تسلطوا على شرفاء المسلمين وضعافهم، يقول الجبرتى: "واشتد في هذا التاريخ أمر المساكن بالمدينة، وضاقت بأهلها لشمول الخراب وكثرة الأغراب، وخصوصًا المخالفين للملة فهم الآن أعيان الناس، يتقلدون المناصب، ويلبسون ثياب الأكابر، ويركبون البغال والخيول المسومة، والرهوانات وأمامهم وخلفهم العبيد والخدم، وبأيديهم العصى، يطردون الناس، ويفرجون لهم الطرق، ويتسرون بالجوارى بيضاء وحبوشًا، ويسكنون المساكن العالية الجليلة، يشترونها بأغلى الأثمان، ومنهم من له دار بالمدينة ودار مطلة على البحر للنزاهة، ومنهم من عمر له دارًا وصرف عليها ألوفًا من الأكياس، وكذلك أكابر الدولة لاستيلاء كل من كان في خطه على جميع دورها أخذها من أربابها بأى وجه، وتوصلوا بتقليدهم مناصب البدع إلى إذلال المسلمين أنهم يحتاجون إلى كتبة وخدم وأعوان والتحكم في أهل الحرفة بالضرب والشتم والحبس من غير إنكار، ويقف الشريف والعامى بين يدى الكافر ذليلًا" (١).
وقد سبق الحديث عن المذبحة التي جارى بها محمد على المماليك في مصر ونفيه لنقيب الأشراف عمر مكرم؛ من أجل القضاء على الزعامة الدينية والشعبية، إن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد استعان محمد على بهؤلاء الكفرة الذين نالوا أعلى المناصب من أجل القضاء على عموم المشيخة، أو الاستحواذ عليها على الأقل، حيث كان أهم عمل قام به في سبيل ضرب الاتجاه الإسلامى الممثل في الزعامة الدينية هو ضمه للأوقاف التي كانت موقوفة على الأزهر؛ لينفق منها على التعليم والمشايخ إلى ملكية الدولة، فقد مكنه هذا من تحقيق هدفه في تقويض دور التعليم الدينى، وإحكام السيطرة على المشايخ والقائمين على التعليم من رجال الأزهر، بعد أن فقدوا قدرتهم على معارضته (٢).
أما عن موقف الشعب من عقيدة الولاء والبراء، فإن الحديث عن الحالة الدينية وما أصاب المسلمين من وهن عقدى، والتفات نحو الغرب، لا يصح عزله أبدًا عن
стр. 37
المؤثرات والعوامل التي ساعدت في اتساع زاوية الانحراف، ذلك أن الضرر لم يقتصر على سوء تصرف الحكام فقط، أو على أولئك النفر الذين ارتادوا أماكن. الرياسة من المخالفين للملة، لقد كان الخطر في حقيقة الأمر أشد تفاقمًا من هذا كله، إن مواجهة المسلم بالعداء في الغالب يحدث رد فعل عكسى يقضى بمواجهة ذلك الظلم بكره الظالم والحنق عليه، إن لم يكن له سبيل آخر يواجه فيه ذلك الضيم بالفعل، ومن هنا فقد تفطن الأعداء لذلك المنزلق الخطير، وراموا هدم بلاد المسلمين بدسائس الغزو الفكرى، فاتجهوا إلى سياسة المكر والخديعة، مع محاولاتهم المتتالية في مد سيطرتهم بالقوة على أرجاء البلاد الإسلامية، فلم يكن من السهل تفتيت قوة المجتمع الإسلامى، إلا بهذا النوع من التآمر المحكم الذي كاد به أعداء الإسلام لبلاد المسلمين.
بيان ذلك أن الحملة الفرنسية التي قادها نابليون على مصر، والتى استهدفت القضاء على الشريعة الإسلامية واحتلال بلاد المسلمين لنهب خيراتها لصالح الكتلة الغربية، قد صاحبها مستشرقون ومنصرون كأصرح صورة من الأطماع الأوربية في العصر الحديث في الشرق، حيث استعان الفرنسيون بعدد كبير من المستشرقين الذين تخصصوا في كثير من فروع العلم والمعرفة، كالطب، والهندسة، والترجمة، وذلك من أجل تحقيق أطماعهم الاستعمارية، وليس بخفى ما تبع فتح مطبعة بولاق الشهيرة من ترجمة علوم الغرب وآدابه، كما حرصت هذه البعثة أشد الحرص على نبش الأرض الإسلامية لاستخراج حضارات ما قبل التاريخ؛ لذبذبة ولاء المسلمين بين الإسلام وبين تلك الحضارات، تمهيدًا لاقتلاعهم نهائيًا من الولاء الإسلامى، يؤكد هذا ما قاله أحد المستشرقين الصرحاء: إننا في كل بلد إسلامى دخلناه نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وبين تلك الحضارات (١).
إن نابليون لم يأتِ إلى البلاد المسلمة كاشحًا عن أنيابه، مظهرًا أطماعه
стр. 38
الاستعمارية، لقد ظهر نابليون أمام المصريين بصورة المستشرق، فتظاهر بالإسلام وشارك المصريين في احتفالاتهم الدينية، وارتدى العمامة والجبة، وزار علماء الأزهر في بيوتهم، كما أنشأ مجتمعًا علميًا، وأصدر ثلاث صحف، واحدة منها باللغة العربية، وأنشأ متحفًا ومكتبة ومصنعًا ومختبرًا ومسرحًا، وفتح أبوابها أمام المصريين؛ كل ذلك من أجل أن يخاع الناس، ولكن سرعان ما انكشف أمره لمشايخ الأزهر، حتى اضطر أحدهم لمواجهته بذلك قائلًا: لو كنت تدعى الإسلام حقًا، فلماذا لا تطبق الشريعة في بلادك، بدلًا من تبديل الشريعة هنا بالقوانين الوضعية؟ ! (١).
ولعل المنشور الأول الذي قام نابليون بتوزيعه إبان الحملة الفرنسية، ليعد من أكبر الدلائل على ما يحاول الوصول إليه من تشويش العقيدة، وضرب المبادئ والأصول الإسلامية، وهذا نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك له في ملكه. من طرف الفرنساوية المبنى على أساس الحرية والتسوية السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابارته يعرف أهلى مصر جميعهم أننى أكثر من المماليك أعبد الله ، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضًا لهم: إن جميع الناس متساوون عند الله، وأن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط" (٢).
وليس بخفى ما تضمنه هذا النص من الدعوة إلى أسس المذهب الماسونى، الذي صرح نابليون بالولاء له عندما وضع طيلسانة موشاة بعلم الثورة الفرنسية المثلث (حرية، إخاء، مساواة) على كتف الشيخ الشرقاوى، ولكنه ألقى بها على الأرض رافضًا ارتداءها.
وقد وقع بعض المشايخ في فخاخ هذه الدعوة الملحدة، حيث نجح الفرنسيون في ضم بعض المصريين من المشايخ والعلماء من بينهم حسن العطار إلى المحفل الماسونى الذي أسسه كليبر سنة ١٨٠٠ م (٣).
стр. 39
ومع هذه الجهود المستميتة في تدمير عقيدة الشعب، إلا أن عقيدة الولاء والبراء ما زالت قائمة في قلوب كثير من المسلمين، فقد سجل التاريخ لجماعة مسلمة في أرض الحجاز نصرتهم لإخوانهم في مصر في أثناء تلك الحملة الصليبية، التي شنتها فرنسا، يقول الجبرتى: "تواتر الأخبار من ابتداء شهر رجب، بأن رجلًا مغربيًا يقال له: الشيخ الكيلانى، كان مجاورًا بمكة والمدينة والطائف، فلما وردت أخبار الفرنسيس إلى الحجاز وأنهم ملكوا الديار المصرية، انزعج أهل الحجاز، فأخذ يدعوهم إلى الجهاد، ويحرضهم على نصرة الحق والدين، وقرأ بالحرم كتابًا مؤلفًا في معنى ذلك، فاتعظ جملة من الناس وبذلوا أموالهم وأنفسهم، واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين، وركبوا البحر إلى القصير مع ما انضم إليهم من أهل ينبع وخلافه، فورد الخبر في أواخره أنه انضم إليهم جملة من أهل الصعيد وبعض أتراك ومغاربة ممن كان خرج معهم مع غز مصر عند وقعة أنبابة، وركب الغز معهم أيضًا وحاربوا الفرنسيس، فلم تثبت الغز كعادتهم، وانهزموا وتبعهم هوارة الصعيد والمتجمعة من القرى، وثبت الحجازيون ثم انكفوا لقلتهم، وذلك بناحية جرجا وهرب الغز والمماليك إلى ناحية آسنا" (١).
* * *
أما عن الانحرافات العقدية الأخرى، فقد كانت الطرق الصوفية المنتشرة في ذلك الوقت من أعظم مظاهر انتشارها في البلاد الإسلامية، وقد ساعد على ذلك ارتباط هذه الطرق بأسماء بعض الأولياء الذين يعتقدون فيهم وفى صلاحهم، فيقودهم ذلك إلى التوسع والاستغاثة بهم وقت الشدائد.
وهنا يحسن الحديث عن أشهر تلك الطرق وأوسعها انتشارًا في البلاد الإسلامية.
أولًا: الطريقة القادرية:
مؤسس هذه الطريقة هو الشيخ عبد القادر الجيلانى: ٤٧٠ - ٥٦١ هـ المتوفى في بغداد، صاحب قبر مشهود فيها، يزوره الكثير من الأتباع والمريدين كل عام من
стр. 40
سائر بلاد المسلمين، ويعود سبب انتشار هذه الفرقة لاجتهاد أبناء الشيخ في نشر تعاليمها بين مختلف الأقطار والدول المسلمة.
