← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك إعداد أسماء بنت محمد توفيق بن بركات مُلا حسين

стр. 2

كل الحقوق محفوظة ولا يجوز إقتباس أو تقليد أو إعادة طبع أي جزء من هذا الكتاب أو تخزينه، في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي طريقة دون إذن خطي مسبق من الناشر الناشر: مكتبة النافذة المدير المسئول: سعيد عثمان الجيزة: ٢ شارع الشهيد أحمد حمدي - الثلاثيني - فيصل تليفون وفاكس: ٧٢٤١٨٠٣ E-mail: alnafezah@hotmail.com

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فإن العلم بالله تعالى ومعرفة ما ينبنى عليه الإيمان به من توحيده بأفعاله وأسمائه وصفاته، وما يستحقه من أنواع العبادة الخالصة لمن أجل العلوم والمعاوف التي تتسامى الآمال للاستزادة منها، لذا فقد حرص أهل العلم الشرعي في القديم والحديث على الاستزادة منه، ومعرفة أركانه وقواعده؛ ومن ثم كتابة المصنفات المتعددة فيه، فلا تكاد ترى عالمًا مبرزًا إلا وله في هذه الأصول مقالات وآراء. ولظهور الانحراف في منهج التفكير عند علماء الأمة تأثرًا بالتيارات المبتدعة والاهواء المضللة؛ تباينت تلك المصنفات والاتجاهات أشد التباين، واختلفت المفاهيم وتغايرث حول تلك الأصول والمبادئ، التي كان العلم بها كما فهمها السلف الصالح محل اتفاق وإجماع في العصور المباركة.

стр. 4

وقد تعددت مظاهر ذلك الانحراف ما بين سلوك واعتقاد وفكر وطريقة في الفهم والاستنباط، كنتيجة حتمية وثمرة لازمة لانحرافهم في مصادر التلقى ومناهج الاستدلال. فتأكد الدفاع عن الحق نتيجة لذلك، إذ معرفته فقط لم تعد كافية، حيث عمت البلوى بانتشار البدع العقدية في أرجاء البلاد الإسلامية، وذلك تحت مسميات المذاهب المختلفة، كالفرق التي استجدت في واقع الأمة المسلمة، بعد وفاة النبي ﷺ ، وأصبح من الواجب التصدى لهؤلاء المبتدعة بما يحصل به إظهار الحق ورد الباطل، وذلك بالعودة إلى منابع الصدق واليقين: الكتاب والسنة، دون تعسف أو جور، وإنما بتحرى العدل والإنصاف تأسيًا بمنهج الكتاب والسنة وهدى علماء السلف رضى الله عنهم، فليس الهدف هو الانتصار للنفس وما تقرر فيها، وإنما إحقاق الحق والعدل الذي قامت به السموات والأرض، كل ذلك مقرونًا بتحرى الحكمة والجدال بالتى هي أحسن، كما أمرنا المولى ﵎؛ تأسيًا بهدى المصطفى ﷺ في دعوته، حيث قال آمرًا نبيه ﷺ في محكم التنزيل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. ولما كان البحث في هذه القضايا العقدية بهذه الأهمية حيث أنيط بتحرى العدل والانتصار للحق فيه: الدفاع عن عقيدة السلف الصالح ومنهجهم في تقريرها؛ وجدت أنه من المفيد النافع اختيار شخصية شعرية يكون لها بروز وأثر علمى في تقرير المسائل العقدية؛ خصوصًا وقد علم ما للمذهب الأشعري من هيمنة على كثير من المؤسسات العلمية في كثير من الدول الإسلامية في وقتنا الحاضر. إذ تأتى الأشعرية؛ كأبرز مذهب فكرى ينتسب إلى الإسلام على أنه من خالص التعاليم وحقيقة الدين، مع ما فيه من المحدثات العقدية مقننة بشبه عقلية وفلسفية، ومع ما فيه من بدع سلوكية، روج لها المتصوفة الذين انتسبوا إلى ذلك المذهب، تحت مصطلحات بدعية، وأفكار مستوحاة من أديان وضعية ومحرفة، أثرت كثيرًا

стр. 5

في أوساط عامة المسلمين بل وحتى علمائهم؛ مما أدى إلى ضمور دائرة الوعى العقدى عتد كثير من العلماء والمحدثين والمفسرين في تلك المجتمعات. وهنا تظهر أهمية دراسة هذه الفرقة، للأسباب التالية: الأول: سعة انتشارها بين أفراد الأمة المسلمة. ثانيا: وقوع الكثير في الالتباس بحقيقة أمرها، إذ يعتقد فيها موافقة لحقيقة الدين الموحى به من عند الله جملة وتفصيلًا. ثالثا: تأثر الكثير من العلماء بأفكارها ومناهجها من مفسرين ومحدثين، إذ لا يكاد طالب علم ينجو من مطالعة آرائها، وتحقيقات علمائها في كتب التفسير، وشروح الحديث والفقه والأصول، مما يستدعى إلمامًا بردود السلف على مثل تلك الشبه المقننة بمناهج مفكرى ذلك المذهب. رابعًا: انتساب الكثير من أكابر الصوفية المتأخرين للمذهب الأشعرى، حتى لا تكاد تقف على علم من أعلام الصوفية المتأخرين وإلا وهو يذهب مذهب الأشاعرة في أصول الاعتقاد، فمن الملاحظ على علماء الأشاعرة خصوصًا المتأخرين منهم ارتباط مذهبهم بالاتجاه الصوفى، حيث يمثل المنحى الأخلاقى السلوكى المنظر لأصول العقائد في واقع المريد، ودون أن يكون هناك أي تعارض بين أفكار الصوفية المغرقين في ركام الجهل بما يجب لله تعالى من تعظيم وإجلال، وبين ما انبنى عليه المذهب الأشعري في مسائل المعرفة والتوحيد (١). هذا وقد وجدت أن في اختيار آراء الشيخ الصاوى ﵀ محلا للدراسة والنقد ما يخدم ذلك الهدف المرجو؛ خصوصا والدراسات العقدية حول آراء المتأخرين من علماء الأشاعرة قليلة ولا تزال محل اهتمام الباحثين، مع العلم بأنها تمثل الواقع العلمى لأفكار كثير من المنتسبين للمذهب الأشعري في العصر الحديث. ولإرادة الوقوف على أقوال السلف في مهمات العقائد المستنبطة من أدلة الكتاب

стр. 6

والسنة فقد وجدت من نفسى انشراحًا وإقبالًا لدراسة آراء هذا العلم البارز في الفكر الأشعري على جهة الاستقصاء والتحرى، فكانت هذه الأسباب الآنفة الذكر، يسبقها ابتغاء ما عند الله والدار الآخرة، والنصح لدين الله، وإنصاف هذا العالم؛ هي ما دعانى لاختيار موضوع هذا البحث سائلة المولى أن يتقبله في موازين الحسنات، وأن يتجاوز عن النقص والتقصير، إنه ولى ذلك والقادر عليه. * * *

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإن الله قد أرسل رسوله ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقد بلغ الرسول ﷺ الرسالة وأدى الأمانه ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فجزاه الله خير ما يجزى نبيًا عن أمته. ثم إن الصحابة - رضوان الله عليهم - قد سلكوا من بعده طريقه وبينوا الحق وعملوا به وردوا الباطل وجاهدوا في سبيل الله جهدهم وتتابعت على ذلك الهدى الأمة خلفًا عن سلف، وسيبقى الحق ظاهرًا إلى قيام الساعة كما أخبر بذلك النبي ﷺ . ومع ذلك فقد عرضت للأمة فترات نشأ فيها الجهل بالسنة، وغلب عليها التأثر بمناهج مخالفة ومناوئة للحق وأهله، فتحقق ما أخبر به النبي ﷺ من تفرق الأمة واختلافها، وأصبحت المناهج الكلامية والصوفية هي الرائجة في بعض الفترات وأصبح الإسلام الحق غريبًا بين أهله في بعض الأماكن، وبلغ الأمر إلى الجمود على هذه المناهج، وكان ذلك من أهم أسباب ضعف الأمة وتخلفها، ولا سبيل هنا إلى شرح مظاهر ذلك التخلف في الجوانب العلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها من الجوانب؛ إذ للحديث عن هذا مجالات أخرى. وفي مرحلة من مراحل الجمود العلمى هذه كان الشيخ أحمد الصاوى ﵀، وقد أشارت الباحثة الفاضلة في توطئة البحث إلى شيء من مظاهر الضعف العلمى والسياسى وغيرها. وكانت غالب جهوده العلمية كغالب أهل عصره تعبيرًا عن هذه المرحلة، حيث اتخذ المنهج الكلامى وبخاصة الاتجاه الأشعري طريقة في الاستدلال والنظر، كما اتخذ المنهج الصوفى طريقة في السلوك والعبادة، وهذه سمة من سمات تلك

