← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذلك؟ لعلك تريد حسن الخضاب، ونقاء الثوب؟ قال: نعم، فبكى وقال: كيف يستبين حزني على مصيبتي فيما سلفت من ذنوبي، والشاهد اللَّه، قال: وغشي عليه" (١). ٢٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سهل الأزدي قال: حدثني عباد أبو عتبة الخواص (٢) قال: "رأيت شيخا في بيت المقدس كأنه قد احترق بالنار، عليه مدرعة سوداء، وعمامة سوداء، طويل الصمت، كريه المنظر، كثير الشعر، شديد الكآبة، فقلت: رحمك اللَّه، لو غيّرت لباسك هذا، فقد علمت ما جاء في البياض، فبكى وقال: هذا أشبه بلباس أهل المصيبة، فإنما أنا وأنت في الدنيا في حداد، وكأني بي وبك قد دعينا، فقال: فما تمّ كلامه حتى غشي عليه" (٣).

стр. 107

٢٣ - نا الحسن بن عبد العزيز، نا أيوب بن سويد، أنا أبو الهيثم، عن عبد اللَّه بن غالب (١)، أنه حدث قال: "خرجت إلى الجزيرة، قال: فركبنا السفينة فأرفت بنا إلى جانب قرية عاجية في سفح جبل خراب ليس فيها أحد، قال: فخرجت فطفت في ذلك الخراب أتأمل آثارهم وما كانوا فيه، قال: إذ دخلت بيتا يشبه أن يكون مأهولا، قال: قلت: إن لهذا شأنا، قال: فرجعت إلى أصحابي فقلت: إن لي إليكم حاجة فقالوا: ما هي؟ قلت: تقيمون على ليلة؟ قالوا: نعم، قال: فدخلت ذلك البيت، فقلت: إن يكن له أهل فسيؤوب إليه إذا جنّ الليل، فلما أظلم الليل سمعت صوتا قد انحط من رأس الجبل يسبح اللَّه ويكبره ويحمده، فلم يزل الصوت يدنو بذلك حتى دخل البيت، قال: ولم أر في ذلك البيت شيئا إلا جرّة ليس فيها شيء، ووعاء ليس فيه طعام، فصلى ما شاء اللَّه أن يصلي ثم انصرف إلى ذلك الوعاء فأكل منه طعاما ثم حمد اللَّه، ثم أتى الجرة فشرب منها، ثم قام فصلى حتى أصبح الصبح، فلما أصبح أقام الصلاة فصليت خلفه، فقال: يرحمك اللَّه دخلت بيتي بغير إذني، قال: قلت

стр. 108

يرحمك اللَّه لم أرد إلا الخير، قلت: رأيتك أتيت هذا الوعاء فأكلت منه طعاما وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيه شيئا، قال: أجل ما من طعام أريد من طعام الناس إلا أكلته من هذا الوعاء، ولا شرابا أريده من شراب الناس إلا شربته من هذه الشجرة، قال: قلت: وإن أردت السمك الطري؟ قال: وإن أردت السمك الطري، قال فقلت: "يرحمك اللَّه، إن هذه الأمة لم تؤمر بالذي صنعت، أمرت بالجماعة والمساجد وتفضل الصلوات في الجماعة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، قال: هاهنا قرية فيها كل ما ذكرت، وأنا صائر إليها، قال: فكاتبني حينا، ثم انقطع كتابه فظننت أنه مات، قال: وكان عبد اللَّه بن غالب لما مات وجد من قبره ريح المسك" (١).

стр. 109

٢٤ - حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا غسّان بن عبيد، عن سفيان (١) قال: "كانوا يكرهون الشهرتين، الثياب الجياد التي يشتهر فيها، ويرفع الناس فيها أبصارهم، والثياب الرديئة التي يحتقر فيها، ويستذلّ فيها" (٢). ٢٥ - حدثت عن مصعب بن سلام، ثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عثمان بن أبي العاص (٣) قال: "لولا الجمعة وصلاة الجميع، لبنيت في أعلى داري هذه بيتا، ثم دخلته فلم أخرج منه، حتى أخرج إلى قبري" (٤).

