه الأحاديثِ: أن تكونَ
стр. 61
صفاتُ اللهِ كغيرِها، أو يَتِمَّ تأويلُ الجميعِ كتأويلِها، وقد فَهِمُوا الألفاظ، وجَهِلُوا السياق.
ومجرَّدُ العلمِ باللغةِ العربيَّةِ لا يُجِيزُ تقديمَ الوضعِ فيها على الوضعِ الشرعي؛ فالاصطلاحُ والوضعُ الشرعيُّ مقدَّمٌ على الوضعِ اللغوي، وما خالَفَ ما أجمَعَ عليه السلَفُ من المعاني، فهو فاسِدٌ، وإنِ احتمَلَتْهُ اللغة؛ ولذا يقولُ أبو عُبَيْدٍ القاسمُ بن سَلَّامٍ: "لأهلِ العربيَّةِ لُغَةٌ، ولأهلِ الحديثِ لُغَةٌ، ولغةُ أهلِ العربيَّةِ أقيسُ، ولا نَجِدُ بُدًّا مِن اتِّبَاعِ لغةِ أهلِ الحديثِ مِن أجلِ السماعِ" (١)، ويقولُ ثَعْلَبٌ: "السُّنَّةُ تَقضِي على اللُّغَة، واللُّغَةُ لا تَقضِي على السُّنَة" (٢)؛ فالصلاةُ والزكاةُ والحجُّ والصومُ جاء الاستعمالُ الشرعيُّ فيها على معنًى مخصوصٍ يُخالِفُ الإطلاقَ اللغويَّ، ومَن حمَلَ معنى الصلاةِ والزكاةِ والصومِ والحجِّ على أحَدِ معانيها اللغويَّةِ، كان حملُهُ صحيحًا لغةً، باطلًا شرعًا.
وكثيرٌ مِن الأئمَّةِ المغاربةِ يُدرِكُونَ هذا المعنى؛ كابنِ أبي زَيْدٍ، وابنِ عبد البَرِّ، وأبي عَمْرٍو الدانيِّ؛ يقولُ أبو عمرٍو الدانيُّ: "وأئمَّةُ القُرَّاءِ لا تَعمَلُ في شيءٍ مِن حروفِ القرآنِ على الأَفشَى في اللغةِ، والأقيَسِ في العربيَّة، بل على الأثبَتِ في الأثَرِ، والأصحِّ في النقلِ والروايةِ؛ إذا ثبَتَتْ عنهم، لم يَرُدَّها قياسُ عربيَّةٍ، ولا فُشُوُّ لغةٍ؛ لأنَّ القرآنَ سُنَّة مُتَبَعةٌ يَلزَمُ قَبُولُها والمصيرُ إليها" (٣).
ولمَّا استَقَرَّتْ عقائدُ المتكلِّمينَ على التأويلِ أو التفويضِ المطلَقِ، التمَسُوا مِن اللسانِ العربيِّ شواهدَ لتؤيِّدَ قولَهم؛ فاستَدَلُّوا بها، واستنَدُوا
стр. 62
إليها؛ كتفسيرِهم الاستواءَ بالاستيلاءِ؛ حيثُ استَدَلَّ القاضي عبدُ الجَبَّارِ بشواهدِ اللغةِ على ما استَقَرَّ عنده قبلَ استدلالِه؛ كما في "مُتشابِه القرآن" (١)، وكذلك تأويلُ اليَدِ بالنِّعْمة (٢)، والكلامُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]؛ حيثُ فسَّروه بالكَلْمِ، وهو الجَرْحُ؛ يعني: ابتلاهُ وجَرَحَهُ بالمِحَنِ والشدائدِ (٣).
وقد تعدَّى ذلك الاستدلالُ على الألفاظِ بغيرِ المعروفِ، إلى التوسُّعِ في تقديرِ المحذوفاتِ؛ للوصولِ إلى الغايةِ؛ وهي التأويلُ، حتى عطَّلوا جميعَ الصفاتِ الفعليَّةِ عن حقيقتِها؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، جعَلُوا ثَمَّ تقديرًا محذوفًا، وهو تَجَلِّي أمرِهِ وقدرتِهِ (٤)، ونحوُهُ قولُهُ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، قدَّروا المحذوفَ: إتيانَ أمرِهِ وإرادتِه (٥).
