٤ - الأسرار الربانية والفيوضات الرحمانية على الصلوات الدرديرية: وهذا الكتاب يشرح فيه الصاوى مجموعة من الصلوات على النبي ﷺ ، التي جمعها الشيخ الدرديرى، ورتبها على حروف المعجم، وقد قام بشرحها الصاوى، وقد طبع عدة مرات في مصر.
والمتأمل في هذه الصلوات التي اعتنى بشأنها الصاوى، يجد أنها مجموعة من الأوراد المبتدعة، إذ ليس لها مستند من الشرع المطهر، فليس ثمة صلاة منها صحيحة دل عليها الشارع الحكيم؛ سوى الصلاة الإبراهيمية التي أوردها في بدء حديثه عنها، ولم تقف هذه الصلوات عند حد الابتداع فقط، فقد تجاوز الكثير منها هذه المرحلة، ودخل فيما هو أعظم خطرًا على الدين وأجل ضررًا، حيث الشرك الذي هو أعظم الذنوب وأشدها قدحًا في جناب التوحيد.
ودون أن يكون كلامى في هذا المقام مجرد دعاوى تفتقر إلى الدليل، فإنى أعمد إلى إيراد بعض نصوص تلك الصلوات فأعرضه بحرفه، حتى تتجلى الحقيقة لكل متجرد لا يلوى إلا على معرفتها، فهذه صلاة عبد السلام بن بشيش، التي يقول فيها: "اللهم صل على من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم، فأعجز جميع الخلائق، فلم يدركه منا سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله موفقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا لشيء إلا وهو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، صلاة تليق بك منك إليه كما هو أهله.
اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك، وحجابك الأعظم، والقائم لك بين يديك.
اللهم ألحقنى بنسبه وحققنى بحسبه، وعرفنى إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل، وأكرع بها من موارد الفضل، واحملنى على سبيله إلى حضرتك حملًا محفوفًا بنصرتك، واقذف بى على الباطل فأدمغه، وزج بى في بحار الأحدية، وانشلنى من أوحال التوحيد، وأغرقنى في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها" (١).
стр. 72
إن هذه الصلاة هي إحدى الصلوات التي امتلأ بها ذلك المؤلف الخطير، والتى نالت حيزًا من اهتمام الصاوى فيه، حيث قام بشرح ألفاظها كلمة كلمة.
ولعلة من الواضح مخالفة هذا العبارات لحقيقة التوحيد الذي هو الغاية العظمى من خلق الثقلين وإرسال الرسل والأنبياء، ومع ذلك فعند إرادة الحكم عليها فإنه يحسن بيان حقيقة التوحيد أولًا؛ حتى يفهم مدى مطابقة ما أراده ذلك المبتدع أم لا، إن معنى التوحيد هو الإيمان بأن الله هو الخالق الرازق المستحق لكل صفات الكمال؛ وبالتالى فهو المستحق للعبادة دون من سواه، ولا يمكن لهذا التصور أن يتجلى في قلب العبد، إلا إذا استشعر الفرق بين الخالق والمخلوق، فكلما ازداد يقين العبد بعظمة باريه وكمال صفاته، واختلاف ذاته سبحانه تمام الاختلاف عن ذات عبده؛ كلما تحققت عبوديته وصح توحيده؛ فيؤمن بربوبيته المستغرقة لكل أوصاف الكمال، وتنصرف إرادته له فلا يبقى في قلبه مراد للعبادة سواه، والذي يؤكد حقيقة هذا المعنى ما كان يدعو إليه رسول الله ﷺ ، فقد كان يذكر اتباعه دومًا بهذه الحقيقة، وهى أن كل ما سوى الله فهو عبد لا يخرج عن دائرة عبوديته ولا بحال، حتى ولو كان رسولًا من أشرف الرسل وأرفعهم منزلة عند الله، فقد قال حرصًا على صفاء عقيدة أصحابه من الزيغ والضلال: (لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) (١).
إن هذه الكلمات التي نطقت بها رسالة المصطفى ﷺ ؛ لترد كل هذا البغى الذي سطرته أقلام هؤلاء المبتدعة، في عقيدة وحدة الوجود والغلو في المصطفى ﷺ ؛ مما يخرج به عن طور البشر، والتى أعلنتها عبارات هذه الصلاة المبتدعة.
وإذا كان من الواجب بيان حكم هذا الكلام فليست تخرج كلماته عن دائرة الكفر بحال، أما القائل فمن غير الممكن في هذا المجال أن أحكم على شخصه.
стр. 73
هذا وكل ما تقدم هو في الكشف عن حقيقة هذه الصلوات المبتدعة، والتى هي موضوع الكتاب، أما عن تعليقات الصاوى، فقد تجلى لي بعد الفحص والتأمل والدعاء والتوكل أنها محاولات جادة في تأويل صريح ما أتت به هذه العبارات من الكفر الصراح، وليس هذا هو مجال التوضيح والإسهاب، وإنما أردت أن أعطى للقارئ نوع تصور عن هذا الكتاب الذي شغل حيزًا كبيرًا من هذا البحث خصوصًا في مجال التصوف.
أما عن مكانة حاشية الصاوى على تلك الصلوات في كتب التصوف، فمن المقرر عند تلك الطائفة أن هذا المؤلف له مكانة مهمة وذلك من جهتين، الأولى: أن هذه الحاشية مع اختصار عباراتها قد اشتملت على زبدة ما يهم أهل التصوف حيث بين فيها الآداب والشروط، وأوضح فيها المقامات على جهة التفصيل، مؤيدًا ذلك بكلام كبار المذهب، كابن عربى وابن الفارض.
أما الثانية: فلما بذله الصاوى من جهد في تأويل عبارات غلاة الصوفية، التي تدل صراحة على مناقضة المعتقد السليم، مع محاولة تأصيلها بالدليل الشرعي من الكتاب أو السنة، فاستعمل في سبيل ذلك أسلوب الإشارة ليقوم بتأويل تلك النصوص وفق ما يريد تأصيله من تلك الأقوال المبتدعة.
ولكل ما تقدم مع ما يتمتع به أسلوب المؤلف من سلاسة التعبير ووضوح العبارة مع اختصاره؛ فقد نال هذا المؤلف مكانة معروفة بين كتب الصوفية.
٣ - شرح منظومة أسماء الله الحسنى: وهذا الكتاب يشرح فيه الصاوى قصيدة الدرديرى في شرح أسماء الله الحسنى، المكونة من ثمان وستين بيتًا، حيث قام بنظمها على صورة دعاء يدعو الله به بكل اسم من أسمائه الحسنى، وقد طبع عدة مرات في مصر.
ويشاكل هذا الشرح الحاشية التي قبله من حيث الموضوع، فكلامها يصب في مجرى واحد وهو الكشف عن المواجيد الصوفية، المعبر عنها بمصطلحات محددة، ذات دلالة علمية عند أهل التصوف.
стр. 74
كما أنه يقرب منه كثيرًا من جهة الأسلوب، وطريقة تحليله للأبيات حتى لا يكاد يفرق بينه وبين الذي قبله، لذا كثيرًا ما يقرن به ويطبع في مجلد واحد بترقيم واجد.
وهو لا يقل عن الذي قبله؛ من حيث اشتماله على أنواع البدع والضلالات، التي ما أنزل الله بها من سلطان، وعلى سبيل المثال فمن تلك المغالطات البدعية الخطيرة التي عج بها هذا المؤلف، قوله في خواص الإكثار من ذكر المولى باسمه: الله مجردًا: "من دوام على ذكره في خلوة مجردًا، بأن يقول: الله الله حتى يغلب عليه منه حال؛ شاهد عجائب الملكوت، ويقول بإذن الله للشيء: كن فيكون، وهو ذكبر الأكابر من المولهين وأرباب المقامات وأهل الكشف التام، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] " (١).
٦ - حاشية الصاوى على الشرح الصغير لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك: للشيخ أحمد الدرديرى، ويقع في ست مجلدات من القطع المتوسط، ويعد من المراجع المهمة في المذهب المالكى، وقد اعتمد تدريس هذا الكتاب في الجامع الأزهر، وقد طبع عدة طبعات في عدد من الدول العربية.
٧ - بلغة السالك لأقرب المسالك: ويقع في مجلدين كبيرين، وهو من المراجع المهمة في الفقه المالكى، وقد طبع عدد من المرات.
٨ - حاشية الصاوى على رسالة تحفة الإخوان في علم البيان: للشيخ الدردير، وتقع في كتيب واحد، وقد طبع عدد من المرات.
كما تذكر المصادر التي اعتنت بترجمته أن له تآليف أخر لعلها بقيت مخطوطة لم يكتب لها الطبع والنشر منها:
- حاشية على مختصر البخاري.
стр. 75
- رسالة في الجهاد: جمع فيها كل آية في القرآن تتعلق بالجهاد على الترتيب.
- رسالة في الرد على المعاند لوجود الأولياء وثبوت الكرامات: وهى من أول تآليفه، قرأها في مجلس شيخه الدردير.