стр. 8

الفترات، حيث تجد المتمذهب بأحد المذاهب الفقهية المعروفة متبعًا طريقة المتكلمين في الاعتقاد سالكًا طريقة من طرق التصوف في العبادة والسلوك. وقد كان للشيخ الصاوى ﵀ مؤلفات كثيرة شملت جوانب متعددة وغالبها شروح وتعليقات على متون في العقائد الكلامية والتفسير والتصوف والفقه. وقد أحسنت الأستاذة الفاضلة أسماء بنت محمد توفيق بركات، حين اختارت البحث في آراء الصاوى في العقيدة والسلوك، حيث بينت المنهج الذي سلكه وأثر ذلك عليه، وبيان موقفه من مسائل الاعتقاد والسلوك ومناقشة ذلك كله بالأدلة من الكتاب والسنة وفق منهج السلف الصالح. وقد وفقت في ذلك كله، زادها الله توفيقًا وسدادًا، وهذه الدراسة مثال ينبغى أن يحتذى في نقد الآراء والكتب المخالفة لأهل السنة، كما ينبغى أن تتكاتف الجهود لإظهار عقيدة أهل السنة بتقريرها وبيان دلائها ونقد كل ما يخالفها. والذي أعلمه من الطالبة أنها كانت أثناء كتابتها للبحث شديدة الحرص تبين الحق بدليله، حريصة على ألا تنسب للصاوى ﵀ ما لم يقله بمجرد احتمال قوله لذلك، وكانت أشد حرصًا على أن يكون نقدها مستندًا إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد ظهر هذا في كتابتها فجزاها الله عن ذلك خير الجزاء. وحيث أعلم أن في نية الباحثة الفاضلة إكمال هذا الجهد العلمى الموفق بنقد تفصيلى لحاشية الصاوى على الجلالين فإنى أرى هذا من تمام توفيقها؛ إذ علمنا ما لتفسير الجلالين وحواشيه من انتشار وشهرة. والله أسأل أن يوفق الباحثة الفاضلة إلى كل خير، وأن ينفع بها، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم إنه سميع مجيب. بقلم فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الله بن محمد القرني كلية الدعوة وأصول الدين قسم العقيدة ٢٢/ ٢/ ١٤٢٦ هـ

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين. نحمده حمدًا كثيرًا طيبًا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، والمبعوث رحمة وهداية للناس أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تمسك بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد .. فقد يكون واضحًا: أن علماء الأمة الإسلامية الذين اغترفوا من بحار العلوم الإسلامية، قد قدموا للأمة انطلاقات علمية كانت رائدة، ومعالم مضيئة في طريق السائرين. ومن هؤلاء العلماء الأعلام الإمام الشيخ الصاوى الذي برز في التفسير، وعلم الكلام، والتصوف. وكان كأهل زمانه متأثرًا بالتصوف ومذاهب علم الكلام خاصة الأشاعرة، "أهل السنة" في ذلك العصر. ومما يحسن أن نشير إليه. أن علم الكلام عنى به علماء الأمة ومفكروها الأوائل باعتباره: علم الفقه الأكبر. لأنه متعلق بأصول الدين والإلهيات وقضايا الإيمان، ولكن هذا العلم الأصيل. قد اختلط بالفلسفة والمنطق. مما جعله يتعرض لنقود علماء لا يرتضون الفلسفة ولا المنطق. كذلك التصوف الإسلامى. قد اقتحمت عليه الأبواب المذاهب الغنوصية الباطنية فكان لا بد من محاولة رد الزيوف، وتصحيح المواقف، وبيان ما خرج عن المنهج السنى الصحيح. ويبدو أن الباحثة: أسماء محمد توفيق في دراستها. التي قدمتها عن آراء الصاوى تميزت بالحكمة في العرض، وحسن الاستنتاج والاستنباط. وقد ساعدها على ذلك ما يلى: أولًا: سعة اطلاع الباحثة على مسائل علم الكلام، وفهمها لقضاياه ومشاكله في

стр. 10

وعى ودقة. ومما هو واضح أن الذي يتعرض لدراسة علم الكلام يكون أقدر على نقده، والتنبيه على ما فيه. ثانيًا: قدرة الباحثة على الوقوف على المصادر والمراجع ببصيرة وبصر. وقد أمدها هذا الوقوف بتفوق وحسن تدبر. ثالثًا: مرونة الباحثة في تناول المفردات المعرفية. لذا لم تتعرض للإسقاطات، ولا النقائض التي قد تبعد في كثير من الأحوال البحوث العلمية عن الإفادة. رابعًا: الباحثة: ذات آفاق عقلانية، وتطلعات علمية. مكناها من التطلع إلى ما هو أقدر على الاستنباط. ولا يخفى. أن الباحثة أسماء محمد توفيق. قد استطاعت أن ترتاد طريق التأليف بعمق وموضوعية. فأخرجت للمكتبة العربية والإسلامية عملًا رائدًا في موضوعه. وإذا كان الإمام الصاوى لم يتعرض كثيرًا لنقود العلماء فيما اشتملت عليه رؤاه، فإن الباحثة استطاعت أن تصحح كثيرًا من أفكاره. خاصة فيما يتصل بعلم الكلام والتصوف. والنقد والتصحيح علامة صحة وعافية، ودليل علم ومعرفة، ومعلم من معالم يقظة الأمة. وقديمًا حينما ترجمت الفلسفة الإغريقية - في عصر الترجمة - وافتتن بها كثير من المثقفين المسلمين وجهت إلى الفلسفة نقود هائلة وكبيرة. نذكر منها: ١ - تهافت الفلاسفة للإمام أبي حامد الغزالي. ٢ - تهافت الفلاسفة للعالم علاء الدين الطوسى. ٣ - تهافت الفلاسفة للشيخ قطب الدين أبي الحسين. ٤ - تهافت الفلاسفة للخواجه زاده مصلح الدين. ٥ - تهافت التهافت. للفيلسوف ابن رشد.

стр. 11

هذه النقود التي جاءت على ما أدخل على المسلمين من قضايا فلسفية تخالف ما جاء به القرآن الكريم، مكنت المسلمين من الرد على ما يثار من الشبهات. ومما هو يقينى. أن النقود التي وجهتها الباحثة العالمة: أسماء محمد توفيق لها في وعى الأمة ضرورة حياتية، وتقدير، لأن كثيرًا من المفاهيم والمصطلحات لا تنتشر بين الناس إلا عن طريق التقلب، والأخذ، والرد. وإذا كان علم الكلام يعتبر فلسفة المسلمين، والتصوف هو علم السلوك - كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله - فإن الباحثة استطاعت أن تعرض لقضايا تناولتها من خلال المنظور العقدى. والعقيدة الإسلامية هي النافذة التي يطل منها المسلمون على كافة حقائق العلوم، والوجود، والأفكار، والمذاهب، والاتجاهات. وإذا كان المتأثرون بعلم الكلام والتصوف أنطلقوا من العقيدة لعمل إطار فلسفى فكرى فإن ما قامت به الباحثة من محرض ونقد وتقرير. يمثل إضافة حية. لأن المواقف تحكم بحركة الإنسان وتواجداته. أ. د: أحمد عبد الرحيم السايح الأستاذ في جامعة الأزهر وقطر وأم القرى المستشار: توفيق على وهبة المستشار الأسبق في وزارة الداخلية السعودية (الأمن العام)

стр. 12

الباب الأول: حياة الشيخ الصاوى ويتضمن ثلاثة فصول: الفصل الأول: عصر الصاوى الفصل الثاني: حياة الصاوى الفصل الثالث: منهج الصاوى

стр. 13

الفصل الأول: عصر الصاوي فيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: الحالة السياسية المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية المبحث الثالث: الحالة العلمية والدينية

стр. 14

(المبحث الأول): الحالة السياسية لقد كان مولد الشيخ الصاوى سنة: خمس وسبعين ومائة وألف من الهجرة النبوية ١١٧٥ هـ، وكانت وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف من الهجرة: ١٢٤١ هـ، الموافق سنة ١٨٢٥ م. ويعنى ذلك أنه عاصر نهاية الدولة العثمانية حيث عاش في ظل حكمها نيفًا وخمسين عامًا، ونحو عشرين عاما في ولاية محمد على باشا الذي تولى حكم مصر سنة: ١٨٠٥ م إلى سنة: ١٨٤٩ م. ولما كان الصاوى من جملة الأفراد الذين لم يكن لهم أثر يذكر في الحياة السياسية؛ فسأكتفى ببيان الخطوط العريضة التي يمكن من خلالها فهم الأوضاع في تلك الآونة. ففى هذه الفترة كان العالم الإسلامى ممزقًا إلى عدد من الدول، ففى المشرق كانت تتزعمه ثلاث دول إسلامية؛ الدولة العثمانية في تركيا والجزيرة العربية، والدولة الصفوية في فارس، والدولة المغولية في الهند. وكانت الدولة العثمانية هي أضخم الولايات الإسلامية وأهمها من حيث الموقع الدولى؛ حيث توسطت بين القارات الثلاث، فهى المشرفة على أهم الممرات التي تصل بين أقطار العالم، والمكانة الدينية؛ لما نالته من شرف حماية الاماكن المقدسة؛ مكة المكرمة، والمدينة النبوية، والقدس. كما كانت تحتل جزءًا كبيرًا في شرق وجنوب شرق أوربا، إلى جانب ممتلكاتها في الشام وشمال إفريقيا والجزيرة العربية، فكانت تحكم مقاطعات أوربية مهمة كالمورة والبوسنة ومولوفا، أي على الخريطة الحالية اليونان وبلغاريا وصربيا وألبانيا والبوسنة والهرسك وبحر إيجه بالكامل، وقد وصل حجم هذه الممتلكات إلى قرابة (٢٣٨٠٠٠) ميل مربع من الأراضى الأوربية، بينما يبلغ حجم رعاياها الأوربيين ثمانية ملايين نسمة (١).

