← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

من اعتنى بذكر مؤلفاته وتوثيقها، وفي جمع السواس زيادة توثيق لأماكن وجود المخطوط منها واللَّه أعلم. والذي يلاحظ في هذه الفهارس الاختلاف والتباين في التعداد، والاستدراك من بعضهم على بعض، واختلاف وجهات النظر في تحديد هل الكتاب مكرر أم أنه واحد، كل ذلك بسبب فقدان معظم كتب ابن أبي الدنيا فيبقى المجال للاجتهاد واللَّه أعلم. لكن الذي يقتضى التنبيه مما لا مجال للاجتهاد فيه ما ورد في قائمة ياسين السواس محقق كتاب الشكر عند كلامه على كتاب الجيران حيث أحال في الهامش على الظاهرية مجموع (٨٩) ورقة (١ - ١٦) (١)، فأوهم أن الكتاب موجود وبالرجوع إلى مكتبة الأسد الوطنية قسم المخطوطات على الإحالة المذكورة وجدت المخطوط هو الكتاب الذي يسبق هذا وهو الجوع، ثم انتبهت أن الإحالة المذكورة في كتاب الجيران هي نفس الإحالة المذكورة في كتاب الجوع في كل تفاصيلها ورغم أن الكتابين متتاليان في ترتيب المصنفات لم يتنبه لهما المحققان. كما أن المحقق بسام الجابي ذكر أيضًا كتابا آخر هو كتاب الإشراف في منازل الأشراف ثلاث مرات للاختلاف في العنوان حيث وردت تسميته أيضًا في إحدى الطبعات الإشراف على مناقب الأشراف، وفي أخرى الأشراف، موهما أنه ثلاثة كتب وهو كتاب واحد اختلف محققوه،

стр. 72

وهذا خطأ واضح لأن الكتاب مطبوع، والمحقق وثق معلوماته الببلوغرافية مما يوحى باطلاعه عليه بطبعاته المختلفة، وقد استدرك الأستاذ الدكتور عبد اللَّه دمفو على عنوان "الإشراف على مناقب الأشراف" الذي طبع بتحقيق مصطفى عبد القادر عطا بأنه خطأ، وأن الصواب الموافق لما في النسختين الخطيتين للكتاب هو كتاب الإشراف في منازل الأشراف (١)، وكذلك يقال في طبعة وليد قصاب التي عنون لها "الأشراف" (٢). وكما ذكر السواس في مقدمة كتابي: الشكر والفرج بعد الشدة، كتابا سماه المختصر قال عنه: "يظهر أنه كتاب في الحديث"، ووصف النسخة وعدد أوراقها وأنها مخرومة الأول، لكن الإحالة التى ذكرها هي نفس الإحالة التي قبلها لكتاب المحتضرين، وهو موهم ومشكل واللَّه المستعان، وبالرجوع إليه تبيّن أنه نفس الكتاب السابق واللَّه أعلم. وإتماما للفائدة أذكر أنواع كتب ابن أبي الدنيا المطبوعة وأقسامها وهي: أولا: ما هو موافق لما وضعه مؤلفه، وهذا النوع هو أغلب مؤلفاته المطبوعة. ثانيا: ما هو مختصر من أصل؛ سواء كان الاختصار في المخطوط

стр. 73

نفسه كذم الملاهي بتحقيق محمد عبد القادر عطا، أو أن المحقق نفسه قام باختصاره، ككتاب ذم الكذب وأهله الذي حققه محمد غسان عزقول فهو المستل من كتاب الصمت. ثالثا: ما هو جمع للأحاديث والآثار من كتب فرعية نقلت عن المصنف، ككتاب مصايد الشيطان، وكتاب ذكر الموت. رابعا: محاولة جمع كل كتب ابن أبي الدنيا في مجموعة شاملة، وكان أول هذا العمل ما قام به محمد عبد القادر عطا في موسوعة رسائل ابن أبي الدنيا، بمؤسسة الكتب الثقافية، اشتملت على واحد وعشرون مصنفا في خمس مجلدات، ثم قام أبو بكر السعداوي بعمل مماثل كان أكثر استيعابا حيث ضمّ سبعا وخمسين رسالة، إلا أنه أضاع فوائد كثيرة بتجريد موسوعته من أسانيد المصنف، وأخيرا صدر عن المكتبة العصرية موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا في ثمان مجلدات جمعت تسعة وخمسين مصنفا جمعوا فيها ما طبع مستقلا. خامسا: نوع آخر ظهر مؤخرا يقوم المحقق فيه بشرح الكتاب الذي طبعه، مثل كتاب: ضوء الشموع شرح كتاب الجوع، وتنبيه الساهي شرح كتاب ذم الملاهي.

стр. 74

الباب الأول: الآثار الواردة في الاتباع والابتداع . [وفيه فصلان: ] الفصل الأولى: الآثار الواردة في الاتباع. الفصل الثاني: الآثار الواردة في الابتداع.

