← Акыда

Акыда · id 151173

المغربية في شرح العقيدة القيروانية

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (344 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولا يَصرِفُ أحدًا عن الحقِّ وهو يريدُهُ: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]، ولا يَقذِفُ في قلبِ أحدٍ مرضًا أو رِجْسًا إلا وهو يطلُبُ المرَضَ والرِّجْسَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ومَن كان في قلبِهِ قصدُ الخَيْرِ وطلبُهُ، فإنَّ اللهَ يَهدِيه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وإذا كان الإنسانُ كلَّما قرَأَ الأدلَّةَ، ازداد غيًّا وانحرافًا، فالعيبُ في قصدِهِ ومرَضِ قلبِه، لا في الأدلَّة. ومَن جَهِلَ شيئًا مِن الوحيِ المتعيِّنِ عليه، وجَبَ عليه سؤالُ أهلِ العلمِ العارِفينَ بذلك؛ فإنَّ مجرَّدَ الجهلِ مع إمكانِ رفعِه، لا يُعذَرُ صاحبُهُ به؛ وإلَّا لكان الجهلُ خيرًا مِن العلم، وتجهيلُ الناسِ أفضَلَ مِن تعليمِهم؛ لأنَّ تعليمَهُمْ تكليفٌ وحساب، وتجهيلَهُمْ إعذارٌ وعَفْو. ويَنشَأُ الصغيرُ على الفِطْرة، وتقبُّلِ الحقِّ والاتجاهِ إليه، واستنكارِ الباطلِ والنُّفْرةِ منه، ولكنَّه قد يتوطَّنُ على الشرِّ؛ إذا تدرَّج فيه؛ كما قال ﷺ : (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا وَيوُلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو يُمَجِّسَانِهِ ... ) (١). وتعليمُ الوِلْدانِ الحقَّ والخيرَ واجبٌ، وهو حقٌّ لهم على وليِّهم، ويَتأكَّدُ ذلك في الأزمِنةِ التي يكثُرُ فيها الشرُّ؛ فيجبُ أن يُسبَقَ بالخيرِ إلى قلوبِهم قبلَ أن يَسبِقَ إليهم الشرُّ؛ فيتقبَّلُونَهُ ويتشرَّبونه. * * *

стр. 72

* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَاعْلَمْ: أَنَّ خَيْرَ القُلُوبِ: أَوْعَاهَا لِلْخَيْر، وَأَرْجَى القُلُوبِ لِلْخَيْرِ: مَا لَمْ يَسْبِقِ الشَّرُّ إِلَيْهِ، وَأَوْلَى مَا عُنِيَ بِهِ النَّاصِحُونْ، وَرَغِبَ فِي أَجْرِهِ الرَّاغِبُونْ: إِيصَالُ الخَيْرِ إِلَى قُلُوبِ أَوْلَادِ المُؤْمِنِينْ؛ لِيَرْسَخَ فِيهَا، وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى مَعَالِمِ الدِّيَانَهْ، وَحُدُودِ الشَرِيعَهْ؛ لِيُرَاضُوا عَلَيْهَا، وَمَا عَلَيْهِمْ أَن تَعْتَقِدَهُ مِنَ الدِّينِ قُلُوبُهُمْ، وَتَعْمَلَ بِهِ جَوَارِحُهُمْ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ تَعْلِيمَ الصِّغَارِ لِكِتَابِ الله، يُطْفِئُ غَضَبَ الله، وَأَنَّ تَعْلِيمَ شَيءٍ فِي الصِّغَرْ؛ كَالنَّقْشِ فِي الحَجَرْ. وَقَدْ مَثَّلْتُ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَنْتَفِعُونَ -إِنْ شَاءَ اللهُ- بِحِفْظِهْ، وَيَشْرُفُونَ بِعِلْمِهْ، وَيَسْعَدُونَ بِاعْتِقَادِهِ وَالعَمَلِ بِهْ): أنقى القلوبِ: القلبُ الذي يكونُ على الفِطْرة، ولم يَرِدْ إليه واردٌ مِن الشَّرّ؛ لأنَّ القلبَ إذا تمكَّنَ منه الشَّرُّ، تصلَّبَ وقسا، وشَقَّ عليه الرجوعُ؛ كما قال تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]؛ لأنَّ للقلبِ مَنافِذَ يدخُلُ منها الخيرُ، وإذا كَثُرَ الباطلُ والشَّرُّ على القلبِ، كَثُرَ إغلاقُ مَنافِذِ الخيرِ إليه؛ حتى يكونَ كالحجارةِ أو أشَدَّ قَسْوةً في قَبُولِ الحَقّ. وقد جاءتِ الأدلَّةُ في تعليمِ الصغارِ دِينَ الله، وخاصَّةً ما يتعلَّقُ بهم وما يَشُقُّ عليهم الثباتُ عليه بعدَ تكليفِهم؛ كالصلاةِ وأحكامِ العَوْرة؛ كما قال ﷺ : (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ) (١)، وكما في ظاهر آية العَوْراتِ مِن سورةِ النُّور.

стр. 73

وتعليمُ الصغيرِ أثبَتُ في قلبِهِ مِن تعليمِ الكبيرِ؛ لخلوِّ قلبِهِ ولينِهِ وطَرَاوَتِه. والأُمَمُ والشعوبُ التي تَنشَاُ على الفِطْرة، ولم تتبدَّلْ، فإنها أسرَعُ لقَبُولِ الحقِّ والتسليمِ به؛ كما هو اليومَ في كثيرِ من بُلْدانِ إفريقيَّةَ وبعضِ بلدانِ جنوبِ شرقِ آسيا، وأمَّا التي تبدَّلَتْ فِطْرَتُها، وطال الأمَدُ على انحرافِها، فإنَّ قَبُولها للحقِّ شاق؛ لأنَّ قلوبَهم منحرِفة؛ كالإناءِ المائلِ أو المنكوسِ، فبمقدارِ مَيَلانِهِ يقلُّ نصيبُهُ مِن تقبُّلِ وضعِ الماءِ فيه، وإذا كان منكوسًا، لا يَقبَلُ شيئًا حتى يعدَّلَ على الفطرةِ الصحيحة، ثُمَّ يُصَبُّ الماءُ فيه، والجهدُ في هؤلاءِ شاقّ؛ لأنهم يحتاجون إلى جهادَيْن: جهادِ تعديلِ الفِطْرة، وجهادِ عَرْضِ الشِّرْعة؛ وهذا كالفَرْقِ بين أهلِ مَكَّةَ وأهلِ المدينة في أوَّلِ الإسلام؛ فأهلُ مكَّةَ أشدُّ تبديلًا للفِطْرة، فعانَدُوا وكابَرُوا، ولكنْ مَن آمَنَ منهم، ثبَتَ وكان إيمانُهُ أقوى مِن غيره؛ لأنه جرَّب أقصى الضلالة، فرجَعَ، فليس بعدها شيء؛ ولهذا كان مؤمنو مَكَّةَ المهاجِرُونَ أفضَلَ من مؤمني المدينةِ الأنصار. ومَن أراد دعوةَ أحَدٍ إلى الحقِّ، فلينظُرْ إلى فِطْرَتِهِ ومقدارِ انحرافِها قبل دَعْوَته، حتى يقوِّمَ الإناءَ قبل الصبِّ فيه، ومَن يدعو أصحابَ فِطَرِ مبدَّلةٍ، أعظَمُ أجرًا ممَّن يدعو أصحابَ الفطرِ الصحيحة، ولو كان أقلَّ أتباعًا؛ فكلُّ أولي العَزْمِ مِن الرسُلِ أُرسِلُوا إلى أُمَمٍ مبدِّلةٍ للفِطْرة. وإذا نَشَأ الإنسانُ في بيئةِ شرٍّ وعَرَف الحقَّ، فهو أَثبَتُ وخيرٌ ممَّن عَرَف الحقَّ في بيئةِ خير، ومِن هذا قولُ أحمدَ: إذا أَصَبتَ الكوفيَّ صاحبَ سُنَّةٍ، فهو يَفُوقُ الناس (١)؛ وذلك لأنَّه غَلَبتْ على الكوفةِ بِدْعةُ التشيُّعِ والرَّفْض. * * *

стр. 74

* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَقَدْ جَاءَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَيُضْرَبُوا عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَيُفَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ؛ فَكَذَلِكَ: يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمُوا مَا فَرَضَ اللهُ عَلَى العِبَادِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ؛ لِيَأْتِيَ عَلَيْهِمُ البُلُوغُ، وَقَدْ تَمَكَّنَ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ، وَأَنِسَتْ بِمَا يَعْمَلُونَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ جَوَارِحُهُمْ. * وَقَدْ فَرَضَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى القَلْبِ عَمَلًا مِنَ الاعْتِقَادَاتْ، وَعَلَى الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ عَمَلًا مِنَ الطَّاعَاتْ. * وَسَأُفَصِّلُ لَكَ مَا شَرَطْتُ لَكَ ذِكْرَهُ بَابًا بَابًا؛ لِيَقْرُبَ مِنْ فَهْمِ مُتَعَلِّمِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَإِيَّاهُ نَسْتَخِيرْ، وَبِهِ نَسْتَعِينْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمْ): أَمْرُ الصبيِّ بالصلاةِ في صِغَرِهِ متوجِّهٌ في الشرعِ لوليِّهِ؛ كما في الحديثِ: (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ ... ) (١)؛ لأنَّ الصبيَّ غيرُ مكلَّفٍ؛ فلا يتوجَّهُ إليه الخِطَاب، والتقصيرُ والإثمُ في ذلك يقَعُ على وليِّه لا عليه، وإذا بلَغَ، وقَعَ عليه لا على وليِّه. * وإنما خُصَّتِ الصلاةُ بالتأكيدِ على الصغيرِ في أوَّلِ تمييزِهِ؛ لأسبابٍ منها: الأوَّل: كونُها أعظَمَ الأركانِ العَمَليَّةِ وآكَدَها؛ والاهتمامُ في الشريعةِ يكونُ للأهَمِّ والأعظَم.