- له شرح على دعاء سورة (يس).
- حاشية على تفسير البيضاوي (١).
* * *
стр. 76
الفصل الثالث: منهجه في تحري مسائل الاعتقاد
وفيه مبحثان:
الأول: مصادره في العقيدة.
الثاني: منهجه في الاستدلال.
стр. 77
(المبحث الأول): مصادره في العقيدة
أولًا: مكانة العقل في التلقى:
الصاوى كأحد كبار متكلمى عصره؛ المتبعين للمذهب الأشعري، يرى موافقة الأشاعرة في أن للعقل دورًا أساسيًا في تلقى أصول العقيدة، إلى جانب الكتاب والسنة، مصدر الوحى المعصوم.
وكان ذلك بناء على التقسيم المشهور الذي عليه غالبهم؛ حيث التمييز بين ما يدرك بالعقل عندهم، وبين ما يمكن فيه الاعتماد على العقل والسمع، وبين ما لا يمكن إلا بطريق السمع، وتبقى دلالة العقل عليه بالإمكان، فمعرفة الله تعالى والإيمان بصفاته ، وتصديق الرسول بالمعجز مما لا يمكن إدراكه إلا بالعقل، ويأتى النقل في ذلك تبعًا لما تقرر بدليل العقل.
أما ما يجوز فيه المسلكان، فهو كل ما لا يتوقف التوحيد والنبوة على العلم به، كرؤية الباري تعالى للمؤمنين، وجواز المغفرة للمذنبين.
أما ما يستقل السمع بالدلالة عليه، فهو كل ما جوز العقل وقوعه، كاليوم الآخر وما يقع فيه، ومجمل مسائل الشرع، كقضايا التكليف؛ من الوجوب والإباحة والحظر والمنع (١).
ويستند وجوب الاستدلال العقلى عند المتكلمين في إثبات ما يجب في حق الله تعالى من الوجود، وغيره من مسائل الإلهيات، إلى أصلين لا يكاد يخالف فيها أحد منهم:
الأول: أن أصول الاعتقاد يتوقف على معرفتها النقل، وما توقف عليه النقل لا يمكن إثباته بدليل النقل، لما يلزم من الدور الباطل، يقول الإيجى (٢) عند حصره
стр. 78
لأقسام الدليل: "الثاني: ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة محمد، فهذا لا يثبت إلا بالعقل إذ لو أثبت بالنقل لزم الدور" (١).
الثاني: أن إفادة الدليل العقلى قطعية، وإفادة الدليل السمعى ظنية، ولا يمكن أن يستدل على الأصول بدليل ظنى، لأنه لا يمنع وجود المعارض العقلى، الذي يستحيل معه تقديم الدليل السمعى، لانه الأصل الذي دل على ثبوت الشرع، ويذكر الرازي (٢) ذلك من ضمن الشروط التي أوجب توفرها؛ حتى تصبح إفادة الدليل يقينية، فيقول: "وعدم المعارض العقلى الذي لو كان لرجح، إذ ترجيح النقل على العقل؛ يقتضى القدح في العقل المستلزم للقدح في النقل؛ لافتقاره إليه، وإذا كان المنتج ظنيًا؛ فما ظنك بالنتيجة" (٣).
فكانت القاعدة التي تأسست بناء على ما تقدم: أن الاستدلال للأصول لا يمكن إلا بطريق العقل، لانه أصل السمع، فيجب استقلاله بالاستدلال عليها، حتى ولو ترتب على ذلك لوازم فاسدة، ونتائج يقطع الشرع ببطلانها.
* * *
ومتابعة لما عليه المتكلمون من اعتقاد استقلال العقل في الدلالة على توحيد الرب، يقول الصاوى معللًا مذهبه: "لأن ما توقفت المعجزة عليه وهى الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والحياة وكونه قادرًا عالمًا وحيًا دليلها عقلى، والذي أوجبها هو الشرع؛ بمعنى أنه إذا جاءنا رسول وقال لنا: أنا مرسل من عند الله؛ وآية صدقى انشقاق القمر مثلًا، يحتاج إلى استفادة هذه الصفات من العقل أولًا، وإلا بأن استفيدت من الرسل لزم الدور؛
стр. 79
لأن بهذه الصفات ثبتت المعجزة، والمعجزة ثبتت هذه الصفات، فصار كل متوقفًا على الآخر" (١).
ومقصوده من هذا أن الرسول إذا جاء بدليل، يصدق كونه مرسلًا من عند الله، فلا بد أولًا من الإيمان بوجود الرب تعالى، والإيمان بكونه ربًا خالقًا قادرًا أراد إرسال هذا الرسول، أي أنه متصف بصفات الربوبية.
بمعنى أن الإيمان بصدق الرسول؛ يستلزم الإيمان أولًا بوجود الرب المرسل، وهذا مما لا يمكن استفادته على حد رأيه من كلام الرسول؛ لأنه يلزم أن يكون الدليل هو المدلول، وهذا دور كما تقرر عنده.
* * *
ثانيًا: حجية الإلهام:
لقد كان لهذا الانحراف الخطير، الذي استقر عليه المنهج الأشعري، في الاعتماد على العقل والإعلاء من شأنه؛ أثر معاكس يمكن تصنيفه في جملة ردود الأفعال، التي تنتج عن عدم الاعتدال وانتهاج التوسط، والتزام الحجة الواضحة، فهؤلاء المتكلمون لما أغرقوا في اعتماد العقل، وقصروا تقييم النصوص من حيث القبول أو الرد على ما تقرر بطريقه؛ أدى بهم ذلك إلى إحداث مصدر آخر، يكون في مقابل العقل، وبنفس الأهمية من حيث المرجعية في تقرير الحقائق الدينية، دون أن تحكمه تلك القوانين أو الأصول الوضعية، التي أعملوا دلالتها في المسلك العقلى، فكان ذلك هو مصدر الإلهام، الذي استلهم الصوفية تحكيمه في أجواء الهيمنة العقلية الجافة، التي كان يعيشها المتكلمون، ومن هنا نجد الغزالي بعد أن مر بالتجربة الصوفية، يقول: "ولا تنكرن درجات الكشف، فإن البصيرة الباطنة كالبصر الظاهر، وفرق بين ما يتضح في وقت الإسفار، وبين ما يتضح ضحوة النهار" (٢).
стр. 80
وفى إعمال الإلهام والكشف؛ لاستنباط أصول الاعتقاد من الأدلة الشرعية، عند معارضتها للأصول الكلامية، التي لا يتم التسليم بصحتها، حيث خالفت صحيح الفطرة والشريعة، يقول الغزالي (١) في تقرير مسألة زيادة الإيمان ونقصانه: "فإن قلت: فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقص، وهو خصلة واحدة؟ فأقول: إذا تركنا المداهنة، ولم نكترث بتشغيب من تشغب، وكشفنا الغطاء؛ ارتفع الإشكال، . . . . . . .، فلذلك ترى علوم المكاشفة تتسلق كل ساعة على علوم المعاملة، إلى أن تنكشف عنها بالتكليف، فهذا وجه زيادة الإيمان بالطاعة" (٢).
* * *
- وسيرًا على هذا المنوال الذي خطه الغزالي، في الجمع بين مصدر العقل والإلهام في فهم نصوص الكتاب والسنة، نجد الصاوى يقرر أصول الاعتقاد به، ولعلى أشير هنا إلى أبراز ما يلحظ فيه التأثر في الاستدلال لقضايا العقيدة بالمنهج الصوفى:
أولًا: موقفه من معرفة الباري تعالى، فالصاوى يرى أن معرفة الله تعالى قد تقع اضطرارًا في قلب العبد، بالإلهام أو الإشراق المعرفى، وعليه فإنه يعد الإلهام مصدرًا من مصادر التلقى في أصول العقائد، وتأكيدًا لهذا فإنه يرى أن حال العبد في هذه المعرفة الإلهامية الإشراقية؛ أعظم قدرًا من صاحب المعرفة العقلية المقننة بمناهج الاستدلال العقلى، يقول: "فمعرفة العبد ربه نور من الله يقذفه في قلبه فيدرك أسرار ملكه ويشاهد غيب ملكوته ويلاحظ صفاته" (٣).
ويقول: "واعلم أن المعرفة على قسمين خاصة وعامة، فالعامة معرفة الله
стр. 81
بالدليل، والخاصة على ثلاثة أقسام: شهود أفعال وهى للأبرار، وشهود أسماء وصفات، وهى للأخيار، وشهود ذات، وهى لخيار الخيار (١) " (٢).
ولتشدد المذهب الأشعرى في قصر معرفة الله تعالى على العقل؛ فقد حاول الصاوى التوسط بين المسلكين، حيث حكم على من ترك الاستدلال بالعقل مع القدرة عليه بالعصيان، يقول: "والحق الذي عليه المعول، أنه مؤمن عاصٍ بترك النظر، إن كان فيه أهلية" (٣)، وقد يشعر هذا الموقف منه بالتناقض؛ إذ كيف يعلى من شأن أهل المعرفة الإشراقية على غيرهم من أهل الدليل، ويجعلهم من جملة الخواص، ثم يحكم على من ترك الاستدلال بالمعصية؟ وعلى كل فهذا هو حال كل من اعتمد العقل كمصدر يقدم على غيره من مصادر التلقى المعتبرة (٤).
