← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤]. ذكَر اللَّهُ نِعْمةَ الركوبِ على الدوابِّ والفُلْك، وأشار إلى أنَّ أعظَمَ المواضعِ التي يَتذكَرُ فيها العبدُ نِعَمَهُ هي حالُ انتفاعِهِ منها، وأمَرَ بشكرِ المُنعِمِ عندَ ذلك وذِكْرِه، واظهارِ الافتقارِ إليه، والبراءةِ مِن الحَوْلِ والقوةِ إلَّا به؛ حتى لا يَغتَرَّ الإنسان بما فعَلَ مِن تدبيرٍ، وهذه الآيات نزَلَتْ والمراكبُ مِن الأنعامِ: الإبلِ والبقرِ والغنم، ولم يَصنَعِ الإنسانُ حينَها إلَّا الفُلْكَ بيدِه، ومع ذلك ذكَّر اللَّهُ بتلك النِّعَم، وأمَرَ بالافتقارِ وعدمِ الاغترار، والإنسان اليومَ أحوَجُ إلى ذلك وهو يصنعُ طائراتٍ وسيَّاراتٍ وقاطراتٍ وأنواعَ المراكبِ التي لم تكنْ فيمَن قبلَهم، وفتنتُهم فيها أشَدُّ ممَّن قبلَهم. وفي هذه الآيةِ: بيانٌ لذِكْرِ الركوبِ على المراكبِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذِكْرِ الركوبِ ودُعَاءِ السفرِ وذِكرِه، والفرقِ بينَهما، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١] * * *

стр. 2032

* قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. ذكَر اللَّهُ المرأةَ فوصَفَها بأنَّها تُنَشَّأُ لابسةً حُلِيًّا وزِينةً مِن صِغَرِها، وفي ذلك أنَّ الحِلْيَةَ مِن خصائصِ المرأة، وأمرُها في ذلك فيه سَعَةٌ؛ فيجوزُ للمرأةِ أن تَلبَسَ مِن الحُلِيِّ ما شاءتْ. لُبْسُ الصبيِّ والرجُلِ للحُلِيِّ: والأصلُ: أنَّه لا يُشرَعُ تَحْلِيَةُ الغلام، ولا أنْ يتحلَّى الرجلُ؛ لأنَّ هذا ليس مِن خصائصِه الفِطْريَّةِ، وتَحْلِيَتُهُ بالحُلِيِّ كالقِلادةِ والسِّوَارِ تأنيثٌ له، فيُكرَهُ إلباسُ الصبيِّ المعادِنَ تحليةً له ولو لم تكنْ ذهبًا، فهي إن لم تحرُمْ لكونِها ذهبًا وفضةً، إلَّا أنَّه يُمنَعُ منها لمُخالَفَتِها للفِطْرة، وقد قال ﷺ في أسامةَ بنِ زيدٍ: (لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةً، لَحَلَّيْتُهُ وَكَسَوْتُهُ؛ حَتَّى أُنَفِّقَهُ)؛ رواهُ أحمدُ وابنُ ماجَه (١)، فكما أنَّ الجاريةَ تُفارِقُ الغلامَ في الكِسْوة، فإنَّها تُخالِفُه كذلك في الحُلِيِّ. وأمَّا الذهبُ، فقد حرَّم اللَّهُ على الرجالِ التحلِّيَ به، وقد قال النبيُّ ﷺ في الذهبِ والحَرِيرِ: (أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا)؛ رواهُ أحمدُ والنَّسائيُّ (٢)، وقد رأى النبيُّ ﷺ على رجلٍ خاتَمًا مِن ذهبٍ، فقال له: (يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ، فَيَجْعَلُهَا في يَدِهِ)؛ رواهُ مسلمٌ (٣). فلا يجوزُ لُبْسُ الرجلِ لخاتَمِ الذهبِ، وأمَّا خاتَمُ الفضةِ، فجائزٌ أنْ

стр. 2033

يَلْبَسَهُ الرجلُ، وقد ثبَتَ عنه ﷺ أنَّه اتَّخَذَ خاتَمًا مِن فِضَّةٍ؛ كما في "الصِحيحَيْنِ"، عن أنسٍ؛ قال: "لَبِسَ رسولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ" (١). وفي قولِه: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أنَّ المرأةَ جُبِلَتْ على حياءٍ وانكسارٍ! فلا تَقْوَى على إظهارِ الحُجَّةِ عندَ الخصوماتِ والخلافاتِ، وفي هذا ضَعْفُ منزلتِها في أبوابِ القضاءِ والحُكْمِ، فمَن لم يكنْ كاملًا في الإفصاحِ عن حُجَّتِهِ عندَ النِّزاعِ، فإنَّ قضاءَهُ عندَ تخاصُمِ الناسِ إليه أظهَرُ في الضَّعْف، فالمرأةُ تَغلِبُها العاطفةُ والشفقةُ، وتُفقِدُها تمييزَ الحقوق، فتَلِينُ مع مَن يُبْدِي ضَعْفًا ومَسْكَنةً وبُكاءً ورِقَّةً ولو كانتْ حُجَّتُهُ ضعيفةً، على مَن كان ثابتًا قويًّا ولو كانتْ حُجَّتُهُ قويَّةً، وقد تقدَّم الكلامُ على وِلَايةِ المرأةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. * * *

стр. 2034

سورة الأحقاف سورةُ الأَحْقَافِ مكيَّةٌ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمةُ، وإنَّما الخلافُ في آياتٍ يسيرةٍ (١). ويَظهَرُ في الأحقافِ الدعوةُ إلى التوحيدِ، واتفاقُ دعوةِ الرُّسُلِ عليه وعلى التحذيرِ مِن الشِّرْكِ، وبيانُ خطرِ عاقبةِ المشرِكِينَ وحَسْرَتِهم، وفي السُّورةِ: الدعوةُ إلى بعضِ أصولِ الفِطْرةِ العامَّةِ كالبِرِّ والإحسانِ، وفيها ذِكْرٌ لآياتِ اللَّهِ الكونيَّةِ وتفرُّدِهِ بالخَلْقِ واستحقاقِهِ لذلك للعبادةِ وَحْدَه. * * * * قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥]. وقد أمَرَ اللَّهُ بالإحسانِ إلى الوالدَيْنِ في آياتٍ كثيرةٍ، بل قد قرَنَ اللَّهُ بِرَّ الوالدَيْنِ بتوحيدِه وعِبَادتِهِ؛ لِعَظَمَتِهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [العنكبوت: ٨]، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا

стр. 2035

مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، وتقدَّم الكلامُ في بِرِّ الوالدَينِ وفضلِهِ فيما سبَقَ مِن الآياتِ. وقولُه تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾؛ يعني: على كُرْهٍ وشدةٍ وألمٍ، وقدَّم اللَّهُ الأُمَّ وخَصَّها بالذِّكْرِ؛ لِفَضْلِها وتقدُّمِ حقِّها على حقِّ الأبِ بالإجماعِ، وفي هذا يقولُ النبيُّ ﷺ كما رواهُ أحمدُ: "أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاَك، ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ" (١). وفي "الصحيحَيْنِ" عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، مَن أحَقُّ النَّاس بِحُسنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: (أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (٢). أكثَرُ الحملِ والرَّضَاعِ وأقَلُّهُ: وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ إشارةٌ -لا صريحُ عبارةٍ- إلى أنَّ أقلَّ الحملِ ستةُ أشهُرٍ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ جعَلَ مدةَ الرَّضَاعِ حولَيْنِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ وذلك أنَّ اللَّهَ جعَلَ الحملَ والرَّضَاعَ ثلاثِينَ شهرًا، والحَوْلانِ أربعةٌ وعشرونَ منها، وبَقِيَ ستةُ أشهُرٍ. ورُوِيَ الاستدلالُ لذلك عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ؛ فقد رَوَى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أبي الأسودِ الدِّيَلِيِّ؛ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رُفِعَتْ

стр. 2036

إليه امرأةٌ ولَدَتْ لستةِ أشهُرٍ، فهَمَّ برَجْمِها، فبلَغَ ذلك عليًّا، فقال: ليس عليها رَجْمٌ؛ قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وستةُ أشهُرٍ؛ فذلك ثلاثونَ شهرًا (١). وقد أخرَجَ ابنُ جريرٍ، عن بَعْجَةَ بنِ زيدِ الجُهَنيِّ؛ أنَّ امرأةً منهم دخَلَت على زَوْجِها، وهو رجلٌ منهم أيضًا، فولَدَتْ له في ستةِ أشهرٍ؛ فذُكِرَ ذلك لعثمانَ بنِ عَفَّان، فأمَرَ بها أنْ تُرْجَمَ، فدخَلَ عليه عليٌّ بن أبي طالبٍ، فقال: إنَّ اللَّهَ يقولُ في كتابِه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، قال: فوَاللَّهِ، ما عَبِدَ عثمانُ أنْ بعَثَ إليها تُرَدُّ (٢). وقد أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي عُبَيْدٍ مَولى عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، وذكَرَ أنَّ المُستدِلَّ إنَّما هو ابنُ عبَّاسٍ (٣). وهو صحيحٌ، وقد ذكَره مالكٌ في "الموطَّأِ" بلاغًا (٤). وربَّما كان ذلك في نوازلَ متعدِّدةٍ، وقد اختلَفَ العلماءُ في أقلِّ الحمل، والذي عليه الجمهورُ: أنَّ أقَلَّه ستةُ أشهُرٍ؛ وذلك لِمَا سبَقَ. وقد يُوجَدُ مَن يُولَدُ لأقلَّ مِن ستةِ أشهْرٍ، لكنَّه لا يعيشُ غالبًا بعدَ ولادتِهِ إلَّا بمُنقِذٍ مِن الآلاتِ والأجهزةِ الحديثة، والنادرُ لا حُكمَ له في أبوابِ الإطلاق، وإلَّا لم يصحَّ إطلاقٌ ولا عمومٌ ولا قاعدةٌ، وليس في إثباتِ الولادةِ لأقلَّ مِن سِتٍّ ما يُشكِّكُ في الوحي؛ كما يَزعُمُ أهلُ الباطلِ؛ وذلك أنَّ القرآنَ لم يصرِّحْ بذلك؛ وإنَّما جَعَلَهُ تقريبًا، لا حدًّا