стр. 15

ولما كانت الحقبة الزمنية الأخيرة من الحكم العثمانى هي محل الاهتمام والتحرى في هذا البحث فسأقتصر عليها لتوضيح هذا المبحث. لقد كان في سيطرة العثمانيين، ومد زعامتهم على الأقطار الإسلامية توحيد لها بعد أن كانت كيانات متنافرة منذ أن سقطت الوحدة الإسلامية بسقوط الخلافة العباسية، وبصفة خاصة بعد أن تعرضت بغداد للتدمير المغولى الشامل في منتصف القرن الثالث عشر الميلادى الموافق منتصف القرن السابع الهجرى (١). وهذه الوحدة الإسلامية التي حظيت بها الدول المسلمة تحت سيطرة الخلافة العثمانية كانت سببًا في حمايتها من أطماع الكثير، فقد حالت دون الصفويين الشيعة ودون السيطرة على العالم العربى، عندما اتجهت أطماعهم لضم العراق - أعادها الله لحوزة الإسلام والمسلمين - بحجة ضم مزارات الشيعة في النجف وكربلاء. كما استطاع العثمانيون إيقاف توغل الاستعمار البرتغالى في البحار الإسلامية من البحر الأحمر والخليج العربى، بعد أن عجز المماليك وحلفاؤهم العرب من المغاربة وغيرهم من الوقوف أمام تهديدات البرتغال للأقطار المسلمة، حتى أنها أصدرت أمرًا بمنع المراكب المسيحية من دخول البحر الأحمر بحجة أنه يطل على الأماكن المقدسة، وقد كان لهذا العمل الجليل أهميته حيث حال دون الغزاة وتحقيق أطماعهم من الدولة المسلمة دهرًا من الزمن، إلى غير ذلك من الأعمال التي تمكنت بها الدولة العثمانية من فوض حمايتها على سائر الأقطار الإسلامية، وبقى الأمر على هذا إلى أن دب الضعف في كيان الدولة (٢). فمنذ أوائل القرن الثاني عشر الهجرى صارت الدولة العثمانية رهينة للزوال والانهيار وذلك بعد أن بلغت ذروة مجدها في القرن العاشر الذي بلغت فيه أقصى فتوحاتها في دولة أوربا، ولكن بعد أن تمكنت منها عوامل الضعف ونخرت فيها

стр. 16

مقتضيات الانهزام حيث انهمك غالب الأمراء والأجناد في جمع الأموال والانغماس في الشهوات وضعف التمسك بهدى الإسلام وتعاليمه الوضاءة، طمع الأوربيون المستعمرون بإزالتها واتفقوا على اقتسام ثرواتها، وأطلقوا عليها مسمى: الرجل المريض (١). وفى تلك الأثناء وقبل أن يتحقق حلم المستعمرين استبد كثير من الولاة والأمراء وبعض الوجهاء بالحكم في مناطق نفوذهم، وذلك نتيجة لانشغال الدولة العثمانية بالحروب التي انهكتها ضد أعدائها من الروس، وعلى صعيد مصر ظهر على بك الكبير كصاحب السلطان الأكبر، وقد استطاع الانفراد بالسلطة في ظل تلك الأجواء التي كانت تعيشها الدولة العثمانية، وقد كان على بك أحد المماليك، ولكنه تفوق على جميع منافسيه بما أوتى من شجاعة وقوة وطموح وقسوة، حتى تقلد عددًا من الإمارات إلى أن عين أميرًا للحجيج وكبيرًا للمماليك عام: ١١٧٧ هـ. ولما أرد على بك أن يصطفى مصر لنفسه قتل منافسيه من الرؤساء والأقران، وباقى الأعيان، وفرق جمعهم في القرى والبلدان، وتتبعهم خنقًا وقتلًا، وأبادهم فرعًا وأصلًا وأفنى باقيهم بالتشريد، وجلوا عن أوطانهم إلى كل مكان بعيد، واستأصل كبار خشداشينة وقبيلته، وأقصى صغارهم عن ساحته وسدته، وأخرب البيوت القديمة، وأخرم القوانين الجسيمة والعوائد المرتبة والرواتب التي من سالف الدهر كانت منظمة، وقتل الرجال واستصفى الأموال وحارب كبار العربان والبوادى وعرب الجزيرة والهنادى وأعاظم الشجعان ومقادم البلدان، وشتت شملهم وفرق جمعهم واستكثر من شراء المماليك وجمع العسكر من سائر الأجناس، واستخلص بلاد الصعيد وقهر رجالها الصناديد ولم يزل يمهد لنفسه حتى خلص له ولأتباعه الإقليم من الإسكندرية إلى أسوان (٢). ولما علمت الدولة العثمانية بهذا الاستقلال أزعجها ذلك فأرسلت إلى رجالها

стр. 17

بمصر أمرًا بقتل على بك، إلا أن على بك كان مترقبًا لتحركات الدولة حيث علم بما تكنه من عداء لشخصه الطموح، لذلك فقد علم بحال الرسول وما أرسل به، فكلف رجاله بقتله، وأعلن أمام المماليك أن الدولة تأمر بقتلهم جميعًا، ولما تمتع به من فصاحة وقدرة على التأثير فقد استطاع أن يجلب المماليك لصفه، حينها أعلن استقلال مصر عن الدولة العثمانية وكان هذا أول انفراد حكمى يحظى به حاكم في مصر (١). وعاشت مصر في ذلك الوقت في شبه استقلال من سيطرة العثمانيين، ولكن طموحات على بك لم تتوقف عند هذا الحد، فقد حملته أطماعه في احتلال عدد أكبر من الولايات على خوض عدد من المعارك والحروب كان لها أثر سيئ في إرهاق اقتصاد البلد، ولدفع هذه الاحتياجات عمد إلى فرض الضرائب الباهظة على قرى مصر فوق ما كانت تنوء به من نفقات الخراج، ولكل هذا فقد كان من الطبيعى أن تتصاعد صيحات الجماهير وتكثر شكاواها من ظلم النظام الحاكم (٢). وفى سبيل تحقيق أطماعه التوسعية "فقد تخابر على بك مع قائد الدونانمة الروسية بالبحر المتوسط ليمده بالذخائر والأسلحة حتى يتم له استقلال مصر، فساعده القائد الروسى رغبة في وجود الحروب الداخلية في الدولة، وبذلك أمكن على بك فتح مدائن غزة ونابلس وأورشليم ويافا ودمشق" (٣). ولكن تلك الأطماع لم تتوقف عند هذا القدر بل أخذ بالاستعداد للسير إلى حدود بلاد الأناضول وهناك أفل نجمه، إذ ثار عليه أحد بيكاوات المماليك وهو محمد بيك الشهير بأبى الذهب، فعاد على بك إلى مصر لمحاربته فانهزم، حيث وقع في الأسر مع أربعة من ضباط الروس، ثم لقى حتفه إثر ما أصابه من الجراح، وقطع رأسه وسلم مع الأربعة الضباط إلى الوالى العثمانى: خليل باشا (٤).

стр. 18

وبعد سقوط على بك الكبير تولى مكانه محمد أبو الدهب زمام السلطة، وقد عم الأمن والرخاء بلاد مصر في حكمه، وعاش الناس في هدوء واستقرار، وذلك بالرغم من قصر مدة حكمه، وقد بنى مسجده ومدرسته أمام الجامع الأزهر، ورتب لها وقفًا كبيرًا، كما وقع اختياره على الشيخ الدردير ليكون فقيه المالكية في تلك الآونة. وبعد وفاة محمد أبو الدهب سنة: ١١٨٩ هـ صارت قبضة الحكم في مصر لإبراهيم ومراد بالتساوى بينهما، وكانا من مماليك أبي الدهب، وقد استمر حكمهما لمصر أكثر من عشرين عامًا، قاست في خلاله أشد أنواع الظلم والجهل والعدوان، فقد كانت حياة المصريين في تلك الآونة سلسلة من مآسى الظلم والفقر والنكبات، حيث فرضت الضرائب الفظيعة التي لم يعهد لها الناس مثيلًا من قبل. كما انعدم الأمن في البلاد، فكان المسافر يستأجر الأعراب لحراسته كى ينقل من بلد إلى بلد، وهاجر الفلاحون إلى القاهرة بنسائهم وأولادهم يضجون من الجوع ويأكلون قشر البطيخ وأوراق الشجر، حتى استباحوا أكل الميتة من شدة ما حل بالناس من الفقر المدقع (١). ولكل هذا مع ما كان من إهمال الولاة والعثمانيين أمر الرى وتوزيع المياه، فقد وصلت الحالة الاقتصادية في مصر لأسوأ ما يمكن الوصول إليه حيث أصيبت الأرض بالتلف وتعرضت الترع للجفاف، وتعطلت من أجل ذلك الزراعة. وقد أدى هذا التدهور في شتى مجالات الحياة إلى ضعف الناحية العسكرية فقد أهملوا في تحصين البلاد التي تسلموا زمامها، واضمحلت في عهدهم الإسكندرية حتى اشرأبت إليها أعناق الطامعين من الغزاة الأوربيين (٢). الاضطرابات والقلاقل السياسية: لقد شهد العصر الذي عاش فيه الصاوى عددًا من الاضطرابات السياسية، فعندما