стр. 75

الفصل الأول: الآثار الواردة في الاتباع . وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الآثار الواردة في تعظيم السلف للكتاب والسنة. المبحث الثاني: الآثار الواردة في ترك ما ليس للعبد فيه سلف. المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الكلام في العلماء. المبحث الرابع: الآثار الواردة في الهدي العام للسلف في السلوك.

стр. 76

المبحث الأول: الآثار الواردة في تعظيم السلف للكتاب والسنة لقد بعث اللَّه أنبياءه ورسله ليعلموا الناس أمور دينهم، ويدعوهم إلى عبادة ربهم وخالقهم، وأرسل معهم الكتاب بالحق ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وفرض على أتباعهم طاعتهم وتعظيم ما جاؤوا به، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ (١)، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي، قالوا: يا رسول اللَّه ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (٢). وللسلف أقوال كثيرة في بيان هذا الأصل العظيم، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلي: ١ - حدثني إبراهيم بن محمد، عن قتيبة بن سعيد، عن ليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد (٣): "أن أبا بكر ﵁ جاء بأبيه أبي قحافة إلى النبي ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : "فلولا تركت الشيخ حتى كنت آتيه" فقال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لَإِسلام أبي طالب كان أقرّ لعيني من إسلامه، وذلك أن إسلام أبي طالب كان أقرّ لعينك" (٤).

стр. 77

٢ - حدثنا إبراهيم بن عبد الملك، حدثنا عبيدة بن حميد، حدثنا أبو مريم، عن عطاء (١) قال: "سئلت عائشة عن العقيقة، قيل لها: أرأيت إن نحر إنسان جزورا؟ فقالت عائشة: السنة أفضل" (٢). ٣ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة (٣) قال: "قيل لعائشة -وولد لابن أختها غلام- فقالوا: عقّي عن ابن أختك جزورتين، قالت: معاذ اللَّه، ولكن ما قال رسول اللَّه ﷺ : "شاتان مكافئتان" (٤).

стр. 78

٤ - حدثني الحسن بن. . . عبد اللَّه. . . . . . عن أبي رجاء، عمن سمع أبا جحيفة، عن أبي جحيفة (١): "أنه تجشّأ في مجلس رسول اللَّه ﷺ فقال له: "أقصر من جشائك؛ فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا"، قال أبو جحيفة: فما شبعت منذ ثلاثين سنة" (٢).

стр. 79

٥ - حدثنا أبو إسحاق، نا معاوية، عن أبي إسحاق، عن رجل من أهل المدينة، عن محمد بن المنكدر (١) قال: "لما كان يوم أحد صعد المشركون على أحد فقال رسول اللَّه ﷺ لسعد: "احتتَّهم يا سعد" -يقول: ارددهم- قال: وكيف أحتتّهم يا رسول اللَّه وحدي؟ قال: ثم عاد فقال مثل ذلك، فقال سعد ذلك، ثم قال سعد: يقول رسول اللَّه ﷺ احتتَّهم وأنا أقول ما أقول، لئن أعاد الثالثة لأفعلنّ، فقال: "احتتَّهم يا سعد فداك أبي وأمي" قال: فأخذت سهما من كنانتي فرميت به رجلا منهم فقتلته، فرُميت بسهمي فأخذته أعرفه، ثم رميت به رجلا آخر فقتلته، ثم رُميت بسهمي أخذته أعرفه، ثم رميت آخر فقتلته، ورُميت بسهمي فأخذته أعرفه، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك بدمي (٢)، فحملته في كنانتي، فكان عند سعد حتى مات، ثم عند بنيه ثم هلك بعد" (٣).

стр. 80

٦ - حدثنا أبو خيثمة، نا يزيد بن هارون، أنا خالد بن رباح، عن السوّار، عن عمران بن حصين (١) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الحياء خير كله"، قال: فقال رجل: إن منه ضعفا وإن منه عجزا، فقال عمران: "أحدثك عن رسول اللَّه ﷺ وتحدثني عن الصحف؟ " (٢). ٧ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ليث، عن أبي حصين، أن رجلا أتى ابن مسعود (٣) ﵁ فقال: علمني كلمات نوافع

стр. 81

جوامع، فقال: "تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئا، وتزول مع القرآن أين ما زال، ومن جاءك بالصدق من صغير أو كبير، وإن كان بعيدا بغيضا فاقبله منه، ومن أتاك بكذب من صغير أو كبير، وإن كان حبيبا قريبا فاردده عليه" (١). ٨ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا عبد المؤمن المفلوج البصري قال: قال الحسن (٢): "كان واللَّه من أدركت من صدر هذه الأمة ما قالوا بألسنتهم فكذلك في قلوبهم، كانوا واللَّه موافقين لكتاب ربهم ولسنة نبيهم ﷺ ، فإذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يرغبون إلى ربهم في فكاك رقابهم؛ إذا أشرف لهم

