التسبيحِ في السجودِ، ومِثلُه الركوعُ، على قولَيْنِ للفقهاءِ، هما روايتانِ عن أحمدَ:
الأولى: الوجوب؛ وهو قولُ داودَ، وهو مذهبُ الحنابلةِ، ورجَّحه جماعةٌ من محقِّقي المذهبِ، وقال به داودُ؛ وذلك لِما رواهُ أحمدُ وأبو داودَ؛ مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ ﵁؛ قال: لمَّا نزلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و ٩٦، والحاقة: ٥٢]، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (اجْعَلُوهَا فِي رُكوعِكم)، فلمَّا نزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: (اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ) (١)، وحمَلُوا الأمر الواردَ في الحديثِ على الوجوبِ.
الثانيةُ: الاستحبابُ؛ وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ لم يعلِّمْهُ المُسِيءَ في صلاتِه، وما عَلَّمَهُ إلَّا ما تصحُّ به الصلاةُ.
وحديث عُقبةَ متكلَّمٌ فيه، يَرويهِ موسى بنُ أيوبَ، عن عمِّه إياسِ بنِ عامرٍ، عن عُقْبةَ، وإياسٌ مستورٌ قليلُ الحديثِ لا يُعرَفُ راوٍ عنه غيرُ ابنِ أخيه، وموسى في حديثهِ المرفوعِ عن عمِّه كلامٌ؛ فقد ضعَّف ابنُ مَعِينٍ حديثَهُ المرفوعَ عن عمِّه (٢).
ثمَّ أيضًا فإنَّ قولَهُ تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] في سورة الأعلى، وقولَه تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و ٩٦، والحاقة: ٥٢] في سورةِ الواقعةِ والحاقَّةِ، وهذه السَّوَرُ الثلاثُ مكيَّةٌ، وتقييدُ الأمرِ بها عندَ نزولها دالٌّ على أنَّ الوجوب كان بمَكَّةَ، ومِثلُ هذه الأذكارِ وجنسُ هذه الواجباتِ مِن الأقوالِ في الصلاةِ: لم يُفرَضْ إلَّا في المدينةِ، ولو كان فرضًا قديمًا لاشتهَرَ فرضُه، وتمَّ تعليمُهُ الناسَ مع تعليمِ الصلاةِ لكلِّ أحدٍ.
стр. 1962
وأمَّا التسبيحُ الواردُ في السجودِ الذي أُشِيرَ إليه في الآيةِ، فقد جاء عن النبيِّ ﷺ في صِيَغٍ، منها ما يَشترِكُ فيه الركوعُ والسجودُ، ومنها ما ينفرِد به السجودُ؛ ومِن ذلك:
- ما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديث عائشةَ ﵂؛ قالت: كان النبيُّ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)؛ يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ (١).
- ومنها: ما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبِّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ) (٢).
- ومنها: عندَه مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا سَجَدَ، قال: (اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدتُّ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ) (٣).
- ومنها: ما في "المسنَدِ"؛ من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: بِتُّ عندَ خالتي مَيْمُونةَ؛ قال: فانتبهَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مِن اللَّيْلِ، فذكَرَ الحديثَ، وفيه قال: ثمَّ ركعَ، قال: فرأَيْتُهُ قال في ركوعِهِ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)، ثمَّ رفَعَ رأسَهُ، فحَمِدَ اللَّهَ ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يَحْمَدَه، قال: ثمَّ سجَدَ، قال: فكان يقولُ في سُجُودِه: (سبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى)، قال: ثمَّ رفَعَ رأسَهُ، قال: فكان يقولُ فيما بينَ السَّجْدَتَيْنِ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي) (٤).
منهم قَلْبَيْنِ يَفهَمُ بهما أعظَمَ مِن النبيِّ ﷺ ، ومن أَشَدِّ صوارفِ أهلِ الضلالِ عن الحقِّ دَعْوَى الفَهْمِ بالوَهْمِ، فما يزالُ يَتوهَّمُ أنَّه يُدرِكُ ما لا يُدرِكُه غيرُه، وتَغُرُّه نفسُه؛ حتى يُختَمَ له بُسوءٍ، فإنَّ النَّفْسَ إنْ أرادتْ صَرْفَ الإنسانِ عن الحقِّ، وَهَّمَتْهُ أنَّ عقلَهُ خيرٌ مِن أتباعِ الحقِّ؛ لتُسَلِّيَهُ وتُبْقِيَهُ على الباطلِ، فالنَّفْسُ لا تَقْوى على العقلِ إلَّا بخداعِه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، فيه: إبطالٌ لطلاقِ الجاهليةِ الذي كانوا يَضُرُّونَ به المرأةَ، فيُظاهِرُونَ منها ويُحرِّمونَها عليهم كأمَّهاتِهم، وسيأتي الكلامُ على الظِّهارِ وأحكامِهِ في سورةِ المجادَلَةِ بإذنِ اللَّهِ.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: كانتِ العربُ تتبنَّى الولدَ وتسمِّيهِ باسمِها، فينتسِبُ كأولادِهم من أصلابِهم، ويَرِثُونَ منهم كأبناءِ النَّسَبِ، ويُصبحُ مَحْرَمًا كمَحَارِمِ الأولادِ، فأبطَلَ اللَّهُ ذلك كلَّه، وبيَّن أنَّ تلك ألفاظٌ يُطلِقونَها عليهم (يا بُنَيَّ)، وليستْ مِن الحقِّ في شيءٍ، ولا أثَرَ لها في الأحكامِ.
وقد حرَّم اللَّهُ على الرجُلِ أنْ يَنسُبَ لِنَفسِهِ ولدًا ليس ولدًا له، وحرَّم على الولدِ أن ينتسبَ إلى أبٍ ليس أبًا له، وشدَّد في ذلك فجعَلَهُ كبيرةً؛ لاستحقاقِه اللعنَ، ولأنَّه مِن كُفْرِ النعمةِ ونُكْرانِ الفضلِ وجَحْدِه، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ قال ﷺ : (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) (١)، وفيهما مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، فَهُوَ كُفْرٌ) (٢)، وفي مسلمٍ؛ مِن حديث عليٍّ مرفوعًا: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى
стр. 1965
غَيْرِ مَوَاليِهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ؛ لَا يقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (١).
وقد أمَر اللَّهُ بنداءِ الناسِ بأَنْسَابِهم الصحيحةِ، ومَنْ جُهِلَ نَسَبُهُ فيُدْعَى بالأُخوَّةِ الإيمانيَّةِ أو النداءِ بالمَوْلَى؛ كما قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
وعفا اللَّهُ عمَّا جَرى على اللِّسَانِ مِن غيرِ قصدٍ للمعنى، ولكنَّ الإثمَ بالقصدِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
* * *
* قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦].
في هذا: عِظَمُ حقِّ النبيِّ ﷺ على المؤمنينَ، وأنَّه أَوْلَى منهم بأنفُسِهم، فيجبُ طاعُتهُ وتعظيمُهُ فوقَ كلِّ طاعةٍ وإجلالٍ لكلِّ مخلوقٍ، وإنْ أمرَهم بشيءٍ يُخالِفُ أهواءَهم وما يَرْغَبونَ، فيجبُ عليهم طاعتُه؛ لأنَّه أَولى بهم مِن أنفُسِهم.
وذِكْرُ هذه الآيةِ بعدَ الآيةِ السابقةِ في تحريمِ أُبُوَّةِ غيرِ النَّسَبِ تنبيهٌ على أنَّ ما كان مِن أبوابِ الإجلالِ -كأنْ يقولَ الرجُلُ لأحدٍ: والدُنا؛ إجلالًا، والسامعُ يَعلَمُ قصدَ الإجلالِ- أنَّ ذلك جائزٌ؛ ولهذا قال في هذه
стр. 1966
الآيةِ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾؛ يعني: لَسْنَ أُمَّهاتِ رَحِمٍ؛ ولكنَّهُنَّ أُمَّهاتُ إجلالٍ وإكرامٍ.
أُمَّهَاتُ المؤمنينَ ومَقامُهُنَّ:
قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾؛ فكلُّ زوجةٍ للنبيِّ ﷺ ، فهي أمَّ للمؤمنينَ؛ لعمومِ الآيةِ، على خلافٍ عندَ الفقهاءِ في حدِّ ذلك، وقد ذهَبَ الشافعيُّ: إلى أنَّ كلَّ زوجةٍ له: أمٌّ للمؤمنينَ ولو طلَّقَها، وبعضُهم خَصَّ أمَّهاتِ المؤمنينَ بالمدخولِ بِهِنَّ؛ وهو قولُ إمامِ الحَرَمَيْنِ.
وقد رُوِيَ أنَّ الأشعثَ بنَ قَيْسٍ نكَحَ المُستعيذةَ في زمنِ عمرَ ﵁، فهَمَّ برَجْمِه، فأخبَرَه أنَّها لم تكنْ مدخولًا بها، فكَفَّ عنه، وفي روايةٍ: أنَّه هَمَّ برَجْمِها، فقالتْ: ولِمَ هذا وما ضُرِبَ عَلَيَّ حجابٌ، ولا سُمِّيتُ للمُسْلِمينَ أُمَّا؟ ! فكَفَّ عنها (١).
ورُوي كذلك عن ابنِ عباسٍ مِثلُه مع أسماءَ بنتِ النُّعمان (٢).
وإنَّما أخَذْنَ الأمُومةَ مِن أُبُوَّتِهِ ﷺ ؛ فهو أبو المؤمنينَ؛ كما جاء في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ في هذه الآيةِ؛ قال: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبُوهُمْ) (٣)، والأنبياءُ آباءٌ للمؤمنينَ أبوَّةً دينيَّةً؛ كما قال تعالى عن إبراهيمَ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وحُرمةُ النبيِّ كحُرْمةِ الوالدِ وأعظَمُ.