ثانيًا: الرفاعية: وتنسب هذه الطريقة إلى أحمد الرفاعى، المتوفى سنة: ٥٨٠ هـ من بنى رفاعة قبيلة من العرب، وقد اشتهر عنهم حديث الكرامات بادعاء خوارق العادات من ضرب بالسيوف والحراب، إلى استخدام الأفاعى والحيات وغير ذلك، وكان لطريقته انتشار في غرب آسيا.
ثالثًا: الأحمدية: وتنسب إلى أحمد البدوى من أشهر أولياء مصر: ٥٩٦ - ٦٣٤ هـ ولد بفاس، حج ورحل إلى العراق، واستقر في طنطا حتى وفاته، له ضريح مقصود فيها، انتشر أتباعه في جميع أنحاء مصر، حتى صارت لهم فروع متعددة، كالبيومية والشناوية وأولاد نوح، والشعبية.
رابعًا: الدسوقية: تنسب إلى إبراهيم الدسوقى: ٦٣٣ - ٦٧٦ هـ، أهم ما يميزها التآلف والمحبة بين أتباعها، كما أنها تحرم الخلوة إلا بإذن الشيخ.
خامسًا: الشاذلية: نسبة إلى أبي الحسن الشاذلى: ٥٩٣ - ٦٥٦ هـ من المغرب العربى، ولد بقرية قرب مرسية، وانتقل إلى تونس وحج عدة مرات، ثم دخل العراق ومات أخيرًا في صحراء عيذاب في طريقه إلى الحج، انتشرت طريقته لما اتسمت به من سهولة، وحب للعلم في الكثير من أقطار الدول الإسلامية.
سادسًا: النقشبندية: تنسب إلى بهاء الدين البخاري الملقب بشاه نقشبند: ٦١٨ - ٧٩١ هـ وهى طريقة سهلة كالشاذلية، انتشرت في فارس وبلاد الهند وآسيا الغربية.
سابعًا: الملامتية: مؤسسها أبو صالح حمدون المعروف بالقصار: ٢٧١ هـ، أباح بعضهم مخالفة النفس بغية جهادها ومحاربة نقائصها، وقد ظهر الغلاة منهم في تركيا وغيرها بمظهر الإباحيهة والاستهتار، وفعل كل أمر دون مراعاة للأوامر والنواهى الشرعية.
стр. 41
ثامنًا: البكداشية: وهذه طريقة انتشرت بين الأتراك العثمانيين، ولا تزال منتشرة في ألبانيا، وهى أقرب إلى التصوف الشيعى منها إلى التصوف السنى.
تاسعًا: الخلوتية: - وهى الطريقة التي ينتمى إليه الصاوى - نسبة إلى شيخها محمد الخلوتى، حيث اشتهرت الطريقة بهذا الاسم بعده، وهى طريقة تركية ازدهرت بمصر إبان القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجرى، وقد انتشرت في مصر على يد الشيخ مصطفى كمال الدين البكرى المتوفى سنة: ١١٦٢
واشتهرت الطريقة قبل الشيخ محمد الخلوتى بأسماء شتى مثل الزاهدية، نسبة إلى الشيخ إبراهيم الزاهد الكيلانى، والأبهرية نسبة إلى الشيخ قطب الدين الأبهرى، والسهروردية نسبة إلى الشيخ أبي النجيب السهروردى، فالطريقة إذن قديمة قدم رجالها عبر العصور المختلفة، ومما تجدر الإشارة إليه أن الخلوة من لوازم هذه الطريقة، وهى الخلوة السرية للمنفرد بالله في الذكر بمكان طاهر، والأفضل أن يكون مسجد الجامعة، وأن ينوى الفرد الاعتكاف والصوم، والأولى أن يتجرد عن كثرة الأكل والشرب.
وللطريقة الخلوتية مقدم يساعد شيخها في إقامة الأذكار وتسليك المريدين.
أما عن آداب الطريقة الخلوتية فلم تكن بمغايرة لما اشتهر من الطرق الأخرى الصوفية، وكانت في معظمها شكلية تتعلق بمجاهدة النفس، وقهر الجسد، وتحديد نوع من الطعام وكمية ماء الشرب، ثم الانقطاع عن الأهل والولد والزوجة وسائر الناس، وكانت لهم طريقة في الأذكار يرددون في خلوتهم كلمة لا إله إلا الله آلاف المرات، فلا تخرج تلك العبارة بعد كثرة الترديد إلا على شكل: هو هو هو، وينشدون كلام السادة الصوفية، ويرددون ذلك سويًا في مجالسهم، ويكثرون من الاستغفار والتسبيح والصلاة على النبي ﷺ .
وكانت لهم عادت مميزة في الخلوة، فلا تزيد خلوة الجماعة على ثلاثة أيام، أما الفرد الواحد فيخلو لنفسه حسبما شاء من ثلاثة أو سبعة أو خمسة عشر أو ثلاثين يومًا أو سبعين يومًا في العام، أو العمر كله، وهى الخلوة الكلية بالسر المطلق،
стр. 42
ويرى بعضهم أن الإنسان يتخلص من أحكام نفسه إلا إذا توالت مجاهدته لها وتتابعت خلوته حولًا كاملًا، بحيث يسيطر على نفسه كليًا ولا تعود لتستولى عليه (١).
وبهذا الذي سبق مع غيره مما لا مجال لحصره الآن أصبحت الطرق الصوفية مرتعًا نشأت فيه الأفكار الخرافية، ومن أهم الأسباب التي ساعدت على ذلك: التخلف والجهل الذي خيم آنذاك على الناس، ولقد استغل كثير من الدجالين والمشعوذين تلك الأوضاع لصالحهم، بعد أن أضفوا عليها الصبغة الدينية، واتخذوا منها وسيلة للتحايل على عقول الفلاحين (٢).
ولم يقتصر ظهور ذلك التخلف العقدى على السذج من أهل القرى، بل أصبح أمرًا مألوفًا تشهده أكبر الأماكن الدينية المعروفة، وهذا الجبرتى يصف ما كان يحدث في مشهد الحسين من ألوان الباع في يوم المولد وغيره مبينًا مبدأ الابتداع فيه: "وكان السبب في ذلك والأصل فيه، أن هذا المولد ابتدعه السيد بدوى بن فتيح، مباشر وقف المشهد، فكان قد اعتراه مرض الحب الإفرنجي، فنذر على نفسه هذا المولد إن شفاه الله تعالى، فحصلت له بعض إفاقة، فابتدأ به وأوقد في المسجد والقبة قناديل وبعض شموع، ورتب فقهاء يقرأون القرآن بالنهار مدارسة، وآخرون بالمسجد يقرأون بالليل دلائل الخيرات للجذولى، ثم زاد الحال وانضم إليهم كثير من أهل البدع، كجماعة العفيفى، والسمان، والعربى، والعيسوية، فمنهم من يتحلق ويذكر الجلالة ويحرفها وينشد له المنشدون القصائد والموالات، ومنهم من يقول أبياتًا من بردة المديح للبوصيرى، ويجاوبهم آخرون مقابلون لهم بصيغة صلاة على النبي ﷺ ، وأما العيسوية فهم جماعة من المغاربة وما دخل فيهم من أهل الأهواء ينسبون إلى شيخ من أهل المغرب يقال له: سيدى محمد بن عيسى، وطريقتهم أنهم
стр. 43
يجلسون قبالة بعضهم صفين، ويقولون كلامًا معوجًا بلغتهم بنغم وطريقة مشوا عليها، وبين أيديهم طبول ودفوف يضربون عليها (١).
وما هذا إلا غيض من فيض تلك الصور البدعية التي عمت بها أرجاء البلاد جملة وتفصيلًا.
ويذكر أنه تجاوز عدد الأضرحة التي يقصدها عامة الناس على الألف، من أشهرها ما يسمى بضريح السيد البدوى في طنطا، وضريح السيدة سكينة، وضريح السيدة نفيسة، وضريح السيدة زينب، وضريح الإمام الشافعي، وكل هذه الأضرحة قد بنى عليها جوامع ومساجد.
هذا وقد شهدت تلك الآونة إقبالًا كبيرًا من الملوك والأمراء على عمارة تلك المشاهد والمزارات، فقد كان الكثير منهم يسارع في القيام بهذه الأعمال لما فيه من إرضاء مشاعر الناس واكتساب مودتهم وولائهم، حيث صار التوسل بها من آكد العقائد في قلوب الشعب، ومن هنا فإن في تشييدها ما يضفى على سيطرتهم صبغة دينية تعزز مشروعية قيامهم بأعباء الحكم والولاية، حتى صار هذه الفعل علامة لا يكاد يشك في صدق دلالتها على صلاح وعدل فاعله.
ومع أن حماية البلاد الإسلامية من المد الشيعى كان من أبرز إيجابيات الدولة العثمانية ومواقفها المحمودة، إلا أن ذلك لم يكن مانعًا لها من الإبقاء على مودة الشيعة بتعمير مناطق العتبات المقدسة في النجف وكربلاء في العراق، وتيسير زيارتها أمام شيعة العراق وفارس والهند وأفغانستان (٢).
ولم يقتصر بناء الأضرحة والمساجد على من عرف بالصلاح أو الشهرة، بل تعدى ذلك إلى عامة الناس حتى صار من قبيل السنن المعهودة، وقد صرح بذلك الجبرتى حين وصف ما قام به أحدهم عند وفاة قريبه، يقول: "وبنى لأخيه ضريحًا بداخل ذلك المسجد ونقله إليه وذلك سنة" (٣).
