وأعظَمُ السُّخْريةِ والاحتقارِ هي التي تُطلَقُ على جماعةٍ؛ كسُخْريةِ قبيلةٍ مِن قبيلةٍ، وأهلِ بلدٍ مِن أهلِ بلدٍ؛ حتى تكونَ الفتنةُ بينَهم أشَدَّ ممَّا يقعُ مِن واحدٍ لواحدٍ، فيتباغَضُونَ ويتنازَعُونَ وتَذهَبُ بينَهم حرارةُ الأُخُوَّةِ الإيمانيَّةِ، وطعنُ القبائلِ والشعوبِ بعضِهم في بعضٍ مِن الكبائرِ، ويتساهلُ الناسُ بذلك، فتطعُنُ أمَّةٌ في أمَّةٍ لأجلِ رجلٍ واحدٍ منهم أساءَ، ويَسخَرُ شعبٌ مِن شعبٍ لأجلِ واحدٍ منهم، وقد رَوَى ابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً لَرَجُلٌ هَاجَى رَجُلًا، فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا، وَرَجُلٌ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ وَزَنَّى أُمَّهُ) (١).
وقولُه تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ بيَّن اللَّهُ أنَّ الخيريَّةَ لا تُوزَنُ بالظواهرِ التي يُزْدَرَى فيها الناسُ غالبًا، وذلك لأشكالِهم أو ألوانِهم أو لِباسِهم أو بُلْدانِهم، فاللَّهُ ذكَّر بأمرٍ لا يَراهُ الناسُ، وهو أمرُ البواطنِ، وفيه تنبيهٌ أنَّه يجبُ على مَنْ وقَعَ في نفسِهِ ازدراءٌ لأحدٍ أو تنقُّصٌ له، أنْ يتذكَّرَ أمرَ البواطنِ التي لا يراها إلَّا اللَّهُ، وقد يكونُ في سريرتِهِ خيرًا مِن الساخرِ به، وقد نبَّه النبيُّ ﷺ على هذا؛ فقد ثبَتَ في الصحيحِ؛ مِن حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ؛ أنَّه قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: (مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ )، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا -وَاللَّهِ- حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آحَرُ، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ )، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَلَّا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَلَّا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَلَّا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا) (٢).
стр. 2067
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ خَصَّ اللَّهُ النساءَ بالذِّكْرِ مع دخولِهِنَّ في عمومِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ فهُنَّ مِن القومِ؛ وذلك لأنَّ النساءَ عادةً لا يُطلِقْنَ ألسِنَتَهُنَّ إلَّا في بعضِهِنَّ؛ لِمَا فيهنَّ مِن الغَيْرةِ أكثَرَ مِن غَيْرةِ الرجالِ بعضِهم مِن بعضٍ، فكلامُ النساءِ في النساءِ وسُخْرِيَّتُهُنَّ بهنَّ أكثَرُ مِن كلامِ الرجالِ في الرجالِ وسُخريتِهم بعضِهم ببعضٍ، وكذلك: فإنَّ النساءَ لا يُخالِطْنَ الرجالَ ولا يَعرِفْنَ عيوبَهم وأحوالَهم؛ وإنَّما يتخالَطْنَ بينَهُنَّ، والإنسانُ يُطلِقُ لِسانَهُ فيما يراهُ ويُبصِرُه؛ فغلَبَ إطلاقُ النساءِ بالنساءِ، وذلك غالبُ ما يقعُ مِن النساءِ، ولا يتكلَّمْنَ في الأقوامِ والشعوبِ والقبائلِ والأُممِ بالسُّخْرِيَّةِ كحالِ الرجالِ.
ومِن أسبابِ تخصيصِهِنَّ بالذِّكْرِ: أنَّ جرأةَ المرأةِ: في لسانِها، وجرأةَ الرجلِ: في جوارحِه؛ ولهذا جاء نهيُ النساءِ عن إطلاقِ اللَّسَانِ أكثَرَ مِن الرجالِ، وجاء نهيُ الرجالِ عن إطلاقِ الجوارحِ أكثَرَ مِن النساءِ، واللَّهُ أعلَمُ.
ومِن المفسِّرينَ: مَن جعَل الخِطابَ الأولَ في قولِه: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ خاصًّا بالرجالِ، ولفظُ (القومِ) مِن الألفاظِ العامَّةِ التي قد يُرادُ بها الخصوصُ، وقد جاء استعمالُها في القرآنِ للرِّجَالِ، وجاء استعمالُها للرجالِ والنساءِ.
وقد تقدَّم الكلامُ على اختلاطِ الرجالِ بالنساءِ في المَجالِسِ الدائمةِ وبيانِ تحريمِهِ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقولِهِ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿تَعَالَوْا
стр. 2068
نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقولِه تعالى في قصةِ موسى في القَصَصِ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [٢٣]، وفي قولِه في طه والقَصَصِ: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه: ١٠]، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [القصص: ٢٩]، وقد بيَّنتُ أحكامَ هذه المسألةِ في رسالةٍ مستقلَّةٍ.
قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، نَهَى اللَّهُ عن التنابُزِ ولَمْزِ المؤمنِ لأخيهِ، وجعَلَ ذلك كلَمْزِهِ لنفسِه، وفي هذا تنبيهٌ إلى الأخوَّةِ الإيمانيَّةِ ووجوبِ أنْ يشعُرَ المؤمنُ بأخيهِ، وأنَّ وقوعَهُ فيه كوقوعِ غيرِهِ فيه، وأنَّه يجبُ أنْ يُحِسَّ بأَخِيهِ كإحساسِهِ بنفسِه، وكثيرًا ما يذكُرُ اللَّهُ ذلك تذكيرًا للمؤمنِ يما ينساهُ مِن حقِّ الأخوَّةِ الإيمانيَّةِ؛ كما قال في تحريمِ الأموالِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ أي: فأنتَ تأكُلُ مالَ نفسِكَ، وكقولِهِ في القتلِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وقد روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ سعيدٍ، عن قتادةَ؛ قولَهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]؛ أي: لا يقتُلْ بعضُكم بعضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، ونفسُك يا بنَ آدمَ أهلُ مِلَّتِك (١).
وقولُه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ يعني: لا يطعُنْ بعضُكم في بعضٍ، والتنابُزُ يالألقابِ إطلاقُ أوصافِ السُّوءِ وأسمائِها، وأشَدُّها ما يكونُ في دِينِه؛ كقولِه: يا كافرُ، أو يا يهوديُّ، أو يا مجوسيُّ، أو في عِرْضِه؛ كقولِه: يا زاني، أو يا عاهرُ، وغيرَ ذلك، ويأتي بعدَ ذلك ألقابُ التعبيرِ والتنقُّصِ، وكلامُ الناسِ بعضِهم في بعضٍ له مواضعُ ومقاصدُ، ولمزُ الناسِ بعضِهم بعضًا وتنابُزُهم على موضعَيْنِ:
стр. 2069
الموضعُ الأولُ: في أشياءَ غيرِ اختياريَّةٍ؛ وذلك كألوانِهم وقبائلِهم وخِلْقتِهم؛ فهذا أعظَمُ عندَ اللَّهِ؛ لأنَّهم لم يَختارُوا هذا الشيءَ لأنفُسِهم؛ وإنَّما اختارَهُ اللَّهُ لهم.
الموضعُ الثاني: في أشياءَ اختياريَّةٍ؛ كلِبَاسِهم وبيوتِهم وعاداتِهم؛ فهذا محرَّمٌ؛ لأنَّه لا يُوجَدُ أُمَّةٌ إلَّا ولها عادةٌ ولِباسٌ يختَلِفُ عن الأُخرى، وكلُّ أمَّةٍ تَرى أنَّها أَمْثَلُ مِن غيرِها في اختيارِها، ولو جاز لأمَّةٍ تعييرُ أمَّةٍ بما اختارتْهُ لنفسِها، لوقَعَ الناسُ بعضُهم في بعضٍ.