стр. 110

٢٦ - حدثني محمد بن العباس قال: حدثنا وكيع، عن سفيان (١) قال: "الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العباء" (٢). ٢٧ - حدثني المفصل بن غسان، حدثنا أبي، عن عمر بن علي، قال سفيان بن حسين (٣): "تدري ما السمت الصالح؟ واللَّه ما هو بحلق الشارب، ولا تشمير الثوب، إنما هو أن يكون قد لزم الطريق، فيقال له:

стр. 111

قد أصاب السمت، أتدرون ما الاقتصاد؟ هو الشيء الذي ليس فيه غلو ولا تقصير" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة حرص علماء الأمة على بيان طريق السلف وهديهم، وأن سلوكه هو الذي ينجي صاحبه، والعمل مهما كانت نية صاحبه حسنة، يجب أن يكون على وفق هدي السلف ومنهجهم، فمتى كان مخالفا لذلك فهو مبتدَع مرفوض، فالوليد وعباد الخواص وابن غالب جميعهم أنكروا الهيئة المنكرة التي رأوا بعض العُبَّاد عليها، لما فيها من مخالفة منهج المسلمين واتباع غير سبيلهم، ولذلك كان أثر سفيان ﵀ معيارا في معرفة الزهد، وأنه ليس بأكل الغليظ، ولبس العباءة، وما حكاه عن السلف أنهم كانوا يكرهون الشهرتين، كل ذلك يؤكد أهمية اتباع سبيل السلف كي لا يقع المرء في البدعة، ويكون فعله وقوله ونياته جميعا على السنة؛ فإنه كما قال الإمام مالك ﵀: "ما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا" (٢). وفي قول سفيان بن حسين فائدة مهمة، وهي: أن ما كان مشروعا، فليس الاهتمام به وحده وإهمال باقي أحكام الدين من طريقة السلف، بل

стр. 112

طريقة السلف هي الوسط بين الغلو والتقصير، وذلك في كل أمور الدين، وهذا مقتضى العبودية للَّه وهو طاعته اللَّه في كل ما شرع أمرا ونهيا، ولهذا كان من سمات أهل السنة أنهم جردوا المتابعة فلا يخصون عملا دون آخر بشيء لم يأت في الكتاب والسنة؛ فإن ذلك من آفة العبودية وهو عبودية مقيدة، قال ابن القيم ﵀: "أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها، فمن الناس من يتقيد بلباس لا يلبس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشية لا يمشي غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها، وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى اللَّه ورسوله منه، فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصدودون عنه قد قيّدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها بمعزل، ومنزلتهم منها أبعد منزل، فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة، وتفريغ القلب، ويعد العلم قاطعا له عن الطريق، فإذا ذكر له الموالاة في اللَّه والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، عَدَّ ذلك فضولا وشرا، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدوه غيرًا عليهم، فهؤلاء أبعد الناس عن اللَّه وإن كانوا أكتر إشارة واللَّه أعلم" (١). ومن هنا كان سبيل المؤمنين، وهديهم العام في أصول الدين وفروعه، من أهم ما يجب تحصيله، للتلازم بينه وبين اتباع الكتاب والسنة،

стр. 113

قال شيخ الإسلام: "طاعة اللَّه والرسول فإنهما متلازمان؛ فمن يطع الرسول فقد أطاع اللَّه، ومن أطاع اللَّه فقد أطاع الرسول، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١)؛ فإنهما متلازمان: فكل من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين، فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ" (٢). وقد بين ابن القيم ﵀ أن أصل البدع في الدين ينشأ من أحد أمرين، إما جهل بتفاصيل سبيل المؤمنين، أو جهل بتفاصيل سبيل المجرمين، ومن هنا كان الصحابة أكمل الناس دينا وعلما، لأنهم عرفوا السبيلين معرفة تفصيلية، وبضدها تتبين الأشياء، ومن لم يعرف تفاصيل السبيلين يوشك أن يخلط بينهما (٣). وهذه الآثار اشتملت على أمرين مهمين الأول: هو إنكار هذه الأفعال المبتدعة، والثاني: بيان أنها ليست من سبيل المؤمنين. ولأهمية بيان سبيل المؤمنين، وسبيل أهل البدع، ذكره جماعة من علماء السلف في جملة معتقداتهم، كما علق الشيخ صالح الفوزان في شرحه للعقيدة