وإنَّما سُمِّيَت أزواجُ النبيِّ ﷺ بـ (أُمَّهَاتِ المؤمنينَ)، ولم يُسَمَّ النبيُّ ﷺ بـ (أبي المؤمنينَ)، مع أنَّ أُمُومَتَهُنَّ منه؛ لأنَّ الرجلَ يُسمَّى
стр. 1967
بأعظَمِ أوصافِهِ وأشرفِها؛ فأشرفُ الأسماءِ والأوصافِ هو النبوَّةُ، وأشرفُ أوصافِ أزواجِهِ هو أمَّهاتُ المؤمِنِين، وعندَ نِدائِهِ يُسمَّى بأشْرفِها وأَسْمَاها، وإن جاز أَدْناها اعتراضًا لا الْتِزَامًا.
وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، فالمرادُ به تحريمُ الانتسابِ إليه أُبُوَّةَ نسَبٍ؛ فقد كان هناك مَن يَنْتسِبُ إليه بالتبنِّي، وقد كان النبيُّ ﷺ قد تبنَّى قبلَ النبوَّةِ زيدَ بنَ حارثةَ، فلم يكنْ أباه، وإن كان قد تبنَّاه.
وفي هذه الآيةِ: تحريمُ نكاحِ أمَّهاتِ المؤمنينَ بعدَ النبيِّ ﷺ بلا خلافٍ؛ فلا يجوزُ للرجُلِ أن يتزوَّجَ أمَّه.
وبعضُ الفقهاءِ يَرى أنَّ الخِطابَ للذكورِ مقصودٌ في قولِه: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ , وأنَّهُنَّ أمَّهُاتُ رجالِ المؤمنينَ لا نسائِهم، وفي هده المسألةِ خلافٌ.
وقد رَوَى مسروقٌ؛ قال: قالتِ امرأةٌ لعائشةَ: يا أُمَّهْ، فقالتْ لها عائشةُ: "أنا أمُّ رجَالِكم، ولستُ أُمَّ نِسَائِكم"؛ رواهُ ابنُ سَعْدٍ والبيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ (١).
ورَوى ابنُ سعدٍ، عن مصعبِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أميَّةَ، عن أمِّ سَلَمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، أنَّها قالتْ: "أنا أَمُّ الرِّجالِ منكم والنِّساءِ" (٢).
والأظهرُ: العمومُ، وأنَّهُنَّ أمَّهاتُ المؤمنينَ رجالًا ونساءً؛ لأنَّهُنَّ أَحَذْنَ أمومتَهُنَّ مِن أُبوَّتِه ﷺ ، وأبوَّتُهُ هي للمؤمنينَ كافَّةً، وقراءةُ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ) (٣) إشارةٌ إلى ذلك، ولعلَّ مرادَ
стр. 1968
عائشةَ بقولها: "أنا أمُّ رجالِكم": أنَّ الحُرْمةَ مع الرِّجالِ أعظَمُ وأشَدُّ مِن جهةِ النِّكاحِ وميلِ القلبِ والطمعِ فيهنَّ، بخلافِ النِّساءِ؛ فهذا ليس موجودًا فِيهِنَّ.
وقولُه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: هذه الآيةُ ناسخةٌ لكلِّ ما كانتْ تفعلُهُ العربُ مِن التوريثِ بالتبنِّي والمؤاخاةِ والحِلْفِ، وأنَّ المِيرَاثَ يكونُ لأُولِي الأرحامِ بحَسَبِ مَرَاتبِهم المذكورةِ، وقد تقدَّم الكلامُ على شيءٍ مِن ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء: ٣٣]
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ جوازُ فعلِ المعروفِ لِمَنْ يُوَالُونَهم، ويُحْبَوْنَ في حالِ الحياةِ بالهديَّةِ والعطيَّةِ والصَّدَقةِ، ولكنْ لا يدخُلُونَ في الميِرَاثِ بعدَ الموتِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
في هذه الآيةِ: حثٌّ على الاقتداءِ بالنبيِّ ﷺ ، والتأسِّي بفعلِه؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ معصومٌ في قولِه وفعلِه، ويُشرَعُ التأسِّي بهَدْي جميعِ الأنبياءِ؛ كما قال تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال اللَّهُ عن إبراهيمَ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
стр. 1969
[الممتحنة: ٤]، وكلُّ ما استَثْنَتْهُ نبوَّةُ النبيِّ ﷺ مِن أفعالِ الأنبياءِ، فهو دلِيلٌ على نسخِه، وأعظَمُ التأسِّي يكونُ بالاقتداءِ بفعلِ النبيِّ ﷺ .
أنواعُ أفعالِ النبيِّ ﷺ -:
وأفعالُ النبيِّ ﷺ على أنواعٍ:
النوعُ الأولُ: أفعالُ عبادةٍ؛ وهي الأصلُ في أفعالِ النبيِّ ﷺ ، فالأصلُ فيما ورَدَ عنه مِن ذلك أنَّه تشريعٌ ويُتأسَّى به فيه، وما لم يكنْ تشريعًا تعبديًّا، فهو مِن الأفعالِ الحسنةِ التي لا تكونُ مذمومةً بحالٍ؛ فقد اختار اللَّهُ لنبيِّه أحسَنَ الأفعالِ، كما اختار له أحسَنَ الحديثِ.
وما كان مشتبِهًا مِن فعلِهِ وتردَّدَ: هل هو عبادةٌ أو عادةٌ؟ ولا مرجِّحَ بينهما، فيُلحَقُ بأصلِه، وهو التعبُّدُ.
النوعُ الثاني: أفعالُ عادةٍ؛ وهي ما يفعلُها النبيُّ ﷺ على ما اعتادَهُ الناسُ مؤمِنُهم وكافِرُهم، ولم يَخُصَّ ذلك الفعلَ بتأكيدٍ وحثٍّ عليه بالقولِ؛ وذلك مِثلُ لُبْسِهِ العِمَامةَ والإزارَ والرِّداءَ والقميصَ، ورُكُوبِهِ الدوابَّ، فهذا الأصلُ فيه الاشتراكُ مع الناسِ المؤمِنِ والكافِرِ، ولم يَختَصَّ به المؤمنونَ عن غيرِهم؛ فحينئذٍ يُقالُ بأنَّه عادةُ الناسِ، لا سُنَّةٌ وعبادةٌ.
وأمَّا ما فعَلَهُ النبيُّ ﷺ ممَّا كان الناسُ يفعلونَهُ مؤمِنُهم ومشرِكُهم، ولكنَّه حَثَّ عليه بالقولِ، فهذا تشريعٌ وعبادةٌ، وذلك كتشميرِ الإزارِ ورفعِهِ فوقَ الكعبَيْنِ؛ وذلك أنَّه مِن عادةِ العربِ تشميرُ الأُزُرِ؛ وذلك أنَّهم يرَوْنَهُ علامةً على القوةِ وتركِ النعومةِ والدَّعَةِ، وكانوا يَمْدَحونَ فاعِلَ ذلك؛ كما قال الشاعرُ:
стр. 1970
كَمِيش الإِزَارِ خَارجٌ نِصْفُ سَاقِهِ … صَبُورٌ عَلَى الضَّرَّاءِ طَلَّاعُ أَنْجُدِ (١)
ويقولُ الآخَرُ:
وَكُنْتُ إِذَا جَارِي دَعَا لِمَضُوفَةٍ … أُشَمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي (٢)
ولكنَّ النبيَّ ﷺ فعَلَ ذلك ورفَعَ إزارَه، وأمَرَ بذلك بقولِه؛ فخرَجَ عن كونِه عادةً إلى كونِه عبادةً؛ كما قال ﷺ : (مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ)؛ رواه البخاريُّ (٣).
وعن أبي ذَرٍّ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِمْ وَلَا يُزَكيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا! مَن هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفَّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)؛ رواهُ مسلمٌ) (٤).
وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ﵄؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: (بَيْنَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ، إِذْ خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ بَتَجَلَّلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)؛ رواهُ البخاريُّ (٥).
النوعُ الثالثُ: أفعالُ الجِبِلَّةِ: وهي ما يُجبَلُ عليها الانسانُ ويُطبَعُ؛ مِن لَوْنِه وخِلْقَتِه، وطُولِه وضخامتِه، ويَلحَقُ بذلك ما لا يَتكلَّفُهُ الإنسانُ
стр. 1971
مِن صفةِ مشْيَتِه؛ فإنَّ الإنسانَ يُطبَعُ على ذلك ويُجبَلُ ولا يَتكلَّفُهُ ولا يكتسِبُهُ؛ فهذا لا يُمدَحُ الإنسانُ بفعلِهِ وتكلُّفِهِ لو قدَرَ عليه.
ومِن ذلك: مِشْية النبيِّ ﷺ ففي مسلم؛ مِن حديثِ أنسٍ؛ قال: "كان رسولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَفَهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا مَشَى، تَكَفَّأَ" (١).
وفي الحديثِ الآخَرِ: "أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَشى، تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ"؛ رواهُ أحمدُ والتِّرمذيُّ، مِن حديثِ عليٍّ (٢).
ومَن نظَرَ في فقهِ الصحابةِ ﵃، وجَدَ أنَّهم يُكثِرونَ مِن ذِكْرِ أفعالِ النبيِّ ﷺ التعبُّديَّةِ، ويذكُرونَها في سياقِ الاقتداءِ, وأمَّا بقيةُ أفعالِهِ كأفعالِ العادةِ والأفعالِ الجِبليَّةِ، فلا يذكُرونَها إلَّا اعتراضًا وفي سياقِ الوصفِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾ [الأحزاب: ٢٦].
