قَرَارِها، واللَّهُ أمَر الرِّجالَ ولم يَنْهَ النِّسَاءَ عن التكسُّبِ إنِ احتَجْنَ إليه مِن غيرِ تبرُّجٍ ولا اختلاطٍ بالرِّجالِ الأجانبِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
فيه: جوازُ اتِّخاذِ الخادمِ، وعملُ الرفيعِ جمع مَنْ هو دُونَهُ أو مِثلُهُ في الفضلِ، ومشاورةُ البنتِ لأبيها، وقَبُولُ رأيِها.
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على صحةِ الإجارةِ في الشريعةِ، وهذا محلُّ اتِّفاقِ عندَ الجميعِ، وقد تقدَّم الكلامُ على الفَرقِ ينَ الإِجَارةِ والجِعَالةِ عندَ قوله تعالى في سورةِ يُوسُفَ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [٧٢].
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ بيانٌ لأركانِ وشروطِ مَن يصلُحُ للأمانةِ والوِلَايةِ على الأموالِ، وقد تقدَّمَ هذا عندَ قولِه تعالى في سورةِ يوسُفَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [٥٥].
وتتضمَّنُ الآيةُ ما تقدَّمَ مِن إيجابِ الكسبِ على الرجالِ، وأنَّ الرجُلَ إنْ عَجَزَ عن الكسب لبَناتِهِ وقدَرَ على استئجارِ مَن يَكْفِيهِنَّ المؤونةَ، وجَبَ عليه، ما لمَ يكن فقيرًا أو لم يَجِدْ مَن يأتمِنُهُ على أهلِه، فيُعذَرُ؛ لأنَّ استئجارَ صاحبِ مَدْيَنَ لموسى: يَكفي بناتِهِ مِن الخروجِ إلى مواضعَ يَلْزَمُ منها خِلْطَةٌ بالرِّجَالِ كوُرُودِ الماءِ وشِبْهِه، وطلبُ بناتِ صاحبِ مَدْيَنَ جَرى على الفِظرةِ الصحيحةِ التي فُطِرَ عليها البشرُ.
ولمَّا استأجَرَهُ صاحبُ مَدْيَنَ مع ما رأى فيه مِن ديانةٍ وأمانةٍ، عرَضَ عليه الزواجَ مِن إحدى بناتِهِ مقابِلَ عملِهِ معه ثمانيَ سنينَ مَهرًا لها؛ حتى
стр. 1927
لا يدومَ بقاءُ غيرِ مَحْرَمٍ في البيتِ وليس فيه إلَّا نساءٌ وأَبُوهُنَّ شيخٌ كبيرٌ، كما ظهَر ذلك في الآيةِ بعدَه، وهذا جريًا على الفِطْرةِ، لا تغليبًا للتُّهَمَةِ؛ فإنَّ التزامَ الشرعِ في الحجابِ وغضِّ الطَّرْفِ وتحريمِ الخَلْوةِ والاختلاطِ مع قرارٍ: عامٌّ لجميعِ المكلَّفين؛ لا مقامَ فيه لتمييزِ الصالحينَ عن غيرِهم.
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧].
لمَّا رأى صاحبُ مَدْيَنَ مِن موسى أمانَتَهُ وصيانتَهُ لعِرْضِهِ وهو غريبٌ، لَمَسَ منه الوِلَايةَ والدِّيَانةَ، فعرَضَ عليه الزواجَ مِن ابنتِه.
عَرْضُ البناتِ لتزويجِهِنَّ:
وفي قوله تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ استحبابُ عَرْضِ البناتِ والأخواتِ على الأزواجِ الأكفَاءِ، وذلك لا يَعِيب الرجلَ ولا ابنتَهُ، وقد عرَضَ عمرُ بنُ الخطَّابِ حَفْصةَ على بعضِ خِيارِ الصحابةِ كأبي بكرٍ وعثمانَ؛ كما أخرَجَ الإمامُ البخاريُّ في بابِ (عَرْضِ الإنسانِ ابنتهُ أو أختَهُ على أهلِ الخيرِ): "أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَة السَّهْمِيِّ، وَكَانَ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتُوُفيَ بِالمَدِينَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبَثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِى أَلَّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يَرْجِع إِلَيَّ شَيْئًا، وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا
فأَحَبَّ أن يزولَ العدوُّ الأعلى بالعدوِّ الأدنى، بدلًا مِن قتالِ عدوَّيْنِ، أو قتال العدُوِّ الأعلى.
وفَرَحُ النبيِّ ﷺ بما يَغِيظُ قريشًا دليلٌ على استحبابِ الفرحِ بما يَغيظُ ويُصيبُ العدوَّ المُحارِبَ، وقد اعتبَرَ اللَّهُ مِن مقاصدِ قتالِ العَدُوِّ: شفاءَ صدورِ المؤمنينَ، وذَهَابَ غَيْظِ قلوبِهم؛ كما تقدَّم عندَ قولِه تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].
وفي هذه الآياتِ: بيانٌ لحِكْمةِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ في معرفةِ مَراتبِ الأعداءِ قُرْبًا وبُعْدًا مِن الحقِّ؛ فإنَّ الأعداءَ ليسوا على بابٍ واحدٍ في الشرِّ والعَدَاءِ، ولا يَتعامَلُ مع الأعداءِ على أنَّهم شيءٌ واحدٌ إلَّا وهو يتعاملُ مع الحُلَفاءِ على أنَّهم شيءٌ واحدٌ، فيُؤتَى مِن مَأْمَنِه، ويجتمِعُ أعداؤُهُ عليه فيَستأصِلُونَه؛ وهذا جهلٌ بالسياسةِ، وليس مِن الفِقْهِ في الدِّينِ.
رِهانُ أبي بَكْرٍ بِمَكَّةَ، والرِّهَانُ في إظهارِ الحقِّ:
وقد راهَنَ أبو بكرٍ بعضَ قريشٍ في غَلَبةِ الرُّومِ على فارسَ؛ كما تقدَّمَ في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ والبَرَاءِ ونِيَارٍ، وجاءتِ القصةُ مِن مُرْسَلِ قتادةَ (١)، وعِكْرِمةَ (٢)، وابنِ شهَابٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ بنِ مسعودٍ (٣)، وقد كان ذلك بمكةَ قبلَ تحريمِ الجَهالةِ والغَرَرِ والرِّبا، والنهيُ عن المُقامَرةِ ونزولُ آيتِها كان بالمدينةِ في غزوةِ بني النَّضِيرِ بعدَ أُحُدٍ، وقد اختلَفَ العلماءُ في دخولِ رِهَانِ أبي بكرٍ في النهي؛ فإنْ كان داخلًا فهو منسوخٌ، وإنْ لم يكنْ داخلًا في النهي، فهو داخلٌ في عمومِ ما استُثنِيَ؛ كما روى أحمدُ وأهلُ السُّننِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال
стр. 1937
رسولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ) (١)؛ وذلك أنَّ غلَبةَ الرومِ على الفُرْسِ كان عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وبه استحَقَّ أبو بكرٍ المالَ على رِهَانِه.