стр. 114

الواسطية بقوله: "لما ذكر الشيخ طريقة أهل السنة في مسائل العقيدة، ذكر في هذا الفصل والذي بعده (١)، طريقتهم في عموم الدين أصوله وفروعه، وأوصافهم التي تميزوا بها عن أهل البدع" (٢)، ثم علق على ما ذكره شيخ الإسلام من أوصافهم وأخلاقهم فقال: "هذا الفصل كالمتمم للفصل الذي قبله فيه بيان لصفات أهل السنة التي هي من مكملات العقيدة" (٣). بل الأمر تعدى إلى أبعد من هذا حيث أوردوا كثيرا من الفروع في معتقداتهم لأنها صارت شعارا لبعض أهل البدع، فعلا أو تركا، وذلك حرصا منهم أن لا يلتبس طريق الحق بغيره، قال شيخ الإسلام: "يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري، أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر ونحو ذلك لأن هذا من شعار الرافضة" (٤). بل وجد في بعض كتب المعتقد مسائل اشتهر القول الراجح فيها وصار قول المخالف ظاهر الضعف كتحريم المسكر من غير العنب ونحو ذلك واللَّه أعلم (٥).

стр. 115

ولا تكلم الإمام أبو سعيد الدارمي ﵀ عن هدي السلف وآثارهم، وبيّن أنها المرجع في فهم الدين، ومعرفة أحكام الكتاب والسنة، ومراد اللَّه ورسوله، واضطراب الآراء والمعقول في ذلك، قال: "فالمعقول عندنا ما وافق هديهم، والمجهول عندنا ما خالفهم، ولا سبيل إلى معرفة هديهم وطريقتهم إلا هذه الآثار، وقد انسلختم منها، وانتفيتم منها بزعمكم، فأنى تهتدون؟ " (١). ومن هنا كان أفضل هذه الأمة هم الصحابة، وأفضلها بعدهم من سار على هديهم واتبع منهجهم، من أئمة الهدى وعلماء السنة، كما قال شيخ الإسلام: "كل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة، وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم. . . ولا تجد إماما في العلم والدين كمالك والأوزاعي. . . وأمثالهم إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب، والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية، وهم أهل الحديث والسنة العالمون بطريقهم المتبعون لها، وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر، فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين" (٢).

стр. 116

الفصل الثاني: الآثار الواردة في الابتداع . وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع. المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع. المبحث الثالث: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا والآخرة.

стр. 117

المبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع . وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في نهي السلف عن الأهواء وتعوذهم منها. المطلب الثاني: الآثار الواردة في تمني الموت قبل وقوع البدع. المطلب الثالث: الآثار الواردة في سرعة وقوع البدع في الناس. المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن البدع سبب هلاك من هلك من هذه الأمة. المطلب الخامس: الآثار الواردة في تألم السلف من ظهور البدع وترك السنن.

стр. 118

المبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع. لما كان أمر الدين قائما على الاتباع، وسلوك سبيل السلف السابقين، والاستسلام لما جاء به النبي ﷺ من ربه، والحذر من إحداث شيء لم يكن عليه الصدر الأول من هذه الأمة، كما سبق بيانه في الفصل الأول، كان عكس ذلك وهو الإحداث في الدين، والابتداع فيه، من أخطر الأمور، وقد وردت نصوص كثيرة تحذر منه كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ : "خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٢)، وقد جاءت آثار كثيرة عن السلف بيّنوا فيها خطورة البدع والإحداث في الدين، ورد العديد منها في كتب ابن أبي الدنيا، ونظرا لكثرتها، فقد قسمتها على مطالب، أظهرت في كل مطلب معنى من المعاني التي لوحظت في بيان خطورة البدع.

стр. 119

المطلب الأول: الآثار الواردة في نهي السلف عن الأهواء وتعوذهم منها ٢٨ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري، أن عمر ﵁ (١) كتب إلى أبي موسى ﵁: "أن لا تؤخِّر عمل اليوم لغد فتتوالى عليكم الأعمال فتضيع، وإن للناس نفرة عن سلطانهم، أعوذ باللَّه أن تدركني ضغائن محمولة، ودنيا مؤثرة، وأهواء متّبعة" (٢). ٢٩ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي، أنا إسحاق بن عبد المؤمن

стр. 120

الدمشقي قال: كتب إليّ أحمد بن عاصم الأنطاكي (١) فكان في كتابه: ". . . وإياك والميل إلى هواك؛ فإنه يصدّك عن الحق. . . " (٢). ٣٠ - حدثنا يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن زبيد الإيامي، عن مهاجر العامري قال: قال علي بن أبي طالب (٣) ﵁: "إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتين: اتباع الهوى، وطول الأمل: فأما اتباع الهوى: فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل: فينسي الآخرة" (٤).