стр. 82

من الدنيا شيء أخذوا منه قوتهم، ووضعوا الفضل في معادهم، وأدوا إلى اللَّه فيه الشكر، وإن زوي عنهم استبشروا وقالوا: هذا (نظر) من اللَّه واختبار منه لنا، إن عملوا بالحسنى سرتهم ودعوا اللَّه أن يتقبلها منهم، وإن عملوا بالسيئة ساءتهم واستغفروا اللَّه منها" (١). ٩ - حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم العنزي الكوفي، عن جابر بن عون الأسدي قال: أول كلام تكلم به سليمان بن عبد الملك (٢) أن قال: "الحمد للَّه الذي ما شاء صنع، وما شاء رفع، وما شاء وضع، ومن شاء أعطى، ومن شاء منع، إن الدنيا دار غرور، ومنزل باطل، وزينة تتقلب، تضحك باكيا، وتبكي ضاحكا، وتخيف آمنا، وتؤمّن خائفا، وتفقر مثريها، وتثري مفقرها، ميالة لاعبة بأهلها، يا عباد اللَّه اتخذوا كتاب اللَّه إماما، وارضوا به، واجعلوه لكم قائدا؛ فإنه ناسخ لما قبله، ولن ينسخه كتاب بعده، اعلموا عباد اللَّه أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان وضغائنه،

стр. 83

كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفّس إدبار الليل إذا عسعس" (١). ١٠ - حدثنا عبد الرحمن بن واقد قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب قال: "كان أيوب السختياني (٢) يؤم أهل مسجده في شهر رمضان. . . وكان من آخر يقول: يصلي على النبي ﷺ ، ويقول: اللهم استعملنا بسنته، وأوزعنا بهديه، واجعلنا للمتقين إماما. . . " (٣). ١١ - حدثنا أبو حفص الصفر أحمد بن حميد، ثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار (٤) يقول: "رحم اللَّه عبدا قال لنفسه النفيسة: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمَّها، ثم خطمها،

стр. 84

ثم ألزمها كتاب اللَّه فكان لها قائدا" (١). ١٢ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون (٢) قال: "كان محمد بن سيرين ينشد الشعر، ويضحك حتى يميل، فإذا جاء الحديث من السنة كلح" (٣). ١٣ - كتب إليّ أبو سعيد الأشجّ، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس (٤) قال: "إذا سمعت الخبر فاعمل به ولو مرّة واحدة" (٥).

стр. 85

١٤ - حدثنا محمد بن الحسين، حدثني مطرف أبو مصعب، حدثني أبو عبد اللَّه مولى الليثيين وكان خيارا: "رأيت كأن النبي ﷺ قاعد في المسجد، والناس حوله، ومالك بن أنس قائم بين يديه، وبين يدي النبي ﷺ مسك، وهو يأخذ منه قبضة قبضة، فيدفعها إلى مالك، ومالك ينثرها على الناس، قال أبو مصعب (١): فأُوِّلَ ذلك العلم واتباع السنة" (٢).

стр. 86

١٥ - ثنا عبد اللَّه بن محمد بن سورة البجلي قال: قال سفيان بن عيينة (١): "ليس العاقل الذي يعرف الخير والشر، ولكن العاقل يعرف الخير فيتبعه، ويعرف الشر فيجتنبه" (٢). التحليل والتعليق اشتملت الآثار السابق ذكرها، على أقوال هامة للسلف فيها تعظيم القرآن والسنة، أوحدهما، وهي متنوعة الدلالة على ذلك: فمن جهة نجد هذا التعظيم غير مقتصر على طبقة اجتماعية خاصة، بل كل طبقات المجتمع المسلم تعيش هذا المعنى الإيماني، فالحاكم المسلم وهو هنا سليمان بن عبد الملك كان أول ما تكلم به أن أمر رعيته باتخاذ كتاب اللَّه إماما، وأن يرضوا به قائدا. وكان ذلك نصيحة الصحابة رضوان اللَّه عليهم لمن بعدهم من التابعين بأن يزولوا مع القرآن حيث زال، كما جاء عن ابن مسعود.

стр. 87

وكانوا ألزم لما نصحوا به غيرهم، كما ذكر ذلك التابعون عنهم، حيث وصفوهم بأنهم كانوا موافقين لكتاب ربهم وسنة نبيهم، ومواقفهم في ذلك مشهورة أكثر من أن تحصر ومن ذلك: تفضيل عائشة ﵂ للشاتين على الجزورين في العقيقة، مع أن الجزورين أعظم إنفاقا وتصدقا وإهداءا، لأن السنة أفضل كما قالت. وتعظيم امتثال الأمر أو النهي فإن أبا جحيفة بعد ما أمره النبي ﷺ أمر مخاطب، من الكف بمعنى الصرف والدفع (١) - بالكف عن التجشأ، لم يشبع ثلاثين سنة، ولو كان المأمور به مما لا تدركه عقولهم أو يظن فوق مقدورهم، ويلومون أنفسهم في التأخر عن تنفيذه كما قال سعد يوم أحد. بل إن أحدهم ليغضب إذا عورض قول رسول اللَّه ﷺ بشيء مهما كان السبب كما فعل عمران بن حصين. ولعل أعظم ذلك كله ما حصل من الصديق ﵁ من كون إيمان أبي طالب كان أقر لعينه من إيمان أبيه، لأن ذلك كان أقر لعين رسول اللَّه ﷺ ، وهذا ذورة التعظيم وقمة الحب والمتابعة الظاهرة والباطنة، كيف لا وهو الصديق، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. وقد سار التابعون وتابعوهم على خطا هذا المنهج الرباني، فكان ذلك من دعائهم في الصلوات، وحديثا يذكر في مواعظهم، بل كان من أدبهم في طلب العلم أن أحدهم إذا جاء الحديث كلح تعبيرا عن هيبة

