← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ابن حرب، عن ليث، عن مجاهد قال: "ما كان باب من العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلّفه عبد اللَّه بن الزبير، ولقد جاءت سيل طبّق البيت، فجعل ابن الزبير يطوف سباحة" (١). ٨٧٣ - حدثني محمد بن صالح، حدثني علي بن محمد، عن القاسم بن الفضل الحُدَّاني، عن جُلهُمة اليحمدي (٢) قال: "ذكر مهلب يوما أهل البأس فقال: أشد الناس أحمر قريش وابن الكلبية وصاحب البغلة، فقال شيخ منهم يقال له الحُتات: ما نعرف هؤلاء الذين ذكرت، فقال: أما ابن الكلبية فمصعب بن الزبير، أفردوه فبقي في سبعة فعرضوا عليه الأمان فأبى ومضى على أمره فقتل، وأما أحمر قريش فعمر بن عبيد اللَّه بن معمر لم تلقنا سَرَعان خيل قط إلا ردّها عنا، وأما صاحب البغلة فهذا الحمار من بني تميم عباد بن الحصين لم نكن في كربة قط إلا فرّجها عنا، قال: فقال له الفرزدق بن غالب: ما رأينا كاليوم شيخا أضلَّ، فأين ابن

стр. 947

خازم (١) وعبد اللَّه بن الزبير؟ فقال: يا أبا فراس، إنما جرى الحديث بالإنس، فليس هذان من الإنس" (٢). ٨٧٤ - أخبرنا العباس بن هشام، عن أبيه، عن زياد بن عبد اللَّه، عن محمد بن إسحاق قال: سأل الحجاج بن يوسف ابنا لعمرو بن أمية الضمري عن عبد اللَّه بن الزبير فقال: "ما أدري كيف أصفه لك إلا أني لم أر جلدا على لحم، ولا لحما على عظم، ولا عظما على قلب مثل عبد اللَّه ابن الزبير ﵁" (٣). ٨٧٥ - حدثني سليمان بن أبي شيخ قال: حدثنا أبو سفيان الحميري قال: "تكلّم عبد اللَّه بن الزبير، والزبير يسمع فقال له: أي بنيّ ما زلت تكلّم بكلام أبي بكر حتى ظننت أن أبا بكر قائم، فانظر من تزوّج؛ فإن المرأة من أخيها، من أبيها" (٤).

стр. 948

المبحث الخامس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه ابن عمر ﵁ -. ٨٧٦ - حدثني محمد بن عباد بن موسى قال: أخبرنا زيد بن الحباب قال: أخبرني أبو كعب بيّاع الحرير قال: أخبرنا أنس بن سيرين: "أن عبد اللَّه بن عمر اشتهى سمكا طريا، فأتي به على رأس أميال من المدينة قد شوي له، وجعل له خبز رقاق، فأتي به عند إفطاره على خوان، فجعل ينظر فيه فقال: اذهبوا به إلى يتامى بني فلان، فقالت له صاحبته: خذ منه شهوتك، ثم نذهب به إلى يتامى بني فلان، قال: اذهبوا به إلى يتامى بني فلان، فإنه إذا أخذوا منه شهوتهم فقد أخذت منه شهوتي، فرددت عليه، فكلّ ذلك يقولها مثل ذلك" (١). ٨٧٧ - حدثنا يحيى بن يوسف الزمّي قال: أخبرنا أبو المليح، عن ميمون بن مهران، عن نافع قال: "كان ابن عمر يجمع أهله على جفنة كل ليلة، فربما جاء سائل، فيأخذ ابن عمر نصيبه من الثريد فيدفعه إليه، ثم يرجع وقد أُكل ما في الجفنة، فإن كنت أكلتُ -أي نافع- منها شيئا فقد

стр. 949

أكل منها ابن عمر، ثم يصبح -أي نافع- صائما" (١). ٨٧٨ - حدثني أبو عبد الرحمن القرشي، حدثني خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: "ما من أهل ولا مال ولا ولد إلا وأنا أحب أن أقول عليه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، إلا عبد اللَّه بن عمر؛ فإني أحب أن يبقى في الناس بعدي" (٢). ٨٧٩ - حدثني سريج، حدثنا هشيم، عن منصور، عن ابن سيرين قال: "جاء رجل إلى ابن عمر فقال: ألا نصنع لك جوارش؟ قال: لأي شيء الجورش؟ قال: شيء إذا كظك الطعام فأكلت منه سهّل عليك ما تجد، قال ابن عمر: ما شبعت منه أربعة أشهر، وما ذاك بأني لا أكون أجده، ولكن عهدت أقواما يجوعون مرة، ويشبعون مرة" (٣).

