← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

المسلمين، وخالف الآثار عن رسول اللَّه ﷺ ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية، ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق" (١)، وقال شيخ

стр. 982

الإسلام: "من الأصول التي دلت عليها النصوص، أن الإمام الجائر الظالم يؤمر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه، ولا يقاتلونه كما أمر النبي ﷺ بذلك في غير حديث" (١)، ولذلك فإن بعض السلف امتنع من التحديث بما ظاهره يؤيد الخروج قال ابن حجر: "وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمدُ في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان. . . وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب واللَّه أعلم" (٢)، وهكذا تجد في كل فتنة حصلت في الأمة: "كان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج، والقتال في الفتنة، كما كان عبد اللَّه ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين وغيرهم، ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم" (٣).

стр. 983

المطلب السادس: الآثار الواردة في المنهج العام للسلف في الإنكار على الحكام . ٩٠٤ - حدثني علي بن الحسن قال: قال فضيل بن عياض: "لا تنظروا إلى مراكبهم، فإن النظر إليها يطفئ نور الإنكار عليهم" (١). ٩٠٥ - حدثنا محمد بن بكار قال: حدثنا حفص بن عمر، عن معاوية ابن إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: "آمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا، قال: ثم عدت فقال لي مثل ذلك، ثم عدت فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بدّ فاعلا ففيما بينك وبينه" (٢). ٩٠٦ - حدثنا محمد بن حماد الرازي قال: سمعت عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "أتى رجل ابن عباس فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال أفرأيت إن

стр. 984

أمرني بمعصية اللَّه ؟ قال: ذاك الذي تريد، فكن حينئذ رجلا! " (١). ٩٠٧ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه قال: حدثنا سيار بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال: حدثنا الحسن قال: "أتيت قدامة بن عنزة العنبري -قال جعفر: وهو جد سوار ابن عبد اللَّه بن عنزة- فوافقت عنده مرداسا أبا بلال (٢)، ونافع بن الأزرق (٣)، وعطيّة بن الأسود (٤) قال: فتكلّم مرداس أبو بلال، فذكر الإسلام -قال الحسن: فما سمعت ناعتا للإسلام كان أبلغ منه- ثم ذكر السلطان فنال منهم، وذكر ما أحدث الناس ثم سكت، ثم تكلّم نافع بن الأزرق فذكر الإسلام فوصفه فأحسن، وذكر السلطان فنال منهم، ثم ذكر ما أحدث الناس، ثم تكلّم عطية بن الأسود فذكر الإسلام فوصفه فأحسن، ولم يبلغ ما بلغ نافع بن الأزرق، وذكر السلطان فنال منهم، ثم ذكر ما أحدث الناس، قال: فقال قدامة بن عنزة لبعض أهله: ساندني،

стр. 985

فقال: إخواني كل الذي قلتم منذ اليوم أعرف منه مثل ما تعرفون، وأنكر منه مثل ما تنكرون، وأنا مثل (كذا) الذي أنتم عليه، ما لم تشهروا علينا السلاح، فإذا شهرتم علينا السلاح فأنا منكم بريء" (١). ٩٠٨ - حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري قال: حدثنا بشر بن المفضّل قال: حدثنا المغيرة بن محمد قال: قال عمر بن عبد العزيز: "لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال؛ أيتهن أخطاته كان فيه خللا: حتى يكون عالما قبل أن يستعمل، مستشيرا لأهل العلم، ملقيا للرَّثَع (٢)، منصفا من الخصم، محتملا للأئمة" (٣).

стр. 986

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان منهج السلف العام في التعامل مع حكام الجور والظلم، وطريقتهم في الإنكار عليهم، ويمكن إجمال ما تضمنته هذه الآثار في منهجهم في أنهم كانوا يحرصون على إبقاء الإنكار القلبي والحفاظ عليه، وقطع الأسباب التي تضعفه أو تميته، كالاسترسال في النظر إلى مراكبهم الفخمة، ثم الإنكار حسب الإمكان، فإن كان ولا بد ففيما بينك وبين الأمير، وألا يكون له فتنة بقيامه له أمام الناس، ومن صفاتهم التحمل للأئمة، ولا يعني هذا أنهم يداهنون الحكام أو يبررون لهم أفعالهم النكرة، وإنما هم يعرفونها ويقرون لمن ذكرها إنكاره، لكن ينكرون أسلوب معالجتها، ولذلك أجاب قدامة بن عترة الخوارج لما ذكروا ما ينقمونه على السلطان: "أنا مثل الذي أنتم عليه، ما لم تشهروا علينا السلاح، فإذا شهرتم علينا السلاح فأنا منكم بريء"، فهذه هي القاعدة العامة، معرفة المنكر، وإنكاره بالقلب، والتحمل وعدم التسرع بالقيام والتشهير، ثم محاولة الإصلاح بالنصيحة، وذلك سرا فيما بينه وبينه، قال ابن رجب: "دلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه. . . وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة. . . الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم، في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان، فبحسب القدرة. . . - ثم تكلم على التغيير باليد