стр. 121

٣١ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "لا خير فيما دون الصدق من الحديث، من يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك، قد أفلح من حُفظ من ثلاث: الطمع، والهوى، والغضب" (١). ٣٢ - حدثنا ابن جميل، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن أيهم، عن النعمان بن بشير (٢)، أنه كان يقول:

стр. 122

"إن للشيطان مناصب وفخوخا، ومن مناصب الشيطان وفخوخه: البطر بأنعم اللَّه ، والفخر بعطاء اللَّه ، والكبرياء على عباد اللَّه ، واتباع الهوى في غير ذات اللَّه " (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة تحذير السلف من الأهواء؛ حيث تضمنت أن اتباع الأهواء يصد عن الحق، وأن من عصم منها فقد أفلح، وأنه من مصائد الشيطان وفخوخه؛ وتعوذ السلف من ذلك، ولا شك أن اتباع الهوى من أهم أسباب البدع، قال الشاطبي ﵀: "اتباع الهوى أصل الابتداع" (٢)، و"الشريعة موضوعة لإخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا للَّه" (٣)، ويلاحظ أنه من شدة خطورته تعوّذ عمر الفاروق ﵁ من إدراكه أي أن يدركه أصحاب الأهواء المتبعة، فضلا أن يكون هو صاحب هوى متبع، وذلك لشدة خطورته وعظيم ضرره، قال ابن القيم

стр. 123

رحمه اللَّه: "الفتنة نوعان: فتنة الشبهات، وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد وقد ينفرد بإحداهما، ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى فهنالك الفتنة العظمى والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيء القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث اللَّه به رسوله، فهو من الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ (١)، وقد أخبر اللَّه سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل اللَّه فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ (٢)، وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال، ولا ينجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه في دق الدين وجله، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه" (٣). ولما كان اتباع الهوى بريد البدعة والموصل إليها، كان ذلك صفة

стр. 124

ملازمة لأهلها، كما قال شيخ الإسلام: "المؤمنون أهل السنة. . . أعمالهم خالصة للَّه تعالى، موافقة للسنة، وأعمال مخالفيهم لا خالصة ولا صواب، بل بدعة، واتباع الهوى، ولهذا يسمون أهل البدع وأهل الأهواء" (١). وقد مثل شيخ الإسلام تأثير الهوى على اتباع الحق وصده عنه، بالآفات والعاهات الحسية التي تمنع البصر أو أي عضو من الإدراك فقال: "الإرادة الفاسدة هي: الهوى الذي يصد عن معرفة الحق، وهو مرض في القلب يمنعه ما فطر عليه من صحة الإدراك والحركة، كما يمنع مرض العين ما فطرت عليه من صحة الإدراك والحركة، وكذلك المرض في سائر الأعضاء، فهؤلاء الذين لا يجدون في أنفسهم علما ضروريا، وقصدا ضروريا لمن هو فوق العالم، قد مرضت قلوبهم وفسدت فطرتهم، ففسد إحساسهم الباطن كما يفسد الإحساس الظاهر، مثل المُرَّة التي تفسد الذوق، والحول والعشى الذي يفسد البصر وغير ذلك، ولهذا إنما يكون الاعتبار في هذا بذوي الفطر السليمة من الفساد والإحالة" (٢). ولما كان اتباع الهوى هو الميل بالنفس لرغباتها، والانسياق وراء ما تميل إليه، ورد في السنة المطهرة الاستعاذة من شر النفس حيث أوصى النبي ﷺ أبا بكر الصديق أن يقول في دعاء الصباح والمساء: "أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو

стр. 125

أجره إلى مسلم"، قال ابن القيم ﵀: "تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته؛ فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان، وغايته إما تعود على العامل، أو على أخيه المسلم، فتضمن الحديث مصدري الشر للذين يصدر عنهما، وغايتيه اللتين يصل إليهم"، وكان من هديه ﷺ في خطبة الحاجة أن يقول: "ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا" (١).