وقد قال بأنَّ فِعْلَ أبي بكرٍ داخلٌ في المنسوخِ جمهورُ العلماءِ؛ وذلك أنَّ الفقهاءَ يرَوْنَ منعَ الرِّهَانِ إذا كان المالُ مِن الجميعِ حتى فيما استُثنِيَ في الحديثِ، ما لم يدخُلْ محلِّلٌ، وجعَلُوا ما جاء به حديثُ أبي بكر أَوْلى بالمنعِ والقولِ بنَسْخِه، وأنَّ الحديثَ استثنى مِن السَّبَقِ المالَ المبذولَ مِن بعضِ المتسابِقِينَ لا مِن الجميعِ، وأمَّا مِن الجميعِ فلا يُجِيزُونَهُ إلَّا بمحلِّلٍ؛ ليتحوَّلَ مِن مالٍ بذَلَهُ الجميعُ إلى مالٍ بذَلَهُ بعضُهم؛ كما يأتي بيانُه.
وقال الحنفيَّةُ بجوازِ الرِّهَانِ بينَ المسلمِ والحَرْبيِّ؛ لإظهارِ الحُجَّةِ؛ وقوةِ الحقِّ.
وبعضُ العلماءِ عمَّمَ وقال بجوازِ المسابَقَةِ في إظهارِ الحُجَّةِ التي بها يحرَّضُ الناسُ على الحقِّ، ويُدفَعُ الشرُّ، وتُفتَحُ القلوبُ للإسلامِ، وبها يَعتزُّ ويرتفعُ، وأيَّدَ هذا القولَ ابنُ تيميَّةَ وابنُ القيِّمِ، وعلى هذا حُمِلَ حديثُ مصارَعَةِ النبيِّ ﷺ لرُكَانَةَ.
ومِن أسبابِ الخلافِ: أنَّ العلةَ الجامعةَ للثَّلَاثِ التي استثناها رسولُ اللَّهِ ﷺ مِن الرِّهانِ المحرَّمِ: الجامعُ بينَها إظهارُ القوةِ وإعدادُ العُدَّةِ للجهادِ بالسِّنَانِ واللِّسَانِ؛ سواءٌ كان برمي السِّهامِ، وهو قولُه: "نَصْلٍ"؛ يعني: سهمًا، أو كان بسباقِ الخيلِ، وَهو قولُه: "حَافِرٍ"، أو بسباقِ الإبلِ، وهو قولُه: "خُفٍّ"، أو كان ذلك بالمُناظَرَاتِ والحُجَجِ؛ فمَنْ رأى
стр. 1938
عمومَ هذه العلةِ، أدخَلَ فيها ما في حُكْمِها ممَّا يُظهِرُ قوةَ الإسلامِ وعِزَّتَهُ، فأجازُوا الرِّهَانَ في مسائلِ العلمِ، والرهانَ على المباحَثَاتِ والمناظَرَاتِ، وخاصَّةً ما كان بينَ المُسلِمينَ وغيرِهم مِن رؤوسِ المِلَلِ الكُفْرِيَّةِ؛ كرُهْبانِ النصارى وأحبارِ اليهودِ.
والجمهورُ القائلونَ بالمنعِ يختلِفونَ في الحيوانِ الذي يجوزُ فيه أخذُ السَّبَقِ، وهو (العِوَضُ)، واختلافُهُمْ دليلٌ على عدمِ استقرارِ علةِ الترخيصِ الواردِ في الحديثِ عندَهم:
فالأظهرُ عندَ الشافعيَّةِ جوازُ السَّبَقِ بأنْ يكونَ في الخيلِ، والإبلِ، والفِيلِ، والبغلِ، والحمارِ، ويَرى المالكيَّةُ: أنَّه مقصورٌ على الخيلِ والإبلِ، ويَرى الحنفيَّةُ: جوازَ السَّبَقِ على الأرجُلِ بلا رُكُوبٍ.
والأظهرُ: عمومُ العلةِ في كلِّ قوةٍ يكونُ في مِثْلِها إعدادٌ وظهورٌ للحقِّ؛ فإنَّ الاقتصارَ على نصِّ الحديثِ يَقصُرُهُ على رمي السِّهامِ، ويَمنَعُ من الرمي بالسلاحِ والرصاصِ اليومَ؛ وهو أشَدُّ وأعظَمُ نِكايةً في العدوِّ؛ ولا يشُكُّ عاقلٌ في هذا.
وقد تصارَعَ النبيُّ ﷺ مع رُكَانَةَ على شاةٍ يَغْرَمُها المغلوبُ، ورُويَتْ تلك القصةُ بأسانيدَ، منها المتصِلُ، ومنها المُرسَلُ، يدُلُّ على أنَّ لها أصلًا، ولم يُنكَرِ الفعلُ الواردُ فيها مِن نُقَّادِ المتونِ، وأمَّا ما رَوى أبو داودَ أنَّ النبيَّ ﷺ أرجَعَ المالَ لِرُكَانةَ ولم يأخُذْهُ، فهو مخرَّجٌ في "مَراسيلِه" (١).
وجهادُ اللِّسَانِ أَمْضَى مِن جهادِ السِّنَانِ لِمَنْ قدَرَ عليه وسدَّدَه اللَّهُ، وقد سمَّى اللَّهُ جهادَ اللِّسَانِ جهادًا كبيرًا؛ فقال: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، وسمَّاهُ حقَّ الجهادِ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذا كان بِمَكَّةَ، ولم يُسَمِّ اللَّهُ جهادَ السِّنانِ
стр. 1939
بالجهادِ الكبيرِ، ولا حقِّ الجهادِ، مع عظَمَتِهِ وفضلِه وجلالةِ قَدْرِه، فإنْ جاز الرِّهَانُ في إظهارِ الحقِّ بالسِّنانِ في النَّصْلِ والخُفِّ والحافرِ، ففي المناظَرةِ والمُحاجَجةِ مِثلُهُ أو آكَدُ منه، ولا يكونُ هذا بابًا يدخُلُ منه المُتسابِقونَ في فضولِ العلمِ التي لا تُحِقُّ الحقَّ في الناسِ، فلم يكنِ الفقهاءُ يُدخِلونَ هذا النوعَ فيما أجازُوهُ من فِعْلِ أبي بكرٍ ﵁.
وأمَّا ما جاء في حديثِ البَرَاءِ في رِهَانِ أبي بكرٍ مع قريشٍ عندَ ابنِ أبي حاتمٍ؛ أنَّه قال في المالِ: فجاء به أبو بكرِ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: (هَذَا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ) (١)، وما أخرَجَ أبو يَعْلَى في حديثِ البراءِ أيضًا؛ قال فيه: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (هَذَا لِلنَّجَائِبِ) (٢)، وكأنَّه جعَلَ المالَ للحيوانِ لا يأكُلُهُ الإنسانُ-: فحديثُ البَرَاءِ تفرَّدَ به مؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ؛ وفي حفظِهِ وهَمٌ وغَلَطٌ.
وأمَّا ما رواة ابنُ خُزَيمةَ في "التوحيدِ"، في حديثِ نِيَارِ ينِ مُكْرَمٍ في رِهانِ أبي بكرٍ، وفيه: "وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الرِّهَانِ مَا نَزَلَ" (٣)، فحديثُ نِيَارِ تفرَّدَ به ابنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيه، عن عروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عن نِيَارٍ؛ به، ثمَّ هو ليس مِن كلامِ نِيَارٍ؛ وإنَّما مِن كلامِ بعضِ الرُّواةِ عنه.