стр. 88

الحديث في نفوسهم، وكانوا يوصون بالعمل بالحديث ولو مرة. ومن ذلك التعظيم ما رؤي لبعض الأئمة من الرؤى الطيبة، كما وقع لإمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ المعروف بشدة اتباعه للأثر، ومن هنا كان المقصود من العلم هو العمل بفعل الخير وترك الشر، وليس مجرد المعرفة المجردة. ونظرا لأهمية هذه المسألة اعتنى بها علماء الإسلام، ودونوها في مؤلفاتهم، فهذه كتب السنة ودواوين الإسلام، لا يكاد يخلو كتاب منها، من باب في الأمر بالاتباع، والحث على التمسك بالكتاب والسنة، وما من علم من العلوم الإسلامية، إلا وتجد فيه شيئا من ذلك، في التفسير والحديث والعقيدة والفقه والأصول وغير ذلك، ناهيك عما أُلِّف فيه استقلالا، كيف لا وهما الأساس الذي بني عليه هذا الدين. وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه مدارج السالكين أن من منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التعظيم، وشرح قول المصنف أن أول درجاته: "تعظيم الأمر والنهي، وهو أن لا يُعارضا بترخص جاف، ولا يعرَّضا لتشدد غال، ولا يحملا على علة توهن الانقياد" (١). فقال عن الغلو: "والغلو نوعان: نوع يخرجه عن كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة. . . وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار، كقيام الليل كله". وأما العلة التي توهن الانقياد فقال: "أن لا يتأول في الأمر والنهي

стр. 89

علة تعود عليهما بالإبطال"، ذكر من ذلك حمل تحريم الخمر بما كان منه موقعا للعداوة والبغضاء وتجويز غيره، وكذا عدم الامتثال حتى يعلم العلة، ومن اهتم بحكم العبادات ومقصودها عن الإتيان بها بزعم اشتغاله بالمقصود عن الوسيلة، حتى عطل الأمر والنهي. ثم قال: "وكل هذا ترك تعظيم الأمر والنهي، وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا اللَّه: فما يدرى ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا اللَّه، فكم عطلت من أمر، وأباحت من نهي، وحرمت من مباح وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها" (١).

стр. 90

المبحث الثاني: الآثار الواردة في ترك ما ليس للعبد فيه سلف . إن مبنى الدين على التسليم والانقياد، لا على المعارضة والابتداع، ولا يتم ذلك للمسلم، حتى يكون متبعا في كل أموره، مقتديا بصالح سلفه، لا يأتي بشيء من عنده لا سلف له فيه، فضلا عن مخالفة صريح ما كانوا عليه، وذلك لأن اللَّه أمر باتباع سبيل المؤمنين، ونهى عن مخالفتهم فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). وقد وردت آثار كثيرة في هذا المعنى، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلي: ١٦ - ثنا محمد بن يزيد الأدمي أبو جعفر، ثنا سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب قال: "كنت مع ابن أبي راشد (٢) في جبانة؛ فقرأ رجل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ. . .﴾ (٣) الآية، فقال الربيع بن أبي راشد: حال ذكر الموت بيني وبين كثير مما أريد من التجارة، ولو فارق ذكر الموت قبي ساعة، لخشيت أن يفسد علي قلبي، ولولا أن أخالف من

стр. 91

كان قبلي، لكانت الجبانة مسكني حتى أموت" (١). ١٧ - حدثني محمد بن العباس، ثنا أبو عبد الرحمن ابن عائشة، ثنا الليثي (٢): قالت امرأة هشام الاستوائي (٣): "كان إذا أطفئ السراج غشيه من ذلك أمر عظيم، فقلت له: إنه ليغشاك عند هذا المصباح إذا طفئ؟ قال: إني أذكر ظلمة القبر، ثم قال: لو كان سبقني إلى هذا أحد من السلف لأوصيت إذا متّ أن أجعل في ناحية من داري، قال: فما مكث إلا يسيرا حتى مات، قال: فمرّ بعض إخوانه بقبره، فقال: يا أبا بكر قد صرت واللَّه إلى المحذور" (٤).