стр. 950

٨٨٠ - حدثني خالد بن خداش، حدثني مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه قال: "كان لا يعرف البِرُّ في عمر ولا ابن عمر، حتى يقولا أو يفعلا" (١). ٨٨١ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير العبدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبدا اللَّه بن عمر، عن زيد بن أسلم قال: "قال رجل لابن عمر: إن فلانا يسبّك، قال: إني وأخي عاصما لا نسابّ الناس" (٢). ٨٨٢ - حدثني الحسن بن علي بن مالك، نا أحمد بن عمرو بن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني حُييّ بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: "كنت جالسا مع عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵁ ورجل من أهل اليمن يطوف بأمه يحملها بين كتفيه حتى إذا قضى طوافه بالبيت وضعها بالأرض فدعاه ابن عمر فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي

стр. 951

والدتي، فقال عبد اللَّه: لوددت أني أدركت أمي فطفت بها كما طفت بأمك، وليس لي من الدنيا إلا هذه النعلان" (١). ٨٨٣ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرني شعبة، عن عبد اللَّه بن عمران قال: سمعت مجاهدا يقول: "صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه، فكان هو الذي يخدمني" (٢).

стр. 952

المبحث السادس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل طلحة ابن البراء ﵁ -. ٨٨٤ - ذكر أبو عبد الملك المدني بن أبي معشر، ذكر أبو معشر، ذكر محمد بن كعب قال: "كان طلحة بن البراء (١) رجلا من بني أنيف أتى رسول اللَّه ﷺ يبايعه، فقال: "أبايعك على أن تقتل أباك"، قال: فأمسك بيده، قال: ثم جاءه مرة أخرى فقال: "أبايعك على أن تقتل أباك"، فأمسك بيده، ثم جاءه مرة أخرى فقال: "أبايعك على أن تقتل أباك"، فبايعه فأمره ألا يقتله، قال: ثم إن طلحة اشتكى شكوى فأدنف، قال: فجاءه رسول اللَّه ﷺ يعوده فرأى به الموت، فقال لبعض من عنده: "إذا نزل به الموت فأذنوني حتى أشهده وأصلي عليه"، قال: فنزل به الموت من الليل فقال بعض من عنده: آذنوا رسول اللَّه، فقال: لا تفعلوا، قالوا: ولم يا طلحة والناس يستشفون برسول اللَّه ﷺ إذا حضرهم الموت، قال: أخشى أن تصيبه نكبة أو تلدغه عقرب أو تنهشه حية، قال: وألقى اللَّه بذلك، قال: فتركوه حتى أصبح، فلما مات آذنوا رسول اللَّه ﷺ فقال: "ألم أقل لكم إذا نزل به الموت فآذنوني؟ "، فقالوا: أردنا يا رسول اللَّه أن نفعل فمنعنا وقال: أخشى أن تصيبه نكبة أو تلدغه عقرب أو تنهشه حية فألقى اللَّه بذاك فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم ألق طلحة بن البراء تضحك إليه ويضحك إليك" (٢).

стр. 953

المبحث السابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل سهل بن سعد ﵁ -. ٨٨٥ - حدثنا علي بن إبراهيم اليشكري قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال: حدثنا عبد المهيمن بن عباس قال: حدثنا أبو حازم قال: "انصرفت من العصر إلى سهل بن سعد وكان صائما فلما أمسى قلت لغلامه: هات فطره، قال: . . . (١)، قال: فتمر، قال: ولا تمر، قال: فجعلت أسبّه وأقول: شيخ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ضيَّعته؟ قال: وما ذنبي؟ فتح اليوم خزانته فما ترك فيها بُرَّة ولا شعيرة إلا قسمه" (٢).

стр. 954

المبحث الثامن والعشرون: الآثار الواردة في فضائل زيد بن عمر بن الخطاب ﵁ -. ٨٨٦ - حدثني محمد بن أبي موسى مولى أكيل بن شماخ العكلي، عن عبيدة بن حميد، عن القاسم بن معن قال: قال عمر بن الخطاب: "رحم اللَّه زيدا هاجر قبلي، واستشهد قبلي، ما هبَّت الرياح من تلقاء اليمامة إلا أتتني برثاه، ولا ذكرتُ قول متمِّم بن نويرة إلا ذكرته، وقال غير محمد: إلا هاج لي شجنا: وكنا كَنَدْمَانَيْ جذيمة حقبةً ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدّعا فلما تفرّقنا كأني ومالكًا ... لطول اجتماع لم نَبِتْ ليلةً معا (١)

стр. 955

المبحث التاسع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل صعصعة ﵁ -. ٨٨٧ - حدثني يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير، عن مغيرة قال: "لم يكن أحد من أشراف العرب بالبادية كان أحسن دينا من صعصعة جدّ الفرزدق، ولم يهاجر، وهو الذي أحيا الوئيد، وهو الذي افتخر به الفرزدق فقال: منّا الذي منع الوئيدات ... فأحيا الوئيد فلم تؤد (١)