стр. 126

المطلب الثاني: الآثار الواردة في تمني الموت قبل وقوع البدع . ٣٣ - حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق قال: "قال أبو بكر الصديق ﵁ (١) يبكي رسول اللَّه: أَعُيَيشُ ويحك إن حِبِّي قد ثوى ... فأبوك مهيوض الجناح كسير يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غُيِّبت في جَدَثٍ عليَّ الصخور فلتحدثنَّ بدائع من بعده ... تغلي لهنّ جوانح وصدور" (٢). التحليل والتعليق تضمن الأثر السابق خوف الصديق مما سيحدث من البدع، وتمنيه الموت قبل وقوعها، وهذا التمني جائز لأنه متعلق بأمر ديني وأخروي؛ فإذا خشي المسلم على دينه في الفتن جاز له تمني الموت، قال ابن حجر ﵀: "قوله "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه" الخطاب للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموما، وقوله: "من ضر أصابه"

стр. 127

حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي؛ فإن وجد الضر الأخروي: بأن خشي فتنة في دينه، لم يدخل في النهي. . . وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة، ففي الموطأ عن عمر أنه قال: "اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط" (١) وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن عمر، وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس ويقال عابس الغفاري أنه قال: يا طاعون خذني، فقال له عليم الكندي: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول اللَّه ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت"، فقال إني سمعته يقول: "بادروا بالموت ستا إمرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم" (٢) الحديث، . . . وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة وفيه: "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون" (٣) " (٤). وقد اعتنى ابن رجب ﵀ بشرح هذه المسألة في كتابه الجليل اختيار الأولى فقال: "وهذا من أهم الأدعية؛ فإن المؤمن إذا عاش سليمًا من الفتن، ثم قبضه اللَّه تعالى إليه، قبل وقوعها وحصول الناس فيها،

стр. 128

كان في ذلك نجاة له من الشر كله. . . والدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائز، وقد دعا به الصحابة والصالحون بعدهم. . . -ثم بيّن أنه لا بد للمرء من فتن عموما كفتنة المال والأولاد والأهل. . . وبيّن أنه لا يشرع تمني الموت وطلبه في كل نوع منها- وأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهى التي يستعاذ منها، ويسأل الموت قبلها، فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه اللَّه تعالى وحماه" (١).

стр. 129

المطلب الثالث: الآثار الواردة في سرعة وقوع البدع في الناس . ٣٤ - حدثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه الباهلي قال: أخبرنا سفيان ابن عيينة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن صفية (١) قالت: "زلزلت المدينة على عهد عمر ﵁، فقال: أيها الناس، ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتم؟ لئن عادت لا أساكنكم فيها" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ بيان سرعة وقوع المحدثات في الناس، وجعل ذلك سبب الزلزلة التي وقعت في المدينة النبوية في عهده ﵁، ولا ريب أن البدع والمحدثات سريعة الوقوع؛ لأن دافعها الهوى، وتزيين الشيطان، وهما مصدرا الشر كما سبق عن ابن القيم، وقد ورد ما يؤيد فراسة عمر ﵁ سرعة الإحداث من قول عبد اللَّه بن مسعود ﵁ لما تحلق أولئك القوم في المسجد وجعل أحدهم يقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة ثم يطلب منهم مثله في التهليل والتحميد،

стр. 130

فأنكر أبو موسى الأشعري ما رآه منهم في المسجد، وذهب ليخبره بذلك، فأتاهم وقال مستنكرا: "فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة، قالوا: واللَّه يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول اللَّه ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم اللَّه ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج" (١). ولعل الذي جعل عمر ﵁ يقول ما قال علمه بأنه سيكون إحداث في الدين بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ ويقينه بذلك حيث ورد عنه أنه قال: "إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب اللَّه" (٢).