ولا يجوزُ السُّخْرِيَّةُ مِن الناسِ حتى وإنْ وقَعُوا في حرامٍ ومعصيةٍ؛ لأنَّ السُّخْرِيَّةُ شيءٌ مذمومٌ لذاتِه؛ لأنَّه يتضمَّنُ علوَّ النَّفْسِ وكِبْرَها، ويجعلُها تَنسى فضلَ ربِّها عليها أنْ وَفَّقَها إلى الخيرِ وحَرَمَ غيرَها، وربَّما تُستدرَجُ حتى تَحِيدَ ولو بسُوءِ القصدِ، فتغترُّ ثمَّ يكونُ عقابُها عندَ اللَّهِ أشَدَّ ممَّن سَخِرَتْ منه، والواجبُ فيمَن وقَعَ في حرامٍ نصحُهُ وأمرُهُ ونهيُهُ بما يُصلِحُه، والشفقةُ عليه لا السُّخْرِيةُ منه، فمَن أضَلَّهُ قادرٌ على أنْ يُضِلَّ غيرَه.
والسَّبُّ والتعييرُ فيه التعزيرُ؛ كلُّ كلمةٍ بحسَبِ معناها وأثرِها في المقصودِ بها، وبمقدارِ انتشارِها بينَ الناسِ، ويقدِّرُ القاضي الضررَ في ذلك، ويُوقِعُ التعزيرَ بمقدارِه.
التعويضُ عن الضررِ المعنويِّ:
وأمَّا التعويضُ المادِّيُّ عن الضررِ المعنويِّ، فمَحَلُّ خلافٍ عندَ الفقهاءِ؛ فقد اختلَفُوا فيمَن وُقِعَ في عِرْضِه أو أُسِيءَ إليه بأيِّ نوعٍ مِن الإساءةِ المعنويَّةِ: هل له أن يُعوَّضَ عنها بالمالِ أو لا؟ في المسألةِ خلافٌ على قولَيْنِ:
стр. 2070
ذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّه لا يُعوَّضُ عن الأضرارِ المعنويَّةِ؛ وإنَّما يُكتفَى بتعزيرِ المُخطِئِ والجاني، وإنِ اقتضَى رفعُ الضررِ المعنويِّ إعلانَ عقوبتِهِ حتى يرتفعَ الضررُ المعنويُّ عن المتضرِّرِ، فيُعلَنُ؛ زجرًا له، ورفعًا للحَرَجِ عن المتضرِّرِ.
وإنَّما منَع الجمهورُ مِن ذلك، لأنَّهم لا يُجيزونَ التعزيرَ بالمالِ، وهذه المسألةُ فرعٌ عن ذلك.
وقال بعضُ الفقهاءِ: بجوازِ التعويضِ بالمالِ؛ وهو قولٌ منسوبٌ لأبي حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
والأضرارُ المعنويَّةُ التي تَلحَقُ الناسَ اليومَ أشَدُّ مِن الأضرارِ المعنويَّةِ السابقةِ؛ وذلك لاختلافِ الوسائلِ، وسُرْعةِ انتشارِ الأقوالِ، وتنوُّعِ وسائلِ ذلك مرئيَّةً ومكتوبةً ومسموعةً، وما يترتَّبُ على ذلك مِن فسادِ تجاراتٍ، وكَسَادِ سِلَعٍ، وتشوُّهِ أعراضٍ، وقد ضَعُفَتِ الدِّيانةُ في الناسِ في ارتكابِ تلك الوسائلِ واتِّخاذِها للإضرارِ بالناسِ، والشريعةُ قد جاءتْ بأصلٍ كما في الحديثِ: (لَا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ) (١)؛ فما كان مِن الأضرارِ التي جَعَلَتِ الشريعةُ فيها العقوبةَ تعزيرًا، فإنَّ دَفْعَ الضررِ بالمالِ فيها جائزٌ، وقد جعَلَتِ الشارعُ أصلَ العقوبةِ بالتعزيرِ موسَّعًا بما يراهُ الحاكمُ مُصلِحًا للحالِ وزاجرًا، فإنْ كان هذا جائزًا ولو بإتلافِ النَّفْسِ بالقتلِ أو القطعِ، فإنَّ أَخْذَ ما دونَ النَّفْسِ كالمالِ مِن بابِ أَولى أظهَرُ بالجوازِ.
* * *
стр. 2071
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
نَهى اللَّهُ عن كثيرٍ مِن الظنِّ؛ لأجلِ السُّوءِ في بعضِه، وهذا لا يكونُ إلَّا في أهلِ الدِّيالةِ والصِّدْقِ؛ وهذه الآيةُ أصلٌ في الورَعِ.
وإنَّما لم يَنْهَ اللَّهُ عن حميعِ الظَّنِّ؛ حتى لا يشملَ الظَّنَّ الحسَنَ؛ فاللَّهُ يأمُرُ بإحسانِ الظنِّ بالناسِ، وحَمْلِ أقوالِهم وأفعالِهم على محاملَ حسنةٍ، وقد قال ﷺ : (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ) (١).
وإنَّما نَهَى اللَّهُ عن الظنِّ قبلَ نهيِهِ عن التجسُّسِ في قولِه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾؛ لأنَّ التجسُّسَ يَبدأُ بظنِّ السُّوءِ، ثمَّ يُريدُ الظانُّ أنْ يُؤكِّدَ ظنَّه، فيتجسَّسُ على غيرِه، وبمِثلِ الآيةِ رتَّب النبيُّ ﷺ النهيَ، فنَهى عن الظنِّ قبلَ نهيِه عن التجسُّسِ؛ لأنَّ الظنَّ يَدفَعُ إليه؛ قال: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَنَافَسُوا، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)؛ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، عن أبي هريرةَ (٢).
والتجسُّسُ كبيرةٌ مِن كبائرِ الذنوبِ، ويكونُ التجسُّسُ بالسماعِ لمَن يَكرَهُ سماعَهُ وهو مستتِرٌ بقولِهِ عن الناسِ، أو بالبصرِ كمَن يُطلِقُ بصرَهُ عمَّن يستتِرُ بعَوْرتِهِ عن الناسِ، ويكونُ بتحسُّسِ البدَنِ وهو بلَمْسِ ما يُخفِيهِ الناسُ ويستُرُونَهُ عن الناسِ؛ وكلُّ ذلك داخلٌ في التجسُّسِ المنهيِّ عنه.
ويدُلُّ على كونِ التجسُّسِ كبيرةً: أنَّ اللَّهَ جعَلَ جزاءَ مَن يطَّلِعُ بعينِهِ
стр. 2072
على عَوْرةِ بيتٍ أنْ يُفقَأَ عينُه؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ) (١)، ولا تُهدَرُ العينُ إلَّا بفعلِ كبيرةٍ مِن الكبائرِ، ثمَّ إنَّ الأصلَ فيما نَهى اللَّهُ عنه صريحًا في القرآنِ: أنَّه كبيرةٌ، ما لم يدخُل عليه قرينةٌ تَصرِفُهُ عن ذلك.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، فيه تحريمُ الغِيبَةِ، وهو ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكرَهُ؛ كما جاء أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ )، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ)، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: (إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَقَدْ بَهَتَّهُ)؛ رواهُ مسلمٌ (٢).
وإذا كان المتكلَّمُ فيه شاهدًا، فليستْ بغِيبَةٍ، وقد يكونُ مباحًا وقد يكونُ حرامًا؛ بحسَبِ الدافعِ له والمقصودِ منه، وبحسَبِ مطابَقَةِ الكلامِ للحقِّ.
والغِيبةُ مِن الكبائرِ، وتكونُ عَظَمَتُها بمقدارِ الكلامِ المتلفَّظِ به، وبحسَبِ أثرِها على أهلِها وعلى الناسِ، والغِيبةُ أكثرُ ما يُهلِكُ الناسَ ويُذهِبُ حسناتِهم وهم لا يَشْعُرون.
الأحوالُ التي تجوزُ فيها الغِيبَةُ:
والأصلُ في الغِيبَةِ التحريمُ، إلَّا أنَّها تجوزُ في حالاتٍ ستٍّ:
الحالةُ الأُولى: المظلومُ، الذي يذكُرُ ظالمَهُ بالقَدْرِ الذي يرجو به عَوْدةَ حقِّه، وعندَ مَن يظُنُّ أنَّه ينصُرُهُ أو يُعِينُهُ برأيٍ، وبالقَدْرِ الذي
стр. 2073
لا يخرُجُ عن طلبِ الحقِّ إلى البَغْي والتشفِّي والتعبيرِ، وكثيرًا ما يكونُ المظلومُ ظالمًا؛ لكثرةِ بَغْيِهِ على ظَالمِهِ بالقولِ، وتسلُّطِهِ على عِرْضِهِ بالعَيْبِ؛ فيصيرُ ظالمًا وهو يَحسَبُ نفسَهُ مظلومًا.