стр. 956

المبحث الثلاثون: الآثار الواردة في فضائل علبة بن زيد ﵁ -. ٨٨٨ - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدثنا محمد بن طلحة ابن الطويل قال: حدثنا عبد المجيد بن أبي عبس الحارثي، عن أبيه، عن جدّه قال: "حضّ رسول اللَّه ﷺ على الصدقة، فقال عُلبة بن زيد -رجل من الأنصار-: اللهم إنه ليس لي مال أتصدّق به، فأيما رجل من المسلمين نال من عرضي شيئا فهو عليه صدقة، فلما كان من الغد جاء الناس إلى رسول اللَّه ﷺ ، فجاء كل رجل بما قدر عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أين المتصدّق بعرضه البارحة؟ " قال: فقام علبة فقال: أنا يا رسول اللَّه، قال: "قد قبل اللَّه صدقتك" (١).

стр. 957

المبحث الحادي والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل النعمان ابن قوقل ﵁ -. ٨٨٩ - حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا جسر بن الحسن، عن أبي ثابت بن شداد بن أوس قال: قال النعمان بن قوقل (١) يوم أحد: "اللهم إني أقسم عليك أن أُقتل، فأدخل الجنة، فقُتل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن النعمان أقسم على اللَّه فأبرّه، فلقد رأيته يطأ في خُضَرِها ما به من عرج" (٢).

стр. 958

المبحث الثاني والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أبي معلق ﵁ -. ٨٩٠ - حدثنا عيسى بن عبد اللَّه التميمي، أخبرني فهير بن زياد الأسدي، عن موسى بن وردان، عن الكلبي -وليس بصاحب التفسير- عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: "كان رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار يكنى أبا مِعلق (١)، كان تاجرا يتجر بماله ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان يزن بسدد وورع، فخرج مرة فلقيه لصّ مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك، قال: ما تريد إلى دمي؟ شأنك بالمال، فقال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك، قال: أما إذ أبيت، فذرني أصلى أربع ركعات، قال: صل ما بدا لك، قال: فتوضأ، ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعّال لما يريد، أسألك بعزّك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شرّ هذا اللص، يا مغيث أغثني، ثلاث مرات، قال: دعا بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة، واضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه، ، فطعنه، فقتله ثم أقبل إليه، فقال: قم، قال: من أنت بأمي أنت وأمي؟ فقد

стр. 959

أغاثني اللَّه بك اليوم، قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوتَ بدعائك الأول، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني، فسمعت لأهل السماء ضجّة، ثم دعوتَ بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب، فسألت اللَّه تعالى أن يوليني قتله" (١).

стр. 960

المبحث الثالث والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أسماء ﵂ . ٨٩١ - حدثنا أبو جعفر التميمي، نا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن المهاجر، عن أبيه، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية (١): "شهدت اليرموك مع الناس، فقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاطاها" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة، الموزعة على المباحث المختلفة، فضائل كثير من الصحابة، ممن لم يسبق ذكرهم في العشرة المبشرين بالجنة، ولا فيمن ذكر من أهل البيت، وهم كمن سبق من إخوانهم من الصحابة، أهل الفضل والمكارم، كما قال ابن حزم: "لكل واحد من الصحابة ﵃، فضائل ومشاهد تعفو عن كل تقصير، وليس ذلك لغيرهم" (٣). فقد تضمنت الآثار بيان الصفات العظيمة التي امتازوا بها، كالجود والعطاء، والتضحية بالمال والنفس في سبيل نصرة اللَّه ورسوله، وضرب