стр. 92

١٨ - حدثني أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن القاسم المكي، ثنا مؤمل بن إسماعيل، ثنا عمارة بن زاذان: أن مالك بن دينار لما حضره الموت قال: "لولا أني أكره أن أصنع شيئا لم يصنعه أحد كان قبلي، لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن تقيدوني وأن تجمعوا يدي إلى عنقي، فينطلق بي على تلك الحال حتى أدفن كما يصنع بالعبد الآبق، وقال غير أحمد بن محمد: فإذا سألني ربي قلت: أي رب لم أرض لك نفسي طرفة عين قط" (١). ١٩ - حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم (٢) ﵀ قال: "كانوا يكرهون أن يتكلموا في القرآن" (٣).

стр. 93

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة تورع السلف عن فعل أشياء، فالدستوائي والربيع ومالك بن دينار جميعيم تركوا أفعالا لا يوجد نهي صريح خاص عنها، كبناء القبر في البيت، أو تقييد الميت بقيود كهيئة العبد الآبق، أو السكن في الجبانة (١)، ولم يمنعهم من ذلك إلا أنهم لا يعرفونه عمن سبقهم، وهذا المسلك من أهم المسالك التي يجب العناية بتحقيقها؛ فإنه يمنع المسلم من الوقوع في البدع المنهي عنها، ومن مخالفة الشرع من حيث لا يشعر، وقد اشتهر عن الإمام أحمد ﵀ قوله: "إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام" (٢)، وقال البربهاري ﵀: "انظر رحمك اللَّه كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر، هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي ﷺ ، أو أحد من العلماء؛ فإن أصبت فيه أثرا عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء،

стр. 94

ولا تختر عليه شيئا فتسقط في النار" (١)، واعتنى الشاطبي ﵀ ببيان أهمية عمل السلف الصالح وفهمهم للدين، فقال: "فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر، وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، ثم بيّن بعض التفريعات العقدية على هذا التأصيل فقال: "ومن هنالك لم يسمع أهل السنة دعوى الرافضة أن النبي ﷺ نص على عليٍّ أنه الخليفة بعده، لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليل على بطلانه أو عدم اعتباره؛ لأن الصحابة لا تجتمع على خطأ، وكثيرا ما تجد أهل البدع يستدلون بالكتاب والسنة، يحملونهما مذاهبهم، ويغبّرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء. . . وكثير من فرق الاعتقادات تعلق بظواهر من الكتاب والسنة في تصحيح ما ذهبوا إليه، مما لم يجر له ذكر ولا وقع ببال أحد من السلف الأولين، وحاش للَّه من ذلك .. فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل" (٢). وقد طبق علماء السلف هذه القاعدة الهامة في بعض المسائل المتعلقة

стр. 95

بالعقيدة، فعن إبراهيم الحربي: "وكان وعدنا أن يملي علينا مسألة في الاسم والمسمى، وكان يجتمع في مجلسه ثلاثون ألف محبرة، وكان إبراهيم مقلا، وكانت له غرفة يصعد فيشرف منها على الناس فيها كوة إلى الشارع، فلما اجتمع الناس أشرف عليها فقال لهم: قد كنت وعدتكم أن أملي عليكم في الاسم والمسمى، ثم نظرت فإذا لم يتقدمني في الكلام فيها إمام يقتدى به، فرأيت الكلام فيه بدعة، فقام الناس وانصرفوا، فلما كان يوم الجمعة أتاه رجل، وكان إبراهيم لا يقعد إلا وحده، فسأله عن هذه المسألة فقال ألم تحضر مجلسنا بالأمس؟ قال بلى، فقال: أتعرف العلم كله؟ قال: لا، قال: فاجعل هذا مما لم تعرف" (١)، وكان الإمام أحمد ﵀ في المحنة كثيرا يجيب بقوله: "كيف أقول ما لم يقل" (٢)، ولهذا أنكر الإمام أحمد على أحمد بن علي قوله: إن اللَّه جبر العباد، ردا على القدري الذي نفى الجبر، ووضع كتابا في ذلك ومراده إثبات القدر، وعلل ذلك بأنه كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها، وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام؛ إذا لم يكن لم فيها إمام مقدم (٣)، قال شيخ الإسلام: "لا يمكن العالم أن يبتدئ قولا لم يعلم به قائلا، مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه" (٤). وأخيرا فإن إبراهيم النخعي كما في الأثر الأخير بين أنهم كانوا