ومَن كان مظلومًا بأخذِ مالِهِ أو انتقاصِ عِرْضِهِ، فيجوزُ له ذِكرُ أخيهِ بما يَكْرَهُهُ بشرطَيْنِ.
الأولُ: أن يكونَ ذِكْرُهُ له عندَ مَن يرجو أنَّه ينصُرُهُ ويُنصِفُهُ؛ سواءٌ برأيٍ أو سلطانٍ، ولا يَتكلَّمُ لذلك عندَ مَن لا يرجو منه نصرًا ولا رأيًا.
الثاني: أن يكونَ بالقَدْرِ الذي يكفي فيه بيانُ الحالِ؛ فلا يَزيدُ كلامًا في غيرِ مَظْلِمَتِه، ولا يُكثِرُ مِن التظلُّمِ بما يخرُجُ عن طلبِ النُّصْرةِ إلى التشفِّي والبَغْي.
الحالةُ الثانيةُ: المُعَرِّفُ، الذي يعرِّفُ بأحدٍ عندَ مَنْ لا يَعرِفُهُ ويحتاجُ إلى معرفةِ حالِه؛ كالسؤالِ عن أحوالِ رُوَاةِ الحديثِ والأخبارِ؛ ليُعلَمَ صِدْقُهم مِن كَذِبِهم، وكذلك التعريفُ لتمييزِ الأشخاصِ بلا تَشَهٍّ وهوًى؛ كوصفِ أحدٍ بأنَّه أعمَى أو أعرَجُ أو قصيرٌ أو طويلٌ تعريفًا لا تنقُّصًا، وأمَّا إنْ كان وصفُهُ في سياقِ تنقُّصِهِ لا في سياقِ التعريفِ به، فذلك غِيبَةٌ محرَّمةٌ، وفي "السُّننِ"؛ أنَّ عائشةَ قالت: قلتُ للنبيِّ ﷺ : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا -تَعْنِي قَصِيرَةً- فقال لها رسولُ اللَّهِ ﷺ : (لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً، لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ، لَمَزَجَتْهُ! ) (١).
الحالةُ الثالثةُ: المُحَذِّرُ مِن صاحبِ سُوءٍ؛ فلا حرَجَ مِن ذِكْرِهِ بما هو فيه؛ بشرطِ أن يكونَ التحذيرُ منه عندَ مَن يُخشَى عليه منه وَيَعْنِيهِ ذِكْرُهُ بما يَكرَهُ؛ وذلك كالتحذيرِ من خيانةِ تاجرٍ غيرِ أمينٍ عندَ مَن يُشارِكُهُ، وكالتحذيرِ مِن زوجٍ فاسقٍ يُظهِرُ الصلاحَ ليتزوَّجَ وهو خلافُ ذلك.
стр. 2074
ويجوزُ مِن بابِ التحذيرِ ذِكْرُهُ بسُوءٍ؛ بشرطَيْنِ:
الأولُ: أن يكونَ عندَ مَن يَعْنِيهِ أمرُهُ، ولا يجوزُ ذِكرُهُ عندَ مَن لا يَعْيِنهِ أمرُه؛ فلا يجوزُ له أن يذكُرَ أحدًا بما يَعلَمُهُ عنه مِن فُحْشٍ وبُخْلٍ عند مَن لا يُريدُ أنْ يزوِّجَهُ، ولا ذِكْرُهُ بما يَعلَمُهُ عنه مِن ضعفِ أمانةٍ عندَ مَن لا يُعامِلُهُ بالمالِ، ولا يُعامِلُهُ بعَهْدٍ ولا سِرٍّ.
الثاني: أن يكونَ ذِكْرُهُ بما هو فيه؛ لا يَزيدُ عليه وصفًا لا يَعْنِيهِ؛ كالتاجرِ يَعْنِيهِ الأمانةُ، والزوحةِ يَعْنِيها الدِّيانةُ والخُلُقُ.
الحالةُ الرابعةُ: غِيبَة المُجاهِرِ بفِسْقِه؛ كمَن يُعلِنُ للناسِ شُرْبَهُ للخمرِ، أو المرأةِ التي تخرُجُ سافرةً أمامَ الناسِ؛ فذِكْرُ هذا بما هو فيه مِن غيرِ تشَفٍّ جائزٌ، ولا يجوزُ ذِكرُهُ على وجهِ السُّخْريَّةِ والتشفِّي؛ لذلك شماتةٌ مذمومةٌ.
وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ الإجماعَ على أنْ لا غِيبةَ للمُجاهِرِ بفِسْقِهِ.
وجوازُ غِيبَةِ المُجاهِرِ بفسقِهِ لا يَعني استباحةَ عِرْضِه فيما لم يُجاهِرْ به؛ وإنَّما كلامُ العلماءِ في المُجاهرِ بفسقِه إذا اغتِيبَ بما جاهَرَ به، فأمَّا ما لم يُجاهِرْ به، فلا تجوزُ غيبتُهُ فيه؛ كالمسلِمِ الذي يُجاهِرُ بمعصيةٍ كشُرْبِ الخمرِ، لا يجوزُ غِيبتُه بما يَكرَهُهُ مِن غيرِ ذلك، وهذا بلا خلافٍ.
الحالة الخامسةُ: المستفتي في أمرٍ يحتاجُ معه إلى ذِكْرِ مَن يتعلَّقُ بفتواهُ؛ كالزوجةِ تَستفتِي، فتحتاجُ أن تذكُرَ زوجَها بالبخلِ أو الضربِ أو الهجرِ، وتُريدُ حُكْمًا فيه؛ فلا حرَجَ عليها في ذلك، ومِن ذلك ما جاء في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ أنَّ هندَ بنتَ عُتْبَةَ قالتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أبا سُفيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا
стр. 2075
أخَذْتُ مِنهُ وَهُوَ لا يَعْلَمُ؟ فَقَالَ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَولَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) (١).
الحالة السادسة: طالبُ الإعانةِ على صاحبِ مُنكَرٍ؛ فيجوزُ ذِكْرُ مُنكَرِه ولو كان مستترًا به ما دام يُضِرُّ لصاحِبِهِ ويخشى عليه مِن دوامِهِ عليه؛ فيجوزُ غِيبتُهُ حينئذٍ بشرطَيْنِ:
الأولُ: أن يذكُرَهُ عندَ مَن يرجو منه عونًا لإصلاحِ مُنْكَرِه؛ كمَن يَشرَبُ الخمرَ أو يبيعُ محرَّمًا؛ فلا حرَجَ مِن الاستشارةِ أو الاستعانةِ بمَن يَملِكُ العونَ والرأيَ فيه.
الثاني: أن يكونَ المُنكَرُ مستحِقًّا لطلبِ النُّصْحِ؛ كالمُنكَراتِ الكبيرةِ، ولا يكونَ مِن اللَّمَمِ الذي لا يتعدَّى غالبًا إلى غيرِه، ولا ما يَستَرُ به صاحبُهُ مِس عوارضِ المنكَراتِ التي لا يُدِيمُ عيها صاحبُها عادةً.