стр. 2037

فاصلًا لا يَستأخِرُ ولا يَستقدِمُ؛ لأنَّ حَوْلَي الرَّضَاعةِ يجوزُ قَصْرُهما في قولِهِ تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وكان الرَّضَاعُ والحَمْلُ يَكْفِيهِ ثلاثونَ شهرًا، فلو وُلِدَ لتِسْعٍ، فَإن قُصِرَ الرَّضَاعُ ثلاثةَ أشهُرٍ، فذلك لا يؤثِّرُ على كمالِ الطفلِ، ولا حقِّه في الإرضاعِ على أبيهِ أو أمِّه ومُرْضِعتِه، وكأنَّه بيانٌ لحدِّ الكفايةِ؛ فما فاتَهُ مِن غذاءٍ في بطنِ أمِّه يَستدرِكهُ بإتمامِ الحولَيْن، وما أَتمَّهُ في بطنِ أمِّه يجوزُ قصرُهُ مِن الرَّضَاعِ عن الحولَيْن، وبذلك يتمُّ حقُّه بالطعام، وهو ثلاثونَ شهرًا؛ وهذا مُحْتمَلٌ. ثمَّ إنَّ الحياةَ بغيرِ الرَّحِمِ، والسلامةَ مِن غيرِ تكييفٍ خارجٍ عن العادةِ - ليستْ مقصودًا في الآيةِ؛ فاللَّهُ ذكَر الحَمْلَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾؛ يعني: على شِدَّةٍ وكُرْهٍ ومشقةٍ، فهي الحاملةُ لا غيرُها، وأمَّا الحملُ في غيرِ الرحمِ كما يكونُ في الطبِّ الحديث، فذلك غيرُ مقصودٍ في إحصاءِ المُدَّةِ في الآيةِ. وقد اخْتُلِفَ في أكثرِ مدةِ الحملِ أيضًا: وأكثرُهُ عندَ الجمهورِ: أربعُ سنواتٍ، وهو قولُ المالكيَّةِ والشافعيَّةِ والحنابلةِ. وفي قولٍ لبعضِ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ: أنَّها خمسُ سنواتٍ. ومذهبُ الحنفيَّةِ -وبه يقولُ بعضُ الحنابلةِ-: أنَّها سنتانِ. ومنهم: مَن حَدَّ أعلاهُ بسَنَةٍ، كابنِ عبدِ الحكمِ وابنِ رُشْدٍ (١). ومن العلماءِ: مَن لم يجعلْ للحملِ حَدًّا، لا في قليلِه ولا في كثيرِه؛ وله قال أبو عُبَيْدٍ (٢).

стр. 2038

وهذا التقديرُ مِن الفقهاءِ جريًا على ما سَمِعُوهُ مِن أحوالِ النساءِ، وليس في ذلك شيءٌ يَفصِلُ مِن الشرعِ ولا يثبُتُ، وفي كتبِ التاريخِ والسِّيَرِ مرويَّاتٌ في الحملِ سِنِيِنَ، وهذا كلُّه ممَّا لا يثبُتُ، ومه ما يُجزَمُ بكذبِه، وما صحَّ سندُهُ، فإنَّ الناسَ قد يظُنُّونَ انتفاخَ بطنِ المرأةِ حملًا لجهلِهم، ويُظُنُّونَ أنَّ ما فيها ولدٌ، ويَطَؤُها زوجُها ويظُنُّها موطوءةً على حَمْلٍ، فتَحمِلُ منه بعدَ ذلك، ويظُنُّ أنَّ حَمْلَها بدَأَ مِن حسابِ حَمْلِها الكاذبِ؛ وذلك لقلةِ الطبِّ ومعرفةِ الناس، وأقوالُ الفقهاءِ في ذلك ليستْ عن نصٍّ، وإنَّما لسماع أحوالٍ بَنَوْا عليها واحتاطُوا، وفي هذا يقولُ ابنُ عبدِ البَرِّ: "وهذه مسألةٌ لا أصلَ لها إلَّا الاجتهادُ، والرَّدُّ إلى ما عُرِفَ مِن أمرِ النساءِ" (١). * * *

стр. 2039

سورة محمد سُوْرَةُ مُحَمَّدٍ تُسمَّى سورةَ القِتَالِ؛ لِمَا فيها مِن أحكامِ القتالِ والأَسْرى، وهي مَدَنِيَّةٌ على الأصحِّ، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك (١)، وليس كذلك؛ فمِن العلماءِ مَن قال: بأنَّها مكيَّة، وهذا يُروى عن سعيدِ بنِ جُبَير، والضَّحَّاكِ، والسُّدِّيِّ، والذي عليه أكثرُ السلفِ؛ أنَّها مدَنيَّةٌ، وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَير، ومجاهِدٍ، وقال بذلك عبدُ الرزَّاقِ (٢)، وعامَّةُ المفسِّرينَ (٣). وتضمَّنتْ سورةُ محمَّدٍ حالَ الكافِرِينَ والمؤْمِنِينَ في اتِّبَاعِ الحقِّ، وعاقبةَ الفريقَيْنِ ومُستقَرَّهم، وحُكْمَ قتالِ الكافِرِينَ ومُهادَنَتِهم، ومواقفَ المُنافِقِينَ منه وأوصافَهم، وفضلَ النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾ [محمد: ٤]. أمَرَ اللَّهُ بجهادِ الكافِرِينَ والشِّدَّةِ عليهم في ذلك، وعندَ لقاءِ العدوِّ

стр. 2040

في الحربِ يُضرَبُ بما يُفنِيهِ، ويُقدَّمُ القتلُ على الأَسْرِ؛ حتى يتحقَّقَ الإثخانُ فيهم، فإذا تمَّ الإثخانُ فيهم وتحقَّقَ تنكيلُهم، يُقدَّمُ الأَسْرُ، وهذه الآيةُ نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقد تقدَّم فيها الكلامُ على تقديمِ القتلِ على الأَسْرِ في بدايةِ القتالِ والحِكْمةِ مِن ذلك، وكذلك تقدَّم حُكْمُ ضربِ العدوِّ كيفما اتَّفَقَ وإصابتِهِ في أيِّ موضعٍ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]. حُكْمُ أَسْرَى المشرِكِينَ: في قولِه تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ التخييرُ في التعامُلِ مع الأَسْرَى: إمَّا بالمَنِّ عليهم وإطلاقِهِمْ تأليفًا لهم ولقومِهم، وإمَّا بمُفاداتِهم بأَسْرَى المُسلِمِينَ أو بالمالِ. وقد اختُلِفَ في نَسْخِ هذه الآيةِ: فمنهم: مَن قال: بأنَّها منسوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]؛ وبه قال قتادةُ (١)، والحَكَمُ (٢)، ويُروى النسخ عن أبي عبَّاسٍ؛ رواهُ عنه العَوْفِيُّ (٣)، وقد خالَفَه عليُّ بنْ أبي طلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ بعدمِ النَّسْخِ، وأنَّ الإمامَ مخيَّرٌ (٤)؛ وهو أصحُّ. وأكثرُ العلماءِ على عدم النَّسْخِ، وبه قال مِن السلفِ عطاءٌ والحسنُ وعمرُ بن عبدِ العزيزِ وغيرُهم (٥). وقد اختلَفَ العلماء في أَسْرَى المشركينَ بينَ التخييرِ بينَ القتلِ والمَنِّ والفِداءِ، وبينَ تقديم واحدٍ منها على الآخَرِ، على أقوالٍ:

стр. 2041

قالت طائفةٌ: إنَّه مخيَّرٌ بينَ المَنِّ والفِدَاءِ، وليبس له القتلُ؛ أخذًا مِن ظاهرِ الآية، وأنَّ اللَّهَ خيَّرَ بينَهما، ولم يُخيِّرْهُ بالقتلِ؛ وصحَّ هذا عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ والحَسَنِ (١)، ورأَوْا أنَّ الأسيرَ لا يُقتَلُ إلَّا في الحربِ. وقال بعضُهم: إنَّه يجبُ فيهم القتلُ، وإنَّ التخييرَ منسوخٌ على ما تقدَّمَ حكايتُه، وممَّن قال بهذا القولِ مَن جعَلَ الآيةَ خاصَّةً بأهلِ الأوثانِ؛ فلا يُفادَوْنَ ولا يُمَنُّ عليهم؛ وفيه نظرٌ. ومنهم مَنِ استثنى المرأةَ؛ لأنَّها لا تُقتَل، فيجوزُ الفِداءُ بها. وبقتلِ الأُسارَى قال أبو حنيفةَ؛ حتى لا يعُودوا لقتالِ المُسلِمِينَ. وقال جمهورُ الفقهاءِ: بأنَّه مخيَّرٌ بينَ القتلِ والمَنِّ والفِدَاءِ والاسترقاقِ، وهذا الأرجحُ، فقد قتَلَ النبيُّ ﷺ أقوامًا مِن أَسْرَى الكافرينَ؛ ففي بَدْرِ قتَلَ النضرَ بنَ الحارث، وعُقْبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ، وقد روى البخاريُّ ومسلمٌ أنَّ ثُمَامَةَ بنَ أُثَالٍ قال لرسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ قال له: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ": "إِن تَقْتُلْ تَقتُل ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِن كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ، فَسَل تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ" (٢). وإنَّما لم يُذكَرِ القتلُ في الآيةِ؛ لظهورِه، وقد كان سابقًا مِن النبيِّ ﷺ في مواضعَ مِن الأَسْرَى، والحاجةُ ماسَّةٌ لبيانِ الحقِّ بالفِدَاءِ أو المَنِّ، وقد قتَلَ النبيُّ ﷺ أَسْرَى في بدر، وقتَلَ رجالَ بني قُرَيْظةَ، وهذا العملُ المشتهِرُ لو كان منسوخًا، لنُسِخَ بنصٍّ واضحٍ بيِّنٍ؛ لأنَّه ليس بالأمرِ الهيِّنِ، ولَتَجَلَّى في عملِ الصحابةِ. وبالتخييرِ بينَ القتلِ والمَنِّ والفِدَاءِ والرِّقِّ قال جمهورُ الأئمَّةِ، وهو

