← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وصلاةُ الليلِ أفضلُ النوافلِ؛ كما قال ﷺ : (أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ: الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) (١)، وإنَّما فضَّل اللَّهُ نافلةَ الليلِ على بقيَّةِ النوافلِ لأمورٍ؛ أعظَمُها: الأولُ: أنَّ الليلَ هو وقتُ نزولِ الخالقِ سبحانَهُ إلى السماءِ الدُّنيا، ويبسُطُ يدَهُ ويستجيبُ لمَن دعاهُ أسرَعَ وأعظَمَ مِن بقيَّةِ الأوقاتِ؛ كما في الصحيح، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ قال: (يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ فلا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ) (٢). الثاني: أنَّ الليلَ محلُّ غفلةِ الناسِ وغفوتِهم، والعبادةُ فيه يخلو بها العبدُ بربِّه؛ وهذا أعظَمُ في خُلُوِّ القلبِ وتجرُّدِه وصِدْقِ لجوئِهِ إلى ربِّه، وعبادةُ الخَفَاءِ أعظَمُ مِن عبادةِ العَلَانِيَةِ، ولا يكادُ يشوبُ عبادةَ قيامِ الليلِ رِياءٌ وسُمْعةٌ كما يشوبُ عبادةَ العلانيَةِ في النهارِ. الثالثُ: أنَّ في قيامِ الليلِ تثبيتًا للعبدِ وعونًا له مِن ربِّه أشَدَّ مِن غيرِه مِن العباداتِ؛ ولهذا جعَلَهُ اللَّهُ لنبيِّه أولَ أمرٍ في تعبُّدِه لربِّه مِن أركانِ أعمالِهِ. وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، فيه: أنَّه لا يُشرَعُ قيامُ الليلِ كاملًا، فلم يَشرَعْهُ اللَّهُ لنبيِّه ﷺ ولا لغيرِه؛ حيثُ إنَّ اللَّهَ جعَلَ الليلَ سُباتًا ومَنَامًا وسَكَنًا، وفطَرَ البشرَ على ذلك، ويُستثنى مِن ذلك ما كان اعتراضًا كالأزمِنةِ الفاضلةِ؛ كالعَشْرِ الأواخرِ مِن رمضانَ. وفي "الصحيحَيْنِ" قصةُ النَّفَرِ الثلاثةِ الذين سألوا عن عبادةِ النبيِّ ﷺ ، وأنَّهم تَقَالُّوها حتى إنَّ أحدَهم قال: أنا أقومُ ولا أنامُ، فقال

стр. 2172

النبيُّ ﷺ : (لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ. . . فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي) (١). قولُه تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾: السُّنَّةُ في قيامِ الليلِ: عدمُ قيامِهِ كلِّه؛ وإنَّما يقومُ بعضَه، وأفضَلُهُ آخِرُه، والسُّنَّةُ: أن ينامَ أولَهُ ويقومَ في نصفِهِ الأخيرِ قَدْرَ الثُّلُثِ منه؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ ؛ أنَّه قال: (أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، ويَصُومُ يَوْمًا، وَيُفطِرُ يَوْمًا) (٢). وقد كان النبيُّ ﷺ ينامُ أولَ الليلِ حتى ينتصِفَ، وقد جاء ذلك في أحاديثَ كثِيرةٍ، ومنها: ما رواهُ ابن عبَّاسٍ في مَبِيتِه عندَ خالتِه ميمونةَ، وفيه قال: "نَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ -أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيِلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ- ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسَ، فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ معَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي" (٣). وفيهما: أنَّه كان يقومُ إذا سَمِعَ الصارخَ، كما روى مسروقٌ قال: سألتُ عائشةَ ﵂: أيُّ العملِ كان أَحَبَّ إلى النبيِّ ﷺ ؟ قالتِ: الدَّائِمُ، قال: قلتْ: فأيَّ حينٍ كان يقومُ؟ قالت: "كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ" (٤)، والمرادُ بذلك هو صِياحُ الدِّيكِ. وأولُ ما يَصرُخُ الدِّيكُ نصفُ الليلِ غالبًا، وربَّما قبلَهُ بقليلٍ، وقد رَوى أحمدُ، وأبو داودَ، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:

стр. 2173

(لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ؛ فَاِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ) (١). ويُستحَبُّ أنْ يكونَ الوِتْرُ آخِرَ الليلِ، وإنْ أوتَرَ أيَّ وقتٍ منه، فلا حرَجَ؛ كما رَوى مسروقٌ؛ قال: قلتُ لعائشةَ: متى كان يُوتِرُ رسول اللَّهِ ﷺ ؟ قالتْ: "كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ؛ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَوَسَطَهُ، وَآخِرَهُ، وَلَكِنِ انْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ إِلَى السَّحَرِ" (٢). * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]. أمَر اللَّهُ نبيَّه بقيام الليلِ في صَدْرِ السورةِ؛ تثبيتًا له عندَ الشدائدِ وما يَلْقاهُ مِن قومِه مِن شِدَّةٍ؛ فإنَّ أعظَمَ الحبالِ مع الخالقِ يَنسِجُها العبدُ بالعبوديَّةِ للَّهِ تُثبِّتُهُ وتُقوِّيهِ وتُنجِيهِ ويَكفِيهِ بها اللَّهُ، ثمَّ أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بالصبرِ على ما يراهُ ويسمعُهُ ويجدُهُ منهم مِن الأذى. وقولُه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾: أمَر اللَّه نبيَّه بمُفارَقةِ المشرِكِينَ، والبُعْدِ عنهم، وعدمِ مقابلةِ أذاهم بمِثْلِه، وقد قال بعضُ السلفِ كقتادةَ: "إنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ يسورةِ براءةَ؛ حيثُ أمَر اللَّهُ بقتالِهم" (٣)، ومَن كانتْ حالُه كحالِ النبيِّ ﷺ حالَ نزولِها، فحُكمُهُ كحُكْمِه، وإنَّما قال قتادةُ بالنَّسْخِ؛ لأنَّ حالَ النبيِّ ﷺ تغيَّرتْ، فتغيَّرَ الحُكْمُ تَبَعًا لذلك، ولم يَرفَعِ اللَّهُ حُكْمَ الهَجْرِ الجميلِ بذاتِهِ عندَ الحاجةِ إليه، وقد تقدَّم الكلامُ

стр. 2174

على مسألةِ الهَجْر وأحوالِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠]. كان النبيُّ ﷺ ومَنْ معه مِن أصحابِه يقومونَ تارةً ثُلُثَي الليلِ، وتارةً نِصْفَه، وتارةً ثُلُثَه؛ وذلك لمَّا أمَر اللَّهُ له ابتداءً، وقد لَقِيَ الصحابةُ مِن ذلك شِدَّةَ ومشقَّةً، فخفَّف اللَّهُ عنهم في ذلك، وجعَلَ قَدْرَ ما يقومونَهُ بحسَبِ ما تيسَّرَ لهم مِن غيرِ أمرٍ، وقد رَوَى سعدُ بن هشامٍ؛ قال: انْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ، فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا، فَدَخَلْنَا، قُلْتُ: أَنِبِئنِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: "أَلَسْتَ تَقْرَأ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]؟ "، قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: "فَإِنَّ اللَّهَ افتَرَضَ القيامَ فِي أَوَّلِ هَذ السُّورَةِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، حَتَّى انْتَفَحَتْ أَقدَامُهُمْ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ التَّخفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ" (١). والتخفيفُ ظاهرٌ في الآيةِ في قولِه تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ

стр. 2175

عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، فذكَر القرآنَ؛ لأنَّه هو أطولُ ما بصلاةِ الليلِ، وتُسمَّى الصلاةُ قرآنًا؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، ويُسمَّى القرآنُ صلاة كذلك؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ يعني: قراءتَك. ودَلَّ على وجوبِ قيامِ الليلِ أولَ الأمرِ قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، والمرادُ بالإحصاءِ: الطاقةُ، ثمَّ رفَع الحرَجَ بالتوبةِ على التارِكِ. وقد بيَّن اللَّهُ سببَ عُذْرِهِ لعِبادِهِ بذلك في قولِهِ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ وذلك لأنَّ مِن الناسِ مَنْ يكونُ مريضًا أو يحتاجُ إلى نشاطٍ في نهارِه ليتكسَّبَ ويطلُبَ الرِّزْقَ، وطولُ قيامِهِ الليلَ يُزاحِمُ نشاطَهُ في النهارِ. وإسقاطُ اللَّهِ لنافلةِ الليلِ لا يُسقِطُ فريضةَ الصلاةِ، وحتى لا يُظَنَّ ذلك قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ يعني: الفريضةَ. ثمَّ رغَّب اللَّهُ في تقديمِ العملِ الصالحِ وعدمِ التكاسُلِ عنه، فهو قرضٌ يكونُ وفاؤُهُ يومَ القيامةِ بعظيمِ الأجرِ والثوابِ؛ كما قال: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * * *

стр. 2176

سورة المدثر سُوْرَةُ المُدَّثِّر سورةٌ مكيَّةٌ باتِّفاقِهم (١)، وقد نزَلت بعدَ سورةِ "اقرَأْ"، وفي البخاريِّ ومسلم؛ أنَّ جابرًا عَدَّها أولَ شيءٍ: نزَلَ (٢)، والأكثرُ على أنَّها نزَلت بعدَ "اقرَأْ"، وقد روى جابرٌ ﵁؛ قال: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: (بَيْنَا أنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجُئِثتُ مِنْهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُوني زَمِّلوني، فَدَثَّرُوني؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾) (٣). وفي السورةِ: بدايةُ البعثِ وإرسالِ النبيِّ ﷺ إلى قومِه، وفيها وصايا مِن اللَّهِ له قبلَ رسالتِهِ ومعها ممَّا يُعِينُهُ على مَرْضاةِ اللَّه ويُثبِّتُهُ على أمرِهِ ونهيِه، وفيها تذكيرٌ بالآخرةِ وتزهيدٌ في المكذِّبينَ لها وتحقيرٌ لحُجَجِهم وأهوائِهم، وفي هذا تثبيثٌ للدَّاعي على دَعْوتِه؛ أنْ يَعلَمَ قَدْرَ مَن يُقابِلُهُ، وعِظَمَ عاقبةِ النبيِّ وسوءَ عاقبةِ عدوِّه. * * *

стр. 2177

* قال اللَّه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. أمَر اللَّهُ نبيَّه بالنِّذارةِ بقولِه: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]، ثمَّ أمَرهُ بتطهيرِ ثيابِه، وحمَلَ عامةُ المفسِّرينَ مِن السلفِ تطهيرَ الثيابِ على التطهيرِ المعنويِّ، فيجبُ تطهيرُ الثيابِ مِن الإثمِ والحرامِ، والجوارحِ مِن أعمالِ السُّوءِ، وقد كانتِ العربُ تسمِّي الغادرَ دَنِس الثيابِ؛ يقولُ غَيلَانُ بن سَلَمة: وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثَوبَ فَاجِرٍ … لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ (١) وقلةٌ مِن السلفِ كابنِ سِيرينَ (٢) حمَلُوهُ على تطهيرِ الثيابِ بالماءِ مِن الأنجاسِ والأقذارِ؛ وبهذا القولِ قال الشافعيُّ، ولفظُ التطهيرِ يَحتملُهُ هنا مِن جهةِ اللُّغةِ، لا مِن جهةِ الوضعِ. وقد استدَلَّ بعضُ الفقهاءِ كالشافعيِّ بهذه الآيةِ على وجوبِ تطهيرِ الثيابِ مِن النجاساتِ، وقد اختلَفَ العلماءُ في وجوبِ تطهيرِ الثوبِ مِن النَّجَسِ للصلاةِ على قولَيْنِ، وهما قولانِ في مذهبِ مالكٍ: قيل: إنَّ التطهيرَ سُنَّةٌ للصلاةِ ليس بواجبٍ لها؛ وإنَّما هو مِن تمامِها وكمالِها، ومَن صلَّى بلِباسٍ غيرِ طاهرٍ، فصلاتُهُ صحيحةٌ؛ وذلك أنَّ مَن صلَّى بالاستجمارِ مِن غيرِ غَسْلِ للمَحَلِّ، فإنَّ صلاتَهُ صحيحةٌ، مع القطعِ بوجودِ شيءٍ مِن النَّجَسِ الذي يُمكِنُ إزالتُهُ بالاستنجاءِ بالماءِ. وقال جماعةٌ مِن الفقهاءِ -وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ-: إنَّه يجبُ تطهيرُها؛ لفعلِ النبيِّ ﷺ حينَما خلَعَ نَعْلَيهِ وهو في الصلاةِ لمَّا أنبَأَهُ جبريلُ أنَّ بهما قَذَرًا؛ كما روى أبو داودَ؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ

стр. 2178

الخُدْرِيِّ ﵁؛ قال: بَينَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، إِذ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فلَمَّا رَأَى ذَلِكَ القَوْمُ، أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ )، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَأَلْقَينَا نِعَالَنا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا -أَوْ قَالَ: أَذًى-)، وَقَالَ: (إِذَا جَاء أَحَدُكُمْ إِلَى المَسجِدِ، فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى، فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) (١). وأمَّا الاستجمارُ، فهذا تخفيفٌ مِن الشارعِ في شيءٍ لا ينبغي أن يُنقَضَ به الأصلُ؛ وذلك أنَّ التخفيفَ فيه كتخفيفِ الشارعِ في بولِ الغلامِ، وتخفيفُهُ لا يَعني حَمْلَ غيرِهِ عليه، ولا أنَّه في ذاتِهِ طاهرٌ. والتخفيفُ في الاستجمارِ أظهَرُ في الحاجةِ مِن التخفيفِ في بولِ الغلامِ؛ لعموم البَلْوَى به مِن كلِّ أحدٍ، والتيسيرُ فيه رحمةٌ ويُسْرٌ؛ دفعًا للحرَجِ والمشقَّةِ، وهي مِن جنسِ العَرَايَا في البيوعِ، وإباحتُها لا يعني نَقْضَ الأصلِ بها؛ ولكنَّها تُحمَل على التيسيرِ والتخفيفِ. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. بعدَما أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بتطهيرِ ظاهرِهِ مِن الأعمالِ التي لا يُحِبُّها اللَّهُ، أمَرَهُ بمفارَقهِ بِقَاعِها، وهي الأصنامُ وأماكنُها، والمرادُ بالرَّجْزِ هي أصنامُهم وأوثانُهم؛ وذلك أنَّ مفارَقةَ العملِ السيِّئِ لا تتمُّ إلَّا بمفارَقةِ أماكِنهِ التي يُقامُ فيها؛ فإنَّ إنكارَ المُنكَرِ لا يكونُ مع مخالطِته بلا حاجةٍ ولا ضرورةٍ.

стр. 2179

وقد تقدَّم الكلامُ على الهَجْرِ وأحوالِهِ عندَ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وفي العقيدةِ "الخراسانيَّةِ" كلامٌ حولَ ذلك. * * *

стр. 2180

سورة القيامة سُورَةُ القِيامَةِ سورةٌ مكيَّةٌ بإجماعِ السلفِ (١)، وقد نصَّ على مكيَّتِها ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ وغيرُهما (٢)، وفيها تذكيرٌ بالقيامةِ والصوارفِ عنها، والتذكيرُ بعظَمةِ اللَّهِ وخَلْقِهِ وتدبيرِهِ وإبداعِ صُنْعِهِ للإنسانِ وجميعِ المخلوقاتِ، وفيها وصايَا لنبيِّه في التعامُلِ مع الوحي في نفسِهِ وبلاغِهِ لغيرِه، وتذكيرٌ بالموتِ والاحتضارِ وما بعدَهُ؛ فمَن عرَفَ العاقِبةَ، لم يَحمِلْ همَّ السبيلِ. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: ٢٧]. ذكَر اللَّهُ احتضارَ الميِّتِ ودُنُوَّ أجَلِهِ وحضورَ الملائكةِ لقَبْضِه. ومِن السلفِ: مَن حمَلَ قولَه: ﴿رَاقٍ﴾ على أنَّه إخبارٌ عن كلامِ المَلَكِ بعضِهم لبعضٍ، ومرادُهم الذي يَرْقَى برُوحِهِ منهم؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣). ورُوِيَ أنَّ المرادَ بذلك الرَّاقِي الذي يَرْقِيهِ ويُداوِيهِ؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ أيضًا وعِكْرِمةَ (٤).