وهذا بابٌ لا حَدَّ له؛ أدخَلُوا منه أكثَرَ تأويلاتِهم؛ حتى قال القاضي عبدُ الجَبَّار: "هكذا طريقتُنا في سائِرِ المتشابِهِ: أنَّه لا بُدَّ مِن أن يكونَ له تأويلٌ صحيحٌ، يُخرَّجُ على مذهَبِ العرَبِ مِن غيرِ تكلُّفٍ ولا تعسُّف" (٦).
وتوسَّعوا في إدخالِ كثيرٍ مِن تأويلاتِهم للصفاتِ مِن بابِ الكنايةِ والمبالَغةِ، والاستعارةِ والتشبيهِ وغيرِها.
وأدخَلُوا مِن بابِ المَجَازِ كثيرًا مِن الحقائقِ للخروجِ مِن الإثبات؛
стр. 63
حتى جُعِلَ المجازُ مصطَلَحًا في العربيَّةِ يُضاهِي الحقيقةَ، وقد يفوقُها؛ كما يَظهَرُ في تقريراتِ أوائلِ مَن عبَّر عن هذا الاصطلاحِ؛ كالأخفشِ في "معاني القرآن" (١)، والجاحظِ في "البَيَان"، و"الحَيَوان" (٢)؛ حتى زعَمَ ابنُ جِنِّيْ في "الخصائص" (٣): أنَّ أكثَرَ اللغةِ مجازٌ، لا حقيقةٌ.
والعجَبُ: أنَّهم يَقبَلُونَ التأويلَ بعقولِهم، ويَرُدُّونَ تفسيرَ السلفِ لأنَّه مِن عقولهم؛ وعقولُ السلفِ أصَحّ، وألسنَتُهُمْ أفصَح.
ولما اتسَعَ الأخذُ بعلمِ الكلام، طُوِّعَتِ العربيَّةُ له، ولم يُطوَّعْ لها، وكَثُرَتِ البِدَعُ مِن أهلِ العربيَّةِ؛ حتى قال إبراهيمُ الحَرْبيُّ: "كان أهلُ البَصْرةِ أهلَ العربيَّة، منهم أصحابُ الأهواءِ، إلا أربعةً؛ فإنَّهم كانوا أصحابَ سُنَّةٍ: أبو عَمْرِو بن العَلَاءِ، والخليلُ بن أحمَدَ، ويُونُسُ بن حَبِيبٍ، والأَصمَعيّ" (٤).
وقد ظهَرَ الاعتزالُ في كثيرٍ مِن أهلِ العربيَّةِ مع إمامَتِهم فيها؛ كهارونَ الأعوَرِ، وأبي محمَّدٍ اليَزِيدِيِّ، وقُطْرُبٍ، وسعيدٍ الأخفَشِ، وأبي عثمانَ المازنيِّ، والجاحظِ، وقد كتَبَ الجاحظُ كتبًا لنصرةِ القولِ بخلقِ القرآنِ، وتعطيلِ الصفاتِ؛ ككتابِ "خَلْق القرآن"، و"الرَّدِّ على المشبِّهة"؛ كتَبَها لأبي الوليدِ محمَّد بن أحمدَ بنِ أبي دُؤَادٍ قاضي المتوكِّل، ولم يَبْقَ لهذه الكتبِ ذِكْر، وهُجِرَتْ حتى فُقِدَت.
* * *
стр. 64
الشَّرْح
* قَالَ ابْنُ أَبى زَيْدٍ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾:
يُشرَعُ البَدَاءةُ بذكرِ اللهِ قبلَ الشروعِ في المقاماتِ المهمَّة، والمواقفِ الجليلة، وقد استفاضت السُّنَّةُ العمليَّةُ بذلك، وقد دلَّت السُّنَّةُ على أنواعِ مِن الذكرِ يُشرَعُ البداءةُ به باختلافِ أنواعِ المقامِ المشروعِ فيه؛ فجاءت نصوصٌ بالبدءِ بالبسملة، ونصوصٌ بالبدءِ بالحَمْدلةِ والشهادةِ والصلاةِ على النبي ﷺ :
أمَّا البداءةُ بالحَمْدلةِ: ففي الخُطَبِ وما في حُكْمِها مِن طويلِ الكتبِ والمَقَالات، وقد استفاضتِ الأحاديثُ عند حكايةِ قيامِ النبيِّ ﷺ لخُطْبةٍ يقولونَ: (فحَمِدَ اللهَ، وأَثْنَى عَلَيْهِ)؛ كما في "الصحيحَيْنِ" مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (١)، وأبي هُرَيْرةَ (٢)، وابنِ عُمَرَ (٣)، وأبي حُمَيْدٍ الساعديِّ (٤)، وأنسٍ (٥)، وجَرِيرٍ (٦)، وعائشةَ (٧)، وأسماءَ (٨)، وهكذا الخلفاءُ الراشدون، وليس في فِعْلِهم التسميةُ في الخُطَب.