стр. 2042

الصحيحُ عن ابنِ عبَّاسٍ، وجاء عن ابنِ عمرَ والشوري والأوزاعيِّ، وهو مذهب مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وهو قولٌ لأبي حنيفةَ حكاهُ عنه الطحاويُّ. وقد رَوَى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِهِ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، قال: ذلك يومَ بَدْرٍ والمُسْلِمونَ يَوْمَئِذٍ قليلٌ، فلمَّا كَثُرُوا واشتَدَّ سُلْطَانُهم، أنزَلَ اللَّهُ تعالى بعدَ هذا في الأُسَارَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، فجعَلَ اللَّهُ النبيَّ والمؤمنين في الأُسَارَى بالخِيَارِ: إنْ شاؤوا قَتَلُوهم، وإنْ شاؤوا استعبَدُوهم، وإن شاؤوا فادَوْهم (١). وقد حكى الجصَّاصُ الاتفاقَ على جوازِ قتلِ الأسيرِ (٢)، والصوابُ: أنَّه المذهبُ الصحيحُ لعامَّتِهم. وقد تقدَّم الكلامُ على مسألةِ فَكَاكِ أَسْرَى المُسلِمِينَ ومُفاداتِهم بأَسْرَى الكفار، وحُكْمِ فَكاكِ أَسْرَى المُسلِمِينَ بهم وبالمال، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]. وتقدَّم الكلامُ في التعامُلِ مع الأسيرِ وتعذيبِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤]. * * *

стр. 2043

* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢]. ذكَرَ اللَّهُ أنْ لو تولَّى المؤمنون عن شريعةِ اللَّه، ومنها الجهادُ، وأنَّ تَوَلِّيهم سيكونُ سببًا للفسادِ في الأرضِ كما كان الناسُ في الجاهليَّةِ، وفي هذا بيانُ أنَّ الجهادَ إنَّما شرَعَهُ اللَّهُ لحربِ الفسادِ في الأرضِ وإعلاءِ كلمةِ الحقِّ، وأنَّ عقوبةَ تَرْكِهِ تمزيقُ الأُممِ وتقاتُلُها، وذلك أنَّ الناسَ إنْ لم يُقاتِلُوا بالحقِّ الباطلَ، اقتتَلَ الحقُّ فيما بينَهُ حتى يُمزَّقَ، ثمَّ يَخلُفُهُ الباطلُ، ويَقتتِلُ الباطلُ فيما بينَهُ حتى يُمزَّقَ، ثمَّ يَخلُفُهُ الحقُّ، فيَدُور البشرُ في دائرةِ الفسادِ والإفسادِ، فيَدفَعُ اللَّهُ الفسادَ كلَّه بالجهادِ. وفي قَرْنِ اللَّهِ لقطيعةِ الأرحام مع الإفسادِ في الأرضِ إشارةٌ إلى أنَّ الرحِمَ إنْ قُطِعَتْ، فسَدَتِ الأُمَمُ؛ لأنَّ الأرحامَ ووَصْلَها يعني اجتماعَ الناسِ؛ وذلك يَحفَظُ في النفوسِ الحياءَ وفطْرتَها الصحيحةَ، ولكنْ إنْ تمزَّقتْ، ذهبَ الحياءُ، وضَعُفَتِ الفِطْرةُ، وفعَلَتِ الحرامَ بلا خشيةٍ مِن اللَّهِ ولا حياءٍ مِن الناسِ؛ ولهذا شدَّدَ اللَّهُ في أمر الرَّحِمِ وعَظَّمَ شأنَها، وقد روى الشيخانِ؛ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: (خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ، قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَت بِحَقْوِ الرَّحْمَن، فَقَالَ لَهُ: مَهْ؟ قَالَت: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَة، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ)، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (١).

стр. 2044

وقد تقدَّم الكلامُ على صِلةِ الأرحامِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]. أمَرَ اللَّه المؤمنينَ بحِفْظِ أعمالِهم الصالحةِ وحَسَنَاتِهم، وألَّا يَنقُضُوها بعملٍ سَيِّئٍ؛ سواءٌ كان كفرًا يُحبِطُ العملَ كلَّه، أو كان كبيرةً تُحبِطُ الحَسَنات، فإنَّه لا خلافَ عندَ السلفِ: أنَّ الحسناتِ تُذهِبُ السيِّئاتِ؛ وذلك لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، ولِمَا تواتَرَ في السُّنَّةِ، وإنَّما خلافُ أهلِ السُّنَّةِ في إحباطِ السِّيئاتِ للحسناتِ؛ والدليلُ يعضُدُ ثبوتَ ذلك؛ وبه قال الحسنُ، والزُّهْريُّ (١)، وقتادةُ، وقد حمَلَ بعضُ السلفِ قولَه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ على هذا النوع، كما صحَّ عن قتادةَ أنَّه قال في قولِهِ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: مَن استطاعَ منكم ألَّا يُبْطِلَ عملًا صالحًا عَمِلَهُ بعمل سيِّئٍ، فلْيَفْعَل، ولا قوةَ إلَّا باللَّهِ! فإنَّ الخيرَ يَنسَخُ الشرَّ، وإنَّ الشرَّ يَنسَخ الخيرَ، وإنَّ مِلاكَ الأعمالِ خواتيمُها (٢). وقد تقدَّم الكلامُ على أنواعِ إحباطِ العملِ الصالحِ استطرادًا عندَ قولِه تعالى مِن سورةِ الكهفِ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ [١٨]. وتقدَّم الكلامُ على إحباطِ الرِّدَّةِ للعملِ الصالحِ عندَ قولِه تعالى:

стр. 2045

﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ [محمد: ٣٥]. نَهَى اللَّهُ المؤمنينَ عن أسبابِ الهَوَانِ والصَّغَارِ، ومِن ذلك أن يَطْلُبوا السَّلْمَ مع الكافِرِينَ رمنَ قُوَّتِهم وقُدْرتِهم وتمكُّنِهم؛ فإنَّ الكافرينَ وإنْ أظهَروا اللِّينَ والمودَّةَ، فهم يَطْوُونَ في نفوسِهم المَكْرَ والخديعةَ والتربُّصَ؛ فنَهى اللَّه عن مُسالَمَتِهم زمنَ قوةِ المُسلِميِنَ وتمكُّنِهم؛ فإنَّ دوامَ المُسالَمةِ تَدفَعُ المُسلِمينَ إلى مُخالَطَتهم والقَرَارِ بينَ ظَهرَانَيْهِمْ والإعجابِ بهم. وقد تقدَّم الكلامُ على أحكامِ السَّلْم والهُدْنةِ وحدودِها وآثارِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧]. وقد تقدَّم الكلامُ على مَراتب الأعداء في القتالِ، والتدرُّجِ في ذلك، والنظرِ إلى الأسبابِ الشرعيَّةِ والكونيَّةِ، والفرقِ بينَ عقيدةِ الوَلَاءِ والبَراءِ وسياسةِ الاستعداءِ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]. * * *

стр. 2046

* قال اللَّهُ تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد: ٣٨]. عظَّم اللَّهُ منزلةَ النفقةِ في سبيلِه، وحذَّر مِن البخلِ عندَ حاجةِ المُسلِمينَ إلى ذلك، وخاصَّة عندَ حاجتِهم للجهادِ في سبيلِ اللَّهِ وصدِّ عدوِّه، وقد بيَّن اللَّه أنَّ تَرْكَ النفقةِ عندَ قيامِ مُوجِبِها هلاكٌ للمُمْسِكِين، ومَحْقُ بَرَكةٍ للقادرِين، وسمَّى اللَّهُ المحذِّرينَ مِن الإنفاقِ، الداعِينَ للإمساكِ: بالمُنافِقينَ؛ كما في سورةِ (المُنافِقونَ) وغيرِها. وقد تقدَّم الكلامُ على النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ وحُكْمِها عندَ قيامِ موجبِها عندَ قولهِ تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. * * *

стр. 2047

سورة الفتح سورةُ الفتحِ مدنيَّةٌ، وبه قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ (١)، وقد رَوى الزُّهْريُّ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوَانَ؛ قالا: "نزَلتْ سورةُ الفتحِ بينَ مكَّةَ والمدينةِ؛ كلُّها في شأنِ الحُدَيْبِيَةِ" (٢)، وفي "صحيح مسلم"؛ مِن حديثِ أنسٍ؛ أنَّها نزَلتْ مُنصرَفَهُ مِن الحُدَيبِيَةِ، ثمَّ قال: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا) (٣). وقد حَكَى الإجماعَ على مدَنيَّتِها جماعةٌ؛ كالزَّجَّاجِ وابنِ الجَوْزِيِّ وغيرِهما (٤)، وتضمَّنَتِ السُّورةُ البُشْرَى بالفتحِ المُبِينِ للمؤمنينَ، وذلك إشارةٌ إلى صُلْحِ الحُديبيَةِ وما يَعقُبُهُ مِن خيرٍ، وتضمَّنَت فضلَ أهلِ بَيْعَةِ الشجرةِ مِن الصحابةِ، ووجوبَ الإعدادِ، وخطرَ النِّفاقِ، وبيانَ أهلِ الأعذارِ عن الجهادِ، وفيها ذِكْرُ الصِّراعِ بينَ المؤمِنِينَ والمشرِكِين. * * *

стр. 2048

* قال اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ [الفتح: ١٦]. خَصَّ اللَّهُ الأعرابَ بالخِطَابِ في هذه الآيةِ عندَ قُرْبِ قتالِ المُسلِمنَ للمشرِكِينَ؛ وذلك لِمَا سلَفَ منهم مِن تَوَلِّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ورغبةٍ بأنفُسِهم عن نفسِه، وأمَّا القومُ الذين وصَفَهُمُ اللَّهُ بأنَّهم أُولُو بأسٍ شديدٍ، فقيل: إنَّهم هَوَازِنُ، وقيل: إنَّهم ثقيفٌ، وقيل: إنَّهم بنو حَنِيفةَ، وقبل: إنَّهم الفُرْسُ والرُّومُ، وقيل: التُّرْكُ؛ وبكلِّ هذا قال بعضُ السلفِ، والأظهرُ: عمومُ ذلك لكلِّ قومٍ يُقاتِلُهم المُسلِمونَ على الكفرِ. وتتضمَّنُ هذه الآيةُ وجوبَ الجهادِ عندَ استنفارِ الإمامِ؛ لظاهرِ قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ﴾، ثمَّ توعَّدهم إنْ تخلَّفوا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ استنفارِ الإمام وإجابتِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ [النساء: ٧١]. وفي قولِه تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ دليلٌ على دَيْمُومةِ الجهادِ ما وُجِدَ الإسلامُ والكفرُ؛ وهذه الآيةُ نظيرُ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣].