стр. 2181

وقيل: المرادُ به الطبيبُ؛ كما قالهُ ابن عبَّاسٍ وأبو قِلابةَ والضحَّاكُ وقتادةُ (١). ومنهم: مَن حمَلَهُ على الرَّاقِي والطبيبِ، والعربُ تُسمِّي الطبيبَ راقيًا، والراقيَ بالذِّكرِ طبِيبًا. وذِكرُ الرَّاقي والطبيبِ المعالِجِ عندَ الاحتضارِ مِن بابِ اليأسِ وأنَّه لا يَنفَعُ؛ ومِن ذلك قولُ الشاعرِ: هَلْ لِلْفَتَى منْ بَنَاتِ الدَّهْرِ مِنْ وَاقِي … أَمْ هَلْ لَهُ مِنْ حِمَامِ المَوْتِ مِنْ رَاقِي؟ ! (٢) حُكْمُ الرُّقْيَةِ: والآية تَحتمِلُ المعنَييْنِ جميعًا، وفيها على المعنى الثاني دليلٌ على جوازِ التطبُّبِ ومشْروعيَّةِ الرُّقْيةِ عندَ المرضِ، وقد رَقَى النبيُّ ﷺ ورُقِيَ، ولم يَسْتَرقِ لنفسِه، وقد سمَّى النبيُّ ﷺ الرُّقيةَ نفعًا، وحَثَّ على بَذْلِها لمَن كان عارفًا بها ووجَدَ أثرًا على غيرِهِ منه، وقد رَوَى مسلمٌ؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرو بنِ حَزْمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَتْ عِندَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَن الرُّقَى، قَالَ: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: (مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ، فَلْيَنْفَعْهُ) (٣). ولا تجوزُ الرُّقيةُ بالشِّرْكِ وما لا يُعرَفُ لفظُهُ ولا معناه، وقد رَوَى عوفُ بنُ مالكٍ مرفوعًا: (اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ) (٤).

стр. 2182

ولا يُشرَعُ أن يُنصِّبَ الإنسانُ نفسَهُ متفرِّغَا للرُّقيةِ كما يتفرَّغ المؤذِّنُ للأذانِ، والإمامُ للإمامةِ، ولم يكنِ السلفُ يَفْعَلونَ ذلك، بل ولا يَستحبُّونَهُ، وهذا يُورِثُ تعلُّقًا بالرَّاقي، وضَعْفًا في التعلُّقِ بكلامِ اللَّهِ، وقد طلبَ رجلٌ إلى سعدِ أبي وقَّاصٍ أن يَرقِيَه، فقال له سعدٌ: أجعلْتَني نبيًّا؟ ! ارْقِ نفسَك. ولم يكنِ السلفُ يَضْرِبونَ لِمَنْ يأتيهِم مِن المَرْضى آجالًا يتعاهَدونَهم بالزيارةِ لرُقْيَتِهم، وإنْ قَبِلوا ذلك على سبيلِ الاعتراضِ، لا على سبيلِ الانتصابِ لذلك. ولم يَستَرْقِ النبيُّ ﷺ لنفسِه، وقد أذِنَ لغيرِهِ أنْ يَسترقِيَ لغيرِه، وحَثَّ المحتاجَ على ذلك؛ كما في البخاريِّ ومسلمٍ؛ مِن حديثِ أمِّ سلَمةَ ﵂؛ أنَّ النبيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فقال: (اسْتَرْقُوا لَهَا؛ فَإِنَّ بِهَا النَّظرَةَ") (١). وفَرْقٌ بينَ طلبِ الإنسانِ الرُّقْيةَ لنفسِهِ وبينَ طلبِهِ لغيرِه مِن ولدٍ وزوجةٍ، وإنَّما فضَّل النبيُّ ﷺ عدمَ طلبِ الرُّقيةِ؛ لأنَّ اعتاد ذلك ينافي التوكُّل. ويُشرَعُ مع الرُّقيةِ النَّفْثُ على المريضِ؛ لِمَا روتْ عائشةُ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان ينفُثُ في رُقْيَتِه، وأصلُه في "الصحيحَيْنِ" (٢)؛ وعندَهما أيضًا مِن حديثِ جابرٍ. وقد ثبَت التَّفْلُ في السُّنَّة؛ كما في "الصحيحَيْنِ"، مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، وفيه قال: فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ،

стр. 2183

فَضَحِكَ وَقَالَ: (وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ! خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ) (١). وجاء التَّفلُ مع القراءةِ في أحاديثَ، وجاء التفلُ بدونِ القراءةِ، وجاءتِ القراءةُ بدونِ تَفْلٍ ولا نَفْثٍ ولا نفخٍ، ولكنْ لا يُتبرَّكُ بِرِيقِ أحدٍ وحدَهُ بلا قراءةٍ إلَّا النبيَّ ﷺ . وثَمَّةَ فرقٌ بين النَّفْثِ والتَّفْلِ والنَّفْخِ؛ فالنَّفْثُ: ما كان الأصلُ فيه الهواءَ، والرِّيقُ فيه تبَعٌ، وأمَّا التَّفْلُ: فما كان فيه إخراجُ الرِّيقِ، والهواءُ فيه تبَعٌ، وأمَّا النَّفْخُ: فهو إخراجُ الهواءِ بلا رِيقٍ. وقد كَرِهَ بعضُ السلفِ النفثَ والتفلَ في الرُّقْيةِ؛ كعِكْرِمةَ وجماعةٍ مِن العراقيِّين، وبعضُهم يَكْرَهُ النفثَ، ويُجيزُ النفخَ؛ كالأَسْوَدِ؛ ولكنَّ السُّنَّةَ صريحةٌ في مشروعيَّةِ ذلك. حُكْمُ التداوي مِن المرضِ: والآية دالَّةٌ على جوازِ التداوي بالمُبَاحِ مِن المرضِ بلا خلافٍ؛ وإنَّما الخلافُ عندَهم في التفاضُلِ بينَ تَرْكِه وفِعْلِه: وجمهورُ العلماءِ: على أنَّ التداويَ مباحٌ. وذهَبَ الشافعيَّةُ -وهو قولُ جماعةٍ مِن أصحابِنا أصحابِ أحمدَ؛ كابنِ عَقِيلٍ وأبي الفَرَجِ-: أنَّه مستحَبٌّ، وقد سأل الصحابةُ النبيَّ ﷺ عن التداوي؟ فقال: (تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ؛ الْهَرَمُ) (٢). وجمهورُ الأصحاب: على أنَّ تَرْكَ التداوي أفضَلُ؛ وذلك لأنَّه أحفَظُ للتوكُّلِ على اللَّهِ.