غِيبةُ الكافرِ:
ظاهرُ الآيةِ: أنَّها في عِيبةِ المؤمِنِ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ خاطَبَ المؤمنينَ في الآيةِ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثمَّ قال تعالى بعدُ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، ومِثلُه في الحديثِ، قال ﷺ : (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ)؛ فالمؤمنُ مِن نَفْسِ المؤمِنِ وبعضٌ منه، بخلافِ الكافرِ، فليس منه، وعدمُ دخولِ الكافرِ في حُكمِ الغِيبةِ في الآيةِ لا يُجِيزُ بُهتانَهُ ولا الافتراءَ والبَغْيَ عليه؛ فهذا لا خلافَ في تحريمه، وأمَّا ذِكْرُهُ في حالِ غيابِهِ بما هو فيه ويَكْرَهُه، فإنْ كان حربيًّا، فلا خلافَ في جوازِ ذلك، وأمَّا إن كان ذميًّا ومعاهَدًا، فقد اختُلِفَ في ذِكْرِهِ بما يَكرَهُهُ وهو فيه، على قولَيْنِ:
الأولُ: قال بعضُهم بتحريمِ غِيبَةِ الذِّمِّيِّ؛ لأنَّ ذلك يُنفِّرُهُ مِن دفعِ الجزيةِ؛ ولهذا قال زكريَّا الأنصاريُّ والغزاليُّ؛ واستُدِلَّ على ذلك بما
стр. 2076
رواهُ ابنُ حِبَّانَ مرفوعًا: (مَنْ سَمَّعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، دَخَلَ النَّارَ) (١)؛ يعني: سمَّعَهُ ما يُؤْذِيهِ ويَكرَهُهُ، وهذا لا دليلَ فيه؛ لأنَّ الغِيبةَ فيمَن لم بَسمَعْها، وإنْ سمِعها لم نكنْ غيبةً؛ وإنَّما أذًى، قد يحرُمُ وقد يجوزُ؛ بحسَبِ نوعِه وقدْرِه وأثرِه وكونِه حقًّا أو باطلًا.
الثاني: الجوازُ، وبه قال ابنُ المُنذِرِ؛ وذلك لأنَّ الكافرَ لا حُرمةَ له ولا دليلَ على تحريم غِيبتِه، وقد استدَلَّ على ذلك بعضُهم بحديثِ عائشةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: (بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ)، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَط إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ، قَالَت لَهُ عَائِشَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إلَيْهِ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدتِّنِي فَحَّاشًا؟ ! إنَّ شَرَّ النَّاسِ عندَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ: مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) (٢).
وقد جعَلَهُ بعضُ الأئمَّةِ أصلًا في جوازِ غِيبةِ الفاجرِ والكافرِ.
* * *
* قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
في هذه الآيةِ: فضلُ معرفةِ الأنسابِ، وبيانُ منفعتِها، وأنَّها لتعارُفِ الناسِ فيما بينَهُمْ، وتراحُمِهِمْ وتواصُلِهِمْ وتناصُرِهِمْ، وحينَما ذكَرَ اللَّهُ التعارُفَ، جعَلَ فوقَهُ الإيمانَ، وأنَّ معرِفةَ الإيمانِ والتواصُلَ به أعظَمُ مِن
стр. 2077
التواصُلِ بالأنسابِ والأحسابِ؛ فجعَلَ مَرْتَبةَ الأنسابِ دونَ مَرْتَبةِ الإيمانِ.
ويُروى عن النبيِّ ﷺ : قال: (تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي المَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ)؛ رواهُ أحمدُ والترمذيُّ عن أبي هريرةَ (١).
والأنسابُ بها يَتعارَفُ الناسُ ولا يَتنافَرُون؛ لكنْ لا ولاءَ ولا وَشِيجَةَ أعظَمُ مِن ولاءِ الإيمانِ ووَشِيجَتِه، ولا بَرَاءَ أعظَمُ مِن بَرَاءِ الكفرِ، والكافرُ بعيدٌ ولو قَرُبَ نَسَبًا، والمؤمِنُ قريبٌ ولو ابتعَدَ نسَبًا.
* * *
стр. 2078
سورة ق
سورةُ ق سورةٌ مكيَّةٌ؛ قالهُ ابنُ عبَّاسٍ والحَسَنُ ومجاهدٌ وقتادةُ (١)، وقد حكى الإجماعَ على ذلك جماعةٌ كابنِ حَزْمٍ وغيرِه (٢)، وتضمَّنَتِ التذكيرَ بعَظَمةِ القرآنِ، والترهيبَ مِن الآخِرةِ، والتخويفَ مِن عذابِ اللَّهِ، والتذكيرَ بالموتِ وقِصَرِ الدُّنيا، والحسابِ والكتابةِ على العبدِ ما يَعمَلُه، وما بعدَ الموتِ مِن سؤالٍ وعَرْضٍ، وعذابٍ ونعيمٍ.
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بالصبرِ على ما يَسْمَعُهُ مِن المشرِكِينَ، والاستعانةِ على ذلك بشَغْلِ القلبِ عمَّا يقولونَهُ بتعظيمِ اللَّهِ والحضورِ بينَ يدَيْهِ في الصلاةِ، وكان هذا قبلَ فَرْضِ الصلواتِ الخمسِ، فأمَرَ اللَّهُ نبيَّه بالصلاةِ قبلَ طلوعِ الشمسِ، وهي صلاةُ الغَدَاةِ صلاةُ الفَجْرِ، وقبلَ الغروبِ، وهي صلاةُ العَشِيِّ، وهي العصرُ، وبَقِيَ هذا الحُكمُ عامًّا في تعظيمِ هاتَينِ الصلاتَيْنِ؛ لأنَّهما أولُ ما فُرِضَ مِن الصلواتِ المكتوبةِ مِن الصلواتِ الخمسِ، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ﵁؛ قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي: البَدْرَ- فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ
стр. 2079
رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا؟ فَافْعَلُوا)، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (١).
وقد تقدَّمَ الكلامُ على مواقيتِ الصلاةِ في القرآنِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠].
أمَرَ اللَّهُ بالتسبيحِ في الليلِ، والمرادُ بالتسبيحِ هنا: الصلاةُ على الأظهَرِ مع احتمالِ المعنيَيْنِ؛ لأنَّ اللَّهَ ذكَرَ التسبيحَ في الليلِ وأدبارَ السجودِ؛ ولكنَّ حَمْلَهُ على ذِكرِ التسبيحِ لا يأتي على قولِ بعضِ السلفِ: إنَّ المرادَ بقوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ أنَّه صلاةُ السُّنَّةِ البَعْدِيَّةِ بعدَ المكتوبةِ؛ كما يأتي.
وهذه الآية هي نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
وأمَّا تفاضُلُ الذِّكْرِ في السَّحَرِ، فإنَّ الاستغفارَ أفضلُ مِن التسبيحِ، وقد خَصَّهُ اللَّهُ مِن بينِ الذِّكرِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وقولِهِ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].
وقولُه تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: حُمِلَتْ هذه الآيةُ على مَعانٍ ثلاثةٍ:
المعنى الأول: أنَّ المرادَ بالتسبيحِ أدبارَ السجودِ: هو سُنِّيَّةُ الأذكارِ
стр. 2080
بعدَ الصلاةِ، وخاصَّةً التسبيحَ؛ على ما ثبَتَ في السُّنَّة، وقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه يَرى التسبيحَ في الآيةِ بعدَ الصلواتِ كلِّها؛ كما رواهُ البخاريُّ في "صحيحِه"؛ مِن حديثِ مجاهدٍ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا؛ يَعْنِي: قَوْلَهُ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (١)، وقد ذكَرَ النبيُّ ﷺ التسيحَ دُبُرَ الصلاةِ كما في قولِه: (مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاِثِينَ. . .) الحديثَ (٢).
وعلى هذا المعنى يُحمَلُ التسبيحُ في الآيةِ؛ في الليلِ: على معنى الصلاةِ، وفي أدبارِ السجودِ: على الذِّكْرِ، وعامَّةُ السلفِ على أنَّ المرادَ بالتسبيحِ في الليلِ الصلاةُ، وليس هو ذِكْرَ التسبيحِ: (سبحانَ اللَّهِ).
وقد ثبَت في "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هريرةَ ﵁؛ أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟ )، قالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمُ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ )، قَالُوا: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً)، قَالَ أَبُو صالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (٣).
المعنى الثاني: أنَّ المرادَ بالتسبيحِ أدبارَ السجودِ: هو صلاةُ السُّنَّةِ بعدَ المغرِبِ؛ وعلى هذا المعنى يُحمَل التسيحُ في الآيةِ في الموضعَيْنِ:
стр. 2081
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ على معنى الصلاةِ، وهنا خَصَّصَهُ عامَّةُ السلفِ على الركعتَيْنِ بعدَ المغرِبِ، وبهذا حمَلَهُ الصحابةُ والتابعونَ؛ كعمرَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ والحسنِ وأبي هريرةَ وأبي أُمامةَ ومجاهِدٍ والشَّعْبيِّ وعِكْرِمةَ والنَّخَعيِّ وغيرِهم (١).