стр. 2049

وقد تقدَّم الكلامُ على دَيْمُومةِ الجهادِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١]، وقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥]. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧]. لمَّا بيَّن اللَّهُ حُكْمَ الجهادِ ووجوبَهُ عِندَ النفيرِ، بيَّن عُذْرَ أهلِ الأعذارِ وفصَّل الأمرَ بينَ القادِرِينَ وبينَ العاجِزِينَ؛ حتى لا يَتوهَّمَ أحدٌ أنَّه قادِرٌ وهو عاجِزٌ، ولا يَتوهَّمَ أحدٌ أنَّه عاجِزٌ وهو قادِرٌ. وقد تقدَّم الكلامُ على أهلِ الأعذارِ الذين يجوزُ تخلُّفُهم عن الجهادِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)﴾ [الفتح: ١٩ - ٢٠]. في هذه الآيةِ: مِنَّةُ اللَّهِ على المؤمِنِينَ في حِلِّ الغنائمِ لهم والأنفالِ وما أصابُوهُ مِن المشرِكِين، وقد سمَّاهُ اللَّهُ حلالًا طيِّبًا؛ كما قال تعالى في الأنفالِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩].

стр. 2050

وقد تقدَّم الكلامُ على الغنائمِ بأنواعِها في صَدْرِ سورةِ الأنفالِ، وفي قولِه تعالى منها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [٤١]، وفي البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [٢١٦]، وقولِهِ تعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [١٦١]. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ [الفتح: ٢٥]. ذكَرَ اللَّهُ ما فعَلَتْهُ قريشٌ مِن أمرٍ عظيمٍ، وهو صدُّ النبيِّ ﷺ ومَنْ معه مِن المُسلِمِينَ مِن الدخولِ إلى حَرَمِ اللَّهِ، ومَنَعُوهم مِن إيصالِ هَدْيِهم أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فيُنحَرَ يومَ النحرِ للَّهِ، فجعَلَ اللَّهُ ذلك أمرًا عظيمًا، وعملًا خطيرًا، وقد توعَّدَهم اللَّهُ بالعذابِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤]. وقد تقدَّم الكلامُ عن مسألةِ الصدِّ عن المسجدِ الحرامِ وما فعَلَتْهُ قريشٌ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. * * *

стр. 2051

* قولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥]. كان في مَكَةَ مُسلِمونَ يكتُمُونَ إسلامَهُمْ؛ منَعَهُمْ مِن الهِجْرةِ والخروجِ العُذْرُ؛ فبيَّن اللَّهُ أنَّه لم يُسلطِ المؤمنينَ على الكافرينَ في مكةَ فيَستبيحُوهُمْ قتلًا وتشريدًا بسببِ طائفةٍ مؤمنِةِ تكتُمُ إيمانَها خوفًا ورهبةً، وبيَّن اللَّهُ أن هؤلاءِ المؤمِنِينَ مُخْتَفُونَ؛ ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾، وأنَّكم لو أَصَبْتُموهم، أصبتُموهم بغيرِ عِلْمٍ. وفي هذا تعظيمُ دمِ المسلمِ وبيانُ شديدِ حُرْمَتِه, فأخَّر اللَّهُ قتالَ النبيِّ ﷺ للمشرِكِينَ؛ حتى تتحَقَّقَ مِن ذلك مصالحُ؛ منها خلاصُ المُسلِمِينَ بأنفُسِهم فيَلْحَقُونَ بالمؤمنينَ، وكذلك مَن كان في ريبٍ مِن المشرِكِينَ وتردُّدٍ، وكتَب اللَّهُ عليه الرحمةَ: أنْ يَلحَقَ بالمؤمنِين. وفد بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّه إنَّما أخَّر الأمرَ بالقَتالِ لأجلِ ذلك، فقال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾؛ يعني: لو تَمَايَزوا وخرَجَ المؤمنونَ عن الكافرينَ، لاستحَقُّوا القتالَ والنَّكَالَ والعذابَ بأَيدِي المؤمنِين. وقد صحَّ عن قتادةَ؛ أنَّه قال: "هذا حيِنَ رُدَّ محمدٌ وأصحابُهُ أنْ يدخُلُوا مكةَ، فكان بها رجالٌ مؤمنونَ ونساءٌ مؤمناتٌ، فكَرِهَ اللَّهُ أنْ يُؤْذَوْا أو يُوطَؤوا بغيرِ عِلْمٍ، فتُصيبَكم منهم مَعَرَّةٌ بغيرِ عِلْمٍ" (١). وقد رُويَ أنَّ عددَ أولئك المؤمنينَ المُختلِطينَ بالمشرِكينَ ومَن قصَدَ اللَّهُ بالرحمةِ قليلٌ؛ حتى قيل: إنَّهم تسعةُ نَفَرِ؛ كما رَوَى الطبرانيُّ؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عوفٍ؛ قال: "سمعتُ جُنَيْدَ بنَ سَبُعٍ يقولُ: قاتَلْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ أولَ النهارِ كافرًا، وقاتَلْتُ معه آخِرَ النهارَ مسلِمًا، وفينا نزَلَتْ: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾، قال: كنَّا تسعةَ نَفَرٍ: سبعةَ

стр. 2052

رجالٍ وامرأتَيْنِ" (١). ورُوِيَ أنَّهم ثلاثةُ رجالٍ، وتِسْعُ نِسوةٍ (٢). وقولُه تعالى: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ المَعَرَّةُ: الإثمُ, وهو مشتقٌّ مِن العارِ، وهو العَيْبُ. وأخَذَ منه بعضُهم وجوبَ الدِّيَةِ عندَ قَتْلِهم؛ كما قالهُ ابنُ إسحاقَ (٣)، والأظهَرُ: عدمُ وجوبِ الديةِ؛ لأنَّ اللَّهَ أسقَطَ الديةَ وأوجَبَ الكفارةَ في قتلِ المؤمِنِ الذي يكونُ في صَفِّ المشرِكينَ ولا يُعلَمُ له؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. ولم يأمُر النبيُّ أسامةَ بدِيَةِ مَن قتَلَهُ لَمَّا تشهَّدَ وهو في صفِّ المشرِكِينَ، والحديثُ في "الصحيحينِ" (٤)، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المسألةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. حُكْمُ تترُّسِ المشرِكِينَ بالمُسلِمِينَ: التترُّسُ مأخوذٌ مِن التُّرْسِ، وهو نوعٌ مِن السلاحِ يُتَوَقَّى به، وتَترَّسَ الرجُلُ بالتُّرْسِ؛ يعني: أنَّه تَوَقَّى به. ومسألةُ تترُّسِ الكفارِ بالمُسلِمِينَ مِن المسائلِ المعروفةِ عندَ السلفِ والفقهاءِ، والكلامُ فيها ليس على بابِ واحدٍ أو نوعٍ مُتَّحِدٍ؛ وإنَّما هي

стр. 2053

على أحوالٍ؛ وذلك أنَّه لا يخلو الجهادُ غالبًا مِن ذلك، خاصَّةً في الزمنِ المتأخِّرِ في زمنِ تكاثُرِ الشعوبِ والأُمَمِ واختلاطِها، وتترُّسُ الكفارِ بالمُسلِمينَ على أقسامٍ: القسمُ الأوَّل: أنْ يتترَّسَ الكفارُ بفئةٍ مِن المُسلِمينَ، ومرادُهم حمايةُ أنفُسِهِمْ فقطْ، ولا خوفَ ولا ضررَ على جماعةِ المُسلِمينَ مِن تركِ أولئك الكافِرِينَ وإمهالِهِمْ حتى ينجوَ المؤمنونَ ولو طال الأمدُ، فلا يجوزُ رميُ المُشْرِكينَ بما يُقتَلُ به المُسلِمونَ؛ وذلك كحالِ النبيِّ ﷺ مع قريشٍ؛ إذْ منَعَهُ اللَّهُ مِن دخولِ مكةَ بقتالٍ يومَ الحُدَيْبيَةِ؛ لأنَّ في ذلك وَطْئًا للمُسلِمينَ المتخفِّينَ بإيمانِهم وَسَطَ المشركينَ، فيُقتَلُونَ مِن حيثُ لا يَعلَمُ المؤمنونَ، وإلى هذا ذهَب جمهورُ العلماءِ، خلافًا للحنفيَّةِ؛ فقد أجازُوا الضَّرْبَ بكلِّ حالٍ مع عدمِ قصدِ المُسلِمينَ عندَ الرَّمْي، ولو أصابوهم، فلا شيءَ عليهم. القسمُ الثاني: أن يتترَّسَ الكفارُ بفئةٍ مِن المُسلِمينَ، وليس مرادُهُمْ حمايةَ أنفُسِهم فقطْ، بل للإضرارِ بالمُسلِمينَ، وبتركِ قتالِ المشرِكِينَ يَلحَقُ المُسلِمِينَ ضررٌ؛ وذلك كأنْ يتترَّسَ الكفارُ بالمُسلِمينَ ويَتَّخِذُوهُمْ دروعًا ليتقدَّمُوا ويَقتُلوا ويُصِيبوا المُسلِمينَ برَمْيِهِمُ الرصاصَ والقذائفَ والسِّهامَ، فيَظفَروا بالمُسلِمينَ وحُرُماتِهم، فإنِ امتنَعَ المُسلِمونَ عن رميهم، تضرَّرَ المُسلِمونَ، وإنْ صَدُّوهم، قتَلُوا المُسلِمينَ مع الكافرينَ، فلا يخلو الضررُ الذي يَلحَقُ المؤمنينَ مِن حالينِ: الأُولى: أن يكونَ رميُ المشركينَ يُحقِّقُ ضررًا بالمُسلِمينَ المتترِّسينَ أشَدَّ مِن الضررِ اللاحقِ لجماعةِ المُسلِمينَ عندَ رمي العدوِّ لهم، كأنْ تكونَ الجماعةُ المُتترَّسُ بها كثيرةً كأَلْفِ رجلٍ وامرأةٍ مِن المُسلِمينَ، ولو رماهُم المُسلِمونَ، لَقَتَلُوهم جميعًا، ولو ترَكُوا العدوَّ يَرمِيهِم، فإنَّه