стр. 131

وينبغي هنا الإشارة إلى أن البدع الكبيرة لم تقع في أوائل عصر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، ولا في مدينة الخلافة النبوية، فإنه كما قال شيخ الإسلام: "كان القرن الأول من كمال العلم والإيمان على حال لم يصل إليها القرن الثاني، وكذلك الثالث، وكان ظهور البدع والنفاق بحسب البعد عن السنن والإيمان، وكلما كانت البدعة أشد تأخر ظهورها، وكلما كانت أخف كانت إلى الحدوث أقرب" (١)، وقال ﵀: "فأما الأعصار الثلاثة المفضلة، فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين ألبتة، كما خرج من سائر الأمصار. . . -ثم ذكر البدع الكبيرة التي حدثت في كل مصر- وأما المدينة النبوية فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك، فكان عندهم مهانا مذمومًا؛ إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مذمومين مقهورين، بخلاف التشيع والإرجاء بالكوفة، والاعتزال وبدع النساك بالبصرة، والنصب بالشام؛ فإنه كان ظاهرا. . . ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرا، إلى زمن أصحاب مالك، وهم أهل القرن الرابع (٢) حيث أخذ القرن عن مالك وأهل طبقته" (٣).

стр. 132

المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن البدع سبب هلاك مَن هلك مِن هذه الأمة . ٣٥ - حدثني محمد بن هارون، ثنا الحسن بن موسى، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا واصل مولى أبي عيينة قال: دفع إلي يحيى بن عقيل (١) صحيفة قال: أنبئت أن عبد اللَّه بن مسعود كان يقول: "الذنوب أربعة: ذنبان مغفوران، وذنبان لا يغفران، رجل عمل ذنبا خطأ فاللَّه يمنّ ولا يعذّبه عليها، وقد قال فيما أنزل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (٢)، ورجل عمل ذنبا قد علم ما فيه فتاب إلى اللَّه منه، وندم على ما فعل، وقد جزى اللَّه أهل هذا الذنب أفضل الجزاء، فقال في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ (٣)، إلى آخر الآية، وذنبان لا يغفر لأهلهما: رجل قد عمل ذنبا قد علم ما فيه، فأصرّ عليه ولم يتب إلى اللَّه منه، ولن يتوب اللَّه على عبد حتى يتوب، ولن يغفر اللَّه لمذنب حتى يستغفر، ورجل زيّن له سوء عمله فرآه حسنا؛ فإن هذه التي يهلك فيها

стр. 133

عامة من يهلك من هذه الأمة" (١). ٣٦ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، ثنا ابن أبي غَنِيَّة، عن داود بن أبي السوداء (٢) قال: قال كعب لعلي ﵁: "ألا أخبرك بثلاث منجيات جاء بهن موسى ﷺ ؟ لزومك بيتك، وبكاؤك على خطيئتك، وكفّك لسانك، قال: فعارضه عليّ ﵁ فقال: ألا أخبرك ثلاث مهلكات؟ نكث الصفقة، وترك السنة، ومفارقة الجماعة" (٣). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة أن البدع من أسباب الهلاك في الأمة، وذلك أن البدع من جملة المعاصي (٤)، بل هي أشد أنواع المعاصي، وقد عدها ابن القيم ﵀ عند تقسيمه للذنوب وأنواعها، من الذنوب الشيطانية، فقال: "الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية وشيطانية وسبعية وبهيمية، لا تخرج عن ذلك؛ فإن الذنوب الملكية: أن من يتعاطا ما لا يصلح له من صفات الربوبية كالعظمة والكبرياء والجبروت والقهر

стр. 134

والعلو والظلم واستعباد الخلق ونحو ذلك ويدخل في هذا الشرك بالرب تعالى. . . وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب. . . وأما الشيطانية: فالتشبه بالشيطان في الحسد والبغى. . . والأمر بمعاصي اللَّه وتحسينها والنهي عن طاعة اللَّه وتهجينها، والابتداع في دينه والدعوة إلى البدع والضلال، وهذا النوع يلى النوع الأول في المفسدة" (١)، وعند شرحه لقول مالك بن مغول: "الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة" قال ﵀: "يريد أن البدعة من الكبائر، وأنها أكبر من كبائر أهل السنة، فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع، وهذا معنى قول بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها" (٢). وهذا ما أشار إليه ابن مسعود ﵁ في الأثر السابق من كونه زين له سوء عمله، وأنه عامة الذي يهلك فيه من هلك من هذه الأمة، وبيّن علي ﵁ أن من المهلكات: ترك السنة، مفارقة الجماعة، قال شيخ الإسلام: "كان السلف يحذرون من هذين النوعين: من المبتدع في دينه، والفاجر في دنياه،