стр. 19

استبان الأوربيون ضعف الدولة الإسلامية وعدم قدرتها على الصمود أمام الحملات الشرسة التي كانت تشنها على عدد من أطرافها تجدد طمعهم في شن حملات صليبية، فكانت رحلات المكتشفين إرهاصات كشفت عن تلك النوايا الخبيثة، ومن تلك الرحلات التي أمت بلاد المسلمين: رحلة فولنى الذي أرسل إليها من قبل فرنسا، فقد مكث أربع سنوات في مصر والشام، لاستكشاف الأوضاع هناك، ثم عاد إلى وطنه مقدمًا لها تقارير عن حال بلاد الإسلام، وما أصيبت به من ضعف واضطراب، مما يؤكد عمالة هذا الرجل أنه في أثناء الحملة الفرنسية عين عضوًا في المجمع الفرنسى، وكان قبل ذلك أستاذًا للتاريخ في مدرسة المعلمين بباريس. انتهزت حكومة الإدارة تلك الفرصة وعجلت بتنفيذ الحملة الفرنسية موجهة إياها إلى مصر، في يوليه: سنة ١٧٩٨ م، وقد ظنت لسوء أحوال الشعب هناك وما ذاقوه من ظلم المماليك أنهم سيقفون في صفها ويلقونها بالتهليل والترحيب إلا أنه وقع ما لم يكن بالحسبان، فالشعب المصرى المسلم لم يتقبل هذا النوع من الانقلاب العسكرى لأنه كان على علم بأنه لا يخرج عن الاحتلال الصليبى الذي يأنفه المسلم الأبى، ويبذل من أجل رفعه النفس والنفيس، فكرهوا أمر هذه الحملة ومقتوها مقتًا شديدًا. وفى أثناء بقاء هذه الحملة في مصر حدث في أوربا ما أضر بفرنسا وذلك أن نابليون تسلل خفية إلى فرنسا في سنة ١٧٩٩ م، وبقى الجيش الفرنسى في مصر دون أن يبلغ أطماعه بعد، إلى أن تم انسحابه منها في نهاية المطاف بالاتفاق مع بريطانيا (١). ومع عدم تحقق أحلام الطامعين في الانتصار إلا أن هذه الحملة قد مثلت طورًا انتقاليًا في خطوط التدافع بين الدولة العثمانية والعالم الغربى، فقد شكلت الحملة الفرنسية نقلة نوعية في مسار الصراع بين قوى الغرب الصاعد وبين دورة الاجتماع العثمانى. وتتمثل الخاصية الأساسية لهذه النقلة فيما انطوت عليه هذه الحملة من

стр. 20

إرساء لخطوط صراع جديدة تستجيب لاحتياجات أهداف استراتيجية، الغرض منها تفكيك توازنات الدولة العثمانية (١). وهذا التحول في السياسة الخارجية الأوربية قد أدى بدوره إلى انقلاب وضعى خطير، تحولت به الدولة العثمانية من خط الهجوم إلى خط الدفاع كما انتقل العالم الأوربى إلى موقع الهجوم. وقد حدثت أثناء الدفاع تحولات كبيرة في الواقع المصرى كان من أهمها: ولاية محمد على: فعلى أثر تلك الحملة الفرنسية التي استهدفت تقويض أمن البلاد حضرت قوة ألبانية تم تجميعها في إطار الجيش العثمانى لمعاونة الجيش المقاوم، وقد كان في مقدمتها الشاب الألبانى محمد على الذي استطاع في خلال فترة زمنية قصيرة أن يحوز على إعجاب قائده، والذي قام بترقيته إلى أن صار الرجل الثاني في هذه القوة، ولما كان يتمتع به من طموح وقوة وشجاعة ودراية فقد دخل في سلسلة من التحالفات والحروب مع العثمانيين والمماليك. فقد أظهر محمد على منذ بداية حضوره على مسرح السياسة في مصر قدرة عالية على استيعاب دهادارة الصراع مع كافة القوى التي تحتل خارطة السلطة، مظهرًا بذلك ما يمتلكه من خبرة كبيرة في استخدام أساليب وتقنيات العمل السياسى السلطوى. ولكن هذه الميزة الأساسية في شخصية محمد على لم تكن كافية في تمكينه من السيطرة على الحكم لولا توفر مقتضيات أساسية ساهمت مساهمة كبيرة في تمكينه من ذلك - بعد مشيئة الله - وقد تمثلت في الكتلة الشعبية التي كان يقودها السيد عمر مكرم، وإليها يعود الفضل - بعد الله - في توفير الشروط الأساسية التي أمنت لمحمد على مصادر القوة السياسية والشرعية التي تمكنه من التغلب على كافة القوى المناوئة له بحلول عام: ١٨٠٨ م (٢).

стр. 21

ويحكى الجبرتى (١) قصة توليه الحكم، وكيف أنه كان بتأهيل الرعية له، وركب الجميع - الأهلى - وذهبوا إلى محمد على وقالوا له: إنا لا نريد هذا الباشا حاكمًا علينا، ولا بد من عزله من الولاية، فقال: ومن تزيدونه يكون واليًا؟ قالوا له: لا نرضى إلا بك، وتكون واليًا بشروطنا لما نتوسمه فيك من العدالة والخير، فامتنع أولًا ثم رضى، وأحضروا له كركًا وعليه قفطان، وقام إليه السيد عمر، والشيخ الشرقاوى فألبساه له، وذلك وقت العصر، ونادوا بذلك في تلك الليلة في المدينة (٢). هذا وقد قادت تلك الحملة الفرنسية حملة أخرى من بلد أوربى آخر، فكانت: الحملة الإنجليزية على مصر في فبراير سنة: ١٨٠٧ م، فقد توجهت حملة شرسة من قبل انجلترا بقيادة الجنرال "فريزر" وتعود أسباب هذه الحملة إلى انتقاض المعاهدات السياسية بين انجلترا وتركيا، فقد استاءت أشد الاستياء لانحياز تركيا إلى جانب فرنسا، فساءت العلاقات بين الدولتين حتى انتهت بإعلان الحرب بينهما. وصلت مصر أنباء هذه الحملة الإنجليزية قبل مقدمها إليها، وذلك عبر الرسائل الواردة من الأستانة، فأخذ الشعب المصرى بالاستعداد لمقاومتها، وتولى القيام بشؤون هذه المقاومة السيد عمر مكرم، فكان نعم الزعيم الشجاع الحازم. ومن جهة أخرى فقد أخذ محمد على يعد العدة للزحف على الاسكندرية وتخليصها من الإنجليز؛ حتى مقدم رسول الجنرال الإنجليزى الذي حمل له رسالة من أميره يطلب فيها المفاوضة في الصلح على أن يجلو الجيش عن الإسكندرية، وأبرمت على أثر ذلك معاهدة تقضى بخروج الجنود الإنجليز عن الإسكندرية في مقابل إعادة أسراهم وجرحاهم، وذلك بعد عدد من المعارك والحروب الضارية التي

стр. 22

دارت بين المقاتلين الإنجليز وبين المصريين المجاهدين في رشيد، وحماد. وكانت هذه نهاية الاحتلال البريطانى الذي استمرت مدته ستة أشهر (١). وكان لهذه المعاهدة أثر واضح في بقاء محمد على حاكمًا على البلاد، فقد حولت هذه الاتفاقية الانتباه الأوربى والعثمانى بعيدًا عن مصر لفترة زمنية لا بأس بها، وهو ما مهد الطريق أمام محمد على لتثبيت سلطانه، وإدارة شؤون البلاد بلا أية تدخلات عثمانية، أو أوربية تذكر، فلقد غيرت المعاهدة الأبعاد الجغرافية المهمة للعبة الأوربية، فوضعت مصر في أولوية متأخرة، على عكس الحملة الفرنسية، فبات من الواضح أن المعركة الكبرى كانت ستدور في القارة الأوربية وليس خارجها، وهو ما أبعد عن مصر بلاء لا يعلم مساوئه إلا الله (٢). - مذبحة المماليك بالقلعة سنة ١٨١١ م: لقد عزم محمد علي على تجهيز حملة لمحاربة دعاة التوحيد في نجد؛ وذلك تلبية لأوامر الأستانة، ولكنه خشى من انقلاب عسكرى يقوم به أعداؤه من المماليك إذا غادر مصر مما قد يؤدى إلى نزع السلطة من يده، فرأى أن السبيل الأمثل للاحتفاظ بسلطانه وإبقاء حكمه هو التخلص ممن تبقى من المماليك، فأعد خطة لتحقيق هذه الفكرة الخطيرة، حيث دعا وجهاء الناس لحضور مهرجان فخم بالقلعة في أول مارس ١٨١١ م، وذلك للاحتفال بإلباس ابنه طوسون خلعة قيادة الجيش المزمع بعثه إلى الأراضى الحجازية، فحضر جميع الأمراء، والباشوات، والمماليك وأتباعهم. وبعد خروج موكب الاحتفال وعلى رأسه ابنه طوسون باشا وكبار الموظفين بالدولة أقفل باب القلعة من الخارج إقفالًا محكمًا في وجه المماليك، وانهال الرصاص عليهم دفعة واحدة، وقد استمر الفتك فيهم من ضحى ذلك النهار إلى هزيع من الليل حتى امتلأ فناء القلعة بالجثث الممزقة.