стр. 96

يكرهون الكلام في القرآن، وقد أوردت هذا الأثر هنا لزيادة توضيح وهي أن هذا الأصل لا يعني أن أهل السنة يسكتون عن بيان باطل أهل البدع، إذا ظهرت وفشت، وهذا ما وقع للإمام عثمان بن سعيد الدارمي لما استدل له المخالف بهذا الأثر فقال: "فأما قولك: إن السلف كانوا يكرهون الخوض في القرآن، فقد صدقت وأنت المخالف لهم؛ لما أنك قد أكثرت فيه الخوض وجمعت على نفسك كثيرا من النقض، فمثلك فيما ادعيت من كراهية الخوض فيه كما قال علي بن أبي طالب ﵁، للخوارج حين قالوا: لا حكم إلا للَّه، فقال: كلمة حق يبتغى بها باطل، فقد خضت فيها أيها المعارض بأقبح خوض وضربت له أمثال السوء وصرحت بأنه مفعول، كما قال إمامك المريسي: مجعول، وكل مجعول عندك مخلوق لا شك فيه، ويحك إنما كره السلف الخوض فيه مخافة أن يتأول أهل البدع والضلال وأغمار الجهال ما تأولت فيه أنت وإمامك المريسي، فحين تأولتم فيه خلاف ما أراد اللَّه وعطلتم صفات اللَّه وجب على كل مسلم عنده بيان أن ينقض عليكم دعواكم فيه، ولم يكره السلف الخوض في القرآن جهالة بأن كلام الخالق غير مخلوق، ولا جهالة أنه صفة من صفاته" (١).

стр. 97

ومن ذلك كلام الإمام أحمد في مسألة اللفظ وبيان الحق فيها كما نقل الطبري في صريح السنة: "وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن، فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى، ولا تابعي قضى، إلا عمن في قوله الغِنَاءُ والشِّفَاءُ، رحمة اللَّه عليه ورضوانه، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله لدينا مقام قول الأئمة الأولى، أبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل ﵁. . . ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله؛ إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمنع، وهو الإمام المتبع رحمة اللَّه عليه ورضوانه" (١). قال الإمام مالك ﵀: "والتسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس، وما تأوله السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم في ما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو في تأويله" (٢).

стр. 98

المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الكلام في العلماء . رفع اللَّه شأن العلماء، وعظم منزلتهم، وقد ورد في الكتاب والسنة كثير من النصوص مختلفة الدلالة على هذا الفضل والمنزلة، حيث قرن شهادتهم بشهادته سبحانه وشهادة ملائكته على توحيده، وأمر بطاعتهم، وسؤالهم، فهم ورثة علم الأنبياء، وحملة كتاب اللَّه، المبلغين عنه (١)، ومن تمام حفظ هذه المنزلة لهم، ذكر محاسنهم ونشرها، وعدم نبزهم وتنقيص قدرهم، وللسلف أقوال كثيرة في هذا، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا هذا الأثر: ٢٠ - حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثنا موسى بن أيوب، حدثنا مخلد، حدثنا بعض أصحابنا قال: "ذكرت يوما عند الحسن بن ذكوان (٢) رجلا بشيء، فقال: مه، لا تذكر العلماء بشيء، فيميت اللَّه قلبك" (٣). التحليل والتعليق تضمن الأثر السابق خطورة الكلام في العلماء، وأن عاقبة ذلك سيئة

стр. 99

جدا، وهى إماتتة القلب، وإذا مات القلب فكيف تصل إليه الهداية نسأل اللَّه العافية والسلامة، ولذلك عده بعض العلماء من الكبائر (١)، وذلك لعظيم ضرره المتعدي؛ فإن الكلام في العلماء قطع للناس عن الأخذ عنهم، والاستفادة من علمهم، وفي هذا إضعاف للدين، وتشجيع للبدعة والكفر والفسوق، قال الشيخ صالح الفوزان حفظه: "نسمع في زماننا هذا من يتكلم في أعراض العلماء، ويتهمهم بالغباوة، والجهل، وعدم إدراك الأمور، وعدم فقه الواقع -كما- يقولون، وهذا أمر خطير؛ فإنه إذا فقدت الثقة في علماء المسلمين فمن يقود الأمة الإسلامية؟ ومن يرجع إليه في الفتاوى والأحكام؟ وأعتقد أن هذا دسٌّ من أعدائنا، وأنه انطلى على كثير من الذين لا يدركون الأمور، أو الذين فيهم غيرة شديدة وحماس لكنه على جهل. . . والعلماء يخطئون، ولكن ليس العلاج أننا نشهر بهم، وأننا نتخذهم أغراضا في المجالس، أو ربما على بعض المنابر أو بعض الدروس لا يجوز هذا أبدا" (٢). ولهذا أحجم أبو داود عن بيان بعض العلل في كتابه معللا ذلك بقوله: "وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل. . . وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يخفى