стр. 75

الثاني: أنَّ الصلاةَ ثقيلةٌ، وتحتاجُ إلى توطُّنٍ، والنفسُ غَضَّةٌ طَرِيَّةٌ؛ حتى إذا كَبِرَتْ، لا تَستثقِلُ الصلاةَ، وقد اعتادَتْ قبلَ ذلك عليها، ومَن لم يؤدِّها وهو صغيرٌ بأيِّ حالٍ، شَقَّ عليه القيامُ بها عند أوَّلِ بلوغِه؛ ولهذا جاء أمرُ الوليِّ بأنْ يأمُرَ الصبيَّ وهو ابنُ سبعِ سِنِينَ؛ حتى يبلُغَ العاشِرَةَ، وهي ثلاثُ سنينَ، يُؤمَرُ فيها عند كلِّ صلاةٍ، ثُمَّ يُضرَبُ عليها بعدَ العاشِرةِ إلى بلوغِه، ضربًا غيرَ مبرِّح؛ ولكنْ مَن انتظَمَ على الأُولى، لم يَحتَجْ إلى الثانيةِ؛ أي: مَن انتظَمَ بأمرِ الصبيِّ بعد السابعةِ ثلاثَ سنينَ، لم يبلُغِ العاشرةَ إلا وهو مُداوِمٌ عليها، ولم يَحتَجْ إلى ضَرْبِه. الثالثُ: أنَّ الصلاةَ ثقيلةٌ بلا خشوعٍ، والخشوعُ ثقيلٌ في ذاتِهِ على مَن لم يتوطَّنْ عليه، والصغيرُ أوَّلَ مَا يؤدِّيها لا يَعرِفُ الخشوعَ؛ فيرادُ توطينُهُ على الأمرَيْنِ ليسهُلَا عليه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، والخشوعُ ثقيلٌ على ضعيفِ اليقينِ بربِّه؛ كما وصَفَ اللهُ الخاشعينَ في نفسِ الآية: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]. فالثلاثةُ متلازِمةٌ: أداءُ الصلاةِ، وخشوعُها، واليقينُ باللهِ؛ ولمَّا كان الصغيرُ يحتاجُ إلى جَمْعِها في نفسِهِ، احتاجَ إلى التبكيرِ بها أوَّلَ تمييزِه. الرابعُ: أنَّ الصلاةَ بابٌ لحفظِ بقيَّةِ الدِّينِ؛ فهي تَنهَى عن الفحشاءِ والمُنكَر، ويحتاجُ الصغيرُ إليها؛ لتَرْدَعَهُ عند بلوغِهِ، وتَحُثَّهُ على العمَلِ الصالحِ ومكارمِ الأخلاق. وأمَّا ما يتعلَّقُ بأمرِ الباطِنِ، فيأتي الكلامُ عليه في مَوضِعِهِ مِن هذا الكتابِ بإذنِ الله. * * *

стр. 76

* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ نَبِيِّه، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا): تُشرَعُ الصَّلاةُ على النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- في الخُطَب، والصَّلاةُ على النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- مِن تعظيمِ اللهِ؛ لأنَّ تعظيمَ الرسولِ مِن تعظيمِ المُرسِل والرِّسَالة، وتعظيمُ النبيِّ مِن تعظيمِ النبوَّةِ والمُنبِئ؛ وبهذا يَعمَلُ الخلفاءُ الراشِدونَ؛ ففي "المسنَد" عن أبي جُحَيْفَةَ؛ قال: "صَعِدَ عَلِيٌّ المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى، وَأَثْنَى عَلَيْه، وَصَلِّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وقَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالثَّانِي عُمَرُ ﵁، وقَالَ: يَجعَلُ اللهُ تَعَالَى الخَيْرَ حَيْثُ أَحَبَّ" (١). * فضلُ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ ، ومَواضِعُه: وللصلاةِ على النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- بَرَكةٌ على قائِلِها، وهي مؤثِّرةٌ في قَبُولِ العمَلِ والدعاء؛ ففي "السُّنَن" مِن حديثِ فَضَالةَ بنِ عُبَيْدٍ؛ أنَّ النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- قال لمن صلَّى ودَعَا، ولم يُمَجِّدْ ولم يُصَلِّ عليه: (عَجِلْتَ أَيُّهَا المُصَلِّي)، وقال لمن صلَّى فمجَّد اللهَ وحَمِدَهُ، وصلَّى على النبيِّ -صلي الله عليه وسلم-: (ادْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ) (٢). وقد تواتَرَتِ الأحاديثُ والآثارُ في فضلِ الصلاةِ على النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- عامَّةً، وصحَّت في مواضعَ خاصَّةٍ: فتُشرَعُ كسائرِ الذِّكْرِ لغيرِ سبَبٍ؛ لِمَا في "صحيح مسلم" مِن حديثِ

стр. 77

أبي هُرَيْرةَ؛ قال ﷺ : (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بهَا عَشْرًا) (١). وهي مِن أعظَمِ أسبابِ مكفِّراتِ الذنوبِ وجِلَاءِ الهمومِ؛ ففي "المسنَد" مِن حديثِ أبي طلحةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتْ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتْ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتْ) (٢). وتُشرَعُ عند أسبابٍ، وآكَدُها: في الصلاةِ عند التشهُّد (٣)، وعند ذكرِ النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- (٤)، وبعدَ الأذانِ (٥)، وفي صلاةِ الجَنَازةِ (٦)، وعند الهَمِّ والحاجات (٧)، وفي مَجَالِسِ الذِّكْرِ عامَّةً (٨)، وعند الدعاءِ (٩)، وكان بعضُ الصحابةِ يَختِمُ قُنُوتَهُ بالصلاةِ على النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- (١٠)، ورُوِيَ فيه مرفوعاتٌ يومَ الجمعةِ ولَيْلَتَها (١١).

стр. 78

ويُروَى الصلاةُ عليه عند دخولِ المسجِد، وعند الخروجِ منه؛ وهو معلول (١). وإذا ذُكِرَ النبيُّ ﷺ في مجلسٍ، تأكَّدَتْ. وتُجْزِئُ مَرَّةٌ واحدةٌ، وتَكْرارُها عند ذكرِهِ أَوْلى وأَحْوَط؛ وذلك لأنَّ جبريلَ دعا على مَن ترَكَها بالبُعْدِ، وأمَّن عليه النبيُّ ﷺ ؛ كما في حديثِ جابرِ بنِ سَمُرةَ؛ قال: صَعِدَ النبيُّ ﷺ المِنْبَرَ، فقال: (آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ)، قال: (أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵊، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: "آمِينَ"، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَمَاتَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأُدْخِلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: "آمِينَ"، قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: "آمِينَ")؛ صحيحٌ رواه الطَّبَرانيُّ (٢)، ورُوِيَ نحوُهُ مِن حديثِ أبي هريرةَ، ومالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، عند ابنِ حِبَّانَ (٣)، وعن كَعْبِ بنِ عُجْرةَ عند الحاكِمِ (٤)؛ وكلُّها معلولة. ورُوِيَ مِن حديثِ أنسٍ بنحوِه، ولكنْ فيه: (رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) (٥). وجاء مِن حديثِ حسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ عند أحمدَ والتِّرْمِذيِّ مرفوعًا: (البَخِيلُ: مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) (٦).

стр. 79

* حكمُ الصلاةِ على غيرِ النبيِّ ﷺ -: الصلاةُ على غيرِ النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- مِن آلِهِ وأصحابِه، مع الصلاةِ عليه: جائزةٌ. وأمَّا أن يُفرَدَ أحدٌ منهم بصلاةٍ مِن غيرِ النبيِّ ﷺ ، ففي ذلك قولانِ مشهورانِ للعلماء: المنعُ، والجواز: ومَن أجاز، احتَجَّ بأنَّ عليًّا قال لعُمَرَ: "صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ" (١). ومَن منَعَ، احتَجَّ بما جاء عن ابن عبَّاس: "لا أَعلَمُ الصلاةَ تَنبغِي مِن أحَدٍ على أحَدٍ إلَّا على رسولِ اللهِ ﷺ " (٢)؛ رواه ابنُ أبي شَيْبةَ، عن عِكْرِمةَ، عنه. ويُكرَهُ تخصيصُ أحدٍ بالصلاةِ دُونَ غيرِه؛ على وجهٍ يُفهَمُ منه الغلوّ. ويدُلُّ على جوازِ الصلاةِ على غيرِ النبيِّ ﷺ مِن غيرِ تخصيصِه، واتخاذِهِ شعارًا لمعيَّنٍ: جملةٌ مِن الأدلَّة: منها: قولُهُ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. ومنها: قولُ النبيِّ ﷺ : (إِنَّ المَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ؛ مَا دَامَ في مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ؛ مَا لَمْ يُحدِثْ)؛ رواه البخاريُّ عن أبي هُرَيْرةَ (٣). ومنها: حديثُ قبضِ الرُّوحِ؛ يقولُ أهلُ السماءِ: (صَلَّى اللهُ عَلَيْكِ، وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ)؛ رواه مسلِمٌ مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ (٤).

стр. 80

* مُجمَلُ اعتقِادِ أهلِ السُّنَّةِ في اللهِ تعالى: * قَالَ ابْنُ أبى زَيْدٍ في مقدِّمةِ "الرسالة": (بَابُ مَا تَنْطِقُ بِهِ الألْسِنَةُ، وَتَعْتَقِدُهُ الأَفْئِدَةُ؛ مِنْ وَاجِبِ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ؛ مِنْ ذَلِكَ: الإِيمَانُ بِالقَلْبِ، وَالنُّطْقُ بِاللِّسَانِ: أَنَّ اللهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ غَيْرُهْ، وَلَا شَبِيهَ لَهْ، وَلَا نَظِيرَ لَهْ، وَلَا وَلَدَ لَهْ، وَلَا وَالِدَ لَهْ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهْ، وَلَا شَرِيكَ لَهْ؛ لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءْ، وَلَا لِآخِرِيَّتِهِ انْقِضَاءْ): أراد ابنُ أبي زيدٍ: الكلامَ على أصولِ الدِّينِ وفروعِهِ في "رسالتِه"، ولمَّا كانتِ الأصولُ محلَّ اتفاقٍ، ولا تَقبَلُ الرأيَ والنظَرَ، كانتْ مختصَرةً يسيرةً؛ يكفي فيها الإجمالُ، والإمساكُ عمَّا لم يَرِدْ فيه نصٌّ، والمعتَقَدُ الذي كتَبَهُ ابنُ أبي زَيْدٍ: هو ما أجمَعَتْ عليه الأُمَّةُ، وقد وصَفَ معتقَدَهُ في كتابِهِ "الجامع" بأنه: "مِمَّا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَهْ، وَمِنَ السُّنَنِ الَّتِي خِلَافُهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَهْ" (١). وقد ابتدَأَ بذكرِ وحدانيَّةِ اللهِ وصَمَدِيَّتِه، ونفيِ الشريكِ عنه والنِّدِّ والنظير، والزوجةِ والوَلَدِ والوالِدِ؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وأنَّه سبحانَهُ: الأوَّلُ فليس قبلَهُ شيءٌ، وهو الآخِرُ فليس بعدَهُ شيءٌ؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]، وعند مسلِم مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ ﵁؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (اللَّهُمَّ، أَنْتَ الأَوَّلُ؛ فليْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ؛ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ؛ فَلَيْسَ فَوْقَكَ

стр. 81

شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ؛ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ) (١). وروى عِمْرَانُ بن حُصَيْنٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ) (٢). * حكمُ التفكُّرِ في ذات الله: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (لَا يَبْلُغُ كُنْهَ صِفَتِهِ الوَاصِفُونْ، وَلَا يُحِيطُ بأَمْرِهِ المُتَفَكِّرُونْ): الكُنْهُ في كلامِ العرَبِ: هو حقيقةُ الشيءِ وغايتُهُ ونِهَايتُه؛ فيُقالُ: هذا أَمْرٌ لا يُدْرَكُ كُنْهُهُ: إذا كان عصيًّا على إدراكِ كيفيَّتِه (٣). وإثباتُ صفاتِ الباري إنما هو إثباتٌ للوجودِ والحقيقةِ والكيفيةِ اللائقة به التي لا نَعلَمُها، لا إثباتٌ للكيفيَّةِ في أذهانِ المثبِتِينَ؛ لأنَّ اللهَ سبحانه ليس له مثيلٌ يُكيَّفُ عليه، ولا شبيهٌ له حتى يقاسَ عليه؛ فاللهُ يقولُ عن نَفْسِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ولا أَعلَمَ مِن الله بنفسِهِ سبحانه. والواجِبُ على العقولِ: أن تَتوقَّفَ عند إثباتِ حقيقةِ الصفاتِ ومَعانِيها الثابِتة، ولا تَتجاوزَ ذلك إلى الكيفيَّةِ تفكُّرًا أو بحثًا؛ فلا تشبِّهُ ولا تؤوِّل، ولا تفوِّضُ ولا تحرِّف؛ فكلُّ مجاوَزةٍ للعقلِ عن الحَدِّ المأذونِ به شرعًا في صفاتِ اللهِ تعالى، فلا بُدَّ أن يَنتهِيَ بصاحبِهِ إلى