وأما اقترانُ الحَمْدلةِ بالتشهُّدِ: فهو مشروعٌ في صدرِ الخُطَبِ
стр. 65
والكلامِ الجليلِ بلا خلافٍ، وقد جاءت به السُّنَّةُ العَمَليَّةُ:
كما في حديثِ عائشةَ في "الصحيحَيْنِ"؛ لمَّا ائتمَّ الناسُ بصلاتِهِ بالليلِ، ولم يخرُجْ لهم في الثالثةِ، فخطَبَهم في الفجرِ، فقال: (إِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ) (١).
وتشهَّد عندما حدَّث عائشةَ بالإفكِ؛ فقال كما في "الصحيحَيْنِ": (يَا عَائِشَةُ، إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا؛ فإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ) (٢).
وجاء بالتشهُّدِ السُّنَّةُ القوليَّة؛ كما في حديثِ أبي هُرَيْرةَ مرفوعًا؛ قال: (كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ) (٣).
وصحَّ عن أبي بكرٍ وعليِّ بنِ أبي طالِبٍ تشهُّدُهم في خُطْبةِ غيرِ الجُمَع؛ كما في "الصحيحَيْن" عن عائشةَ، في بَيْعةِ أبي بكرٍ (٤).
وتَشهَّدَ عُمَرُ في خطبتِهِ لما مات النبيُّ ﷺ (٥)، وتشهَّدَ عثمانُ في كلامِهِ لمَّا أقام الحَدَّ على الوليدِ بنِ عُقْبة؛ وكلاهما في "الصحيح" (٦).
وكان بعضُ الصحابةِ يتشهَّدُ فيما يَهُمُّ، حتى في غيرِ صعودِ المِنْبَرِ، ولغيرِ الناسِ عامَّةً:
كما جمَعَ ابنُ عُمَرَ بَنِيهِ وأهلَهُ في إثباتِ بيعتِهِ يَزِيدَ لمَّا خلَعَهُ الناسُ؛ حيث رأى أنَّ الخَلْعَ نَكْثٌ وغَدْر؛ كما عند أحمدَ (٧)، والأصلُ المرفوعُ في "مسلم" (٨).
стр. 66
وجاء عن ابنِ مسعودِ: التشهُّدُ في كلِّ حاجةٍ يخطُبُ لها.
وجاء عن عطاءٍ، عن أبي البَخْتَرِيِّ؛ قال: "كلُّ حاجةٍ ليس فيها تشهُّدٌ، فهي بَتْراءُ" (١).
وأمَّا البداءةُ بالبَسْملةِ: ففي المكاتَباتِ والرسائلِ سُنَّةُ النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- والأنبياءِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، وكلَّما كان الأمرُ الذي يَشرَعُ فيه الكاتِبُ والمتكلِّمُ أعظَمَ، كان التأكيدُ بالبداءةِ بذكرِ اللهِ فيه أشدَّ.
وظاهِرُ السُّنَّةِ: التفريقُ بين الخُطَبِ والمكاتَبات؛ فالخُطَبُ يُبدَأُ فيها بالحمدَلةِ، والمكاتَباتُ يُبدَأُ فيها بالبَسْملة؛ كما في كُتُبِ النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- إلى الملوكِ ورؤوسِ الناسِ؛ ككتابِهِ إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّوم، وكِسْرَى عظيمِ فارس، والمُقَوْقِسِ عظيمِ القِبْط، والنَّجَاشيِّ مَلِكِ الحَبَشة، والمُنْذِرِ بنِ سَاوَى التميميِّ حاكمِ البَحْرَيْن، والحارثِ الغَسَّانيِّ مَلِكِ الحِيرَة، وأوَّلُ رسائلِهِ ﷺ في "الصحيحَيْن" مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٢)، وبقيَّتُها في السِّيَر.
وأكثَرُ السلفِ في القرنَيْنِ الأوَّلَيْنِ يَبدَؤُونَ كُتُبَهُمْ بالبسملةِ، ثُمَّ يَشرَعُونَ في المقصودِ؛ كمالكٍ في "الموطَّأ" (٣)، وغيرِه، ثُمَّ غلَبَ على الكتبِ البداءةُ بالبسملةِ والحمدلةِ جميعًا.