стр. 2184

وتفاضُلُ التداوي يُعرَفُ بالنظرِ إلى جهاتٍ متعدِّدةٍ؛ منها: النظرُ إلى المرضِ وطُولِهِ وقِصَرِه، وإمكانِ الشِّفَاءِ أو اليأسِ منه. ومنها: النظرُ إلى أثرِه على دِينِ العبدِ؛ وذلك أنَّ التداويَ له أثرٌ على توكُّلِ العبدِ وتعلُّقِه باللَّه. ومنها: النظرُ إلى الأثرِ المتعدِّي على غيرِه كالناسِ وأهلِه. أمَّا مِن جهةِ النظرِ إلى عَيْنِ المرضِ: فمِن الأمراضِ ما يرتفِعُ بلا دواءٍ وإن طال وقتُهُ، فهذا الصبرُ عليه أفضَلُ، ومثلُه إن كان المرضُ غالبًا أنَّه لا يُشْفَى منه؛ فترك التداوي أفضَلُ مِن طلبِه، ما لم يُفوِّتْ تركُ التداوي مصلحةَ في دِينِ العبدِ أو دُنياهُ راجحةً على قعودِه. وأمَّا مِن جهةِ النظرِ إلى أثرِه على العبدِ: فذلك أنَّه كلَّما كان أثرُ تَداويهِ على دِينِه ودينِ الناسِ أفضَلَ، كان التداوي في حقِّه أفضَلَ، وذلك كحالِ الرجلِ في الغزوِ الذي يَمرَضُ ولو ترَكَ التداويَ، لَلَحِقَ المُسلِمِينَ بتركِه ضُرٌّ، فتَداويهِ أولى وآكَدُ، ومِثلُه في العِلْمِ والإصلاحِ وحاجةِ الأهلِ والولدِ وتفرُّدِ المريضِ بقضائِها. ومَن إذا ترَكَ التداويَ، تأثَّرَ في دِينِهِ وضعُف؛ كأنْ يطولَ قعودُهُ عن النوافلِ وقيامِ الليلِ والصَّدَقةِ؛ فإنَّ القلبَ يَستوحِشُ مِن قِلَّةِ الطاعاتِ إنْ طال وقتُ تركِ العبدِ لها ولو كان معذورًا؛ فهذا التداوي له أفضَلُ. وذهَبَ بعضُ الحنابلةِ: إلى وجوبِ التداوي إن أمكَنَ الشفاءُ. وإيجابُ التداوي ليس مِن قولِ السلفِ؛ وإنَّما هو لبعضِ الفقهاءِ المتأخِّرِين. * * *

стр. 2185

* قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩]. ذكَر اللَّهُ حالَ الاحتضارِ والإشْرافِ على مغادَرةِ الدُّنيا، والإقبالِ على الآخِرةِ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: "إنَّ معنى ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: آخِرُ يومٍ مِى أيامِ الدُّنيا، وأولُ يومٍ مِن أيامِ الآخِرةِ؛ فتَلتقِي الشِّدَّةُ بالشِّدَّةِ إلَّا مَن رحِم اللَّهُ" (١)؛ وبنحوِه قال مجاهِدٌ وقتادةُ (٢). وقد قال الضحَّاكُ: "أهلُ الدُّنيا يُجهِّزونَ الجسدَ، وأهلُ الآخِرةِ يُجهِّزونَ الرُّوحَ" (٣). وبهذا قال أكثرُ السلفِ، وقد قال ابنُ زيدٍ: "لا نشُكُّ أنَّها ساقُ الآخرةِ، وقرَأَ: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠]؛ قال: لمَّا التفَّتِ الآخِرةُ بالدُّنيا، كان المَسَاقُ إلى اللَّهِ" (٤). وحمَلَهُ ابنُ المسيَّبِ والشَّعْبيُّ والحسنُ والسُّدِّيُّ: على التفافِ الساقَيْنِ على الحقيقةِ؛ وهذا قولٌ لقتادةَ (٥). وكلا المعنيَيْنِ تَحتمِلُهُ بلاغةُ القرآنِ، وفيها على المعنى الثاني مشروعيَّةُ تكفينِ الميِّتِ وتجهيزِه، وذلك مشروعٌ بلا خلافٍ، وهو مِن فروضِ الكفايةِ. * * *

стр. 2186

سورة الإنسان قد اختُلِفَ في نزولِ سورةِ الإنسانِ؛ فمِن السلفِ: مَن قال بمكيَّتِها، ومنهم: مَن قال بمدَنيَّتِها، ومنهم: مَن جعَل منها المكيَّ ومنها المدَنيَّ (١)، وقد بيَّن اللَّهُ فيها خَلْقَ الإنسانِ ونشأتَهُ وضَعْفَ خَلْقِه، وحالَهُ في الدُّنيا، وعاقِبتهُ في الآخِرةِ بينَ السعادةِ والشقاوةِ، وبينَ الجنةِ والنارِ. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]. ذكَر اللَّهُ مِن صفاتِ أهلِ الجنةِ إطعامَ الطعامِ وهم يُحِبُّونَه، فيُنفِقونَ مِن نفيسِ مالِهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وبعضُ السلفِ جعَلَ الآيةَ فيمن يُتألَّفُ مِن الكفارِ. وفي هذه الآيةِ: فضلُ إطعامِ الأسيرِ والإحسانِ إليه والرِّفْقِ به، وقد تقدَّم الكلامُ على التعامُلِ مع الأسيرِ وأحكامِهِ عندَ قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤]. * * *

стр. 2187

سورة عبس سورةُ عَبَسَ سورةٌ مكيَّةٌ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ (١)، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك (٢)، وتتضمَّنُ توجيهَ النبيِّ ﷺ في دَعْوَتِهِ وتعامُلِهِ مع أهلِ الاتِّباعِ وأهلِ العنادِ، وفيها تذكيرٌ بنعمةِ اللَّهِ على عبادِهِ وقدرتِه عليهم، وتذكيرٌ بالآخِرةِ والبعثِ والنُّشورِ وحالِ الناسِ فيها. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]. قد تقدَّمَ الكلامُ على دفنِ المَوْتَى عندَ قولِه تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]. * * *

стр. 2188

سورة الانفطار سورةُ الانفطارِ سورةٌ مكيَّةٌ، وقد حُكِيَ الاتِّفاقُ على ذلك (١)، وتضمَّنَتِ التذكيرَ بالآخرةِ وأهوالِها، وعاقبةِ الفريقَيْنِ: أصحابِ النعيمِ، وأصحابِ الجحيمِ. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]. في هذا: أنَّ دَفْنَ المَوْتَى سُنَّةٌ فِطرِيَّةْ تجرِي عليها الأُمَمُ، فالأَصْلُ في الموتَى: الدَّفْنُ واتِّخاذُ القُبورِ لهم في كُلِّ الأُمَمِ والشرائِعِ السماويَّةِ، وقد تقدَّمَ في سورةِ المائدةِ الكلامُ على دفنِ الميِّتِ عندَ قولِه تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [٣١]. * * *

стр. 2189

سورة المطففين سُورَةُ المُطَفِّفِين، قيل: إنَّها نزَلَت بمكَّةَ؛ ورُوِيَ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وقيل: بالمدينةِ؛ ورُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ، وقيل: إنَّ جزءًا منها بمكةَ والآخَرَ بالمدينةِ، على خلافٍ عندَهم في حَدِّ المدَنيِّ مِن المكيِّ منها، وقد عَدَّ ابنُ عبَّاسٍ أنَّ منها ثمان آياتٍ بمكةَ، وقيل غيرُ ذلك (١). وفي سُورةِ المُطَفِّفِينَ: تذكيرٌ بالحسابِ ودِقَّتِهِ على العبادِ، وذكَر اللَّهُ أحوالَ المُعانِدِينَ للحقِّ وأعمالَهُمْ، وعاقبةَ المُتَّقِينَ. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣]. أمَرَ اللَّهُ بالعدلِ عندَ البيعِ بالوزنِ والكَيْل، وعدمِ الظُّلْمِ في الأموالِ، وقيل: إنَّ هذا كان لأهلِ المدينةِ؛ ققد كانوا أهلَ تجارةٍ، ويقعُ فيهم الظُّلْمُ والغِشُّ؛ فنُهُوا عن ذلك، وقد رَوَى عِكرِمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "لمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، كانوا مِن أخبَثِ الناسِ كَيلًا؛ فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فأحسَنُوا الكيلَ" (٢).