لمَّا اجتمَعَتِ الأحزابُ ضدَّ النبيِّ ﷺ لقتالِه، قام اليهودُ مِن بني قُرَيْظَةَ بمظاهَرةِ أولئك وإعانتِهم على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فنقَضُوا عَهْدَهم الذي كان مع النبيِّ ﷺ .
وقد ذكَرَ اللَّهُ إنزالَ بني قُرَيظَة ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، وهي حصونُهُمْ، لإعانةِ المشركينَ؛ مِنَّةً منه؛ ليَكشِفَ شدةَ ما تُكِنُّهُ صدورُهم مِن حقدٍ وبغضاءَ وتربُّصٍ وتحيُّنٍ للفُرَصِ لقتلِ المؤمنين؛ وفي هذا أنَّ اللَّه يُنزِلُ الشدائدَ في الأمَّةِ، وفي رَحِمِها مِنَنٌ وخيرٌ لهم.
стр. 1972
وقولُه: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾؛ يعني: صارُوا لهم ظهيِرًا؛ كالظَّهْرِ مِن خَلْفِ الإنسانِ يقومُ به ويُسنِدُه.
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ مِن ظاهَرَ العدوَّ على المُسلِمينَ، أخَذَ حُكْمَهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فقتَلَ النبيُّ ﷺ رجالَ بني قُرَيْظَةَ لأجلِ ذلك، وسَبَى نساءَهم وذَرَارِيَّهم.
وبنو قُرَيْظةَ لم يُقاتِلوا النبيَّ ﷺ ؛ وإنَّما كانوا ظهرًا لقريشٍ، فأخَذُوا حُكْمَهم؛ فإنَّ مَن قاتَلَ مواجَهةً، أو كان ظهيرًا لِمَنْ قاتَلَ المُسلِمينَ، فإنَّه يأخُذُ حُكْمَهم في جوازِ قتالِه، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ المظاهِرينَ والحُلَفاءِ للأعداءِ مِن نَقَضَةِ العهودِ مِن المعاهَدينَ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ (٤)﴾ [التوبة: ٤].
* * *
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩].
أمَر اللَّهُ نبيَّه أَنْ يُخيِّرَ أزواجَهُ بين اختيارِه وبين اختيارِ الحياةِ الدُّنيا والنعيمِ فيها والتلذُّذِ بلَذَّاتِها؛ وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَبعَثْهُ اللَّهُ ليتنعَّمَ في
الأنبياءِ الكفرَ كنُوحٍ ولُوطٍ، ولكنَّه سبحانَهُ لم يقدِّرِ العَهْرَ على امرأةِ نبيٍّ؛ لأنَّ الشرفَ والعَهْرَ يتعدَّى إلى النَّسَبِ.
وفي هذا: عِظَمُ منزلةِ القدوةِ على غيرِهِ في وجوبِ احتياطِهِ واحتياطِ أهلِ بيتِه؛ وذلك كلَّما كان قدوةً في قومِهِ وبلدِه، كان أَولى بالاحتياطِ مِن غيرِه.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾؛ يعني: لا تُرَفِّقْنَهُ ولو كان ذلك عن حُسْنِ قصدٍ؛ فإنَّ النهيَ ليس لأَجْلِهِنَّ فقطْ، بل لأجلِ السامعينَ، فيَمِيلُ مَن في قلبِهِ طمعٌ ومرضٌ إِليْهِنَّ؛ فيَتَسَبَّبْنَ في إهلاكِه.
وقولُه: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؛ يعني: مِن الخيرِ الذي لو سَمِعَهُ الناسُ، ما استنكَرُوهُ، فيكونُ كلامُهُنَّ مع الواحدِ ككلامِهِنَّ مع الجماعةِ في خيرِهِ وعفافِه.
ومِن علامةِ الكلامِ المباحِ الذي يجوزُ للمرأةِ أنَّ تتكلَّمَهُ مع الرجلِ الأجنبيِّ: أن تتكلَّمَ بكلامٍ لو سَمِعَهُ الناسُ منها معه، ما استنكَرُوهُ وهُ ولم تَسْتَحْي هي منه، فيَعرِفُهُ الناسُ ولا يستنكرونَه، وهكذا ينبغي أنَّ تكونَ العفيَفةُ في خِطَابِها إنِ احتاجتْ إلى رجلٍ لا يسمعُها أحدٌ: أن تُخاطِبَة بحديثٍ لو سَمِعَهُ زوجها وولدُها والناسُ، لم يستنكِروه، ولَعَدُّوهُ معروفًا.
وفي قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ جعَلَ الطمعَ في الرجلِ، مع احتمالِ ورودهٍ مِن جنسِ المرأةِ عامَّةً؛ وذلك تعظيمًا للنبيِّ ﷺ وتطهيرًا لنسائِه مِن أنْ يُظَنَّ بهنَّ ظَنُّ السَّوْءِ، ولبيانِ خَصوصيَّةِ الرجالِ بالجَسَارةِ والميلِ أكثَرَ مِن النساءِ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، أمَرَهنَّ بالقَرَارِ في البيوتِ وعدمِ الخروجِ إلَّا لحاجةٍ، ونَهاهُنَّ عن تبرُّجِ
стр. 1975
الجاهليَّةِ مِن الاختلاطِ بالرجالِ، وإظهارِ المَفاتِنِ بالسُّفُورِ، ووصَفَ ذلك بأنَّه جاهليَّةٌ لا عن عِلْمٍ وصلاحٍ.
وقد ذكَرَ بعضُ المفسِّرينَ كمُقاتلِ بنِ حَيَّانَ (١): أنَّ تبرُّجَ الجاهليَّةِ الأُولى -قَبلَ وجودِ العربِ- الذي نَهى اللَّهُ عنه في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: أنَّهنَّ كُنَّ يُلقِينَ الخِمارَ على رُؤُوسِهنَّ ولا يَشْدُدْنَهُ، ومع ذلك نَهى اللَّهُ عنه، وشَدَّدَ عليه، وذكَرَهُ مثالًا لفعلٍ سَوْءٍ، وقد جاء عن بعضِ السلفِ كابنِ عبَّاسٍ (٢) وغيرِه: أنَّ تبرُّجَ الجاهليَّةِ الأُولى كان بينَ نوحٍ وإدريسَ، ولو كان هناك تبُّرجٌ عامٌّ في التاريخِ بعدَهُ أسوأُ منه، لذكَرَه اللَّهُ مثالًا.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أمَرَ اللَّهُ أمَّهاتِ المؤمنينَ بإقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، وطاعةِ اللَّهِ ورسولهِ؛ لبيانِ أنَّ العفافَ لا يكمُلُ إلَّا بعبادةٍ وطاعةٍ للَّهِ ورسولِه.
وفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الحِجابَ والعفافَ فِطْرةٌ، وما لم يُقرَنْ بعبادةٍ مِن صلاةٍ وزكاةٍ وغيرِ ذلك، فإنَّه يكونُ عادةً يسهُلُ تحوُّلُها؛ ولهذا أمَرَ اللَّهُ أمَّهاتِ المؤمنينَ ونساءَهم بالعبادةِ مع العفافِ، وكثيرٌ مِن البُلْدانِ التي طَرَأت عليها عاداتٌ فاسدةٌ مِن تبرُّجٍ وسفورٍ تَرى أنَّه ينسلِخُ مِن الحِجَابِ فيها نِسَاءُ العاداتِ، ويثبُتُ نِسَاءُ العبادات، وهذا نظيرُ إعفاءِ اللِّحَى؛ فقَد كانَتِ الرِّجالُ تَراهُ فِطرَةً، وجاءَ الإسلامُ العَرَبَ وهو يُعْفُونَ لِحَاهُم عادةً لا عبادةً، ولم تَكُنِ اللِّحَى علامَةً على دِيَانَةٍ؛ لأنَّها أصلٌ للمؤمِنِ والكافِرِ والصالِحِ والفاسِقِ، حتى اختَلَطَ العَرَبُ بالعَجَمِ؛ فتأَثَّرُوا بِهِم، فزالَتْ لِحَى العُرُوبَةِ؛ لأنَّها (عادةٌ)، وبَقِيَتْ لِحَى الإسلامِ لأنَّها (عِبادةٌ)، فأصبَحَتْ عندَ المتأَخِّرِينَ علامَةً على الدِّيانةِ، بخلافِ السابِقِينَ؛
стр. 1976
فإنَّما هي شُعبةٌ مِن شُعَبِ الإيمانِ ليسَتْ وحدَها علامَةً على شيءٍ.
عمومُ أصلِ الخِطَابِ بالحِجَابِ وخَصُوصيَّةُ نساءِ النبيِّ ﷺ -:
والخِطابُ في هذه الآيةِ وما قبلَها وما بعدَها وإنْ كان موجَّهًا لأمَّهاتِ المؤمنينَ، إلَّا أنَّه عامٌّ يشترِكُ معَهُنَّ فيه في عمومِ الحُكْمِ بقيَّةُ النِّساءِ؛ ولكنَّ نساءَ النبيِّ أشَدُّ وأعظَمُ تأكيدًا؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ يعني: أنَّ أصلَ العذابِ مشتَرَكٌ؛ ولكنَّ الفَرْقَ تضعيفُ الحُكْمِ وتشديدُه، ومِثلَ ذلك قالَهُ في الثوابِ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]؛ يعني: أنَّ هناك ثوابًا مشتَرَكًا مع بقيةِ النِّساءِ؛ ولكنْ لَهُنَّ الثوابُ مضاعَفٌ.