стр. 961

أروع البطولات في الجهاد في سبيل اللَّه، وبعض الكرامات التي ثبتت لبعضهم، وإقراء الضيف، وما سمع لبعضهم من هواتف تثني عليهم، والتواضع في الزي، والاخشوشان فيه، يأكلون دون الشبع، وحبهم للقرآن، واكتفاء بعض شعرائهم به عن قرض الشعر، حيث لم يقل بعد إسلامه شعرا، يضاعف أحدهم اجتهاده وعبادته، إذا قرب أجله، يصومون من الأيام أحرها، ويختارون من البر لأمهاتهم ما تقر به عينها، ولو أنفقوا من أموالهم أطايبها، يقدمون ذلك على كثير من العبادات كالحج وغيره، يعرف بعضهم حق بعض، ولا ينكر منزلته، ولو كان بينهم ما يكون بين الآدميين، من الخلاف والوحشة، لم يمنعه من ذكر فضل أخيه والاعتراف به، يعدون عدم الإنفاق، وخلوّ فنائهم من طالب حاجة من المصائب، حفظوا سنة نبيهم فلم يبدلوا، ولم يغيّروا، بل أدّوا كما سمعوا، امتحنهم غير واحد في حفظهم فكانوا يؤدون الحرف بعد زمن طويل كما أدوه قبل، يؤدون عن الناس ديونهم، بل ويزيدونهم مثلها عطاء، يشترون الدار بالثمن الغالي، ثم ترق قلوبهم لبكاء أهلها وحاجتهم لها وللمال، فيتنازلون عن البيت والمال، ترق قلوبهم للموعظة فتدمع عيونهم، ولا تمنعهم هيبة الخلافة ورونق العرش والكرسي من إظهار التخشع والخوف من اللَّه، والانكسار بين يديه، لا يخدعون عن القليل، ولا يتعاظمهم الكثير، منهم القضاة، ومنهم الدهاة، اختص بعضهم بالأناة، والآخر بالمعضلات، والآخر بالمبادهة، في حين كان الآخر للصغير والكبير، وكانت بعض بيوتهم بيوت جود، به يعرفون وعنه ينافحون، لا يقبلون في ذلك العذل واللوم، يحسنون لأصحاب الذمة، ويوصون بهم خيرا، ولا ينسونهم من برهم، ويبدأون بهم في الأعطية، اشتهر بعضهم بالمنافسة في أبواب العبادات حتى نسبت إليه عبادات لم تعرف عن غيره كالطواف سباحة، وقد أحسن من عوتب في عدم ذكر

стр. 962

بعضهم لما ذكرت الفضائل، فتعلل بأن السؤال كان عن الإنس، ومن ترك ذكرهم ليسوا من الإنس، لكثرة ما تميزوا به، يصومون طول النهار فإذا جاء الإفطار وجهز الطعام تبرعوا به ليتامى أهلهم وحيِّهم، ويشبعون لشبعهم، بل لا يجد أحدهم ما يأكله عند إفطاره لإنفاقه كل ما عنده، يحرصون من الطعام على أبسطه، عفيفة ألسنتهم عن السب والشتم، ويتصدق أحدهم بعرضه في سبيل اللَّه، تهيج أنفسهم لفعل الخير إذا رأوا من يفعله، فيتمنى أحدهم لو كانت أمه حية ليحملها كما رأى من يحمل أمه، يخافون على نبيهم من أي أذى يصيبه، فيدع دعوته والاستشفاء بدعائه خوفا عليه من لدغ عقرب أو نهش حية، أحيوا الوئيدة، ويقسم أحدهم على اللَّه بأن يقتل في سبيله فيدخل الجنة، فيبر اللَّه قسمه، بل إن نساءهم كن مجاهدات، حصر من قتلته أسماء يوم اليرموك بعمود فسطاطها فبلغ سبعة رجال، قال الغزالي -بعد إيرداه لجملة من أوصافهم-: "فهذه أحوال السلف، ونعتهم، وفيهم من الفضل أكثر مما وصفنا" (١). وقد كانت هذه سنة السلف ذكر محاسن أصحاب رسول اللَّه ﷺ ومن أقوالهم في ذلك: "اذكروا محاسن أصحاب محمد ﵇ تأتلف عليه القلوب" (٢)، قال الإمام أحمد: "ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول اللَّه ﷺ كلهم أجمعين" (٣). قال شيخ الإسلام: "الأحاديث مستفيضة، بل متواترة في فضائل الصحابة، والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون،

стр. 963

فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة" (١)، ومن جميل ما قاله الهيتمي ﵀ في ذلك -بعد نقله لجملة من الآيات والأحاديث في فضلهم-: "على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها؛ من الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام، ببذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع بتعديلهم، والاعتقاد بتراهتهم" (٢).

стр. 964

الفصل الخامس: الآثار الواردة في مسائل الإمامة والفتن . وفي أربعة مباحث: المبحث الأول: الآثار الواردة في الإمامة. المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج. المبحث الثالث: الآثار الوادردة في موقف المسلم من الفتنة. المبحث الرابع: الآثار الواردة في موقف الخوارج من أهل السنة.

стр. 965

المبحث الأول: الآثار الواردة في الإمامة . وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في وجوب طاعة الحكام. المطلب الثاني: الآثار الواردة في تحريم طاعة الحكام في المعصية، والإنكار بالقلب عند العجز. المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الطعن في الأمراء. المطلب الرابع: الآثار الواردة في النهي عن منازعة الملوك الأمر. المطلب الخامس: الآثار الواردة في تحريم الخروج على الحكام. المطلب السادس: الآثار الواردة في المنهج العام للسلف في الإنكار على الحكام. المطلب السابع: الآثار الواردة في النهي عن التفرق والتحزب.