стр. 987

وما ورد في في جوازه وبيّن وجهه وهو أن- التغير باليد ليس بالسيف والسلاح، فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل: أن يريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم، أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم، إن كان لي قدرة على ذلك، وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن، التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين" (١). قال ابن رجب مبينا طريقة نصيحة الولاة: "النصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولين، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك" (٢)، وقال الشوكاني: "ينبغى لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل، أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده، ويخلو به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان اللَّه، وقد قدمنا في أول كتاب السير هذا أنه لا يجوز الخروج على الأئمة، وإن بغوا في الظلم أي مبلغ، ما أقاموا الصلاة، ولم يظهر

стр. 988

منهم الكفر البواح، والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة" (١). وقد قال الشيخ ابن باز ﵀ لما سئل عمن يعتبر هذه العقيدة انهزامية ومتخاذلة: "يجب أن يسيروا على مذهب أهل السنة والجماعة على مقتضى الأدلة الشرعية، فيقفون مع النصوص كما جاءت، وليس لهم الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة للسلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة بالكتابة والمشافهة، بالطرق الطيبة الحكيمة، بالجدال بالتي هي أحسن، حتى ينجحوا وحتى يقل الشر أو يزول، ويكثر الخير، . . . فالواجب على الغيورين للَّه وعلى دعاة الهدى أن يلتزموا بحدود الشرع، وأن يناصحوا من ولاهم اللَّه الأمور بالكلام الطيب، والحكمة والأسلوب الحسن، حتى يكثر الخير ويقل الشر، وحتى يكثر الدعاة إلى اللَّه وحتى ينشطوا في دعوتهم بالتي هي أحسن لا بالعنف والشدة، ويناصحوا من ولاهم اللَّه بشتى الطرق الطيبة السليمة مع الدعاء لهم في ظهر الغيب، أن اللَّه يهديهم ويوفقهم ويعينهم على الخير. . . ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان والكتابة إليه أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير" (٢).

стр. 989

المطلب السابع: الآثار الواردة في النهي عن التفرق والتحزب . ٩٠٩ - كتب إليّ أبو عبد اللَّه محمد بن خلف بن صالح الكوفي التيمي قال: نا شعيب بن إبراهيم التيمي، حدثني سيف بن عمر الأسيدي، عن بدر بن عثمان، عن عمة قال: "آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة: "إن اللَّه إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى، والآخرة تبقى، لا تبطرنّكم الفانية، ولا تشغلنّكم عن الباقية، آثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى اللَّه ، واتقوا اللَّه، فإن تقواه جُنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا أمر اللَّه، والزموا جماعتكم، ولا تصيروا أحزابا، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ (١) إلى آخر الآيتين" (٢).

стр. 990

التحليل والتعليق تضمن أثر عثمان ﵁ الحث على لزوم جماعة المسلمين، والنهي عن الفرقة والتحزب، وكأنه ﵁ تفرّس فيهم ما سيحدث بعد وفاته، ومن فقهه أنه جعل التحزب والتفرق، مقابلا للجماعة؛ فإن لزوم الجماعة عصمة من التفرق والتحزب، وظهور الجماعات والأحزاب في الأمة نذير فرقة وذهاب قوتهم، وتلاشي دولتهم، وهو من الاختلاف: "الذي يوجب الفرقة، والاختلاف، وفساد ذات البين، ويوقع التحزب والتباين. . . ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري، لا بد منه لتفاوت إرادتهم، وأفهامهم، وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض، وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة اللَّه ورسوله، لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الانسانية، ولكن إذا كان الأصل واحدا، والغاية المطلوبة واحدة، والطريق المسلوكة واحدة، لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافا لا يضر -كما تقدم من اختلاف الصحابة- فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد، وهو كتاب اللَّه وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة اللَّه ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة، وتقديمها على كل قول، ورأي، وقياس، وذوق، وسياسة" (١)، وقد حصل ما تفرسه ﵁ وذلك: "لما توفي عثمان لم يبق لها

стр. 991

معين -الخلافة- إلا علي ﵁، وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان، فحصل بذلك قوة أهل الظلم والعدوان، وضعف أهل العلم والإيمان، حتى حصل من الفرقة والاختلاف ما صار يطاع فيه مَنْ غَيْرُهُ أولى منه بالطاعة، ولهذا أمر اللَّه بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولهذا قيل: ما يكرهون في الجماعة، خير مما يجمعون من الفرقة" (١)، والمراد بالجماعة المأمور لزومها كما قال الطبري: "الصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك، خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها" (٢)، قال الشاطبي معلقا على كلامه: "هذا تمام كلامه، وهو منقول بالمعنى، وتحَرٍّ في أكثر اللفظ، وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام، الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة، خارجٌ عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم، فهذه خمسة أقوال

стр. 992

دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم المرادون بالأحاديث فلنأخذ ذلك أصلا" (١). قال القرطبي: "من بدَّل، أو غَيَّر، أو ابتدع في دين اللَّه ما لا يرضاه اللَّه، ولم يأذن به اللَّه، فهو من المطرودين عن الحوض، المبتعدين منه، المسودِّي الوجوه، وأشدهم طردا وإبعادا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدِّلون، ومبتدعون، وكذلك الظلمة، المسرفون في الجور والظلم، وطمس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ، والأهواء والبدع، كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية" (٢)، وقال الطحاوي: "ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة"، قال شارحه ابن أبي العز: "السنة: طريقة الرسول ﷺ ، والجماعة: جماعة المسلمين، وهم الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، إلى يوم الدين فاتباعهم هدًى، وخلافهم ضلالٌ" (٣)، وقال الغزنوي: "لا نخالف جماعة المسلمين، ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا" (٤)، وقال

стр. 993

الشوكاني: "وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي الأمر بالكون في الجماعة، والنهي عن الفرقة" (١)، ومن هنا كان الخروج عن جماعة المسلمين من سمات أهل البدع قال شيخ الإسلام: "الخوارج دينهم المُعَظَّم مفارقة جماعة المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم، والشيعة تختار هذا، لكنهم عاجزون، والزيدية تفعل هذا، والإمامية تارة تفعله، وتارة يقولون: لا نقتل إلا تحت راية إمام معصوم، والشيعة استتبعوا أعداء الملة من الملاحدة والباطنية وغيرهم" (٢).