стр. 2054

لا يُصِيبُ منهم إلَّا قدرًا يسيرًا لا يُذكَرُ، فلا يجوزُ قتلُ المُسلِمينَ الذين يتترَّسُ بهم العدوُّ على الأرجحِ؛ وهذا كما تترَّسَ الباطنيُّونَ هذه الأيامَ مِن النُّصَيْرِيَّةِ بألفَيْنِ مِن المُسلِمينَ في بعضِ نَواحي الشامِ يَحْتَمُونَ بهم، وما يَلحَقُ أهلَ السُّنَّةِ مِن رَمْيِهم أقلُّ مِن عُشْرِ مِعْشَارِ ما لو رمَوْهم وقتَلُوهم مع المُسلِمينَ، فيجبُ عليهم عَدَمُ رَمْيِهم؛ حتى لا يُصابَ المُسلِمونَ لكثرتِهم؛ وإنَّما يُحاصِرونَهم حتى يُنجِيَ اللَّهُ المؤمنينَ ويَدفَعَ شرَّ الباطنيِّين. الثانيةُ: أن يكونَ رميُ المشرِكِينَ يَدفَعُ عن المُسلِمينَ ضررًا أشَدَّ مِن الضررِ الذي يَلحَقُ المُسلِمينَ الذين تترَّسَ بهم العدوُّ؛ كأنْ يتترَّسَ العدوُّ بعددٍ قليلٍ، ويقومَ برمي المُسلِمينَ بما يُمْكِنُهُ مِن القذائفِ، فيُصيبَ منهم ويقتُلَ أكثَرَ ممَّا يقتُلُهُ المُسلِمونَ مِن إخوانِهم الذين يتترَّسُ بهم العدوُّ، ولو تُرِكَ العدوُّ لأجلِ تترُّسِهِ لَتَقَدَّمَ وأَثْخَنَ بالمؤمِنِينَ واستباحَ الدماءَ والأعراضَ. فيجوزُ رميُ المشرِكِينَ ولو قتَلُوا معهم مَن تترَّسُوا بهم مِن المؤمنينَ، وقد حكى الاتفاقَ على جوازِ ذلك جماعةٌ مِن العلماءِ كالقُرْطُبيِّ (١)، وابنِ تيميَّةَ (٢)، وقد ذكَر النوويُّ وجهًا للشافعيَّةِ بالمنعِ (٣). وبعضُ الفقهاءِ يجعلُ مَناطَ المنعِ والجوازِ هو ضررَ المُسلِمِينَ مِن غيرِ تفصيلٍ، والصحيحُ التفصيلُ، والحاجةُ ماسَّةٌ إليه، خاصَّةً في زمنِنا؛ لكثرةِ المُسلِمِينَ وتسلُّطِ الكفارِ والمشرِكِينَ، فقد يُحيطُ المشرِكُونَ ويتترَّسُونَ بأهلِ قريةٍ كاملةٍ مِن المُسلِمِينَ، وفيها آلافُ المُسلِمِينَ، والمشرِكونَ قليلٌ؛ ولكنَّهم تمكَّنُوا منهم بقوةِ سلاحٍ معهم، كما تترَّسَ الباطنيُّونَ وهم قليلٌ في الشام بسِجْنٍ فيه عشَرةُ آلافِ مسلِمٍ مِن أهلِ السُّنَّة؛ فلا يجوزُ ولا يصحُّ أنْ يُقالَ: إنْ كان في هؤلاء المشرِكِينَ ضررٌ

стр. 2055

ولو قليلًا على جماعةِ المُسلِمينَ المقاتِلةِ، فإنَّه يجوزُ لهم أنْ يُبِيدُوا المشرِكِينَ ومَن تترَّسُوا به مِن أهلِ القريةِ جميعًا، وأسلحةُ اليومَ ليستْ كأسلحةِ السابقينَ، والتترُّسُ اليومَ ليس كالتترُّسِ السابقِ؛ وإنَّما الواجبُ التفصيلُ في مقدارِ الضررِ في التترُّسِ اللاحقِ مِن جِهَتَي المُسلِمينَ المُتترَّسِ بهم والمُقاتِلةِ. وقد جاء عن مالكٍ؛ أنَّه سُئِلَ عن قومٍ مِن المشرِكِينَ في البحرِ في مَرَاكِبِهم أخَذُوا أُسَارَى المُسلِمينَ، فأدرَكَهُمْ أهلُ الإسلامِ وأرادوا أنْ يُحْرِقُوهم ومَرَاكِبَهم بالنارِ ومعهم الأُسارَى في مراكبِهم؟ قال مالكٌ: لا أرى أن تُلقى عليهم النارُ، ونَهَى عن ذلك وقال: يقولُ اللَّهُ ﵎ في كتابِهِ لأهلِ مكةَ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١). ويجبُ أن يُعلَمَ أنَّ العلماءَ حينَما ينُصُّونَ على جوازِ قتلِ المتترَّسِ به عندَ وجودِ الضررِ بالمُسلِمِينَ، فإنَّهم يتكلَّمونَ على ضررٍ متحقِّقٍ، لا ظنيٍّ متوهَّمٍ. القِسْمُ الثالثُ: التترُّسُ الذي يكونُ حالَ القتالِ وبتركِهِ يتعطَّلُ الجهادُ؛ وذلك أنَّه لا يتعلَّقُ بجهةٍ أو بقعةٍ وجماعةٍ معيَّنةٍ؛ وإنَّما يتعطَّلُ به سَيْرُ الجهادِ، ولا يتقدَّمُ المُسلِمونَّ له إلَّا بالرمي؛ ففي المسألةِ قولانِ قويَّانِ: ذهَبَ الشافعيُّ: إلى جوازِ الرمي ولو قُتِلَ المتترَّسُ بهم؛ لأنَّ حُرْمةَ تعطيلِ الجهادِ أعظَمُ وأشَدُّ. وذهَب الأوزاعيُّ واللَّيْثُ: إلى المنعِ. ومَن قال بالجوازِ احتَجَّ بأنَّ اللَّهَ حرَّم قَتْلَ النساءِ والصِّبْيانِ والشيوخِ مِن المشرِكينَ، ولكنْ إنْ كان لا يستمرُّ الجهادُ ولا يُتمكَّنُ من العدوِّ إلَّا بذلك، جاز فعلُهُ مِن غيرِ قصدِهم؛ كما جاء في حديثِ الصَّعْبِ بنِ

стр. 2056

جِثَّامَةَ ﵁؛ قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؟ قَالَ. (هُمْ مِنْهُمْ)، وفىِ روايةٍ: (هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ) (١). ولكنَّ حديثَ الصَّعْبِ في حُرُماتِ ذَرَارِيَّ المشرِكِينَ ونسائِهم وشيوخِهم، لا في حُرْمةِ المُسلِمينَ؛ لتفاوُتِ الحُرْمَتَيْنِ، فاللَّهُ لمَّا منَعَ نبيَّه ﷺ مِن قتالِ قريشٍ خشيةَ إصابةِ المُسلِمِينَ فيهم، لم يذكُرْ نساءَ المشرِكِينَ وذَرَارِيَّهم. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧]. وعَدَ اللَّهُ نبيَّه ومَنْ معه بدخولِ مكةَ في عامٍ آتٍ بعدَ الحُدَيْبِيَةِ، ولم يُعيِّنْ لهم عامًا محدَّدًا، وذكَرَ الحَلْقَ والتقصيرَ؛ لبيانِ أنَّ دخولَهُمْ سيكونُ في نُسُكٍ؛ تطمينًا لنفوسِهم ونفوسِ المؤمنينَ كافَّةً. وفي هذه الآيةِ: تفضيلُ الحَلْقِ على التقصيرِ؛ حيثُ قدَّمَهُ عليه، وقد تقدَّم الكلامُ على الحَلْقِ والتقصيرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. * * *

стр. 2057

سورة الحجرات سورةُ الحُجُرَاتِ مدنيَّةٌ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ (١)، وقد حَكَى الإجماعَ على ذلك جماعةٌ (٢)، وهذا ظاهرٌ في آياتِها؛ ففيها تعظيمُ النبيِّ ﷺ ، ووجوبُ توقيرِهِ واتِّباعِه، والأدبُ معه عندَ سماعِهِ ومناداتِه، ووجوبُ التثبُّتِ عندَ الأخبارِ وحالَ القتالِ الذي يقعُ بينَ المؤمِنِينَ، والتحذيرُ مِن أسبابِ الشِّقَاقِ بينَهم مِن السُّخْرِيَّةِ والتنابُزِ بالألقابِ والغِيبَةِ والتجسُّسِ وسوءِ الظنِّ. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ١ - ٢]. في هذه الآيةِ: تعظيمُ النبيِّ ﷺ ، ومِن تعظيمِهِ: عدمُ التقدُّمِ بينَ يدَيْهِ ويدَيْ قولِهِ حيًّا وميِّتًا، فإذا سُمِعَ حديثُهُ ولو مِن غيرِه، فينبغي غضُّ الصوتِ وخَفْضُهُ تعظيمًا للوحي؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].