стр. 100

ذلك علي فربما تركت الحديث إذا لم أفقهه، وربما كتبته وبينته، وربما لم أقف عليه، وربما أتوقف عن مثل هذه؛ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب، فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا" (١)، ومثله الإمام أحمد فقد كان يكره أن يروي عن الكوفيين والمدنيين المسائل المستقبحة إذا حكيت لمن يخاف أن ينتقصهم بسببها، قال شيخ الإسلام: "إن كثيرا ممن يسمع كلمات العلماء الغليظة، قد لا يعرف مخرجها، وكثيرا من الناس يروونها رواية مُتَشَفٍّ متعصب. . . ولو علم السبب في ذلك الكلام، وهوى (٢) رشده، لكان اعتباره بمن سلف يكفه عن أن يقع في أقبح مما وقع فيه أولئك (٣)، ولكان شغله بصلاح نفسه استغفارا وشكرا، شغله عن ذكر عيوب الناس على سبيل الاشتفاء والاعتصاب" (٤). وفي الكلام السائر أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة اللَّه في هتك أستارهم معلومة (٥)، وقد اعتنى علماء الجرح والتعديل بذكر هذا في جملة

стр. 101

ما ينتقد على الراوي فمن عبارتهم في ذلك أنه: "كثير الوقيعة في الأئمة، وفي السلف من العلماء، خبيث اللسان" (١). ومن هنا كان الكلام في العلماء وذكر مثالبهم من شعار أهل البدع، كما قال ابن أبي حاتم: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر" (٢)، وقد ورد في عقائد كثير من السلف المروية عنهم ذكر هذا، وأنك إذا رأيت الرجل يذكر فلانا وفلانا من علماء أهل السنة، فاعلم أنه على ضلالة (٣)، أحيانا ينصون على الصحابة (٤)، وأحيانا على بعض أفرادهم (٥)، وأحيانا على من اشتهر بالسنة في بلد غلب على أهلها البدعة (٦)، وأحيانا على من كان إماما في السنة حيث يفرق به بين السنة والبدعة (٧)، بل شمل ذلك الخلفاء والحكام لم اشتهروا بنصر السنة وإقامة الحق

стр. 102

كعمر بن عبد العزيز (١) والقادر باللَّه (٢) وابن سبكتكين (٣)، وهكذا (٤). وفِي عقيدة الطحاوي الشهيرة كلمة جامعة في ذلك حيث يقول: "وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر- لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء

стр. 103

فهو على غير السبيل" (١). وكان لأهل الحديث من هذا المعنى النصيب الأوفر فهم الذين كثر الكلام فيهم من أهل البدع، وهم المحك في معرفة السني من غيره، ولذلك وضعوا ضوابط كثيرة، وشروطا هامة للكلام في الرواة، بحيث يميزون بين ما يجوز من الكلام في ذلك، وما لا يجوز، ومتى يشرع ومتى ينهى عنه، وفي هذا يقول الإمام الذهبي ﵀ عند تحليله لبعض الآثار المروية في الكلام في حماد ونحوه "هذا محمول على الوقوع فيهما بهوى وحيف في وزنهما، أما من نقل ما قيل في جرحهما وتعديلهما على الإنصاف فقد أصاب" (٢). وقد أوضح ابن رجب ﵀ الفرق بين كلام أهل السنة في الرواة، وكلام أهل البدعة فيهم فقال: "وقد تسلط كثير ممن يطعن في أهل الحديث عليهم بذكر شيء من هذه العلل وكان مقصوده بذلك الطعن في أهل الحديث جملة والتشكيك فيه. . . كما فعله حسين الكرابيسي (٣) في كتابه الذي سماه بكتاب المدلسين. . . وكان في الكتاب الطعن علي الأعمش والنصرة للحسن بن صالح (٤)، وكان في الكتاب: إن قلتم إن

стр. 104

الحسن بن صالح كان يرى رأي الخوارج، فهذا ابن الزبير قد خرج، فلما قرئ على أبي عبد اللَّه قال: هذا جمع للمخالفين ما لم يحسنوا أن يحتجوا به، حذِّروا عن هذا ونهي عنه، وقد تسلط بهذا الكتاب طوائف من أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في الطعن على أهل الحديث. . . وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة، فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين، وحفظًا لسنة النبي ﷺ ، وصيانة لها وتمييزًا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم، ولا يوجب ذلك عندهم طعنًا في غير الأحاديث المعلنة (١)، بل تقوي بذلك الأحاديث السليمة عندهم؛ لبراءتها من العلل، وسلامتها من الآفات، فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول اللَّه ﷺ حقًا، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به" (٢).

стр. 105

المبحث الرابع: الآثار الواردة في الهدي العام للسلف في السلوك . تقدم في المباحث الثلاثة الماضية، بيان تعظيم الكتاب والسنة، والتحذير من الكلام فيما ليس للمرء فيه سلف، ثم النهي عن الطعن في العلماء، وهذا المبحث كالنتيجة الحتمية لما سبق، وهو باكورته التي بدا صلاحها، وثمرته التي اكتمل نضجها؛ فإن اتباع سلف الأمة في هديهم العام، واقتفاء أثرهم في فهم هذا الدين والعمل به، لمن أوجب الواجبات المتحتمة على المسلم، حتى يعبد ربه على بصيرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١). وقد جاء عن السلف آثار كثيرة في بيان هذا المعنى، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلى: ٢١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني موسى بن عيسى، حدثني الوليد بن مسلم (٢): "أنه رأى رجلا دنس الهيئة، دسم الثياب، قال الوليد: فقلت له: ما لي لا أرى عليك زِيَّ أهل الإسلام؟ قال: وما أنكرت من