وبيانُ عمومِ أصلِ الحُكْمِ في هذه الآياتِ، واشتراكِ عمومِ نساءِ المؤمنينَ به - مِن وُجُوهٍ:
أولًا: أنَّ القرآنَ عامٌ للناسِ بجميعِهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]؛ أي: مَن يَبْلُغُهُ ما فيه ممَّن يجيءُ بعدَكم، فهو حُجَّةٌ عليه، والعِبْرةُ بعمومِ حُكْمِه، وإنْ تمَّ تخصيصُ الخِطَابِ لأعلى البشرِ، وهم الأنبياءُ، فضلًا عن آحادِ الصحابةِ وأزواجِ الأنبياءِ؛ لقولهِ ﷺ كما في "صحيحِ مسلمٍ": (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ، بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ) (١)، فإذا كان خِطابُّ الأنبياءِ الواردُ في القرآنِ المخصوصونَ به عامًّا لأهلِ الإيمانِ، فكيف بخِطَابٍ توجَّهَ لِمَنْ هو دونَهم؟ ! فإذا دخَلَ المؤمنونَ في خِطابِ الأنبياءِ، فدخولُ النِّساءِ في خِطاب أمَّهاتِ المؤمنينَ أَوْلى.
ثانيًا: أنَّ تخصيصَ القرآنِ لأحدٍ بعينِهِ لمزيدِ اهتمامٍ فيه، وأنَّه أَولى بالاتِّباعِ مِن غيرِه، والخَصُوصِيَّةُ لا تثبُتُ إلَّا بدليلٍ زائدٍ عن مجرَّدِ
стр. 1977
الخِطابِ؛ كما هي عادةُ القرآنِ في خصائصِ النبيِّ ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢].
ثالثًا: أنَّ آيةَ الحِجَابِ جاء معها في الخِطَابِ نفسِه أوامرُ أُخرى: ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ -يعني: يا أزواجَ النبيِّ- ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]؛ فالذِّكْرُ ليس خاصًّا بهنَّ، فلو قيل بالخَصُوصِيَّةِ، لم يُشرَعْ ذِكرُ ما يُتْلَى في بيوتِهِنَّ مِن القرآنِ والسُّنةِ إلَّا لأزواجِه! مع أنَّ هذه الآيةَ أظهَرُ في الخَصُوصيَّةِ؛ حيثُ قال: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وأمَّا في آيةِ الحِجابِ الآتيةِ، فقال: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فما قال: (حِجَابِكُنَّ) كما هنا ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، وهل يُفهَمُ مِن هذا التخصيصِ الزائدِ: ألَّا يَدخُلَ فيه تلاوةً الآياتِ والحِكْمةِ في بيوتِ غيرِكُنَّ، ولا تلاوةً غيرِكنَّ في بيوتِهنَّ وبيوتِ غيرِهنَّ؟ ! وهذا لا يُقالُ به، ولا يَلتزِمُهُ مَن يقولُ بخَصُوصيَّةِ الحِجَابِ، مع أنَّه في نفسِ الآياتِ ونفسِ السِّياقِ.
رابعًا: ما أجمَعَ عليه العلماءُ: أنَّ الأحكامَ تدورُ مع العللِ والمقاصدِ مِن التشريعِ؛ فاللَّهُ تعالى قال هنا: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، وقال في آيةِ الحجابِ مخاطِبًا الصحابةَ: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، والعلةُ موجودةٌ في عمومِ الجنسَيْنِ على اختلافِ مَرَاتبِهم، ثمَّ ما الشيءُ الذي يُريدُ اللَّهُ إبعادَهُ مِن قلوبِ الصحابهِ وأمَّهاتِ المؤمنينَ، ولا يُوجَدُ عندَ بقيَّةِ النساءِ وبقيِةِ الرجالِ؛ إذا التقَوْا في المَجالسِ والبيوتِ والتعليمِ؟ ! وما الشيءُ الذي يَجِدُهُ الصحابةُ تُجَاهَ أمَّهاتِهِمْ أمَّهاتِ المؤمنينَ ولا يجدونَهُ في بقيةِ النساءِ؟ ! فإذا كان الحجابُ أطهَرَ لقلوبِهم، فمَنْ بعدَهم أحوَجُ إلى هذه الطهارةِ.
خامسًا: أنَّ اللَّهَ قال: ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾، فجعَل طهارةَ قلوبِ الصحابةِ مَطْلَبًا بذاتِهِ؛ وهذا يحصُلُ في جميعِ النساءِ، بل هو في غيرِ
стр. 1978
أمَّهاتِ المؤمنينَ أكثَرُ؛ لأنَّ نظرَ الصحابةِ لأمَّهاتِ المؤمنينَ نظرُ إجلالٍ وتعظيمٍ وتوقيرٍ.
سادسًا: أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ لا يُتصوَّرُ خَصُوصيَّةُ أمَّهاتِ المؤمِنِينَ به، فيُقالُ: إنَّه يجوزُ لغيرِهِنَّ أنْ يتبرَّجْنَ تبرُّج الجاهليَّةِ الأُولى، وأمَّا أمَّهاتُ المؤمنينَ، فيحرُمُ، والحقُّ أنَّه محرَّمٌ في حقِّ الجميع؛ ولكنَّ أمَّهاتِ المؤمنينَ أشَدُّ في التحريمِ.
سابعًا: أنَّ الصحابيَّاتِ اعتَدْنَ على تتبُّعِ أمَّهاتِ المؤمِنِينَ؛ فما فَعَلْنَهُ يَرَيْنَهُ تشريعًا لهنَّ مِن بابِ أَولى؛ كما جاء في "الصحيحَيْنِ"، عن عمرَ؛ أنَّ زوجتَهُ راجَعتْه، فقالتْ له محتجَّةً بأُمَّهاتِ المؤمنينَ: "مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ ! فَوَاللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيَّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ! " (١).
ثامنًا: أنَّ اللَّهَ يخصَّصُ في بعضِ السياقاتِ الأنبباءَ والصحابةَ تنبيهًا إلى دخولِ غيرِهم مِن بابِ أَوْلى في الحُكْمِ، وهذا أسلوبٌ شرعيٌّ كثيرٌ في الأحكامِ؛ تنبيهًا إلى أنَّه لمَّا دخَلَ الأعظمُ والأجلُّ، فغيرُهُ أَولى؛ لهذا قال ﷺ في بيانِ الحدودِ: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا) (٢)، وقال في تحريمِ الرِّبا: (أَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) (٣)، وقال في تحريم دماءِ الجاهليَّةِ: (إِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) (٤)، وربيعةُ ابنْ عمِّ النبيِّ ﷺ .
تاسعًا: لو قُلْنا بالخَصُوصيَّةِ، فخَصُوصيَّةُ النبيِّ ﷺ مِن بابِ أَولى
стр. 1979
في المواضعِ التي يَتوجَّهُ الخِطَابُ إليه لمَزِيَّةٍ له ليستْ في أحدٍ مِن الأتباعِ، فالآياتُ التي يُخاطَبُ بها النبيُّ عامَّةٌ له ولغيرِه، مع كونِ الخِطاب خاصًّا به ليس بمشتَرَكِ بالمقابَلَةِ مع المؤمنينَ؛ كما هنا: ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
فلا يُقالُ بأنَّ دخولَ البيوتِ بلا استئذانٍ جائزٌ؛ لخَصُوصيَّةِ النصِّ بالنبيِّ ﷺ هنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ولكنَّ المقصودَ مزيدُ تشديدٍ في بيتِه كما أنَّ التشديدَ رائدٌ في نسائِه.
ومِثْلُ ذلك السَّرَاحُ والطلاقُ والمُتْعةُ؛ فخطابُ النبيِّ به لا يجعلُهُ خاصًّا له ولأزواجِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]
وهل مَن تُرِيدُ اللَّهَ ورسولَهُ مِن النساءِ لا تدخُلُ في استحقاقِ الأجرِ العظيمِ؛ كما جاء في سياقِ نفسِ آياتِ الحِجابِ الموجَّهةِ لأمَّهاتِ المؤمنينَ: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ﴾ -أي: يا نساءَ النبيِّ- ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]؟ !
عاشرًا: دفَعَ فَهْمَ الخَصُوصيَّةِ في آياتِ الحجاب غيرُ واحدٍ مِن مفسِّري السلفِ؛ كما رواهُ عبدُ الرزاقِ في "تفسيرِه"، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ؛ قال: "لمَّا ذكَرَ اللَّهُ أزواجَ النبيِّ ﷺ ، دخَلَ نساءُ المسلِمَاتِ عليهنَّ، فقُلْنَ: ذُكِرْتُنَّ ولم نُذكَرْ، ولو كان فينا خيرٌ، ذُكِرْنَا، فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] " (١).
حاديَ عشَرَ: أنَّ المفسِّرينَ يُطبِقونَ على هذا الأمرِ على اختلافِ
стр. 1980
مَشَاربِهم ومَذَاهبِهم، قال الجَصَّاصُ: "وهذا الحُكْمُ وإنْ نزَلَ خاصًّا في النبيِّ ﷺ وأزواجِه، فالمعنى عامٌّ فيه وفي غيرِه" (١).
وقال القُرْطُبيُّ: "في هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ اللَّهَ تعالى أَذِنَ في مَسْأَلَتِهِنَّ مِن وراءِ حجابٍ في حاجةٍ تَعرِضُ، أو مسألةٍ يُستفتَيْنَ فيها، ويدخُلُ في ذلك جميعُ النساءِ بالمعنى" (٢).
وعلى هذا نَصَّ ابنُ جريرٍ (٣)، وابنُ كثيرٍ (٤)، وأئمَّةُ التفسيرِ.