ثانيًا: يرى الصاوى أن حجية الاستدلال بالإلهام عنده لا تقتصر على اعتماده في مثل ما تقدم مما لا جدال في أحقيته، بل إنه لينص على صحة الاستناد إليه في تفسير النصوص الشرعية، بعيدًا عن قواعد المفسرين المعتمدة عند سلف الأمة، ومن هنا ظهر تفسيره لبعض الآيات الكريمة بطريقة التفسير الإشارى، ولتقرير منهجه في ذلك، يقول في تأويل النهى الوارد بخصوص من تصدى للتفسير دون علم، حيث رأى توجيهه للعوام دون الخواص في اصطلاح الصوفية: "فالمراد بالعوام علماء الظاهر، ليس لهم خوض في القرآن إلا بالمنطوق، وتكلمهم بالعلوم الإشارية، التي هي للخواص فضول منهم؛ فالتكلم في اللطائف لغير الأولياء فضول منهم" (٥).
* * *
стр. 82
المناقشة:
أولًا: مصادر التلقى:
وبعد هذا البيان المجمل لمصادر العقيدة عند الصاوي؛ سأبدأ بالنقد الموجه لمسلك التلقى من العقل لتقديمه على النقل في معرفته تعالى بأسمائه وصفاته الحسنى، إذ أساس هذا المسلك هو ما درج على الاحتجاج به المتكلمون، من أن العقل هو الوسيلة الأولى التي يدرك بها صدق الرسول بمعرفة المعجز، وما كان بهذه المرتبة من الحجية فلا يمكن بحال تجاهله وإغفال مكانته، وعليه فإن أي مخالفة لما تقرر بطريقه فإنه يتعين رده بالتأويل أو التفويض.
ومن هنا فليس يقتصر الأمر عند الصاوى ومن تقدمه من المتكلمين، على عد العقل أحد مصادر التلقى الأساسية في العقيدة، بل إن حجية الاستدلال به تقضى بتقديمه على غيره من مسالك الاستدلال، في المسائل التي يحجر الاستدلال به عليها.
وعليه فإن ثمة انحراف ظاهر في المذهب الأشعري؛ نتج عن هذا المعتقد الخطير، يقطع بعدم اعتباره من المسالك الشرعية السنية، ويوجب رد كثير مما تأكد بطريقه؛ لكونه من البدع التي أحدثها المهتدون بغير هدى السلف الصالح، من الصحابة والتابعين، ومن سار على هديهم إلى يوم الدين.
وفى بيان بطلان هذه الشبهة وردها؛ تكفى الإشارة إلى كمال الدين، وأنه كافٍ في الدلالة على أصوله وفروعه، فإن اعتقاد عدم اشتمال الدين على أدلة هذه المسائل العظام، يعد طعنًا في كماله وتمام بيانه، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ويرجع ذلك إلى أن الأصل في تلقى أصول الدين، والاستدلال عليها الكتاب والسنة فبهما تحصل الهداية والكفاية.
وأدلة هذا الباب عظيمة وكثيرة، كلها تؤكد وحدة مصدر التلقى، وأنه العمدة في الأخذ والرد، حيث تبنى الأصول، وتقعد القواعد بناء عليه، ويرد النزاع الحاصل
стр. 83
والشبه العارضة إليه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وكان هذا هو هدى صحابة رسول الله ﷺ ورضى عنهم فهم أصحاب الفرقة الناجية الذين "لا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم، وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول ﷺ ، بل يجعلون ما بعث به الرسول ﷺ من الكتاب والحكمة هو الأصل، الذي يعتقدونه ويعتمدونه، وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. يردونه إلى الله ورسوله" (١).
وبهذا يظهر ضلال من اعتقد أن ثمة حق ورشاد لم يرد دليله في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك يلزم الطعن في مصدر الوحى، والمبلغ عنه، وفي حملة هذا الدين من بعده، وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه.
أما عن المصدر، فقد قال المولى : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١].
واعتقاد بيانه يعني حصول أسباب الهدى والفلاح لمن تمسك به فلا يحتاج بعده أحدًا.
وقال عن المبلغ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وبيان الرسول ﷺ للقرآن؛ يقتضى أن يكون كلامه دالًا على أصول الشريعة كالدلالة على فروعها، وأن يكون مشتملًا على الأدلة العقلية التي بها يحصل برد اليقين، فما سكت عنه لا يمكن الحاجة إليه، ولو مع موافقته لما بين، فكيف يكون الحال مع ما يقتضى معارضة بعض ما جاء به، بل ورده تأويلًا أو تفويضًا، كما هو حال هؤلاء المتكلمين مع أصولهم الفاسدة، يقول شيخ الإسلام: "والرسول ﷺ بين الأدلة العقلية والسمعية التي يهتدى بها الناس إلى دينهم، وما فيه نجاتهم وسعادتهم
стр. 84
في الدنيا والآخرة، وأن الذين ابتدعوا أصولًا تخالف بعض ما جاء به هي أصول دينهم، لا أصول دينه، وهى باطلة عقلًا وسمعًا" (١).
وقال عن حملة هذا الدين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فقد وصفهم الله تعالى بالخيرية، وبين أنها تقتضى القيام بأشرف مهمة ميزها الله بها، وهى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولنا أن نتساءل هل هناك معروف يؤمر به أعظم في الدين من الأمر بأصوله؟
فسكوت الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - عن الأدلة التي ابتدعها هؤلاء يعني عدم الحاجة إليها فضلًا عن اعتقاد تأصيلها لمسائل الدين (٢).
ثانيًا: نقض دعاويهم في تقديم العقل:
أما ما ادعوه من أن العقل أصل في معرفة الشرع؛ فلا بد من تقديمه في الدلالة على ما علم بطريقه، وأن ادعاء كفاية الشرع في الدلالة على أصوله يؤدى إلى الدور، الذي يعني توقف معرفة الأدلة على صحة السمع بالسمع نفسه، هو باطل لوجوه منها:
الأول: أن معرفة الله تعالى ربًا مستحقًا للكمال، أهلًا للعبادة، أمر قد فطر الناس عليه، وأدلته قد سبقت الإشارة إليها، ويحصل ذلك بالفطرة كما يحصل أيضًا بالإلهام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]. فينتفى بذلك القول بأن أصل السمع هو العقل.
الثاني: أن ادعاء حصول الدور، يعني نفى اشتمال السمع على البراهين العقلية، التي تعمل الذهن للوصول إلى الحقائق الشرعية، بمعنى أنهم يجعلون دلالة السمع
стр. 85
خبرية محضة، يجب تصديقها لأن العقل دل على صدقها، ولا يخفى ما في هذة المقولة من ضلال؛ فإن الله تعالى قد بين اشتمال الكتاب على البرهان، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
يقول شيخ الإسلام: "وكثير من أهل الكتاب يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه، ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين: العقليات والسمعيات، ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة.
وهذا غلط منهم، بل القرآن دل على الأدلة العقلية، وبينها ونبه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] (١).
وبذلك يعلم الخطأ في مقابلة الدليل الشرعي بالعقلى؛ فإن الدليل العقلى قد يكون شرعيًا إذا دل عليه الشرع وأثبته أو أباحه وسكت عنه، مع عدم وجود ما يعارضه بطريقه "وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالى عليها في كتابه العزيز، من الأمثلة المضروبة وغيرها، الدالة على توحيده وصدق رسله" (٢).
وبهذا يعلم أن ما قابل الدليل الشرعي هو البدعى وليس العقلى؛ لأن في ذلك تعميمًا لا يصدق، والبدعة مردها إلى الهوى، سواء توصل إليها بالعقل أم بغيره من آفات النفس بعيدًا عن الشرع "وإذا ثبت هذا، وأن الأمر دائر بين الشرع والهوى؛ تزلزلت قاعدة حكم العقل المجرد، فكأنه ليس للعقل في هذا الميدان مجال، إلا من تحت نظر الهوى، فهو إذًا اتباع الهوى بعينه" (٣).
يقول الإمام ابن القيم:
стр. 86
لا يستقل العقل دون هداية ... بالوحى تأصيلًا ولا تفصيلًا (١).
ومن أظهر الأدلة التي يتبين بها بطلان هذا المسلك؛ ما نتج عنه من رد لنصوص الكتاب والسنة، وذلك بطريق التأويل الذي يعني صرف اللفظ عن معناه الظاهر لقرينة، أو التفويض الذي يعني رد المعنى الظاهر، دون إثبات معنى مقابل له، وسيأتي الحديث عنه.