وكان الأوزاعيُّ يقولُ: "الركعتانِ بعدَ المَغْرِبِ في كتابِ اللَّهِ"، ويذكُرُ قولَه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٢).
إلَّا أنَّ ابنَ زيدٍ يَرَى أنَّها النوافلُ خلفَ الفرائضِ (٣)، ولم يُوافِقْهُ على ذلك كبِيرُ أحدٍ؛ حتى إنَّ ابنَ جريرٍ قال: "ولولا ما ذكَرْتُ مِن إجماعِها عليه، لَرَأَيْتُ أنَّ القولَ في ذلك ما قالهُ ابنُ زيدٍ" (٤).
المعنى الثالث: أنَّ المرادَ بالتسبيحِ أدبارَ السجودِ: هو التسبيحُ في السجودِ، وقد ذكَرَهُ الجَصَّاصُ (٥)؛ وهو قولٌ غريبٌ شاذٌّ.
* * *
стр. 2082
سورة الذاريات
سورةُ الذَّارِيَاتِ سورةٌ مكيَّةُ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ (١)، وقد حكى الإجماعَ على ذلك جماعةٌ (٢)، وتتضمَّنُ آياتُها ذِكْرَ آياتِ اللَّهِ في الكونِ وتدبيرِهِ وتسخيرِهِ له بحِكْمةٍ ودِقَّةٍ، وذِكْرَ أوصافِ الفريقَيْنِ: أهلِ النعيمِ وأهلِ الجحيمِ وأعمالِهِما، وذِكْرًا لبعضِ قَصَصِ الأنبياءِ والأممِ السابقِينَ للاعتبارِ.
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].
ذكَرَ اللَّهُ أجَلَّ صفاتِ المؤمنينَ، ومنها النفقةُ وتفقُّدُهُمْ أحوالَ المُعْوِزِينَ الذين يَسْأَلُونَ والذين يَتكفَّفونَ مِن أهلِ الحاجةِ، والمحرومُ هو الذي فيه قوةٌ، لكنَّه لا يجدُ عملًا يَتكسَّبُ منه؛ لكسادِ السوقِ، أو لجَدْبِ الأرضِ، أو بسببِ الخوفِ كأزمنةِ الحروبِ وغيرِ ذلك، وقد تقدَّم الكلامُ على معنى المحرومِ خاصَّةً، وأهلِ الزكاةِ عامَّةً، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠].
* * *
стр. 2083
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥].
في هذا: بَذْلُ إبراهيمَ التحيَّةَ للملائكةِ وردُّهُمْ عليها بمِثْلِها، وقد تقدَّم الكلامُ على بَذْلِ التحيَّةِ وأحكامِها وألفاظِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦].
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٦ - ٢٧].
أكرَمَ إبراهيمُ أضيافَهُ الملائكةَ ولم يَستَأْذِنْهُمْ ولم يُشاوِرْهم، ولو شاوَرَهم، لَمَا أذِنُوا له؛ لأنَّ الملائكةَ لا تأكُلُ ولا تَشْرَبُ، وفي هذا استحبابُ إكرامِ الضيفِ مِن غيرِ سؤالٍ واستئذانٍ، وهذه الآيةُ وما قبلَها مِثلُ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]، وقد تقدَّمتْ.
* * *
стр. 2084
سورة الطور
سورةُ الطُّورِ سورةٌ مكيَّةٌ؛ كما قالهُ ابن عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ (١)، ومِن العلماءِ مَن نَصَّ على الإجماعِ على ذلك (٢)، وفي السورةِ ذِكْرٌ لآياتِ اللَّهِ وبديعِ مخلوقاتِهِ السماويَّةِ والأرضيَّةِ، وتذكيرٌ بما بعدَ المَوْتِ للمُعانِدِينَ والمؤمِنِينَ، وذِكرٌ لأقوالِ بعضِ المُعانِدينَ وأحوالِهم الذين استَكْبَروا عن قَبُولِ الوحيِ.
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩].
أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بالصبرِ على حُكْمِ اللَّهِ وأمرِهِ بالامتثالِ له , وعلى ما يَسمَعُهُ مِن الكفارِ والإعراضِ عنه, وقد بيَّن اللَّهُ مِنَّتَهُ علي عبدِهِ أنَّه مُصطفِيهِ مِن بينِ خَلْقِه، وحافظُهُ وحامِيهِ مِن فتنةِ أعدائِه.
وقولُه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ حُمِلَ معنى القيامِ في هذه الآيةِ على مَعانٍ:
منها: أنَّه حُمِلَ على ذِكْرِ اللَّهِ وتسبيحِهِ عندَ القيامِ إلى الصلاةِ؛ وهذا
стр. 2085
قولُ الضحَّاكِ والربيعِ وعبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ (١).
ومنها: أنَّه حُمِلَ على القيامِ مِن النومِ؛ وبهذا قال أبو الجَوْزَاءِ (٢) وابنُ جربرٍ الطبريُّ (٣)، وعلى هذا فمعناهُ ذِكَرُ الاستيقاظِ أو عندَ الانتباهِ والتَّعَارِّ على الفِراشِ في الليلِ، ومِن ذلك ما في "المسنَدِ" والبخاريِّ؛ مِن حديثِ عُبَادةَ بنِ الصامتِ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ قال: (مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ. لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي -أَوْ قَالَ: ثُمَّ دَعَا- اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ عَزَمَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صلَّى، تُقُبِّلَتْ صَلَاتُهُ) (٤).
ومنها: أنَّه حُمِلَ على القيامِ مِن المَجْلسِ؛ وبهذا قال مجاهِدٌ وأبو الأحوصِ وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ (٥)، وذلك في معنى كفَّارةِ المَجلِسِ، فتُختَمُ المَجالِسُ بالذِّكْرِ والحمدِ، وقد تقدَّم الكلامُ على الذِّكْرِ في ختام المَجْلِسِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠].
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ فسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ بأنَّه الركعتانِ قبلَ صلاةِ الفجرِ (٦)، وذلك بعدَ ذَهَابِ الليلِ وإدبارِ نجومِه، وإقبالِ الفجرِ وضَوْئِه، وذِكْرُ اللَّهِ لها في كتابِهِ دليلٌ على فضلِها، وهىِ أعظَمُ السُّننِ الرواتبِ فضلًا، وأشَدُّها تعاهُدًا مِن النبيِّ ﷺ عليها؛ كما
стр. 2086
في "الصحيحَيْنِ"، عن عائشةَ ﵂؛ قالتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ" (١).
وقد جاء في "صحيحِ مسلمٍ"، عنه ﷺ ؛ أنَّه قال: (رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) (٢).
ومنهم: مَن حمَلَ المعنى في التسبيحِ إدبارَ النجومِ على صلاةِ الفجرِ؛ وهو قولُ الضحَّاكِ وابنِ زيدٍ، ورجَّحَه ابنُ جريرٍ (٣).
وقد تقدَّم الكلامُ على الاهتداءِ بالنجومِ لمعرِفةِ الصلاةِ والعبادةِ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧].
* * *
стр. 2087
سورة النجم
سورةُ النَّجْمِ سورةٌ مكيَّةٌ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه (١)، وقد نصَّ غيرُ واحدٍ على الإجماعِ على ذلك (٢)، وقد وعَظ اللَّهُ وذكَّر، ورهَّب ورغَّب كفارَ قريشٍ، وبيَّن اللَّهُ صِدْقَ نبيِّه وإعجازَ كلامِه، وكيف نزولُ وحيِهِ، وفَضْلَ النبيِّ ﷺ وصِدْقَه، وذكَر بعضَ ضلالِ وكفرِ المشرِكِينَ وعِنادَهم، وصفاتِ المؤمنينَ والمُعانِدِينَ، وحالَ الناسِ في الحسابِ، والعذابَ والنعيمَ، وآياتِ اللَّهِ وإعجازَه، وحالَ بعضِ الأُمَمِ الغابِرةِ المُعانِدةِ، وما آلَ بهم عنادُهُمْ إليه.