стр. 994

المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج . وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها. المطلب الثاني: الآثار الواردة في الخوف من فتح باب الخروج على الأمة. المطلب الثالث: الآثار الواردة في علاقة الغوغاء بالخروج. المطلب الرابع: الآثار الواردة في مآل الخروج إلى الفرقة والاختلاف. المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الجدوى من الخروج. المطلب السادس: الآثار الواردة في خوف العواقب السيئة المترتبة على الخروج. المطلب السابع: الآثار الواردة في الخوف من الانتكاس وعدم الصبر على الابتلاء بعد الخروج. المطلب الثامن: الآثار الواردة في أن ظلم الحكام عقوبة لا تستقبل بالسيف، بل بالتوبة والتضرع. المطلب التاسع: الآثار الواردة في توبة الخارج على الحكام.

стр. 995

المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج. تقدم في المبحث السابق بمختلف مطالبه بيان النهي عن الخروج على الحكام ومنازعتهم الأمر، ومنهج السلف العام في الإنكار عليهم، والصبر والتحمل رغبة في بقاء بيضة المسلمين منيعة قوية، وإقفال الأبواب الموصلة لهذا المحذور الشرعي كالطعن في الحكام والتفرق والتحزب، مع إنكار المنكر والتحذير منه، ولو بالقلب حتى لا يطمس الدين، وتتغير معالمه، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وتأكيدا لهذا الذي سبق، فإن للسلف عدَّة ملاحظ لاحظوها في هذه العقيدة، وذلك أن الخروج على الحاكم المسلم يترتب عليه كثير من المفاسد، ومن هنا كانت المقاصد الشرعية، والأمور المرعية في تحريمه كثيرة ومتنوعة، ذكرتها في المطالب التالية، لإبراز فقه السلف في هذه المسألة، وبعد نظرهم، وعمق إدراكهم لمآلات الأمور ومسبباتها ووسائلها.

стр. 996

المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها . ٩١٠ - حدثنا هارون بن أبي يحيى السلمي قال: أنبأنا أبو الجوّاب الضبي قال: "كتب عمرو بما عبيد إلى ابن شبرمة (١) يحضّه ويحثّه على الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكتب إليه ابن شبرمة: الأمر يا عمرو بالمعروف نافلة (٢) ... والقائمون للَّه أنصار والتاركون له عجزا لهم عذر ... واللائمون لهم يا عمرو أشرار (٣) الأمر والنهي لا بالسيف يشهره ... على الخليفة، إن القتل ضرار (٤)

стр. 997

٩١١ - كتب إليّ أبو سعيد، حدثنا محمد بن يحيى بن الحارث الجعفي، عن حفص بن غياث قال: "قيل للأعمش أيام زيد: ألا تخرج؟ قال: ويلكم واللَّه ما أعرف أحدا أجعل عرضي دونه، فكيف أجعل دمي دونه" (١). ٩١٢ - حدثنا هاشم بن الوليد قال: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: حدثنا عاصم قال: "قال مروان لعبد اللَّه بن عمر ﵀ هَلُمَّ نبايعك فإنك سيّد العرب، وابن سيّدها، فقال ابن عمر: فكيف أصنع بأهل المشرق؟ قال: نقاتلهم، قال: واللَّه ما يسرّني أن العرب دانت لي سبعين عاما، وأنه قتل في سيي رجل واحد، فقال مروان:

стр. 998

إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا" (١) التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان ملحظ من ملاحظ السلف في تحريم الخروج على الحاكم المسلم، وهو الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها، فقد كتب عمرو بن عبيد إلى ابن شبرمة (٢)، يحثه على الجهاد

стр. 999

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فقيه أهل الكوفة وقاضيها، فبيّن له أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بإشهار السيف على الخليفة، ثم علّل ذلك بأن القتل ضرار، وأن من عجز عن الأمر والنهي فهو معذور وعاذلوه أشرار، وهكذا بلدِيُّه وعصرِيُّه الأعمش طلب منه الخروج، فأجاب بقاعدة عامة هامة بأنه لا يعرف أحدا يجعل عرضه دونه، فكيف يجعل دمه دونه، وقبلهما ابن عمر ﵁ لما طلب منه يزيد المبايعة بعد معاوية ﵁ وكان قد حصل نزاع عليها، أبي خشية أن لا يجتمع عليه المسلمون، وقال قولة عظيمة: ما يسرّني أن العرب دانت لي سبعين عاما، وأنه قتل في سيي رجل واحد، وهكذا كان السلف حريصين على حقن الدماء، ويتخذون في ذلك كل الوسائل، ويسدون عنه كل المنافذ، وقد ذكر هذا الأمر غير واحد من العلماء عند كلامهم على الأحاديث التي تنهى عن الخروج ونكث البيعة، قال ابن بطال: "في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة

стр. 1000

السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها" (١)، وقال ابن حجر: "في الحديث وعيد شديد في نكث البيعة، والخروج على الإمام، لما في ذلك من تفرق الكلمة، ولما في الوفاء من تحصين الفروج، والأموال، وحقن الدماء" (٢)، ولهذا: "مدح الحسن، وأثني عليه بما أصلح اللَّه به بين الطائفتين، حين ترك القتال، وقد بويع له، واختار الأصلح، وحقن الدماء، مع نزوله عن الأمر، فلو كان القتال مأمورا به لم يمدح الحسن، ويثنى عليه بترك ما أمر اللَّه به، وفعل ما نهى اللَّه عنه" (٣)، وقال القرطبي: "كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهلك أكثر الأخرى، فيهلك المسلمون، فسلم الأمر إلى معاوية" (٤)، وقال ابن حجر: "ترك الملك لا لقِلَّة، ولا لذِلَّة، ولا لعِلَّة، بل لرغبته فيما عند اللَّه، لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة" (٥)، وقال شيخ الإسلام: "الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور. . . ما أمر به النبي ﷺ من

стр. 1001

الصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم، والخروج عليهم، هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدا، أو مخطئا، لم يحصل بفعله صلاح بل فساد، ولهذا أثنى النبي ﷺ على الحسن. . . ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نزع يد من طاعة، ولا مفارقة للجماعة، وأحاديث النبي ﷺ الثابتة في الصحيح كلها تدل على هذا. . . وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه، التي أثنى بها عليه النبي ﷺ ، ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي ﷺ على أحد بترك واجب أو مستحب" (١). ومن درر كلام الإمام أحمد في هذا جوابه لمن أراد الخروج على السلطان بقوله: "سبحان اللَّه! الدماء الدماء، لا أرى ذلك، ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة، يسفك فيها الدماء، ويستباح فيها الأموال، وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه يعني أيام الفتنة؟ قلت: والناس اليوم أليس هم في فتنة يا أبا عبد اللَّه؟ قال: وإن كان؛ فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا، ويسلم لك دينك خير لك، ورأيته ينكر الخروج على الأئمة، وقال: الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به" (٢).

стр. 1002

المطلب الثاني: الآثار الواردة في الخوف من فتح باب الخروج على الأمة . ٩١٣ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي وائل قال: "قيل لأسامية بن زيد (١): ألا تركب إلى هذا الرجل فتأمره وتنهاه؟ -يعنون عثمان بن عفان ﵁، فقال: لا أفتح بابا أكون أول من فتحه. . . " (٢). ٩١٤ - حدثني علي بن الحسن، عن مطرف أبي مصعب قال: سمعت عبد العزيز بن الماجشون قال: قال أبو حازم لبعض أولئك الأمراء: "واللَّه لولا تبعة لساني، لأشفيت منكم اليوم صدري" (٣). ٩١٥ - أخبرني محمد بن أبي معشر قال: حدثنا أبو معشر، عن أبي كثير مولى لآل الزبير قال: "جاء كتاب من معاوية إلى مروان وهو على المدينة: إن سيّد المسلمين وشبه أمير المؤمنين يزيد بن أمير المؤمنين، وإنا قد بايعنا له، قال: فمسح مروان إحدى يديه على الأخرى، فقال له عبد الرحمن

стр. 1003

ابن أبي بكر الصدّيق: يا مروان إنما هي هرقلية؛ كلما مات هرقل كان هرقل مكانه، ما لأبي بكر لم يستخلفني، وما لعمر لم يستخلف عبد اللَّه؟ فقال له مروان: أنت الذي أنزل اللَّه فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ. . .﴾ (١) الآية، قال: فقام عبد الرحمن حتى دخل على عائشة فأخبرها، فضربت بستر على الباب، فقالت: يا ابن الزرقاء أعلينا تأوّل القرآن؟ لولا أني أرى الناس كأنهم أيدٍ يرتعشون لقلت قولا يخرج من أقطارها، فقال مروان: ما يومنا منك بواحد" (٢). ٩١٦ - حدثني سلمة بن شبيب قال حدثنا سهل بن عاصم قال: قال صالح المري: كان يقال: "المتورع في الفتن كعبادة النبيّين في الرخاء" (٣). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان الخوف والحذر الشديدين من فتح باب الخروج على الحكام، والتسبب في ذلك ولو بأدنى سبب، كالطعن فيهم