стр. 44
كما نجد في سجلات المحاكم الشرعية الكثير من الوثائق المتعلقة بالوقف على الأضرحة الأخرى، مثل ضريح "جلال الدين"، وضريح الشيخ إبراهيم، كما كانت وظيفة النظر والتحدث على المساجد والأضرحة تنتقل من الآباء إلى الأبناء، كما تذكر المصادر المعاصرة (١).
أما عن الاستغاثة بأصحاب الأضرحة والتوسل بهم، فهذا أشهر من أن تقيده النصوص التاريخية، فلم يزل الأمر باعتقاد الضر والنفع بأولئك الموتى؛ حتى صار التوسل بهم مما تعج به تلك المساجد، التي أقيم صرحها فوق رفاتهم؛ مؤكدًا حقيقة التأله الذي قام في أفئدة الناس وضمائرهم نحوهم، فلا تكاد تخلو قرية من إله صغير يقدم الناس له ولأتباعه الذبائح، ويقسم به الأطفال، وتقام له الموالد، وهناك آلهة أكبر يمكن أن تعتبر آلهة مناطق، ومقرها المدن، وتلك يهرع لها إذا تعذر على الإله الصغير أن يحقق الآمال، ويمضى الزمن ولا يحقق هذا ولا ذاك أملًا، ولكن الناس في غيهم سادرون (٢).
وهذا الجبرتى يحكى قصة أحد الموالد، الذي سمح الفرنسيس بإقامته بعد انشغال الناس عنه بسبب الحملة، يقول: "وقد تقدم ذكر بعض خبر هذا السيد وأنه كان رجلًا من البله، وكان يمشى بالأسواق عريانًا مكشوف الرأس والسوءتين غالبًا، وله أخ صاحب دهاء ومكر، لا يلتئم به، واستمر على ذلك مدة سنين، ثم بدا لأخيه في أمر لما رأى من ميل الناس لأخيه، واعتقادهم فيه، كما هي عادة أهل مصر في أمثاله، فحجر عليه ومنعه من الخروج من البيت، وألبسه ثيابًا وأظهر للناس أنه أذن له بذلك، وأنه تولى القطبانية ونحو ذلك، فأقبلت الرجال والنساء على زيارته والتبرك به وسماع ألفاظه، والإنصات إلى تخليطاته، وتأويلها بما في نفوسهم، وطفق أخوه المذكور يرغبهم ويبث لهم في كراماته، وأنه يطلع على خطرات القلوب
стр. 45
والمغيبات، وينطق بما في النفوس، فانهمكوا على الترداد إليه، وقلد بعضهم بعضًا، وأقبلوا عليه بالهدايا والنذور والإمدادات الواسعة من كل شيء، وخصوصًا من نساء الأمراء والأكابر، وراج حال أخيه، واتسعت أمواله، ونفقت سلعته، وصادت شبكته، وسمن الشيخ من كثرة الأكل والدسومة والفراغ والراحة، حتى صار مثل البو العظيم، فلم يزل على ذلك إلى أن مات في سنة سبع بعد المائتين، فدفنوه بمعرفة أخيه في قطعة حجر عليها من هذا المسجد من غير مبالاة ولا مانع، وعمل عليه مقصورة ومقامًا، وواظب عنده بالمقرئين والمداحين والمنشدين بذكر كراماته وأوصافه في قصائدهم ومدحهم، ونحو ذلك، ويتواجدون ويتصارخون ويمرغون وجوههم على شباكه وأعتابه، ويغرفون بأيديهم من الهواء المحيط به ويضعونه في أعبابهم، وصار ذلك المسجد مجمعًا وموعدًا (١).
وقد تعددت مظاهر الضعف الدينى في تلك الآونة، كنوع امتداد للتحلل العقدى الذي أصيب به المسلمون، فضعف عقيدة الولاء والبراء وغياب الدافع العقدى للقيام بالشعائر التعبدية والتى أصبحت عند الكثير بمثابة العادات والتقاليد الموروثة؛ قد أنتج صورًا مؤسفة من الخروج عن التعاليم والشعائر التعبدية كالحجاب مثلًا، وكما اشرت سابقًا عن حياة المرأة في تلك الآونة، وما كانت تعيشه من إهمال كان له أكبر الأثر في تخليها عن هذه الأحكام وسرعة انجرافها وراء تيار الغرب السافر.
يقول الجبرتى في وصف نساء المسلمين أيام الحملة الفرنسية: "لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة. . . فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل، فتداخلن مع الفرنسيس لخضوعهم للنساء، وبذل الأموال لهن .. حتى كثرت الفواحش من النساء لما حل بالمسلمين من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع خيرات الدنيا في حوز الفرنسيس، وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهم لهن" حتى آل الأمر بهن أن قبلن الزواج بالفرنسيس لمجرد
стр. 46
نطقه بالشهادتين، وهنا يظهر التأثر بالفكر الإرجانى الذي عم البلاد، يقول: "وخطب الكثير منهم بنات الأعيان وتزوجوهن، رغبة في سلطانهم ونوالهم، فيظهر حالة العقد الإسلام وينطق بالشهادتين، لأنه ليس له عقيدة يخشى فسادها" (١).
* * *
وقد أفرز هذا الضعف الذي مس الحالة الدينية للبلاد ضعفًا آخر، يعد امتدادًا لذلك الانحراف العقدى، وهو التقصير في جانب العلوم النافعة، وذلك في عدد من المجالات الحيوية المهمة، فإن ضيق الأفق الذي أحدثه سيطرة الفكر الصوفى على البلاد الإسلامية؛ جعل الاهتمام بإصلاح الحياة وعمارة الأرض محل إهمال من الحكام والمحكومين، مما أدى بدوره إلى ضعف الإنتاج وتهالك القوة العسكرية التي هي حصان للأمة من أطماع المستعمرين.
إن الدين الإسلامى الذي جاء ليحقق الهدف من إيجاد الله تعالى للثقلين بتطبيق مفهوم العبادة بالمعنى الذي أنزلت له الكتب، وبعثت من أجله الرسل، ليدعو إلى إعمال العقل، تلك الغريزة التي ميز الله بها المكلفين عن غيرهم في كل ما هو نافع ومفيد، يتأتى بتحصيله أسباب عمارة المدارين.
إذ المفهوم الشامل لحقيقة العبادة بكونها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة، ليقضى بأن كل علم يتعلمه الإنسان يتحصل به مرضاة الرب من نفع العباد وتكميل مصالحهم هو من العبادات التي تقصد لذاتها.
ومن هنا فإن غياب هذه الحقيقة الخالدة عن المسلمين آنذاك، وانحصار مفهوم العبادة في الشعائر الظاهرة، بل وانتشار مذهب الإرجاء الذي يحكم على كل من صدق بالإيمان المنجى؛ كان سببًا أساسيًا في كل أنواع التخلف الفكرى والعلمى.
يقول الشيخ محمد قطب في بيان حقيقة ذلك التدهور الفكرى الذي عاشته الأمة المسلمة في تلك الآونة: "لقد قاد ذلك التخلف العقدى التدريجى، والذي حصر
стр. 47
العبادة في الشعائر التعبدية وحدها، وأخرج منها بقية التكاليف، إلى حدوث ضمور تدريجى في جميع التكاليف التي كانت من قبل مرتبطة بالعقيدة، ومرتبطة بالمعنى الشامل للعبادة، وأصبحت أمورًا كمالية، إن شاء الإنسان قام بها، وإن شاء تركها بلا ضير. وكان طلب العلم والقراءة والتفكير من بين هذه التكاليف التي خرجت من حيز العبادة فأصابها الضمور، ثم جاء الفكر الإرجائى فربت على هذا التخلف ومنحه الشريعة القائمة على أنه لا يضر مع الإيمان شيء، وجاءت الصوفية فحصرت عمل العقل كله في أضيق نطاق ممكن، لتفسح المجال - في وهمها - لعمل الروح، وساعد الاستبداد السياسى على إحداث جمود شامل في جميع المجالات" (١).
ومن جهة أخرى، فإن الإهمال الذي لاقته الشعوب من الدولة العثمانية تجاه النواحى التعليمية أيضًا؛ مما أسهم في تدهور الحياة العلمية في تلك الآونة، فقد قامت السياسة العثمانية على عدم التدخل في شؤون خدمات المرافق مثل الصحة والتعليم والمواصلات، فكانت تتركها للجهود الفردية، والتى تمحور اهتمامها بدورها في تعليم الناس العلوم الدينية على ما آلت إليه من تفريط واضطراب في المناحى العقدية، كما كان للاقتصار على التعليم الدينى - تلك النظرة القاصرة التي أفرزها التخلف العقدى - دون التعليم الدنيوى الذي ينفع الناس في أمور معيشتهم كالطب والفيزياء والحساب، أسوء الأثر في تخلف الحياة العلمية من موكب الترقى الذي آل إليه الأوربيون في تلك المناحى (٢).
ودون إغفال للفضل الكبير الذي أسداه الأزهر الشريف لطلاب العلم في تلك الآونة، فقد كان الأزهر هو المعهد الوحيد الذي تدرس فيه العلوم، ولولاه - بعد فضل الله تعالى - لانطفأت آخر شعلة للعلم في مصر ومن بعدها العالم العربى. . .
فقد استطاع الأزهر بفضل الأوقاف العديدة التي وقفها عليه أغنياء المسلمين خلال عصره الطويل، وبفضل ما كان يتمتع به علماؤه من هيبة ومكانة، أن يحمى العلوم
стр. 48
الإسلامية والعربية بعيدة عن أن تمتد إليها يد الملوك والحكام بالتغيير والتبديل؛ فقد كان فيه رجال يلتهبون غيرة على الإسلام ويجابهون أعداءه في الداخل والخارج بكل جرأة (١).