стр. 82

تشبيهٍ أو تمثيلٍ، أو تحريفٍ وتعطيلٍ، والخوضُ فيما نَهَى اللهُ عنه يؤدِّي إلى هلاكِ صاحبِه، وهو مِن أسبابِ دخولِ النار؛ فقد ذكَرَ اللهُ قولَ أهلِ النارِ في سبَبِ دخولِهم فيها: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥]. وإنما نَهَى اللهُ عن الخوضِ فيما لا يُدرِكُهُ العقلُ: لأنه بابٌ للشيطانِ لإغواءِ الناسِ؛ فيستدرِجُهُمْ إلى الخوضِ في غَيْبٍ لا يُحسِنُونَه، ويَغُرُّهم بعقولِهم، وربَّما ابتدَأَ بهم بالمشروعْ، تطمينًا لنفوسِهم حتى يَجُرَّهم إلى الممنوعْ؛ كما في قولِهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ فَيَقُولُ: اللهُ ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللهُ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَإذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ) (١) وفي روايةٍ: (فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ) (٢)، والنهيُ ليس للبدءِ بالتفكُّرِ المشروع، وإنما للحذَرِ أن يكونَ طريقًا للممنوع. ويجبُ إمساكُ العقولِ والأذهانِ عن استرسالِها بالتفكُّرِ في كيفية ذاتِ اللهِ وصفاتِهِ؛ لأنَّ الأذهانَ تشبِّهُ وتمثِّلُ وتكيِّفُ؛ فلا يُمكِنُ لعقلٍ أن يبتكِرَ وصفًا جديدًا لذاتٍ لم يَرَها مِن قبلُ، ولو ابتكَرَ جديدًا، فإنَّما هي صفاتٌ مركَّبةٌ مِن عِدَّةِ ذواتٍ جمَعَها لذاتٍ واحدةٍ، فكلُّ عقلٍ يصوِّرُ الغائبَ عنه على ما يَرَى؛ حتى تَختلِفَ الصُّوَرُ في العقولِ للذاتِ الواحِدةِ؛ لاختلافِ المَشاهِدِ في كلِّ عقل؛ ولهذا نَهَى السلفُ عن الجدالِ في اللهِ وأسمائِهِ وصفاتِه. وقد قال ابنُ عبد البَرِّ: "نُهِينا عن التفكُّرِ في الله، وأُمِرْنا بالتفكُّرِ في

стр. 83

خَلقِه الدالِّ عليه" (١)؛ لأنَّ التفكُّرَ في الأسماءِ يؤدِّي لمعرِفةِ آثارِها، والعمَلِ بمقتضاها، وهو الإحصاءُ المقصودُ بقولِهِ ﷺ : (إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا؛ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ) (٢). وقد قال سُحْنُونٌ: "مِنَ العلمِ باللهِ: الجهلُ بما لم يُخبِرْ به اللهُ عن نفسِه". وبنحوِهِ قال ابنُ أبي زَمَنِينَ. * أنواعُ ظاهرِ الصفاتِ: وظاهِرُ الصفاتِ عند السلفِ نَوْعانِ: النوعُ الأوَّلُ: ظاهِرٌ يليقُ بالمخلوقين؛ فهذا يَنفُونَهُ ولا يُثبِتُونَه؛ لأنَّ اللهَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. النوعُ الثاني: ظاهِرٌ يليقُ بالخالِقِ، وهذا الذي يُثبِتُونَهُ ولا يَنفُونَه. وإثباتُهم لهذا النوعِ مِن ظاهرِ الصفاتِ، لا يعني مشابَهةَ الخالقِ للمخلوقِ، وإنما يُريدونَ: أنْ يجعلوا للصفةِ حقيقةً تليقُ بالله، لا تفسيرًا غيرَ الظاهرِ بتأويلِهِ إلى معنًى آخَرَ؛ كتفسيرِ الوجهِ بالذاتِ، واليَدِ بالقُدْرة؛ فهم يَجعَلُونَ صفةَ الوجهِ صفةً حقيقيَّةً تليقُ بالله، لا تشابِهُ المخلوقَ، واليدَ صفةَ حقيقيَّةً تليقُ بالله، لا تشابِهُ المخلوقَ، وينفون عِلْمَهُمْ بالكيفيَّة، ويقولون: إنَّ نفيَ الكيفيَّةِ لا يعني عدَمَ وجودِها، ولكنْ عدَمَ عِلمِها؛ فلا يَعلَمُها الناسُ. وظنَّ بعضُ المتكلِّمينَ: أنَّ إثباتَ حقيقةِ الصفاتِ اللائقةِ باللهِ،

стр. 84

وعدَمَ تأويلِها، هو أخذٌ بلوازمِ الجِسْميَّةِ والتحيُّز، ثم فرَّعوا عن ذلك إحاطةَ المخلوقِ بالخالِق، وغيرَ ذلك مِن التصوُّراتِ. وإنما حمَلَهُمْ على ذلك لوازمُ التشبيهِ؛ فالمخلوقُ حينما تُثبِتُ له صفةً حقيقيَّةً، فأنت تُثبِتُ له هذه الأشياءَ واللوازمَ، فأرادوا نفيَ حقيقةِ الصفاتِ وتعطيلَها؛ هروبًا مِن تشبيهٍ انقدَحَ في أذهانِهم، فوقَعُوا فيما أنكَرُوهُ على مَن أثبَتَ الحقيقةَ اللائقةَ بالله؛ حيثُ زعَمُوا أنَّهم يشبِّهونَ المخلوقَ بالخالِقِ للاشتراكِ في الحقيقةِ واللوازم. والسلفُ حينما يقولونَ: إنَّ لصفاتِ اللهِ حقيقةً لا تشابِهُ حقيقةَ صفاتِ المخلوقِينَ، فإنَّهم تبعًا لذلك لا يَلتزِمُونَ بشيءٍ غيرِ ما ورَدَ، وإنْ صحَّ لازمٌ عندهم، فإنَّهم يَجعَلُونَ اللوازمَ لا تشابِهُ لوازمَ المخلوق؛ فلا يُحمَّلُ قولُهم ما لا يَحتمِلُونَه، وهم جعَلُوهُمْ يقولونَ بلوازمَ تشابِهُ المخلوقَ، فرجَعُوا إلى الحقيقةِ بالنفيِ التامّ. * * * * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (يَعْتَبِرُ المُتَفَكِّرُونَ بِآيَاتِهْ، وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَاهِيَّةِ ذَاتِهْ): مائيَّةُ الشيءِ: كيفيَّةُ الشيءِ، ويُقالُ أحيانًا: مائيَّةٌ، وماهيَّةٌ (١)، وللحارِثِ المُحاسِبِيِّ: كتابُ "ماهيَّةِ العَقْل"، ويُسمَّى أحيانًا: "مائيَّةَ العقلِ"؛ يعني: حقيقتَهُ وكيفيَّتَهُ التي هو عليها، وفي بعضِ نسخِ "الرسالة": "مائيَّة"، بدلَ: "ماهيَّة"؛ وهذه الكلمةُ ليست مضافةً للهِ في كلامِ الصدرِ الأوَّل، فضلًا عن نصوصِ الوحيَيْن.

стр. 85

* معرِفةُ اللهِ بآياتِه الكونية: والتفكُّرُ في آياتِ اللهِ مشروعٌ؛ فإنَّها تدُلُّ على عظيمِ صفاتِه، وحسنِ أسمائِه، وكلُّ عظيمٍ له آياتٌ، ولا أعظَمَ مِن آياتِ اللهِ ولا أكبَرَ؛ لأنَّه لا أعظَمَ مِن اللهِ ولا أكبَر، ومَن لم يَرَ آياتِ الله، ضَعُفَتْ عظمةُ اللهِ في قَلْبِه؛ لأنَّ عظمةَ الشيءِ تُعرَفُ برؤيتِهِ، أو برؤيةِ آياتِه، أو بهما. وقد أمَرَ اللهُ بالتفكُّرِ في آياتِهِ الدالَّةِ عليه؛ حتى يَعرِفَ العبدُ عَظَمةَ اللهِ وقُوَّتَهُ وضعفَ غيرِه؛ فيَعرِفَ المستحِقَّ للتعظيمِ والعبادةِ ممَّن لا يَستحِقُّها، ففد أمَرَ اللهُ بالنظَرِ إليها، والتفكُّرِ فيها: * فأمَرَ بالنظَرِ في السماءِ والأرضِ وما فيهما؛ فقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. * وأمَرَ بنظَرِ الإنسانِ إلى أصلِهِ؛ فقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]. * وأمَرَهُ أن ينظُرَ إلى مَعاشِهِ؛ فقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا. . .﴾ الآياتِ [عبس: ٢٤ - ٢٥]. * وأمرَهُ بالنظَرِ في خصائصِ بعضِ المخلوقاتِ؛ فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]. * وأمَرَ اللهُ بأن يتفكَّرَ الإنسانُ في نفسِهِ؛ فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. * سببُ الوقوع في الشِّرك: وإنَّما وقَعَ الشركُ في الناسِ بسبَبِ جَهْلِهم بربِّهم، وعدَمِ معرِفةِ قَدْرِه؛ فقد يتوهَّمُ الإنسانُ عَظَمةَ ضعيفٍ عاجِزٍ؛ فيبذُلُ له مِن العبوديَّةِ ما يناسِبُ ما

стр. 86

توهَّمه مِن عَظَمة؛ ولذا يَقرِنُ اللهُ الجهلَ بقَدْرِهِ بعبوديَّةِ غيرِهِ مِن دونِ الله. فلمَّا ذكَرَ الشركَ ذكَرَ جَهْلَهم بقَدْرِهِ؛ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، ثم قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤]؛ فبيَّن أنَّ سبَبَ شِرْكِهم هو جَهْلُهم بقَدْرِ ربِّهم، وفي الآيةِ الأخرى قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]؛ فذكَرَ عَظَمةَ ذاتِهِ؛ لتَدُلَّ على عَظَمةِ قَدْرِه، ثمَّ نزَّه نَفْسَه سبحانه عن شِركِ الذين لم يَقدُرُوه حقَّ قَدْرِه؛ فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. وجعَلَ التفكُّرَ في المَلَكوتِ مُوجِبًا لتنزيهِ الله عما يظُنُّه المُبطِلُون وسؤاله النجاةَ مِن عذابِهِ؛ فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. ولمَّا جاء النبيَّ ﷺ أعرابيٌّ، وعظَّمه بما يتضمَّنُ النقصَ في حقِّه تعالي، وتسوِيَتَه بالرسول ﷺ ، عرَّفه بآياتِ اللهِ وعَظَمَتِها، وفصَّل فيها؛ ليُدرِكَ الأعرابيُّ ما ضيَّعه مِن حقِّ اللهِ؛ كما رَوَى جُبَيْرُ بن مُطْعِمٍ؛ قال: "أتى رسولَ اللهِ ﷺ أعرابيٌّ، فقال: يا رَسُولَ الله، جَهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَضَاعَتِ العِيَالُ، وَنُهِكَتِ الأَمْوَالُ، وَهَلَكَتِ الأَنْعَامُ، فَاسْتَسْقِ اللهَ لنا؛ فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله، وَنَسْتَشْفِعُ بِاللهِ عَلَيْكَ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟ ! )، وَسَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِه، ثُمَّ قَالَ: (وَيْحَكَ! إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى

стр. 87

أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ؛ شَأْنُ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اللهُ؟ ! إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ لَهَكَذَا -وَقَالَ بِإِصْبَعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ عَلَيْهِ- وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ) " (١). وإنما عرَّف النبيُّ -صلي الله عليه وسلم- الأعرابيَّ بآياتِ اللهِ؛ لأنَّها أعظَمُ بابٍ مُشاهَدٍ ومعلوم في تلك الحالِ يُدرِكُ به الأعرابيُّ عَظَمةَ خالِقِه. * عقيدةُ التفويض: ولا يعني ابنُ أبي زَيْدٍ مِن قولِه: "وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَاهِيَّةِ ذَاتِهْ": التفويضَ، وإنما مرادُهُ: نفيُ تشبيهِ الصفاتِ ونفيُ العلمِ بكيفيتِها، لا نفيُ حقيقتِها؛ فإنَّ التفكُّرَ في الذاتِ قَدْرٌ زائدٌ عن إثباتِ الحقيقة؛ فإثباتُ الحقيقةِ شيءٌ لا يَلزَمُ منه معرِفةُ الكيفيَّة. ومِن هذا: قولُ الحَسَنِ لَمَّا سُئِلَ: هل تَصِفُ رَبَّكَ؟ قال: نَعَم، بغيرِ مِثال (٢). فنَفَى التفويضَ بإثباتِ حقيقةِ الصِّفة، وبيَّن أنَّ القَدْرَ المَنْفِيَّ هو المِثالُ الذي هو التشبيهُ والتكييف، فالإيمانُ بحقيقةِ الشيء مع عدَمِ العلمِ بكيفيَّتِه صحيحٌ شرعًا وعقلًا، فنُؤمِنُ بحقيقةِ صفاتِ نعيمِ الجَنَّة مع أنَّ اللهَ يقولُ في الحديثِ القُدسيِّ: (أَعْدَدتُّ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) (٣). وعقيدةُ السلَفِ: إثباتُ حقيقةِ الصفاتِ، وتفويضُ كيفيَّتِها، ولا يَلزَمُ -في العقلِ- مِن إثباتِ الحقيقةِ: التشبيهُ؛ فأنتَ مَثَلًا تُثبِتُ صفةَ الحياةِ حقيقةً لعدَّةِ ذواتٍ؛ كحياةِ الأرضِ، وحياةِ الشجَرِ، وحياةِ الإنسانِ،

стр. 88

والحياةُ في هذه الذواتِ صفةٌ حقيقيَّةٌ؛ فتقولُ: حَيِيَتِ الأرضُ وماتَتْ، وحَيِيَتِ الشَّجَرةُ وماتَتْ، وحَيِيَ الإنسانُ وماتَ، وإثباتُ الحقيقةِ لهذه الذواتِ لا يعني تشبيهًا؛ فحياةُ كلِّ ذاتٍ تَختلِفُ عن الأُخرَى، وكذلك في بقيَّةِ الصفاتِ اللازِمةِ للذاتِ، والصفاتِ الفعليَّةِ المتعلِّقةِ بالمشيئة. وتوهُّمُ أنَّ إثباتَ الحقيقةِ يَلزَمُ منه التشبيهُ، هو الذي حمَلَ بعضَ الطوائفِ على القولِ بالتفويضِ والتعطيلِ؛ ففَرُّوا مِن باطلٍ إلى باطِل، وفَهِمُوا آيةَ نفيِ التشبيهِ والتمثيلِ على غيرِ وَجْهِها؛ فغَلَوْا في معناها غلوًّا حَمَلَهم على القولِ بالبدعة؛ فنَفَوْا أصلَ الحقيقةِ للصفاتِ؛ خوفًا مِن إثباتِ الحقيقةِ المشابِهةِ؛ حتى قال أحمدُ في "الردِّ على الزنادقة": "قالوا: هو شيءٌ لا كالأشياءِ! فقلنا: إنَّ الشيءَ الذي لا كالأشياء، قد عرَفَ العقلُ أنه لا شيءَ؛ فعند ذلك: تَبَيَّنَ أنَّهم لا يُثبِتُونَ شيئًا بشيءٍ، ولكنَّهم يَدْفَعُونَ عن أنفُسِهم الشِّنْعةَ بما يُقِرُّونَ مِنَ العلانيَةِ" (١)؛ واللازمُ لنَفْيِ حقيقةِ الصِّفات: تعطيلُ الذاتِ والتشبيهُ بالمعدومات، ولا يَلزَمُ لإثباتِ الحقيقةِ: التشبيهُ، كما قال محمَّدٌ الكَرْجِيُّ القَصَّاب في "نُكَت القرآن" (٢). * تاريخ مَذهَبِ التفويض: ولا يُعرَفُ في أقوالِ أحدٍ مِن الصحابةِ ولا التابِعِينَ ولا أتباعِهم: تفويضُ حقيقةِ الصفات، وإنْ أخَذَ مَن لم يَعرِفْ مَناهِجَهم بعضَ إطلاقاتِهم، فحمَلَها على التفويض، فهؤلاءِ إنما أخَذُوا اللفظَ المحتَمِلَ، ولم يَعرِفُوا سياقَهُ، ولا المواضعَ الأُخرى القاطِعةَ بتفسيرِه. وإنْ كان بعضُ الأئمَّةِ مِن أهلِ السُّنَّةِ يُشيرُ إلى اعتقادِ بعضِ الناسِ

стр. 89

في القرنِ الثالثِ للتفويضِ؛ كما أشار إليه الدارِميُّ في "ردِّه على بِشْرٍ المَرِيسِيِّ"، وإنما اشتَهَرَ التفويضُ في قولِ الكُلَّابيَّةِ؛ يريدون التوسُّطَ بين المعطِّلةِ والمشبِّهة؛ فيَسلَمُون مِن الطائفتَيْنِ: بتفويضِ حقائقِ الصفاتِ ومَعانِيها، مع أنَّ المفوِّضةَ في الحقيقة معطِّلةٌ؛ فما سَلِموا بالتفويضِ من التعطيل، وظهَرَ التفويضُ في قولِ أبي منصورٍ الماتُرِيدِيِّ في خُراسَانَ، وأبي الحسَنِ الأَشْعَريِّ في العِرَاقِ في "رسالتِهِ إلى أهلِ الثَّغْر"، وقد كتَبَها قبلَ كتابِهِ: "الإبانة". واللهُ تعالى أنزَلَ كتابَهُ لِيُتدبَّرَ وهو معلومُ المعنى، ولم يذكُرْ أحدٌ مِن الصحابةِ والتابعينَ وأتباعِهم مِن المفسِّرينَ وغيرِهم: أنَّ آياتِ الصفاتِ مِن المتشابِهِ الذي لا يجوزُ الكلامُ في تفسيرِه وبيانِ مَعَانِيه، بل صحَّ عن ابن عبَّاسٍ: أنه جعَلَها مِن المُحْكَمات؛ وذلك لمَّا سَمِعَ رجلٌ بحديثٍ في الصفاتِ، فانتَفَضَ، فقال ابنُ عبَّاس: "مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ ! يَجِدُونَ عِنْدَ مُحْكَمِه، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ! " (١)؛ و"يَجِدُونَ"؛ يعني: يَغضَبُونَ (٢). ومَن فوَّض الصفاتِ، ولم يُثبِتْ لها حقيقتَها، وجعَلَ غايةَ الإيمانِ بآياتِ الصفاتِ الإيمانَ بحروفِها -: فقد خالَفَ المَقصِدَ مِن التنزيل، وجعَلَ عربيَّةَ القرآنِ لا معنَى لها؛ فالإيمانُ بالحروفِ لا يَختلِفُ فيه العَرَبيُّ والأعجميّ. واللهُ سمَّى كتابَهُ مُبِينًا مفصَّلًا، وأمَرَ بتدبُّرِه، وجعَلَ لعربيَّتِهِ مَيْزةً وخَصِيصة، وهي معرفةُ المعاني وحقائقِها؛ فقال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣]، وقال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]،

стр. 90

وسَمَّى كتابَهُ بالمفصَّلِ والبَيِّنِ؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥]، وقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣]، وأمَرَ كثيرًا بتدبُّرِهِ؛ قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]. والقولُ بأنَّ آياتِ الصفاتِ مِن المتشابِهاتِ، وعلى هذا تُنفَى حقائقُها وتفوَّضُ، لم يُسبَقْ قائلُهُ بهذا؛ لا مِن الصحابةِ، ولا مِن التابعين. * نسبةُ التفويضِ للسَّلَفِ: وينسُبُ جماعةٌ التفويضَ إلى السلفِ؛ وذلك لأنَّ في بعضِ كلامِ بعضِهم ما يُتوهَّمُ منه التفويضُ؛ كقولِ بعضِهم في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها؛ كالزُّهْريِّ، ومكحولٍ: "أَمِرُّوا الأَحَادِيثَ كَمَا جَاءَتْ" (١)، أو قولِ بعضِهم؛ كالأوزاعي، والثَّوْريّ، ومالكٍ، والليث، وأحمدَ: "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ" (٢)، أو قولِ بعضِهم؛ كالوليدِ بنِ مُسلِم: "أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ" (٣)، أو قولِ بعضِهم؛ كابنِ عُيَيْنةَ: "هِيَ كَمَا جَاءَتْ؛ نُقِرُّ بِهَا، وَنُحدِّثُ بِهَا بِلَا كَيْفٍ" (٤)، أو قولِ بعضِهم؛ كوَكِيعٍ: "نُسَلِّمُ هَذِهِ الأحَادِيثَ كَمَا جَاءَتْ، وَلَا نَقُولُ: كَيْفَ؟ وَلِمَ جَاءَ هَذَا؟ " (٥)، ونحوِ ذلك مِن الأقوال. ويَحمِلُونَ إمرارَ آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها بمعنَى تَرْكِها حروفًا

стр. 91

كالأعجميَّةِ غيرِ المفهومة، أو كما يَرَى القارئُ خطوطَ الأممِ السابقةِ الأثريَّةَ مِن أصحابِ اللغاتِ البائدة، إلا أنَّ حروفَ القرآنِ مقدَّسةٌ، ولكنَّ الجهلَ بالمعنى واحدٌ. وهذا غلَطٌ شنيع، وقدحٌ في بيانِ القرآنِ ومقاصِدِه، وفي الحكمةِ الإلهيَّةِ مِن التنزيل؛ وفي هذا قال الإمامُ المَدَنيُّ عبدُ العزيزِ الماجِشُونُ قرينُ مالكٍ -لما نظَرَ مرَّةً في شيءٍ مِن سلبِ الصفات-: "هذا الكلامُ هَدْمٌ بلا بناء، وصفةٌ بلا معنًى" (١). ويَدُلُّ على أنَّ الأئمَّةَ لا يريدونَ بقولهم: "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ" تفويضَ إثباتِ الحقيقةِ: أنَّ مالكًا سُئِلَ عن رؤيةِ الله؟ فقال: "يَرَوْنَهُ بأَعْيُنِهِمْ" (٢)، ثُمَّ سُئِلَ عن أحاديثِ رؤيةِ اللهِ؟ فقال: "أَمِرُّوها كما جاءَتْ" (٣). وهذا كلُّه ليس تناقُضًا مِن مالكٍ، بل إنَّ الإمرارَ لا يُنافِي الإقرارَ بالحقيقة، بل تفويضُ كيفيَّتِها إلى اللهِ لا تفويضُ إثباتِها. وقراءةُ القرآنِ والبيانُ فيه يقتضي إثباتَ حقيقةِ الصفاتِ ومَعَانِيها الصحيحةِ، وما زاد عن ذلك، فهو منفيٌّ مِن التكييفِ والتشبيهِ والتمثيل، والتأويلِ والتعطيلِ؛ فالمفسِّرُونَ يَعلَمُونَ أنَّ الحقيقةَ معنًى مقصودٌ في الآيةِ، ويستقِرُّ في نفسِ القارئِ؛ كما قال يزيدُ بن هارونَ: "مَن زعَمَ أنَّ الرحمنَ على العرشِ استَوَى على خلافِ ما يَقَرُّ في قلوبِ العامَّةِ، فهو جَهْمِيّ" (٤).