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
ذكَر اللَّهُ مِن صفاتِ المؤمِنِينَ الصادِقِينَ: خشيةَ اللَّهِ، ومُفارَقةَ السيِّئاتِ، واجتنابَ أسبابِ غضبِه، وتعظيمَه, ومفارقةَ الذنوبِ صغيرِها وكبيرِها؛ تعظيمًا للَّهِ، مِن غيرِ تفريقٍ بينَ صغيرةٍ وكبيرةٍ؛ لأنَّهم ينظُرونَ إلى عِظَمِ مَن يُعصَى، ولا ينظُرونَ إلى صِغَرِ المعاصي.
стр. 2088
وقولُه تعالى: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، فيه: دليل على التفريقِ بينَ الذنوبِ كبيرِها وصغيرِها، وأنَّها على مَراتِبَ وليستْ على مرتبةٍ واحدةٍ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك وتفصيلُهُ وبيانُ موقفِ السلفِ منه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩].
بيَّن اللَّهُ أنَّ الإنسانَ لا يُثابُ إلَّا على مَا كسَبتْهُ يمينُه، وسَعَى إليه بنفسِه؛ وذلك للحثِّ على المبادَرةِ وعدمِ الاعتمادِ على ثوابٍ يأتيهِ مِن غيرِ كَسْبِه؛ فيَنْدَمُ على تفريطِهِ وتسويفِه، وَيُستثنى مِن هذه الآيةِ ما خَصَّهُ الدليلُ؛ ومنه قوله ﷺ : (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ، انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صدَقَةٍ جَارِيةٍ, أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (١).
وقد تقدَّم الكلامُ على مسألةِ إهداءِ الثوابِ وأُجُورِ القُرَبِ للمَيِّتِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ [النجم: ٦١].
ذكَر اللَّهُ لَهْوَ كُفَّارِ قريشٍ عن سماعِ الوحي، ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ: أنَّ معنى السُّمُودِ هنا هو الغِناءُ، والمرادُ: الانشغالُ بالغناءِ عن كلامِ اللَّهِ؛ رواهُ عِكْرِمةُ عن ابنِ عبَّاسٍ قولَه: ﴿سَامِدُونَ﴾ قال: هو الغناءُ؛
стр. 2089
كانوا إذا سَمِعوا القرآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبوا، وهي لُغةُ أهلِ اليمنِ؛ قال اليَمَانيُّ: اسْمُدْ؛ رواهُ ابن جريرٍ (١).
ولا يُوجَدُ قومٌ يُعرِضونَ عن اللَّهِ إلَّا وكان مِن أعظَمِ أسبابِ إعراضِهم: فُشُوُّ الغِناءِ واللَّهْوِ, وقد تقدَّم الكلامُ على الغِناءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ [لقمان: ٦].
* * *
стр. 2090
سورة القمر
سورةُ القَمَرِ سورةٌ مكيَّةٌ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك (١)، وانشقاقُ القمرِ حدَثَ لمَّا كان النبيُّ ﷺ بمكَّةَ، وفي هذه السُّورةِ ذِكرٌ لآياتِ اللَّهِ ومعجزاتِه، وترهيبٌ للمُعانِدينَ، وتذكيرٌ لهم بعاقبتِهم، وتحذيرٌ مِن كُفْرِهم وشِرْكِهم، وذِكْرٌ لطريقةِ أمثالِهم السابقينَ ونهايتِهم.
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨].
بعَث اللَّهُ الناقةَ آيةً لثمودَ قومِ صالحٍ، وأمَرَهم ألَّا يمَسُّوها بسُوءٍ، وجعَل لها مَوْرِدًا إلى الماءِ في يومٍ غيرَ مَوردِهم، وجعَل اللَّهُ لكلٍّ مَشْرَبَه؛ حتى لا يَتنازَعُوا فيُسوَّلَ لهم الشيطانُ عدوانًا عليها لمُزاحَمَتِها لهم وعدمِ كفايتِهم؛ ليقطَعَ عنهم العُذْرَ، وتقومَ عليهم الحُجَّةُ.
وفي هذه الآيةِ: أنَّ العدلَ في قِسْمةِ المالِ ومنافعِ الأرضِ مُوجِبٌ لدفعِ النِّزاعِ والخلافِ بينَ الناسِ، إلَّا لِمَنْ ظهَرَ بغيُهُ وعنادُه، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في مواضعَ، عندَ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ
سورة الرحمن
سورةُ الرحمنِ سورةٌ مكيَّةٌ، كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ وابنُ الزُّبَيْرِ وجماعةٌ، وهو قولُ الأكثرِ (١)، وسورةُ الرحمنِ نزَلَتْ في تعظيمِ اللَّهِ وذِكْرِ آياتِهِ ومخلوقاتِهِ، وبيانِ عِظَمِ شرائعِه مِن الأمر بالعدلِ والتحذيرِ مِن الظُّلْمِ والبغي، وتذكيرِ الإنسانِ بأصلِهِ وضَعْفِه، وعمومِ ربوبيَّةِ اللَّهِ وحقِّه في العبادةِ، وبيانِ الفرقِ بين الحياةِ الدُّنيا الفانيةِ والآخِرةِ الباقيةِ، وما في الجنةِ مِن نعيمِ، وما في النارِ مِن عذابٍ أليمٍ.
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَان﴾ [الرحمن: ٧ - ٩].
أمَر اللَّهُ بالعدلِ، وحذَّر مِن الظُّلْمِ ولو كان قليلًا، وقد وضَعَ اللَّهُ الميزانَ عندَما خلَقَ السماءَ؛ لبيانِ أنَّه بالعدلِ قامتِ السمواتُ والأرضُ، فليس العدلُ ولا الميزانُ جديدًا، بل مأمورٌ به فِطْرةً قبلَ نزولِ الشرائعِ السماويَّةِ.
وقد تقدَّم بيانُ ما وقَع فيه قومُ شُعَيْبٍ مِن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ
стр. 2093
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٨٦] وتقدَّم الكلامُ على حُرْمةِ مالِ المسلمِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] وقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦].
وصَف اللَّهُ نساءَ الجنةِ وحُورَهُنَّ أنَّهُنَّ يَقصُرْنَ نَظَرَهُنَّ على أزواجِهِنَّ، مع أنَّ داعيَ الشرِّ والفتنةِ في نفوسِهِنَّ ونفوسِ غيرِهِنَّ لا وجودَ له في الجنةِ، وفي ذلك مزيدُ إكرامٍ لأزواجِهِنَّ، وهذا مِن تمامِ النعيمِ المعنويِّ.
* * *
وقولُهُ تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ الطَّمْثُ: هو الجِمَاعُ، ونفيُ الشيءِ دليلٌ على إمكانِ وقوعِه، وليس المرادُ نفيَ المُحَالِ؛ وذلك أنَّ الجنَّ والإنسَ يُجامِعونَ، ومِن هذا أخَذَ بعضُهُمْ إمكانَ زواجِ الإنسِ مِن الجِنِّ، والعكسِ، وليس في الوحي شئٌ صريحٌ يثبُتُ به، وقد صنَّفَ بعضُ الحنفيَّةِ الدِّمَشقِيِّينَ المتأخِّرينَ كتابًا في ذلك، وقد جوَّز وقوعَ ذلك وحدوثَهُ غيرُ واحدٍ كابنِ تيميَّةَ، وكلُّ ما يَحكِيهِ الناسُ مِن وجودِ الولدِ بينَ الإنسِ والجنِّ، فممَّا لا طريقَ للتثبُّتِ منه.
стр. 2094
وأمَّا دخولُ الجانِّ للإنسانِ وتخبُّطُهُ به، فهذا ثابثٌ في القرآنِ والسُّنَّة.
وأمَّا الاستدلالُ على الزواج بمِثْلِ قولِهِ تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، فليس دليلًا، وليستِ الآيةُ في هذا السِّياقِ؛ وإنَّما المرادُ تسويلُ الحرامِ لهم، وتحبيبُهُ إليهم؛ كالرِّبا والمَيْسِرِ والتطفيفِ والزِّنى؛ ولهذا قال تعالى بعدَ ذلك: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤].