ثالثًا: التناقض لازم لهذا المسلك:
لقد وقع الصاوى كغيره في عدد من التناقضات، التي تدل صراحة على بدعية هذا المسلك، وعدم حجيته في الاستدلال، ومن ذلك:
يرى الصاوى أن الاستدلال على صفة السمع والبصر والكلام، إنما يحصل بطريق السمع، ويؤكد هذا باعتراضه على المسلك العقلى بالاستدلال لها بدليل التقابل بين العدم والملكة أو طريق الكمال (٢)، حيث اعتقد أن في انتهاجه ما يؤدى إلى جواز وصف المولى بكل صفة كمال في حق المخلوق، مع أنها قد تكون صفة نقص في حقيقتها، كصفة الولد مثلًا، ومع ذلك فإنه يثبت هذه الصفات على حقيقتها، ولا يعتقد أن في إثباتها ما يوجب مماثلة للحوادث.
أقول: إذا صح الاستدلال بالسمع والاكتفاء به على هذه الصفات، فلمَ لا يعمم هذا على سائر الصفات التي ثبتت بطريق السمع، دون أن يكون في إثباتها مماثلة للحوادث؟ وهذا سؤال يرد عليه في كل ما تأوله منها، ولازم يوجب عليه الرجوع إلى منهج واحد، في كل ما يجب في حق الله تعالى.
- ومنها موقفه من اتصافه بصفة الحكمة: يرى الأشاعرة تأويل جميع النصوص التي ورد فيها إثبات الحكمة لله تعالى، بأن المراد بها الإتقان والإحكام في الخلق، وذلك بحجة نفى الأغراض عن الله تعالى، ويتابع الصاوى أسلافه في هذا
стр. 87
بنفس الحجة، ولكنه في المقابل كثيرًا ما يفسر صفة الحكمة بالمعنى الصحيح، فيقول: الحكمة هي وضع الشيء في محله، بل ويقول سبحانك ما خلقت هذا عبثًا، وحتى يخرج من هذا التناقض؛ فإنه يفرق بين العلة الباعثة وبين الغائية، ويرى أن الغائية هي التي يصح وصفه تعالى بها، أما الباعثة فهى مراد الأشاعرة، ومعلوم ببداهة العقول أن هذا تقسيم باطل لا أساس له؛ إذ العلة الغائية هي الباعثة ولا فرق، ولكنه كأنموذج لما يقع فيه أهل الابتداع من الاضطراب والتناقض (١).
رابعًا: حجية الإلهام:
إن من أبين أنواع التناقض التي ظهرت في مسلك الاستدلال بالعقل عند الصاوى، تقديم حجية الإلهام على حجية العقل، كما قرر ذلك في طرق معرفة الباري تعالى، ولا يخفى أن هذا كان منه نتيجة؛ لمتابعة الأسلاف دون اقتناع كافٍ فيما تقرر لديهم؛ لكونه مجانبًا لحقيقة الإيمان الفطرى، الذي جبلت عليه النفوس.
ولا بد هنا من بيان أن اعتقاد حصول البيان التام بالشرع، لا يمنع إلاستئناس بما يدل عليه ويوافقه من طريق النظر أو الكشف، وإنما يقع المحظور في اعتقاد أن ثمة هدى ونور، يستقل ببيانه دليل سوى دليل الشرع (٢).
وإذا تقرر هذا الأصل العظيم في معرفة ما يأخذ بطريق الإلهام وما يرد؛ فإنه يظهر الضلال الذي وقع فيه الصاوى، عندما اعتمد الإلهام في الكشف عن معانى الآيات الكريمة، دون أن يكون لذلك التفسير مستندًا من الأصول التي سار عليها السلف، في فهمهم لنصوص الكتاب الكريم، وسيأتي في ذلك مزيد بيان بإذن الله (٣).
* * *
стр. 88
(المبحث الثاني): منهجه في الاستدلال
منهجه في الاستدلال بالعقل:
لقد تابع الصاوى أسلافه من المتكلمين، في استخدام عدد من الأوجه الاستدلالية؛ حتى يتم بها تقرير مبدئه في اعتماد العقل، كمسلك مستقل في الدلالة على مسائل الإلهيات، ويمكن عدها فيما يلى:
١ - الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد.
٢ - الاستدلال بالسبر والتقسيم.
٣ - الاستدلال بالقياس المنطقى. (١)
أولًا: الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد:
ويراد به معرفة ما غاب عن الحس، بطريقة البناء على المشاهد (٢).
أما عن مكانته في الاستدلال، فكثيرًا ما يعول المتكلمون لتنظير أصولهم العقلية في تقرير القضايا الإلهية عليه؛ حتى قطع شيخ الإسلام بأن هذا معتمدهم في تقرير ما ذهبوا إليه فيها، يقول ﵀: "إن مبنى كلامهم في الإلهيات، إنما هو القياس على ما وجدوه في المشهودات، لا طريق لهم غير ذلك أصلًا". (٣)
وقد استدل به المتكلمون لإثبات ما أثبتوه من الصفات، كما استدلوا به أيضًا في نفى ما نفوه منها؛ فأولوه أو فوضوا معناه، ويلزم لصحة هذا المسلك وجود الجامع العقلى، الذي بموجبه يصح القياس، وقد يكون علة أو شرطًا، مثال ذلك ما أورده
стр. 89
شارح المواقف في بيان أن العالم هو من قامت به صفة العلم، فقد اعتمد ما عليه القدماء من الأشاعرة وهو قياس الغائب على الشاهد؛ فإن العلة واحدة والشرط لا يختلف غائبًا وشاهدًا، ولا شك أن علة كون الشيء عالمًا في الشاهد هو العلم، فكذا في الغائب، وحد العالم ههنا من قام به العلم، فكذا حده هناك، وقس على ذلك سائر الصفات (١).
ويتابع الصاوى أسلافه في ذلك، حيث استخدم هذا النوع من مسالك الاستدلال العقلى، في إثبات صفات المعانى، وهى الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة، فيقول على سبيل المثال في دليل صفة الحياة: "أن تقول: الله تعالى متصف بالقدرة والإرادة والعلم؛ وكل من كان كذلك تجب له الحياة، فينتج الله تجب له الحياة".
كما يتابعهم في نفى ما سواها بالتأويل أو التفويض، فيقول في صفة الحياء، منتهجًا نفس المنهج السابق: "الحياء في حق الحوادث تغيير وانكسار، يعترى الإنسان من فعل ما يعاب، ولازمه الترك، فأطلق في حق الله، وأريد لازمه وهو الترك" (٢).
مناقشة:
يعترض على هذا النوع من الاستدلال؛ بأنه لا يصح طرده في جميع الوجوه، وذلك لعدم استواء طبيعة الشاهد والغائب، وهذا ما أنكره ابن رشد على المتكلمين في استخدامهم هذا النوع من الاستدلال، في الحكم على جميع الأعراض بالحدوث، يقول: "فتؤول أدلتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خطابى إلا من حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد على الغائب" (٣).
стр. 90
وقد أبطل الشيخ أبو الحسن الأشعري (١) مقولتهم في نفى اليدين، وتأويلها بالنعمة استدلالًا بقياس الغائب على الشاهد ببيان أنه لا يصح اعتماده في صفات الله لما يؤول إليه من نفى الكثير منها بالرغم من تسليمهم باتصافه بها، يقول: "ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله بيدى يدين ليستا نعمتين؟ فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة. قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ وإن رجونا إلى شاهدنا أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق، فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة.
قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى، فكذلك لم نجد حيًا من الخلق إلا جسمًا لحمًا ودمًا فاقضوا بذلك على الله - تعالى عن ذلك -، وإلا كنتم لقولكم تاركين، ولاعتلالكم ناقضين، وإن أثبتم حيًا لا كالأحياء منا؛ فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين، ولا جارحتين، ولا كالأيدى". (٢)
* * *
وشيخ الإسلام ﵀ لبيان ضلال هؤلاء المتكلمين في استدلالهم بهذا الدليل يذكر ما وقعوا من تناقض واضطراب نتيجة لاتباعهم مسلك الابتداع، ويقول: "المتكلمون والفلاسفة كلهم على اختلاف مقالاتهم هم في قياس الغائب على الشاهد مضطربين، كل منهم يستعمله فيما يثبته ويرد على منازعه ما استعمله في ذلك، وإن كان قد استعمل هو في موضع آخر ما هو دونه، وسبب ذلك أنهم
стр. 91
لم يمشوا على صراط مستقيم، بل صار قبوله ورده هو بحسب القول، لا بحسب ما يستحقه القياس العقلى" (١).
وبهذا فهو يظهر أن أساس ما وقع فيه المتكلمون من الاضطراب والتناقض، حيث اتباع المذهب هو الأساس الذي يحملهم على الاستدلال به في الإثبات أو النفى لا حجة لهم في ذلك، يقول ﵀: "فإن قيل: هذه الحجة مبناها على قياس الغائب على الشاهد وهو باطل، قيل: قياس الغائب على الشاهد باتفاق الأمم ينقسم إلى حق وباطل فإن لم يتبين أن هذا من الباطل لم يصلح رده بمجرد ذلك" (٢).
والمعلوم أن القياس المعتمد في حق الباري تعالى هو قياس الأولى الذي دل عليه الكتاب العزيز، حيث قال المولى تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠].