стр. 92

ومرادُهُ بالعامَّةِ: أهلُ السليقةِ، والفِطْرةِ الصحيحةِ؛ الذين يَقْرَؤُونَ آيةَ الاستواءِ، ويقرؤونَ قولَهُ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]؛ فيَرَوْنَ أنْ لا تناقُضَ ولا تضادَّ بين إثباتِ الحقيقةِ، ونفيِ التمثيل. وهذه العباراتُ لم يكنْ يعبِّرُ بها الصحابةُ ولا كبارُ التابِعِينَ؛ لأنَّ أقوالَ التعطيلِ أو التمثيل لم تكنْ قد ظهَرَتْ في زَمَانِهم؛ ولَمَّا ظَهَرَت بعد ذلك أراد أولئكَ الأئمَّةُ دفعَ تلك البِدْعةِ، لا نفيَ معاني الصفاتِ وحقائقِها مِن الأخبار؛ فهذا قَدْرٌ يُقِرُّونَ به؛ ويفسِّرُ ذلك نصوصُهُمُ الأُخرى. والإمرارُ في قولِهم: "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ"؛ يعني: الإثباتَ والإقرارَ بحقائِقِها؛ لأنَّ هذا مما جاءت به، والمنفيُّ في الشريعةِ: التشبيهُ والتمثيلُ في قولِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وما كان سوى التمثيلِ مِن إثباتِ الحقائقِ والمعاني الصحيحةِ، فليس منفيًّا، بل هو مقصودٌ في نصوصِ الوحيِ. ولهذا يقولُ مالكُ بن أنَسٍ: "الاستواءُ معلوم" (١)؛ يعني: ليس حروفًا، وإنما هو حقيقة، وإثباتُ حقيقتِهِ لا يعني تشبيهَهُ بغيرِه. ولمَّا ضَعُفَ اللسانُ العرَبيُّ، وراجَتْ مقولةُ التشبيه، والمقالاتُ ضِدَّها، وفسَدَتِ السليقةُ بإثباتِ الحقيقة، والمعاني الصحيحة-: مال بعضُهم: إلى مذهَبِ التفويضِ؛ للخلاصِ مِن تلك البِدَع، وبعضُهم: أراد للعَوَامِّ السلامةَ مِن تلك الآفاتِ؛ كما قالَهُ الغَزَاليُّ (٢). حتى شاعَتْ تلك المقالةُ بسببِ أخذِ بعضِ فُضَلاءِ أهلِ الحديثِ

стр. 93

بها؛ كالخَطَّابِيِّ في بعضِ شروحِهِ عند تعليقِهِ على بعضِ الصفاتِ (١)، وكذلك: البيهقيُّ في كتابَيْهِ: "الأسماءِ والصفات" (٢)، و"الاعتقادِ" (٣)، وكذلك: جماعةٌ مِن أهلِ الفقهِ والنظَرِ مِن الشافعيَّةِ؛ كالجُوَيْنيِّ في "الرسالةِ النِّظَامِيَّة" التي آل رأيُهُ إليها (٤)، والغَزَاليِّ في "إلجامِ العَوَامِّ" (٥)، ومِن الحنابِلة؛ كالتميميِّينَ، وابنِ عَقِيلٍ (٦)، ومَرْعِيٍّ الكَرْمِيِّ (٧)، ومِن هؤلاءِ: مَن يَضطَرِبُ؛ فيؤوِّلُ في موضِعٍ تارَةً، ويفوِّضُ في موضِعٍ آخَرَ تارَةً. وليس مِن السلامةِ: تركُ مرادِ اللهِ في كلامِهِ؛ كما يزعُمُه المفوِّضةُ؛ فإنَّ تركَ حقائقِ النصوصِ ومَعَانِيهَا الصحيحةِ: هلاكٌ، لا سَلَامة؛ لأن التفويضَ مبنيٌّ على التعطيل. والمعتزِلةُ الذين هم أسبَقُ في علمِ الكلامِ مِن الأشاعِرةِ يَعرِفُونَ الفرقَ بين مذهبِ السلفِ وبين مذهب الكُلَّابيَّةِ في الصفاتِ الخبريَّة؛ فالأشاعِرةُ يَجعَلُونَ السلَفَ مفوِّضةً؛ تمسُّكًا ببعضِ الإطلاقاتِ المشتَبِهةِ مِن أقوالِهم، والمعتزِلةُ يفرِّقونَ بين مذهبِ الكُلَّابيَّةِ في التفويضِ، وبين مذهبِ السلَفِ أهلِ الحديثِ في إثباتِ حقيقةِ الصفاتِ الخبريَّة بل والعقلية. * الغُلُوُّ في التنزيهِ يؤدِّي إلى توهُّم التعظيم في التفويضِ والتعطيل: لمَّا كَثُرَتِ المذاهبُ البدعيَّةُ في التشبيهِ والتأويلِ والتحريفِ، كان التفويضُ عند بعضِهم مخلِّصًا منها؛ فتوهَّم تعظيمَ اللهِ بتفويضِ معاني نصوصِ الصفاتِ إليهِ أو تعطيلِها؛ وهذا الدافعُ قديمٌ؛ فقد ذُكِرَ عند

стр. 94

ابنِ مَهْدِيٍّ الجهميَّةُ، وأنَّهم يَنفُونَ الصفاتِ، ويقولونَ: "اللهُ أعظَمُ مِن أنْ يُوصَفَ بشيءٍ! "، فقال ابنُ مَهْدِيٍّ: "قد هلَكَ قومٌ مِن هذا الوجهِ" (١). ووجَدَ أهلُ التفويضِ مِن مُتشابِهِ كلامِ بعضِ الأئمَّةِ؛ مِن إمرارِ أخبارِ الصفاتِ كما جاءتْ: ما يؤيِّدُ ذلك المذهبَ، حتى شاع التفويضُ في المغربِ؛ حتى عدَّه ابنُ خَلْدُونَ في "مقدِّمتِهِ" مذهبًا للسلف، والأقوالُ الباطلةُ مهما بلَغَتْ شناعةً، لا يجوزُ حملُ الناسِ على باطلٍ آخَرَ لأجلِها؛ فلا يُفَرُّ مِن باطلٍ إلى باطلٍ، ولو كان أقلَّ منه، مع إمكانِ بيانِه؛ ولهذا يقولُ أحمدُ بنُ حنبلٍ: "لا نُزِيلُ عنه صفةً مِن صفاتِهِ؛ لِشَنَاعَةٍ شُنِّعَتْ" (٢). والأئمَّةُ حينما يقولون: "نُمِرُّهَا لَا نُفَسِّرُهَا"، لا يريدونَ بذلك: نفيَ الحقيقةِ، فالتفسيرُ المرادُ به: التكييفُ؛ كما قال أبو عُبَيْدٍ: "إذا قِيلَ: كَيْفَ وضَعَ قَدَمَهُ؟ وكَيْفَ ضَحِكَ؟ قلتُ: لا يُفسَّرُ هذا، ولا سَمِعْنا أحدًا يفسِّرُه" (٣)؛ فجعَلَ السؤالَ عن كيفية الصفةِ سؤالًا عن تفسيرِها. ومثلُ ذلك: قولُ بعضِ الأئمَّةِ؛ كأحمدَ بنِ حنبلٍ: "لَا كَيْفَ، وَلَا مَعْنَى" (٤)، وليس مرادُهُ بذلك: نفيَ وجودِ الكيفِ، ولكنْ نَفْيَ العلمِ به، وكذلك في نفيِ المعاني: ليس مرادُهُ نفيَ وجودِ المعاني، ولكنْ نفيَ التأويلات الباطِلةِ؛ لأنَّها كانت شائعةً ذائعةً في كثيرٍ مِن البُلْدانِ والمَجالِسِ في زمانِه. ومِن هذا: قولُ أبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ؛ قاصدًا المعانيَ الفاسدةَ خاصَّةً: "نحنُ نروي هذه الأحاديثَ، ولا نُرِيغُ لها المعانيَ" (٥).

стр. 95

ومِن أئمَّةِ السلفِ: مَن يريدُ بالمعنى: التكييفَ؛ فينفيهِ؛ كما سُئِلَ يزيدُ بن هارونَ عن معنى حديثٍ في الصفاتِ، فغَضِبَ وحَرَدَ، وقال: "وَيْلَكَ مَن يَدرِي كيفَ هذا؟ ! " (١). فجعَلَ سؤالَهُ عن المعنَى سؤالًا عن الكَيْفِ؛ لأنَّه فَهِمَ مقصودَ السائلِ على ذلك، ومعرِفةُ سِيَاقاتِ كلامِ الأئمَّةِ مفسِّرةٌ لألفاظِهِمُ المتبايِنةِ في الاستعمالِ؛ بحسَبِ مَوْضِعِها، وحملُها على معنًى واحدٍ متطابِقٍ باطلٌ، والسلفُ كانوا يَسكُتُونَ عن آياتِ الصفاتِ؛ لأنَّ إثباتَ الحقيقةِ مستقِرٌّ في نفوسِهم؛ وقد قال مالكٌ واصفًا أهلَ البِدَعِ: "ولا يَسْكُتُونَ عمَّا سكَتَ عنه الصحابةُ". ولا يَلزَمُ مِن تنزيهِ الله عن التشبيهِ نفيُ الحقيقةِ في صفاتِ الله تعالى؛ كما لا يَلزَمُ مِن إثباتِ الحقيقةِ التشبيهُ، وما زال العلماءُ يَحترِزُونَ مِن هذا الفهمِ كلٌّ بحسَبِ تعبيرِه، ولمَّا أثبَتَ عبدُ الغنيِّ المَقْدِسِيُّ الاستواءَ، قال: "بلا تنزيهٍ ينفي حقيقةَ النزولِ" (٢)؛ دفعًا لتوهُّمِ التعطيلِ والتفويض. والمفوِّضةُ سكَتُوا عمَّا سكَتَ عنه الصحابةُ من التكييفِ والتأويل المخالِف لظاهِرِ اللفظ، ونَفَوْا مع السكوتِ: ما أثبَتَهُ الصحابةُ مِن الحقائقِ والمعاني. * روايةُ الأئمة لأحاديث الصِّفات، واحترازُهم مِن سوء فهمِها: والسلَفُ يُثبِتُونَ حقائقَ الصفاتِ ومَعانِيَها الصحيحةَ بالإجماع؛ وهذا ما جاءت به النصوصُ، ويفرِّقُونَ بين سياقاتِ الأقوال، والزَّمَنِ الذي تَنتشِرُ فيه البِدَعُ عن غيرِه:

стр. 96

فربَّما منَعُوا روايةَ حديثٍ صحيحٍ؛ خشيةَ فَهْمِهِ على غيرِ وَجْهِه، وربَّما حظَرُوا إطلاقَ لفظةٍ واردةٍ؛ لأنَّ فهمَ الناسِ قد تَغيَّرَ، ولم يكونوا على السليقةِ الأُولَى؛ فتعامَلُوا مع فهم، لا مع مجرَّدِ النصِّ؛ وهذا مِن الفقهِ والحِكْمة، وربما جاء مزيدُ توضيحِ بإشارةٍ أو عبارةٍ تناسِبُ أذهانَ السامعينَ عند الحديث. ومِن ذلك: أنه جاء في الإشارةِ باليَدِ إلى عُضْوٍ في الإنسانِ أو غيرِهِ؛ لإثباتِ صفةِ مِن الصفاتِ الإلهيَّةِ؛ وذلك لإثباتِ حقيقتِها، لا للتشبيهِ؛ كما جاء مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ؛ أنه قرَأَ قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... ﴾ [النساء: ٥٨]، إلى قولِهِ تعالى: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، ثُمَّ قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِه، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا، وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ" (١). ومرادُ النبيِّ ﷺ : إثباتُ حقيقةِ السمع والبصر، لا التشبيهُ. وهكذا فَهِمَهُ السلفُ؛ كما قال ابنُ يُونُسَ: "قال المُقرِئُ (٢)؛ يعني: إنَّ اللهَ سميعٌ بصيرٌ؛ يعني: أنَّ للهِ سَمْعًا وبَصَرًا" (٣). وجعَلَهُ أبو داودَ رَدًّا على المعطِّلة، فقال: "هذا رَدٌّ على الجهميَّة" (٤). ولم يَجعَلُوهُ حُجَّةً للمشبِّهة، بل هم يَنقُضُونَ قولَهم وَيرُدُّونَهُ؛ فهم يَعرِفُونَ سياقاتِ الأدلَّةِ، والمرادَ منها، والجمعَ بينها وبين بقيَّةِ النصوصِ في الباب.

стр. 97

وجاء في معنى ذلك: حديثٌ في صِفَةِ التجلِّي؛ مِن حديثِ أنَسٍ عندَ التِّرْمِذيِّ (١)، وفي صفةِ القبضِ للأرضِ والطَّيِّ للسمواتِ؛ مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ عند أحمدَ (٢)، وأصلُهُ في مسلِم (٣)، وفي وضعِ الأرضِ على إصبَعٍ، والسماءِ على إِصْبَعٍ؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ عند أحمدَ والتِّرْمِذيِّ (٤)، وبنحوِهِ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ (٥)، وأصلُهُ في البخاريِّ (٦)، وقد حدَّث به يحيى بنُ سعيدٍ أحمدَ بنَ حنبلٍ وأشارَ بإصبعِه، وحدَّث به أحمدُ ابنَه عبدَ الله وأشار بإصبعِه (٧). وهذه الأحاديثُ لا تَخفَى على الأئمَّةِ؛ كمالكٍ، وأحمدَ؛ كيف وقد رَوَوْا بعضَها، ويَعلَمُونَ المقصودَ منها. ومع ذلك: فإنَّهم نهَوْا عن الإشارةِ باليَدِ عند الحديثِ عن صفاتِ الرَّبِّ؛ لاختلافِ الفهم، وضعفِ اللسانِ؛ فتَبِعَها ضعفُ إدراكِ المعنى المراد، وربَّما اختلَفَ قولُهم مِن حالٍ إلى حال، ومِن سياقٍ إلى سياق؛ وقد قال مالكٌ: "مَن وصَفَ شيئًا مِن ذاتِ اللهِ؛ مثلُ قولِهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأشار بيَدِهِ إلى عُنُقِه، ومثلُ قولِهِ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فأشارَ إلى عَيْنَيْهِ وأذُنَيْهِ، [أو شَيْءٍ] مِن بدَنِهِ -: قُطِعَ ذلك منه؛ لأنَّه شَبَّهَ اللهَ بِنَفْسِه" (٨). وقد قرَأَ رجلٌ عند أحمدَ قولَهُ تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ

стр. 98

جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، ثُمَّ أومَأَ بيَدِهِ، فقال له أحمدُ: "قطَعَها اللهُ! قطَعَها اللهُ! "، ثُمَّ حرَدَ وقام (١). مع أنَّه قد روَى الخَلَّالُ في "كتاب السُّنَّة"، عن أبي بكرٍ المَرْوَزِيّ، عن أحمَد؛ أنه روَى حديثَ وضعِ السماءِ والأرضِ وغيرِها، كلَّ واحدٍ على إِصْبَعٍ، وقال: "ورأيتُ أبا عبد اللهِ يُشِيرُ بِإصْبَعٍ إِصْبَعٍ" (٢). ومِثْلَهُ فعَلَ الأَعمَشُ (٣)، وسُفْيانُ الثَّوْريُّ، عند حديثِ وضعِ القلوبِ بين إِصْبَعَيْنِ مِن أصابعِ الرحمنِ (٤)، وجاء ذلك مِن فعلِ النبيِّ ﷺ عند الدارَقُطْنيِّ في "الصفاتِ" (٥). وقصدُ الأئمَّةِ -كمالكٍ، وأحمدَ- في نَهْيِهم عن التحديثِ ببعضِ الحديثِ، والتحديثِ مع الإشارةِ، ولو كان واردًا وصحيحًا-: خوفُ تغريرِ العامَّة؛ وعليه نصَّ مالكٌ لمَّا سُئِلَ عن حديثِ: (إنَّ العَرْشَ اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدٍ) (٦)، قال: "لا يُتحدَّثْ به، وما يدعو الإنسانَ إلى الحديثِ بذلكَ، وهو يَرَى ما فيه مِن التغرير؟ ! " (٧). وحديثُ اهتزازِ العرشِ في "الصحيحَيْنِ"، ولكنَّ صِحَّتَهُ بابٌ، وفَهْمَهُ بابٌ آخَر؛ فما كلُّ صحيحٍ يَصِحُّ التحديثُ به، وقد كان مالكٌ ربَّما وصَفَ مَن يَفعَلُ ذلك بعدَمِ الفقهِ؛ فقد سُئِلَ عمَّن تحدَّث بالحديثِ: (إِن اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) (٨)، و (إِنَّ اللهَ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ يَوْمَ

стр. 99

القِيَامَةِ) (١)، و "إنَّه يُدْخِلُ يَدَهُ فِي جَهَنَّمَ، فيُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ أَرَادَ" (٢)؟ فأنكَرَ ذلك إنكارًا شديدًا، ونهى أن يُحدَّثَ به، قيل: قد تَحدَّثَ به ابنُ عَجْلانَ؟ قال: لم يكنْ مِن الفُقَهاءِ (٣). ورُبَّما امتَنَع أحمدُ عن التحديث ببعضِ الحديثِ الصحيح، بل: ما تلقَّتْه العلماءُ بالقَبُول -كحديثِ جابرٍ مرفوعًا، وفيه: (فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ... ) (٤) - كان أحمدُ يَصِفُه بأن العلماءَ تلقَّتْه بالقبول، ومع هذا يقول: "ما أعلَمُ أني حدَّثتُ به إلا لمحمدِ بنِ داودَ المصِّيصِي" (٥)؛ وسببُ ذلك -كما قال أحمد- أنه شُنِّعَ به. والأئمَّةُ عند إرادةِ الإثباتِ يَختلِفُونَ في طَرِيقَتِهم عند النفيِ؛ فربَّما تجوَّزوا بعبارةٍ وإشارةٍ لإثباتِ الحقيقةِ، وإيصالِ المرادِ مِن النصِّ للسامع، وليس مرادُهُمُ التشبيهَ؛ فسياقاتُ الكلامِ لا بُدَّ مِن مَعرِفَتِها لتمييزِ الألفاظ؛ وقد سُئِلَ ابنُ إِدْرِيسَ عن قومٍ يقولون: "القرآنُ مخلوقٌ"؟ فاستشنَعَ ذلك، وقال: "سُبْحانَ اللهِ! شَيْءٌ منه مخلوقٌ! "، وأشار بِيَدِهِ إلى فِيهِ (٦). وأراد بهذا: إثباتَ الحقيقةِ، لا إثباتَ الفَمِ والشفتَيْنِ، واللسانِ واللَّهَاة، والحاجةِ إلى الهواء، وغيرِ ذلك.

стр. 100

* توهُّمُ اللوازمِ الباطِلةِ يُفضِي إلى التفويضِ والتأويلِ والتعطيل: وربَّما توهَّم السامِعُ لأخبارِ الصفاتِ لازمًا يَلزَمُ مِن إثباتِها، فحمَلَهُ ذلك على تأويلِها وتفويضِها، وإذا كان اللهُ تعالى لا يُشبِهُهُ شيءٌ في كيفيَّةِ صفاتِه؛ فإنَّ نفيَ التشبيهِ باللوازمِ مِن بابِ أَوْلى، واستحضارُ لوازمَ بعَيْنِها تَدفَعُ صاحبَها إلى الرجوعِ إلى الصفةِ وتعطيلِها أو تأويلِها أو تفويضِها. وقد سَمِعَ الإمامُ أحمَدُ قاصًّا يَروِي حديثَ النزولِ، ويقولُ: "بلا زَوَالْ، ولا انتقالْ، ولا تغيُّرِ حالْ"، فارتعَدَ أحمدُ، واصفَرَّ لَوْنُه، وقال لابنِهِ عبد اللهِ: "قِفْ بنا على هذا المتخرِّصِ"، فلمَّا حاذاهُ، قال: "يا هذا؛ رسولُ اللهِ أَغْيَرُ على رَبِّهِ مِنْكَ؛ قُلْ كما قال رسولُ اللهِ ﷺ "، وانصرَفَ (١). * * * * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: [﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، الْعَالِمُ الْخَبِيرْ، أَلْمُدَبِّرُ الْقَدِيرْ، أَلسَّمِيعُ الْبَصِيرْ، أَلْعَلِيُّ الْكَبِيرْ]: * عُلُوُّ اللهِ: يجبُ الإيمانُ بعلوِّ اللهِ على خَلْقِه، وأنَّه تعالى فوقَ السماءِ على عَرْشِه، والدلائلُ على علوِّ اللهِ أكثَرُ مِن أنْ تُحصَى؛ فِطْريَّةً وعقليَّةً ونقليَّةً، وهذا لا يقتصِرُ على العقولِ، بل فطرُ الحَيَوانِ التي لا عقلَ لها تَعرِفُ علوَّ ربِّها؛ فإنها إنْ شكَتْ، سمَتْ ورفَعَتْ بَصَرَها إلى السماء، حتى إنَّ فرعونَ -مع عنادِهِ وكفرِهِ واستهزائِهِ- توجَّه إلى العلوِّ؛ يُرِيدُ الاطلاعَ