стр. 966

المطلب الأول: الآثار الواردة في وجوب طاعة الحكام . ٨٩٢ - حدثنا عمر بن بكير النحوي، أنبأنا أبو عبد الرحمن الطائي، أنبأنا أبو بردة بن عبد اللَّه بن أبي بردة قال: كان يقال: "إن رِبعِيّ بن حِرَاش ﵁ لم يكذب كذبا قط، فأقبل ابناه من خراسان قد تأجلَّا (١)، فجاء العريف إلى الحجاج، فقال: أيها الأمير، إن الناس يزعمون أن ربعي ابن حراش لم يكذب قط، وقل قدم ابناه من خراسان، وهما عاصيان، فقال الحجاج: عليّ به، فلما جاء قال: أيها الشيخ، قال: ما تشاء؟ قال: ما فعل ابناك؟ قال: المستعان اللَّه، خلفتهما في البيت، قال: لا جرم واللَّه، لا أسوءك فيهما، هما لك" (٢).

стр. 967

المطلب الثاني: الآثار الواردة في تحريم طاعة الحكام في المعصية، والإنكار بالقلب عنه العجز . ٨٩٣ - حدثنا محمد بن حماد الرازي قال: سمعت عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "أتى رجل ابن عباس فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال أفرأيت إن أمرني بمعصية اللَّه ؟ قال: ذاك الذي تريد، فكن حينئذ رجلا! " (١). ٨٩٤ - حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن زرارة الرقي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الربيع بن عميلة، عن ابن مسعود ﵁: "إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من قِبَل أنفسهم فاستهوته قلوبهم، فاستحلته ألسنتهم، فقالوا: تعالوا حتى ندعو الناس إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا تركناه، ومن خالفنا قتلناه، فقالوا: انظروا فلانا فإن تابعكم فلن يتخلّف عنكم أحد، وإن خالفكم فاقتلوه، فبعثوا إليه فدخل منزله فأخذ كتابا من كتب اللَّه فجعله في قرن ثم تقلّده تحت ثيابه، فأتاهم فقرأوا عليه كتابهم، فقالوا:

стр. 968

تؤمن بما هذا الكتاب؟ فقال: وما لي لا أؤمن بهذا الكتاب -وأشار إلى صدره- فرجع إلى منزله فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات، فجاء إخوان من إخوانه فنبشوه فوجدوا ذلك الكتاب في ذلك القرن، فقالوا: كان ايمانه في هذا الكتاب، قال ابن مسعود: فتفرّقت النصارى على سبعين فرقة، فأهداهم فرقة أصحاب ذي القرن، فقال ابن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يرى منكرا لا يستطيع فيه غير أن يعلم اللَّه من قلبه أنه له كاره" (١). ٨٩٥ - حدثنا عبد اللَّه بن عمر بن محمد القرشي، وعبد الرحمن بن صالح العتكي (٢) قالا: حدثنا حسين الجعفي، عن الحسن بن الحر، عن ميمون بن أبي شبيب (٣) قال: "قعدت أكتب كتابا فمررت بحرف، إن أنا كتبته زيَّنت الكتاب، وكنت قد كذبت، فعزمت على تركه، فناداني مناد من جانب البيت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ

стр. 969

الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١)، فقال: وتهيأت للجمعة في زمن الحجاج، فجعلت أقول: أذهب، لا أذهب، فناداني منادٍ من جانب البيت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢)، قال: فذهبت" (٣). ٨٩٦ - حدثني علي بن مسلم قال: حدثنا سيار بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا مالك بن دينار قال: "كنا إذا صلّينا خلف الحجاج فإنما نلتفت ما بقى علينا من الشمس، فيقول: إِلَامَ تلتفتون، أعمى اللَّه أبصاركم؟ إنا لا نسجد لشمس ولا لقمر ولا لحجر ولا لوثن" (٤).

стр. 970

٨٩٧ - حدثنا علي بن مسلم قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن كثير أبي الفضيل (١) قال: "شهدت الوليد بن عبد الملك بدمشق صلى الجمعة والشمس كالشرف (٢) ثم صلى العصر" (٣). ٨٩٨ - حدثنا القاسم بن هاشم قال حدثني عمر بن حفص العسقلاني قال حدثني إبراهيم بن أدهم قال حدثنا أبو عيسى المروزي قال: سمعت سعيد بن المسيب في خلافة عبد الملك بن مروان يقول: "لا تملأوا أعينكم من أئمة الجور وأعوانهم إلا بالإنكار عليهم من قلوبكم، لكي لا تحبط أعمالكم" (٤). التحليل والتعليق تضمنت الآثار الواردة في المطلبين السابقين، بيان وجوب طاعة الحكام، والنهي عن معصيتهم، وأن هذه القاعدة العامة، لا يخرمها إلا أن يؤمر العبد بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق حينئذ. فطاعة الحاكم المسلم واجبة متعينة ولو كان فيها ضرر على الطائع، كما فعل ربعي بن حراش حين بلّغ عن ابنيه لما سأله عنهما الحجاج وكانا فارَّين من العسكر.