стр. 135

كل من هذين النوعين وإن لم يكن كفرا محضا، فهذا من الذنوب والسيئات التي تقع من أهل القبلة. . . فمن خلص من الشهوات المحرمة، والشهوات المبتدعة وجبت له الجنة، وهذه هي الثلاثة: الكلام المنهى عنه، والطعام المنهي عنه، والنكاح المنهي عنه، فإذا اقترن بهذه الكبائر استحلالها كان ذلك أمرا، فكيف إذا جعلت طاعة وقربة وعقلا ودينا، وهؤلاء هم الذين يستحقون عقوبة أمثالهم من الأمم (١)، كما ثبت في الصحيح أنه يكون في هذه الأمة من يمسخ قردة وخنازير، وكما روى أنه سيكون فيها خسف وقذف ومسخ" (٢)، وقد فصّل الإمام الشاطبي ﵀ هذه الجملة تفصيلا بديعا حيث بيّن في كل نوع من أنواع العقوبات التي وردت عن النبي ﷺ في آخر الزمان، كيف دخلتها البدعة ولو كانت من باب العادات وعموم المعاصي، فقال بعد نقله لعدة أحاديث فيما سيقع من عقوبات في هذه الأمة كالمسخ والخسف والقذف وغير ذلك: "فهذه الأحاديث وأمثالها مما أخبر به النبي ﷺ أنه يكون في هذه الأمة بعده، إنما هو -في الحقيقة- تبديل الأعمال التي كانوا أحق بالعمل بها، فلما عوضوا منها غيرها، وفشا فيها كأنه من المعمول به تشريعًا، كان من جملة الحوادث الطارئة على نحو ما بين في العبادات"، فالمعصية قد تكون مخالفة شرعية فقط، وقد يضاف إليها وجه آخر للنهي، وهى اتخاذها سنة تخالف

стр. 136

بها الطريقة الشرعية، أو قد تستباح ونحو ذلك، وعلى هذا تكون العقوبة والهلاك الذي يحصل في الأمة في آخر الزمان، قال الشاطبي: "إن مدارك تلك الأحاديث على بضع عشرة خصلة، يمكن ردها إلى أصول هي كلها أو غالبها بدع، وهي قلة العلم وظهور الجهل، والشح وقبض الأمانة، وتحليل الدماء والزنا والحرير والغناء والربا والخمر، وكون المغنم دولًا، والزكاة مغرمًا، وارتفاع الأصوات في المساجد، وتقديم الأحداث ولعن آخر الأمة أولها، وخروج الدجالين، ومفارقة الجماعة" (١)، ثم قال: "فالحاصل أن أكثر الحوادث التي أخبر بها النبي ﷺ من أنها تقع وتظهر وتنتشر، أمور مبتدعة على مضاهاة التشريع، لكن من جهة التعبد، لا من جهة كونها عادية، وهو الفرق بين المعصية التي هي بدعة، والمعصية التي هي ليست ببدعة، وأن العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة" (٢). ومن هنا قال الإمام مالك مقالته المشهورة: "السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق" (٣)، قال شيخ الإسلام: "سبب ظهور

стр. 137

البدع في كل أمة. . . وهو خفاء سنن المرسلين فيهم، وبذلك يقع الهلاك، ولهذا كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، قال مالك ﵀: السنة مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك" (١). وقال المناوي ﵀ لما تكلم عن موت المبتدع: "لأن موته راحة للعباد لإفتانه لهم، وللبلاد والشجر والدواب لأن ظهور البدع سبب للقحط" (٢).

стр. 138

المطلب الخامس: الآثار الواردة في تألم السلف من ظهور البدع وترك السنن ٣٧ - حدثني أبو عثمان الفارسى قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن الفرات بن سليمان قال: قال الحسن: "إن الناس كانوا مرة والعُسْرُ لا يزيدُ الرجلَ إلا خيرا، ليس من جرب كمن لم يجرب، فالناس اليوم يذهبون سفالا سفالا، قلّت الأمانة، واشتدّ الشح، وفشت القطيعة، وظهرت البدع، وتركت السنن، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، واللَّه ما من رجل اليوم بصير بهذا الدين يضع بصره إلا وهو مغموم محزون مما يراعى من الناس، ومما يراعى من نفسه، ذهبت الوجوه والمعارف، وظهرت النكر، فلا تكاد تعرف شيئا" (١). التحليل والتعليق تضمن أثر الحسن البصري ﵀ ما كان عليه السلف من الحرص على السنن، والتألم من ظهور البدع والمخالفات، وتغير حال الزمان مما يدخل الغم والحزن على المسلم البصير بدينه، ولهم في ذلك أسوة بنبيهم ﷺ حيث كان يتألم من عدم إيمان من آمن من قومه، ويتحسر على ذلك، وهو يراهم في ضلالهم وغيهم، حتى أرشده ربه