أحكامُ العِوَضِ (السَّبَقِ) واشتراطُ المحلِّلِ في الرِّهانِ:
لا يختلِفُ الفقهاءُ في جوازِ أخذِ المالِ في الرِّهَانِ والمسابَقَةِ إنْ كان المالُ مبذولًا مِن بيتِ المالِ، أو مِن مالِ الإمامِ أو نائبِه، وقد حكى الإجماعَ الزركشيُّ (٤) وغيرُه، وقد كان النبيُّ ﷺ يفعلُ ذلك؛ كما ثبَت مِن
стр. 1940
حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ: "أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّقَ بالْخَيْلِ وَرَاهَنَ"؛ أخرَجَهُ أحمدُ (١)، وفي روايةٍ عندَه: "وَأَعْطَى السَّابِقَ" (٢).
وأمَّا إنْ كان العِوَضُ مبذولًا مِن مالِ عامَّةِ الناسِ مِن غيرِ المتسابقِينَ، فعامَّةُ العلماءِ على جوازِه، وحُكِيَ عن مالكٍ المنعُ؛ لأنَّه مِن خصائصِ الإمامِ؛ لتعلُّقِهِ بالجهادِ؛ حكاهُ ابن قُدَامَةَ (٣)، والمشهورُ عن مالكٍ والذي يَحْكِيهِ أصحابُه: جوازُ ذلك، وحكى جماعةٌ مِن فقهاءِ المالكيَّةِ الاتِّفاقَ على جوازِ ذلك.
وأمَّا إنْ كان العِوَضُ (السَّبَقُ) من أحدِ المتسابقِينَ المشاركِينَ؛ فإنْ سبَقَ هو، أَبْقَى مالَهُ له، وإنْ لم يَسبِقْ، أَعْطاهُ لِمَنْ سبَقَه منهم، فهذا قد جوَّزَهُ جمهورُ الفقهاءِ، وقد قال مالكٌ: لا يُعجِبُني، ثمَّ قال: لا بأسَ به (٤)، وكأنَّه رأى تَرْكَهُ تورُّعًا مع عدمِ القولِ بعدمِ جوازِه، وحكى ابنُ قدامةَ عنه روايةً بالمنعِ (٥).
ويَرى كثيرٌ مِن الفقهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ: جوازَ ذلك بشرطِ ألَّا يعودَ السَّبَقُ إلى صاحبِه في حالةِ سَبْقِهِ هو؛ وإنَّما يَدفعُهُ لغيرِه ممَّن شهِدَ السِّباقَ إنْ كان السباقُ بينَ اثنَيْنِ، وإنْ كان المتسابِقونَ جماعةً وسبَقَ هو، جعَلَ العِوَضَ (السَّبَقَ) للمتسابِقِ الذي بعدَه، وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ ذلك عن ربيعةَ ومالكٍ والأوزاعيِّ: أنَّ الأشياءَ المسبَّقَ بها لا تَرجِعُ الى المسبَّقِ بها (٦).
وقد عَدَّ القاضي عبدُ الوهَّابِ ذلك قياسًا على حالِ الإمامِ؛ فإنَّه يُخرِجُ المالَ ولا يَرجِعُ إليه، وهو تعليلٌ ليس بالقويِّ؛ فالإمامُ لا يُشارِكُ
стр. 1941
المُتسابِقِينَ سباقَهم في الأغلبِ، ولو شارَكَهُمَ، لكان له حقٌّ كحقِّهم عندَ فوزِه، إلَّا إنْ كان مَنْ قال بهذا القولِ أَجْرَى العِوَضَ مجرى الهبةِ التي لا يجوزُ أن يَرجعَ فيها صاحبُها، وإن كان كذلك، فهو وهَبَها هبةً مشروطةً بالغَلَبةِ والفَوْزِ، وقد يتحقَّقُ وقد يَنتفي فيه وفي غيرِه، والجِعَالةُ يجوزُ فيها أنْ يبذُلَ الشخصُ مالًا لمَن يأتيهِ بضَالَّتِهِ، ثمَّ يُشارِكَهم البحثَ عنها؛ فإنْ وجَدَها هو، بَقِيَ له مالُه، وان وحَدَها غيرُه، أعطاهُ إيَّاه.
وعامَّةُ الفقهاءِ على جوازِ أن يكونَ السَّبَقُ مِن أحدِ المُتسابِقِينَ أو مِن بعضِهم، وأمَّا إنْ كان مِن جميعِهم، ففي المسألةِ خلافٌ عندَهم، والجمهورُ على المنعِ مِن ذلك وحُرْمتِه؛ لدخولِه في القِمَارِ، ما لم يدخُلْ محلِّلٌ بينَهم لا يَدفعُ عِوَضًا، فيُجِيزونَه.
ويُريدُ الفقهاءُ بالمحلِّلِ: أنَّه المتسابقُ الذي يُساوِي بقيةَ المتسابِقِينَ في السِّباقِ، لكنَّه لا يبذُلُ عِوَضًا لمَن سبَقَه، ويأخُذُ العوضَ إذا سبَقَ هو، وسمَّاهُ الفقهاءُ محلِّلًا؛ لأنَّه يُحلِّلُ للسابقِ أخذَ المالِ، فإنَّ المحلِّلَ يَجعلُ العَقدَ حلالًا، ويُخرِجُه عن كونِه قِمَارًا؛ وذلك أنَّ القِمَارَ: أنْ يكونَ المتسابِقُونَ متردِّدينَ بينَ الغُنْمِ والغُرْمِ، وأمَّا المحلِّلُ، فإمَّا غانمٌ، وإمَّا سالمٌ ليس بغارمٍ، وله لا يكونُ العقدُ قِمارًا، ويُسمَّى المحلِّلُ عندَ بعضِ الفقهاءِ: الدخيلَ أو المُحِلَّ أو الميسِّرَ، وللفقهاءِ في دخولِ المحلِّلِ أقوالٌ ثلاثةٌ:
الأولُ: دخولُ المحلِّلِ، وأنَّه لا يصحُّ العَقْدُ إلَّا به؛ وإليه ذهَبَ جمهورُ العلماءِ، وعليه مذهبُ الحنفيَّةِ والشافعيَّةِ والحنابلةِ، وهو أحدُ قولَيْ مالكٍ، واشترَطُوا لدخولِه: ألَّا يَدْفَعَ مِن مالِه شيئًا، وأنْ يُساويَهما فيُكافئَ فرسُهُ فرسَيْهما، أو بعيرُهُ بعيرَهما، أو رميُهُ رميَهما، فلا يكونُ دخولُه صوريًّا، وأن يأخُذَ المالَ إنْ سبَقَ هو مِن بينِهم؛ واستدَلُّوا على
стр. 1942
دخولِ المحلِّلِ بما جاء عندَ أحمدَ وأبي داودَ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (مَن أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُو لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ، فَهُو قِمَارٌ) (١).
وقد رواهُ مالكٌ في "الموطَّأِ"، فوقَفَهُ مِن حديثِ يحيى بنِ سعيدٍ؛ أنَّه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ: "لَيْسَ بِرِهَانِ الْخَيْلِ بَأْسٌ إِذَا دَخَلَ فِيهَا مُحَلِّلٌ، فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ السَّبَقَ، وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ" (٢).
الثاني: كراهةُ دخولِ المحلِّلِ؛ وإلى هذا ذهَبَ بعضُ الحنابلةِ المحقِّقينَ؛ كابنِ تيميَّةَ وابنِ القيِّمِ؛ وذلك أنَّهم يرَوْنَ البَذْلَ مِن الجميعِ غيرَ جائزٍ أصلًا، وإدخالُهُ نوعُ تحايُلٍ عندَ مَن يحرِّمُهُ، ويرَوْنَ أنَّ المنعَ مِن السَّبَقِ بمحلِّلٍ وغيرِ محلِّلٍ أولى بالأخذِ مِن القولِ بتحريمِهِ ثمَّ تحليلِهِ بالمحلِّلِ.