* * *
стр. 2095
سورة الواقعة
سورةُ الواقعةِ مكيَّةٌ (١)، وهي تذكيرٌ بالآخِرةِ وعلاماتِها عندَ قيامِها، والبعثِ والنشورِ، وما بعدَ ذلك مِن أحوالِ وأهوالٍ ومَنازِلَ للمؤمنينَ والكافِرِينَ.
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].
في هذه الآيةِ: تعظيمٌ للقرآنِ الكريمِ؛ لأنَّه كلامُ اللَّهِ، وهو أعظَمُ الكلامِ وأشرَفُه، وقد قالتْ كفارُ قريشٍ: إنَّ الشياطِينَ تَنْزِلُ به على محمدٍ ﷺ ، فبيَّن اللَّهُ أنَّ الذي نزَل به الملائكةُ وليستِ الشياطينَ الذين لا يَتمكَّنونَ مِن السمعِ فضلًا عن المَسِّ؛ فقال في سورةِ الشعراءِ: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
ولا يختَلِفُ المفسِّرونَ مِن الصحابةِ والتابعينَ ممَّن صَحَّ عنه النقلُ أنَّ المرادَ بقولِه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الكتابُ الذي في السماءِ، وهذا جاء عن ابنِ عبَّاسٍ وأبي العاليةِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهِدٍ وجابرِ بنِ زيدٍ وقتادةَ (٢)، ومنهم: مَن أدخَلَ في حُكْمِهِ غيرَه، فجعل حُكمَ القرآنِ
стр. 2096
المنزَّلِ بينَ أيدِينا يأخُذُ الحُكْمَ الذي تضمَّنَهُ الخبَرُ في قولِه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.
وهذه الآيةُ نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢ - ١٦].
الطهارةُ عندَ القراءةِ ومَسِّ المُصْحَفِ:
لا يختلِفُ العلماءُ في مشروعيَّةِ التطهُّرِ عندَ ذِكْرِ اللَّهِ، وأعظَمُ الذِّكرِ كلامُ اللَّهِ، ومِثْلُ ذِكْرِ اللَّهِ مَسُّ كتابِه، وكذلك فإنَّ قراءةَ القرآنِ بلا طهارةٍ مِن الحدَثِ الأصغرِ ولا مسٍّ للمُصْحَفِ جائزةٌ عندَ السلفِ، ولا يَكادونَ يختلِفونَ إلَّا في كراهتِها، وقد رَوَى سعيدُ بنُ جُبَيْرِ، عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ؛ قال: كانا يَقْرَأَانِ أجزاءَهما مِن القرآنِ بعدَما يخْرُجانِ مِن الخلاءِ قبلَ أنْ يَتوضَّأَ (١).
وصحَّ مِثلُهُ عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ أنَّ أبا هريرةَ كان يخرُجُ مِن المَخرَجِ ثمَّ يحدُرُ السُّورةَ (٢).
وبمِثلِهِ كان يُرخِّصُ ابنُ مسعودٍ (٣) وأصحابُهُ كعَلْقَمةَ والأسودِ (٤) وعبدِ الرحمنِ بنِ يَزيدَ (٥)، وكذلك جاء عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ (٦).
أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ عنهم.
وأمَّا صاحبُ الحدَثِ الأكبرِ، فأكثرُهُمْ على أنَّه لا يَقْرَأُ القرآنَ؛
стр. 2097
وهو قولُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ، وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ جوازُ ذلك، ورخَّص عِكْرِمةُ له بقراءةِ الآية والآيتَيْنِ.
وأمرُ الحائضِ أخفُّ وأيسَرُ مِن الجُنُبِ؛ لأنَّه يطولُ عليها حيضُها، وليس بيدِها رفعُهُ، بخلافِ الجُنُبِ؛ فإنَّه يَملِكُ رفعَ جنابتِه؛ فشُدِّدَ في أمرِه، فيجوزُ للحائض أنْ تَقْرَأَ القرآنَ؛ حتى لا تنساهُ، وتذكُرَ وِرْدَها، وتُحصِّنَ نقسَها في ذِكْرِها ليومِها وليلتِها.
ويختلِف العلماءُ في وجوبِ التطهُّرِ عندَ مسِّ المصحفِ؛ سواءٌ قصدَ القراءةَ أو غيرَ القراءةِ؛ وذلك لاختلافِهم في المعنى الذي تحتمِلُهُ هذه الآيةُ: هل يتعدَّى إلى مسِّ المُصْحَفِ الذي بأيدي الناسِ، أو هو خبرٌ عمَّا في اللَّوْحِ لا يَقتضي حُكْمًا؟ :
القولُ الأولُ: أنَّ الآيةَ تَحتمِلُ معنى المصحفِ؛ وعليه نصَّ الشافعيُّ، فقال: وهذا المعنى تحتمِلُهُ الآيةُ (١).
وهو الذي عليه جمهورُ العلماءِ وعامَّتُهم؛ أنَّه يجبُ التطهُّرُ عندَ مسِّ المصحفِ، وألَّا يَمَسَّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ، وهذ مرويٌّ عن الأئمَّةِ الأربعةِ، وقد شدَّد في ذلك مالكٌ، وقال: "إنَّه لا يُمَسُّ ولو بحائلٍ كعِلَاقةٍ ووِسَادةٍ وقُمَاشٍ" (٢).
وعلى هذا الصحابةُ وفقهاءُ الحجازِ كالفقهاءِ السَّبْعةِ وغيرِهم:
فقد جاء عن سَلْمانَ الفارسيِّ أنَّه قضى حاجتَهُ، فقيل له: لو توضَّأتَ؛ لعلَّنا نسألُك عن آيٍ مِن القرآنِ؟ فقال: سَلُونِي؛ فإنِّي لا أمَسُّهُ، وإنَّه لا يمَسُّهُ إلَّا المطهَّرونَ، قال: فسألْناه، فقرَأَ علينا قبلَ أن يوضَّأَ,
стр. 2098
أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبة والدارقطنيُّ والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عنه (١)؛ وهو صحيحٌ.
ورَوَى مالكٌ في "الموطَّأِ"؛ مِن حديثِ مُصْعَبِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ؛ أنَّه قال: "كُنْتُ أُمْسِكُ المُصْحَفَ عَلَى سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، فَاحْتَكَكْتُ، فَقَالَ سَعْدٌ: لَعَلَّكَ مَسِسْتَ ذَكَرَكَ؟ ! قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: قُمْ, فَتَوَضَّأْ، فَقُمْتُ فتَوَضَّأتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ" (٢).
وهو صحيحٌ.
ورُوِيَ في قصةِ إسلامِ عمرَ ﵁ أنَّه قال حِينَ دخَلَ على أُختِه: فَإِذَا بِصَحِيفَةٍ وَسَطَ الْبَابِ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الصَّحِيفَة هَاهُنَا؟ فَقَالَتْ لِي: دَعْنَا عَنْكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ؛ فَإِنَّكَ لا تَغتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، ولا تَتَطَهَّرُ؛ وَهَذَا لا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ".
أخرَجَهُ الحاكمُ والبَزَّارُ، ثمَّ قال البزَّارُ: "وهذا الحديثُ لا نَعلَمُ رواهُ عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، عن عمرَ، إلَّا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحُنَيْنِيُّ، ولا نَعلَمُ يُروى في قصةِ إسلامِ عمرَ إسنادٌ أحسَنُ مِنِ هذا الإسنادِ" (٣).
قلتُ: وإسحاقُ وأسامةُ ضعيفانِ في الحديثِ.
وقد رواهُ الدارقطنيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ القاسمِ بنِ عثمانَ، عن أنسٍ، والقاسمُ ليس بالقويِّ (٤).
стр. 2099
ورواهُ محمدُ بنُ عثمانَ بنِ أبي شيبةَ في "تاريخِه"، وعنه أبو نُعَيْمٍ؛ مِن حديثِ إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أَبَانَ بنِ صالحٍ, عن مجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ به؛ وإسحاقُ متروكُ الحديثِ (١).
وقد رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيه، عمَّن أدرَكَ مِن فقهاءِ أهلِ المدينةِ الذين يُنتهَى إلى قولِهم؛ أنَّهم كانوا يقولونَ: "لا يَمَسُّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ" (٢).