ثانيَ عشَرَ: سببُ تخصيصِ أزواجِ النبيِّ ﷺ لمزيدِ تشديدٍ عَلَيْهِنَّ؛ لأنَّ أمرَهُنَّ يَمَسُّ النبيًّ ﵊ فمعلومٌ أنَّ حِفظَ العِرْضِ يُقدَّمُ في بعصِ الأحوالِ على حِفْظِ الدِّينِ كَوْنًا وقَدَرًا؛ اهتمامًا به؛ فقد تكونُ زوجةُ نبيٍّ مِن أنبياءِ اللَّهِ كافرةً كامرأةِ لُوطٍ وامرأةِ نُوحٍ، لكنْ لا يُمكِنُ أن تقَعَ في الزِّنى، واللَّهُ يَعْصِمُهُنَّ مِن ذلك؛ لأنَّ الزِّنى أَذِيَّتُهُ متعدِّيةٌ للزَّوْجِ وعِرْضِه، فمَن يَبقى مع زانيةٍ وهو عالِمٌ: دَيُّوثٌ في الشرعِ، بخلافِ مَن يَبقى مع كافرةٍ؛ لهذا أجاز اللَّهُ زواجَ اليهوديَّةِ والنصرانيَّةِ بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وكَرِهَ نكاحَ الزانيةِ ولو مُسْلِمةً: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، وقال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦]، وأُمَّهاتُ المؤمنينَ قدوةٌ، والتشديدُ عليهنَّ أَوْلى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [الأحزاب: ٣٠]، مع أنَّ تحريمَ الفاحشةِ على جميعِ النساءِ، ولكنْ لنساءِ النبيِّ مزيدُ تشديدٍ، وهو في الحجابِ وفي الاختلاطِ والفاحشةِ سواءٌ، ولتمامِ عدلِ اللَّهِ ورحمتِهِ بِهِنَّ جَعَلَهُنَّ في بابِ الثوابِ أعظَمَ مِن الصحابيَّاتِ -فضلًا عن نساءِ الأُمَّةِ- في الإثابةِ
стр. 1981
على العملِ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١].
وحينَما ذكَرَ المضاعَفةَ في العقابِ والثوابِ، دَلَّ على أنَّ بقيَّةَ النساءِ على إثمٍ وثوابٍ ولكنْ لا مُضاعَفةَ فيه.
* * *
* قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
* * *
زوَّج اللَّه نبيَّه مِن طليقةِ زيدِ بنِ حارثةَ؛ لأنَّ زيدَ بنَ حارثةَ كان النبيُّ ﷺ قد تبنَّاه، وكانتِ العربُ تجعلُ ابنَ التبنِّي كابنِ النَّسَبِ في الميراثِ والتحريمِ، فأراد اللَّهُ أن يُذهِبَ ذلك الأمرَ والحرَجَ الذي رسَخَ في نفوسِهم بأنْ يفْعَلَهُ قدوةُ العالمينَ محمدٌ ﷺ ؛ فزوَّجه اللَّهُ ابنةَ عمَّتِه زينبَ بنتَ جَحْشٍ، وعمَّتُه أُمَيْمَةُ بنتُ عبدِ المُطَّلِبِ، وكانتْ طليقةَ زيدٍ، فكانوا يعتبرونَها زوجةَ وَلَدِه، ولمَّا زوَّجه اللَّهُ إيَّاها، قام فدخَلَ عليها النبيُّ ﷺ بلا استئذانٍ (١)، وكانتْ تَفخَرُ بذلك على سائرِ أزواجِ النبيِّ ﷺ ، وتقولُ: "زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ" (٢).
وهذا يدُلُّ أنَّ انتسابَ التبنِّي وثبوتَ المَحْرَمِيَّةِ عندَ العربِ كان شديدًا في نفوسِهم لمَّا طال العهدُ به بينَهم، وفي هذا: أنَّه احتِيجَ -لرَفْعِهِ مِن نفوسِهم- أنْ يفعلَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ بنفسِه؛ ليَفْعَلُوهُ هم بطُمَأْنينةٍ.
* * *
стр. 1982
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].
ذكَرَ اللَّهُ في هذه الآيةِ المطلَّقةَ التي لم تُمَسَّ ولم يُدخَلْ بها، ولم يَجعَلْ عليها عِدَّةً، وأَوجَبَ اللَّهُ لها المُتْعةَ، ولم يُوجِبْ لها المهرَ.
ولا خلافَ عندَ العلماءِ على أنَّه يجوزُ تطليقُ المرأةِ بعدَ العَقْدِ وقبلَ الدخولِ، وبمجرَّدِ وقوعِ الطلاقِ عليها فهي بائنةٌ بلا عِدَّةِ؛ لها أنْ تتزوَّجَ، وللرِّجالِ أنْ يَخطُبوها.
وقد روى مالكٌ في "الموطَّأِ" -وعنه الببهقيُّ- مِن حديثِ معاويةَ بنِ أبي عيَّاشٍ: "أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ؛ قَالَ: فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ البُكَيْرِ، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَمَاذَا تَرَيَانِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ؛ فَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ؛ فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ، فَسَلْهُمَا، ثُمَّ ائْتِنَا فَأَخْبِرْنَا، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثَةُ تُحَرَّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ" (١).
وفي روايةٍ أنَّ عائشةَ تابَعَتْهما على ذلك (٢).
وبهذا قَصَى عليُّ بنُ أبي طالبٍ (٣)، وابنُ مسعودٍ (٤)، وزيدٌ (٥)،
стр. 1983
وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو (١)؛ ولا مخالفَ لهم.
وفي قولِه تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ دليلٌ على أنَّ الطلاقَ لا يقعُ إلَّا بعدَ النِّكَاحِ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾؛ فلا بدَّ للطلاقِ مِن نكاحٍ يَسْبِقُهُ، فمَنْ قال: "إنْ تَزَوَّجْتُ فلانةَ، فهي طالقٌ"، فإنَّها لا تَطلُقُ منه إنْ تزوَّجَها.
وبهذا يقولُ جمهورُ العلماءِ؛ كالشافعيِّ وأحمدَ، وبه يعملُ أكثرُ الصحابةِ؛ فقد روى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه قال في قولِ الرجُلِ: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها في طالقٌ، قال: ليس بشيءٍ؛ مِن أَجْلِ أنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٢).
ورُوِيَ مِن مُرسَلِ طاوسٍ (٣)، ومِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ (٤)، ومِن حديثِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ (٥) ومعاذٍ (٦) مرفوعًا: (لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ).
وقال بهذا عليٌّ وعائشةُ وجابرٌ وابنُ المسيَّبِ وطاوسٌ والقاسمُ وعروةُ والحسنُ وعطاءٌ، وخَلْقٌ مِن السلفِ، وقد ذكَرَ البخاريُّ في "صحيحِه" في بابِ (لا طلاقَ قبلَ نكاحٍ) أكثَرَ مِن عشرينَ نَفْسًا مِن السلفِ على ذلك (٧)، وبالتتبُّعِ هم نحوُ الثلاثينَ.
стр. 1984
وقد جاء عن ابنِ مسعودٍ أنَّه خالَفَ في ذلك، ووافَقَهُ على قولِه أبو حنيفةَ، وأنكَرَ ابنُ عبَّاسٍ على ابن مسعودٍ ذلك؛ كما روى الحاكمُ والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ يزيدَ النَّحْويِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: ما قالها ابنُ مسعودٍ، وإن يكنْ قالَها، فزَلَّةٌ مِن عالمٍ، في الرجلِ يقولُ: إنْ تزوَّجْتُ فلانةَ، فهي طالقٌ؛ قال اللَّهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، ولم يقل: إذا طلَّقْتُم المؤمناتِ ثمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ (١).
* * *
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ [الأحزاب: ٥٠].
بيَّن اللَّهُ ما أحَلَّهُ لنبيِّه ﷺ مِن النساءِ، وقد جعَلَ شَرْطَ جوازِ نكاحِهِ منهنَّ: أنْ يَكُنَّ مؤمناتٍ، ويُؤْتِيَهُنَّ أجورَهُنَّ، وهي مُهُورُهُنَّ.
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ المَهْرِ وفَرْضِه، وأنَّه إن وقَعَ المهرُ مِن النبيِّ ﷺ مع النساءِ مع رغبتِهِنَّ فيه وفضلِهِ على الرجالِ والنساءِ جميعًا، فهو على غيرِهِ مِن بابِ أَولى، وقد تقدَّم الكلامُ على المَهْرِ وحُكْمِه وتفصيلِه وتسميتِهِ وحَدِّهِ وحُكْمِ استردادِه؛ وذلك مفرَّقًا عندَ قولِهِ تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى
стр. 1985
الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وعندَ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠].
ولكنَّ اللَّهَ خَصَّ نبيَّه بأنْ أحَلَّ له مَنْ تَهَبُ نفسَها له؛ كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأحَلَّ اللَّهُ لنبيِّه مَن تَهَبُ نفسَها له، وهذا خاصٌّ به؛ لظاهرِ الآيةِ.
وفي قولِه تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ دليلٌ على أنَّ نكاحَ القراباتِ يَسْتَوِي في الحِلِّ مع نكاحِ البعيداتِ؛ فقد أحَلَّ اللَّهُ لنبيِّه ﷺ ذلك كلَّه على السَّوَاءِ، ولا يُحِلُّ اللَّهُ لنبيِّه إلَّا الطيِّباتِ.
وأمَّا ما يُنسَبُ إلى النبيِّ ﷺ : (لا تَنكِحُوا القَرَابَةَ القَرِيبَةَ؛ فَإِنَّ الوَلَدَ يُخْلَقُ ضَاوِيًا)، وكذلك مقولةُ: "اغْتَرِبُوا؛ لا تُضْوُوا"، فباطلٌ لا أصلَ له في السُّنَّةِ، وإنَّما يُنسَبُ مِن قولِ عمرَ؛ أنَّه قال لآلِ السائب: "قد أَضْوَيْتُم، فانكِحُوا النوابغَ"؛ رواهُ إبراهيمُ الحَرْبيُّ في "غريبِ الحديثِ"؛ ولا يصحُّ (١)، وقد تزوَّجَ النبيُّ ﷺ ابنةَ عمَّتِهِ زينبَ بنتَ جحشٍ، وزوَّجَ فاطمةَ مِن ابنِ عمَّه عليِّ بنِ أبي طالبٍ.