الثالثُ: لا يجوزُ إدخالُ المحلِّلِ؛ وله قال جماعةٌ مِن الفقهاءِ المالكيَّةِ، وهو معتمَدُ المذهبِ عندَهم، وقد أنكَرَ مالكٌ العملَ بقولِ سعيدِ بنِ المسيَّب بالعملِ بالمحلِّلِ، ولا يجوزُ عندَ مالكٍ أنْ يَجعلَ المتسابقانِ سبَقَينِ يُخرِجُ كلُّ واحدٍ منهما سَبَقًا مِن قَبَلِ نفسِهِ على أنَّ مَن سبَقَ منهما، أحرَزَ سبَقَهُ وأخَذَ سبَقَ صاحبِه، وقد قال مالكٌ: "لا يجبُ المحلِّلُ في الخيلِ، ولا نأخُذُ فيه بقولِ سعيدٍ" (٣).
والفرق بينَ مَن قال بالكراهةِ ومَنْ قال بعدمِ الجوازِ: أنَّ مَن قال بالكراهةِ يَرى أنَّ دخولَهُ لا يؤثِّرُ في الحِلِّ، ومَن يرى عدمَ الجوازِ رأَى دخولَه لا يؤثِّرُ في التحريمِ.
стр. 1943
ولمالكٍ في دخولِ المحلِّلِ قولٌ بجوازِه يُوافِقُ فيه قولَ ابنِ المسيَّبِ إلَّا أنَّه خلافُ المشهورِ عنه.
وعلَّلَ بعضُ المالكيَّةِ عدمَ جوازِ دخولِ المحلِّلِ بأنَّ الشرعَ منَعَ في بابِ المعاوضةِ مِن اجتماعِ العِوَضَيْنِ لشخصٍ واحدٍ لم يَبذُلْ، ويُحرَمُ منه الباقونَ الباذِلُون، وذلك في مُعاوَضاتِ البيعِ والإجارةِ والشُّفْعةِ؛ ففي البيعِ يكونُ الثمنُ والمثمَّنُ -وهو السلعةُ- مقسَّمَيْنِ بينَ البائعِ والمشترِي الذي انتقَلَ إليه المثمَّنُ، وهو المَبِيعُ.
وحديثُ أبي هريرةَ السابقُ في المحلِّلِ لا يثبُتُ رفعُهُ؛ فقد رفَعَهُ سفيانُ بنُ حُسَيْنٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا، وسفيانُ يَهِمُ في حديثِ الزُّهْريِّ؛ كما أشار إلى هذا أحمدُ (١)، وابنُ مَعِينٍ (٢)، والنَّسائيُّ (٣).
وأصحابُ الزُّهْريِّ الكِبارُ لا يَرفَعُونَهُ بل يَقْطَعونَه؛ كمَعْمَرِ بنِ راشدٍ، وعُقَيْلِ بنِ خالدٍ، وشُعَيْبِ بنِ أبي حَمْزةَ، واللَّيتِ بنِ سعدٍ، وغيرِهم (٤)، ثمَّ إنَّ تراكيبَ الحديثِ لا تُشبِهُ كلامَ النبيِّ ﷺ ، ولا الغالبَ مِن كلامِ الصحابةِ؛ وإنَّما تُشبِهُ فُتْيَا التابعِين.
وقد رجَّح الحُفَّاظُ القطعَ كأبي حاتمٍ؛ قال أبو حاتم في المرفوعِ: "هذا خطأٌ، لم يَعْمَلْ سفيانُ بنُ حُسَيْنٍ شيئًا، لا يُشبِهُ أنْ يكونَ عن النبيِّ، وأحسنُ أحوالِهِ أن يكونَ عن سعيدِ بنِ المسيَّب مِن قولِه" (٥).
ونسَبَ بعضُهم إلى الدارقطنيِّ أنَّ الرفعَ محفوظٌ، وفيه نظرٌ؛ فإنَّه لم يُرِدْ ذلك في "عِلَلِه"؛ وإنَّما أرادَ أنَّ روايةَ سعيدِ بنِ بَشِيرٍ عن قتادةَ عن
стр. 1944
ابنِ المسيَّبِ لهذا الحديثِ وَهَمٌ، وأنَّه عن الزُّهْريِّ عن ابنِ المسيَّبِ، فهو يرجِّحُ بينَ وجهَيْنِ مرجوحَيْنِ جميعًا، لا بينَ وجهٍ مرجوحٍ ضعيفٍ وبينَ وجهٍ راجحٍ صحيحٍ (١).
وجاء في المحلِّلِ مِن حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا (٢)، وفيه عاصمُ بنُ عمرَ، متكلَّمٌ فيه؛ قال البخاري: مُنكَرُ الحديثِ (٣).
* * *
* قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].
في هذه الآيةِ: فضلُ الصلاةِ على مواقيتِها؛ فقد ذكَرَ اللَّهُ في هذه الآيةِ مواقيتَ الصلاةِ جميعَها، وقد جاءَ عن ابنِ عباسٍ ﵁؛ أنَّه قال: الصلواتُ الخمسُ في القرآنِ، فقيل له: أينَ؟ فقال: قال اللَّه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: صلاةُ المغربِ والعِشاءِ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: صلاةُ الفجرِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظُّهرُ (٤).
وبنحوِه رُوِيَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والضحَّاكِ (٥).
وسأَل نافعُ بنُ الأَزْرَقِ ابنَ عبَّاسٍ، فقال له: هل تَجِدُ ميقاتَ الصلواتِ الخَمْسِ في كتابِ اللَّهِ؟ قال: نَعَمْ؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغربُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ،
стр. 1945
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظُّهْرُ، قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨] (١).
وصحَّ عن قتادةَ وابنِ زيدٍ أنَّهما جعَلَاها دليلًا على أربعةِ مواقيتَ، هي: المغربُ والفجرُ والعصرُ والظُّهْرُ (٢).
وقد تقدَّم الكلامُ على المواقيتِ الواردةِ في القرآنِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
وتقدَّم الكلامُ على أذكارِ الصباحِ والمساءِ وفضلِها وحدِّها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
فيه: إظهارُ مِنَّةِ اللَّهِ أنْ خلَقَ الأزواجَ مِن الأنفُسِ، وجعَلَها تسكُنُ وتَمِيلُ وترتاحُ وتأنَسُ إليها، فلا تَستوحِشُ منها لو كانتْ مِن غيرِ جنسِها، وجعَلَ في ذلك بينَ الزوجَيْنِ مَوَدَّةً ورحمةً لا تكونُ بينَ اثنَيْنِ، ولا يَسبِقُها ويعظُمُ عليها إلَّا مودَّةُ الإيمانِ ومحبَّتُه.
وذِكْرُ اللَّهِ للسُّكُونِ في قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ فيه إشارةٌ إلى السَّكَنِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يتحقَّقُ له معنى سكون النَّفْسِ إلى زوجهِ إلَّا بِسَكَنٍ يَجْمَعُهما، ويخلو بها فيه، ولمَّا ذكَرَ اللَّهُ أعظَمَ الغاياتِ مِن
стр. 1946
النِّكاحِ، وهو سكنُ النفوسِ، دَلَّ على أنَّ ما لا تتحقَّقُ تلك الغايةُ إلَّا به فهو مقصودٌ ومشروعٌ؛ ومِن هذا تُؤخَذُ قرينةٌ على وجوبِ السُّكْنَى للزَّوْجةِ، وهذه الآيةُ نظيرُ ما تقدَّم في قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وسيأتي الكلامُ على مسألةِ السُّكْنى بتمامِها في سورةِ الطلاقِ، عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [٦]؛ فإنَّها أصرَحُ في المسألةِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣].