стр. 1004

وذكر شيء من منكراتهم على العامة، حيث إن كل الآثار السابقة تفيد أن السلف رغم ما يحملون على بعض الحكام في نفوسهم من أشياء، أو ينكرون عليهم من أمور؛ فإنهم كهانوا لا يجاهرون بذلك أمام عامة الناس خوفا من فتح باب الفتنة والخروج، كما قال أسامة بن زيد وعائشة وأبو حازم، جميعهم خافوا من تبعة لسانهم وتأثيره على عامة الناس، فتورعوا من ذكر ما في نفوسهم خشية وقوع الفتن، ولهذا ورد في آخر أثر عن صالح المري انتشار مقولة: "تورع في الفتن كعبادة النبيين في الرخاء"، قال -ابن حجر معلقا- على أثر أسامة بن زيد: "لا أفتح بابا أكون أول من فتحه": "يعني لا أكلمه إلا مع مراعاة المصلحة بكلام لا يهيج به" (١)، وقال النووي: "يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ، كما جرى لقتلة عثمان ﵁، وفيه الأدب مع الأمراء، واللطف بهم، ووعظهم سرا، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم لينكفوا عنه، وهذا كله إذا أمكن ذلك، فإن لم يمكن الوعظ سرا والإنكار فليفعله علانية؛ لئلا يضيع أصل الحق" (٢)، بل إن نفس الكلمة التي قالها أسامة بن زيد قالها عبد اللَّه بن مسعود ﵁: "لما بعث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالقدوم إلى المدينة، اجتمع الناس فقالوا: أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: إن له عليَّ حقَّ الطاعة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن" (٣).

стр. 1005

المطلب الثالث: الآثار الواردة في علاقة الغوغاء بالخروج . ٩١٧ - حدثني الحسن بن علي البزاز قال: حدثنا أبو عمر بن النحاس، عن ضمرة، عن ابن شوذب قال: "كان الحسن إذا نظر إلى الغوغاء قال: هؤلاء قتلة الأنبياء" (١). ٩١٨ - حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثنا الحجاج بن محمد الخولاني قال: حدثنا توبة بن النعمان اليزني، ومهدي بن الوليد بن عامر كلاهما عن الليد بن عامر اليزني، عن بريد بن حمير، عن عمير بن سعد (٢) صاحب النبي ﷺ قال: كان يقول (٣): "ليذهبن خياركم، حتى لا يبقى في مجالسكم إلا الأغمار الأحداث، الذين لا عقول لهم ولا رأي، يغلبونكم على أموركم" (٤). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان بيان الأثر الخطير للغوغاء من الناس على

стр. 1006

مجريات أمور الحياة، واستقرار الدولة، فإنهم هم قتلة الأنبياء كما قال الحسن، وإذا كانوا هم أصحاب المجالس غلبوا خيار الأمة على أمورها، ولهذا حرص السلف على تسكين الدهماء وعدم إثارتهم، قال ابن عبد البر: "أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، على حسب طاقته؛ من قول وعمل، على ما تقدم شرطنا، ما لم يكن انطلاق الدهماء وإراقة الدماء" (١)، وقال ابن القيم عند شرحه كلام علي بن أبي طالب ﵁ عند كلامه على أقسام الناس فذكر ثلاثة أقسام الثالث منها: "همجٌ رعاعٌ، أتباع كل ناعق": أي من صاحَ بهم ودعاهم تبعوه، سواء دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال؛ فإنهم لا علم لهم بالذي يُدْعَوْن إليه، أحقٌّ هو أم باطل، فهم مستجيبون لدعوته، وهؤلاء من أضر الخلق على الأديان؛ فإنهم الأكثرون عددا، الأقَلُّون عند اللَّه قدرا، وهم حطب كل فتنة، بهم توقد، ويشب ضرامها، فإنها يهتز لها أولو الدين، ويتولاها الهمج الرعاع" (٢)، ومن هنا تعيّن الحذر من العوام وعدم الانسياق وراء حماساتهم، والانزلاق وراء معاناتهم، فضلا عن تهييجهم والمشاركة في توجيههم نحو الفتن، ومن الأمثلة الحكيمة في هذا قولهم: يجمعهم طبل، وتفرقهم عصى (٣).

стр. 1007

المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن مآل الخروج إلى الفرقة والاختلاف . ٩١٩ - كتب إليّ أبو سعيد، حدثنا القاسم بن محمد بن علي الكندي، عن حميد بن عبد الرحمن قال: "جاء عيسى بن زيد بن علي (١) إلى الحيّ إلى منزلهم فاجتمع إليه أبي، وحسن بن صالح، وجعفر الأحمر (٢)، فذكروا الخروج، فقال عيسى: "إن الخروج لا يستقيم إلا باجتماع، والاجتماع لا تضبطه، والسلطان قد ضبط أمر الناس، وإن نحن خرجنا شُغل بنا وشغلنا به، فقتل امرؤ ونحن سبب في قتله، وانتهب مال امرئ ونحن سبب انتهابه، لن نفرغ ولم يفرغ السلطان للنظر في أمره، هذا خلق ليس يجتمعون على كتاب ولا سنّة تفرّقوا" (٣). التحليل والتعليق تضمن أثر حميد بن عبد الرحمن بيان مآل الخروج، وهو أنه لا يحقق شيئا سوى أنه لن يزيد الأمة إلا فرقة وتمزُّقا، فالسلطان قد اجتمع الناس عليه، وضبط أمورهم ودانوا له بالطاعة، ولو كان فيه تقصير وظلم

стр. 1008

وجور، لكن الخارج عليه، لم يضبط الناس كضبط السلطان لهم ولو كان ظاهر أمره منضبطا في بداية الأمر، لكنه سرعان ما يتلاشى ذلك وتصير الأمور إلى الفوضى، لا سيما إذا كان أصحابها مشبوهين أصلا، ومن هنا قال الإمام أحمد ﵀: "هذا عليٌّ ﵀ لم يضبط الناس، فكيف اليوم والناس على هذا الحال ونحوه، والسيف لا يعجبني أيضًا" (١)، وقد علق شيخ الإسلام ابن تيمية على قيام الحسين بن علي ﵄ بقوله: "لم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط أسول اللَّه ﷺ ، حتى قتلوه مظلوما شهيدا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده؛ فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار ذلك سببا لشر عظيم، وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن، كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن" (٢)، وبيّن القاعدة الاستقرائية العامة في مآل الخروج فقال: "من استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين، تبيَّن له أنه ما دخل فيها أحد فحمد عاقبة دخوله، لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه، ولهذا كانت من باب المنهي عنه، والإمساك عنها من المأمور به" (٣).