* * *
ثانيًا: الاستدلال بالسبر والتقسيم:
السبر في اللغة: التجربة والاختبار، يقال: سبر الشيء سبرًا حزره وخبره، والسبر: استخراج كنه الأمر. (٣)
والتقسيم: حصر الأوصاف الممكنة للمحل. (٤)
فالسبر والتقسيم في الاصطلاح: حصر الأوصاف في الأصل وإبطال ما لا يصلح ليتعين ما بقى، وهو إيراد أوصاف الأصل أي المقيس عليه، وإبطال بعضها ليتعين الباقى للعلية. (٥)
وقد استخدم هذا النوع من الاستدلال العقلى في كثير من قضايا الفقه والأصول وذلك لمعرفة العلة الصحيحة التي ترتب عليها الحكم.
стр. 92
كما استخدمه المتكلمون أيضًا في إثبات مسائل الاعتقاد، يقول الإيجى: "وثانيها أي ثانى الأمور التي هي أشهر الطرق المثبتة للعلة المشتركة السبر، كأن يقال مثلًا علة كون السواد مرئيًا: إما وجوده، أو كونه عرضًا، أو محدثًا، أو لونًا، أو كونه سوادًا، والكل باطل سوى الوجود، والله سبحانه موجود فيصح رؤيته". (١)
وقد تتعدد الغاية من استعمال السبر والتقسيم في الحكم، فقد يراد به إبطال جميع الأقسام الواردة، وقد يراد به إبطال بعضها أو تصحيح الجميع. (٢)
والصاوى متابعة لمنهج المتكلمين نراه يستخدم هذا النوع من الاستدلال العقلى للوصول إلى ما يرمى تقريره من المسائل العقدية، ومن ذلك تقريره لدليل التمانع في إثبات الوحدانية، يقول: "لو فرض إلهان وأرادا معًا إيجاد شيء والآخر إعدامه، فإما أن يتم مرادهما معًا وهو باطل؛ للزوم اجتماع الضدين، أو لا يتم مرادهما معًا وهو باطل أيضًا للزوم عجز من لا يتم مراده، وعجز من يتم مراده أيضًا؛ لوجود المماثلة بينهما، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية.
وإذا فرض اتفاقهما فهو باطل أيضًا لوجود التوارد، وتقريره أيضًا أن يقال: لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء فإما أن يحصل بإرادتهما معًا، وذلك باطل لأنه يلزم عليه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو يسبق إلى إيجاده فيلزم عليه عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل، ويلزم عجز الأول لوجود المماثلة بينهما" (٣)
فأبطل جميع الاحتمالات الممكنة من وجود إلهين قادرين.
* * *
هذا وليس في استخدام هذا الضرب من الاستدلال ما يخالف الحق فقد وجد في القرآن الكريم بعض صور منه، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]
стр. 93
فقد بينت الآية الكريمة أن جميع الأقسام الممكنة من المتسبب في الخلق سوى الله تعالى باطلة، فإما ألَّا يكون ثمة خالق لهم، وهذا باطل وإما أن يكون الخالق هو نفس المخلوق وهذا باطل، فتعين أن يكون الخالق هو الرب تعالى، وقد حذف هذا القسم لظهوره. (١).
وقد درج العلماء على استخدام هذا النوع من الاستدلال لتقرير الحق وهذا كثير في كلام شيخ الإسلام ﵀، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام في بيان دليل القدرة، يقول: "والدليل على قدرته إيجاد الأشياء وهى إما بالذات وهو محال وإلا لكان العالم وكل واحد من مخلوقاته قديمًا وهو باطل فتعين أن يكون فاعلًا بالاختيار وهو المطلوب" (٢).
ومع صحة الدليل إلا أن خطأ الأشاعرة هنا يتجه إلى استخدامهم الدليل، ويتضح هذا من خلال الدليل الذي ذكره الإيجى، فإنه جعل لعلة المصححة للرؤية هي الوجود، ولا شك أن في هذا الاختيار ضعف، لأنه إذا صح وجب سحب الحكم بصحة الرؤية لكل موجود وهذا مما لا يسلم لهم، إذ لأمكن رؤية الروائح والأصوات لكونها موجودة، وقد علم بطلان هذا بالضرورة، وكان السبب في اختيارهم هذا المصحح هو محاولة التفلت من إلزامهم بإثبات الجهة لله تعالى، وهذا ما ألزمهم به شيخ الإسلام ﵀ وأبان به فساد مذهبهم في نفى الجهة عن الله تعالى، والصحيح أن الرؤية تثبت عند سلامة البصر، وكون المرئى في جهة، وقيامه بالنفس (٣).
ثالثًا: الاستدلال بالقياس المنطقي:
" القياس قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، كقولنا
стр. 94
العالم متغير وكل متغير حادث، فإنه قول مركب من قضيتين، إذا سلمتا لزم عنهما لذاتهما: العالم حادث" (١).
ويعد هذا المسلك من المسالك العقلية الدخيلة على الفكر الإسلامى، فلم يكن استعماله في إثبات العقائد مما ألفه الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين، بل كان من العلوم المردودة التي كثر ذم أهل العلم لها، ولكن مع تأثر الغزالي به وانتشار تقعيده لعلم الأصول بالأسس التي بنى عليها صار له تعلق كبير بإثبات العقائد الإلهية عند المتكلمين من بعده (٢). يقول الغزالي ﵀: "فكل قياس لم يكن بنظم مقدمات ضرورية، أو بنظم مقدمات مستنتجة من ضرورية، فلا حجة فيه فهذا هو القياس المعقول، وإنما ينتظم أبدًا من مقدمتين: إما مطلقة (٣)، وإما تقسيمية (٤)، وقد تسمى حملية وشرطية (٥)، أما المطلقة، فكقولنا: العالم حادث، وكل حادث فله سبب، فهاتان مقدمتان: الأولى حسية (٦)، والثانية ضرورية عقلية، ونتيجته أن لحوادث العالم إذًا سببًا" (٧). ويطبق الإيجى (٨) القياس المنطقى بصورته الاقترانية (٩) ليستنتج نفس القضية.
стр. 95
فيقول: "قد علمت أن العالم إما جوهر أو عرض، وقد يستدل بكل واحد منهما إما بإمكانه أو بحدوثه، فهذه وجوه أربعة:
الأول: الاستدلال بحدوث الجواهر، وهو أن العالم حادث، وكل حادث فله محدث.
الثاني: بإمكانها وهو أن العالم ممكن، لأنه مركب وكثير، وكل ممكن فله علة مؤثرة". (١)
ومن هنا نجد تأثر الصاوى به واضحًا، وذلك في تطبيقه لبعض صوره عند إثبات عدد من قضايا الإلهية، فمثلًا إثبات وجود الله تعالى، يرى الصاوى أن دليل الحدوث أو الإمكان الذي ابتدعه المتكلمون على طريقتهم من أهم الأدلة التي يصح بها إثبات وجود الباري تعالى، فيقول مستدلًا به على هيئة القياس الاقترانى: العالم ممكن، وكل ممكن له صانع، فالعالم له صانع أو العالم حادث، وكل حادث له صانع، فالعالم له صانع".
ويذكر موضحًا طريقة الاستدلال للقضية الصغرى وهى العالم حادث مستخدمًا نفس الدليل ولكن بأكثر من مقدمتين، فيقول: "العالم الحادث، أما المقدمة الأولى التي ينبنى عليها دليل حدوث العالم: إثبات أن العالم متغير؛ حيث علمت بالمشاهدة.
أما المقدمة الثانية: كل متغير حادث، فإن كان موجودًا بعد عدم فحدوثه ظاهر، وإن كان معدومًا بعد وجود، فكل ما جاز عليه العدم قطعًا يستحيل عليه القدم.
ثم يبين وجه التلازم بين التغير والحدوث بتقسيم العالم إلى أجرام وأعراض "فحدوث الأعراض بمشاهدة التغير والأجرام لملازمتها لها، وملازمة الحادث حادث بالضرورة".
стр. 96
فيصل بذلك إلى صحة المقدمة الأولى: "فينتج العالم حادث". (١)
وأما دليل القضية الكبرى: "كل حادث له محدث "فيستند إلى وجوب إثبات المرجح الذي كان به ترجيح الوجود على العدم، يقول: "وإلا لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال، فينتج العالم لا بد له من محدث" (٢).
* * *
المناقشة:
لقد وجه شيخ الإسلام عددًا من النقوض لمسلك الاستدلال الأرسطى كشف فيها عن الكثير من ضلالات معتقدهم في الإلهيات، والتى بنى على أساسها قواعد المنطق ونظرياته، ولعلى أشير إلى أهمها على ما يسمح به الحال مع التأكيد أننى هنا لست بصدد مناقشة هذه القضية بذاتها لأن النقاش سيأتي بها لاحقًا بإذن الله (٣)، وإنما يهمنى إعطاء فكرة نقدية لهذا المنهج الذي تأثر بها المتكلمون كثيرًا في المسائل الأصولية.