وفي هده الآيةِ: مِنَّةُ اللَّهِ على عِبادِه بتقليب الأوقاتِ وتغيُّرِها؛ لِتُناسِبَ تقسيمَ أعمالِ الإنسانِ بينَ عملٍ وراحةٍ، فجعَلَ الليلَ للمَبِيتِ والمَنامِ، وجعَلَ النهارَ للكَسْبِ والمعاشِ وطلبِ الفضلِ، وكان ذلك مِن اللَّهِ آيةً لعبادِه.
القَيْلُولَةُ في نصفِ النهارِ:
وحمَلَ بعضُهم قولَه تعالى: ﴿مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ على القَيْلُولَةِ، وهي نَوْمَةُ نصفِ النهارِ واستراحتُه، وأنَّها مِن الفِطْرةِ التي يحتاجُ إليها الإنسانُ في يومِه، ولا يَلْزَمُ في القيلولةِ أن يكونَ معها نَوْمٌ؛ ولكنَّها تكونُ للرَّاحةِ.
وقد ذكَر اللَّهُ القيلولةَ في مواضعَ:
منها: في أصحاب الجنةِ؛ ولكنَّها ليستْ عن نَصَبٍ ووَصَبٍ وتَعَبٍ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والمَقِيلُ والقَيْلُولَةُ: استراحةُ الإنسانِ نصفَ النهارِ وإنْ لم يكنْ معها نومٌ.
стр. 1947
ومِن ذلك: قولُهُ تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤].
وفي القيلولةِ نفعٌ لنشاطِ البدنِ لِما بَقِيَ مِن عملِ النهارِ، ومعونةٌ على قيامِ الليلِ، وقد ذكَرَها اللَّهُ تعالى في قولِه: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨].
والقيلولةُ فِطْرةٌ ومستحَبَّةٌ عندَ أكثرِ العلماءِ، ويُروى في الأمرِ بالقيلولةِ أحاديثُ؛ منها قولُه: (قِيلُوا؛ فَإنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ)؛ كما رواهُ الطبرانيُّ في "الأوسطِ"، وأبو نُعيمٍ في "الطبِّ" (١)، ومنها قولُه: (اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهارِ، وَبِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ)؛ كما رواهُ ابنُ ماجَهْ (٢)؛ وفيها كلامٌ.
وقد ثبتَتِ القيلولةُ مِن فعلِ النبيِّ ﷺ في أحاديثَ كثيرةٍ مِن حديثِ أُمِّ حَرَامٍ (٣)، وابنِ عمرَ (٤)، وأنسٍ (٥)؛ وكلُّها في الصحيحِ.
وجاءتْ مِن فعلِ الصحابةِ عامَّةً في البخاريِّ مِن حديثِ أنسٍ (٦)، وفي "الصحيحَيْنِ" عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ مِن حديثِ سهلٍ (٧)، وفيها مِن فعلِ ابنِ عمرَ (٨).
وجاء عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: "كنَّا ونحن شبابٌ نَبِيتُ في عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ في المسجدِ ونَقِيلُ" (٩).
* * *
стр. 1948
* قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢].
أمَر اللَّهُ نبيَّه بتوجيهِ وَجْهِهِ إلى اللَّهِ وتسليمِهِ له، وبيَّن أنَّ التوحيدَ هو الفِطْرةُ التىِ خُلِقَ الناسُ مَفطورِينَ عليها، وفي "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنْصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ! ) (١).
يعني: أنَّ الإنسانَ يُولَدُ مفطورًا على الإيمانِ بخالقٍ واحدٍ، ومفطورًا على عبادتِهِ والخضوعِ له، وجعَلَ اللَّهُ فِطْرةَ الإنسانِ مُوافِقةً لشرائعِه، فلا يوجدُ شيءٌ منها خلافَ الآخر، ولكنَّ الإنسانَ ينحرفُ بتسويلِ الشيطانِ والنَّفسِ؛ كما في "صحيحِ مسلم"، عن عِيَاضِ بن حِمَارٍ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : يقولُ اللَّهُ: (إنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ) (٢).
وقد جعَلَ اللَّهُ الفِطْرة هي الدِّينَ؛ كما في هذه الآيةِ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ ولهذا لا يجوز تغييرُ الفِطْرةِ وتبديلُها على ما تستنكِرُهُ الشريعة والأوامر الربانية، وقد تقدَّم الكلامُ على الفِطرةِ وحُكْمِ تغييرِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]،
стр. 1949
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ونبَّهنا على ذلك في صدرِ كتاب "العقليَّةِ الليبراليةِ".
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: قرينة على كفرِ تاركِ الصلاةِ في مُشابهتِهِ لهم بتركِه لها، وتقدَّمَت الإشارةُ إلى ذلك في قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، ويأتي الكلامُ على كفرِ تاركِها في سورة الماعونِ بإذنِ اللَّه.
وفي قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: أنَّ الفِرَقَ والأحزاب في المُسلِمينَ ليس مِن أمرِ الفِطْرةِ التي فُطِرَ الناسُ عليها؛ فاللَّه جعَلَهم أُمَّةً واحدةً: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]؛ فالفِطرةً تُحِبُّ الجماعةَ والوَحْدةَ، والواجبُ نفيُ وجوهِ التمايزِ والتفرقِ؛ للاجتماعِ على الحقِّ على الصِّراطِ الذي خَطَّهُ النبيُّ ﷺ لأمَّتِهِ بقولِهِ وفعلِه.
وأمَّا تمايُزُ أهلِ الحقِّ عن أهلِ الضلالِ والبدعِ والكفرِ، فهذا حقٌّ، ويدُلُّ على ذلك حديثُ الافتراقِ، فقد مَدَحَ النبيُّ ﷺ الفِرقةَ المُتَّبِعَةَ ولو تمايَزتْ عن فرَقِ الضَّلَالِ، في قولِهِ ﷺ : (إِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْن وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ، إِلا وَاحِدَةً) (١)، ومِن وجوهِ الحِرْمانِ والضلالِ: أنْ تتعدَّدَ الفِرَقُ في الأمَّةِ والأحزابُ بدَعْوَى أنَّ كلَّ واحدةٍ تَرى أنَّها هي تلك الفِرْقةُ الناجية وليستْ هي إلَّا ما كان عليه النبيُّ ﷺ وأصحابُه.
стр. 1950
والمُسلِمونَ في بَلَدِ الكفرِ يجبُ عليهم أن يتمايزُوا عن المشرِكِين، ولو بأحزابٍ وجماعاتٍ ومنظَّماتٍ، ولكنَّه تمايُزٌ بينَ إسلامٍ وكفرٍ، لا تمايُزٌ بينَ مُسلِمينَ ومُسلِمينَ.
* * *
* قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٨ - ٣٩].