стр. 1009

المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الجدوى من الخروج . ٩٢٠ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا المعلى بن زياد (١) قال: "لما ولي يزيد بن المهلّب خشيت أن أوخذ فأُجعل عريفا، فأتيت الحسن في أهله وخادم له يقال له برزة: يناوله ثيابه، فقلت: يا أبا سعيد: كيف بهذه الآية في كتاب اللَّه ؟ قال: أية آية؟ قال: قلت: قول اللَّه : ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ (٢)، يا أبا سعيد فسخط اللَّه على هؤلاء بقولهم السحت وأكلهم السحت، وذمّ هؤلاء حيث لم ينهوا، فقال الحسن: يا عبد اللَّه إن القوم عرضوا على السيف، فحال السيف دون الكلام، قلت: يا أبا سعيد هل تعرف لمتكلّم فضلا؟ قال: ما أعرفه، ثم حدثنا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا لا يمنعنّ أحدكم هيبة الناس أن يقول بحقّ إذا رآه أو شهده؛ فإنه لا يقرّب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقال بحقّ أو يذكّر بعظيم" (٣)، ثم حدثنا حديثا آخر فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس لمؤمن أن يذلّ نفسه"، قيل:

стр. 1010

يا رسول اللَّه وما إذلال نفسه؟ قال: "يتعرّض من البلاء ما لا يطيق" (١)، قال: فقلت: يا أبا سعيد، فيزيد الضبّي حيث قام فتكلّم؟ فقال الحسن: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته؟ ، قال المعلى بن زياد: فأقوم من عند الحسن فإلى يزيد الضبّي من وجهي ذاك، فدخلت عليه فقلت: يا أبا مودود قد كنت عند الحسن آنفا فذكرتك له، فنصبتك له نصبا، قال: مه يا أبا الحسن، قال: قلت: قد فعلتُ، قال: فما قال الحسن؟ قلت: قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته تلك، قال يزيد: ما ندمت عليها وأيم اللَّه، لقد قمت مقاما أخطر على نفسي، ثم قال يزيد: أتيت الحسن ثلاث مرات فقلت: يا أبا سعيد غُلبنا على كل شيء، وعلى صلاتنا نغلب؟ قال جعفر: يعني فتنة الحجاج، قال: يقول الحسن: يا عبد اللَّه إنك لم تصنع شيئا، إنما تعرّض نفسك لهم، قال: فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب فقلت: الصلاة يرحمك اللَّه، قال: فجاءتني الزبانية فسعوا إليّ من كل جاليب فأخذوا تلبيي وأخذوا بلحيتي ويدي وكل شيء، وجعلوا يضربوني بنعال نفوسهم، قال: وسكت الحكم بن أيوب، وكدت أن أقتل دونه، قال: فمشوا بي إليه حتى إذا بلغوا باب المقصورة فتح، فأدخلت عليه، فقال: أمجنون أنت؟ فقلت: أصلحك اللَّه، ما بي من جنون، قال: أو ما كنا في صلاة؟ قلت: أصلحك اللَّه، هل كتاب أفضل من كتاب اللَّه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أن رجلا نشر مصحفه

стр. 1011

فقرأه غدوة حتى يمسي ولا يصلي فيما بين ذلك، كان ذلك قاضيا عنه صلاته؟ قال: فقال الحكم: واللَّه إني لأحسبنك مجنونا، قال: وأنس بن مالك جالس قريب من المنبر على وجهه خرقة خضراء، قال: قلت: يا أنس يا أبا حمزة أذكرك اللَّه؛ فإنك قد صحبت رسول اللَّه ﷺ وخدمته: الحقَّ قلت أم الباطل؟ قال: فلا واللَّه ما أجابني بكلمة، قال: يقول الحكم: يا أنس، قال: لبيك أصلحك اللَّه، قال: وقد كان فات ميقات الصلاة؟ ، قال: يقول أنس: قد كان بقي من الشمس بقيّة، قال: احبساه، قال: فحبست فذهب بي إلى الشمس، قال: فشهدوا أني مجنون، قال جعفر: إنما نجا من القتل بذلك، فكتب الحكم إلى الحجاج: أصلح الأمير، إن رجلا من بني ضبّة قام فتكلّم في الصلاة، قد قامت البيّنة العدول عندي أنه مجنون، قال: فكتب إليه الحجاج: إن كانت قامت البيّنة العدول عندك أنه مجنون فخلِّ سبيله، وإلا فاقطع يديه ورجليه ولسانه، قال جعفر: وأحسبه: واسمر عينيه. . . " (١).