إذ يرى المؤرخون أن الأزهر أسدى للعالم الإسلامى في تلك الحقبة أجل الخدمات، إذ لولاه لانهار الفكر الإسلامى انهيارًا كان يمكن أن يهدد بالخطر، يقول أحد الباحثين مصورًا فضل الأرهر في تلك الحقبة: "استطاع الأزهر في تلك الأحقاب المظلمة أن يسدى إلى اللغة العربية والعلوم الإسلامية أجل الخدمات، وإذا كانت مصر قد لبثت خلال العصر التركى ملاذًا لطالب العلوم الإسلامية واللغة العربية، فكبر الفضل في ذلك عائدًا إلى الأزهر.
وقد استطاعت مصر لحسن الطالع بفضل أزهرها أن تحمى هذا التراث نحو ثلاثة قرون حتى انتهى العصر التركى بمحنه وظلماته، وربما كانت هذه المهمة السامية التي ألقى زمامها إلى الجامع الأزهر في تلك الأوقات العصيبة من حياة الأمة العربية والعالم الإسلامى بأسره، هي أعظم ما أدى الأزهر من رسالة وأعظم ما وفق لإسدائه لعلوم الدين واللغة خلال تاريخه الطويل الحافل" (٢).
وعلى الرغم من تضاؤل نفوذ الأزهر والعلماء في عصر محمد على بسبب اهتمام الحاكم والحكومة بالعلوم الحديثة التي ينشأ عنها الإصلاح والتقدم المادى في المجتمع، وما لاقاه الأزهريون بعد سقوط زعيمهم الكبير عمر مكرم - كما تقدم بيانه - وما وجه إليه من ضربات حاقدة من المستعمر بدءً بالمحاولات الجادة في استمالة علمائه ومشايخه؛ وانتهاءً بضربه بالقنابل من القلعة واتخاذ بعض أروقته اصطبلًا للخيل؛ فقد ظل للأزهر بنوابغ رجاله دور هام في الحياة التعليمية والاجتماعية، فقد أفادت الحكومة من الأزهر بعمل نوابغ رجاله في المدارس
стр. 49
الحكومية، وإرسال بعضهم في البعثات التعليمية، وبمساهمة بعضهم في حركة الترجمة والإشراف على تصحيح المطبوعات.
والحق أن الأزهر في ذلك العصر الملئ بالاضطرابات والقلاقل السياسية ظل شامخًا بنوابغ أبنائه، فكان يدرس فيه الشيخ الدردير، والشيخ الأمير، والشيخ على الصعيدى، وغيرهم من جهابذة علماء الأزهر الذين تتلمذ وتخرج عليهم الشيخ أحمد الصاوى وغيره من علماء المسلمين (١).
* * *
стр. 50
الفصل الثاني: حياة الصاوى
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: سيرته الذاتية.
المبحث الثاني: مكانته العلمية ومؤلفاته.
стр. 51
(المبحث الأول): سيرته الذاتية
١ - اسمه ونشأته:
اسمه: أحمد بن محمد الصاوى، يتصل نسبه بمحمد ابن الحنفية بن الإمام على رضى الله عنه، وهو من قبيلة بنى حنيفة، يسكنون بذى الحليفة: الميقات المشهور، بأرض الحجاز.
وقد انتقل جده محمد الحنفى إلى مصر، ونزل بقرية من قرى النيل تسمى: صالحجر، وذلك في سنة ثمانمائة وخمس من هجرته ﷺ .
مولده ونشأته:
ولد الشيخ أحمد الصاوى سنة خمس وسبعين بعد المائة والألف (١١٧٥ هـ) بصالحجر، البلدة التي عاشت فيها أسرته بضعة قرون، وهى من أقاليم المنطقة الغربية المشتهرة في مصر.
كان والده من أهل العلم والزهد، وممن يشهد له بالمحافظة على الصلاة في المسجد مع الجماعة، وقد توفى ﵀ وابنه أحمد يحفظ القرآن الكريم.
واستمر الصاوى بعد وفاة أبيه في حفظه للقرآن الكريم حتى أتمه قبل أن يتم العاشرة من عمره، وكان الشيخ ممن يحرص على تحصيل العلم أشد الحرص، فعزم وهو في سن مبكرة على الذهاب إلى الجامع الأزهر في القاهرة حتى يتم له ما يقصده من التعلم والاستفادة، فحال دون رغبته تلك أخوته، حيث منعوه من ذلك إلا أنه أصر وسافر خفية عنهم، ولكنهم عندما علموا بسفره وعزمه على تحصيل العلم بعد خوفهم الشديد عليه بعد فقدهم إياه، ساعدوه وأرسلوا له ما يكفيه من المؤونة والزاد طوال رحلته في سبيل العلم.
وقد التحق بالأزهر في عام (١١٨٧ هـ) وأقام فيه لطلب العلم، وسنه إذ ذاك سن المراهقة، وبعد أن تم له ما يريد اشتغل بالتدريس والتأليف، وبعد رحلة طويلة
стр. 52
مع العلم والتعليم توفى سنة: ١٢٤١ هـ بالمدينة المنورة، وعمره (٥٤) سنة، وذلك في رحلته إلى الحج حيث بقى فيها مريضًا بضعة من الأيام، رحمه الله تعالى (١).
٢ - صفاته وأخلاقه
يصف أحد تلاميذ الصاوى شيخه، بأنه كان على خلق رفيع، حسن المعاملة، عطوفًا على عباد الله، رفيقًا بمن يربيهم من التلاميذ والأتباع، شديد الرأفة بهم، حتى كثر طلابه، وعلا ذكره على سائر أقرانه.
ومع هذا فقد كان مجدًا في العلم والعبادة يحمل نفسه دائمًا على المثابرة والاجتهاد، كما يربى تلاميذه على ذلك، يحدث بهذا تلميذه الكتبى، حيث يقول: "اعلم أن الذي حصل لأستاذنا من اشتهار ذكره، وجذب القلوب إليه، وهيبته في قلوب الخلق، وتعلق الأتباع بأذياله، والتئامهم في ذكر الله، وكثرتهم ولهجهم بذكره في غيبته وحضوره، والثناء عليه بين يديه، لم يقع لغيره في عصره لأحد من إخوانه، بل ولا لأشياخه الذين شاهدناهم، مع أنه ليس له مجلس مؤانسة وحديث دنيوى مما يستدعى جذب القلوب، بل كان في غاية الكد والطاعة، شاهدته مرة في خلوة يقول: اللهم إن كان فيَّ بقية لغيرك، فانزعها، إلى آخر ما ذكر" (٢).
стр. 53
٣ - شيوخه وتلاميذه
شيوخه:
تتلمذ الصاوى على عدد من كبار المشايخ وعلماء الأزهر آنذاك، فنهل منهم مختلف العلوم والفنون، ومن أشهرهم:
١ - الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي حامد العدوي المالكى الأزهري الشهير بالدردير، ولد في صعيد مصر ببنى عدى، وحفظ كامل القرآن الكريم، دخل الجامع الأزهر حبًا في العلم وطلبه، حضر دروس العلماء، وقد أخذ التصوف على الطريقة الخلوتية بواسطة الشيخ الحفنى، وصار من أكبر مريديه.
كما نال حظًا وفيرًا من الفقه، على يد الشيخ على الصعيدى، حيث تعين الدردير بعد شيخه في منصب الإفتاء على المذهب المالكى.
هذا وقد حاز عددًا من المناصب في وقته، فقد عين ناظرًا على وقف الصعايدة، وشيخًا على طائفة الوراق، حتى غدت منزلته في المشيخة عالية على سائر مشايخ وقته.
اتصف بالزهد والورع والقيام بشأن الحسبة، فقد كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر.
كان مولده في عام: ١١٢٧ هـ، وتوفى عام: ١٧١٥ هـ ﵀.
من مؤلفاته:
- أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك.
- تحفة الأخوان في علم البيان.
- الصلوات الدرديرية.
- الخريدة البهية في العقائد التوحيدية .. (١)
стр. 54
٢ - الشيخ سليمان بن عمر بن منصور العجيلى الشافعي الأزهري المصرى، المعروف بالجمل، ولد بمنية عجيل، إحدى قرى الغربية، وورد مصر ولازم الشيخ الحفنى، وأخد عنه الطريقة الخلوتية، وتفقه عليه وعلى غيره من فقهاء العصر، مثل الشيخ عطية الأجهورى.
اشتهر بالصلاح وعفة النفس، ونوه الشيخ الحفنى بشأنه، وجعله إمامًا وخطيبًا بالمسجد الملاصق لمنزله على الخليج، ودرس بالأشرفية والمشهد الحسينى في الفقه والحديث والتفسير، وكثرت عليه الطلبة، وقرأ المواهب والشمائل وصحيح البخاري وتفسير الجلالين بالمشهد الحسينى، بين المغرب والعشاء، وحضره كثير من الطلبة.
توفى سنة: ١٢٠٤ هـ.
من مؤلفاته:
- تقريرات للشيخ الجمل.
- الفتوحات الأحمدية على الهمزية.
- الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين. (١)
٣ - الشيخ أبو عبد الله محمد عبادة بن برى، قدم مصر، وتلقى ألوان العلوم على كثير من الأعلام في ذلك الزمن، كالطحلاوى، والدرديرى، والصعيدى، حتى صار من أكبر تلامذته فقد درس الكتب المهمة في الفقه وغيرها.
ومن مؤلفاته:
- حاشية على جذور الذهب.