стр. 2058

وقد قال ابنُ عبَّاسٍ في قولِه تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: لا تقولوا خِلافَ الكتابِ والسُّنَّة (١). تعظيمُ أقوالِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه: ولا يجوزُ لأحدٍ إذا سَمِعَ حديثَ النبيِّ ﷺ أن يقدِّمَ عليه قولَ أحدٍ مِن الناسِ، وقولُه تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ نزَلَ في أبي بكرِ وعمرَ مع أنَّهما أفضلُ الأمَّةِ بعدَ نبيِّها، فجرَى عليهم التشديدُ مع مَقَامِهم وفَضلِهم؛ فكيف بغيرِهم؟ ! وقد ثبَتَ في البخاريِّ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ؛ قال: كَادَ الخَيِّرَانِ أَنْ يَهلِكَا: أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄؛ رَفَعَا أَصوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيهِ رَكْبُ بنِيِ تَمِيمٍ، فَأشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بن حَابِسٍ أخِي بنِي مُجَاشعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ -قَالَ نافِعٌ: لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ- فَقَالَ أَبُو بَكْر لِعُمَرَ: مَا أرَدتَّ إِلَّا خِلَافِي، قَالَ: مَا أرَدتُّ خِلَافَكَ، فَارْتَفَعَت أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآيةَ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفهِمَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ؛ يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ ﵁ (٢). ومِن تعظيمِ النبيِّ ﷺ : تعظيمُ قولِ أصحابِه، خاصَّةً خلفاءَهُ؛ لأنَّهم أعلَمُ الناسِ بمُرادِهِ ﷺ ؛ فأقوالُهم وأفعالُهم تخصِّصُ أقوالَهُ وتوجِّهُها؛ لأنَّهم يَعْلَمونَ منه ما لا يَعلَمُهُ غيرُهم، ولفضلِهم وديانتِهم لا يُمكِنُ أنْ يتعمَّدُوا عِصْيَانَه، ولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يترُكَ قولَ الخُلَفاءِ الراشدينَ بحُجَّةِ

стр. 2059

أنَّهم ليسوا معصومينَ؛ فإنَّه لا يقولُ مسلمٌ بعِصْمَتِهم، ولكنَّهم أعلَمُ الناسِ برسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولا يقدِّمُ أحدٌ فَهْمَهُ على فهمِهم، إلَّا مَن لم يَعرِفْ قَدْرَهم. وقد كان مالكُ بنُ أنسٍ يَنهى عن تقديمِ أقوالِ فقهاءِ التابِعِينَ -مع فضلِهم- على أقوالِ الخلفاءِ الراشِدِينَ كعُمَرَ؛ بل يَدْعو إلى استتابةِ مَن يفعلُ ذلك؛ كما روى ابنُ حزمِ عن الهَيْثَمِ بنِ جَمِيلٍ؛ قال: قلتُ لمالكِ بنِ أنسٍ: با أبا عبدِ اللَّهِ، إنَّ عندَنا قومًا وضَعُوا كتبًا يقولُ أحدُهم: ثنا فلانٌ، عن فلانٍ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ بكذا وكذا، وفلانٌ عن إبراهيمَ بكذا، ويأخُذُ بقولِ إبراهيمَ؟ قال مالكٌ: وصحَّ عندَهم قولُ عمرَ؟ قلتُ: إنَّما هي روايةٌ؛ كما صحَّ عندَهم قولُ إبراهيمَ. فقال مالكٌ: هؤلاءِ يُستتابُونَ، واللَّهُ أعلَمُ (١). وهذا في فقيهٍ تابعيٍّ متأخِّرٍ، ويَعُدُّهُ بعضُهم مِن أتباعِ التابعينَ، مع تقدُّمِ زمانِهِ وجلالةِ قَدْرهِ في الفقهِ؛ فتقديمُ قولِ غيرِه ممَّن كان بعدَهُ مِن بابِ أولى أنْ يُزجَرَ فاعلُه. وأقوالُ الصحابةِ عمومًا مقدَّمةٌ على أقوالِ التابعينَ، وأقوالُ التابعينَ مقدَّمةٌ على أقوالِ أتباعِهم؛ وذلك أنَّه كلَّما قَرُبَ العهدُ مِن النبيِّ ﷺ ، كان القولُ أقرَبَ إلى الصوابِ، وأسلَمَ مِن الهَوَى. والأصلُ في أقوالِ الصحابةِ: أنَّ مُستنَدَها الرفعُ؛ إمَّا مِن قولِ النبيِّ ﷺ أو فعلِهِ أو تقريرِهِ، أو ما سكَتَ عنه ولم يُبيِّنْ فيه شيئًا، وانِ اختلَفَتْ أقوالُ الصحابةِ فيما بينَهُمْ، فاختلافُهم دليلٌ على معنًى مرفوعٍ، وهو أنَّ المسألةَ مِن مسائلِ السَّعَةِ، لا مِن مسائلِ التشديدِ.

стр. 2060

والأصلُ في أقوالِ التابعينَ: أنَّ مُستنَدَها الوقفُ على الصحابةِ؛ إمَّا عن واحدٍ أو عن جماعةٍ؛ ولهذا يقولُ أحمدُ بنُ حنبلٍ: "لا يكادُ يجيءُ عن التابعينَ شيءٌ إلَّا يُوجَدُ فيه عن أصحابِ النبيِّ ﷺ " (١). إنَّما عُظِّمَتِ القرونُ المفضَّلةُ الأُولى؛ لقُرْبِها مِن النبيِّ ﷺ ؛ فعُظِّمَ الزمانُ بتعظيمِه. وقولُه تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾، فيه: أنَّ مِن أعظَمِ ما يُحبِطُ الأعمالَ: عدمَ تعظيمِ سُنَّةِ النبيِّ ﷺ ؛ بالإعراضِ عنها عندَ سماعِها، أو رفعِ الصوتِ عندَها، أو تقديمِ أقوالِ الرِّجالِ عليها. وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ السيِّئاتِ تُحبِطُ قَدْرًا مِن الحسناتِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦]. أمَرَ اللَّهُ بالتثبُّتِ في روايةِ الأخبارِ والأقوالِ، وكلَّما كان أثرُ الخبرِ عظيمًا على الناسِ، كان التثبُّتِ فيه أعظَمَ وأوجَبَ، وأوجَبُ الأقوالِ أنْ يُتثبَّتَ فيها: هي الأقوالُ المنقولةُ عن اللَّهِ ورسولِه؛ وذلك أنَّ أعظَمَ الكذب هو الكذبُ على اللَّهِ؛ قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ [النساء: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ [يونس: ٦٩]، ووصَفَ اللَّهُ مَن افتَرَى عليه الكذبَ بعدم الإيمانِ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ [النحل: ١٠٥].

стр. 2061

ولا يجوزُ نقلُ الكلامِ عن اللَّهِ وعن نبيِّه والنَّفْسُ تشُكُّ في كذبِهِ وعدمِ صحَّتِه؛ ولذا يقولُ النبيُّ ﷺ : (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ ليْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) (١)، ويُروى عنه ﷺ ؛ أنَّه قال: (مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَينِ) (٢)، فأخَذَ حُكْمَ الكذبِ، مع كونِه ناقلًا لا مفترِيًا. إذا كان الكلامُ يتَّصلُ بغيرِ اللَّهِ ورسولِه، فأعظَمُهُ: أشَدُّهُ موضعًا؛ كالذي يتعلَّقُ بأعراضِ الناسِ كالقَذْفِ، وما يتعلَّقُ بأماناتِهم وأموالِهم، وما تُؤكَلُ به حقوقُهم. وكلَّما كان الأثرُ عظيمًا، وجَبَ التثبُّتُ فيه، ولو لم يكنْ بالنقلِ عن شخصٍ بعينِه؛ كالكلامِ الذي يتعلَّقُ بخوفِ الناسِ وأمْنِهم؛ فقد جعَلَ اللَّهُ نَقْلَ مِثلِ هذا الكلامِ بلا تثبُّتٍ مِن صفاتِ المُنافِقينَ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. ونقلُ الكلامِ لا يُعفي ناقِلَه، ولو لم يكنْ قائلَه؛ فالناقلُ شريكٌ في حكايةِ الأقوالِ بلا تثبُّتٍ؛ كما قال ﷺ : (كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) (٣). وبمقدارِ الجَهَالةِ على الناسِ في نقلِ الأقوالِ عنهم يكونُ عِظَمُ الإثمِ؛ قال تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾. * * *

стр. 2062

* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]. هذه الآيةُ في قتالِ أهلِ البَغْي، وكلُّ قتالٍ بغيرِ حقٍّ بين المُسلِمينَ فهو مِن قتالِ البَغْي، وقد يكونُ البَغْيُ مِن جهةٍ واحدةٍ، وقد يكونُ مِن الجهتَيْنِ بتساوِيهِما بَالعُدْوانِ بعضِهما على بعضٍ. واللَّهُ أمَرَ بالإصلاحِ بين المُقتتِلِينَ مِن المُسلِمينَ، وهذه الآيةُ نزَلَتْ في قتالٍ بين الأنصارِ؛ حيثُ اقتتَلَتِ الأَوْسُ والخَزْرَجُ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أنس بنِ مالكٍ ﵁؛ قال: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَرَكِبَ حِمَارًا، فَانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ، فَغَضِبَ لِعبدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَشَتَمَهُ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١). وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على فضلِ الصُّلْحِ بينَ المُسلِمينَ، وأنَّ البغيَ والظُّلْمَ والقتلَ بغيرِ حقٍّ مع كونِهِ كبيرةً ومُوبِقًا، فإنَّه لا يُخرِجُ صاحِبَهُ مِن الإيمانِ، وفي البخاريِّ؛ مِن حديثِ أبي بَكْرَةَ؛ أنَّه قال: رَأيْتُ