стр. 971

لكن هذا لا يعني أنها طاعة مطلقة، بل هي مقيّدة بأن لا تكون طاعة في معصية اللَّه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا ما تضمنته الآثار الواردة في المطلب الثاني، حيث بيّن ابن عباس ﵁ لمن سأله عن طاعة الأمير إذا أمره بمعصية، فأجابه بأنه يتعين عليه أن يكون حينئذ رجلا ولا يطيعه، ونهاه قبل ذلك أن يقوم إليه فيأمره وينهاه لكى لا يكون له فتنة، وهكذا فعل الصحابة مع أمراء الجور والظلم، الذين كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، كالحجاج والوليد بن عبد الملك، فلم يتركوا الصلاة وراءهم بسبب هذه المعصية، وذكر بعضهم أنه يأتي زمان على الرجل لا يستطيع من الإنكار إلا أن يعلم اللَّه من قلبه أنه كاره. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، نصوا عليها في مختلف كتبهم، بل جسّدوها في مواقف عملية في حياتهم، وأمروا بها غيرهم، وناظروا عليها مخالفيهم، قال أبو الحسن الأشعري: "أجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين" (١)، وقال ابن قدامة: "من السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمر بمعصية اللَّه؛ فإنه لا طاعة لأحد في معصية اللَّه" (٢)، وقال ابن تيمية: "طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة. . . وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى اللَّه عنه من معصية ولاة

стр. 972

الأمور، وغشِّهم، والخروج عليهم، بوجه من الوجوه، كما عرف من عادات أهل السنة والدين قديما وحديثا ومن غيرهم" (١). وقال شيخ الإسلام مبينا مذهب أهل السنة في طاعة الحكام: "لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يجوزون طاعته في معصية اللَّه، وإن كان إماما عادلا. . . فأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقا، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢)، أمر بطاعة اللَّه مطلقا، وأمر بطاعة الرسول؛ لأنه لا يأمر إلا بطاعه اللَّه، ومن يطع الرسول فقد أطاع اللَّه، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك، فقال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ولم يذكر لهم طاعة ثالثة؛ لأن ولي إلأمر لا يطاع طاعة مطلقة إنما يطاع في المعروف" (٣)، قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن من أمر بمنكر لا تلزم طاعته" (٤)، وقال شيخ الإسلام: "المؤمن من أمة محمد يختار الأذى في طاعة اللَّه على الإكرام مع معصيته، كأحمد بن حنبل اختار القَيْد والحبس

стр. 973

والضرب على موافقة السلطان وجنده على أن يقول على اللَّه غير الحق في كلامه، وعلى أن يقول ما لا يعلم أيضًا؛ فإنهم كانوا يأتون بكلام يُعْرَف أنه مخالف للكتاب والسنة فهو باطل، وبكلام مجمل يحتاج إلى تفسير، فيقول لهم الإمام أحمد: ما أدري ما هذا، فلم يوافقهم على أن يقول على اللَّه غير الحق، ولا على أن يقول على اللَّه ما لا يعلم" (١).

стр. 974

المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الطعن في الأمراء . ٨٩٩ - حدثنا الحسن بن يحيى العنبري، ثنا الهيثم بن عبيد الصيد قال: لا أعلمه إلا سهيل أخو حزم، حدثني قال: "سمع ابن سيرين رجلا يسبّ الحجاج فقال: "مه أيها الرجل؛ إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن اللَّه حكم عدل؛ إن أخذ من الحجاج لمن ظلم شيئا فسيأخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلنّ نفسك بسبِّه" (١). ٩٠٠ - حدثنا الحسين بن جنيد، حدثنا شعيب بن حرب حدثنا علي بن مسعدة حدثنا رياح بن عبيدة قال: "كنت عند عمر بن عبد العزيز ﵁، فذكر الحجاج، فشتمته ووقعت فيه، قال: فنهاني عمر وقال: "مهلا يا رياح، فإنه بلغني: أن الرجل يُظلم بالمظلمة، فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه، حتى يستوفي حقَّه، ويكون للظالم الفضل عليه" (٢).