стр. 23

لقد أفنت تلك المذبحة أربعمائة وسبعين من المماليك وأتباعهم في يوم واحد، وفى الوقت نفسه نهبت جنود محمد على باشا منازلهم بالمدينة، وقتلت من تخلف منهم عن الحضور، ثم أرسل إلى عماله في الأقاليم بقتل جميع المماليك القاطنين خارج العاصمة، فقتلوهم وصاروا يتنافسون في إرسال رءوسهم إليه (١). وكان لهذه المذبحة أثر سيئ على حالة الشعب النفسية، فقد أدخل الرعب على قلوبهم، وفقد الشعب بالتالى روح الشجاعة التي كان يتمتع بها، مما أدى إلى تدهور الحياة القومية في مصر إلى أمد طويل (٢). محاربة الدعوة السلفية: لقد قام الإمام محمد بن عبد الوهاب بدعوة إصلاحية تهدف إلى التمسك بما كان عليه سلف الأمة من إقامة الوحى بتطبيق تعاليم الكتاب والسنة، بعيدًا عن البدع والخرافات التي عمت البلاد في تلك الآونة؛ مما أثار ضده الكثير من المغرضين الذين لم يطب لهم مخالفة معهودهم من البدع والمخالفات التي كانوا عليها في الكثير من شؤون حياتهم وعبادتهم، إلا أن العثمانيين لم يلتفتوا لهذه الدعوة، ولا لمن حمل لواءها، حتى عم خبرها أرجاء البلاد، وتعدى إلى مصر والشام، وذلك حين منع الأمير سعود ﵀ مواكب الحجاج من إظهار بدعهم من المزامير والطبول؛ أثناء مجيئهم لأداء مناسك الحج، حيث قام أولئك الحجيج بدورهم بإشاعة الأكاذيب والفتن واتهموا الأمير بمنعهم من أداء الحج، فقد أثار هذا الأمر حفيظة العثمانيين، حيث خافوا على سمعتهم لما وجه إليهم من اتهامات بعدم قدرتهم على حماية مواكب الحجيج، مما يؤدى بدوره إلى زعزعة الثقة بسيادتهم على الحجاز، أضف إلى ذلك ما أدركته الدولة العثمانية من أن الدعوة الوهابية تؤذن بقيام دولة عربية تناوئ الخلافة التركية. ولكل هذه الأسباب؛ فقد عزمت الدولة العثمانية على محاربة هذه الدعوة

стр. 24

بالقضاء على الحكم السعودى، حيث انتهز السلطان العثمانى فرصة الغضب الذي حل بالمسلمين، وثورة أهل تركيا ومصر والشام والعراق؛ بسبب تلك الشائعات المغرضة، فوضعت الخطط، وعبأت علماء الدين الذين هبوا بأقلامهم وألسنتهم يرمون أتباع هذه الدعوة بالزندقة والكفر والخروج عن الإسلام؛ وذلك تمهيدًا لإعلان محاربتها، وإعداد العدة للقضاء عليها. ولتحقيق هذه المرامى السياسية؛ فقد عهد الخليفة العثمانى إلى محمد على بمحاربة هذه الدعوة، ولتنفيذ هذه المهمة فقد أرسل محمد على حملة بقيادة ابنه طوسون إلى الحجاز عام: ١٢٢٦ هـ - ١٨١١ م، واستطاعت الجيوش العثمانية التوغل في أراضى الحجاز حتى تم لها الاستيلاء على مكة والمدينة. وقد قامت عدد من المعارك بين الطرفين، وكانت الحرب فيها سجالًا، إلى أن غادر طوسون البلاد، وقد ضم الحجار إلى أملاك الدولة العثمانية، وقام بالانسحاب من باقي المناطق (١). وتحكى المصادر التاريخية أنه بعد رجوعه إلى مصر أصيب بألم شديد في رأسه وحمى لم يعش بعدها إلا قليلًا، واختلفت الروايات في أسباب موته وكيفيته ومكانه، ولكنهم اتفقوا أن موته كان شديد الوطأة على أبيه، ولكن ذلك الحزن الذي أذهله وآلمه لم يثنه عن المضى في استكمال هذه المهمة الظالمة (٢). ولتعزيز هذه الأعمال الحربية؛ فقد أرسل محمد على حملة أخرى بقيادة ابنه إبراهيم، استهدفت القضاء على الحكم السعودى في نجد، حيث حاصر الدرعية طويلًا حتى سقطت في يده، وقبض على أميرها، وأرسله إلى مصر، وبقى مع من تبقى من جيشه في نجد حتى صيف: ١٨١٩ م فسلم البلاد خربة إلى بعض قوات الجيش العثمانى التي وصلت إلى شبه الجزيرة العربية، وقد شهد هذا الدور نهاية الدولة السعودية الأولى وانهيارها على يد إبراهيم باشا (٣).

стр. 25

- القضاء على الزعامة الشعبية والدينية بنفى عمر مكرم: على الرغم من أن الزعامة الشعبية هي التي مدت يد المساعدة لمحمد على حتى تم له الاستقرار في الحكم، إلا أن أول ما فكر به بعد استقلاله بالسلطة هو التخلص من تلك الجهة؛ وذلك لطمعه بالاستبداد التام بشؤون الحكم، بحيث يمتنع على أي أحد - كائن من كان - أن يتدخل في شأن من شؤونه. ولم يكن لهذا أن يتم لولا تسبب الزعامة في ذلك - بعد مشيئة الله -، فقد دب الحسد والبغضاء في قلوب الكثيرين منهم؛ لما ناله السيد عمر مكرم من المنزلة العلية والرياسة، فقد جمعت شخصية نقيب الأشراف عمر مكرم بين ثلاث محطات تاريخية هامة، ولكل منها خصائصها المميزة، وهى ما تمتع به من حضور سياسى إلى حد غدا فيه صاحب الموقع الأساسى في إعادة توازنات السلطة السياسية في مصر بعد رحيل المحتل. ودور اجتماعى خطير أسهم في الخروج على السلطة القائمة، وذلك بهدف تعديل وتقويم سياستها المتصلة بحقوق الجمهور. ودور دينى تمثل القيام به في مواجهة الإصلاح الداخلى والخارجى، فقد تمثل القدرة على الربط بين ضرورة صلاح السلطة، كشرط أساس من شروط قيام الدولة، وحفظ كيانها السياسى، وبين ضرورة التصدى لغزو الخارج باعتباره ثابتة لما يترتب عليه من ضياع شروط أساسية تتعلق بحفظ كيان الدولة الحاضنة لمصالح الأمة (١). ولكل هذه المقومات الأساسية في تكوين الشخصية الفعالة على الصعيد السياسى والاجتماعى، والتى تم لها الاجتماع في شخصية مكرم فقد أخذ أعداؤه بالكيد ودس الدسائس له من أجل إضعاف مركزه، وتشويه سمعته، فأخذوا بالتزلف لمحمد على من أجل تحقيق هذا الغرض، وكان لهم ذلك حيث تمت لهم الوقعية بين محمد

стр. 26

على وبين عمر مكرم، ولما كان يضمره محمد على في نفسه لهذا الرجل الذي ضاق به ذرعًا وبتدخلاته الكثيرة في شؤون الدولة؛ فقد عزم على عزله من نقابة الأشراف، ونفيه في أغسطس سنة ١٨٠٩ إلى دمياط؛ ليبعده عن القاهرة وأهلها الذين هم مكمن قوته ورهن إشارته. وكان هذا عقابًا متفقًا في رأى محمد على مع الأوضاع الشرعية المألوفة في ذلك الوقت. وبهذه المؤامرة التي دبرت لعمر مكرم؛ قضى على هيبة الزعامة الشعبية، فسقطت بأيدى أصحابها، ولم يعذ لها تلك المكانة العظمى التي استقرت لها زمنًا، وكل ذلك كان بسبب داء التحاسد والتخاذل الذي دب بينهم (١). * * *

стр. 27

(المبحث الثاني): الحالة الاجتماعية إن الفصل بين الحالة السياسية والحالة الاجتماعية لعصر ما مما يعسر على الباحث تصوره؛ وذلك لأن الحالة الاجتماعية ما هي إلا صورة تنعكس عليها آيات سياسة الحكم في تلك الآونة، فإذا صلحت السياسة وسارت في نهج موفق في تلبية احتياجات الرعية، وإقامة العدل بينهم فإن الحالة الاجتماعية تكون خير بينة تشهد بحسن السياسة، ومن هنا فقد كانت للمثالب السياسية في هذه الآونة نتائج مزرية في الحياة الاجتماعية في شتى مجالاتها. لقد خلف استبداد الحكام من قبل العثمانيين المتأخربن بجمع الأموال وتحصيل الضرائب على تنوعها ثم توزيعها على وجوهها المختلفة، دون مراعاة لميزان العدل، ودون مراقبة لما كان يصدر عن الكثير من العمال القائمين بهذه المهمة صورًا من الظلم المؤلم، أنَّت به الرعايا وأوجعت، فالفقر والجوع والعرى أحد مظاهر ذلك الظلم. ومن صور ذلك الظلم ما كان يعانيه الفلاح الذي يرتدى الملابس الخشنة والرخيصة، ويعيش على خبز الذرة، ويسكن بيوتًا من الطين بالاشتراك مع البهائم، وكان يعيش على حد الكفاف؛ إذ أن المحصول كان يوضع بمجرد جمعه ودرسه تحت تصرف الصراف وشيخ البلد، ممثلى سلطة الكاشف، أو سلطة الملتزم على المنطقة، فلم يكن في وسع الفلاح أن يجادل أو يناقش مع السلطة التي كانت تستولى على المال الميرى نقدًا وعينًا (١). ولهذا مع غيره من ألوان الطغيان قاسى الناس كثيرًا من ظلم الحكام وفسادهم، خصوصًا في الأرياف، حيث أخذ الناس يهربون من قراهم ويلتجئون إلى المدن،