стр. 1012

التحليل والتعليق تضمن أثر المعلى بن زياد بيان خطورة القيام على حكام الجور، وعدم جدواه، وأن غاية المرء منه أن يعرض نفسه للبلاء الذي قد لا يصبر عليه، وقد ذكر شيخ الإسلام أن ذلك من حكمة الشرع في النهي عن الخروج فقال: "إذا قال القائل: إن عليا والحسين إنما تركا القتال في آخر الأمر للعجز؛ لأنه لم يكن لهما أنصار، فكان في المقاتلة قتل النفوس، بلا حصول المصلحة المطلوبة، قيل له: وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع ﷺ في النهي عن الخروج على الأمراء" (١)، وذكر ابن القيم أن النهي عن الخروج: "سدا لذريعة الفساد العظيم، والشر الكبير بقتالهم، كما هو الواقع؛ فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة في تلك الشرور إلى الآن" (٢)، ولهذا ذكر حنبل أن الذين نهاهم الإمام أحمد عن الخروج: "لم يُحْمَدوا، ولم ينالوا ما أرادوا، اختفوا من السلطان وهربوا، وأُخذ بعضهم فحبس، ومات في الحبس" (٣)، وقال شيخ الإسلام: "الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته" (٤).

стр. 1013

المطلب السادس: الآثار الواردة في خوف العواقب السيئة المترتبة على الخروج . ٩٢١ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن أبي يزيد الرقي قال: قلت للفضيل بن عياض: "أرأيت إن رأيت شرطيا أو مسلحا أو سلطانا يظلم، أنهاه؟ قال: إن قدرت فافعل، قلت: أما الكلام. . . (١)، ولكن أخاف العاقبة، قال: إن قدرت على أن تدفع عن نفسك فتكلّم، من غير أن تدخل على أحد من المسلمين ضررا، ولا آمرك أن تتكلّم وتدخل على أهلك وجيرانك ومن يعرفك الخوف، وعسى أن يكون من جيرانك من ليست له (كذا) إلا من عمل يديه، فتدخل عليه الخوف فتضيع عياله، ولعل كلامك لا يكون منفعة للمسلمين، تلقي كلمة ثم تلقى بيدك فتوضع في عنقك فيصنع بك ما تقدم عليه" (٢). ٩٢٢ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن أبي زيد الرقي قال: قال الفضيل بن عياض: "إنما تأمر من يقبل منك، أرأيت إن لقيت سلطانا أكنت تقول له اتق اللَّه؟ لو قلت هذا لهلكت أهل بيتك ونفسك وجيرانك، ولكن احفظ نفسك وأَخف مكانك" (٣).

стр. 1014

التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان بيان خوف السلف من العواقب السيئة المترتبة على إظهار الإنكار على السلطان ونحوه، قال ابن رجب: "متى خاف على نفسه السيف، أو السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى، سقط أمرهم وفيهم، وقد نص الأئمة على ذلك، منهم: مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم. . . فإن خاف السب، أو سماع الكلام السيِّء، لم يسقط عنه الإنكار بذلك" (١)، قال الطبري: "اختلف السلف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة: يجب مطلقا. . .، وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر، لكن شرطه أن لا يلحق المنكر بلاء لا قبل له به، من قتل ونحوه، وقال آخرون: ينكر بقلبه. . . والصواب اعتبار الشرط المذكور" (٢)، هذا في خاصة نفسه، وفي اعتبار شرط عدم أذية غيره قال ابن رجب: "إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله، أو جيرانه، لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ، لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره" (٣)، وقال شيخ الإسلام: "يفرَّق بين

стр. 1015

ما يفعل في الإنسان ويأمر به ويبيحه، وبين ما يسكت عن نهي غيره عنه وتحريمه عليه، فإذا كان من المحرمات ما لو في عنه حصل ما هو أشد تحريما لم ينه عنه، ولم يبحه أيضا، ولهذا لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف؛ لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ما يحصل بذلك من فعل المحرمات، وترك واجب أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب" (١)، وقال: "قتال اللصوص ليس قتال فتنة؛ إذ الناس كلهم أعوان على ذلك، فليس فيه ضرر عام على غير الظالم، بخلاف قتال ولاة الأمور؛ فإن فيه فتنة وشرا عاما أعظم من ظلمهم، فالمشروع فيه الصبر" (٢)، وبيّن وجه ذلك فقال: "فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزما من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح، لم يكن مشروعا، وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من أهل الأهواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي أعظم فسادا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يدفع أدنى الفسادين بأعلاهما بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما" (٣).

стр. 1016

المطلب السابع: الآثار الواردة في الخوف من الانتكاس وعدم الصبر على الابتلاء بعد الخروج . ٩٢٣ - حدثنا علي بن الحسن، عن محمد بن إسحاق الموصلي قال: "وعظ سيار أبو تراب أميرا كان بالمدينة فحُبِس، فلما كان وقت الحج بعث إلى خالصة فكلمت له الوالي فخرج، فبلغ الخبران كلاهما الفضيل بن عياض قبل أن يجيء سيار، فلما قدم من مكة جاء الفضيل فلما رآه من قريب قال: هيه، وما عليك لو فاتك الحج، أما بلغك ما لقي يوسف ﵇ حين استشفع بغيره، قال: فصاح سيّار ثم انقلب، قال: وأصحاب الحديث عند الفضيل، فجعلوا يلحظونه بأبصارهم، قال الفضيل: أي شيء تنظرون إليه؟ فواللَّه لو خرجت نفسه لما عجبت منه" (١). ٩٢٤ - حدثني علي بن الحسن، عن الفيض بن إسحاق قال: سألت فضيل بن عياض عن الأمر والنهي قال: "ليس هذا زمان كلام، هذا زمان بكاء وتضرّع واستكانة، ودعاء لجميع أمة محمد ﷺ ، لو أوثقك في رجلك في هذه -وأشار إلى أسفل الركبة- جزعت ولم تصبر، ولو ابتليت لكفرت، قد ابتُلي قوم فكفروا من الشدّة" (٢).