والأحاديثُ الواردةُ في الأمرِ بالبداءةِ بالبَسْملةِ والحَمْدلةِ: معلولةٌ، والسُّنَّةُ العمليَّةُ أصحُّ وأشهَر.
* * *
ولا يَصرِفُ أحدًا عن الحقِّ وهو يريدُهُ: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]، ولا يَقذِفُ في قلبِ أحدٍ مرضًا أو رِجْسًا إلا وهو يطلُبُ المرَضَ والرِّجْسَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ومَن كان في قلبِهِ قصدُ الخَيْرِ وطلبُهُ، فإنَّ اللهَ يَهدِيه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وإذا كان الإنسانُ كلَّما قرَأَ الأدلَّةَ، ازداد غيًّا وانحرافًا، فالعيبُ في قصدِهِ ومرَضِ قلبِه، لا في الأدلَّة.
ومَن جَهِلَ شيئًا مِن الوحيِ المتعيِّنِ عليه، وجَبَ عليه سؤالُ أهلِ العلمِ العارِفينَ بذلك؛ فإنَّ مجرَّدَ الجهلِ مع إمكانِ رفعِه، لا يُعذَرُ صاحبُهُ به؛ وإلَّا لكان الجهلُ خيرًا مِن العلم، وتجهيلُ الناسِ أفضَلَ مِن تعليمِهم؛ لأنَّ تعليمَهُمْ تكليفٌ وحساب، وتجهيلَهُمْ إعذارٌ وعَفْو.
ويَنشَأُ الصغيرُ على الفِطْرة، وتقبُّلِ الحقِّ والاتجاهِ إليه، واستنكارِ الباطلِ والنُّفْرةِ منه، ولكنَّه قد يتوطَّنُ على الشرِّ؛ إذا تدرَّج فيه؛ كما قال ﷺ : (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا وَيوُلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو يُمَجِّسَانِهِ ... ) (١).
وتعليمُ الوِلْدانِ الحقَّ والخيرَ واجبٌ، وهو حقٌّ لهم على وليِّهم، ويَتأكَّدُ ذلك في الأزمِنةِ التي يكثُرُ فيها الشرُّ؛ فيجبُ أن يُسبَقَ بالخيرِ إلى قلوبِهم قبلَ أن يَسبِقَ إليهم الشرُّ؛ فيتقبَّلُونَهُ ويتشرَّبونه.
* * *
стр. 72
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَاعْلَمْ: أَنَّ خَيْرَ القُلُوبِ: أَوْعَاهَا لِلْخَيْر، وَأَرْجَى القُلُوبِ لِلْخَيْرِ: مَا لَمْ يَسْبِقِ الشَّرُّ إِلَيْهِ، وَأَوْلَى مَا عُنِيَ بِهِ النَّاصِحُونْ، وَرَغِبَ فِي أَجْرِهِ الرَّاغِبُونْ: إِيصَالُ الخَيْرِ إِلَى قُلُوبِ أَوْلَادِ المُؤْمِنِينْ؛ لِيَرْسَخَ فِيهَا، وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى مَعَالِمِ الدِّيَانَهْ، وَحُدُودِ الشَرِيعَهْ؛ لِيُرَاضُوا عَلَيْهَا، وَمَا عَلَيْهِمْ أَن تَعْتَقِدَهُ مِنَ الدِّينِ قُلُوبُهُمْ، وَتَعْمَلَ بِهِ جَوَارِحُهُمْ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ تَعْلِيمَ الصِّغَارِ لِكِتَابِ الله، يُطْفِئُ غَضَبَ الله، وَأَنَّ تَعْلِيمَ شَيءٍ فِي الصِّغَرْ؛ كَالنَّقْشِ فِي الحَجَرْ.
وَقَدْ مَثَّلْتُ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَنْتَفِعُونَ -إِنْ شَاءَ اللهُ- بِحِفْظِهْ، وَيَشْرُفُونَ بِعِلْمِهْ، وَيَسْعَدُونَ بِاعْتِقَادِهِ وَالعَمَلِ بِهْ):
أنقى القلوبِ: القلبُ الذي يكونُ على الفِطْرة، ولم يَرِدْ إليه واردٌ مِن الشَّرّ؛ لأنَّ القلبَ إذا تمكَّنَ منه الشَّرُّ، تصلَّبَ وقسا، وشَقَّ عليه الرجوعُ؛ كما قال تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]؛ لأنَّ للقلبِ مَنافِذَ يدخُلُ منها الخيرُ، وإذا كَثُرَ الباطلُ والشَّرُّ على القلبِ، كَثُرَ إغلاقُ مَنافِذِ الخيرِ إليه؛ حتى يكونَ كالحجارةِ أو أشَدَّ قَسْوةً في قَبُولِ الحَقّ.