стр. 28

فتضاءل عدد السكان الريفيين وتقهقرت الزراعة، ورافق التدهور الاقتصادى وسوء الحكم إهمال طرق المواصلات؛ فأدت هذه الأسباب مجتمعة إلى انعدام الأمن والاستقرار (١). ويحكى الجبرتى المعاصر ما كانت تقوم به بعض القبائل في أحداث سنة: ١٢١٤ هـ، فيقول: "ومنها وقوف العرب وقطاع الطريق بجميع الجهات القبلية والبحرية والشرقية والغربية والمنوفية والدقهلية وسائر النواحى، فمنعوا السبيل لو بالخفارة، وقطعوا طريق السفار، ونهبوا المارين من أبناء السبيل والتجار، وتسلطوا على القرى والفلاحين وأهل البلاد بالعرى والخطف للمتاع والمواشى من البقر والغنم والجمال والحمير، وإفساد المزارع ورعيها؛ حتى كان أهل البلاد لا يمكنهم الخروج يمواشيهم إلى المزارع للرعى أو للسقى، لترصد العرب لذلك" (٢). كما كان للسياسة المتجهة نحو الحفاظ على الحكم دون الالتفات إلى متطلبات الشعوب، كالتعليم والصحة والتنمية الاقتصادية والرعاية الاجتماعية، التي هي من أهم دعائم الحياة الاجتماعية السليمة؛ أثر سيئ في تلك المجالات، فقد أدى ذلك إلى حدوث انهيار اقتصادى وفوضوى وتأخر اجتماعى ملموس. ومن جهة أخرى فإن العناية التي وجهتها الدولة للمدن والبلدان، التي تقع على سواحل البحار والطرق الرئيسية من أجل الحفاظ على سيادتها؛ قد شغلتها عن الكثير من المناطق التي ليس لها تلك الأهمية، فقد تركتها في يد رؤساء القبائل والعائلات، يدبرون أمرها وفق ما تعودوه من وسائل الحرب؛ مما أدى إلى ظهور نوع عنيف من التخلف الاجتماعى في تلك المناطق. ولم تكن الأوضاع إلا إلى الأسوأ، وذلك عند استقلال بعض البلاد عن الدولة الأم، فقد لاقى الشعب المصرى في عهد محمد على ألوانًا من الاضطهاد والظلم ما

стр. 29

فاق العصور التي قبله؛ فقد فرض على الفلاحين السخرة أو دفع الضريبة، وحرم عليهم أن يأكلوا شيئًا من كد أيديهم، كما أبطل التجارة، ورفع أسعار المعيشة أضعافًا مضاعفة، وهيمن على جميع الأنشطة الاقتصادية، فزاول بذلك أشد أنواع الاشتراكية ضراوة وتحكمًا؛ حتى يصف الجبرتى المعاصر ما آل إليه الوضع عندما كلف محمد على سكان القاهرة بتعميرها بقوله: فاجتمع على الناس عشرة أشياء من الرذالة وهى: السخرة، والمعونة، وأجرة الفعلة، والذل، ومهنة العمل، وتقطيع الثياب، ودفع الدراهم، وشماتة الأعداء من النصارى، وتعطيل معاشهم، وعاشرها أجرة الحمام (١). ولم يكن هذا الطور الإنشائى ليغفر لمحمد على ما لاقاه الشعب في ذلك الأوان من أنواع المذلة والمهانة؛ وذلك لأنه ما كادت تنتهى هذه المرحلة التعميرية إلا وقد فتحت مصر أبوابها للتجار الأوروبيين، حتى صار اعتماد الطبقة الناشئة في مصر اعتمادًا كليًا على الأسواق الأجنبية، إلى جانب ما واكب هذا الاتجاه الاستعمارى الاقتصادى من السيطرة على الحياة الفكرية بعد أن شل دعاة الاتجاه الإسلامى، وأوقف مناهج التعليم القائمة على الدين؛ تنفيذًا لسياسة نابليون الماسونية، وهو أمر أكده المؤرخ الإنجليزى أرنولد توينبى في قوله: وكان محمد على ديكتاتورًا أمكنه تحويل الآراء النابليونية إلى حقائق فعالة في مصر (٢). هذا وقد أفرز البعد عن تعاليم الدين وضعف آصرته في قلوب المسلمين ظهور النزعات العصبية؛ فقد آل الأمر بالمجتمع المسلم إلى تقسيمه بالتمايز الطبقى، فالطبقة الحاكمة تعيش حياة استقراطية منعزلة عن بقية أجزاء المجتمع؛ بحكم وظيفتها وتقييمها لذاتيتها، وقد أحدث هذا التمايز الطبقى آثارًا سلبية على المجتمعات، فقد حالت دون الشعور بالولاء للطبقة الحاكمة؛ مما أدى إلى اشتداد النقمة عليها.

стр. 30

ومع استماتة الحكام في الحفاظ على قبضة الحكم ضد المستعمرين الأجانب، إلا أن في تقديم الكثير من الامتيازات الاقتصادية والثقافية والدينية للأوربيين، أثرًا بالغ الخطر، فقد أدى بدوره في النهاية إلى تحقيق المطامع الاستعمارية الأوربية، عندما سننحت الفرصة بضعف الدولة العثمانية (١). ومع ذلك فقد كان المجتمع المسلم في تلك الآونة يتمتع بنوع من الاندماج لم يحظ به منذ غياب الدولة العباسية، فقد كانت حرية الانتقال والسفر أمامهم مكفولة ومحترمة في جميع الأوقات، وكانت فرص العمل متاحة لهم كذلك، وكان في مقدور العربى في دمشق أن ينتقل إلى بغداد أو مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو القاهرة أو القيروان أو غيرها من المدن الإسلامية، ويعيش فيها ويمارس ألوانًا من النشاط الاقتصادى أو الثقافى، دون أن يحصل على إذن بالخروج أو إقامة (٢). كما كان المجتمع آنذاك تشده آصرة الدين بالرغم من وجود الطبقية المخالفة لهذا المبدأ فقد كانت هذه الوشيجة من أقوى الأواصر التي ربطت الجماهير العربية بالدولة العثمانية، حيث أخلصوا في مشاركتها الحروب والمعارك ضد الحملات الصليبية التي استهدفتها في تلك الآونة، ولعل من أبرز الدلائل على ذلك الترابط الدينى ما حدث في مصر عندما هاجمت الحملة الفرنسية أرض مصر بقيادة نابليون، حيث أعلن السلطان العثمانى الجهاد الدينى ضد المعتدين الفرنسيين، فاستجاب لهذه الدعوة بعض سكان الحجاز والشام فهبوا لنجدة إخوانهم في أرض الكنانة، وبكل عزم وصدق استطاعوا أن يهزموا ذلك الكيد الخائن، وقد سبقت الإشارة إليه (٣). إن ذلك التآخى الذي عاشته المجتمعات الإسلامية في تلك الآونة إنما يظهر نقاؤه إذا ما قورن بالتفتت السياسى الذي أحدثته الدول الصناعية إبان غزوها الاستعمارى للدول المسلمة فقد عملت تلك الدول على تفرقة الشعوب المسلمة، حيث بقى ذلك التفرق قامعًا على جثمانها إلى يومنا هذا.

стр. 31

هذا وقد كان لعلماء الدين دور كبير في حفظ الأمن واستقرار الحياة الاجتماعية، ولعل أول من نبغ من هؤلاء الوعاظ هو الشيخ الحفنى، الذي كان يعاصر على بك الكبير، حتى قيل عنه: إن الشيخ الحفنى سقف على أهل مصر، يمنع عنهم نزول البلاء، وقد وصفه الجبرتى بانه: قطب رحى الديار المصرية، ولا يتم أمر من أمور الدولة وغيرها إلا باطلاعه وإذنه (١). ومن ذلك ما حكاه الجبرتى عن الشيخ أحمد الدردير مفتى المالكية في تأييده للثورة الشعبية التي قادها سكان القاهرة ردًا على عدوان أحد المماليك من اليهود، حين قام بالاعتداء على بيت من بيوت أكابر البلد، فقد اجتمع لذلك جماعة كثيرة من أوباش العامة والجعيدية، وبأيديهم نبابيت ومساوق، وذهبوا إلى الشيخ الدردير فوافقهم وساعدهم بالكلام، وقال لهم: إنا معكم، فخرجوا من نواحى الجامع وقفلوا أبوابه، وطلع منهم طائفة على أعلى المنارات، يصيحون ويضربون بالطبول، وانتشروا بالأسواق في حالة منكرة، وأغلقوا الحوانيت، وقال لهم الشيخ الدردير: في غدٍ نجمع أهالى الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة وأركب معكم، وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء، أو ينصرنا الله عليهم، فلما كان بعد المغرب حضر. سليم أغا مستحفظان، ومحمد كتخدا أرنؤد الجلفى كتخدا إبراهيم بك، وجلسوا في الغورية، ثم ذهبوا إلى الشيخ الدردير، وتكلموا معه وخافوا من تضاعف الحال، وقالوا للشيخ: اكتب لنا قائمة بالمنهوبات، ونأتى بها من محل ما تكون، واتفقوا على ذلك، وقرءوا الفاتحة وانصرفوا (٢). * * * هذا ومن أبرز المواضيع التي يتجه إليها الحديث عند تناول الحياة الاجتماعية هي

