← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

والثابتُ عن الصحابةِ جوازُ ذلك؛ فقد جاء عن عُمَرَ مِن وجهَيْنِ: الجُمُعةُ لا تَمْنَعُ مِن سَفَرٍ (١). وهو عنه صحيحٌ. ومِثلُ هذا الحُكْمِ لا يَخفى على عُمَرَ؛ فهي مسألةٌ ظاهرةٌ يُبتلَى بها ويحتاجُ إليها الناسُ، وما تَعُمُّ به البَلْوَى لا يَخفى على مِثْلِ الخُلَفاء، فعملُهم وقولُهم أصلٌ في هذه الأبوابِ حُكْمًا، وله أثرٌ في إعلالِ ما يُروى مرفوعًا. ولا يصحُّ في النهي عن السفرِ يوم الجُمُعةِ حديثٌ؛ قبلَ أذانِ صلاةِ الجمعةِ ولا بعدَ الجمعةِ. وقد رَوى أبو داودَ في "المراسيلِ"، عن الزُّهريِّ أنَّه أراد أن يُسافرَ يومَ الجُمُعة ضَحْوةً، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ النبيَّ ﷺ سافَرَ يومَ الجُمعةِ (٢). وهذا الذي عليه جمهور العلماءِ. العَدَدُ الذي تَنعقِدُ به الجُمُعةُ: ولا يثبُتُ عددٌ محدَّدٌ في أهلِ قريةٍ حتى تجبَ الجُمُعةُ عليهم؛ فكلُّ جماعةٍ في قريةٍ يجبُ عليهم صلاةُ الجُمُعةِ، والأحاديثُ الواردةُ في حدٍّ مُلزِمٍ للوجوبِ لا يصحُّ منها شيءٌ، وقد روى الدارقطنيُّ، وغيرُهُ عن جابرٍ مرفوعًا: (مَضَتِ السُّنَّة: أَنَّ فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ إِمَامًا، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ جُمُعَةً، وَأَضْحَى، وَفِطْرًا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ) (٣)، ولا يصحُّ، ورَوى

стр. 2137

الطبرانيُّ تحديدَها بخَمْسِينَ مِن حديثِ أبي أُمامةَ (١)، ولا يصحُّ، ورَوَى ابنُ عديٍّ تحديدَها بثلاثةٍ مِن حديثِ أمِّ عبدِ اللَّهِ الدَّوْسِيَّةِ (٢)، ولا يصحُّ. ومَن نظَر في السُّنَّة وتأمَّلَ الأثرَ عن الأصحابِ، وجَد أنَّه لا يصحُّ في تعيينِ عددٍ للجُمُعةِ حديثٌ، ولم يكنِ الصحابةُ يُقيِّدونَها به مع الحاجةِ إلى الحُكْمِ وأهميَّتِهِ لأهلِ القُرَى والأمصارِ؛ فأمرُهُ ممَّا تتعلَّقُ به صحةُ الصلاةِ وفسادُها، ولمَّا لم يَرِدْ مِن وجهٍ قويٍّ، وليس فيه شيءٌ مِن أقوالِ الصحابةِ وبيانِهم وتشديدِهم فيه، دلَّ على نُكْرانِ الواردِ فيه ممَّا حمَله بعضُ الضُّعَفاءِ والمتروكينَ، وتعدُّدُ مَخارجِها لا يُقوِّيها. وفي البابِ: ما يُعارِضُها مِن السُّنَّة المرفوعةِ؛ وهو حديثُ جابرٍ في خروجِ الصحابةِ للتجارةِ والنبيُّ ﷺ يخطُبُ، فبَقِيَ عندَهُ اثنا عشَرَ رجلًا، والحديثُ في "الصحيحَيْنِ" (٣). وأمَّا ما رواهُ أحمدُ والترمذيُّ، مِن حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ؛ أنَّه قال: جَمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ، فَكُنْتُ فِي آخِرِ مَنْ أَتَاهُ، قَالَ. "إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ، وَمُصِيبُونَ، وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَلْيَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ، وَلْيَنْهَ عنِ المُنْكَرِ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (٤). فليس صريحًا أنَّ الجَمْعَ لصلاةِ الجُمُعةِ، وليس فيه استحبابُ العددِ ولا اشتراطُه؛ وإنَّما إخبارٌ عنه. وقد تكلَّم بعضُ الحُفَّاظِ في سماعِ عبدِ الرحمنِ مِن أبيه ابنِ مسعودٍ.