стр. 2063

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةٌ وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: (إِنَّ ابنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ) (١). الفَرْقُ بينَ البُغَاةِ والخَوَارجِ: وهذه الآيةُ نزَلَتْ في البُغاةِ وليستْ في الخوارجِ، وفرقٌ ما بينَهما؛ فالخوارجُ إنَّما خرَجُوا عن جماعةِ المُسلِمينَ كلِّها، وأمَّا البُغاةُ، فبَغَوْا على طائفةٍ منهم، والخوارجُ كان بَغْيُهم في ضلالِ اعتمادِهم، فكفَّروا بغيرِ مكفِّرِ، واستحَلُّوا الدمَ الحرامَ لأجلِ ذلك، وأمَّا البُغاةُ، فقتالُهم ليس عن تكفيرِ المُسلِمينَ؛ وإنَّما لتأوُّلِهم حقًّا هم أَوْلى به مِن غيرِهم؛ كالقتالِ على الوِلَايةِ، والقتالِ على المالِ والثأرِ متأوِّلِينَ، ولشُبْهةٍ اعتقَدُوها وظَنُّوا أنَّهم الأحَقُّ، فبغَوْا على غيرِهم لأجلِ ذلك، ويجتمعُ البُغاةُ مع الخوارجِ في بَغْيِهم وظُلْمِهم الظاهرِ، ولكنَّهم يَختلِفونَ في الجهةِ والقصدِ الباطنِ. والخوارجُ يُقاتِلونَ بتأويلٍ باطلٍ، والبُغاة يُقاتِلونَ بتأويلٍ مُحتمِلٍ. وبعضُ الفقهاءِ لا يفرِّقُ بينَ البُغاةِ والخوارجِ إلَّا في الاسمِ. وهذا فيه نظرٌ، وقد فرَّق الصحابةُ وأئمَّةُ السلفِ بينَ الخوارجِ وبينَ أهلِ الجَمَلِ وصِفِّينَ. والخوارجُ شرٌّ مِن البُغاةِ؛ ولهذا جاء في السُّنَّةِ تغليبُ قتلِهم على استصلاحِهم؛ قال ﷺ : (لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ، لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) (٢)، وجاء في القرآنِ تغليبُ استصلاحِ البُغاةِ على قتالِهم، وتغليبُ قتالِ الخوارجِ لا يَعني تَرْكَ استصلاحِهم؛ فالصحابةُ استصلَحُوا الخوارجَ وناظَرُوهم،

стр. 2064

وكذلك فإنَّ تغليبَ استصلاحِ البُغاةِ لا يَعني تَرْكَ قتالِهم؛ وإنَّما كان التغليبُ؛ لأنَّ الخوارجَ لا يزولُ شرُّهم إلَّا بقتالٍ، ولكنَّه قد يَخِفُّ بالاستصلاحِ، والبُغاةُ قد يزولُ شرُّهم باستصلاحِهم بالبيانِ والمالِ وإنزالِهم على ما يَرضَوْنَ به؛ ولهذا أمَر النبيُّ ﷺ بقتالِ الخوارجِ ابتداءً؛ لأنَّه لا يَدفَعُ شَرَّهُمْ إلَّا هذا، وأمَرَ بإصلاحِ أمرِ البُغاةِ ابتداءً قبلَ قتالِهم؛ لأنَّه قد يَصْلُحونَ بلا قتالٍ. والخوارجُ يُؤمَرُ بقتالِهم ولو لم يَبْغُوا على أحدٍ؛ لأجلِ ما يعتقدونَهُ في المُسلِمينَ ويَحمِلُونَهُم على معتقدِهم بكفرِ المُسلِمينَ واستحلالِ دَمِهم؛ ولذا قال ﷺ : (أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ) (١)، وإنْ كان اصطلاحُ اللُّغةِ يجعلُ كلَّ خارجيٍّ باغيًا، ولكنَّه لا يكونُ كلُّ باغٍ خارجيًّا؛ ولهذا يَتجوَّزُ بعضُ الفقهاءِ بذِكرِ قتالِ الخوارجِ في أبوابِ قتالِ أَهلِ البَغْي. وإنِ اشترَكَ البُغاةُ مع الخوارجِ في الفعلِ الظاهرِ، فإنَّ الفارقَ بينَهما: أنَّ الخوارجَ يكفِّرونَ بغيرِ مُكفِّرٍ، ويُقاتِلونَ لأجلِ ذلك، وأمَّا البُغاةُ، فيُقاتِلونَ المُسلِمينَ بتأويلٍ، لا بتكفيرٍ بذنبٍ ولا بمُبَاحٍ، وقد فرَّق النبيُّ ﷺ بينَ البُغاةِ والخوارجِ في قولِه ﷺ : (تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ) (٢). وقد أمَرَ بالإصلاحِ بينَ الفئتَيْنِ المُقتتِلتَيْنِ مِن المُسلِمينَ، وإنْ أَبَتْ إحداهُما الإصلاحَ، وأَصَرَّتْ على القتالِ، فيجبُ على المُسلِمينَ دفعُ شرِّها وبغيِها بقتالِها، وإنِ امتنَعَتِ الطائفتانِ جميعًا عن الصلحِ وأَبَتَا إلَّا الاقتتالَ والانتقامَ حتى تُفنيَ إحداهُما الأُخرى، فإنْ كان لجماعةِ المُسلِمينَ شوكةٌ وقوةٌ، فيجبُ عليهم قتالُ الطائفتَيْنِ؛ لاستحقاقِهما وَصْفَ البغي جميعًا،

стр. 2065

واللَّهُ أمَرَ بقتالِ الباغي؛ سواءٌ كان الوصفُ في واحدةٍ أو في اثنتَيْنِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾. * * * * قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. لمَّا ذكَرَ اللَّهُ فيما سبَقَ اقتتالَ المؤمنينَ فبما بينَهُمْ وبَغْيَ بعضِهم على بعضٍ، نَهَى هنا عن إطلاقِ اللِّسَانِ بسُخْرِيَّتِهم بعضِهم مِن بعضٍ، والسَّبِّ والتعييرِ والتنابُزِ بالألقابِ؛ وهذا فيه إشارةٌ أنَّ إطلاقَ اللِّسانِ بالباطلِ أعظَمُ أسبابِ الفِتَنِ الكُبْرَى التي يَقتتلُ فيها المؤمنونَ؛ فمَنْ لم يَحفَظْ لِسَانَهُ عن أخيه، لا يُؤمَنْ مِن إطلاقِ سِنَانِهِ عليه. الكِبْرُ واحتقارُ سببٌ للفِتَنِ بينَهم: قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾، والسُّخْرِيَّةُ هي استصغارُ الناسِ واحتقارُهم، ولا يكونُ ذلك إلَّا مِن متكبِّرٍ، وبمقدارِ كِبْرِهِ ينطلِقُ لسانُه في الناسِ تحقيرًا وتصغيرًا، وقد ثبَتَ في الصحيحِ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ أنَّه قال: (الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ) (١)، وفي لفظٍ: (وَغَمَصَ النَّاسَ) (٢)، ومَن تكبَّرَ احتقَر؛ لأنَّه لا يُحبُّ أنْ يَعلُوَهُ أحدٌ.

стр. 2066

وأعظَمُ السُّخْريةِ والاحتقارِ هي التي تُطلَقُ على جماعةٍ؛ كسُخْريةِ قبيلةٍ مِن قبيلةٍ، وأهلِ بلدٍ مِن أهلِ بلدٍ؛ حتى تكونَ الفتنةُ بينَهم أشَدَّ ممَّا يقعُ مِن واحدٍ لواحدٍ، فيتباغَضُونَ ويتنازَعُونَ وتَذهَبُ بينَهم حرارةُ الأُخُوَّةِ الإيمانيَّةِ، وطعنُ القبائلِ والشعوبِ بعضِهم في بعضٍ مِن الكبائرِ، ويتساهلُ الناسُ بذلك، فتطعُنُ أمَّةٌ في أمَّةٍ لأجلِ رجلٍ واحدٍ منهم أساءَ، ويَسخَرُ شعبٌ مِن شعبٍ لأجلِ واحدٍ منهم، وقد رَوَى ابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً لَرَجُلٌ هَاجَى رَجُلًا، فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا، وَرَجُلٌ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ وَزَنَّى أُمَّهُ) (١). وقولُه تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ بيَّن اللَّهُ أنَّ الخيريَّةَ لا تُوزَنُ بالظواهرِ التي يُزْدَرَى فيها الناسُ غالبًا، وذلك لأشكالِهم أو ألوانِهم أو لِباسِهم أو بُلْدانِهم، فاللَّهُ ذكَّر بأمرٍ لا يَراهُ الناسُ، وهو أمرُ البواطنِ، وفيه تنبيهٌ أنَّه يجبُ على مَنْ وقَعَ في نفسِهِ ازدراءٌ لأحدٍ أو تنقُّصٌ له، أنْ يتذكَّرَ أمرَ البواطنِ التي لا يراها إلَّا اللَّهُ، وقد يكونُ في سريرتِهِ خيرًا مِن الساخرِ به، وقد نبَّه النبيُّ ﷺ على هذا؛ فقد ثبَتَ في الصحيحِ؛ مِن حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ؛ أنَّه قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: (مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ )، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا -وَاللَّهِ- حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آحَرُ، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ )، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَلَّا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَلَّا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَلَّا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا) (٢).