стр. 2190

وقد ذكَّر اللَّهُ أولئك بالبعثِ والنُّشورِ، وما فيه مِن دقيقِ الحسابِ على الظالمينَ ولو كاد شيئًا يسيرًا؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦]. وقد تقدَّم معنا مِرارًا الكلامُ على حُرمةِ أكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطلِ، في مواضِعَ؛ منها عندَ قولِه تعالى في سورةِ البقرة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [١٨٨]، وقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وتقدَّم الكلامُ على العُشُورِ والضرائب عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥]. * * *

стр. 2191

سورة الانشقاق سورةُ الانشقاقِ سورةٌ مكيَّةٌ (١)، وفيها تذكيرٌ بالآخرةِ وعلاماتِها، وأحوالِ الناسِ يومَ الحسابِ. * قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق: ٧]. ذكَر اللَّه علامةَ تكريمِ أهلِ الإيمانِ أنَّهم أُعُطُوا كتابَهم بيمينِهم، وفي هذا علامةٌ على شرفِ اليمينِ، واستحباب استعمالِها عندَ ما يَكرُمُ، وَيُشرُفُ، وفي نظيرِ هذه الآيةِ قولُهُ تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: ٧١]. وهذا المعنى في الآيةِ ظاهِرٌ في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧] فقد كان يُمسِكُ عصًا بيمينِهِ، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، فجعَلَ الخَطَّ والكتابةَ ياليممِنِ؛ وهذا هو الأقرَبُ إلى الفِطْرةِ، وهو السُّنَّة؛ لأنَّ الكتابةَ شريفةٌ. وأمَّا النجاساتُ والقَذَارةُ والأَذى، فتُستعمَلُ فيها الشِّمَالُ، ويُكرَهُ استعمالُ اليمينِ فيها، لقولِ عائشة عن النبيِّ ﷺ : (وَكَانَتِ الْيُسْرَى

стр. 2192

لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى) (١)، وفي لفظٍ عن حفصةَ؛ قالتْ: "كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَوُضُوئهِ وَثيَابِهِ، وَأَخذِهِ وَعَطَائِهِ، وَكان يَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ" (٢). * * *

стр. 2193

سورة الماعون سورةُ المَاعُونِ سورةٌ مكيَّةٌ، ومِن العلماءِ مَن حَكَى اتِّفاقَهم على ذلك، ولكن ثَمَّةَ قولٌ لبعضِ المفسِّرينَ: بأنَّها مدَنيَّةٌ، ويُنسَبُ إلى ابنِ عبَّاسٍ وقتادةَ وغيرِهما، ولابنِ عبَّاسٍ قولٌ آخَرُ بمكيَّتِها (١). وفيها: أمرٌ بالبَذْلِ وتطهيرِ النَّفْسِ مِن الشُّحُّ، وأمرٌ بالعبادةِ، وتحذيرٌ مِن النِّفاقِ وشُعَبِهِ ومُراءاةِ الناسِ، وتلازُمُ الرِّياءِ والشُّحِّ ظاهرٌ؛ فكلاهما مِن علاماتِ النِّفاقِ. * قال اللَّه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]. توعَّد اللَّهُ الغافلِينَ عن الصلاةِ المتكاسِلينَ عنها بالوعيدِ الشديدِ، وهذه الآيةُ فيمَن يصلِّي؛ لأنَّ اللَّهَ قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾؛ يعني: أنَّهم يُصَلُّونَ لكنَّهم يَتكاسَلونَ وَيغْفلونَ عنها حتى يؤخِّروها عن وقتِها؛ وهذا ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ فبيَّن أنَّهم ساهونَ عنها، وليسوا تاركينَ لها، ولا أنَّهم ساهونَ فيها فقطْ؛ لأنَّ السَّهْوَ عنها هو غفلةٌ عن أصلِ الصلاةِ، والسهوُ فيها هو عدمُ الخشوعِ فيها؛ ولهذا قالا عطاءُ بنُ دِيَنارٍ: "الحمدُ للَّهِ الذي قال: ﴿هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ولم

стр. 2194

يقُلْ: في صلاتِهم ساهونَ" (١). لأنَّ ذَهَابَ بعضِ الخشوعِ لا يكادُ يَسلَمُ منه أحدٌ، وقد سأَلَ مُصعبُ بنُ سعدٍ سعدًا، فقال: ﴿هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: أهو ما يحدِّثُ به أحدُنا نفسَهُ في صلاتِه؟ قال: لا؛ ولكنَّ السهوَ أن يُؤخِّرَها عن وقتِها (٢). وقد تقدَّم الكلامُ على الخشوعِ وحُكْمِهِ في أولِ سورةِ المؤمنونَ. وحمَلَ هذه الآيةَ على تأخيرِ الصلاةِ عن وقتِها، لا تركِها بالكليَّةِ: جماعةٌ مِن السلفِ؛ كسعدٍ وابنِ عبَّاسٍ والشعبيِّ، ومسروقٍ (٣). ومِن السلفِ: مَن حمَلَها على التركِ، وهذا قولٌ لابنِ عبَّاسٍ رواهُ عنه عليُّ بن أبي طَلْحةَ، ولكنَّ ابنَ عبَّاسٍ قيَّد التَّرْكَ بتركِ المنافِقِ سِرًّا ويَفعَلُها علانيَةً، فقال: "فهم المُنافِقونَ؛ كانوا يُراؤُونَ الناسَ بصَلَاتِهم إذا حضَرُوا، ويترُكُونَها إذا غابُوا، وَيَمنَعُونَهُمُ العَارِيَّةَ بُغضًا لهم، وهو الماعونُ" (٤). وبهذا المعنى قال جماعةٌ؛ كمجاهِدٍ والضحَّاكِ وغيرِهما (٥). وهذا المعنى صحيحٌ، ولا يخرُجُ عن القولِ السابقِ له، لأنَّ المنافِقَ إمَّا أن يكونَ نفاقُهُ أكَبَرَ؛ فيَتْرُكَ الصلاةَ المفروضةَ في السِّرِّ بالكليَّةِ، ويُنشِئَها رِياءً وعلانيَةً للناسِ، وإمَّا أن يكونَ نفاقُهُ ليس بأكبَرَ؛ فيَجذِبَهُ الإيمانُ عن التَّرْكِ، ويَجعلَهُ نفاقُهُ يَتراخَى عن وقتِها، وهو بينَ مَدِّ النِّفاقِ وجَزْرِ الإيمانِ للوقتِ، ومِن هذا ما ثبَتَ في مسلمٍ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 2195

قال: (تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِ؛ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لا يَذكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (١)، وهذا النِّفاقُ الأصغرُ الذي لم يُخرِجْهُ مِن المِلَّةِ، ولو كان أكبرَ، لم يَقُمْ لأدائِها. التلازُمُ بينَ الرِّياءِ وتأخيرِ وقتِ الصلاةِ: وثَمَّةَ تلازُمٌ بينَ تأخيرِ الصلاةِ عن وقتِها وبينَ الرِّياءِ، وكلَّما كان الرِّياءُ في قلبِ العبدِ عظيمًا، كان تَراخِيهِ عن الصلاةِ شديدًا، فإنِ اكتمَلَ الرِّياءُ، اكتمَلَ التَّرْكُ، وقد جعَلَ اللَّهُ الرِّياءَ مُلازِمًا للتساهُلِ في الصلاةِ في كتابه؛ كما في قولِه هنا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٦]؛ فبمقدارِ الرِّياءِ يكونُ السهوُ عنها، وكذلك قرَن اللَّهُ الرِّياءَ بالتكاسُلِ عن الصلاةِ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، وكذلك هو في الحديثِ السابقِ فيمَن اعتاد تأخيرَ الصلاةِ إلى قُبَيْلِ المغربِ، قال ﷺ : (تِلْكَ صَلاةُ المُنَافِقِ). تاركُ الصلاةِ وحُكْمُهُ: والصلاةُ الرُّكنُ الثاني مِن أركانِ الإسلامِ، وهي أولُ الواجباتِ البدَنيَّةِ، وشريعةٌ في كلِّ الرِّسالاتِ، وفرَضَ اللَّهُ خَمسَها في السماءِ بلا واسطةٍ؛ بخلافِ بقيَّة الشرائعِ المفروضةِ والمسنونةِ. وأمَّا تركُ الصلاةِ، فقد استفاضَتِ النصوصُ على كفرِ فاعلِهِ مرفوعةً وموقوفةً، وقد رَوَى مسلمٌ؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ) (٢).