стр. 1986
وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ قراءتانِ: قراءةٌ بكسرِ (إِنْ)، وقراءةٌ بفتحِها، وحمَل بعضُهم الكسرَ على عدمِ الوقوعِ عندَ نزولِ الآيةِ، والمعنى: إنْ وهَبَتْ؛ يعني: إنْ وقَع ذلك، فهو حلالٌ خاصٌّ بك، والحاملُ في ذلك قولُه: ﴿أَحْلَلْنَا﴾، فليس مجرَّدُ وَهْبِ النَّفْسِ مجيزًا للنِّكاحِ إلَّا للنبيِّ ﷺ .
وقد اختُلِفَ في هذا: هل وقَعَ أنْ تزوَّجَ النبيُّ ﷺ امرأةً وهَبَتْ نفسَها له أو لا؟ على قولَيْنِ للعلماءِ؛ كما اختلَفَ مَن قال بحدوثِ ذلك في تعيينِها، وليس هذا محلَّ الكلامِ عليه، ولكنَّ الثابتَ أنَّ منهنَّ مَن وهَبتْ نفسَها كما في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ (١)، وسهلِ بنِ سعدٍ (٢)؛ وإنَّما النِّزاعُ في قَبُولِهِ لها، واللَّهُ أعلَمُ.
* * *
* قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١].
في هذا: توسعةٌ لرسولِ اللَّهِ ﷺ في تعامُلِهِ مع نسائِه، وقد قال بعضُ السلفِ: إنَّ اللَّهَ خَفَّفَ عليه في أمرِ التسويةِ في القَسْمِ، ورُوِيَ هذا عن قتادةَ ومجاهِدٍ والضحَّاكِ (٣)، وقال جماعةٌ مِن الفقهاءِ: "إنَّ القَسْمَ بينَ الزوجاتِ ليس واجبًا عليه".
стр. 1987
وقال جماعةٌ ومِن السلفِ: إنَّ المرادَ بذلك: هو أنَّ لك أنْ تُبقِيَ مَن تشاءُ في عِصْمَتِكَ، وتطلِّقَ مَن تشاءُ؛ ورُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ (١)؛ وفي هذا أنَّ اللَّهَ أباحَ له مِن النِّساءِ الزواجَ بلا عدَدٍ، وقد نصَّ على هذا المعنى الشافعيُّ في "الأمِّ" (٢).
وبعضُهم حمَل الإرجاءَ في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾؛ يعني: مِن الواهباتِ أنفُسَهُنَّ لك، وقال بهذا الشعبيُّ (٣).
وحمَل بعضُ المفسِّرينَ الآيةَ على العمومِ في إرجاءِ الواهباتِ أو إمساكِهِنَّ، وفي أمرِ القَسْم بينَ الزوجاتِ أنَّه بالخيارِ، واستُدِلَّ عليه بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ (٤)؛ أي: أنَّ أمَّهاتِ المؤمنينَ إنْ عَلِمْنَ أنَّ اللَّهَ أذِنَ لكَ وليس بحقٍّ لهنَّ ذلك، فالأمرُ أهوَنُ في نفوسِهنَّ فلا يَحْزَّن ولا يَجِدْنَ حرَجًا، ولا يجدُ النبيُّ ﷺ حرَجًا مِن ذلك، فلا يُظَنُّ به مَيْلٌ لواحدةٍ دونَ أُخرى.
ومع ذلك كان النبيُّ ﷺ يَعدِلُ بينَ نسائِه ويَستأذِنُهُنَّ تطييبًا لنفوسِهِنَّ، وقد روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن عائشةَ "أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ المَرْأَةِ مِنَّا، بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، فَقُلْتُ لَهَا: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: إنْ كَانَ ذَاكَ إلَيَّ، فَإنِّي لَا أُرِيدُ -يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا" (٥).
وكانتْ عائشةُ ﵂ تقولُ: "كان رسولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَصِّلُ بَعْضَنَا
стр. 1988
عَلَى بَعْضٍ الْقَسْمِ" (١).
وقد كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يستأذِنُ أزواجَهُ في أنْ يمرَّضَ في بيتِ عائشةَ ﵂ (٢).
وفي وجوبِ عدلِ النبيِّ ﷺ عليه مع أزواجِه خلافٌ عندَ الفقهاءِ، ولكنَّهم لا يختلِفونَ في وجوبِ العدلِ في غيرِه مع أزواجِهم، وقد قال ابنُ قُدَامةَ: "لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ في وجوبِ التسويةِ بينَ الزوجاتِ في القَسْمِ خِلافًا، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وليس مع الميل معروفٌ، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] (٣)، وقد تقدَّمَ الكلامُ على مسألةِ العدلِ في القَسْمِ بينَ الزَّوْجاتِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩].
* * *
* قال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾ [الأحزاب: ٥٢].
بعدَما بيَّن اللَّهُ لنبيِّه ما يَحِلُّ له، بيَّن سبحانَهُ ما يحرُمُ عليه مِن النساءِ، وقد اختُلِفَ في المرادِ بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾:
فمِنهم مَن قال: إنَّ المرادَ بذلك: أنَّ اللَّهَ حرَّم على نبيِّه أن يتزوَّجَ النساءَ بعدَ هذه الآيةِ، وألَّا يطلِّقَ نساءَهُ، وحمَلَ ذلك على مجازاةِ أمَّهاتِ
стр. 1989
المؤمنينَ حينَما خَيَّرَهُنَّ اللَّهُ بينَ النبيِّ ﷺ وبينَ الحياةِ الدُّنيا، فاختَرْنَ رسولَ اللَّهِ؛ وهذا القولُ ذهَبَ اليه جماعةٌ منِ السلفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ وغيرِهم (١).
وقد جاء أنَّ اللَّهَ أباحَ للنبيِّ ﷺ النِّكاحَ بعدَ ذلك، ولكنَّه لم يتزوَّجْ، وعلَّلَهُ بعضُهُمْ: أنْ تكونَ المِنَّةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ عليهنَّ؛ إكرامًا له وإحسانًا إليه، وقد روى أحمدُ وهو في "السُّننِ" أيضًا، عن عائشةَ ﵂؛ قالتْ: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ" (٢).
وقد قال بأنَّ تحريمَ النساءِ عليه نُسِخَ جماعةٌ؛ كالشافعيِّ وغيرِه، ومِن السلفِ مَن قال: إنَّ التحريمَ باقٍ عليه إلى وفاتِه ﷺ ، وإنَّ آيةَ التحريم لم تُنسَخْ، ورُوي هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (٣)، والحَسَنِ (٤)، وابنِ سِيرِينَ (٥).
ومنهم مَن قال: إنَّ المرادَ بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾؛ يعني: ما عَدَّهُ اللَّهُ في الآيةِ السابقةِ ممَّا أحَلَّهُ اللَّهُ لنبيِّه، فما بَعْدَهُ يحرُمُ عليه؛ ورُوِيَ هذا عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ (٦)، وقولًا لمجاهدٍ (٧).
والقولُ الأولُ أشهَرُ، وعليه جمهورُهم.
* * *
стр. 1990
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣].
في هذه الآيةِ: تعظيمٌ لحُرْمةِ بيتِ النبوَّةِ، فحرَّم الدخولَ إلى بيوتِهِ إلَّا بإذنِهِ ولو كان ذلك لحاجاتٍ، وذلك بعدَما فرَضَ اللَّهُ الحِجابَ عليهنَّ؛ زيادةً في تطهيرِ بيتِ النبوَّةِ، ودفعًا للحرَجِ الذي يجدُهُ النبيُّ ﷺ مِن كثرةِ الناسِ الواردينَ إلى بيتِهِ بحاجاتِهم فيُؤذُونَهُ ويُؤذُونَ أهلَه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.
وفي هذا: عِظَمُ حياءِ النبيِّ ﷺ مِن أصحابِه، مع علوِّ مَقَامِهِ وسيادتِهِ في الخَلْقِ؛ فإنَّ الرفيعَ عادةً يَجسُرُ على مَنْ دونَهُ ولا يجدُ في نفسِهِ حياءً كما يجدُهُ ممَّن هو مِثلُهُ أو فوقَه؛ وهذا مِن كمالِ الخُلُقِ وصِفاتِ الأنبياءِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقد جاء في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قال: "كان النبيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءَ مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا" (١).
والحياءُ ممَّن دونَ الإنسانِ هو محلُّ اختبارِ كمالِ الأخلاقِ ونُبلِها، وأمَّا حياءُ الإنسانِ ممَّن هو مِثلُه وفوقَه، فيجدُهُ أكثَرُ الناسِ.
стр. 1991
وقد تقدَّم الكلامُ على مسألةِ الاستئذانِ عندَ دخولِ البيوتِ وصِفَتِهِ، وبَذْلِ السلامِ عندَ دخولِها، في سورةِ النورِ.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾؛ يعني: غيرَ منتظِرِينَ نُضْجَ الطعامِ واستواءَهُ؛ وذلك أنَّ منهم مَن كان يأتي إلى بيتِ النبيِّ ﷺ وقتَ غدَائِهِ مِن غيرِ دعوةٍ، فنهاهُم اللَّهُ عن ذلك، وأَذِنَ لهم بدخولِ البيتِ عندَ الدعوةِ فحَسْبُ، مِن غيرِ مجيءٍ لانتظارِ الغداءِ، بلا دعوةٍ منه ﷺ .
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، في هذا تعظيمٌ لحُرْمةِ أمَّهاتِ المؤمنينَ بعدَما بيَّن حُرْمةَ بيتِه.
والمتاعُ: كلُّ ما يُستمتَعُ له مِن البيوتِ عادةً؛ مِن طعامٍ وشرابٍ وإناءٍ ولِباسٍ.