القول الثاني: قالوا بعدمِ احتمالِ الآيةِ لمعنى مسِّ المُصْحَفِ، وجوَّزُوا مسَّه بلا طهارةٍ؛ ورُوِيَ هذا عن أبي حنيفةَ وداودَ الظاهريِّ، وهو مرويٌّ عن الحَكَمِ وحمَّادٍ.
القولُ الثالثُ: جوازُ مسِّ حَواشِي المُصْحَفِ لا مسِّ حروفِه؛ وهو قولٌ لأبي حنيفةَ.
والأظهَرُ: أنَّ القرآنَ لا يُمَسُّ إلَّا عن طهارةٍ؛ تعظيمًا له، وإنْ لم تَحتمِلِ الآيةُ هذا المعنى، فيَحتمِلُهُ عملُ الصحابةِ والتابعينَ؛ فبه يقولُ سَلْمانُ الفارسيُّ وسعدٌ، ولا مُخالِفَ لهما مِن الصحابةِ، وإنْ لم يُقطَعْ بإثمِ مَنْ مَسَّهُ بغيرِ طهارةٍ؛ لعدمِ وجودِ النصِّ الصريحِ في ذلك، وإنَّما يُكتفى بالأمرِ بالطهارةِ؛ تعظيمًا للقرآنِ وتطهيرًا له، والسلفُ كانوا يَأْمُرونَ بأشياءَ ولا ينُصُّونَ على نوعِ الأمرِ وشِدَّتِه؛ لأنَّهم يُريدونَ الامتثالَ، حتى توسَّعَ الفقهاءُ في النظرِ، فأخَذُوا يُفصِّلونَ في مُجمَلِ ألفاظِهم وأوامرِهم وما يَنهَوْنَ عنه؛ حتى يُنسَبَ للواحدِ منهم أكثَرُ مِن رأي والقولُ عنه واحدٌ، وسندُهُ إليه واحدٌ، وحكايةُ الأمرِ لشيءٍ على سبيلِ الإجمالِ لا يُنافي الرُّفْقَ وتحريرَ الفقهِ، وقد يكونُ جملةً تعظيمًا للشريعةِ، وكثيرًا ما
стр. 2100
يكونُ تفصيلُ الأوامرِ تهوينًا في نفوسِ الناسِ فيترُكُونَها زهدًا فيها؛ لأنَّهم يُرِيدونَ فِعْلَ الواجبِ وتَرْكَ المحرَّمِ والاقتصارَ عليه.
وإطلاقُ الأمرِ والنهي مِن غيرِ تمييزٍ لمرتبةِ المأمورِ به والمنهيِّ عنه: مِن الأساليبِ النبويَّةِ والصحابيَّةِ، ولو كان مستقِرًّا عندَ عامَّةِ الصحابةِ مرتبةُ المقصودِ مِن السياقِ، إلَّا أنَّه ليس مستقِرًّا عندَ كثيرٍ مِن التابعينَ ولا عندَ أكثَرِ أتباعِهم، وما كان الصحابةُ يَتكلَّفونَ التمييزَ في ذلك.
وقد جاء في السُّنَّةِ الأمرُ بالتطهُّرِ عندَ مسِّ المُصْحَفِ؛ كما رَوى مالكٌ في "موطَّئِه"، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حَزْمٍ؛ أن في الكتابِ الذي كتَبَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ لعمرِو بن حزمٍ: (أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) (١).
ورَوَى أبو داودَ في "المراسيلِ"؛ مِن حديثِ الزُّهْريِّ؛ قال: قرأتُ في صحيفةٍ عندَ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: (وَلَا يَمسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) (٢).
وكتابُ النيِّ ﷺ لعمرِو بنِ حزمٍ ثابتٌ في أصلِه؛ وإنَّما الخلافُ في ثبوتِ بعضِ نصوصِهِ وحروفِه، وصحَّحَ أصلَ الكتابِ ابنُ مَعِينٍ (٣) وأحمدُ (٤) والشافعيُّ (٥) ويعقوبُ بنُ سفيانَ (٦).
وقد رَوَى الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ سالمٍ، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: (لَا يَمسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) (٧).
стр. 2101
وقد احتَجَّ أحمدُ بحديثِ ابنِ عمرَ هذا؛ كما قالهُ الأثرمُ (١).
وأمَّا ما رواهُ الشيخانِ، عن ابنِ عمرَ: "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرآنِ اِلَى أرْضِ العَدُوِّ" (٢)، فذلك مخافةَ أن يَنالَه العدوُّ.
وقد كان بعضُ السلفِ يرخِّص في تحويلِ المصحفِ من موضعِ إلى موضعٍ بلا طهارةٍ، ولم يَجعَلوهُ كالمسِّ الطويلِ؛ كما صحَّ عن ابنِ سيرِينَ فيما رواهُ هشامٌ عنه، أنَّه لم يكنْ يَرَى بأسا أنْ يحوِّلَ الرجلُ المصحفَ وهو غيرُ طاهرٍ (٣).
وجوَّز مِثلَ هذا بعضُ الفقهاءِ من الشافعيَّةِ.
وكتُبُ التفسيرِ ليستْ قرآنًا، فيجوزُ مسُّها بلا طهارةٍ، ومِن بابِ أَوْلى كتُبُ الفقهِ، والمراسلاتُ التي تتضمَّنُ قرآنًا؛ فقد رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ؛ أنَّ في كتابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ إلى هِرَقْلَ آيةً مِن القرآنِ الكريمِ، وهي قولُه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٤).
* * *
стр. 2102
سورة الحديد
سورةُ الحديدِ مدَنيَّةٌ، وقد قال ذلك ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ (١)، وقد حَكَى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ (٢)، وقيل بمكيَّةِ بعضِها (٣).
وتضمَّنَتِ السُّورةُ ذِكرَ آياتِ اللَّهِ وقُدْرتهِ وصُنْعِهِ في مخلوقاتِه، ونِعَمِهِ وأفضالِهِ على عِبادِه، والتحذيرَ مِن النِّفاقِ وأوصاف أهلِه، وحثًّا على تدبُّرِ القرآنِ والتفكُّرِ فيه، وحثًّا على الإنفاقِ، وذِكْرَ بعضِ أحوالِ السابِقِينَ للاعتبارِ.
* قال اللَّه تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧].
أمَر اللَّه بالصَّدَقةِ والبَذْلِ؛ شكرًا لِما وهب اللَّهُ العبدَ مِن نِعَمِ الأرضِ وخيراتِها، وذِكْرُ اللَّهِ للاستخلافِ في الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الصدَقةَ مِن أعظَمِ ما يُثبِّتُ النِّعَمَ، وتستقرُّ به الأُممُ.
وقد تقدَّم الكلامُ على فرضِ الزكاةِ فيما يخرُجُ مِن الأرضِ مِن المعادنِ والنِّفْطِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وزكاةِ عُرُوضِ التجارة عندَ قولِهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ
стр. 2103
عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وزكاةِ الثمارِ والحبوب عندَ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
أمَرَ اللَّهُ تعالى بالعدلِ بين الناسِ، وبيَّن أنّه أنزَلَ الوحيَ لإصلاحِ الدِّينِ وإصلاح الدُّنيا؛ وذلك لأنَّ الدُّنيا لا تقومُ إلَّا بالعدلِ فيها، وهكذا الدولُ والأممُ لا تستقر إلَّا بالعدلِ.
وذِكْرُ اللَّهِ للحديدِ في سياقِ المِنَّةِ فيه، بعدَ ذِكْرِهِ للعدلِ والأمرِ به: إشارةٌ إلى أنَّ العدلَ لا يقوم إلَّا بقوةٍ وأَطْرٍ للنفوسِ عليه؛ حتى تَكْبَحَ شهواتِها وشُبُهاتِها عن الطمعِ والشُّحِّ؛ فلا تَسرِقَ ولا تَغتصِبَ ولا تَستأثِرَ؛ ولهذا شرَع اللَّه الحدودَ والعقوباتِ في ذلك.
ويُقامُ العدلُ بالحديدِ في موضعَيْنِ: في الجهادِ، وفي الحدودِ والعقوباتِ.
* * *