فيه: فضلُ الإحسانِ، وأنَّه على ذوي القُرْبَى أفضلُ مِن غيرِهم، والصدقةُ على الأقاربِ أفضلُ مِن الصدقَة على الأَبْعَدِينَ؛ لأنَّها صَدَقةٌ وصِلَةٌ، والهديَّةُ للأَقْرَبِينَ أفضلُ مِن الصدقة على الأَبْعَدِين؛ لأثرِ هديَّةِ القريب عليه في جلبِ فضائلَ عظيمةٍ؛ كصِلَةِ الرحمِ، وشدِّ الأزرِ به عندَ الحاجةِ إليه في حقٍّ، وأثرُ الهديةِ في القريبِ أَدْوَمُ مِن أثرِ الصَّدَقةِ في البعيدِ؛ لِمَا في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ ميمونةَ بنتَ الحارث ﵂ أعْتَقَتْ وَليدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قالَ: (أَوَ فَعَلْتِ؟ )، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: (أمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ، كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ) (١).
وقد تقدم بيانُ فضلِ الصدقةِ والإحسانِ على الأَقْرَبِينَ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ
стр. 1951
وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].
إهداءُ الهديَّةِ رجاءَ الثوابِ عليها:
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ فسَّرَهُ جماعةٌ بمَن يُعطي الهديَّةَ والعطيَّةَ أو الصدقةَ، ويُريدُ مقابلًا عليها؛ فهذه لا يتقبَّلُها اللَّهُ مِن صاحِبِها؛ لأنَّه لم يُرِدْ بها وجهَ اللَّهِ؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومجاهدٍ، وطاوسٍ (١).
وقد رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ قال: "هو ما يُعطِي الناسُ بينَهم بعضُهم بعضًا؛ يُعطِي الرجلُ الرجلَ العطيةَ يُريدُ أنْ يُعطَى أكثَرَ منها" (٢).
وصحَّ عن طاوُسٍ، قال: "هو الرجلُ يُعطِي العطيَّةَ، ويُهدِي الهديَّةَ؛ ليُثابَ أفضَلَ مِن ذلك، ليس فيه أجرٌ ولا وِزْرٌ" (٣).
وهذا لا يتعارضُ مع كونِ النبيِّ ﷺ يَقْبَلُ الهديَّةَ ويُثِيبُ عليها، كما ثبَت في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ (٤)؛ فهذا فعلُ المُهْدَى إليه، وليس فِعلَ المُهْدِي، والمُهْدِي ينبغي له أن يُهْدِيَ الهديَّةَ والعطيَّةَ والصدقةَ ولا ينتظرُ ثوابَها؛ ليتحقَّقَ له الأجرُ، وأمَّا المُهْدَى إليه، فيُستحَبُّ له أن يُثيبَ على الهديَّةِ؛ ردًّا للمعروفِ وإكرامًا للمُهْدِي ولو لم يَنتظِرْها، وهذا يَرِدُ مِثلُه في الشريعةِ؛ فنظيرُ ذلك: أنَّه يجوزُ للرجلِ أو قد يُستحَبُّ أن
стр. 1952
يقومَ إكرامًا لشخصٍ يدخُلُ عليه؛ لكنَّه لا يجوزُ للداخلِ أن يُحِبَّ أن يَمْثُلَ الناسُ له قِيَامًا؛ كما في الحديثِ المرفوعِ: (مَنْ سَرَّهُ إِذَا رَأَتْهُ الرِّجَالُ مُقْبِلًا أَنْ يَتَمَثَّلُوا لَهُ قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي النَّارِ) (١).
* * *
стр. 1953
سورة لقمان
سورةُ لُقْمانَ مكيَّةٌ، وإنَّما الخلافُ في بعضِ آياتِها (١)، وموضوعُها وآياتُها دالَّةٌ على ذلك، وفي السورةِ: تعظيمُ القرآنِ، وفضلُ اللَّهِ بإنزالِه، وبيانُ ما يَصرِفُ الناسَ عنه مِن اللَّهْوِ واللَّغْوِ، وبيانُ آياتِ اللَّهِ ومُعْجِزاتِهِ في خَلْقِه؛ مِن السماءِ والأرضِ والكواكبِ، وذِكرُ اللَّهِ مِن أخبارِ مَن سبَقَ وقصصِهم كلُقْمانَ، وبيانُ عاقبةِ المُعانِدينَ، والتذكيرُ بيومِ المَعادِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦].
كانت قريشٌ تَتَّخِذُ الغناءَ تَلْهُو به عن سماعِ كلامِ اللَّهِ، وهو أحسنُ الحديث؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، فسمَّى اللَّه غِناءَهم ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾.
وقد فسَّر لَهْوَ الحديثِ في هذه الآيةِ بالغِناءِ جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعينَ؛ كابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومجاهِدٍ، وعِكْرِمةَ، ومكحولٍ وقتادةَ وغيرِهم (٢).
وقد روَى ابنُ جريرٍ والبيهقي، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ ﵁؛ أنَّه
стр. 1954
قال: "واللَّهِ الذي لا إِلهَ إلَّا هو، إنَّ لَهوَ الحديثِ لَهُوَ الغِناءُ"، ثمَّ ذكَرَها ثلاثًا (١).
وابنُ مسعودٍ هو مِن أعلَمِ الصحابةِ بالتفسيرِ، إنْ لم يكن أعلَمَهُمْ على الإطلاقِ.
الغِناءُ والمَعَازِفُ والفَرْقُ بينَهما:
وقد جاء في الشريعةِ النهيُ في هذا البابِ عن شيئَينِ يَخلِطُ بينَهما كثيرٌ مِن الناسِ: الأول: الغِناءُ، والثاني: المعازفُ، ولا يَلزَمُ اجتماعهما؛ فقد يكونُ الغِناءُ بلا مَعازِفَ، وقد تكون المعازِفُ بلا غِناءٍ، وقد يجتمعانِ.
أمَّا الأولُ: فالغِناءُ، والمرادُ به هو إنشادُ الشِّعْرِ بالصوتِ الحسَنِ المجرَّدِ عن أيِّ مضافٍ إليه من الآلاتِ، وهذا النوعُ نُهِيَ عنه لا لِذَاتِه؛ وإنَّما إنْ كان يتضمَّنُ صدًّا عن ذِكرِ اللَّهِ، كما كانت تتَّخِذُهُ قريشٌ في مَكَّةَ؛ حتى لا تَسْمَعَ كلامَ اللَّهِ وكلامَ النبيِّ ﷺ .
ولا يَلزم مِن الغناء أن يكون معه مَعازِفُ، ولكنَّه غلَبَ في استعمالِ الناسِ أنَّ الغِناءَ هو الذي يكونُ معه آلاتُ الطرَبِ، وليس مقصودًا بهذا المعنى عندَ العرَبِ.
ومَن نظَرَ إلى النصوصِ مِن أفعالِ الصحابةِ وكذلك أشعارِ العربِ، وجَدَ أنَّهم يُطلِقونَ الغِناءَ ويُريدونَ به الشِّعْرَ والحُدَاءَ، حتى أشكَلَ ذلك على كثيرٍ مِن المتأخِّرِين، وظَنُّوا أنَّ قولَ السلفِ في الغِنَاءِ إنَّما هو المَعازفُ كما هو اصطلاحُ المتأخِّرِين؛ وهذا جَهْلٌ وسوءُ فَهْمٍ؛ فإنَّ هذا لم يكنْ موجودًا عندَ السلفِ مطلَقًا.
стр. 1955
فالغِناءُ عندَ العربِ هو صوتُ الفَمِ؛ كما يقولُ حُمَيدُ بنُ ثَوْرٍ:
عَجِبْتُ لَهَا أَنَّى يَكُونُ غِنَاؤُهَا … فَصِيحًا وَلَمْ تَفْغَرْ بِمَنْطِقِهَا فَمَا (١)
ويَرِدُ عن بعضِ السابِقينَ: أنَّه سَمِعَ الغِنَاءَ، والمرادُ بذلك: هو إنشادُ الشِّعرِ بالصوتِ الحسَنِ، وليس المرادُ الموسيقا والمعازفَ.