стр. 32

الأسرة وما يتعلق بها من أنظمة ومتطلبات؛ فالأسرة هي نواة المجتمع، فقد كانت الأسرة في الدولة العثمانية بطبيعة الأمر متدينة بالإسلام، ولكن الجهل الذي عم أرجاء البلاد كان له أسوأة الأثر في ظهور بعض العادات السيئة، التي برزت في المجتمع. فالمرأة في ذلك العهد غالبًا لم تكن تحظى بأى اهتمام لتقويم سلوكها سوى ما كان يملى عليها من بعض التوجيهات التربوية، والتى مع مرور الوقت لم تعد تملك مواجهة التحديات السافرة؛ لأنها أضحت من جملة العادات والتقاليد، فهى بذلك رهينة لأى تعديل يمكن أن تتعرض له إذا تهيأت له الظروف المواتية من الداخل أو الخارج؛ لذا فإن المتأمل في حال المرأة التي هي من أهم العناصر الفعالة في التأثير على الأسرة، يجد أنها كانت تعيش في حالة من الظلم الاجتماعى المؤلم - خصوصًا في المجتمعات الريفية - حيث تحيط بها الخرافات والأوهام من كل جانب، وحيث تتملكها الاضطرابات والقلاقل النفسية، فلا تلبث أن تلقى بنفسها أمام ما يمليه عليها الساحر الذي حظى بجمهرة كبيرة من النساء السذج، والذي كثيرًا ما يلبس عليهن باسم السيد أو الولى، لقاء ما تجود به أيديهن المرتبكة، كما كانت زيارة القبور والتعلق بأصحابها والاستغاثة بهم من أجل حصول المراد ودفع المخاوف والبلايا مما يكثر فعله من النساء ربات البيوت. يقول الشيخ محمد قطب في وصف حالة النساء آنذاك: إن المرأة كانت مظلومة بالفعل، وكانت تعامل معاملة سيئة بالفعل، وكانت تعير بأنها جاهلة، وبأن مهمتها هي أن تحمل وتلد ولا شأن لها بشيء آخر، وكانت هذه نظرة جاهلية تسربت إلى المجتمع المسلم حين تخلف عقديًا، وفسد كثير من مفاهيمه الإسلامية، والجاهليات تجنح غالبًا إلى تحقير المرأة وازدرائها، إلا أن تجنح كالجاهلية الإغريقية الرومانية ووريثتها الجاهلية المعاصرة إلى تدليل المرأة وإفسادها خلقيًا لتصبح مسرحًا لشهوة الرجل.

стр. 33

وكان وضع المرأة في مصر وفى العالم الإسلامى كله في حاجة إلى تصحيح لرد الكرامة الإنسانية إليها، ووضعها في المكانة اللائقة بها بوصفها إنسانة كرمها الله حين قرر الكرامة لكل بنى آم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وساواها في الإنسانية بالرجل حين قرر أنه: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] (١). لقد كان في غياب العمل التوعوى والتوجيه البناء أسوأ الأثر في انطماس أبرز معالم المعتقد السليم على أفراد الأسرة. * * *

стр. 34

(المبحث الثالث): الحالة العلمية والدينية إن المطلع على السجل التاريخى للأمة الإسلامية في عصورها الأخيرة، ليرمق بعين الأسى أحداثًا جسامًا نخرت في عضدها وأوهنت من قوتها، فجعلت منها أشلاء ممزقة صارت بها عرضة للتيارات الفكرية الوافدة بالإلحاد وألوان الكفر والفساد من شرق الدنيا وغربها. وعند البحث عن أسباب ذلك الوهن والتفتت الذي حل بالأمة يجد أن له أسبابًا عديدة؛ كان من أعظمها خطرًا وأشدها ضررًا ضعف العقيدة الإسلامية في قلوب كثير من المسلمين، وقد كان لذلك الضعف مظاهر عدة، فبروز الأضرحة، والتوسل بالصالحين، كل ذلك كان من أهم أسباب انطماس معالم التوحيد الحق الذي جاء به الرسل والأنبياء. ولم يكن ذلك هو المظهر الأوحد لضعف العقيدة، فانحلال عرى الولاء والبراء مما عمت به البلوى وإن كان في حقيقته فرع استمد بقاءه من الغبش الذي سيطر على نفوس المسلمين؛ بسبب انطماس حقيقة التوحيد في ذلك الوقت. لقد كانت دعوة الرسل والأنبياء هي عبادة الله وحده لا شريك له، بكل ما تعنيه كلمة العبادة من شمولية في المنهج المستمد من الوحى المطهر، والذي يحمل العبد على إفراد الله تعالى بأفعال العباد، كما يحمله على إفراده بأفعال الربوبية التي لا تنبغى إلا لجلاله وعظيم سلطانه، فيجعل من أعماله دليلًا على صدق توجهه لربه، وعليه فأى خلل في الأفعال ينم عن اضطراب في المعتقد التوحيدى يعد من ألوان الشرك التي يخرج بها العبد من الملة. وسأعرض لكل من هذه المظاهر صورًا عمت بها البلوى في تلك الآونة، مبتدئة بتفريط الحكام في هذا الباب، ففى عهد إبراهيم بك أحد زعماء المماليك وشيخ

стр. 35

البلد في عصره كان أحد المسؤولين الكبار رجل نصرانى يدعى إبراهيم الجوهري، فإنه لما ترأس إيراهيم بك قلده جميع الأمور، فكان هو المشار إليه في الكليات والجزئيات حتى دفاتر الروزنامة والميرى وجميع الإيراد والمنصرف وجميع الكتبة من تحت يده. ولا يخفى ما في هذا الفعل من إعلاء لشأن الكفرة ومخالفة لأمر الله تعالى في البراء منهم وعدم اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، يصدق هذا ما أحدثه هذا النصرانى لبنى عقيدته، حيث: عمرت في أيامه الكنائس وديور النصارى، وأوقفت عليها الأوقاف الجلية والأطيان، ورتب لها المرتبات العظيمة والأرزاق والأغلال (١). ومن صور ذلك الولاء لمثل أولئك الكفرة ما تمتع به المعلم نقولا النصرانى الأرمنى، فقد كان رئيسًا لمراكب مراد بك الحربية، وقد نال من الحفاوة والاهتمام ما مكنه من ركوب الخيل ولبس الملابس الفاخرة والمشى في الأسواق على هيئة المتبختر، فالجنود يوسعون له الطريق، ويحتفون به كما يحتفى بالأمراء (٢). ومع كل هذا الاهتمام الذي ناله أولئك الكفرة من أمراء المسلمين، إلا أنه لم يكن دافعًا لهم لحفظ عهدهم وقت محنتهم أيام الاحتلال الاجنبى، فقد تقدم الحديث عن الحملة الفرنسية التي وجهت إلى مصر طمعًا في خيراتها، لقد كشفت هذه الحملة عن عداء متأصل امتلأت به نفوس أولئك الكفرة، يقول الجبرتى في ذلك عند وصفه أحداث تلك السنة: ومنها ترفع أسافل النصارى من القبط والشوام والأروام واليهود، وركوبهم الخيول وتقلدهم بالسيوف؛ بسبب خدمتهم للفرنسيس ومشيهم الخيلاء، وتجاهرهم بفاحش القول، واستذلالهم المسلمين، كل ذلك بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام للعبيد والحال والمركوز في الطبع ما زال (٣). أما في زمن سلطة محمد على باشا، فقد حصل لأولئك الكفرة من التمكن ما آلم الكثير من المسلمين، لقد نالوا في عهده أرفع المناصب وأرقى الدرجات حتى

стр. 36

تسلطوا على شرفاء المسلمين وضعافهم، يقول الجبرتى: "واشتد في هذا التاريخ أمر المساكن بالمدينة، وضاقت بأهلها لشمول الخراب وكثرة الأغراب، وخصوصًا المخالفين للملة فهم الآن أعيان الناس، يتقلدون المناصب، ويلبسون ثياب الأكابر، ويركبون البغال والخيول المسومة، والرهوانات وأمامهم وخلفهم العبيد والخدم، وبأيديهم العصى، يطردون الناس، ويفرجون لهم الطرق، ويتسرون بالجوارى بيضاء وحبوشًا، ويسكنون المساكن العالية الجليلة، يشترونها بأغلى الأثمان، ومنهم من له دار بالمدينة ودار مطلة على البحر للنزاهة، ومنهم من عمر له دارًا وصرف عليها ألوفًا من الأكياس، وكذلك أكابر الدولة لاستيلاء كل من كان في خطه على جميع دورها أخذها من أربابها بأى وجه، وتوصلوا بتقليدهم مناصب البدع إلى إذلال المسلمين أنهم يحتاجون إلى كتبة وخدم وأعوان والتحكم في أهل الحرفة بالضرب والشتم والحبس من غير إنكار، ويقف الشريف والعامى بين يدى الكافر ذليلًا" (١). وقد سبق الحديث عن المذبحة التي جارى بها محمد على المماليك في مصر ونفيه لنقيب الأشراف عمر مكرم؛ من أجل القضاء على الزعامة الدينية والشعبية، إن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد استعان محمد على بهؤلاء الكفرة الذين نالوا أعلى المناصب من أجل القضاء على عموم المشيخة، أو الاستحواذ عليها على الأقل، حيث كان أهم عمل قام به في سبيل ضرب الاتجاه الإسلامى الممثل في الزعامة الدينية هو ضمه للأوقاف التي كانت موقوفة على الأزهر؛ لينفق منها على التعليم والمشايخ إلى ملكية الدولة، فقد مكنه هذا من تحقيق هدفه في تقويض دور التعليم الدينى، وإحكام السيطرة على المشايخ والقائمين على التعليم من رجال الأزهر، بعد أن فقدوا قدرتهم على معارضته (٢). أما عن موقف الشعب من عقيدة الولاء والبراء، فإن الحديث عن الحالة الدينية وما أصاب المسلمين من وهن عقدى، والتفات نحو الغرب، لا يصح عزله أبدًا عن