стр. 2196

فجعَلَ الصلاةَ حائلًا بِينَ الرجُلِ وبينَ الكفرِ، وإنْ ترَكَها بالكليَّةِ، فقد زالَ الحائلُ بينَهما، ودخَلَ الرجُلُ إلى الكفرِ. وقد جعَلها النبيُّ ﷺ فَيْصَلًا بينَ مَن أَسْلَمَ وَجهَهُ للَّهِ وبينَ مَن أسلَمَ وَجْهَهُ لغيرِهِ ممَّن نطَقَ الشهادتَيْنِ، فقال كما في السُّننِ: (الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلَاةُ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا، فَقَدْ كَفَرَ) (١)، وبهذا كان يقولُ الصحابةُ ويفرِّقونَ بينَهم وبينَ الكفارِ؛ كما قال مجاهدُ بن جَبْرٍ لجابرٍ ﵁: "مَا كَانَ يُفَرِّقُ بَينَ الكُفْرِ وَالْإِيمَانِ عِنْدَكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ" (٢). ويقولُ عبدُ اللَّهِ بنُ شقِيقٍ العُقَيْلِيُّ: "كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ" (٣). وعلى هذا كان التابعونَ، وكانوا يُطلِقُونَ على التاركِ الكفرَ، كما قال أيُّوبُ: تَرْكُ الصَّلَاةِ كُفْرٌ لا يُخْتَلَفُ فيِهِ (٤). ولا يُوجَدُ مِن كلامِ الصحابةِ ولا التابعينَ ما يُخرِجُ هذا العمومَ أو يُقيِّدُهُ ويُخصِّصُهُ، إلَّا حملُ ذلك على التَّرْكِ بالكليَّةِ، وأمَّا مَن كان يُؤدِّي بعضَ الصلواتِ ويترُكُ يعضًا، فهذا ليس تاركًا لها بالكليَّةِ؛ وإنَّما يدخُلُ في الوعيدِ في هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، وقد جاء عن النبيِّ ﷺ أنَّه قَبِلَ إسلامَ مَن لم يُؤدِّ الصلاةَ كلِّها، كما صحَّ عن نَصْرِ بنِ عاصمٍ اللَّيْثِيِّ، عن رجلٍ منهم: "أنَّه أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْلَمَ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ

стр. 2197

صَلَاتَيْنِ، فَقَبِلَ مِنْهُ"؛ رواهُ أحمدُ (١). ولم يكنِ النبيُّ ﷺ لِيُقِرَّهُ على الكفرِ، وإنَّما قَبِلَ منه الإسلامَ ولو كان مُسرِفًا على نفسِهِ أهوَنَ مِن بقائِهِ على الكفرِ. وإنَّما اختلَفَ العلماءُ في تفسيرِ ما أُطلِقَ مِن كلامِ النبيِّ ﷺ والصحابةِ والتابعينَ ومرادِهم في كفرِ تاركِ الصلاةِ، فمنهم مَن حمَلَهُ على الكفرِ الأكبرِ، ومنهم مَن حمَلَهُ على الأصغرِ. والمعروفُ عن أحمدَ والمشهورُ عندَ الأصحابِ: كفرُ تاركِ الصلاةِ، وليس في كلامِ أحمدَ ما يُخالِفُ ذلك، وعامَّةُ الرُّواةِ عنه ينقُلُونَ كفرَ تاركِ الصلاةِ، وأمَّا ما نقَلَهُ عنه صالحٌ في "المسائلِ" أنَّه سأَلَهُ عن زيادةِ الإيمانِ ونُقصانِه، فقال له: كيف يَزِيدُ ويَنقُصُ؟ قال: زيادتُه بالعملِ، ونقْصانُه بتركِ العملِ؛ مِثْلُ تركِهِ الصلاةَ والزكاةَ والحجَّ وأداءَ الفرائضِ (٢). فهذا لا يُخالِفُ ما تقدَّم تقريرُه؛ وذلك أنَّ أحمدَ أخرَجَ حديثَ نصرِ بنِ عاصمٍ في "مسندِه"، وظاهرُه: أنَّه لا يُخالِفُه، فالنُّقْصانُ يكونُ بتركِ صلواتٍ، لا تركِ الصلاةِ كلِّها. وقد اختَلَفَ القولُ في ذلك عن مالكٍ والشافعيِّ؛ فنُقِلَ عنهم الكفرُ وعدمُهُ، وإن لم يأتِ عنهما نصٌّ في التصريحِ، وإنَّما هي حكاياتٌ مِن الأئمَّةِ عنهم، والمشهورُ في المَحْكِيِّ عنهما في تاركِ الصلاةِ: أنَّ كفرَهُ ليس بأكبَرَ. وأمَّا أبو حنيفةَ، فجماهيرُ أصحابِهِ ينقُلُونَ عنه عدمَ الكفرِ. وفي كتابِ "صفةِ صلاةِ النبيِّ ﷺ " مزيدُ كلامٍ على هذه المسألةِ. * * *

стр. 2198

* قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]. ذكَر اللَّهُ حَبْسَ النفقةِ عن أهلِها بعدَما ذكَر الغَفْلةَ عن الصلاةِ، فجعَلَ حَبْسَ النفقةِ صفةً للغافِلِينَ عن صلاتِهم الساهِينَ عنها؛ وذلك أنَّ كمالَ الصلاةِ علامةٌ على قوةِ الإيمانِ بالآخِرةِ، ومَن قَوِيَ إيمانُه بالآخرةِ، انبسطَت يدُهُ بالصدقةِ، لعِمَارةِ آخِرتِه، وقدَّم لها ما ينتظرُهُ فيها مِن أجرٍ، ومَن ضعُفَتْ صلاتُه، ضعُف إيمانُه، وانقبَضَت يدُهُ عن الصدقةِ بمقدارِ ضَعْفِ إيمانِه؛ فإنَّ الإنسانَ في الدُّنيا يَعْمُرُ بيوتَها بمقدارِ أَمَلِه بالبقاءِ فيها، فتجدُهُ لا يعمُرُ بيتًا في بلدٍ يعبُرُها مسافرًا، وكلَّما كان يقينُهُ بالبقاءِ فيها أطوَلَ، كانتْ عمارتُهُ لها أشَدَّ. وقوله تعالى: ﴿الْمَاعُونَ﴾ على وزن (فَاعُول)؛ مشتقٌّ مِن المَعْنِ، وهو الشيءُ القليلُ اليسير؛ فكلُّ ما يحتاج إلبه الناسُ ويُعِينُهم في استمتاعِهم يُسمَّى ماعونًا، ثمَّ غلَبَ استعمالُهُ على الآنيَةِ؛ لأنَّها أغلبُ ما ينتفِعُ به الناسُ في الطعامِ والشرابِ (١). ومِن السلفِ: مَن حمَلَ قَولَه: ﴿الْمَاعُونَ﴾ في الآيةِ على منعِ كلِّ خيرٍ ولو كان نفقةَ دِرْهَمٍ ودِينارٍ. بل مِن السلفِ: مَن حمَلَهُ على إعانةِ الناسِ بمهنتِهم إنْ طلَبُوا عَوْنًا. ومِن هنا تنوَّعُ كلامُ السلفِ في تفسيرِ الماعونِ في الآيةِ: فمنهم: مَن قال: هي الزكاةُ؛ كعليٍّ وابنِ عمرَ ومجاهدٍ وابنِ الحَنَفِيَّةِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والحسنِ والزُّهْريِّ (٢). ومنهم: مَن قال: هو القِدْرُ والدَّلْوُ الفأسُ وما في حُكْمِه مِن