والغِناء عندَ السلفِ جاء النهيُ عنه لا لِذَاتِه؛ وإنَّما إنْ صَدَّ عن ذِكْرِ اللَّهِ، ومِثلُه إنشادُ الأشعارِ باللُّحُونِ، وإنْ لم يَصُدَّ جازَ.
وقد قال ابنُ الجوزيِّ: "كان الغِنَاءُ في زمانِهم إنشادَ قصائدِ الزُّهْدِ، إلَّا أنَّهم كانوا يُلحِّنونَها" (٢).
ومِن هذا قولُ بعضِ الفقهاءِ بحَضْرةِ الرشيدِ لابنِ جامعٍ: الغِنَاءُ يُفطِرُ الصائمَ، فقال: ما تقولُ في بيتِ عمرَ بنِ أبي ربيعةَ إذْ أنشَدَ:
أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ … غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائِحٌ فَمُهَجِّرُا
أيُفطِرُ الصائمَ؟
قال: لا؛ قال: إنَّما هو أنْ أَمُدَّ به صوتي، وأُحرِّكَ به رأسي (٣).
ومِن هذا: قولُ عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ: "لا بأسَ بالغِنَاءِ والحُدَاءِ للمُحْرِمِ" (٤).
وأمَّا الثاني: فالمَعازِفُ، وهي آلاتُ الطرَبِ مِن العُودِ والقَصَبِ، والمِزْمارِ والموسيقا، والآلاتِ الإلكترونيَّةِ الحديثةِ التي تُخرِجُ ما يَخرُجُ مِن المعازفِ، فإنَّها تأخُذُ حُكْمَها؛ لأنَّ الشريعةَ لا تفرِّقُ بينَ المتماثِلاتِ، فإنَّها لم تحرِّمِ الخمرَ لكونِهِ تمرًا أو زَبيبًا أو دُبَّاءً أو غيرَ
стр. 1956
ذلك؛ وإنَّما لأنَّه يُخامِر العقلَ ويُسكِرُه ويغطِّيه؛ فكلُّ ما كان فيه هذه العلةُ يُسمَّى خمرًا محرَّمًا ولو كان مِن غيرِ تلك الأصنافِ؛ بل حتى لو كان إلكترونيًّا كما حدَثَ في هذا الزمنِ ممَّا يُسمَّى بالمخدِّراتِ الإلكترونيَّةِ؛ إذ تُوضَعُ سمَّاعاتٌ في الأُذُنِ وتُحدِثُ أصواتًا متناغمةً على نسقٍ معيَّنٍ يُؤثِّرُ في انتظامِ العقلِ فيَختلُّ، ويكونُ السامعُ بعدَ وقتٍ فاقدًا لعقلِهِ كنَشْوةِ السَّكْرانِ، ثمَّ لا يلبثُ إلَّا ويُفيقُ.
والمعازِفُ حُرِّمَتْ لذاتِها؛ فما كان آلةَ عَزْفٍ واتُّخِذَ لذلك، فهو محرَّمٌ ولو لم يكنْ معه شِعْرٌ وكلامٌ؛ وذلك لقولِ النبيِّ ﷺ : (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ)؛ رواهُ البخاريُّ (١)، وقال بتعليقِه ابنُ حزمٍ (٢)، وليس كذلك، وقد بيَّنَّا وَصْلَهُ وصِحَّتَهُ في رسالةِ "الغِنَاءِ".
وتحليلُ المعازفِ اليومَ مِن علاماتِ النبوَّةِ التي أخبَرَ عنها النبيُّ ﷺ ، يَزِيدُ المؤمِنَ يقينًا بصِدْقِ رسالتِه لإخبارِه، ولا يُشكِّكُهُ في حُكْمِ المعازِفِ؛ إذْ لا يوجدُ مذهبٌ مِن المذاهبِ الأربعةِ، ولا قَرْنٌ مِن قرونِ الإسلامِ، ولا بلدٌ مِن بُلْدانِه خلا من عالِمٍ يَحكِي الإجماعَ على حُرمتِها.
* * *
* قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
أمَرَ لُقْمانُ ابنَه بالصلاةِ، وقرَنَ الأمرَ بها بأمرٍ آخَرَ، وهو الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المُنكَرِ، يعني: اؤمُرْ غيرَك؛ لأنَّ صلاةَ العبدِ إنْ كَمَلَتْ، نَهَتْهُ هو عن الفحشاءِ والمُنكَرِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ
стр. 1957
الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فأمَرَ لقمان ابنَهُ أن يأمُرَ غيرَهُ؛ لاكتفائِهِ بقيامِ صلاته بذلك في نفسه؛ فمَن تَمَّتْ صلاتُه، تمَّ باقي دِينِه، وبمقدارِ نَقْصِها والتفريط فيها وفي خشوعِها يَنقُصُ دِينُهُ ويضعُفُ أثرُها عليه.
وقولُه تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، فيه: أنَّ دعوةَ جميعِ الأنبياءِ والأولياءِ الجمعُ بينَ (الأمرِ) و (النهي): أمرٍ بمعروفٍ، ونهيٍ عن منكَرٍ، ولا يُقتصَرُ على واحدٍ دون الآخَرِ.
وبعضُ المُصلِحِينَ يَمِيلُ إلى إظهارِ المعروفِ، ويعطِّلُ النهيَ عن المنكَرِ؛ لأنَّ الناسَ لا يُحِبُّونَ مَن يَنْهاهُم عن شهواتِهم، وهؤلاءِ المُصلِحونَ قاموا ببعضِ الكتابِ وترَكُوا بعضًا، ومنَعَهُمْ خشيةُ تفويتِ محبةِ الناسِ واستعدائِهم، وهذا ليس طريقًا للأنبياءِ.
وقوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾، فيه: أنَّ البلاءَ لا بدَّ أن يَلحَقَ الآمِرَ بالخيرِ والناهيَ عن الشرِّ لا محالةَ؛ ولهذا لم يأمُرهُ بتجنُّبِ البلاءِ؛ وإنَّما أمَرَهُ بالصبرِ عليه؛ لكونِ البلاءِ متحقِّقًا قَدَرًا؛ سواءٌ قَلَّ أو كثُر، ولكنْ يجبُ معه الصبرُ.
وقد تقدَّم الكلامُ على شريعةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكَرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].
في هذه الآيةِ: إرشادٌ إلى الاعتدالِ في المشي والكلامِ؛ فيكونُ
стр. 1958
وسطًا؛ فلا يُسرِعُ في مَشْيِه، ولا يكونُ بطيئًا كسَيْرِ المتكبِّرِ، وقد فسَّر مجاهِدٌ قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ بالتواضُعِ (١)، وقال قتادةُ: "نَهَاهُ عن الخُيلاءِ" (٢).
وفسَّر يزيدُ بن أبي حبيب القصدَ في المشيِ بالسُّرْعةِ (٣)، ولعلَّه حمَلَ ذلك على أنَّ السُّرْعةَ في المشي تُنافِي الخُيَلاءَ؛ فعادةُ أهلِ الكِبْرِ السَّيْرُ البطيءُ المتكلَّفُ.