والحِجَابُ يُستعمَلُ في الكتَابِ والسُّنَّةِ بمعانٍ، أشهَرُها وأَعَمُّها -وهو المرادُ هنا-: أنَّه بمعنى الحاجزِ الساترِ بينَ شيئَيْنِ، ويكونُ مِن جدارٍ أو قُمَاشٍ أو خَشَبٍ، وليس هو في القرآنِ والسُّنَّةِ يُطلَقُ على معنًى مِن مَعاني اللِّبَاسِ أو اللّبْسِ، وهو المرادُ في الآيةِ لأُمَّهَاتِ المؤمنينَ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، ومِن هذا المعنى: قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وقولُهُ عن مريمَ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [١٧]، وقولُه عن نبيِّه سليمانَ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ [ص: ٣٢]، وقولُه عن قولِ الكفارِ للنبيِّ ﷺ : ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾ [فصلت: ٥]، وكذلك هو في السُّنَّةِ بمِثْلِ هذا المعنى، فليس هو لِباسًا يختَصُّ به أحدٌ؛ وإنَّما هو ساتِرٌ بينَ جهتَيْنِ أو شيئَيْنِ:
стр. 1992
فقد يُطلَقُ في اللُّغةِ على الفصلِ بينَ رجالٍ ورجالٍ؛ كما في حديثِ أنسٍ في "الصحيحَيْنِ"، في قصةِ موتِ النبيِّ ﷺ ؛ قال: "أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى النَّبِيُّ ﷺ الحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ" (١).
وقد يُطلَقُ على الفصلِ بينَ الرجالِ والنساءِ؛ كما في قولِ عمرَ في الصحيحِ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ" (٢).
وإنَّما شدَّد اللَّهُ على نساءِ النبيِّ؛ تعظيمًا للنبيِّ ﷺ ، وبقيَّةُ النساءِ يَدخُلْنَ في هذا الحُكْمِ؛ لكنَّ حُكْمَهُنَّ أخَفُّ؛ لأنَّ التَّبِعَةَ عليهنَّ وعلى أزواجِهنَّ أيسَرُ، ولأنَّ اللَّهَ ذكَرَ علةً مشترَكةً لكلِّ النساءِ: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، ولا يسُوغُ أنَّ طهارةَ قلوبِ سائرِ المؤمناتِ وسائرِ المؤمنينَ ليس بمَطلَبٍ في الشرعِ، وقد ذكَرَ اللَّهُ ذلك في أمَّهاتِ المؤمنينَ؛ وهنَّ أطهَرُ نساءِ العالَمِين، وفي الصحابةِ؛ وهم أطهَرُ الأمَّةِ بعدَ نبيِّها، فغيرُهم أحوَجُ إلى ذلك، وقال بعمومِ هذه الآيةِ ابنُ جريرٍ الطبريُّ، وابنُ عبدِ الَبرِّ، وغيرُهما (٣).
وهذه الآيةُ جاءتْ في حُكْمِ الاحتجابِ عن الرجالِ في البيوتِ، ومِثلُهُ التعليمُ والعملُ؛ لأنَّه يطولُ الحديثُ والقعودُ فيها، فكانتْ آيةُ الحجابِ مبيِّنةً لحُكْمٍ، وآيةُ الجلابيبِ مبيِّنةً لحُكْمٍ آخَرَ، وهو اللِّباسُ عندَ إرادةِ الخروجِ إلى الطُّرُقاتِ والسوقِ والمساجدِ وغيرِها.
* * *
стр. 1993
* قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾ [الأحزاب: ٥٥].
لمَّا أنزَلَ اللَّهُ على نبيِّه أَمْرَهُ أمَّهاتِ المؤمنينَ بالاحتجابِ، وعدمِ الخِطَابِ وإعطاءِ المتاعِ إلَّا مِن وراءِ حجابٍ، استثنَى المَحَارِمَ مِن قَرَابَاتِهِنَّ؛ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الحُكْمَ عامٌّ لكلِّ أحدٍ مِن الناسِ ولو كان مَحْرَمًا، فرفَعَ اللَّهُ الحرَجَ عنهنَّ بهذا البيانِ، فأجاز لَهُنَّ إدخالَ مَحَارِمِهِنَّ؛ مِن آبائِهنَّ، وأبنائِهنَّ، وإخوانِهنَّ، وأبناءِ إخوانِهنَّ، وأبناءِ أخواتِهنَّ، وجميعِ النساءِ، وما ملكَتِ الأَيمانُ مِن المَوَالي.
* * *
* قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب ٥٦].
في هذه الآيةِ: فضلُ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ ؛ حيثُ أخبَرَ اللَّهُ أنَّه يُصلِّي على نبيِّه، وملائكتُهُ يُصَلُّونَ معه؛ وهذا شرفٌ عظيمٌ، ومنزلةٌ جليلةٌ؛ أنْ يكونَ هذا مِن اللَّهِ وملائكتِه لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، وفي الآيةِ إشعارٌ: أنَّكم أيُّها المؤمنونَ أحَقُّ وأَوْلى بالصلاةِ عليه مِن غيركم؛ لأنَّ اللَّهَ امتَنَّ به عليكم، وأكرَمَكُمْ به وبرسالتِه، وأخرَجَكُمْ به مِن الظُّلُماتِ إلى النورِ.
الصلاةُ على النبيِّ ﷺ : معناها، وحُكْمُها:
وصلاةُ اللَّهِ على نبيِّه؛ تعني: ثناءَهُ عليه في المَلَأِ الأعلى؛ كما قاله أبو العاليةِ (١).
стр. 1994
وصلاةُ المؤمنينَ على النبيِّ ﷺ ليستْ شفاعةً له منهم، ولكنَّه جزاءٌ له على فضلِهِ عليهم، ولكرمِ اللَّهِ وشرفِ نبيَّه جعَلَ اللَّهُ المؤمنينَ ينتفعونَ بصَلَاتِهم عليه؛ كما في "صحيحِ مسلمٍ"؛ قال ﷺ : (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا) (١)، وفي الترمذيِّ مرفوعًا: (أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) (٢).
وظاهرُ الأمرِ بالصلاةِ على النبيِّ ﷺ في الآيةِ: الوجوبُ، وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ الإجماعَ على وجوبِ الصلاةِ على النبيِّ للآيةِ (٣)، ويُريدُ بذلك أصلَ الصلاةِ، وأمَّا مواضعُ الصلاةِ، فعلى خلافٍ معروفٍ.
وقد ذهَبَ جماعةٌ مِن الأئمَّةِ: إلى أنَّ الصلاةَ على النبيِّ ﷺ فرضٌ على المؤمنِ بالرسالةِ إجمالًا، مِن غيرِ تعيينِ زمانٍ ولا مكانٍ؛ وهذا نُسِبَ إلى أبي حنيفةَ ومالكِ والثوريِّ والأوزاعيِّ.
وأوجَبَه الشافعيُّ -وأحمد في روايةٍ- في كلِّ تشهُّدٍ أخيرٍ في الصلاةِ.
ولا يَتعيَّنُ في الصلاةِ، ولا في وقتٍ من الأوقاتِ.
واختلَفَ العلماءُ في حُكْمِ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ عندَ ذِكْرِهِ في المَجالِسِ، على أقوالٍ:
منهم مَن قال: بوجوبِ الصلاةِ عندَ ذِكْرِهِ كلَّ مرةٍ، ولو تكرَّرَ الذِّكْرُ في المَجْلِسِ الواحدِ؛ وإلى هذا ذهَبَ الطحاويُّ والحَليِمِيُّ وابنُ بَطَّةَ وغيرُهم.
ومنهم مَن قال: باستحبابِ الصلاةِ عندَ ذِكْرِه، وعدمِ وجوبِه.
والأظهَرُ: أنَّه يجبُ عندَ ذِكْرِهِ في المَجْلِسِ مرَّةً، وإنْ تكرَّرَ بعدَ
стр. 1995
ذلك فُيستحَبُّ؛ لأنَّ الصلاةَ الواحدةَ تُسقِطُ الإيجابَ فيما بَقِيَ، وهو أدنى ما يُمتثَلُ به في الآيةِ، ويُستحَبُّ أنْ تكونَ الصلاةُ عندَ أولِ ذِكْرٍ له؛ حتى لا يَتَّكِلَ منَ ينشغِلُ ذهنُهُ ويَغفُلَ عما بَقِيَ مِن ذِكْرِه، وقد لا يُذكَرُ في المَجْلِسِ إلَّا مرةً، والكمالُ لأهلِ الكمالِ هو الصلاةُ عليه عندَ كلِّ ذِكْرٍ له ﷺ .
وقد قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) (١)، وقال ﷺ : (البَخِيل الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) (٢)؛ رواهُما التِّرمذيُّ.
وتصحُّ الصلاةُ على النبيِّ ﷺ بأيِّ لفظٍ، مختصَرًا كان أو مطوَّلًا، وأفضلُ أنواعِها الجمعُ بينَ الصلاةِ والتسليمِ؛ لظاهرِ الآيةِ: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فيُقالُ مختصرًا: ﵊، أو ﷺ ، وأتَمُّ أنواعِ الصلاةِ: الصلاةُ الإبراهيميَّةُ.
* * *
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ [الأحزاب: ٥٩].
لمَّا جاء الخِطابُ السابقُ خاصًّا بأُمَّهاتِ المؤمنينَ، ويَشترِكُ في أصلِ الحُكْمِ عامَّةُ المؤمناتِ، جاء اللَّهُ بخِطابٍ للنبيِّ ﷺ يبيِّنُ حاجةَ جميعِ نساءِ المؤمنينَ إلى ذلك؛ حتى لا تُظَنَّ خَصُوصيَّةُ نساءِ النبيِّ ﷺ باللِّباسِ.