стр. 2138

ومِثلُهُ ما رواهُ أبو داودَ وابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي أُمامةَ بنِ سهلٍ، عن أبيهِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَمَا ذَهَبَ بَصَرُهُ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، تَرَحَّمَ لِأَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ، تَرَحَّمْتَ لِأَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ؟ قَالَ: "لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ"، قُلْتُ: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ" (١). فإنَّما هو إخبارٌ عن الحالِ، لا بيانٌ للحُكمِ ولا التشريعِ. ومحمدُ بنُ إسحاقَ تفرَّدَ به عن محمدِ بنِ أبي أُمامةَ، وهو صدوقٌ صرَّح بسماعِهِ عندَ الدارقطنيِّ وغيرِه (٢)، ويَمِيلُ أحمدُ إلى ثبوتِ هذا الحديثِ (٣). قولُه تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لا يجوزُ البيعُ بعدَ أذانِ الجُمُعةِ وقعودِ الخطيبِ، ولا خلافَ في ذلك، وإنَّما الخلافُ في بُطْلانِ البيعِ وصِحَّتِه. وقد كان السلفُ يَزجُرونَ مَن يَبِيعُ بعدَ أذانِ خُطْبةِ الجُمُعةِ، بل منهم مَن يُعزِّرُه، وقد ذكَر سُحْنون في "نوازلِهِ" أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يأمُرُ إذا فُرغَ مِن صلاةِ الجُمُعةِ مَن يخرُجُ، فمَن وجَدَ لم يحضُرِ الجُمُعةَ، ربَطَهُ بعُمُدِ المسجدِ (٤).

стр. 2139

وكان مالكٌ يُخالِفُ قولَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ بالرَّبْطِ في المسجدِ، وإنَّما ينبعي أنْ يُؤدَّبَ على ذلك بالسَّجْنِ أو الضربِ، كما ذكَرَهُ ابنُ رشدٍ (١). وقد تقدَّم الكلامُ على ما جاء في البيعِ بعدَ أذانِ الصلواتِ الخمسِ عندَ قولِهِ تعالى مِن سورةِ النورِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [٣٧]. قيامُ الخطيبِ في الخُطْبةِ: قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، فيه: مشروعيَّةُ قيامِ الخطيبِ في أثناءِ خُطْبتِه، وهو مشروعٌ بالاتِّفاقِ، ويُسَنُّ له الجلوسُ عندَ قيامِ المؤذِّنِ للأذانِ، والجلوسُ بينَ الخُطبتَيْنِ، ولو فصَلَ بينَ الخُطبتَيْنِ، ولكنَّه لم يَجلِسْ، صحَّتْ خُطبتَاه. وقد اختلَفَ العلماءُ في وجوبِ قيامِ الخطيبِ حالَ خُطْبتِه، وهل تصحُّ منه وهو جالسٌ؟ على روايتَيْنِ عن أحمدَ، والأظهرُ: وجوبُ القيامِ عليه إنْ كان مستطيعًا؛ وهو الذي عليه أكثرُ الفقهاءِ وحُكِيَ الإجماعُ؛ وفيه نظرٌ. ويسقُطُ الوجوبُ عن الخطيبِ الذي يَعجِزُ عن القيامِ، لِمَرَضٍ أو رهبةٍ مِن الناسِ؛ لأنَّ القيامَ ركنٌ في الصلاةِ ويسقُطُ عندَ العجزِ، وهو أَوْجَبُ مِن القيامِ في خُطْبةِ الجمعةِ؛ فإنْ جاز في الصلاةِ المكتوبةِ القعودُ للعجزِ، فإنَّه في خُطْبةِ الجمعةِ مِن بابِ أَولى. ولم يخطُبِ النبيُّ ﷺ قاعدًا ولو مرةً حتى لمَّا كَبِرَتْ سِنُّهُ وحَطَمَهُ الناسُ، ومِثلُه أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ، وقد رَوَى مسلمٌ؛ مِن حديثِ جابرِ بنِ