وقد جاءتِ الأدلَّةُ في تعليمِ الصغارِ دِينَ الله، وخاصَّةً ما يتعلَّقُ بهم وما يَشُقُّ عليهم الثباتُ عليه بعدَ تكليفِهم؛ كالصلاةِ وأحكامِ العَوْرة؛ كما قال ﷺ : (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ) (١)، وكما في ظاهر آية العَوْراتِ مِن سورةِ النُّور.
стр. 73
وتعليمُ الصغيرِ أثبَتُ في قلبِهِ مِن تعليمِ الكبيرِ؛ لخلوِّ قلبِهِ ولينِهِ وطَرَاوَتِه.
والأُمَمُ والشعوبُ التي تَنشَاُ على الفِطْرة، ولم تتبدَّلْ، فإنها أسرَعُ لقَبُولِ الحقِّ والتسليمِ به؛ كما هو اليومَ في كثيرِ من بُلْدانِ إفريقيَّةَ وبعضِ بلدانِ جنوبِ شرقِ آسيا، وأمَّا التي تبدَّلَتْ فِطْرَتُها، وطال الأمَدُ على انحرافِها، فإنَّ قَبُولها للحقِّ شاق؛ لأنَّ قلوبَهم منحرِفة؛ كالإناءِ المائلِ أو المنكوسِ، فبمقدارِ مَيَلانِهِ يقلُّ نصيبُهُ مِن تقبُّلِ وضعِ الماءِ فيه، وإذا كان منكوسًا، لا يَقبَلُ شيئًا حتى يعدَّلَ على الفطرةِ الصحيحة، ثُمَّ يُصَبُّ الماءُ فيه، والجهدُ في هؤلاءِ شاقّ؛ لأنهم يحتاجون إلى جهادَيْن: جهادِ تعديلِ الفِطْرة، وجهادِ عَرْضِ الشِّرْعة؛ وهذا كالفَرْقِ بين أهلِ مَكَّةَ وأهلِ المدينة في أوَّلِ الإسلام؛ فأهلُ مكَّةَ أشدُّ تبديلًا للفِطْرة، فعانَدُوا وكابَرُوا، ولكنْ مَن آمَنَ منهم، ثبَتَ وكان إيمانُهُ أقوى مِن غيره؛ لأنه جرَّب أقصى الضلالة، فرجَعَ، فليس بعدها شيء؛ ولهذا كان مؤمنو مَكَّةَ المهاجِرُونَ أفضَلَ من مؤمني المدينةِ الأنصار.
ومَن أراد دعوةَ أحَدٍ إلى الحقِّ، فلينظُرْ إلى فِطْرَتِهِ ومقدارِ انحرافِها قبل دَعْوَته، حتى يقوِّمَ الإناءَ قبل الصبِّ فيه، ومَن يدعو أصحابَ فِطَرِ مبدَّلةٍ، أعظَمُ أجرًا ممَّن يدعو أصحابَ الفطرِ الصحيحة، ولو كان أقلَّ أتباعًا؛ فكلُّ أولي العَزْمِ مِن الرسُلِ أُرسِلُوا إلى أُمَمٍ مبدِّلةٍ للفِطْرة.
وإذا نَشَأ الإنسانُ في بيئةِ شرٍّ وعَرَف الحقَّ، فهو أَثبَتُ وخيرٌ ممَّن عَرَف الحقَّ في بيئةِ خير، ومِن هذا قولُ أحمدَ: إذا أَصَبتَ الكوفيَّ صاحبَ سُنَّةٍ، فهو يَفُوقُ الناس (١)؛ وذلك لأنَّه غَلَبتْ على الكوفةِ بِدْعةُ التشيُّعِ والرَّفْض.
* * *
стр. 74
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَقَدْ جَاءَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَيُضْرَبُوا عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَيُفَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ؛ فَكَذَلِكَ: يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمُوا مَا فَرَضَ اللهُ عَلَى العِبَادِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ؛ لِيَأْتِيَ عَلَيْهِمُ البُلُوغُ، وَقَدْ تَمَكَّنَ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ، وَأَنِسَتْ بِمَا يَعْمَلُونَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ جَوَارِحُهُمْ.