- وحاشية على مولده ﷺ للغيطى، وللهدهدى.
توفى آخر جمادى الثانية: ١١٩٣ هـ. (٢)
стр. 55
٤ - الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقى الأزهري، ولد بدسوق، وكان ﵀ ملمًا بجل العلوم وشتاتها، حضر مصر، وحفظ القرآن الكريم وأتقن تجويده على يد الشيخ محمد المنير، وقد لازم أجلة العلماء في عصره كالصعيدى والدرديرى، وغيرهم.
من مؤلفاته:
- حاشية على مختصر السعد.
- حاشية على الدردير على المختصر.
اشتغل بالتدريس والإفتاء حتى وافته المنية في ربيع الثاني سنة: ١٢٣٠ هـ. (١)
٥ - الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد من عبد القادر السنباوى الأزهري الشهير بالأمير، وهو لقب جده الأدنى: أحمد، وسببه أن أحمد وأباه عبد القادر كان لهما إمرة بالصعيد وأصلهم من المغرب، نزلوا بمصر ثم بناحية سنبو، فهو عالم فاضل صاحب تحقيقات واضحة، تفقه في العلوم وحاز قصب السبق في ميادينها المختلفة، فقد انتهت إليه الرياسة فيها.
أخذ عنه الكثير من طلاب العلم، منهم الصاوى، والدسوقى، وصالح عبد الجبار، والعقباوى وغيرهم.
مؤلفاته:
له مؤلفات غاية في الإتقان، منها: المجموع وشرحه وحاشيته عليه، وكان شيخه الصعيدى إذا توقف في موضع يقول: هاتوا مختصر الأمير، وهى منقبة شريفة له.
وله حاشية على شرح الشيخ عبد الباقى الزرقاني على المختصر، إلى غير ذلك من المؤلفات العديدة.
اتصف بالسماحة والرقة وفصاحة اللسان، وكان ينظم الشعر، ولد - رحمه الله تعالى - سنة: ١١٥٤ هـ، وتوفي في ذى القعدة سنة: ١٢٣٢ هـ (٢).
стр. 56
٦ - الشيخ عبد الله بن حجازى بن إبراهيم الشافعي الأزهري الشهير بالشرقاوى، ولد ببلدة تسمى الطويلة بشرقية بلبيس، ونشأ على حفظ القرآن، وبعد أن أتمه قدم إلى الجامع الأزهر، وسمع من الملوى، والجوهرى، والدمنهورى، ومن الشيخ يوسف الحفنى، وغيرهم.
من مؤلفاته:
له تآليف كثيرة في مختلف العلوم، منها:
- تحفة الناظرين فيما ولى مصر من الولاة والسلاطين.
ولد سنة: ١١٥٠ هـ، توفى سنة: ١٢٢٧ هـ. (١)
٧ - الشيخ أحمد بن شهاب الدين أحمد بن محمد السجاعى الشافعي الأزهري، ولد بمصر ونشأ بها، وقرأ على والده وعلى الكثير من مشايخ الوقت، وتصدر للتدريس في حياة أبيه وبعد موته، وصار من أعيان العلماء.
من مؤلفاته:
- بلوغ الإرب بشرح قصيدة من كلام العرب.
- الجواهر المنتظمات في عقود المقولات.
- حاشية السجاعى شرح القطر لابن هشام.
توفى بالقاهرة سنة: ١١٩٧ هـ (٢).
* * *
تلاميذه:
أخذ عن الشيخ الصاوى الكثيرون من طلاب العلم، منهم:
١ - السيد أحمد الششتى المتوفى سنة: ١٢٣٥ هـ، وقد ألف كتابًا في مناقب شيخه الصاوى، ومات في حياة شيخه قبل أن يتمه، حيث ارتحل لأداء الحج، وكان أن توفي في المدينة ودفن في البقيع.
стр. 57
٢ - الشيخ الهاشمى الرتبى المتوفى سنة: ١٢٤٠ هـ، أجاز له الصاوى بجميع ما له من المرويات.
٣ - الشيخ يوسف بن محمد بن يحيى البطاح الأهدل الزبيدى، توفى سنة: ١٢٤٦ هـ.
٤ - الشيخ أبو حامد العربى بن محمد الدفتى الفاسى المتوفى سنة: ١٢٥٣ هـ.
٥ - الشيخ محمد بن على السنوسى الخطابى المتوفى سنة: ١٢٧٦ هـ.
٦ - محمد بن حسين الكتبى الحنفى الذي أتم كتاب صاحبه الششتى في مناقب شيخهما الصاوى.
وكان من تلاميذه أيضًا: السيد محمد الكفراوى، وأحمد محمد نصير، والسيد محمد البنا الحنفى مفتى السادة الحنفية، وسليمان أفندى البلانى، والسيد قاسم الششتى، والشيخ على مطر الغريانى. (١)
* * *
стр. 58
(المبحث الثاني): مكانته العلمية ومؤلفاته
الشيخ أحمد الصاوى فقيه مالكى معروف، تتلمذ على يد الشيخ أحمد الدردير، وهو إمام المالكية في عصره، ألف الصاوى شروحًا وحواشى على بعض الكتب الشهيرة في المذهب المالكى، والتى قرر تدريسها في الأزهر الشريف، وكانت لها الصدارة بين كتب المالكية عند كل طلاب الشريعة في البلاد الإسلامية.
وكما تمت له الإمامة في الفقه؛ فقد برز في مجال التفسير، حيث أثرت في موهبته العلمية تلك الدروس التي كان يحضرها لمشايخه، وعلى رأسهم شيخه الجمل، حتى تم له وضع حاشية على تفسير الجلالين، اتسمت بالعبارة المختصرة والتركيز في توضيح معنى الآية.
ومع تمكنه من تلك العلوم فقد كانت له مكانة معروفة في جانب العقائد، حيث عمل بعض الحواشى والشروح على كتب المتأخرين من الأشاعرة، كالدردير واللقانى، وقد اعتمد فيها أصول المذهب الأشعري، إلا أنه قد يخرج بعض الشيء عن تقارير المتكلمين تبعًا لشخصيته المتميزة في الفقه، والتى جعلت منه مجتهدًا متمكنًا لا يأبه لكلام من سبقه، إذا لم يكن له اقتناع كامل به، ونتيجة لهذا فقد يقع في نوع من التناقض والذي كثيرًا ما يحمله على عدم الترجيح البين، وهذا ما سيتضح في المبحث الثاني، بإذن الله.
أما عن موقفه من الحديث الشريف، فقد كان له اهتمام واضح به، يصدق هذا كثرة الأدلة التي يوردها في الاستدلال على المسائل الفقهية أو العقدية، إلا أن التدقيق من جهة السند يتسم عنده بالضعف، إذ يقتصر في الغالب على ذكر المتن، ولا يذكر المرجع الحديثى له إلا فيما ندر، كما أنه لا يشترط الصحة لما يستدل به، فقد يذكر الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
стр. 59
ولما كان طريق التصوف باتباع الشيخ هو المسلك المعروف لترقيق القلوب في ذلك الوقت، فقد سار الصاوى على نهج شيخه الدردير في انتهاج طريقة الصوفية، وقد تعمق بها الصاوي حتى تم له وضع شرح على كتاب الدردير، هو أشبه ما يكون بخلاصة مركزة لعلوم التصوف؛ حيث وضح فيه المقامات والآداب، وعمد إلى تأصيلها من جهة العلوم الشرعية، وقد نقل في ذلك الكثير من أقوال أئمة التصوف، حتى الغلاة منهم، مما يشير إلى سعة اطلاعه في كتب القوم، ولكنه كان ينهج منهج المتأخرين من الأشاعرة في تأويل كلام أولئك الغلاة وحمله على محمل معتدل.
ولميله الشديد نحو المتصوفة ومحبته لهم؛ حيث يبعد ذكر واحد من كبارهم دون أن يعقبه بالترضى عنهم، فقد يقع في نوع من الغموض والتحيير، كما هو حال من وقع في الابتداع والخروج عن منهج السلف - رضوان الله عليهم -. وللحديث تتمة في المبحث القادم بإذن الله.
وكما تم له التمكن في العلوم الشرعية، كان له ذلك أيضًا في علوم الآلة، فقد برع في علم النحو، وعلم البلاغة والبيان، وتعد حاشيته على التفسير برهانًا يشهد له بهذه البراعة والتمكن، فالمتأمل لشروحاته على الآيات يلحظ هذا بوضوح، ولعلى أنقل بعض تلك النصوص في حديثى عن هذه الحاشية مفصلة القول، وذلك لأهميتها العلمية بين طلبة العلم.
وكان له في علم اللغة حواشى وضعها على بعض كتب الدردير.
وحتى يتم الحديث في حياة الصاوى العلمية؛ يحسن تناول أشهر مؤلفاته العلمية، بنوع من العرض والتحليل، كى يتسنى لنا الإحاطة الكافية لإدراك المكانة العلمية التي حازها الصاوى من جهة ما قدم من مؤلفات.
* * *
مؤلفاته:
تعددت مؤلفات الصاوى، كما تعددت الفنون التي برع فيها، فقد فاق أقرانه
стр. 60
بسعة علمه وحدة ذكائه، حيث ألف في التفسير والفقه وعلم الكلام والنحو والصرف والبلاغة وغيرها.
ولما كان هذا البحث مستندًا في بيان آراء الصاوى إلى الكتب التي اشتملت على المسائل العقدية دون غيرها، فقد عمدت عند عرضى لها إلى إعطاء صورة موجزة للقارئ عن أهم ما تتميز به ويدور عليه محور مواضيعها، مبرزة من ذلك الجانب العقدى؛ لأهميته المتعينة.