لقد كان من أهم النقود التي وجهها شيخ الإسلام ﵀ للمنطق الأرسطى، ما أسندوه إلى القياس المنطقي من مصداقية في تقرير الحقائق، حتى جزموا بأنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس، إذ لا مستند لهم في هذا الحصر إلا ادعاء لا بينة لهم عليه، ومع عدم موافقة المتكلمينن لهم على هذا الادعاء بالكلية، إلا أن اعتمادهم عليه في تقرير أصول الدين يعد دليلًا على موافقتهم في كونه دليلًا يتوصل به إلى تقرير الحقائق، وهذا ما يرد عليهم.
بيان ذلك أن الأساس في القياس وجود القضية الكلية كقول المتكلمين كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فإن استنادهم في هذا التعميم إنما يتحقق بالاستقراء الذي لا تكون نتائجه قطعية الدلالة لتطرق الاستثناء إليها؛ بسبب نقصانه وعدم
стр. 97
الجزم بشموله مما يقضى بظنية تعميمه على المجموع، ومن هنا فإن الأساس الذي أقاموا عليه برهان القياس المنطقى مهدد بالنقض من أساسه عند وجود المعارض المقتضى لذلك.
إذ الاستقراء ينقسم إلى نوعين بحسب ما يستند إليه من مرجعية الحكم، فقد يكون استقراءً تامًا بحيث تصدق لفظة (كل) على جميع أفراد الموضوع: المحكوم عليه، كقول النبي ﷺ : (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) (١)، وقد حكم عليه بأنه استقراء تام لأنه وحى معصوم، فتصديقه من تصديق المرسل .
أما الاستقراء الناقص فهو كل حكم على الموضوع كان أساسه التجربة، ومن المعلوم أن التجربة الحسية دلالة تعميمها ظنية، إذ الحكم على الأفراد إنما يتحقق صدقه على من وقعت عليه التجربة حقًا، أما ما خلا ذلك فهو قياس ذهنى قد يتعرض لنقض من فرد واحد، ققول القائل: كل نار محرقة، إنما توصل إليه بما شاهده من النيران التي جربها بحواسه، أما ما خلا ذلك فهو قياس توصل إليه بالأفراد الذين تحقق من صدق الحكم عليهم، لذا فإن هذا الحكم قد يتطرق إليه النقصان بمخالفة فرد من أفراد النيران لهذا التعميم، كالنار التي ألقى فيها إبراهيم ﵇ فإنه تخلف إحراقها بأمر الله تعالى، والذي أريد أن أتوصل إليه هنا أن كل تعميم بنى على الاستقراء التجريبى فهو استقراء ناقص، إذ أساس تحكيمه إعمال قياس الغائب على الشاهد وقد علم إمكان تطرق المنع إليه والذي يقضى بانتقاضه من أصله.
- ومن جهة أخرى فإذا كان العلم بصدق هذه القضية الكلية ضروريًا أو كما يعبر عنه بالبدهى امتنع وجود الحاجة إليها، ومثال ذلك قول المتكلمين كل حادث له محدث فإن هذه القضية الكبرى التي هي مقدمة البرهان يمكن الاستغناء عنها
стр. 98
لبداهتها، فلا يكون هناك حاجة لذكرها ويكتفى بالنتيجة لظهور هذه المقدمات وبداهتها وهى: العالم له محدث، يقول شيخ الإسلام ﵀ في بيان هذا: "فما من قضية من هذه القضايا الكلية التي تجعل مقدمة في البرهان، إلا والعلم بالنتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان، بل هو الواقع كثيرًا.
فإذا علم أن كل واحد فهو نصف كل اثنين، وأن كل اثنين نصفهم واحد فإنه يعلم أن هذا الواحد نصف هذين الاثنين، وهلم جرًا في سائر القضايا المعينة من غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية. . .
وكذلك إذا قيل: هذا محدث، فلا بد له من محدث، فتلك القضية الكلية وهى قولنا: كل محدث لا بد له من مُحْدِث، وكل ممكن لا بد له من مرجح يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهانى عندهم، بدون العلم بالقضية الكلية التي لا يتم البرهان عندهم إلا بها، فيعلم أن هذا المحدَث لا بد له من محدِث، وهذا الممكن لا بد له من مرجح" (١).
- ثم إن ما اشترطوه لصحة القياس من وجود مقدمتين، وإذا زاد الأمر لحاجة الاستدلال سموه مركبًا وردوه مع تعدده لبيان المقدمتين، لحصول النتيجة المطلوبة لا يصح لهم، وذلك لأن "الدليل قد يكون مقدمة واحدة، وقد يكون مقدمتين، وقد يكون مقدمات بحسب حاجة الناظر المستدل، إذ حاجة الناس تختلف، فقد يصل المستدل إلى المطلوب بمقدمة واحدة وقد يحتاج لأكثر، إذ المقصود هنا أن وجه الدليل: العلم بلزوم المدلول له - أي العلم بوجه دلالة الدليل على ما يدل عليه -، سواء سمى استحضارًا أو تفطنًا أو غير ذلك، فمتى استحضر في ذهنه لزوم المدلول له علم أنه دال عليه. وهذا اللزوم إن كان بينًا له، وإلا فقد يحتاج في بيانه إلى مقدمة أو ثنتين أو ثلاثة أو أكثر (٢)
دل على ذلك نهج من وجب اتباعهم والتزام سبيلهم من المهاجرين والأنصار
стр. 99
والتابعين لهم بإحسان، فإنه لم يكن أحد منهم يلتزم هذا النوع من الاستدلال وإنما يكون بحسب ما يقتضيه المقام من المقال. (١)
لذا فإن الكثير من "نظار المسلمين يعيبون طريقة أهل المنطق، ويبينون ما فيها من العى واللكنة وقصور العقل وعجز النطق. ويبينون أنها إلى إفساد المنطق العقلى واللسانى أقرب منها إلى تقويم ذلك. ولا يرضون أن يسلكوها في نظرهم ومناظراتهم، لا مع من يوالونه ولا مع من يعادونه" (٢).
* * *
ثالثًا: منهجه في الاستدلال بالقرآن والسنة:
لقد واجه المتكلمون في تثبيت أصولهم القائمة على اعتماد العقل أساسًا في العقائد الأصولية الكثير من المعارضات الشرعية؛ إذ تقتضى حقيقة الإيمان المنجى الإقرار بها بل والتصديق بها جزمًا، فحين بنى المتكلمون أصل اعتقادهم في إثبات وجود الله تعالى على دليل الحدوث المعروف، التزموا للإبقاء على سلامته من المعارضة عددًا من الثوابت العقلية - عندهم - اعتقدوا أنها من اليقينيات، ومع ذلك فقد كان في هذه الأصول العقلية المبتدعة ما يخالف الكثير من الأدلة الشرعية التي مبنى التصديق بها الإيمان بما جاء به النبي ﷺ من القرآن والسنة.
وتماديًا في التمسك بهذه الأصول المبتدعة، وإلحاحًا في التأصيل لها، فقد قام المتكلمون بالطعن في الأدلة الشرعية التي تخالف ما ظنوه قواطع عقلية، ولكن على هيئة يبقى بها الإيمان على ظاهره من التصديق الشامل لكل ما جاء به الكتاب والسنة، وكان لهم في ذلك سبيلان؛ الطعن في الثبوت والطعن في الدلالة، أما الطعن في الثبوت فقد راموا به إبطال المعارض الشرعي الذي لم يثبت بالطريق المتواتر، فكان حجتهم في عدم اعتماده في رد مسلماتهم العقلية كونه ظنى الثبوت، فحكموا بعدم جواز الأخذ به في العقائد.
стр. 100
وأما الطعن في الدلالة، فقد اعتقدوا أن دلالة النصوص الشرعية ظنية حتى يردوا منهما بالتأويل أو التفويض ما عارض منهما مسلماتهم العقلية؛ إذ لا سبيل لهم إلى الطعن في ثبوتهما قطعًا، وكان حجتهم في ذلك ما اعتمدوه أساسًا في تقرير العقائد من القطع بدلالة العقل وتقديمه على دلالة النقل، وإمعانًا في إعمال هذا الأصل المبتدع؛ فقد طعنوا حتى في مسالك البعض منهم حين انتهجوا مسلك الاستدلال بالشرع في تقرير بعض ما قد أقروا بوجوبه بطريق العقل من المسائل العقدية كوجوب النظر مثلًا، يقول الإيجى: "أما أصحابنا فلهم في إثبات وجوب النظر المؤدى إلى المعرفة مسلكان: الأول: الاستدلال بالظواهر من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب النظر في المعرفة، نحو قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].
وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠].
فقد أمر بالنظر في دليل الصانع وصفاته والأمر للوجوب كما هو الظاهر المتبادر منه.