стр. 37

المؤثرات والعوامل التي ساعدت في اتساع زاوية الانحراف، ذلك أن الضرر لم يقتصر على سوء تصرف الحكام فقط، أو على أولئك النفر الذين ارتادوا أماكن. الرياسة من المخالفين للملة، لقد كان الخطر في حقيقة الأمر أشد تفاقمًا من هذا كله، إن مواجهة المسلم بالعداء في الغالب يحدث رد فعل عكسى يقضى بمواجهة ذلك الظلم بكره الظالم والحنق عليه، إن لم يكن له سبيل آخر يواجه فيه ذلك الضيم بالفعل، ومن هنا فقد تفطن الأعداء لذلك المنزلق الخطير، وراموا هدم بلاد المسلمين بدسائس الغزو الفكرى، فاتجهوا إلى سياسة المكر والخديعة، مع محاولاتهم المتتالية في مد سيطرتهم بالقوة على أرجاء البلاد الإسلامية، فلم يكن من السهل تفتيت قوة المجتمع الإسلامى، إلا بهذا النوع من التآمر المحكم الذي كاد به أعداء الإسلام لبلاد المسلمين. بيان ذلك أن الحملة الفرنسية التي قادها نابليون على مصر، والتى استهدفت القضاء على الشريعة الإسلامية واحتلال بلاد المسلمين لنهب خيراتها لصالح الكتلة الغربية، قد صاحبها مستشرقون ومنصرون كأصرح صورة من الأطماع الأوربية في العصر الحديث في الشرق، حيث استعان الفرنسيون بعدد كبير من المستشرقين الذين تخصصوا في كثير من فروع العلم والمعرفة، كالطب، والهندسة، والترجمة، وذلك من أجل تحقيق أطماعهم الاستعمارية، وليس بخفى ما تبع فتح مطبعة بولاق الشهيرة من ترجمة علوم الغرب وآدابه، كما حرصت هذه البعثة أشد الحرص على نبش الأرض الإسلامية لاستخراج حضارات ما قبل التاريخ؛ لذبذبة ولاء المسلمين بين الإسلام وبين تلك الحضارات، تمهيدًا لاقتلاعهم نهائيًا من الولاء الإسلامى، يؤكد هذا ما قاله أحد المستشرقين الصرحاء: إننا في كل بلد إسلامى دخلناه نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وبين تلك الحضارات (١). إن نابليون لم يأتِ إلى البلاد المسلمة كاشحًا عن أنيابه، مظهرًا أطماعه

стр. 38

الاستعمارية، لقد ظهر نابليون أمام المصريين بصورة المستشرق، فتظاهر بالإسلام وشارك المصريين في احتفالاتهم الدينية، وارتدى العمامة والجبة، وزار علماء الأزهر في بيوتهم، كما أنشأ مجتمعًا علميًا، وأصدر ثلاث صحف، واحدة منها باللغة العربية، وأنشأ متحفًا ومكتبة ومصنعًا ومختبرًا ومسرحًا، وفتح أبوابها أمام المصريين؛ كل ذلك من أجل أن يخاع الناس، ولكن سرعان ما انكشف أمره لمشايخ الأزهر، حتى اضطر أحدهم لمواجهته بذلك قائلًا: لو كنت تدعى الإسلام حقًا، فلماذا لا تطبق الشريعة في بلادك، بدلًا من تبديل الشريعة هنا بالقوانين الوضعية؟ ! (١). ولعل المنشور الأول الذي قام نابليون بتوزيعه إبان الحملة الفرنسية، ليعد من أكبر الدلائل على ما يحاول الوصول إليه من تشويش العقيدة، وضرب المبادئ والأصول الإسلامية، وهذا نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك له في ملكه. من طرف الفرنساوية المبنى على أساس الحرية والتسوية السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابارته يعرف أهلى مصر جميعهم أننى أكثر من المماليك أعبد الله ، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضًا لهم: إن جميع الناس متساوون عند الله، وأن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط" (٢). وليس بخفى ما تضمنه هذا النص من الدعوة إلى أسس المذهب الماسونى، الذي صرح نابليون بالولاء له عندما وضع طيلسانة موشاة بعلم الثورة الفرنسية المثلث (حرية، إخاء، مساواة) على كتف الشيخ الشرقاوى، ولكنه ألقى بها على الأرض رافضًا ارتداءها. وقد وقع بعض المشايخ في فخاخ هذه الدعوة الملحدة، حيث نجح الفرنسيون في ضم بعض المصريين من المشايخ والعلماء من بينهم حسن العطار إلى المحفل الماسونى الذي أسسه كليبر سنة ١٨٠٠ م (٣).

стр. 39

ومع هذه الجهود المستميتة في تدمير عقيدة الشعب، إلا أن عقيدة الولاء والبراء ما زالت قائمة في قلوب كثير من المسلمين، فقد سجل التاريخ لجماعة مسلمة في أرض الحجاز نصرتهم لإخوانهم في مصر في أثناء تلك الحملة الصليبية، التي شنتها فرنسا، يقول الجبرتى: "تواتر الأخبار من ابتداء شهر رجب، بأن رجلًا مغربيًا يقال له: الشيخ الكيلانى، كان مجاورًا بمكة والمدينة والطائف، فلما وردت أخبار الفرنسيس إلى الحجاز وأنهم ملكوا الديار المصرية، انزعج أهل الحجاز، فأخذ يدعوهم إلى الجهاد، ويحرضهم على نصرة الحق والدين، وقرأ بالحرم كتابًا مؤلفًا في معنى ذلك، فاتعظ جملة من الناس وبذلوا أموالهم وأنفسهم، واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين، وركبوا البحر إلى القصير مع ما انضم إليهم من أهل ينبع وخلافه، فورد الخبر في أواخره أنه انضم إليهم جملة من أهل الصعيد وبعض أتراك ومغاربة ممن كان خرج معهم مع غز مصر عند وقعة أنبابة، وركب الغز معهم أيضًا وحاربوا الفرنسيس، فلم تثبت الغز كعادتهم، وانهزموا وتبعهم هوارة الصعيد والمتجمعة من القرى، وثبت الحجازيون ثم انكفوا لقلتهم، وذلك بناحية جرجا وهرب الغز والمماليك إلى ناحية آسنا" (١). * * * أما عن الانحرافات العقدية الأخرى، فقد كانت الطرق الصوفية المنتشرة في ذلك الوقت من أعظم مظاهر انتشارها في البلاد الإسلامية، وقد ساعد على ذلك ارتباط هذه الطرق بأسماء بعض الأولياء الذين يعتقدون فيهم وفى صلاحهم، فيقودهم ذلك إلى التوسع والاستغاثة بهم وقت الشدائد. وهنا يحسن الحديث عن أشهر تلك الطرق وأوسعها انتشارًا في البلاد الإسلامية. أولًا: الطريقة القادرية: مؤسس هذه الطريقة هو الشيخ عبد القادر الجيلانى: ٤٧٠ - ٥٦١ هـ المتوفى في بغداد، صاحب قبر مشهود فيها، يزوره الكثير من الأتباع والمريدين كل عام من

стр. 40

سائر بلاد المسلمين، ويعود سبب انتشار هذه الفرقة لاجتهاد أبناء الشيخ في نشر تعاليمها بين مختلف الأقطار والدول المسلمة. ثانيًا: الرفاعية: وتنسب هذه الطريقة إلى أحمد الرفاعى، المتوفى سنة: ٥٨٠ هـ من بنى رفاعة قبيلة من العرب، وقد اشتهر عنهم حديث الكرامات بادعاء خوارق العادات من ضرب بالسيوف والحراب، إلى استخدام الأفاعى والحيات وغير ذلك، وكان لطريقته انتشار في غرب آسيا. ثالثًا: الأحمدية: وتنسب إلى أحمد البدوى من أشهر أولياء مصر: ٥٩٦ - ٦٣٤ هـ ولد بفاس، حج ورحل إلى العراق، واستقر في طنطا حتى وفاته، له ضريح مقصود فيها، انتشر أتباعه في جميع أنحاء مصر، حتى صارت لهم فروع متعددة، كالبيومية والشناوية وأولاد نوح، والشعبية. رابعًا: الدسوقية: تنسب إلى إبراهيم الدسوقى: ٦٣٣ - ٦٧٦ هـ، أهم ما يميزها التآلف والمحبة بين أتباعها، كما أنها تحرم الخلوة إلا بإذن الشيخ. خامسًا: الشاذلية: نسبة إلى أبي الحسن الشاذلى: ٥٩٣ - ٦٥٦ هـ من المغرب العربى، ولد بقرية قرب مرسية، وانتقل إلى تونس وحج عدة مرات، ثم دخل العراق ومات أخيرًا في صحراء عيذاب في طريقه إلى الحج، انتشرت طريقته لما اتسمت به من سهولة، وحب للعلم في الكثير من أقطار الدول الإسلامية. سادسًا: النقشبندية: تنسب إلى بهاء الدين البخاري الملقب بشاه نقشبند: ٦١٨ - ٧٩١ هـ وهى طريقة سهلة كالشاذلية، انتشرت في فارس وبلاد الهند وآسيا الغربية. سابعًا: الملامتية: مؤسسها أبو صالح حمدون المعروف بالقصار: ٢٧١ هـ، أباح بعضهم مخالفة النفس بغية جهادها ومحاربة نقائصها، وقد ظهر الغلاة منهم في تركيا وغيرها بمظهر الإباحيهة والاستهتار، وفعل كل أمر دون مراعاة للأوامر والنواهى الشرعية.
следующие страницы →