стр. 2199

متاعٍ؛ كابنِ مسعودٍ ونسَبَهُ إلى أصحابِ النبيِّ ﷺ (١)؛ وبه قال عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وعِكرِمةُ والنَّخَعيُّ (٢). ومنهم: مَنْ جعَله منْعَ كلِّ حقٍّ ومالٍ يُسألُ الإنسانُ إيَّاهُ ولا يُعطِيهِ؛ كابنِ عمرَ (٣). ومنهم: مَن حمَلَهُ على العاريَّةِ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ (٤). ومنهم: مَن حمَلَهُ على النقدَيْنِ الذهبِ والفضةِ؛ كما قالهُ ابنُ المسيَّب (٥). ومنهم: مَن حمَلَهُ على المِهْنةِ وإعانةِ المُحتاجِ بها عندَ طَلبِها؛ فيُعان بجُهْدِ البَدَنِ؛ كما قالت أمُّ عطيَّةَ (٦). وهذا كله مِن السلفِ تنوُّعٌ لا تضادٌّ، ومنعُ كلُ ما ذكَرُوهُ هو ممَّا يدخُلُ في قولِه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. حُكْمُ العاريَّةِ وحَبْسٍ ما يُعِينُ المحتاجَ: وتضمَّنَتِ الآيةُ مَنْحَ العاريَّةِ وبَذْلَ ما يُعِينُ الناسَ في حاجاتِهم، وإنَّما اختلَفَ العلماءُ في وجوبِ إعطاءِ العاريَّةِ ومنحِها، على قولَيْنِ في مذهبِ أحمدَ، وقد نصَّ على الوجوبِ جماعةٌ؛ كابنِ تيميَّةَ وغيرِه، والأظهَرُ الوجوبُ؛ لكنْ بشروطٍ:

стр. 2200

الأولُ: أن يكونَ طالبُ العاريَّةِ محتاجًا لها؛ لا يَستعِيرُها ترَفًا وتكثُّرًا. الثاني: أن يكونَ المتاعُ المُستعارُ لا يحتاجُ إليه صاحبُهُ بمِثْلِ أو أشَدَّ مِن حاجةِ طالبِه، فإنْ كان محتاجًا له، فله منعُهُ لنفسِهِ ولعيالِه، ويكونُ بَذْلُه مِن بابِ الإيثارِ على النَّفْسِ وهذه مرتبةُ أهلِ الفضلِ بالبَذْلِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. الثالث: أن يكونَ المستعيرُ مؤتمَنًا على حِفْظِ المتاعِ لا يُفسِدُه، ومَن عُرِفَ بأخذِ العاريَّةِ وجحدِها أو إتلافِها وإضاعتِها وإفسادِها، فلا يجبُ على صاحبِها بَذلُها ولو كان المستعيرُ محتاجًا لها، ويكونُ بذْلُ العاريَّةِ في حَقِّه فضلًا وحَسَنةً بمقدارِ حاجةِ طالبِها. * * *

стр. 2201

سورة الكوثر اختلَفَ العلماء في موضعِ نزولِ سورةِ الكوثرِ، والأكثرُ على مَكِّيَّتِها، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ، ورُوِيَ عن عِكرِمةَ والحسنِ: أنَّها مدَنيَّةٌ (١)، وفي مسلمٍ مِن حديثِ أنسٍ ما يدُلُّ على أنَّها نزَلَتْ بالمدينةِ (٢)، واستدَلَّ بعضُهم لمكيَّتِها بأنَّ الأبْتَرَ هو العاصُ بن وائلٍ، وقيل: هو أبو جَهْلٍ، وقيل: عُقْبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، وقيل غيرُهم مِن كفارِ فريشٍ (٣). * قال اللَّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. أمَر اللَّه بتوحيدِهِ وبَذْلِ العبادةِ له أداءً للصلاةِ أو نَحْرًا للنُّسُكِ، والآيةُ عامَّة في كلِّ صلاةٍ وفي كلِّ منحورٍ، وهي نظيرُ قولِهِ تعالى في سورةِ الأنعامِ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [١٦٢ - ١٦٣]. ومِن السلفِ: مَن خصَّصَ النزولَ بصلاةِ العيدِ ونَحْرِ الهَدْي والأُضْحِيَّةِ؛ كمجاهدٍ وعطاءٍ وعِكْرمةَ (٤)، وهو ظاهرٌ، للتلازُمِ بينَ الصلاةِ

стр. 2202

والنحرِ، لأنَّهما يكونانِ مشروعَيْنِ في يومِ النحرِ، وهو عيدُ الأَضْحَى؛ ولهذا قال ﷺ : (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ المصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، ولا نُسُكَ لَهُ) (١). ويُرْوَى عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ: أنَّ المرادَ بالنحرِ رفعُ اليدَيْنِ في الصلاةِ؛ وهو مُنكَرٌ، يَرويهِ مُقاتِل بنُ حَيَّانَ، عن الأصْبَغِ بنِ نُبَاتَةَ، عنه؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ (٢). ويُروى عنه: أنَّه قَبْضُ اليمينِ على الشِّمَالِ في الصلاةِ (٣)؛ ولا يصحُّ. حُكْمُ الأُضْحِيةِ ووقتُها: وقولُه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، يتضمَّنُ أحكامًا في النَّحْرِ، منها: ذِكْرًا للَّهِ والتسميةُ عندَ ذَبْحِ بهيمةِ الأنعامِ، ومنها: مسألةُ وجوبِ الأُضْحِيَّةِ، ومنها: تقديمُ صلاةِ العيدِ على ذبحِ الأُضْحِيَّةِ: فأمَّا التسميةُ عندَ الذبحِ والنحرِ: فهذا قد تقدَّم الكلامُ عليه عندَ قولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وتقدَّم الكلامُ على التسميةِ عندَ إرسالِ الصيدِ عندَ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]. وأمَّا حُكْمُ الأُضْحِيَّةِ: فهو مختلَفٌ فيه عندَ الأئمَّةِ، والأرجحُ عدمُ الوجوبِ؛ وهو قولُ جمهورِ العلماءِ، خلافًا لأبي حنيفةَ والأوزاعيِّ وقولِ لمالكٍ بوجوبِها، ولم يكنِ الخلفاءُ الراشدونَ يُوجِبونَها كأبي بكرٍ وعمرَ،

стр. 2203

وقولِ جماعةٍ مِن الصحابةِ؛ كابنِ عمرَ وبلالٍ وأبي مسعودٍ البَدْرِيِّ، وأئمَّةِ التابعينَ؛ كابنِ المسيَّبِ وعلقمةَ. ولا يثبُتُ عن النبيِّ ﷺ نصٌّ صريحٌ على وجوبِ الأُضْحِيَّةِ، ولا نهيٌ صريحٌ مؤكَّدٌ عن تركِها، وأمْثَلُ ما يَحتجُّ به مَن يقولُ بوجوبِها: ما رواهُ ابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَنْ كَانَ لَهُ سعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا) (١)، وهو حديثٌ يَرويهِ عبدُ اللَّهِ بنُ عيَّاشٍ القِتْبَانِيُّ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا، وابنُ عيَّاشٍ مختلَفٌ فيه، وهو ضعيفُ الحديثِ؛ قاله أبو داودَ والنَّسَائيُّ وغيرُهما (٢)، وفي الحديثِ اختلافٌ في الرفعِ والوقفِ، وقد أنكَرَ أحمدُ رَفْعَه، وقال: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ" (٣). وقد كان أبو بكرٍ وعمرُ يَتْرُكانِ الأُضْحِيَّةَ؛ خشيةَ المشقَّةِ على الناسِ فيظُنُّونَها سُنَّةً، كما قال أبو سَرِيحَةَ حُذَيفةُ بن أسِيدٍ: "رأيتُ أبا بكرٍ وعمرَ وما يُضَحِّيَانِ"؛ رواهُ عبدُ الرَّزاقِ (٤). وروى عبد اللَّه بنُ أحمد في "علله" (٥)، عن حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ؛ قال: لقد رأيتُ أبا بكرِ وعمرَ وما يُضَحِّيَانِ عن أهلِهما؛ خشية أنْ يُستَنَّ بهما. ورَوَى الخطيبُ في "المتَّفِقِ"، عن العلاءِ بنِ هلالٍ؛ أنَّ رجلًا سأَل