ولما نزل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
قال ﵊: (ويل لمن لاكها أي مضغها بين لحييه أي جانبى فمه ولم يتفكر فيها) (١) فقد أوعد بترك التفكر في دلائل المعرفة فهو واجب، إذ لا وعيد على ترك غير الواجب، وهذا المسلك لا يخرج عن كونه ظنيًا غير قطعى الدلالة، لاحتمال الأمر غير الوجوب، وكون الخبر المنقول من قبيل الآحاد". (٢)
بل قد أدى بهم هذا الزعم إلى الجزم بأن جميع المسائل التي يرجع فيها إلى النقل عندهم - لعدم إمكان الاستدلال عليها بالعقل - دلالتها ظنية، حيث يستقل النقل
стр. 101
بالدلالة عليها دون العقل، يقول الإيجى: "واعلم أن مسألة الأفضلية لا مطمع فيها في الجزم اليقين؛ إذ لا دلالة للعقل بطريق الاستقلال على الأفضلية بمعنى الأكثرية في الثواب، بل مستندها النقل، وليست هذه المسألة مسألة يتعلق بها علمية فيكتفى فيها بالظن الذي هو كافٍ في الأحكام العملية، بل هي مسألة عملية يطلب فيها اليقين، والنصوص المذكورة من الطرفين بعد تعارضها لا تفيد القطع على ما لا يخفى على منصف، لأنها بأسرها إما آحاد، أو ظنية الدلالة مع كونها متعارضة أيضًا". (١)
ومن هذا النص المتقدم يتبين أنه لا سبيل عند المتكلمين إلى اعتقاد اليقين في المسائل الشرعية إلا بما يستدل له بطريق العقل، إما بالأصالة كمعرفة الله تعالى بصفاته، أو بالاعتضاد كأخبار اليوم الآخر، حيث علم بالعقل إمكانها، أما خلا ذلك فتبقى دلالتها ظنية؛ إذ لا سبيل إلى العقل في إثباتها أو ردها.
وببيان هذا الأصل الفاسد الذي اعتمده المتكلمون في الاستدلال بالأدلة الشرعية يمكن فهم موقفهم من الألفاظ الشرعية من حيث دلالتها على المعانى العقدية:
أولًا: الاستدلال بالنص:
النص في اللغة مأخوذ من الارتفاع، يقال: نص الحديث ينصه نصًا رفعه، وكل ما أظهر فقد نص، ونصت الظبية جيدها رفعته، والمنصة ما تظهر عليه العروس لترى. (٢)
وفى الاصطلاح: ما ازداد وضوحًا على الظاهر لمعنى في المتكلم، وهو سوق الكلام لأجل ذلك المعنى، فهو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وبالتالى: فهو مما لا يحتمل التأويل. (٣)
كما يعرف بأنه: "ما لا يتطرق إليه احتمال يعضده دليل، فإن تطرق إليه احتمال لا دليل عليه؛ فلا يخرج عن كونه نصًا" (٤).
стр. 102
ولما كان التأويل عند المتكلمين مما يعم جميع النصوص الشرعية التي تدل على مخالفة ما ذهب إليه المتكلمون في القضايا الإلهية؛ إذ المعول عليه في تلك المسائل هو العقل وليس النقل، فإن أي آيٍ من القرآن الكريم أو الحديث النبوى لا يستدل به على جهة القطع في الدلالة على مقتضى إعماله؛ ما لم يدل على مقتضاه بدليل العقل.
ومن هنا فإن الصاوى كأسلافه من المتكلمين لم يعملوا الدلالة النصية للكتاب الكريم، والحديث الشريف على الأحكام العقدية إلا في السمعيات فقط، أو أجازوه فيه، فليس للتفريق أساس بين الظاهر والنص من الأدلة الشرعية إلا ذلك التقسيم الآنف الذكر، ومع ما يتشدق به المتكلمون من وجود القرائن والتى يرجعونها إلى قطعية الدلالة العقلية فإن الصحيح فيها أنها ليست بدليل يمكن بها رد النص وتقديمه عليه، وهذا يرجع إلى ما تقدم إجمال القول فيه من العلاقة بين النص الصحيح والعقل الصريح، ولعلى أذكر بعضًا من الأمثلة التي تدل على استدلال الأشاعرة بقطعية الدلالة عند عدم وجود المعارض العقلى على مذهبهم، يقول الباقلانى (١) في حكم مرتكب الكبيرة في الآخر: "فإن قال: فما تقولون في مذنبى أهل ملة الإسلام، هل يجوز العفو عنهم حتى لا يعاقب الفاسق بما كان من ظلمه لنفسه أو غيره؟ قيل له: نعم. فإن قال: فما الدليل على ذلك؟ قيل له: ما قدمناه من حسن العفو من الله ومن غيره، ومع أن الله تعالى قد بين ذلك في نص كتابه فقال: " ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
فاستثنى من المعاصى التي يجوز أن يغفرها الشرك فألحقت الأمة به ما كان بمثابته من ضروب الكفر والشرك (٢).
стр. 103
وكذلك سائر مسائل الاعتقاد التي يستدل لها بنصوص الكتاب أو السنة كالإيمان باليوم الآخر والجنة والنار، وغير ذلك.
ومن هنا كانت متابعة الصاوى للمتكلمين من قبله في الاحتجاج بنصوص الكتاب والسنة؛ فيما يرى صحة الاكتفاء بدلالتهما، ومن ذلك استدلاله على عدم خلود مرتكب الكبيرة في النار بالآية السابقة كغيرة من الأشاعرة، يقول: "أما المعاصى فلا تبطل ثواب الأعمال الصالحة خلافًا للمعتزلة القائلين بان الكبائر تحبط الأعمال كالردة، ورد كلامهم بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] " (١).
ويقول مستدلًا لوزن الأعمال: "يجب الإيمان بأن العباد توزن أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا، وبالميزان أي الآلة الحسية التي يوزن بها، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] " (٢).
وكما ظهر استدلال الصاوى جليًا في هذه المسائل العقدية بنص الكتاب فقد ظهر أيضًا في السنة المباركة، إلا أن تجوزه ملحوظًا في الاستدلال بالأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات في قضايا العقيدة، وهذا مما يرد عليه، مع أن موقفه من قبول حديث الآحاد وعدم الطعن في ثبوته مما يحمد له.
ومن استدلاله بالصحيح منها الإيمان بما أخبر به النبي ﷺ ، من أمور الآخرة، يقول: "يجب علينا الإيمان بحوض نبينا ﷺ من أنكره فسق وبدع، وهو كبير متسع طوله شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك. .) (٣)
أما الاستدلال بالحديث الضعيف، أو ما لا يعلم سنده فكثير، ومن ذلك؛
стр. 104
إخباره عن تفاصيل الدابة، ويأجوج ومأجوج وغير ذلك، فقد استدل بأحاديث بعضها منقطع، والبعض الآخر غير معروف السند. (١)
ثانيًا: الاستدلال بالظاهر:
" الظاهر هو اسم لكلام ظهر المراد منه للسامع بنفس الصيغة ويكون محتملًا للتأويل والتخصيص، وما ظهر المراد منه للسامع بنفس الكلام، كقوله وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ". (٢)
ويرى الأشاعرة بناء على ما تقدم أن كل دليل احتمل التأويل لوجود القرينة العقلية التي تقضى بمعارضة الأخذ بالظاهر عندهم وجب تأويله بما يدفع ذلك التعارض، مع محاولة عدم الخروج عن اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
ويظهر هذا جليًا في تأويلهم لظواهر الكتاب والسنة التي دلت على اتصاف المولى تعالى بالصفات سوى ما أثبتوه منها بدليل العقل، وهى الصفات السبع المعروفة، وكانت القرينة العقلية التي اعتمدوها لصرف الدليل عن ظاهره؛ هي اعتقاد أن في الأخذ بظواهر هذه الأدلة ما يقدح في أصل تنزيه المولى تعالى عن مشابهة الحوادث.
وقد أدى هذا الاعتقاد الغالى في تقديم العقل على أدلة الشرع في معرفة الحقائق على جهة القطع؛ إلى أن حكم بعض المتكلمين على عموم أدلة الكتاب والسنة بأنها ظواهر، وليس فيها نصوص تفيد اليقين، كل ذلك لإمكان معارضتها بالدليل العقلى الذي اعتقدوا فيه اليقين، يقول الآمدي (٣): "وعلى الجملة فلسنا نعتمد في
стр. 105
هذه المسألة على غير المسلك العقلى الذي أوضحناه، إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية، والاستبصارات العقلية، وهى مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين، فلا يذكر إلا على سبيل التقريب، واستدراج قانع بها إلى الاعتقاد الحقيقى". (١)
ومن هنا فقد وقف الصاوى من ظواهر نصوص الكتاب والسنة موقفًا متعسفًا للغاية، حيث رمى من أخذ بظاهرهما بالكفر؛ وكان هذا نتيجة لما تقرر عنده من إمكان وجود المعارض العقلى الذي يقضى بتقديمه على النقل في مسائل المعرفة والتوحيد، وأن في عدم تأويل الدليل بما يدفع ذلك المعارض العقلى ما يؤدى إلى اعتقاد مماثلة الرب تعالى للحوادث.