стр. 106

ذلك؟ لعلك تريد حسن الخضاب، ونقاء الثوب؟ قال: نعم، فبكى وقال: كيف يستبين حزني على مصيبتي فيما سلفت من ذنوبي، والشاهد اللَّه، قال: وغشي عليه" (١). ٢٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سهل الأزدي قال: حدثني عباد أبو عتبة الخواص (٢) قال: "رأيت شيخا في بيت المقدس كأنه قد احترق بالنار، عليه مدرعة سوداء، وعمامة سوداء، طويل الصمت، كريه المنظر، كثير الشعر، شديد الكآبة، فقلت: رحمك اللَّه، لو غيّرت لباسك هذا، فقد علمت ما جاء في البياض، فبكى وقال: هذا أشبه بلباس أهل المصيبة، فإنما أنا وأنت في الدنيا في حداد، وكأني بي وبك قد دعينا، فقال: فما تمّ كلامه حتى غشي عليه" (٣).

стр. 107

٢٣ - نا الحسن بن عبد العزيز، نا أيوب بن سويد، أنا أبو الهيثم، عن عبد اللَّه بن غالب (١)، أنه حدث قال: "خرجت إلى الجزيرة، قال: فركبنا السفينة فأرفت بنا إلى جانب قرية عاجية في سفح جبل خراب ليس فيها أحد، قال: فخرجت فطفت في ذلك الخراب أتأمل آثارهم وما كانوا فيه، قال: إذ دخلت بيتا يشبه أن يكون مأهولا، قال: قلت: إن لهذا شأنا، قال: فرجعت إلى أصحابي فقلت: إن لي إليكم حاجة فقالوا: ما هي؟ قلت: تقيمون على ليلة؟ قالوا: نعم، قال: فدخلت ذلك البيت، فقلت: إن يكن له أهل فسيؤوب إليه إذا جنّ الليل، فلما أظلم الليل سمعت صوتا قد انحط من رأس الجبل يسبح اللَّه ويكبره ويحمده، فلم يزل الصوت يدنو بذلك حتى دخل البيت، قال: ولم أر في ذلك البيت شيئا إلا جرّة ليس فيها شيء، ووعاء ليس فيه طعام، فصلى ما شاء اللَّه أن يصلي ثم انصرف إلى ذلك الوعاء فأكل منه طعاما ثم حمد اللَّه، ثم أتى الجرة فشرب منها، ثم قام فصلى حتى أصبح الصبح، فلما أصبح أقام الصلاة فصليت خلفه، فقال: يرحمك اللَّه دخلت بيتي بغير إذني، قال: قلت

стр. 108

يرحمك اللَّه لم أرد إلا الخير، قلت: رأيتك أتيت هذا الوعاء فأكلت منه طعاما وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيه شيئا، قال: أجل ما من طعام أريد من طعام الناس إلا أكلته من هذا الوعاء، ولا شرابا أريده من شراب الناس إلا شربته من هذه الشجرة، قال: قلت: وإن أردت السمك الطري؟ قال: وإن أردت السمك الطري، قال فقلت: "يرحمك اللَّه، إن هذه الأمة لم تؤمر بالذي صنعت، أمرت بالجماعة والمساجد وتفضل الصلوات في الجماعة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، قال: هاهنا قرية فيها كل ما ذكرت، وأنا صائر إليها، قال: فكاتبني حينا، ثم انقطع كتابه فظننت أنه مات، قال: وكان عبد اللَّه بن غالب لما مات وجد من قبره ريح المسك" (١).

стр. 109

٢٤ - حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا غسّان بن عبيد، عن سفيان (١) قال: "كانوا يكرهون الشهرتين، الثياب الجياد التي يشتهر فيها، ويرفع الناس فيها أبصارهم، والثياب الرديئة التي يحتقر فيها، ويستذلّ فيها" (٢). ٢٥ - حدثت عن مصعب بن سلام، ثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عثمان بن أبي العاص (٣) قال: "لولا الجمعة وصلاة الجميع، لبنيت في أعلى داري هذه بيتا، ثم دخلته فلم أخرج منه، حتى أخرج إلى قبري" (٤).

стр. 110

٢٦ - حدثني محمد بن العباس قال: حدثنا وكيع، عن سفيان (١) قال: "الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العباء" (٢). ٢٧ - حدثني المفصل بن غسان، حدثنا أبي، عن عمر بن علي، قال سفيان بن حسين (٣): "تدري ما السمت الصالح؟ واللَّه ما هو بحلق الشارب، ولا تشمير الثوب، إنما هو أن يكون قد لزم الطريق، فيقال له:
следующие страницы →