стр. 2067

وقولُه تعالى: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ خَصَّ اللَّهُ النساءَ بالذِّكْرِ مع دخولِهِنَّ في عمومِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ فهُنَّ مِن القومِ؛ وذلك لأنَّ النساءَ عادةً لا يُطلِقْنَ ألسِنَتَهُنَّ إلَّا في بعضِهِنَّ؛ لِمَا فيهنَّ مِن الغَيْرةِ أكثَرَ مِن غَيْرةِ الرجالِ بعضِهم مِن بعضٍ، فكلامُ النساءِ في النساءِ وسُخْرِيَّتُهُنَّ بهنَّ أكثَرُ مِن كلامِ الرجالِ في الرجالِ وسُخريتِهم بعضِهم ببعضٍ، وكذلك: فإنَّ النساءَ لا يُخالِطْنَ الرجالَ ولا يَعرِفْنَ عيوبَهم وأحوالَهم؛ وإنَّما يتخالَطْنَ بينَهُنَّ، والإنسانُ يُطلِقُ لِسانَهُ فيما يراهُ ويُبصِرُه؛ فغلَبَ إطلاقُ النساءِ بالنساءِ، وذلك غالبُ ما يقعُ مِن النساءِ، ولا يتكلَّمْنَ في الأقوامِ والشعوبِ والقبائلِ والأُممِ بالسُّخْرِيَّةِ كحالِ الرجالِ. ومِن أسبابِ تخصيصِهِنَّ بالذِّكْرِ: أنَّ جرأةَ المرأةِ: في لسانِها، وجرأةَ الرجلِ: في جوارحِه؛ ولهذا جاء نهيُ النساءِ عن إطلاقِ اللَّسَانِ أكثَرَ مِن الرجالِ، وجاء نهيُ الرجالِ عن إطلاقِ الجوارحِ أكثَرَ مِن النساءِ، واللَّهُ أعلَمُ. ومِن المفسِّرينَ: مَن جعَل الخِطابَ الأولَ في قولِه: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ خاصًّا بالرجالِ، ولفظُ (القومِ) مِن الألفاظِ العامَّةِ التي قد يُرادُ بها الخصوصُ، وقد جاء استعمالُها في القرآنِ للرِّجَالِ، وجاء استعمالُها للرجالِ والنساءِ. وقد تقدَّم الكلامُ على اختلاطِ الرجالِ بالنساءِ في المَجالِسِ الدائمةِ وبيانِ تحريمِهِ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقولِهِ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿تَعَالَوْا

стр. 2068

نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقولِه تعالى في قصةِ موسى في القَصَصِ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [٢٣]، وفي قولِه في طه والقَصَصِ: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه: ١٠]، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [القصص: ٢٩]، وقد بيَّنتُ أحكامَ هذه المسألةِ في رسالةٍ مستقلَّةٍ. قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، نَهَى اللَّهُ عن التنابُزِ ولَمْزِ المؤمنِ لأخيهِ، وجعَلَ ذلك كلَمْزِهِ لنفسِه، وفي هذا تنبيهٌ إلى الأخوَّةِ الإيمانيَّةِ ووجوبِ أنْ يشعُرَ المؤمنُ بأخيهِ، وأنَّ وقوعَهُ فيه كوقوعِ غيرِهِ فيه، وأنَّه يجبُ أنْ يُحِسَّ بأَخِيهِ كإحساسِهِ بنفسِه، وكثيرًا ما يذكُرُ اللَّهُ ذلك تذكيرًا للمؤمنِ يما ينساهُ مِن حقِّ الأخوَّةِ الإيمانيَّةِ؛ كما قال في تحريمِ الأموالِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ أي: فأنتَ تأكُلُ مالَ نفسِكَ، وكقولِهِ في القتلِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقد روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ سعيدٍ، عن قتادةَ؛ قولَهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]؛ أي: لا يقتُلْ بعضُكم بعضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، ونفسُك يا بنَ آدمَ أهلُ مِلَّتِك (١). وقولُه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ يعني: لا يطعُنْ بعضُكم في بعضٍ، والتنابُزُ يالألقابِ إطلاقُ أوصافِ السُّوءِ وأسمائِها، وأشَدُّها ما يكونُ في دِينِه؛ كقولِه: يا كافرُ، أو يا يهوديُّ، أو يا مجوسيُّ، أو في عِرْضِه؛ كقولِه: يا زاني، أو يا عاهرُ، وغيرَ ذلك، ويأتي بعدَ ذلك ألقابُ التعبيرِ والتنقُّصِ، وكلامُ الناسِ بعضِهم في بعضٍ له مواضعُ ومقاصدُ، ولمزُ الناسِ بعضِهم بعضًا وتنابُزُهم على موضعَيْنِ:

стр. 2069

الموضعُ الأولُ: في أشياءَ غيرِ اختياريَّةٍ؛ وذلك كألوانِهم وقبائلِهم وخِلْقتِهم؛ فهذا أعظَمُ عندَ اللَّهِ؛ لأنَّهم لم يَختارُوا هذا الشيءَ لأنفُسِهم؛ وإنَّما اختارَهُ اللَّهُ لهم. الموضعُ الثاني: في أشياءَ اختياريَّةٍ؛ كلِبَاسِهم وبيوتِهم وعاداتِهم؛ فهذا محرَّمٌ؛ لأنَّه لا يُوجَدُ أُمَّةٌ إلَّا ولها عادةٌ ولِباسٌ يختَلِفُ عن الأُخرى، وكلُّ أمَّةٍ تَرى أنَّها أَمْثَلُ مِن غيرِها في اختيارِها، ولو جاز لأمَّةٍ تعييرُ أمَّةٍ بما اختارتْهُ لنفسِها، لوقَعَ الناسُ بعضُهم في بعضٍ. ولا يجوزُ السُّخْرِيَّةُ مِن الناسِ حتى وإنْ وقَعُوا في حرامٍ ومعصيةٍ؛ لأنَّ السُّخْرِيَّةُ شيءٌ مذمومٌ لذاتِه؛ لأنَّه يتضمَّنُ علوَّ النَّفْسِ وكِبْرَها، ويجعلُها تَنسى فضلَ ربِّها عليها أنْ وَفَّقَها إلى الخيرِ وحَرَمَ غيرَها، وربَّما تُستدرَجُ حتى تَحِيدَ ولو بسُوءِ القصدِ، فتغترُّ ثمَّ يكونُ عقابُها عندَ اللَّهِ أشَدَّ ممَّن سَخِرَتْ منه، والواجبُ فيمَن وقَعَ في حرامٍ نصحُهُ وأمرُهُ ونهيُهُ بما يُصلِحُه، والشفقةُ عليه لا السُّخْرِيةُ منه، فمَن أضَلَّهُ قادرٌ على أنْ يُضِلَّ غيرَه. والسَّبُّ والتعييرُ فيه التعزيرُ؛ كلُّ كلمةٍ بحسَبِ معناها وأثرِها في المقصودِ بها، وبمقدارِ انتشارِها بينَ الناسِ، ويقدِّرُ القاضي الضررَ في ذلك، ويُوقِعُ التعزيرَ بمقدارِه. التعويضُ عن الضررِ المعنويِّ: وأمَّا التعويضُ المادِّيُّ عن الضررِ المعنويِّ، فمَحَلُّ خلافٍ عندَ الفقهاءِ؛ فقد اختلَفُوا فيمَن وُقِعَ في عِرْضِه أو أُسِيءَ إليه بأيِّ نوعٍ مِن الإساءةِ المعنويَّةِ: هل له أن يُعوَّضَ عنها بالمالِ أو لا؟ في المسألةِ خلافٌ على قولَيْنِ:

стр. 2070

ذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّه لا يُعوَّضُ عن الأضرارِ المعنويَّةِ؛ وإنَّما يُكتفَى بتعزيرِ المُخطِئِ والجاني، وإنِ اقتضَى رفعُ الضررِ المعنويِّ إعلانَ عقوبتِهِ حتى يرتفعَ الضررُ المعنويُّ عن المتضرِّرِ، فيُعلَنُ؛ زجرًا له، ورفعًا للحَرَجِ عن المتضرِّرِ. وإنَّما منَع الجمهورُ مِن ذلك، لأنَّهم لا يُجيزونَ التعزيرَ بالمالِ، وهذه المسألةُ فرعٌ عن ذلك. وقال بعضُ الفقهاءِ: بجوازِ التعويضِ بالمالِ؛ وهو قولٌ منسوبٌ لأبي حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. والأضرارُ المعنويَّةُ التي تَلحَقُ الناسَ اليومَ أشَدُّ مِن الأضرارِ المعنويَّةِ السابقةِ؛ وذلك لاختلافِ الوسائلِ، وسُرْعةِ انتشارِ الأقوالِ، وتنوُّعِ وسائلِ ذلك مرئيَّةً ومكتوبةً ومسموعةً، وما يترتَّبُ على ذلك مِن فسادِ تجاراتٍ، وكَسَادِ سِلَعٍ، وتشوُّهِ أعراضٍ، وقد ضَعُفَتِ الدِّيانةُ في الناسِ في ارتكابِ تلك الوسائلِ واتِّخاذِها للإضرارِ بالناسِ، والشريعةُ قد جاءتْ بأصلٍ كما في الحديثِ: (لَا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ) (١)؛ فما كان مِن الأضرارِ التي جَعَلَتِ الشريعةُ فيها العقوبةَ تعزيرًا، فإنَّ دَفْعَ الضررِ بالمالِ فيها جائزٌ، وقد جعَلَتِ الشارعُ أصلَ العقوبةِ بالتعزيرِ موسَّعًا بما يراهُ الحاكمُ مُصلِحًا للحالِ وزاجرًا، فإنْ كان هذا جائزًا ولو بإتلافِ النَّفْسِ بالقتلِ أو القطعِ، فإنَّ أَخْذَ ما دونَ النَّفْسِ كالمالِ مِن بابِ أَولى أظهَرُ بالجوازِ. * * *
следующие страницы →