стр. 975

٩٠١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني قدامة بن محمد الخشرمي، حدثني الحجاج بن صفوان بن أبي زيد قال: "وشى رجل ببسر بن سعيد (١) إلى الوليد بن عبد الملك أنه يطعن على الأمراء، أو يعيب بي مروان، قال: فأرسل إليه الوليد، والرجل عنده، قال: فجيء به ترعد فرائصه، فأدخل عليه، فسأله عن ذلك فأنكره بسر، وقال: ما فعلت، قال: فالتفت الوليد إلى الرجل، فقال: يا بسر هذا يشهد عليك بذلك، فنظر إليه بسر وقال: أهكذا؟ قال: نعم، فنكّس رأسه وجعل ينكث في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: اللهم قد شهد بما قد علمت أني لم أقله، فإن كنت صادقا فأريني به آية على ما قال، قال: فانكبّ لوجهه، فلم يزل يضطرب حتى مات" (٢).

стр. 976

المطلب الرابع: الآثار الواردة في النهي عن منازعة الملوك الأمر . ٩٠٢ - حدثنا الهيثم بن خارجة، نا عبد اللَّه بن عبد الرحمن قال: سمعت عمير بن هانئ العنسي قال: قلت لابن عمر: "كيف تقول فينا وفي هؤلاء؟ قال: ما أنا لكم بحامد، ولا لهم بغادر، أنتم أصحاب دنيا تنافستموها بينكم، تهافتون في النار تهافت الذباب في المرق، قال: قلت: أرأيت (١)؟ قال: إن شئت، قلت: أرأيت، أرأيت؟ ألك رحل؟ انطلق إلى رحلك" (٢).

стр. 977

المطلب الخامس: تحريم الخروج على الحكام . ٩٠٣ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه، حدثنا قبيصة بن ليث أبو معاوية الأسدي، حدثني مطرف، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: "رأيت في المنام كأن السماء انفرجت، فاطلع منها رجل، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا ملك، قلت: أسألك عن شيء؟ قال: سل عما شئت، قلت: أخبرني عن أهل الجمل (١)؟ قال: فئتان مؤمنتان اقتتلوا، قلت: أخبرني عن أهل صفين (٢)؟ قال: فئتان مؤمنتان اقتتلوا، قلت: أخبرني عن أهل النهروان (٣)؟ قال: خلعوا إمامهم، ونكثوا بيعتهم، فلقوا ترحا" (٤).

стр. 978

التحليل والتعليق تضمنت الآثار الواردة في المطالب السابقة، بيان تحريم الخروج على الحكام، وكل ما يؤدّي إلى ذلك من الأسباب، كالطعن فيهم ومنازعتهم الأمر. فالطعن في الحكام: هو كما يقال دق لطبول الخروج، ونذير بقرب وقوعه، ولذلك حرص السلف على غلق هذا الباب، وذكروا توجيهات كثيرة، وأبرزوا حِكَمًا متنوعة لذلك، فمن ذلك: أن اللَّه حكم عدل (١)، وقد بيّن ابن سيرين لمن سمعه يسب الحجاج، فكما سيأخذ من الحجاج أو الحاكم الظالم عموما ممن ظلمه، فسيأخذ للحجاج أيضا ممن ظلمه، فالأولى أن يشغل المرء نفسه بما يصلحها، وذكر عمر بن عبد العزيز أمرا آخر، وهو أن المظلوم قد يستوفي حقَّه بكثرة نيله من الظالم، ويكون للظالم الفضل عليه، ولهذا تبرَّأ بسر بن سعيد من تهمة تنقص الخلفاء، فلما أصرَّ الواشي به، دعا عليه فوقع ميتا. ومنازعتهم الأمر: مذموم غير محمود أبدا، وأنكر ابن عمر ﵁ القتال على الملك فلم يحمد الخارج، ولم يغدر بالمبايع، قال ابن عبد البر: "وأما قوله: "وأن لا ننازع الأمر أهله" فاختلف الناس في ذلك؛ فقال

стр. 979

قائلون: "أهله" أهل العدل والإحسان، والفضل والدين، فهؤلاء لا ينازَعُون؛ لأنهم أهله. وأما أهل الجور والفسق والظلم فليسوا له بأهل، ألا ترى إلى قول اللَّه لإبراهيم ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وإلى منازعة الظالم الجائر ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج. وأما أهل الحق وهم أهل السنة فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عدلا محسنا؛ فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحمل على هراق الدماء، وشن الغارات، والفساد في الأرض، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه، والأصول تشهد والعقل والدين، أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك، وكل إمام يقيم الجمعة والعيد، ويجاهد العدو، ويقيم الحدود على أهل العداء، وينصف الناس من مظالمهم بعضهم لبعض، وتسكن له الدهماء، وتأمن به السبل، فواجب طاعته في كل ما يأمر به من الصلاح أو من المباح" (٢). فحرم الخروج عليهم: وهو أخطر من القتال في الفتنة، حيث إن أهل النهروان مذمومين مطلقا، بخلاف أهل الجمل وصفين، قال شيخ