١ - حاشية الصاوى على تفسير الجلالين: وقبل أن أتحدث عن ما حوته هذه الحاشية من المعارف والعلوم المتعددة، يحسن بى أن أعرف بهذا المؤلف العلمى ذى المكانة المتميزة بين كتب التفسير.
فتفسير الجلالين. هو التفسير الذي قام بتأليفه عالمان جليلان هما: جلال الدين السيوطي (١)، وجلال الدين المحلى (٢)، حيث ابتدأ التفسير جلال الدين المحلى من سورة الكهف إلى آخر سورة الناس، ثم ابتدأ بسورة الفاتحة، فوافته المنية ولما يكمل التفسير بعد، فقام الحافظ السيوطي بإكمال ما شرع به المحلى، فكان تفسيره من أول سورة البقرة إلى سورة الإسراء.
стр. 61
وهذا التفسير من المؤلفات العلمية، التي حازت شهرة واسعة في البلاد الإسلامية، فقد تميزت عبارته بالدقة والاختصار غير المخل، كما اشتمل على أهم العلوم التي يستعان بها في فهم كلام الله تعالى، من أسباب النزول والإعراب، وأيضًا التنبيه على بعض القراءات المختلفة المشهورة.
ومع دقة عباراته وقوتها العلمية؛ فقد استخدم في تأليفه الأسلوب الدمجى، وهذا النوع من الشروح يعد في الحقيقة من أصعب المناهج المتبعة في توضيح النصوص وتفسير ما أغلق منها، لذلك فقد حاز هذا التفسير إعجاب الكثير من أهل العلم فاشرأبت الأعناق إلى خدمته، فقامت عليه الكثير من الحواشى العلمية، وكان من أشهرها حاشية الشيخ الجمل وحاشية الشيخ الصاوى، والتى نحن الآن بصدد الحديث عليها.
هذا وقد طبع الكتاب مرات عديدة، وكان يطبع في هامش القرآن الكريم (١).
أما عن حاشية الصاوى فتقع هذه الحاشية في أربعة مجلدات من القطع الكبير، وقد طبعت عددًا من المرات، وكانت هذه الحاشية اختصارًا اختصره المؤلف لحاشية شيخه الجمل، وقد ذكر سبب اختصاره لها في أول التفسير، يقول: "لما كان علم التفسير أعظم العلوم مقدارًا وأرفعها شأنًا ومنارًا، إذ هو رئيس العلوم الدينية، ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها، وكان كتاب الجلالين من أجل كتب التفسير، وقد أجمع على الاعتناء به الجم الغفير من أهل البصائر والتنوير، جاءنى الداعى الإلهى بقراءته، فاشتغلت به على حسب عجزى، ووضعت كتابة مخلصة من حاشية شيخنا العلامة المحقق المدقق الورع الشيخ سليمان الجمل، مع زوائد فتح بها مولانا من نور كتابه.
وإنما اقتصرت على تلخيص تلك الحاشية؛ لكونى وجدتها ملخصة من جميع كتب التفسير التي بأيدينا، تنسب لنحو عشرين كتابًا منها البيضاوي وحواشيه، ومنها الخازن والخطيب والسمين وأبو السعود والكواشى والبحر والنهر والساقية والقرطبى
стр. 62
والكشاف وابن عطية والتحبير والإتقان، ولم أنسب العبارات لأصحابها غالبًا اكتفاءً بنسبة الأصل، والله على ما أقول وكيل، وهو حسبى وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
وقد تلقيت هذا الكتاب من أوله إلى آخره مرتين على العلامة الصوفية سيدى الشيخ سليمان الجمل، وعن الإمام أبى البركات العارف بالله تعالى، أستاذنا الشيخ أحمد الدرديرى، وعن أستاذنا العلامة الشيخ الأمير، وكل من هؤلاء الأئمة تلقاه عن تاج العارفين شمس الدين سيدى محمد بن سالم الحفناوى، وعن الإمام أبى الحسن سيدى الشيخ على الصعيدى العدوى" (١)
ومع كون هذا النص يوحى بأن هذه الحاشية مجرد اختصار، لم يخرج به المؤلف عن الأصل، إلا أن الحقيقة العلمية تكشف عن تحرر الصاوى في الكثير من المواضع، بذكر فوائد وتعليقات تفرد بها عن شيخه الجمل.
أما عن منهجه في التفسير فقد اعتمد في الغالب منهج التفسير بالمأثور، يؤيد هذا كثرة الأحاديث التي يستدل بها في تفسيره الآية الكريمة، مما يدل على اهتمامه بالحديث الشريف، كما اهتم بذكر أسباب النزول وفضائل السور، إلا أنه لم يكن يتحرى الصحة فيها، ولم يعتمد المنهج الصحيح في الاستدلال بها، وذلك من حيث العزو والتوثيق، فمثلًا قد يذكر الحديث دون أن يذكر مرجعه وهذا هو الغالب، ثم كثيرًا ما يذكره بصيغة لا تفرق بينه وبين الأثر؛ فلا يدرى القارئ من أيهما يكون، فيقول في بدايته: كما ورد؛ ويذكر الحديث أو الأثر.
ولى أن أورد بعض الأمثلة لإبراز هذا الجانب، فعند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، يقول السيوطي شارحًا الآية: أي استبدلوها به، ويعلق الصاوى على ذلك، فيقول: "أشار بذلك إلى أن المراد بالشراء مطلق الاستبدال، والباء داخلة على الثمن، والمراد بالضلالة الكفر، وبالهدى الإيمان.
стр. 63
وكلامه يقتضى أن الهدى كان موجودًا عندهم ثم دفعوه وأخذوا الضلالة، وهو كذلك، لقوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء) (١) " (٢)
وهذا نموذج يدل على استدلال الصاوى بالحديث الصحيح وابتدائه بما يدل على ذلك.
ومن أمثلة استدلاله بالحديث الضعيف، ما ذكره في فضل سورة الإخلاص، حيث يقول: "قال ﷺ : (من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه ثم قرأ: سورة الصمد مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب : يا عبدى أدخل بيمينك الجنة) (٣) " (٤)
وهذا الحديث ضعيف؛ لأن في رجاله حاتم بن ميمون الكلابى، فقد قال عنه ابن حجر: "ضعيف، من الثامنة" (٥)
كما يكثر استدلاله بالأخبار الإسرائيلية، والآثار الغريبة دون أن يذكر لها مرجعًا، ومن ذلك ما ذكره في أول سورة الأنعام بيانًا لفضلها، يقول: "ورد أنها فاتحة التوراة، وخاتمتها قبل آخر هود، وقبل آخر الإسراء" (٦).
وكان هذا الأثر من جملة الآثار الضعيفة، فقد أخرجه الطبري في تفسيره عن كعب بن الأحبار، وفى سنده: سفيان بن وكيع بن الجراح: ذكر علماء الجرح في ترجمته أنه كان صدوقًا، إلا أنه ابتلى بوراقة فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل فسقط حديثه. (٧)
стр. 64
مكانتها العلمية:
إن هذه الحاشية لتعد من أضخم مؤلفات الصاوى، وأبرزها مكانة، وذلك لاشتمالها على عدد من العلوم والفنون؛ مما يدل على تمكنه منها، وذلك في الكثير من الآيات التي قام بتفسيرها.
وسأبدأ بالحديث عن مجال الفقه على اعتبار ما تميز به الصاوى من تمكن في هذا الجانب.
فالصاوى مجتهد مشهود بإمامته في هذا الباب؛ ولكنه غالبًا لا يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المعروفة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبى حنيفة، وذلك لأنه يرى في الخروج عليهم مخالفة للجماعة، وأضرب لذلك مثالًا، ففى تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].
يقول الصاوى عند تفسيره لها: "قال جمهور العلماء: الخطبة فريضة في صلاة الجمعة، وقال داود الظاهرى: هي مستحبة، ويجب أن يخطب الإمام قائمًا خطبتين يفصل بينهما بجلوس. وقال أبو حنيفة، وأحمد: لا يشترط المام ولا القعود، ويشترط الطهارة في الخطبة عند الشافعي في أحد القولين، وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة أن يحمد الله تعالى، ويصلى على النبي ﷺ ، ويوصى بتقوى الله، وهذه الثلاث شروط في الخطبتين جميعًا، ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن، ويدعو للمؤمنين في الثانية، ولو ترك واحدة من هذه الخمس لم تصح خطبته، ولا جمعته عند الشافعي، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه، وذهب مالك إلى أن ما يقع عليه عند العرب اسم الخطبة هو كلام مسجع مشتمل على تحذير وتبشير" اهـ (١).
стр. 65
هذا وكثيرًا ما تتوج تلك الأقوال برأى الإمام مالك، كما هو واضح على اعتبار تمذهبه بمذهبه - رضى الله عنه - ولكن مما يؤخذ عليه في هذا الجانب ما يسلكه من مذهب التشديد في عدم الخروج عن الأئمة الأربعة، ولو مع وجود الموجب الشرعي، كالأدلة الصريحة من الكتاب والسنة.
وقد اعتنى الصاوى أيضًا بعلم القراءات في حاشيته على الجلالين، فأى موضع ذكر فيه السيوطي أو المحلى قراءة، فرنه يقوم ببيان نوعها، سبعية أو عشرية أو شاذة، كما يعتنى بتوجيهها وذلك من حيث اللغة والإعراب، وقد ينبه على أثر تلك القراءة في المعنى، وإذا لم يكن قد استوعب ذكر جميع القراءات، إلا أن اهتمامه بها واضح في حاشيته، وقد يذكر بعض القراءات التي لم يذكرها الجمل في الأصل.