قال تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾:
стр. 1996
أمَر اللَّهُ بإدناءِ الجِلْبابِ، والجِلْبابُ هو ما يكونُ مِن لِبَاسٍ فَضْفاضٍ فوقَ الخِمَارِ يَستوعبُ أعلى البَدَنِ ووسطَه، ويُسدَلُ فيُغطَّى به الوجهُ والصدرُ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ ﵂؛ قالتْ: "فَخَمَّرْتُ وَجْهي بِجِلبَابِي" (١).
والجِلْبابُ قريبٌ مِن العباءةِ اليومَ لكنَّه غيرُ مفصَّلٍ، ويُسمَّى: القِنَاعَ أو المُلَاءةَ.
والجِلْبابُ ليس غِطَاءً خاصًّا بالوجهِ وحدَه؛ ولكنَّه للوجهِ وغيرِه؛ ولذا قال: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ يعني: نأخُذُ شيئًا مِن جِلبْابِها ونُنزِلُه على وجهِها؛ كما يأتي بيانُه.
والفرقُ بينَ الخِمَارِ والجِلْبابِ: أنَّ الخِمارَ يكونُ تحتَ الجِلْبابِ، والخِمارُ تَلبَسُهُ المرأةُ وتشُدُّهُ على رأسِها وما دُونَه، ويكونُ ملاصِقًا للجسمِ مشدودًا، بخلافِ الجلبابِ؛ فهو غطاءٌ زائدٌ فوقَهُ فَضْفاضٌ يُرخَى غالبًا ولا يُشَدُّ لا على الوجهِ ولا على الصدرِ بحيثُ يُبرِزُ حجمَ العضوِ؛ ولذا جاء في "صحيح مسلمٍ"، عن أمِّ سُلَيْمٍ: "أنَّها خَرَجَتْ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا" (٢)؛ يعني: تُدِيرُهُ على رأسِها وتشُدُّه، والخِمارُ هو الذي تَصُرُّ بطرَفِه بعضُ النِّساءِ الأوائلِ دنانيرَها؛ لتَماسُكِهِ وثباتِهِ عليها.
قال أبو نُعَيْمٍ الأصبهانيُّ: "الجلبابُ فوقَ الخِمَارِ ودونَ الرِّداءِ تَستوثِقُ المرأة صدرَها ورأسَها" (٣).
وقولُه تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾:
الأدناءُ مِن الدنوِّ، وهو القُرْبُ، ويكونُ مِن مكانٍ عالٍ أو مُوَازٍ،
стр. 1997
والدنوُّ نزولٌ، فيسمَّى أسفلُ الشيءِ وأقرَبُه: أدناهُ، ويسمَّى النازلُ الهابطُ بالنسبةِ للعالي: أَدْنى ودانيًا؛ كما في قولِه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ٣].
والأمرُ في الآيةِ هو لتغطيةِ المرأةِ وَجْهَها، فالجِلْبابُ في الأَعلى، فأُمِرَتْ أن تُنزِلَهُ على وجهِها وتُرْخِيَهُ عليه؛ قال الزَّمَخشَرِيُّ: "يُقالُ إذا زَلَّ الثوبُ عن وجهِ المرأةِ: أَدْنِي ثَوْبَكِ على وجهِكِ" (١).
ويدُلُّ على أنَّ الإدناءَ في الآيةِ يتضمَّنُ القُرْبَ مِن علوٍّ: قولُ ابنِ عبَّاسٍ: تُدْلِي عَلَيْها مِنْ جَلَابِيبِهَا؛ كما عندَ الشافعيِّ والبيهقيِّ (٢)؛ ففسَّر (الإِدْناءَ) بـ (الإِدْلاءِ)، والإِدْلاء يكونُ مِن الشيءِ العالي؛ ومنه قولُه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٥ - ٩]، وهو قُرْبُ جبريلَ مِن النبيِّ ﷺ ، فكان عاليًا ثمَّ دنا فتَدَلَّى إليه، ومنه سُمِّيَ الدَّلْوُ دَلْوًا؛ لأنَّه يُدْلَى به مِن عُلْوٍ إلى أسفلِ البئرِ.
وقد فسَّرَ إدناءَ الجلابيبِ بتغطيةِ الوجهِ في هذه الآيةِ وغيرِها جماعةٌ مِن الصحابةِ؛ صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ، ومِن التابعينَ: عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ، ومحمدُ بنُ سِيرِينَ، وابنُ عَوْنٍ، ولا أعلَمُ أحدًا مِن الصحابةِ أو التابعينَ خالَفَ هذا المعنى:
أمَّا ما جاء عن ابنِ عبَّاسٍ، فقولُه: "أَمَرَ اللَّهُ نساءَ المؤمِنينَ إذا خَرَجْنَ مِن بُيُوتهنَّ في حاجةٍ أنْ يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فَوْقِ رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبدِينَ عَيْنًا واحدةً؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ، عن
стр. 1998
عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وهي صحيفةٌ قوَّاها أحمدُ، واحتَجَّ بها البخاريُّ (٢).
وأمَّا ما جاء عن عائشةَ، فقولُها: "تُسدِلُ المرأةُ جِلْبابَها مِن فوقِ رأسِها على وَجْهِها"؛ أخرَجَهُ سعيدُ بنُ منصورِ في "سُنَنِه" بسندٍ صحيحٍ (٣).
وأمَّا ما جاء عن عبيدةَ السَّلْمانيِّ، فما رواهُ ابنُ عونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ؛ قال: "سألتُ عَبِيدةَ السَّلْمانيَّ عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، فغطَّى وَجْهَهُ ورأسَهُ، وأبرَزَ عينَهُ اليُسْرَى"، وبهذا فسَّره ابنُ سِيرِينَ وابنُ عونٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ وغيره (٤).
وعلى هذا كان عمل نساءِ الصحابةِ جميعًا في الصَّدْرِ الأولِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ حفصةَ بنتِ سِيرينَ، عن أُمِّ عطيَّةَ وغيرِها؛ أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أمَر بحضورِ النساءِ للعِيدَيْنِ، سُئِلَ: أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لم يَكُنْ لَهَا جِلبَابٌ أَلَّا تَخْرُجَ؟ قَالَ: (لِتُلْبسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، ولْتَشْهَدِ الخَبْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ) (٥).
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ تمييزٌ بينَ حِجابِ الحرائرِ والإماءِ؛ وذلك أنَّ فُسَّاقًا في المدينةِ كانوا يُؤذُونَ الحرائرَ يظُنُّونَهُنَّ إماءً، فأمَرَهُنَّ اللَّهُ بالحِحَابِ؛ حتى يُعرَفْنَ ويَتَمَيَّزْنَ
стр. 1999
بلِباسِهِنَّ عن غيرِهِنَّ؛ دفعًا للفتنةِ، ودفعًا للتعدِّي عليهِنَّ ممَّن في قَلْبِهِ مرضٌ.
وعَدَّ جماعةٌ مِن الأئمَّةِ: أنَّ آيةَ الأحزابِ نزَلتْ بعدَ آيةِ الزِّينةِ في النُّورِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]؛ كابنِ جريرٍ وغيرِه؛ ويُفسِّرونَ آيةَ النورِ على إبداءِ الزينةِ الظاهرةِ، ويُفسِّرونَ آيةَ الأحزابِ على الحِجَابِ التامِّ وتغطيةِ المرأةِ وَجْهَها، فيجدُ مَن ينظُرُ في كثيرِ مِن كتُبِ التفسيرِ أنَّ كلامَ المفسِّرِ الواحدِ في آيةِ النورِ يَخْتلِفُ عن كلامِه في تفسيرِ آيةِ الأحزاب، فيُقرِّرُ هناك ما لا يُقررُه هنا؛ كابنِ جريرٍ: في النورِ يقولُ كلامًا في إبداءِ الزينةِ وظهورِ الوجهِ (١)، وهنا في الأحزابِ يأمُرُ بتغطيتِه (٢)؛ لأنَّه يرى آيةَ النورِ قبلَ آيةِ الأحزابِ، فيُفسِّرُها على ما أُنزِلَتْ عليه، لا على ما استقَرَّ عليه الحُكْمُ، ومَن لَا يفهمُ هذا، الْتَبَسَ عليه كلامُ الأئمَّةِ؛ حتى أصبَحَ كلامُ كثيرِ مِن الأئمَّةِ عندَ تفسيرِ وآيةِ النورِ محلَّا للتتبُّعِ والأخذِ بالمُشتبِهِ عندَ مَن يَجْهَلُ ذلك، وقَدْ بَسَطْنَا الكلامَ على مسألةِ لباسِ المرأةِ وسترِها في كتابِ "الحِجَاب في الشَّرع والفِطْرَة"، وفي آيَةِ الزِّيَنَةِ مِن سُورةِ النُّورِ مَزِيدُ كلامٍ في هذا الكتابِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
في هذه الآيةِ: عِظَمُ الأمانةِ، وخطورةُ شأنِها، وجليلُ قَدرِها وتَبِعَتِها على أصحابِها، وأعظَمُ الأمانةِ: حقُّ اللَّهِ الذي تحمَّلَهُ الإنسانُ
стр. 2000
بالعبوديَّةِ له ولامتثالِ لأمرِهِ، ثمَّ يَلِيهِ الوفاءُ بالعهدِ والمِيثَاقِ وبَذْلُ الحقوقِ التي تكونُ للناسِ.
وفي هذه الآيةِ: بيانٌ لِجَسَارة الإنسانِ بالإقدامِ على المَخاطِرِ وتجاهُلِ العواقب؛ وذلك لظُلمِه لنفسِه، وجهلِه بعاقبةِ أمرِه.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على العهودِ والأماناتِ الواجبةِ على العِبَادِ في صدرِ سورةِ المائدةِ وغيرِها، وعندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
* * *