يقول في عد أصول الكفر: "والتمسك في عقائد الإيمان بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير عرضها على البراهين العقلية، والقواطع الشرعية، فالتمسك بظاهر الكتاب والسنة أصل ضلال الحشوية، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة، عملًا بظاهر: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] (٢).
* * *
المناقشة:
وحتى يتم بيان أصل الضلال الذي حمل الصاوى وسابقيه من المتكلمين على عد الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من الكفر لا بد من الكشف عن أمرين:
الأول: حكم الأخذ بظواهر الكتاب والسنة.
الثاني: متى يصار إلى التأويل.
أما عن حكم الأخذ بالظاهر فإنه مما تقرر عند علماء الأصول وجوب الأخذ به،
стр. 106
فإنه لا يسمى بذلك إلا لكون ظاهره مما يتبادر إلى الذهن في الدلالة على المعنى المراد حتى ظهر معناه للمخاطب، ولا يصار إلى ما يمكن أن يحتمله الدليل من المعنى المرجوح إلا لقرينة.
يقول الإمام الشنقيطى (١) ﵀: "اعملوا أن المقرر في الأصول أن الكلام إن دل على معنى لا يحتمل غيره فهو المسمى نصًا، كقوله مثلًا: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون أظهر في أحد الاحتمالين من الآخر، وإما أن يتساوى بينهما.
فإن كان الاحتمال يتساوى بينهما فهذا الذي يسمى في الاصطلاح المجمل، وحكم المجمل أن يتوقف عنه إلا بدليل على التفصيل.
أما إذا كان نصًا صريحًا فالنص يعمل به، ولا يعدل عنه إلا بثبوت النسخ.
فإذا كان أظهر في أحد الاحتمالين فهو المسمى بالظاهر، ومقابله يسمى محتملًا مرجوحًا، والظاهر يجب الحمل عليه إلا لدليل صارف عنه." (٢)
إذًا فالأصل في حكم الأخذ بالظاهر هو الوجوب، فأين منه هذه المقولة الظالمة التي جعلت الأصل في الأخذ به المنع الذي يقتضى الخروج من الدين بالكلية؟ لا شك أن هذا إجحاف وضلال يطعن في أصل الإيمان بالأدلة الشرعية كتابًا وسنة.
ومن العجب أن الصاوى عند بيان الآداب التي يجب التمسك بها في الأخذ عن الشيخ؛ أوجب على التلميذ أن يحمل كلام الشيخ على ظاهره، ولا يعمد إلى
стр. 107
تأويله، معللًا ذلك بأنه أعلم بمراده من كلامه، لقد كان هذا الأدب أولى مع كلام رب العالمين، الذي وصفه المولى ﵎ بالحكمة، والبيان، والشفاء، والتمام، وأمر بتدبره، وإقامة. أمره، وتصديق خبره قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
وقد رد عليه الإمام الشنقيطى ﵀ مقولته تلك مبينًا ضلاله فيها، كما نبه إلى ما نتج عنها من انحراف الكثير ممن تأثر بالصاوى، كل ذلك بأسلوب شديد وحجة قوية رام بها هدم هذا الأصل المبتدع، الذي مؤداه الطعن فىٍ كلام رب العالمين، الذي قال فيه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢].
وفيما يلى نص كلامه ﵀ الذي شدد فيه محرجًا على الصاوى مقولته تلك: "أما قوله إن الاخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، فهذا أيضًا من أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكًا لحرمة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، سبحانك هذا بهتان عظيم.
والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ وعامة علماء المسلمين أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ في حال من الأحوال بوجه من الوجوه، حتى يقوم دليل صحيح شرعى صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح.
والقول بأن العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يصدر البتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلًا، لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرًا، والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس" إلى آخر ما ذكر ﵀. (١)
стр. 108
والصاوى لدفع هذا التعارض الذي يراه بين ظاهر النص وما يجب أن يفسر بها اتباعًا للعقل فإنه يقرر مذهب التأويل أو التفويض، فمرة يوجب تأويل النص بما يوافق مذهبه الأشعري، ومرة يوجب التفويض بحيث يمتنع تعيين المعنى لمعارضته العقل المحكم في فهم النصوص المتعلقة بتوحيد الرب تعالى عنده. ولبيان هذا فإنه يتعين الحديث عن:
مسلك التأويل والتفويض:
وأصله المعتمد في انتهاج مسلك التأويل أو التفويض - كما سبقت الإشارة إليه - هو الوصول إلى معنى لا يعارض الأساس العقلى الذي تم به معرفة الله تعالى وهو تنزيهه عن مماثلة الحوادث الذي هو محصلة أصلهم المبتدع الذي اعتمدوه في إثبات وجود الباري تعالى وهو قولهم بأن: كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
وعليه فإنه ما من دليل من كتاب أو سنة يفيد إثبات صفة لله تعالى فيها ما يوهم - عنده - مخالفة لهذا الأصل المبتدع إلا ورام إبطالها وتنزيه المولى عنها.
يقول شارحًا قول اللقانى:
وكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها
"وحاصل ما في هذا المقام أنه لما قدم - أي: اللقانى - أنه سبحانه وجبت له المخالفة للحوادث عقلًا وسمعًا، وورد في القرآن والسنة الصحيحة والحسنة ما يوهم إثبات الجهة والجسمية، وكان مذهب أهل الحق من السلف والخلف تأويل الظواهر لوجوب تنزيهه تعالى عنه، أشار إلى ذلك مقدمًا طريق الخلف لأرجحيته لقول أهل الفن: طريق الخلف أعلم وأحكم؛ لما فيه من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وطريقة السلف ومنهم الأئمة الأربعة أسلم للسلامة من تعيين معنى يكون غير مراد له تعالى، والخلاف إنما هو في الأولوية وإلا فارتكاب كل كافٍ". (١)
стр. 109
"فظهر مما قررنا اتفاق السلف والخلف على تنزيهه تعالى عن معنى المحال، وعلى الإيمان بأنه من عند الله جاء به رسول الله، لكنهم اختلفوا في تعيين معنى صحيح وعدم تعيينه بناء على أن الوقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أو على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. (١) "وهذه هي طريقة السلف، وأما طريقة الخلف فهى أحكم؛ فالوقف على أولى الألباب. فالراسخون معطوف على لفظ الجلالة". (٢)
* * *
ومما تقدم تبين أنه جعل تنزيه المولى عن ظاهر النص مجمعًا عليه بين السلف والخلف ولكن اختلفت طريقتهم في ذلك، يقول مقررًا هذا المبدأ: فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة". (٣)
ولكنه في تحليله السابق لمنهج السلف لم يصب الحقيقة، لأنه جعل مذهبهم - ومنهم الأئمة الأربعة - قائمًا على اعتقاد أن ظاهر النصوص يجب تنزيه المولى تعالى عنه لأن فيه مماثلة للحوادث - وهو ما عبر عنه بالمعنى المحال - وما كان كذلك وجب تفويضه للسلامة من تعيين ما لا يليق به سبحانه.
وهذا الذي توصل إلى فهمه من مذهب السلف لا يسلم له، فلم يؤثر عنهم اعتقاد كون النصوص يقتضى ظاهرها ما يخالف التمثيل الذي توهمه، كما تقدم بيانه؛ إذ هو مخالف لما هو معلوم من الدين بالضرورة من التسليم لدلالة النصوص واعتقاد ظاهرها دون ميل عن التوسط والاعتدال، وهذا الأصل دل عليه قول المولى تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فهذا إثبات للظاهر المعلوم من اللفظ، مع التحذير من التعمق الذي يؤدي إلى التكييف والتمثيل، يقول شيخ الإسلام: "ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرًا
стр. 110
ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن كفرًا وباطلًا والله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال". (١)
والحق أن السلف - رضوان الله تعالى عليهم - إنما كانوا يفوضون في الكيف فقط، والعمدة في ذلك قول الإمام مالك ﵀: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" (٢)
والتفويض في الكيف كما هو صريح في كلام الإمام مالك لا يعني تفويض المعنى، بل المعنى مفهوم كما أقر به - رضى الله عنه - ولكن الكيف هو الذي تفوض حقيقته لله تعالى؛ لأنه سبحانه كما أن له ذاتًا لا تماثل حقيقتها الذوات كذلك له صفات لا تماثلها الصفات. (٣)
وقد تطرق الصاوى أثناء عرضه للقضية إلى مسألة هامة وهى بيان السبب الذي دعا إلى اختلاف المنهج بين المتقدمين والمتأخرين وجعل محل النزاع فيها مرتبطًا بالوقف في الآية الكريمة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.
ومناقشته ترجع:
أولًا: إلى بيان المراد بالمتشابه المذكور في الآية الكريمة، وهل يدخل فيه آيات الصفات كما ذكر؟
ثانيًا: بيان المراد بالتأويل الذي ورد فيها، وهل كان الوقف هو سبب لنشوء الخلاف؟
ثالثًا: ما مدى سلامة ما توصل إليه الصاوى من أنه على القول بجواز الوقف على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يصحح ما ذهب إليه المتكلمون من تعيين المعنى المراد بمثل ما ذهبوا إليه؟