стр. 2204

ابنَ عمر عن الأُضْحِيَّةِ؟ فقال ابنُ عمرَ: أيَحسَبُها حَتْمًا؟ لا، ولكنَّها حسَنةٌ (١). وأمَّا ما رواهُ الشيخانِ؛ مِن حديثِ جُنْدُبِ بنِ سُفْيانَ البَجَليِّ؛ قال: ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُضْحِيَّةً ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا أُنَاسٌ قَدْ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُمْ قَدْ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ" (٢). فهذا تشريعُ توقيتٍ، والمواقيتُ تكونُ في السُّننِ، كما تكونُ في الواجباتِ، وما جاء توقيتُه، فليس لأحدٍ تقديمُهُ ولا تأخيرُهُ عما وُقِّتَ فيه؛ كتشريع الوِتْرِ آخِرَ صلاةِ الليلِ في قولِه ﷺ : (اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيلِ وِتْرًا) (٣)، وذلك أنَّ التوقيتَ للعبادةِ حُكْمٌ غيرُ حُكْمِ العبادةِ في نفسِها. وأمَّا وقتُ الأُضْحِيَّةِ: فلا يختلفُ العلماءُ في أنَّ الأُضْحِيَّةَ تُشرَعُ بعدَ صلاةِ العيدِ، وأنَّ ذَبْحَها قبلَ ذلك ليس وقتًا لها؛ كما جاء عن البَرَاءِ؛ أنَّه قال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ؛ قَالَ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ)، فَقَامَ خَالِي أبو بُرْدَةَ بنُ نِيَارٍ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ؟ قَالَ: (اجْعَلْهَا مَكَانَهَا -أَوْ قَالَ:

стр. 2205

اذْبَحْهَا- وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ)؛ رواهُ الشيخانِ (١)، وكذلك قولُه ﷺ في حديثِ جُنْدُبٍ السابقِ: (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى) (٢). ومِثلُه عندَهما مِن حديثِ أنسٍ (٣). * * *

стр. 2206

سورة النصر سورةُ النصرِ سورةٌ مدَنيَّةٌ باتِّفاقِهم، وقد حَكَى الإجماعَ على ذلك خَلْقٌ مِن الأئمَّةِ (١)، وهي في بيانِ البُشْرى بالفتحِ على نبيِّه وتمكينِه وعلوِّ شأنِه وأمرِه، ونَعْي نفسِه له بعدَ التمكينِ له، فأشعَرَهُ اللَّهُ بدُنُوِّ أجَلِهِ وقُرْبِهِ مِن فترةِ تمكينِهِ ونصرِه. * قال اللَّه تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]. لمَّا مكَّنَ اللَّهُ لنبيِّه وأعلَمَهُ بقُرْبِ نصرِه وفتحِه، نَعَى إليه قُرْبَ أَجَلِه، حيثُ أمَرَهُ بالإكثارِ مِن التعبُّدِ للَّهِ بالصلاةِ والتسبيحِ والاستغفارِ، وفي هذا: أنَّه يُشرَعُ الإكثارُ مِن التعبُّدِ في كل حِينٍ وخاصَّةَ عندَ دنوِّ الأجَلِ والشعورِ به؛ ليُختمَ للعبدِ على ذلك، وقد روى مسلمٌ؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكثِرُ مِنْ قَوْلِ: (سُبحَان اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ)، قَالَت: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: (سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيهِ"؟ فَقَالَ: (خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، فَإِذَا رَأَيْتُهَا، أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْل:

стр. 2207

سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأُتُوبُ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ رَأَيْتُهَا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]؛ فَتْحُ مَكَّةَ، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢]؛ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾) (١). وقد كان جماعةٌ مِن الصحابةِ يُفسُرونَها بظاهرِها، وكان عمرُ وابنُ عبَّاسٍ وغيرِّهما يَعلَمونَ منها نَعْيَ النبيِّ ﷺ والشعورَ بقُرْبِ أجَلِه، وفي ذلك يقولُ ابنُ عبَّاسٍ: "كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ ! فَقَالَ: إنَّهُ مِمَّن قَدْ عَلِمْتُمْ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَاني مَعَهُمْ، قَالَ: وَمَا رئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. . .﴾ [النصر: ١، ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ؟ فَقَالَ بَعْضهُمْ: أُمِرنَا أن نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَينَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيئًا، فَقَالَ لِي: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، أكَذَاكَ تَقولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُو أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ اللَّه لَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أجَلِكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ" (٢). والمرادُ لذلك: الإكثارُ مِن العبادةِ عمومًا عندَ كمالِ النِّعْمةِ وتمامِها، وعندَ الكبَرِ والشعورِ بدُنُوِّ الأَجَلِ ولو مِن مرضٍ عاجلٍ

стр. 2208

ونحوِه، وقد ذهَبَ بعضُ العلماءِ إلى مشروعيَّةِ الإكثارِ مِن الاستغفارِ في خواتيمِ كلِّ شيءٍ، وخاصَّةً خواتيمَ الأعمالِ؛ وذلك لظاهرِ سورةِ النصرِ، ولقولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. * * *

стр. 2209

سورتا المعوِّذَتَيْنِ اختُلِفَ فيهما؛ فقيل: نزَلَتَا بالمدينةِ، وقيل: نزَلَتَا بمكةَ، والأكثرُ على مدَنيَّتِهما، ولابنِ عبَّاسٍ وقتادةَ قولانِ في ذلك (١)، وهي في تعليمِ النبيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ الالتجاءَ إلى اللَّهِ، والتعوُّذَ به وحدَهُ مِن كلِّ سوءٍ وشرٍّ ظاهرٍ أو باطنٍ، خفيٍّ أو علنيٍّ. * قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]. أمَر اللَّهُ نبيَّه بالاستعاذةِ له سبحانَهُ مِن شرِّ كلِّ ذي شرٍّ، وذلك يُشرَعُ على سبيل العمومِ؛ وذلك لقولِهِ تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، فهذا عامٌ، ويُشرَعُ عندَ الشعورِ بأسبابِ يحتاجُ معها العبدُ إلى اللُّجوءِ إلى اللَّهِ؛ وذلك عندَ مَوَارِدِ الشيطانِ على النَّفْسِ بالخطَراتِ، وعندَ القُرْبِ مِن أماكنِ شياطينِ الجنِّ، كالحُشُوشِ والنجاساتِ والخَلَواتِ وبعضِ الفلَواتِ المُوحِشَةِ، وأماكنِ شياطين الإنسِ كمَجالِس الكفرِ والفجورِ ومَواردِ الشُّبُهاتِ فيها، وكثيرٌ مِن الشُّبُهاتِ تَرِدُ على الأسماعِ وترفُضُها العقولُ، وتُدخِلُها الشياطينُ إلى النفوسِ وتُسوِّلُ لها حتى تَستسيغَها بعدَ نُكْرانِها، وكم ممَّن يَسمَعُ باطلًا يُنكِرُهُ ثمَّ يُعيدُهُ الشيطانُ عيه مِرارًا حتى

стр. 2210

تتشرَّبَه نفسُهُ؛ ولهذا تُشرَعُ الاستعاذة مِن أذَى الخَلْقِ وشرورِهم جِنًّا وإنسًا. وقد تقدَّم الكلامُ على أحكامِ الاستعاذةِ عندَ قولِهِ تعالى في سورةِ الأعرافِ: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [٢٠٠]. وتقدَّم الكلامُ على صِيَغِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. وهذا ختامُ ما تيسَّرَ مِن الكلامِ على أحكامِ القرآنِ، وكان مُبتداهُ في الرابعِ مِن شهرِ ربيعٍ الأولِ مِن عامِ ألفٍ وأربعِ مِئَةٍ وثلاثةٍ وثلاثينَ للهجرةِ، ونَحمَدُ اللَّهَ على عَوْنِهِ وتسديدِه، ونسألُهُ الثباتَ على الحقِّ إلى يومِ اللِّقاءِ، وصلَّى اللَّه وسلَّمَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِهِ أجمعِين. * * *