стр. 101

إلى إلهِ موسى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]. وما يكونُ هذا إلا لأنَّه يُؤمِنُ أنَّ الإلهَ الذي يَجحَدُهُ: إنْ وُجِدَ، فلن يكونَ إلا في السماء، وأنَّ موسى قال له ذلك، وما أنكَرَ على موسى مكانَهُ، ولكنَّه أنكَرَ وجودَهُ؛ لأنه لو كان موجودًا، فلن يكونَ في غيرِ العُلُوِّ. وما مِن إنسانٍ مهما كان دِينُهُ اشتكى الظلمَ والقهرَ، إلَّا وجَدَ في فِطْرَتِهِ رَغْبةً ببَثِّ شكواهُ إلى السماء، ومناجاةِ مَنْ فيها، ولو كان قد تديَّن بخلافِ ذلك. وقد تواتَرَتْ نصوصُ الوحيَيْنِ عددًا بالتدليلِ على ذلك؛ سواءٌ بذكرِ أسماءِ اللهِ: ﴿الْعَلِيِّ﴾ [غافر: ١٢]، و ﴿الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، و ﴿الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، أو ذكرِ بعضِ صفاتِهِ الدالَّةِ على علوِّهِ؛ كالاستواءِ، والنزولِ، وارتفاعِ الأعمالِ إليه، وذكرِ عَرْشِهِ وكُرْسِيِّه، وحَمَلةِ العرشِ، ونزولِ الوحيِ منه، وعودتِهِ إليه، ونزولِ الملائكةِ وعروجِها، وتجلِّيه سبحانه، واطِّلاعِهِ على عبادِه، وإنزالِ الأمرِ والعقوباتِ، والمِعْراجِ بالأرواحِ وبالنبيِّ ﷺ ، ورفعِ عيسى ونزولِه، وغيرِ ذلك مما يَدُلُّ صراحةً على علوِّ اللهِ تعالى على خَلْقِه، ولو أراد أحدٌ أنْ يَتتبَّعَ أدلَّةَ العلوِّ مِن الوحيَيْنِ تصريحًا أو تضمينًا، لَمَا وَسِعَهُ ذلك، ولو فعَلَ، ثم أعادَ، لَوَجَدَ أنَّ الذي فاتَهُ فوقَ ما جمَع. وقد دَلَّ القرآنُ على علوِّ اللهِ بذاتِه، وعلوِّهِ بقَهْرِه، وعلوِّهِ بقَدْرِه؛ كما في قولِهِ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقولِهِ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].

стр. 102

وهو أمرٌ لم ينازَع الصحابةُ في فهمِه من أحدٍ في زمانِهم، ولم يكنْ مَحَلَّ بَحْثِهم لقطعيَّته، ولما ظهَرَ القولُ بخلافِ ذلك مِن بعضِ أهلِ الضلالِ، أكثَرَ العلماءُ مِن إيرادِ الأدلَّةِ وحكايةِ الإجماعِ على علوِّ اللهِ؛ كما حكاه الأوزاعيُّ (١)، وقُتَيْبةُ بن سَعِيدٍ (٢)، وخلقٌ. ومَن نفى علوَّ الله، فقد كابَرَ الفِطْرةَ والعقلَ والنقلَ! ومع تضافُرِ الأدلَّةِ مِن الحسِّ والنصِّ، فقد كابَرَتْ طوائفُ مِن الفلاسفةِ والمتكلِّمينَ، ونفَتِ العلوَّ، ومع صراحةِ الأدلَّةِ الشرعيَّةِ التمَسُوا مِن الأدلَّةِ ما يُوافِقُ تلك الضلالةَ: وذلك كاستدلالِ بعضِ المتكلِّمينَ بقولِ يُونُسَ ﵇، وهو في بطنِ الحُوتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وأنَّ خطابَهُ بـ "أنتَ في السماءِ والأرضِ، وفي بطنِ الحُوتِ"، واحدٌ! وهذا الذِّكْرُ مِن يُونُسَ استغاثةٌ وتذلُّلٌ، واللهُ يَسمَعُهُ ويراهُ، لا يحولُ دُونَهُ شيء، واليومَ يُهاتِفُ الرجلُ رجلًا مِن أقصى الأرضِ بالاتصالِ، ويقولُ له: "أنتَ"؛ لأنَّه يَسمَعُ كلامَهُ، وَيرُدُّ عليه، ولكنْ إذا أرادتِ النفوسُ التماسَ شاهدٍ لِمَا تراهُ، وجَدَتْ، ولو كان أَوْهَى مِن بيتِ العنكبوت، وعَمِيَتْ عن صراحةِ الأدلَّةِ النَّيِّرةِ؛ كالشمسِ في رائعةِ النهار. * العلوُّ والمَعِيَّة: يجبُ إثباتُ علوِّ اللهِ على خَلْقِه، وأنَّه مع ذلك مع خلقِهِ بعلمِهِ وإحاطتِه؛ فهو مُستَوٍ على عرشِه، وعلمُهُ في كلِّ مكان؛ قال مالكٌ: "اللهُ

стр. 103

في السماءِ، وعِلْمُهُ في كلِّ مكانٍ، لا يخلو مِن عِلْمِهِ مكانٌ"؛ كما نقَلَهُ عنه أبو القاسِمِ المَقَّرِيُّ (١)، وأبو عمر الطَّلَمَنْكِيُّ (٢)، وابنُ عبدِ البرّ (٣). وإثباتُ العلوِّ على الحقيقةِ هو ما يقرِّرُهُ أهل السُّنَّةِ في المغرِب؛ كابن أبي زَمَنِينَ في "أصول السُّنَّة" (٤)، ونحوُهُ أبو المطرِّفِ القَنَازِعيُّ القرطبيُّ في "تفسير الموطَّأ" (٥): أنَّ اللهَ فوقَ عَرْشِه، وهو في كلِّ مكانٍ بعِلْمِه، وبنحوِه يقرِّر أبو القاسم المقري كما في "شرح الملخص لمسنَد الموطَّأ"؛ لأبي الحسن القابسيِّ (٦)، وهكذا المتأخِّرونَ؛ كابنِ عَزُّوزٍ المالكيِّ التُّونُسِيِّ (٧): يقرِّرُ أنَّ اللهَ مستوٍ على عرشِه، بائنٌ مِن خَلْقِه، قريبٌ لهم بعِلْمِه. وكان أبو العبَّاسِ بن طالبٍ يخطُبُ في القَيْرَوانِ، ويقولُ: "الحمدُ للهِ الذي على عرشِهِ استَوَى، وعلى مُلْكِهِ احتَوَى، وهو في الآخِرةِ يُرَى" (٨). وربَّما كان السبَبُ للقولِ بنفيِ العلوِّ: الجَهْلَ بلسانِ العرَب، وتبعًا لذلك تُفهَمُ بعضُ نصوصِ القرآنِ على غيرِ وَجْهِها: ومِن ذلك: استدلالُ بعضِ المعطِّلةِ القائِلِينَ بأنه في كلِّ مكانٍ بذاتِهِ؛ بقولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقولِهِ تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧].

стр. 104

وهذا فهمٌ فاسدٌ: فأمَّا الآية الأُولى: فالمرادُ منها: أنَّ اللهَ معبودٌ في السماءِ مِن أهلها، ومعبودٌ في الأرضِ مِن أهلِها؛ وهذا قولُ أهلِ التفسيرِ (١)؛ كما قاله ابنُ عبد البَرِّ (٢)، وقال: "وما خالَفَهُمْ في ذلك أحدٌ يُحتَجُّ به" (٣). وأمَّا الآيةُ الثانيةُ: فالمرادُ بها: معيَّةُ اللهِ وعلمُهُ بعبادِه؛ ودليلُ ذلك قولُهُ تعالى في آخِرِ الآية: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة: ٧]؛ فالأمرُ يتعلَّقُ بالعلمِ الذي يَتْبَعُهُ إنباءٌ، وقد أنكَرَ أحمدُ بنُ حنبلٍ على مَن استدَلَّ بهذه الآيةِ وأخَذَ أوَّلَها، وترَكَ آخِرَها الذي يُتِمُّ المعنى ويدُلُّ عليه (٤). ومِن شُبُهاتِ بعض المعطِّلةِ للعلوِّ والاستواءِ مِن متكلِّمةِ المغرِبِ: ما استشكَلَهُ سليمانُ الفرَّاءُ بقولِهِ: "أين كان ربُّنا إذْ لا مكانَ؟ " (٥): وهذا السؤالُ يُجِيبُ عن نفسِهِ بالبطلانِ؛ فإنَّه لا يُسأَلُ بـ "أَيْنَ" إلا عندَ وجودِ المكانِ، وعند عدَمِ وجودِه، فيجبُ أن يكونَ السؤالُ بـ "أَيْنَ" غيرَ موجود، ولا يُسأَلُ بـ "مَتَى" إلا عند وجودِ الزمانِ، وأمَّا عندَ عدمِ وجودِه، فالسؤالُ يجبُ عدَمُ وجودِهِ مِن بابِ أَوْلى. وقد رَدَّ ابنُ الحَدَّادِ على الفرَّاءِ بنفيِ سؤالِهِ وبُطْلانِه، وأنَّ الصوابَ

стр. 105

القولُ: "كيف كان ربُّنا إذْ لا مكانَ؟ "، وقد أجابَ ابنُ الحدَّادِ: "إنَّه الآنَ على ما كانَ عليه، ولا مكانَ" (١). وهذا كلُّه لا ينفي أصلَ خَلْقِ الزمانِ والمكان، ووجودِهما تعاقُبًا؛ فوجودُهما جنسًا شيءٌ، ووجودُهما آحادًا شيءٌ ثانٍ، ومشاهداتُهما والعلمُ بهما شيءٌ ثالث. والشُّبُهاتُ الكلاميَّةُ والفِكْريَّةُ التي تَستجلِبُها العقولُ، وتَضَعُها في سياقاتٍ غيرِ سياقاتِها، ثُمَّ تخرُجُ بنتيجةٍ تظنُّها كاملةً، وتضَعُها في موضعٍ ليس لها -: يقَعُ بِسَبَبِها الضلالُ، ويُنفَى الحقُّ، ويُثبَتُ الباطلُ، وأشَدُّ ذلك وأعظَمُهُ: ما كان متعلِّقًا بحقِّ اللهِ تعالى وذاتِه. والجَهْمِيَّةُ القائِلُونَ بنفيِ علوِّ الله، وأنَّه في كُلِّ مكانٍ، ولا يَخلُو منه مكانٌ: يتناقَضُونَ مع أصولِهم العقليَّةِ، والأدلَّةِ النقليَّة؛ فهم يُقِرُّونَ أنَّ اللهَ كان ولا شيءَ قَبْلَه، ثم خلَقَ الخَلْقَ، ولكنْ لا يَدرُونَ أَيْنَ خلَقَهُم؟ ! فإمَّا أن يقولوا: إنَّ اللهَ خلَقَ الخَلْقَ داخِلَ نَفْسِهِ سبحانه، أو خلَقَهُمْ خارِجًا عنها: فالأوَّلُ: كُفْرٌ؛ إذْ كيفَ يخلُقُ اللهُ خَلْقَهُ في نَفْسِه؛ فتكونَ مَحَلًّا للحوادثِ التي يَنفُونَها فيه، ومحلَّا لخَلْقِ اللهِ مِن الشرورِ والخُبْثِ والشياطينِ؟ ! تعالى اللهُ! وإنْ قالوا: بأنَّ اللهَ خلَقَهُمْ خارِجَ نَفْسِه، ثمَّ دخَلَ فيهم، أو دخَلُوا فيه، فقد أقَرُّوا بمكانٍ ليس فيه اللهُ عند الخَلْقِ.