مثال ذلك: يفسر السيوطى قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]: أي تحط عنا خطايانا، يقول الصاوى معلقًا: "وفى قراءة شاذة بنصب حطة، إما مفعول مطلق، أي حط عنا الذنوب حطة، أو مفعول لمحذوف أي نسألك حطة" (١)
كما تتسم حاشية الصاوى بالإكثار من المسائل اللغوية والنحوية والبلاغية، مما يدل على تمكن صاحبها من هذه العلوم المهمة، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ففى بيان معانى الكلمات القرآنية من جهة اللغة، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].
أزًّا: مفعول مطلق لتؤزهم، والأز يطلق على الغليان، وعلى الحركة الشديدة وعلى التهيج والإزعاج، وهو المراد هنا" (٢).
ويظهر اهتمامه بالمسائل البلاغية في، كثير. من المواضع، يقول عند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
стр. 66
: "صراطى مستقيمًا، أي دين لا اعوجاج فيه، فشبه الدين القويم بالصراط بمعنى الطريق، بجامع أن كلِّ يوصل للمقصود، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية" (١).
أما عن المسائل النحوية، فلا تكاد تخلو شروحه على أي آية منها، وهو فيها بين اختصار لإفادة المعنى فقط، وبين إسهاب وتفصيل يرى فيه زيادة في الوضوح والإفهام، وأضرب لكلٍّ مثال، يقول عند قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨]
: "انظر، بمعنى انتظر؛ فماذا بمعنى الذي، ويرجعون صلته والعائد محذوف، ويكون ما مفعول يرجعون، والمعنى انتظر الذي يرجعونه" (٢).
يقول عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام: ١٥, ١٦].
: "عذاب يوم عظيم: مفعول لأخاف، وجملة إن عصيت ربى: شرطية، وجوابها محذوف دل عليه أخاف، وهى معترضة بين الفعل، وهو أخاف ومعموله وهو عذاب.
قوله: من يصرف عنه، من: اسم شرط، ويصرف: فعل الشرط، ونائب الفاعل: مستتر يعود على العذاب على القراءة الأولى.
والفاعل الله على القراءة الثانية، وعنه جار ومجرور متعلق بيصرف.
وقوله: (فقد رحمه)، جواب الشرط، والمفعول محذوف تقديره العذاب، والمعنى: من يصرف الله العذاب عنه يوم القيامة فقد رحمه، وفى ذلك تعريض بأن الكفار لا يرحمون، لأنه يصرف عنهم العذاب" (٣).
واهتمامه باللغة لم يقتصر على الإعراب والنحو فقط، بل ظهر أيضًا في حديثه
стр. 67
عن مبانى الكلمات من الناحية الصرفية، مثال ذلك في قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦].
يقول المحلى في هذه الآية: "قوله ترين: حذفت منه لام الفعل وعينه، وألقيت حركتها على الراء، وكسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين".
يقول الصاوى موضحًا: "قوله: (حذفت منه لام الفعل) أي، وأصله: تترأيين، بهمزة هي عين الكلمة، وياء مكسورة، هي لامها، وأخرى ساكنة، هي ياء الضمير، والنون علامة الرفع، نقلت حركة الهمزة إلى الراء، فسقطت الهمزة، فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا فالتقى ساكنان حذفت لالتقائهما، ثم أكد بالنون وحرك بالكسر، ففيه ستة إعمالات نقل الحركة، وسكون الهمزة، وقلب الياء ألفًا، وحذفها، وتأكيده بالنون، وتحريكه بالكسر، وإن نظرت لحذف نون الرفع للجازم، كانت سبعة، أفاد المفسر منها خمسًا، ولم يرتبها كما يعلم بالتأمل" (١).
هذا والمآخذ على هذه الحاشية كثيرة، وليس في هذا منعًا من الاعتراف بمكانتها العلمية، من حيث اشتمالها على كثير من العلوم الشرعية، التي هي المستند الصحيح في تفسير القرآن الكريم (٢).
وإذا كنت قد تناولت في هذا البحث - الذي أسأل الله الكريم أن ينفع به - جميع المآخذ العقدية التي احتواها التفسير، وحرصت على مناقشتها في ضوء عقيدة السلف الصالح، فقد أردت أن أنبه هنا على بعض تلك المآخذ؛ حتى يتكون لدى القارئ تصور سليم، وفكرة متكاملة، عن هذا المؤلف المهم، قبل الشروع في الدراسة التفصيلية لهذه المآخذ، عبر مناقشة آرائه العقدية في جميع كتبه.
فإن ما يؤخذ على الصاوى في هذه الحاشية من المآخذ العقدية له جانبان أحدهما لا ينفك عن الآخر، جانب يتعلق بالمنهج وجانب آخر يتعلق بالنتيجة المترتبة على
стр. 68
سلوك هذا المنهج، وهى المسائل الواردة فيه، فمع أن الصاوى قد انتهج المنهج السديد في تفسير القرآن الكريم، وهو التفسير بالمأثور في الغالب، إلا أنه كان يخرج عنه بين الفينة والأخرى، فنراه يعمد في بعض الأحيان إلى تفسير القرآن بالرأى المجرد متبعًا مسلك الصوفية في تفسير القرآن بالإشارة والمواجيد، فمثلًا يفسر قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦].
قائلًا: "وفي الآية معنى إشارى للصوفية، وهو أن العباد لو حصلت منهم الاستقامة على الطريقة بالانهماك في مرضات الله تعالى لملأ الله قلوبهم بالأسرار والمعارف والمحبة الشبيهة بالماء في كونها حياة الأرواح كما أن الماء حياة الأجسام، فيحصل لهم بذلك الفتنة فيه بأن يسكروا ويطربوا ويدهشوا، ويخرجوا عن الأهل والأوطان، فالاستقامة سبب للرزق، الظاهرى والباطنى" (١).
كما لا يخفى أن عقيدة الصاوى الأشعرية كانت تحمله على تفسير آيات العقيدة وفق المنهج الأشعري، فيقع بسبب ذلك في التأويل المذموم، خصوصًا في الآيات المتعلقة بالصفات الإلهية، وقد عمد من أجل ذلك إلى استخدام عبارات المتكلمين المبتدعة، والتى كان لها أثر خطير على التنظير المنهجى لتلقى العقيدة من القرآن الكريم، كالقول بأن: "الأخذ بظواهر الكتاب والسنة كفر" (٢)، وعبارات أسلافه التي شنع عليها أئمة السلف من قبل (٣).
كما أنه أورد بعض الاتهامات الجائرة في أئمة فضلاء، كانوا ممن حمى حمى التوحيد دهرًا، وكان لهم الفضل في الدعوة إليه أبدًا، رضى الله عنهم وأرضاهم وذلك مثل الإمام التقى الفاضل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث وصمه بأنه ضال مضل (٤)، ومثل دعاة التوحيد في أرض نجد، والذين أطلق عليهم الاسم المعروف: بالوهابية.
стр. 69
هذا وقد اتهمهم بتهمة محاكاة الخوارج، مما يوحى بانحراف منهجه عن المسلك القويم.
والحاشية مليئة بالترضى على كبار ملاحدة التصوف كابن عربى، وابن الفارض (١).
ومليئة بنقل كلامهم الضال المبتدع، ومليئة بالأوهام الصوفية المنافية للتوحيد من التشريع للتوسل بالصالحين بعد موتهم، وغير ذلك، ولعلى أذكر هنا طرفًا من تلك الانحرافات وسأترك مناقشتها إلى مكانها في هذا البحث، ومن ذلك نقله عن ابن الفارض في معرض كلامه عن مقاصد عباد الله الصالحين، يقول: "بل بعض العبيد من أهل المحبة في الله لا ينتظر بعمله الجنة، بل يقول: عبدناك لذاتك لا لشيء آخر. قال العارف ابن الفارض حين كشف له عن الجنة وما أعد الله له فيها في مرض موته:
إن كان منزلى في الحب عندكم ... ما قد رأيت ضيعت أيامى" (٢)
والكثير من مثل هذه الأقوال التي فيها مخالفة صريحة لمنهج الرسل ﵈ والسلف الصالح - رضوان الله عليهم -، وقد أدى في مجموع هذه المواقف المبتدعة إلى وسم هذه الحاشية بسمة الابتداع والضلال، ومما لا شك فيه أن تحذير النبي ﷺ جاء مصرحًا به في باب الابتداع، فقد صح في الحديث عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) (٣).
وسيأتي الكلام عن هذا مفصلًا في موضعه بإذن الله من هذا البحث.
стр. 70
الحواشى العقدية:
٢ - شرح جوهرة التوحيد للقاني (١): وجوهرة التوحيد هي منظومة شعرية، احتوت خلاصة مذهب الأشاعرة في علم التوحيد والعقائد، عدد أبياتها: (١٤٤) بيتًا.
ولما اتسمت به هذه المنظومة من سهولة الألفاظ والبعد عن التعقيد الفلسفى، فقد اعتنى بها جمع من علماء الأشاعرة؛ فعملوا عليها الحواشى والشروح، منها هذه الحاشية التي كتبها الصاوى.
ويحكى أنه قام بقراءتها في رمضان، وألف عليها هذه الحاشية، وقد تميزت عن غيرها من الحواشى في موافقة النظم من حيث اختيار العبارات السهلة ومحاولة البعد عن التعقيد الفلسفى، وقد سار فيها الصاوى على النهج الأشعري في تحرير المسائل العقدية، فلم يخرج عنه إلا في بعض المسائل اليسيرة.
وقد طبعت هذه الحاشية عدة مرات في مصر وخرجت الطبعة الثالثة منها محققة على يد الدكتور: عبد الفتاح البزم.