стр. 980

الإسلام: "الذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفِّين لم يكن من القتال المأمور به، وأن تركه أفضل من الدخول فيه، بل عدوه قتال فتنة، وعلى هذا جمهور أهل الحديث، وجمهور أئمة الفقهاء. . . وكذلك مذهب أعيان فقهاء المدينة، والشام، والبصرة، وأعيان فقهاء الحديث. . . وغيرهم، أنه لم يكن مأمورا به، وأن تركه كان خيرا من فعله، وهو قول جمهور أئمة السنة، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا الباب، بخلاف قتال الحرورية والخوارج أهل النهروان، فإن قتال هؤلاء واجب بالسنة المستفيضة عن النبي ﷺ وباتفاق الصحابة وعلماء السنة" (١). ونصوص السلف في هذا المعنى كثير جدا، مبثوثة في كتبهم ورسائلهم، بل إن كثيرا منهم نصوا على أنها من مسائل الأصول، قال الإمام أحمد ﵀: "أصول السنة عندنا. . . السمع والطاعة للأئمة. . . والغزو ماضٍ مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك، وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة ونافذة، ومن دفعها إليهم أجزأ عنه برا كان أو فاجرا، وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولي جائزة تامة ركعتين، من أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة. . . ومن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة، بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا

стр. 981

المسلمين، وخالف الآثار عن رسول اللَّه ﷺ ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية، ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق" (١)، وقال شيخ

стр. 982

الإسلام: "من الأصول التي دلت عليها النصوص، أن الإمام الجائر الظالم يؤمر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه، ولا يقاتلونه كما أمر النبي ﷺ بذلك في غير حديث" (١)، ولذلك فإن بعض السلف امتنع من التحديث بما ظاهره يؤيد الخروج قال ابن حجر: "وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمدُ في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان. . . وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب واللَّه أعلم" (٢)، وهكذا تجد في كل فتنة حصلت في الأمة: "كان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج، والقتال في الفتنة، كما كان عبد اللَّه ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين وغيرهم، ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم" (٣).

стр. 983

المطلب السادس: الآثار الواردة في المنهج العام للسلف في الإنكار على الحكام . ٩٠٤ - حدثني علي بن الحسن قال: قال فضيل بن عياض: "لا تنظروا إلى مراكبهم، فإن النظر إليها يطفئ نور الإنكار عليهم" (١). ٩٠٥ - حدثنا محمد بن بكار قال: حدثنا حفص بن عمر، عن معاوية ابن إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: "آمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا، قال: ثم عدت فقال لي مثل ذلك، ثم عدت فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بدّ فاعلا ففيما بينك وبينه" (٢). ٩٠٦ - حدثنا محمد بن حماد الرازي قال: سمعت عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "أتى رجل ابن عباس فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال أفرأيت إن

стр. 984

أمرني بمعصية اللَّه ؟ قال: ذاك الذي تريد، فكن حينئذ رجلا! " (١). ٩٠٧ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه قال: حدثنا سيار بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال: حدثنا الحسن قال: "أتيت قدامة بن عنزة العنبري -قال جعفر: وهو جد سوار ابن عبد اللَّه بن عنزة- فوافقت عنده مرداسا أبا بلال (٢)، ونافع بن الأزرق (٣)، وعطيّة بن الأسود (٤) قال: فتكلّم مرداس أبو بلال، فذكر الإسلام -قال الحسن: فما سمعت ناعتا للإسلام كان أبلغ منه- ثم ذكر السلطان فنال منهم، وذكر ما أحدث الناس ثم سكت، ثم تكلّم نافع بن الأزرق فذكر الإسلام فوصفه فأحسن، وذكر السلطان فنال منهم، ثم ذكر ما أحدث الناس، ثم تكلّم عطية بن الأسود فذكر الإسلام فوصفه فأحسن، ولم يبلغ ما بلغ نافع بن الأزرق، وذكر السلطان فنال منهم، ثم ذكر ما أحدث الناس، قال: فقال قدامة بن عنزة لبعض أهله: ساندني،

стр. 985

فقال: إخواني كل الذي قلتم منذ اليوم أعرف منه مثل ما تعرفون، وأنكر منه مثل ما تنكرون، وأنا مثل (كذا) الذي أنتم عليه، ما لم تشهروا علينا السلاح، فإذا شهرتم علينا السلاح فأنا منكم بريء" (١). ٩٠٨ - حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري قال: حدثنا بشر بن المفضّل قال: حدثنا المغيرة بن محمد قال: قال عمر بن عبد العزيز: "لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال؛ أيتهن أخطاته كان فيه خللا: حتى يكون عالما قبل أن يستعمل، مستشيرا لأهل العلم، ملقيا للرَّثَع (٢)، منصفا من الخصم، محتملا للأئمة" (٣).
следующие страницы →