стр. 139

إلى التخفيف من كثرة التأسف والأسى على ضلال الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (١)، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ (٢). ومن هنا يظهر أن هذا الحزن على ظهور البدع وتألم السلف من ذلك، هو من باب التألم من المصائب، ومقابلتها بالاسترجاع المشروع (٣)، قال ابن القيم عند كلامه على منازل السائرين: "منزلة الحزن وليست من المنازل المطلوبة، ولا المأمور بنزولها، وإن كان لا بد للسالك من نزولها، ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا. . . وسر ذلك أن الحزن موقف غير مسير (٤). . . ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع، ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٥)، فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم. . . وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ

стр. 140

حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ (١)، فلم يمدحوا على نفس الحزن، وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن: من قوة إيمانهم حيث تخلفوا عن رسول اللَّه لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم، بل غبطوا نفوسهم به" (٢)، قلت: وهكذا حال السلف فإنهم تألموا وحزنوا، لما كان عندهم من تعظيم السنة، وبغض البدعة، وحب المعروف والإيمان، وكراهية الكفر والفسوق والعصيان، وهذا ما شرحه الإمام عبد اللَّه بن المبارك رحمة اللَّه عليه حيث قال: "اعلم أي أخي! إن الموت كرامةً لكل مسلم لقي اللَّه على السنة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، فإلى اللَّه نشكو وحشتنا، وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى اللَّه نشكو عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء وأهل السنة وظهور البدع" (٣).

стр. 141

المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع . وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد. المطلب الثاني: الآثار الواردة في النهي عن الخصومات في الدين. المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الاستماع لأهل البدع. المطلب الرابع: الآثار الواردة في منع الحكام أهل البدع من الكلام فيها. المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الاعتداد بصلاح أهل البدع. المطلب السادس: الآثار الواردة في عدم ذكر محاسن الفاسق المبتدع. المطلب السابع: الآثار الواردة في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة. المطلب الثامن: الآثار الواردة في تورع السلف عن أفعالٍ خشية أن تكون بدعة.

стр. 142

المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع. إن من قواعد الشرع العظيم قاعدة سد الذرائع، وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، والشارع حرم الذرائع وإن لم يُقصد بها المحرَّم لإفضائها إليه، فكيف إذا قُصد بها المحرم نفسه؟ (١)، فإذا حرم الرب تعالى شيئا، وله طرق ووسائل تفضي إليه؛ فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له، ومنعا أن تقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمتُه تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء (٢)، وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين (٣). وأدلة هذه القاعدة الشريفة كثيرة جدا من الكتاب والسنة، أشهرها قوله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا

стр. 143

كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ (١). وقوله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول اللَّه وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" (٢)، قال ابن بطال: "هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم، يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. . .﴾ (٣) الآية" (٤). ولما كانت البدع من جملة المعاصي كما سبق بيانه، بل هي شرها وأخطرها؛ فإن سد الذرائع إليها كان أعظم وأحكم، وكان للسلف الصالح في ذلك عدة آثار، وقفت في كتب ابن أبي الدنيا على كثير منها، ووزعتها على عدة مطالب، أبرزت فيها الجوانب التي لاحظها السلف في ذلك، وهى:

стр. 144

المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد . ٣٨ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه المقدمي، حدثني عبد الوهاب بن يزيد الكندي (١) قال: "رأيت أبا عمر الضرير (٢) في النوم فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي ورحمني، قلت: فأي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: ما أنتم عليه من السنة والعلم، قلت: فأي الأعمال وجدت شرًّا؟ قال: "احذر الأسماء، قلت: وما الأسماء؟ قال: قدري (٣)، معتزلي (٤)، مرجئ (٥)،

стр. 145

فجعل يعد أصحاب الأهواء" (١). ٣٩ - ذكر محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي، نا داود بن المحبر، نا عباد بن كثير وحماد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة (٢) قال: "كنت مع
следующие страницы →