٣ - حاشية الصاوى على الخريدة البهية: للشيخ أحمد الدرديرى، وهو كتاب يبين العقيدة على مذهب الشيخ أبى الحسن الأشعري، ويتسم باختصار العبارة ودقة الألفاظ، يتناسب في أسلوبه مع متن الدردير، له شهرة واسعة، وقد طبع عدد من المرات، كان آخرها طبعة مصطفى الحلبى وأولاده.
стр. 71
٤ - الأسرار الربانية والفيوضات الرحمانية على الصلوات الدرديرية: وهذا الكتاب يشرح فيه الصاوى مجموعة من الصلوات على النبي ﷺ ، التي جمعها الشيخ الدرديرى، ورتبها على حروف المعجم، وقد قام بشرحها الصاوى، وقد طبع عدة مرات في مصر.
والمتأمل في هذه الصلوات التي اعتنى بشأنها الصاوى، يجد أنها مجموعة من الأوراد المبتدعة، إذ ليس لها مستند من الشرع المطهر، فليس ثمة صلاة منها صحيحة دل عليها الشارع الحكيم؛ سوى الصلاة الإبراهيمية التي أوردها في بدء حديثه عنها، ولم تقف هذه الصلوات عند حد الابتداع فقط، فقد تجاوز الكثير منها هذه المرحلة، ودخل فيما هو أعظم خطرًا على الدين وأجل ضررًا، حيث الشرك الذي هو أعظم الذنوب وأشدها قدحًا في جناب التوحيد.
ودون أن يكون كلامى في هذا المقام مجرد دعاوى تفتقر إلى الدليل، فإنى أعمد إلى إيراد بعض نصوص تلك الصلوات فأعرضه بحرفه، حتى تتجلى الحقيقة لكل متجرد لا يلوى إلا على معرفتها، فهذه صلاة عبد السلام بن بشيش، التي يقول فيها: "اللهم صل على من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم، فأعجز جميع الخلائق، فلم يدركه منا سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله موفقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا لشيء إلا وهو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، صلاة تليق بك منك إليه كما هو أهله.
اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك، وحجابك الأعظم، والقائم لك بين يديك.
اللهم ألحقنى بنسبه وحققنى بحسبه، وعرفنى إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل، وأكرع بها من موارد الفضل، واحملنى على سبيله إلى حضرتك حملًا محفوفًا بنصرتك، واقذف بى على الباطل فأدمغه، وزج بى في بحار الأحدية، وانشلنى من أوحال التوحيد، وأغرقنى في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها" (١).
стр. 72
إن هذه الصلاة هي إحدى الصلوات التي امتلأ بها ذلك المؤلف الخطير، والتى نالت حيزًا من اهتمام الصاوى فيه، حيث قام بشرح ألفاظها كلمة كلمة.
ولعلة من الواضح مخالفة هذا العبارات لحقيقة التوحيد الذي هو الغاية العظمى من خلق الثقلين وإرسال الرسل والأنبياء، ومع ذلك فعند إرادة الحكم عليها فإنه يحسن بيان حقيقة التوحيد أولًا؛ حتى يفهم مدى مطابقة ما أراده ذلك المبتدع أم لا، إن معنى التوحيد هو الإيمان بأن الله هو الخالق الرازق المستحق لكل صفات الكمال؛ وبالتالى فهو المستحق للعبادة دون من سواه، ولا يمكن لهذا التصور أن يتجلى في قلب العبد، إلا إذا استشعر الفرق بين الخالق والمخلوق، فكلما ازداد يقين العبد بعظمة باريه وكمال صفاته، واختلاف ذاته سبحانه تمام الاختلاف عن ذات عبده؛ كلما تحققت عبوديته وصح توحيده؛ فيؤمن بربوبيته المستغرقة لكل أوصاف الكمال، وتنصرف إرادته له فلا يبقى في قلبه مراد للعبادة سواه، والذي يؤكد حقيقة هذا المعنى ما كان يدعو إليه رسول الله ﷺ ، فقد كان يذكر اتباعه دومًا بهذه الحقيقة، وهى أن كل ما سوى الله فهو عبد لا يخرج عن دائرة عبوديته ولا بحال، حتى ولو كان رسولًا من أشرف الرسل وأرفعهم منزلة عند الله، فقد قال حرصًا على صفاء عقيدة أصحابه من الزيغ والضلال: (لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) (١).
إن هذه الكلمات التي نطقت بها رسالة المصطفى ﷺ ؛ لترد كل هذا البغى الذي سطرته أقلام هؤلاء المبتدعة، في عقيدة وحدة الوجود والغلو في المصطفى ﷺ ؛ مما يخرج به عن طور البشر، والتى أعلنتها عبارات هذه الصلاة المبتدعة.
وإذا كان من الواجب بيان حكم هذا الكلام فليست تخرج كلماته عن دائرة الكفر بحال، أما القائل فمن غير الممكن في هذا المجال أن أحكم على شخصه.
стр. 73
هذا وكل ما تقدم هو في الكشف عن حقيقة هذه الصلوات المبتدعة، والتى هي موضوع الكتاب، أما عن تعليقات الصاوى، فقد تجلى لي بعد الفحص والتأمل والدعاء والتوكل أنها محاولات جادة في تأويل صريح ما أتت به هذه العبارات من الكفر الصراح، وليس هذا هو مجال التوضيح والإسهاب، وإنما أردت أن أعطى للقارئ نوع تصور عن هذا الكتاب الذي شغل حيزًا كبيرًا من هذا البحث خصوصًا في مجال التصوف.
أما عن مكانة حاشية الصاوى على تلك الصلوات في كتب التصوف، فمن المقرر عند تلك الطائفة أن هذا المؤلف له مكانة مهمة وذلك من جهتين، الأولى: أن هذه الحاشية مع اختصار عباراتها قد اشتملت على زبدة ما يهم أهل التصوف حيث بين فيها الآداب والشروط، وأوضح فيها المقامات على جهة التفصيل، مؤيدًا ذلك بكلام كبار المذهب، كابن عربى وابن الفارض.
أما الثانية: فلما بذله الصاوى من جهد في تأويل عبارات غلاة الصوفية، التي تدل صراحة على مناقضة المعتقد السليم، مع محاولة تأصيلها بالدليل الشرعي من الكتاب أو السنة، فاستعمل في سبيل ذلك أسلوب الإشارة ليقوم بتأويل تلك النصوص وفق ما يريد تأصيله من تلك الأقوال المبتدعة.
ولكل ما تقدم مع ما يتمتع به أسلوب المؤلف من سلاسة التعبير ووضوح العبارة مع اختصاره؛ فقد نال هذا المؤلف مكانة معروفة بين كتب الصوفية.
٣ - شرح منظومة أسماء الله الحسنى: وهذا الكتاب يشرح فيه الصاوى قصيدة الدرديرى في شرح أسماء الله الحسنى، المكونة من ثمان وستين بيتًا، حيث قام بنظمها على صورة دعاء يدعو الله به بكل اسم من أسمائه الحسنى، وقد طبع عدة مرات في مصر.
ويشاكل هذا الشرح الحاشية التي قبله من حيث الموضوع، فكلامها يصب في مجرى واحد وهو الكشف عن المواجيد الصوفية، المعبر عنها بمصطلحات محددة، ذات دلالة علمية عند أهل التصوف.
стр. 74
كما أنه يقرب منه كثيرًا من جهة الأسلوب، وطريقة تحليله للأبيات حتى لا يكاد يفرق بينه وبين الذي قبله، لذا كثيرًا ما يقرن به ويطبع في مجلد واحد بترقيم واجد.
وهو لا يقل عن الذي قبله؛ من حيث اشتماله على أنواع البدع والضلالات، التي ما أنزل الله بها من سلطان، وعلى سبيل المثال فمن تلك المغالطات البدعية الخطيرة التي عج بها هذا المؤلف، قوله في خواص الإكثار من ذكر المولى باسمه: الله مجردًا: "من دوام على ذكره في خلوة مجردًا، بأن يقول: الله الله حتى يغلب عليه منه حال؛ شاهد عجائب الملكوت، ويقول بإذن الله للشيء: كن فيكون، وهو ذكبر الأكابر من المولهين وأرباب المقامات وأهل الكشف التام، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] " (١).
٦ - حاشية الصاوى على الشرح الصغير لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك: للشيخ أحمد الدرديرى، ويقع في ست مجلدات من القطع المتوسط، ويعد من المراجع المهمة في المذهب المالكى، وقد اعتمد تدريس هذا الكتاب في الجامع الأزهر، وقد طبع عدة طبعات في عدد من الدول العربية.
٧ - بلغة السالك لأقرب المسالك: ويقع في مجلدين كبيرين، وهو من المراجع المهمة في الفقه المالكى، وقد طبع عدد من المرات.
٨ - حاشية الصاوى على رسالة تحفة الإخوان في علم البيان: للشيخ الدردير، وتقع في كتيب واحد، وقد طبع عدد من المرات.
كما تذكر المصادر التي اعتنت بترجمته أن له تآليف أخر لعلها بقيت مخطوطة لم يكتب لها الطبع والنشر منها:
- حاشية على مختصر البخاري.
стр. 75
- رسالة في الجهاد: جمع فيها كل آية في القرآن تتعلق بالجهاد على الترتيب.
- رسالة في الرد على المعاند لوجود الأولياء وثبوت الكرامات: وهى من أول تآليفه، قرأها في مجلس شيخه الدردير.
- له شرح على دعاء سورة (يس).
- حاشية على تفسير البيضاوي (١).
* * *