стр. 106

وإنْ قالوا: بأنَّه خلَقَ الخَلْقَ خارِجَ نَفْسِه، وهم على ذلك، فقد سلَّموا بالحقِّ عقلًا. واللهُ تعالى تجلَّى للجَبَل، ويَطَّلِعُ على خَلْقِه، ويباهي بهم يومَ عَرَفةَ، وإذا كان تجلَّى للجَبَلِ -وعَرَفةُ فيه، وهو فيها- فكيف يَصِحُّ التجلِّي لشيءٍ هو فيه؟ ! ولكنَّ اللهَ فوقَ عَرْشِهِ ويتجلَّى لشيءٍ ليس فيه سبحانَه. والآياتُ التي يستَدِلُّونَ بها على أنَّ اللهَ في كُلِّ مكانٍ هي دالَّةٌ بنَفْسِها على خلافِ ذلك، وأنَّ اللهَ على عرشِهِ، وهو مع الناسِ بعِلْمِه؛ فقولُهُ تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]؛ يعني: بالعِلْمِ؛ فليس هو في الوريدِ؛ فقد قال: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق: ١٦]، فبدَأَ بالعِلْمِ؛ ليبيِّنَ أنَّه هو المقصودُ بالقُرْبِ. وكذلك قولُهُ تعالى: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ يريدُ: بعِلْمِه، وبهذا استفتَحَ اللهُ الآيةَ، وختَمَها؛ ففي أوَّلها قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧]، وفي آخِرِها قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، ولم يَقُلْ: إنَّه في كُلِّ مكانٍ بذاتِه، وإنَّما بعِلْمِه. * نفيُ بعضِ الصفات لأجل توهُّم إحاطةِ المخلوقاتِ بالخالق: لا يَلزَمُ مِن إثبات العلوِّ والاستواءِ والنزولِ لله إحاطةُ مخلوقاتِه به، واحتواؤها له، لا مُنفرِدةً ولا مجتمِعة؛ لأنَّه أكبَرُ مِن كلِّ شيء، ويَتوهَّمُ مَن ينفي تلك الصفاتِ أن في إثباتِها لزومَ إحاطةِ المخلوقات به، وهذا باطلٌ عقلًا وشرعًا:

стр. 107

- أمَّا بطلانُه عقلًا: فإنه لا يَصِحُّ أن يَحوِيَ الشيءُ ويُحيطَ بما هو أكبَرُ منه، وهذا معلومٌ في كلِّ المحسوسات، فلا يُمكِنُ أن تُتصوَّرَ إحاطةُ الأرض بالسموات، ولا إحاطةُ النَّمْلَة بالجَبَل، ولا إحاطةُ الذَّرَّةِ بكَفِّ الرجلِ يَقبِضُها، فإذا كان دافعُ النُّفَاةِ توهُّمَ الإحاطة كما في المخلوقات فهذا غيرُ لازمٍ حتى فيها، مع أنَّ اللهَ ليس كمِثلِه شيء، والسمواتُ تُحيط بالأرضِ ولكنَّ الأرضَ لا تُحيط بها، فإذا كان الله تعالى أكبَرَ مِن كل المخلوقات مجتمعةً، فكيف يُقَالُ بإحاطتِها به عقلًا، ويُروى في الحديث: (مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ، إلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ، كَفَضْلِ تِلْكَ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ) (١)، ويُروى في بعضِ ألفاظِه: (وَمَا جَمِيعُ ذَلِكَ فِي قَبْضَةِ اللهِ إِلَّا كَالحَبَّةِ وَأَصْغَرُ مِنَ الحَبَّةِ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ -تَعَالَى-: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزُّمَر: ٦٧]) (٢)، وللحديثِ طُرُقٌ وألفاظٌ تَدُلُّ أن له أصلًا. - وأما بطلانُه شرعًا: فلأنَّ الله ليس كمِثْلِه شيءٌ في ذاتِه، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فكلُّ ما أخبَرَ اللهُ به عن نَفْسهِ فيجبُ إثباتُه له على الحقيقة، والتوقُّفُ عن لوازِمه التي تقتضي التشبيه، فإذا لم يُشبِهْهُ أحدٌ في ذاته فكيف يُشبِهُه أحدٌ في صفاتِه ولوازمِ صفاته؟ ! ولو أنَّ أذهانَ المعطِّلة خَلَت مِن القياسِ لَخَلَتْ مِن التعطيل.

стр. 108

* الاستواءُ على العَرْش: قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ المَجِيدِ بِذَاتِهْ، وَهُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِعِلْمِهْ): يجبُ إثباتُ استواءِ اللهِ على عَرْشِه، وذِكْرُ ابنِ أبي زيدٍ لاستواءِ الذاتِ في قولِهِ: "بذاتِهِ" دفعٌ لمقالةِ التأويلِ التي تنفي إثباتَ الاستواءِ حقيقةً بلا تشبيهٍ ولا تكييفٍ، ممن يتوهَّمُ أنَّ إثباتَ الحقيقةِ لازمٌ للتشبيهِ والتكييفِ. وقد قرَّر إثباتَ الاستواءِ على العرشِ حقيقةً المصنِّفُ في "الجامع"، فقال: "وَأَنَّهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ أَرْضِهِ" (١). وقد نَصَّ على استواءِ اللهِ بذاتِهِ السلَفُ، وجاء عن مالكٍ النصُّ على "الذاتِ"؛ حكاه غيرُ واحدٍ؛ قال أبو نَصْرٍ السِّجْزيُّ في كتابِهِ "الإبانة": "فأئمَّتُنا -كسُفْيانَ الثَّوْريِّ، ومالكٍ، وسُفْيانَ بنِ عُيَيْنةَ، وحمَّادِ بنِ سَلَمةَ، وحمَّادِ بنِ زَيْدٍ، وعبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ، وفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ، وأحمدَ بنِ حَنْبلٍ، وإسحاقَ بنِ إبراهيمَ الحَنْظَليِّ -مُتَّفِقُونَ على أنَّ اللهَ سبحانه بذاتِهِ فوقَ العرش، وأنَّ عِلْمَهُ بكلِّ مكان، وأنَّه يُرَى يومَ القيامةِ بالأبصارِ فوقَ العَرْشِ، وأنَّه يَنزِلُ إلى سماءِ الدنيا، وأنَّه يَغضَبُ ويَرْضَى ويَتكلَّمُ بما شاءَ؛ فمَن خالَفَ شيئًا مِن ذلك، فهو منهم بَرِيءٌ، وهم منه بَرَاءٌ" (٢). وقال أبو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ في كتابِه "الأصول": "أجمَعَ المسلِمونَ مِن أهلِ السُّنَّةِ على أنَّ اللهَ استَوَى على عَرْشِهِ بذاتِه" (٣).

стр. 109

والأئمَّةُ يذكُرُونَ بعضَ الألفاظِ غيرِ الواردةِ بنصِّها في الوحيِ، لا لعدَمِ كفايةِ الوحيِ في الإفهامِ، وإنَّما لورودِ معنًى باطلٍ جديدٍ بعدَ انقطاعِ الوحيِ، فأرادوا دفعَهُ بلفظٍ جديدٍ، مِن غيرِ أن يؤثِّرَ على مَقصِدِ الشارعِ ومُرَادِه، ولو لم يُوجَدِ المعنى الجديدُ الباطلُ، لم يُوجَدِ اللفظُ الجديدُ؛ لأنه لا حاجةَ إليه. وقد ذكَرَ لفظةَ "بذاته" غيرُ ابن أبي زيدٍ مِن الأئمَّة؛ لمَّا شاعَتْ مقالةُ التأويلِ والتعطيلِ، ممَّن يُثبِتُ لفظَ "الاستواء"، ويتأوَّلُ أو يعطِّلُ معناه؛ فكان إثباتُ اللفظِ القرآنيِّ للناس، مِن غيرِ زيادةٍ تَدفَعُ الباطلَ الجديدَ في الآذان، مُوجِبةً لهذه اللفظةِ عندَهم، وقد ذكَرَ أبو بكرٍ المُرادِيُّ القيروانيُّ في "الإيماءْ، في مسألةِ الاستواءْ" (١) جماعةً ممُّن نَصُّوا على ذكرِ استواءِ الذاتِ، ونسَبَهُ إلى ابنِ جريرٍ، والقاضي عبد الوهَّابِ، وظاهرِ كلامِ أبي الحسَنِ الأشعريِّ، والباقِلَّانيِّ. وقد انتصَرَ ابنُ عبد البَرِّ وغيرُهُ لابنِ أبي زيدٍ (٢): بأنَّ اللهَ أثبَتَ الفوقيَّةَ لنفسِهِ بقولِهِ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقولِهِ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]؛ فدَلَّ على علوِّ ذاتِهِ واستوائِها على العرشِ على الحقيقةِ التي تليقُ به، لا كما تليقُ بالمخلوقِ. والإتيانُ بألفاظٍ مطابِقةٍ لم تَرِدْ في الشرعِ لإثباتِ حقيقةِ الصفاتِ بلا تشبيهٍ عند مَن تعسَّف بتأويلِها لإفهامِهِ: شيءٌ، ومقابَلةُ الإفراطِ بالتأويلِ بالإفراطِ بالتشبيهِ: شيءٌ آخَرُ غيرُ جائز.

стр. 110

وهذه اللفظةُ التي أورَدَها ابنُ أبي زَيْدٍ: "فَوْقَ عَرْشِهِ المَجِيدِ بِذَاتِهِ" أخطَأَ في التعامُلِ مع قولِه: "بذاتِهِ" كثيرٌ مِن المتكلِّمِينَ مِن الشُّرَّاحِ وغيرِهم؛ لأنَّها تُثبِتُ الاستواءَ حقيقةً، وكان خَطَؤُهم فيها على وجهَيْنِ: الوجهُ الأوَّل: شكَّكوا في ثبوتِها عنه، وزعَمَ بعضُهم إقحامَها في كتابِه، منهم: أبو عَلِيٍّ البِجَائِيُّ؛ كما ذكَرَهُ الفاكِهانيُّ عنه (١)، وزَعْمُ إقحامِها عسيرٌ؛ فهي في كتبِ الشروحِ قديمِها وحديثِها، حتَّى شروحِ المتكلِّمين، ورَدَّ تلك الدَّعْوَى المتكلِّمُونَ أنفُسُهم؛ كابنِ نَاجِي التَّنُوخيِّ (٢)، وهذه اللفظةُ: "بذاتِهِ" في الأصولِ الخَطِّيَّةِ لكتابِ "الرسالةِ"، وعليها سَمَاعاتُ الأئمَّة، وكثيرٌ مِن المتكلِّمِينَ استنكَرَها على المؤلِّف، وتأوَّلها، ولم يقلْ: بأنَّها مدسوسةٌ؛ لاستحالةِ ذلك، ولو كان ثَمَّةَ بابٌ مُحتمِلٌ لكونِها مدسوسةً، لَأَظْهَرَهُ المحقِّقون منهم؛ فإنَّه أيسَرُ مِن تكلُّفِ التأويلِ. وقد أثبَتَها طُلَّابُ ابنِ أبي زَيْدٍ والقَرِيبُونَ منه زَمَنًا في شَرْحِهم لها؛ كأبي بَكْرٍ محمَّدِ بنِ مَوْهبٍ، وأبي عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيِّ، وعبدِ الوَهَّابِ البَغْداديِّ، ومَن جاء بعدَهم (٣)، وهي عبارةٌ مستعمَلةٌ في زمَنِ ابنِ أبي زَيْدٍ وقبلَه. وقد رأيتُها في نسخةٍ خَطِّيَّةٍ عتيقةٍ من "الرسالة"، لابن أبي زَيدٍ القَيرَوانيِّ، عليها سماعُ البقاعِيِّ عن ابنِ حجَرٍ العَسْقَلانيِّ بإسنادِهِ المتصِلِ
следующие страницы →