* وَقَدْ فَرَضَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى القَلْبِ عَمَلًا مِنَ الاعْتِقَادَاتْ، وَعَلَى الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ عَمَلًا مِنَ الطَّاعَاتْ.
* وَسَأُفَصِّلُ لَكَ مَا شَرَطْتُ لَكَ ذِكْرَهُ بَابًا بَابًا؛ لِيَقْرُبَ مِنْ فَهْمِ مُتَعَلِّمِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَإِيَّاهُ نَسْتَخِيرْ، وَبِهِ نَسْتَعِينْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمْ):
أَمْرُ الصبيِّ بالصلاةِ في صِغَرِهِ متوجِّهٌ في الشرعِ لوليِّهِ؛ كما في الحديثِ: (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ ... ) (١)؛ لأنَّ الصبيَّ غيرُ مكلَّفٍ؛ فلا يتوجَّهُ إليه الخِطَاب، والتقصيرُ والإثمُ في ذلك يقَعُ على وليِّه لا عليه، وإذا بلَغَ، وقَعَ عليه لا على وليِّه.
* وإنما خُصَّتِ الصلاةُ بالتأكيدِ على الصغيرِ في أوَّلِ تمييزِهِ؛ لأسبابٍ منها:
الأوَّل: كونُها أعظَمَ الأركانِ العَمَليَّةِ وآكَدَها؛ والاهتمامُ في الشريعةِ يكونُ للأهَمِّ والأعظَم.
стр. 75
الثاني: أنَّ الصلاةَ ثقيلةٌ، وتحتاجُ إلى توطُّنٍ، والنفسُ غَضَّةٌ طَرِيَّةٌ؛ حتى إذا كَبِرَتْ، لا تَستثقِلُ الصلاةَ، وقد اعتادَتْ قبلَ ذلك عليها، ومَن لم يؤدِّها وهو صغيرٌ بأيِّ حالٍ، شَقَّ عليه القيامُ بها عند أوَّلِ بلوغِه؛ ولهذا جاء أمرُ الوليِّ بأنْ يأمُرَ الصبيَّ وهو ابنُ سبعِ سِنِينَ؛ حتى يبلُغَ العاشِرَةَ، وهي ثلاثُ سنينَ، يُؤمَرُ فيها عند كلِّ صلاةٍ، ثُمَّ يُضرَبُ عليها بعدَ العاشِرةِ إلى بلوغِه، ضربًا غيرَ مبرِّح؛ ولكنْ مَن انتظَمَ على الأُولى، لم يَحتَجْ إلى الثانيةِ؛ أي: مَن انتظَمَ بأمرِ الصبيِّ بعد السابعةِ ثلاثَ سنينَ، لم يبلُغِ العاشرةَ إلا وهو مُداوِمٌ عليها، ولم يَحتَجْ إلى ضَرْبِه.
الثالثُ: أنَّ الصلاةَ ثقيلةٌ بلا خشوعٍ، والخشوعُ ثقيلٌ في ذاتِهِ على مَن لم يتوطَّنْ عليه، والصغيرُ أوَّلَ مَا يؤدِّيها لا يَعرِفُ الخشوعَ؛ فيرادُ توطينُهُ على الأمرَيْنِ ليسهُلَا عليه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، والخشوعُ ثقيلٌ على ضعيفِ اليقينِ بربِّه؛ كما وصَفَ اللهُ الخاشعينَ في نفسِ الآية: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦].
فالثلاثةُ متلازِمةٌ: أداءُ الصلاةِ، وخشوعُها، واليقينُ باللهِ؛ ولمَّا كان الصغيرُ يحتاجُ إلى جَمْعِها في نفسِهِ، احتاجَ إلى التبكيرِ بها أوَّلَ تمييزِه.
الرابعُ: أنَّ الصلاةَ بابٌ لحفظِ بقيَّةِ الدِّينِ؛ فهي تَنهَى عن الفحشاءِ والمُنكَر، ويحتاجُ الصغيرُ إليها؛ لتَرْدَعَهُ عند بلوغِهِ، وتَحُثَّهُ على العمَلِ الصالحِ ومكارمِ الأخلاق.
وأمَّا ما يتعلَّقُ بأمرِ الباطِنِ، فيأتي الكلامُ عليه في مَوضِعِهِ مِن هذا الكتابِ بإذنِ الله.
* * *