وقد كان النبيُّ ﷺ يَحُث على السَّكِينةِ، ويأمُرُ بالتوسُّطِ، ويَنهى عن الإسراعِ المتعجِّلِ؛ ومِن ذلك قولُهُ ﷺ : (أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ) (٤)، والإِيضاعُ الإسراعُ، وأمَّا ما يُروى من حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (سُرْعَةُ المَشْي تُذْهِبُ بَهَاءَ المُؤْمِنِينَ)؛ فقد رواهُ أبو نُعَيْمٍ في "الحِليةِ" (٥)؛ ولا يصحُّ.
وغَضُّ الصوتِ خَفْضُه؛ فليس بالمرتفع الصارخ كصوتِ الحمارِ، ولا بالخافضِ الذي لا يُسمَعُ، وقولُه: ﴿أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾؛ يعني: شَرَّها.
وكان عمرُ لا يَرَى التكلُّفَ برفعِ الصوتِ حتى في الأذانِ؛ كما روى البيهقيُّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عن أبي مَحْذُورَةَ؛ قال: لمَّا قَدِمَ عُمَرُ مَكَّةَ، أَذَّنْتُ، فَقَالَ لِي عُمَرُ: بَا أَبَا مَحْذُورَةَ، أَمَا خِفْتَ أَنْ يَنْشَقَّ مُرَيْطَاؤُكَ؟ ! (٦).
وهذه الآياتُ مكيَّةٌ كما هو أصلُ السورةِ، وعادةُ السُّوَرِ المكيَّةِ لا تأمُرُ بمِثْلِ هذه الآدابِ والسلوكِ؛ وإنَّما تأمُرُ بما تدُلُّ عليه الفِطْرةُ
стр. 1959
عامَّةً، وأمَّا الآدابُ كصِفَةِ المشي والقيامِ والقعودِ واللِّبَاسِ والكلامِ وأحكامِه، فإنَّه من علاماتِ السُّوَرِ المَدَنيَةِ، ولكنَّ هذه الآياتِ جاءتْ في سياقِ قصةِ لُقْمانَ، ولم تكن أمرًا للناسِ في مَكَّةَ وتشريعًا يَختصُّونَ به، وإنِ انتفَعُوا مِن ذلك بالاقتداءِ بمنْ سبَقَ كما يَرِدُ في القرآنِ كثيرٌ مِن الآداب في قَصَصِ الأنبياءِ كإبراهيمَ وموسى وعيسى وغيرِهم.
* * *
стр. 1960
سورة السجدة
سورةُ السَّجدةِ سورةٌ مكيَّةٌ، واستثنى بعضُ السلفِ منها بِضعَ آياتٍ؛ منهم مَنْ جعَلَها ثلاثًا، ومنهم مَن جعَلَها خمسًا (١)، وسياقُ آياتِها سياقُ المكيَّاتِ في موضوعِها؛ ففيها بيانُ تنزيلِ القرآنِ والحِكْمةِ منه، وتذكيرُ الإنسانِ بضَعْفِ خِلْقَتِه، وتدبيرُ اللَّهِ للغَيْثِ وتسييرُه له، وبيانُ عاقبةِ الإنسانِ وتذكيرُهُ بوقوفِهِ بينَ يدَيْ رَبِّهِ وأحوالِ الناسِ في الآخرةِ، والتذكيرُ ببعضِ الرُّسُلِ السابقِين.
* * *
* قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
ذكَر اللَّهُ خِصالَ المؤمنينَ، وذكَرَ منها أنَّهم يَخِرُّونَ سُجَّدًا للَّهِ، ويُسبِّحون في سجودِهم، وفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ التسبيحِ بحمدِ اللَّهِ في السجودِ.
حُكْمُ التسبيحِ في السُّجُودِ والرُّكُوعِ:
ولا خلافَ في مشروعيَّةِ التسبيح بحمدِ اللَّهِ في السجودِ؛ لثُبُوتِهِ في القرآنِ وعملِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه، وإنَّما الخلافُ عندَ الفقهاءِ في وجوبِ
стр. 1961
التسبيحِ في السجودِ، ومِثلُه الركوعُ، على قولَيْنِ للفقهاءِ، هما روايتانِ عن أحمدَ:
الأولى: الوجوب؛ وهو قولُ داودَ، وهو مذهبُ الحنابلةِ، ورجَّحه جماعةٌ من محقِّقي المذهبِ، وقال به داودُ؛ وذلك لِما رواهُ أحمدُ وأبو داودَ؛ مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ ﵁؛ قال: لمَّا نزلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و ٩٦، والحاقة: ٥٢]، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (اجْعَلُوهَا فِي رُكوعِكم)، فلمَّا نزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: (اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ) (١)، وحمَلُوا الأمر الواردَ في الحديثِ على الوجوبِ.
الثانيةُ: الاستحبابُ؛ وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ لم يعلِّمْهُ المُسِيءَ في صلاتِه، وما عَلَّمَهُ إلَّا ما تصحُّ به الصلاةُ.
وحديث عُقبةَ متكلَّمٌ فيه، يَرويهِ موسى بنُ أيوبَ، عن عمِّه إياسِ بنِ عامرٍ، عن عُقْبةَ، وإياسٌ مستورٌ قليلُ الحديثِ لا يُعرَفُ راوٍ عنه غيرُ ابنِ أخيه، وموسى في حديثهِ المرفوعِ عن عمِّه كلامٌ؛ فقد ضعَّف ابنُ مَعِينٍ حديثَهُ المرفوعَ عن عمِّه (٢).
ثمَّ أيضًا فإنَّ قولَهُ تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] في سورة الأعلى، وقولَه تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و ٩٦، والحاقة: ٥٢] في سورةِ الواقعةِ والحاقَّةِ، وهذه السَّوَرُ الثلاثُ مكيَّةٌ، وتقييدُ الأمرِ بها عندَ نزولها دالٌّ على أنَّ الوجوب كان بمَكَّةَ، ومِثلُ هذه الأذكارِ وجنسُ هذه الواجباتِ مِن الأقوالِ في الصلاةِ: لم يُفرَضْ إلَّا في المدينةِ، ولو كان فرضًا قديمًا لاشتهَرَ فرضُه، وتمَّ تعليمُهُ الناسَ مع تعليمِ الصلاةِ لكلِّ أحدٍ.
стр. 1962
وأمَّا التسبيحُ الواردُ في السجودِ الذي أُشِيرَ إليه في الآيةِ، فقد جاء عن النبيِّ ﷺ في صِيَغٍ، منها ما يَشترِكُ فيه الركوعُ والسجودُ، ومنها ما ينفرِد به السجودُ؛ ومِن ذلك:
- ما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديث عائشةَ ﵂؛ قالت: كان النبيُّ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)؛ يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ (١).
- ومنها: ما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبِّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ) (٢).
- ومنها: عندَه مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا سَجَدَ، قال: (اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدتُّ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ) (٣).
- ومنها: ما في "المسنَدِ"؛ من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: بِتُّ عندَ خالتي مَيْمُونةَ؛ قال: فانتبهَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مِن اللَّيْلِ، فذكَرَ الحديثَ، وفيه قال: ثمَّ ركعَ، قال: فرأَيْتُهُ قال في ركوعِهِ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)، ثمَّ رفَعَ رأسَهُ، فحَمِدَ اللَّهَ ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يَحْمَدَه، قال: ثمَّ سجَدَ، قال: فكان يقولُ في سُجُودِه: (سبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى)، قال: ثمَّ رفَعَ رأسَهُ، قال: فكان يقولُ فيما بينَ السَّجْدَتَيْنِ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي) (٤).