стр. 1017

٩٢٥ - حدثني علي بن الحسن، عن أبي يزيد الرقي، عن فضيل بن عياض: "أنه سئل عن الأمر والنهي فلم يأمر بذلك، ثم قال: إن صبرت كما صبر الإسرائيلي فنعم، قيل: فكيف كما صبر الإسرائيلي؟ قال: كان ثلاثة نفر اجتمعوا فقالوا: إن هذا الرجل يفعل ويفعل -يعنون ملكهم- فقالوا: فيأتيه واحد منا فيخلو به في السر فيأمره وينهاه، فذهب واحد منهم فدخل عليه فأمره وفاه، فقال: لا أراك هاهنا، فأمر به فحبس، فبلغ الخبر الآخرين، فقالا: الآن وجب، فجاءه واحد منهما فقال: يا هذا جاءك رجل يأمرك وينهاك فأمرت به فحبس، فقال: ألا أراك صاحبه، أما إني لا أفعل بك ما فعلت به، فأمر به فضرب حتى مات، فجاء الخبر إلى الثالث، فقال: الآن وجبت، فأتاه فقال: يا هذا جاءك رجل فأمرك ونهاك فحبسته، وجاءك الآخر فضربته حتى قتلته، فقال: ألا أراك صاحبه، أما إني لا أصنع بك ما صنعت به، فأمر به فضرب وتدا في أذنه في الشمس، فحرّ الشمس من فوقه ومن تحته، وأرادوه على أن يتكلّم بشيء -أي شبه الاعتذار- إلى الملك فأبى، قال أبو القاسم -رجل من أصحاب الفضيل-: وأحدكم لو انتهر قال: جعلني اللَّه فداك" (١).

стр. 1018

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان خوف السلف من الانتكاس لمن تعرض لعقوبة السلطان بسبب قيامه عليه، وذلك أن سيف السلطان مشهور كما قال الإمام أحمد لمن سأله عن أمره ونهيه (١)، ولذلك تعيّن اتخاذ الوسائل التي يؤدّي فيها المسلم ما وجب عليه من الأمر والنهي دون تعريض نفسه إلى ما لا يطيق من البلاء، قال ابن عبد البر: "لا يلزم التغيير إلا من القوة والعزة والمنعة، وأنه لا يستحق العقوبة إلا من هذه حاله، وأما من ضعف عن ذلك فالفرض عليه التغيير بقلبه والإنكار والكراهة" (٢)، وقال القاضي عياض: "إن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرا أشد منه؛ من قتله، أو قتل غيره بسببه كفَّ يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غَيَّر بقلبه وكان في سعة. . . هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قُتِل، ونِيل منه كل أذى" (٣).

стр. 1019

المطلب الثامن: الآثار الواردة في ظلم الحكام عقوبة لا تستقبل بالسيف، بل بالتوبة والتضرع . ٩٢٦ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا موسى بن أيوب البجلي قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: قال حذيفة بن اليمان: "ما استخفّ قوم بحق اللَّه ، إلا بعث اللَّه عليهم من يستخفّ بحقّهم" (١). ٩٢٧ - حدثني محمد بن الحارث الخرّاز قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إن اللَّه إذا غضب على قوم سلّط عليهم صبيانهم" (٢). ٩٢٨ - أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: سمعت رجلا من أهل أصبهان يحدث عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "كتب أخو محمد بن يوسف إليه يشكو إليه جَوْر العمال، فكتب إليه (٣): يا أخي بلغني كتابك تذكر ما أنتم فيه، وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة، وما أرى ما أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب" (٤).

стр. 1020

٩٢٩ - حدثني أزهر بن مروان قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا هشام بن حسان قال: سمعت الحسن يقول: "إن الفتنة واللَّه ما هي إلا عقوبة من اللَّه تحل بالناس" (١). ٩٣٠ - حدثني علي بن الحسن، عن الفيض بن إسحاق قال: سألت فضيل بن عياض عن الأمر والنهي قال: "ليس هذا زمان كلام، هذا زمان بكاء وتضرّع واستكانة، ودعاء لجميع أمة محمد ﷺ ، لو أوثقك في رجلك في هذه -وأشار إلى أسفل الركبة- جزعت ولم تصبر، ولو ابتليت لكفرت، قد ابتُلي قوم فكفروا من الشدّة" (٢). ٩٣١ - أخبرني علي بن مسلم قال: أخبرنا سيار قال: أخبرنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: سمعت الحسن يقول: "إن الحجاج عقوبةٌ من اللَّه لم تكُ، فلا تستقبلوا عقوبة اللَّه بالسيف، ولكن استقبلوها بتوبة وتضرّع واستكانة، وتوبوا تكفوه" (٣).
следующие страницы →