стр. 2140

سَمُرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ وَاللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ (١). وقد ثبَت عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ؛ أنَّه "دَخَلَ المَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ "؛ رواهُ مسلمٌ (٢). وأمَّا ما يُرْوَى عن عثمانَ مِن الخُطْبةِ جالسًا (٣)، فهو كالصلاةِ جالسًا للعاجزِ؛ فقد كَبِرَتْ سِنُّهُ ومات في عَشْرِ التسعينَ، وكان فيه رِعْدَةٌ لكِبَرِه، ومِثلُه ما جاء عن معاويةَ، فالأصلُ عدمُ تركِ الصحابةِ لِمِثْلِ هذا الأمرِ المستديمِ والتهاوُنِ فيه، وقد رَوَى موسى بنُ طَلْحةَ؛ قال: شَهِدتُّ عُثْمَانَ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ قَائِمًا، وَشَهِدتُّ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: "أَمَا إِنِّي لَمْ أَجْهَلِ السُّنَّةَ؛ وَلَكِنِّي كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَكَثُرَتْ حَوَائِجُكُمْ، فَأَرَدتُّ أنْ أَقْضِيَ بَعْضَ حَوَائِجِكُمْ وَأَنَا قَاعِدٌ، ثُمَّ أَقُومَ فَآخُذَ نَصِيبِي مِنَ السُّنَّةِ" (٤). * * *

стр. 2141

سورة الطلاق سورةُ الطَّلاقِ سورةٌ مدَنيَّةٌ بلا خلافٍ (١)، وقد أنزَلَ اللَّهُ فيها أحكامَ الطلاقِ والمطلَّقاتِ، وبيَّن اللَّهُ ما لهنَّ وما عليهنَّ، وتفاصيلُ هذه الأحكامِ نزَلَتْ في المدينةِ، سواءٌ في هذه السورةِ أو غيرِها، وكان ابنُ مسعودٍ يسمِّيها: سورةَ النِّسَاءِ القُصْرَى (٢). * قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ١ - ٢]. أحكامُ الطلاقِ جليلةٌ، ولأنَّها عظيمةُ الأثرِ خاطَبَ اللَّهُ نبيَّه ﷺ بها، مع أنَّ الخِطابَ للمؤمِنِينَ كافَّةً؛ فنادَى اللَّهُ نبيَّه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ للتعظيمِ، ثمَّ بيَّن عمومَ الحُكْمِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.

стр. 2142

وقد جاء أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ في تطليقِ النبيِّ ﷺ لحَفْصَةَ، فأمَرَهُ اللَّهُ بإرجاعِها، فقيل له: رَاجِعْهَا؛ فإنَّها صوَّامةٌ قوَّامةٌ (١). وقد ثبَت في "الصحيحَيْنِ"، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: (لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا؛ فَتِلْكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ (٢). وقد بيَّن اللَّهُ قبلَ ذلك في سورةِ البقرةِ عِدَّةَ المطلَّقةِ الحائضِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [٢٢٨]. طلاقُ السُّنَّة وطلاقُ البِدْعةِ: قولُه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. للطَّلاقِ عِدَّةٌ وموضعٌ يُنزَلُ فيها، وليس للزَّوْجِ أن يتكلَّمَ بالطلاقِ بهواهُ وفي الوقتِ الذي يشاءُ هو؛ فقد جعَلَ اللَّهُ للطلاقِ موضعًا، وموضعُهُ أنْ يُطلِّقَها في طُهْرٍ لم يُجامِعْها فيه، أو يُطلِّقَها حاملًا قد اتَّضَحَ حَمْلُها. وقد قال ابنُ مسعودٍ (٣)، وابنُ عبَّاسٍ (٤)، وابنُ عمرَ (٥)؛ في قولِه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: إنَّه في طُهْرٍ مِن غيرِ جِماعٍ؛ وبه قال عطاءٌ ومجاهدٌ والحسنُ وعِكْرِمةُ وميمونُ بنُ مِهْرَانَ (٦). وكلُّ طلاقٍ لم يُوافِقِ السُّنَّةَ، فهو طلاقٌ بدْعيٌّ، أمَّا السُّنيُّ فتقدَّم، وأمَّا الطلاقُ البِدْعيُّ:

стр. 2143

فهو تطليقُ الزوجةِ في حَيْضِها أو نِفَاسِها، أو في طُهْرٍ قد جامَعَها فيه، أو يُطلِّقُها في زمنِ عِدَّتِها مِن تطليقةٍ سابقةٍ، أو يُطلِّقُها أكثَرَ مِن طلقةٍ مرةً واحدةً. وأمَّا الصغيرةُ والآيسةُ التي لا تَحِيضُ، فلا طلاقَ بدْعيًّا يتعلَّقُ بحَيضِها ونِفاسِها؛ وإنَّما البِدْعيُّ يتعلَّقُ بتطليقِها في زمنِ عِدَّتِها مِن طلقةٍ سابقةٍ، أو تطليقِها بأكثَرَ مِن واحدةٍ مرةً واحدةً. ومِن الأئمَّةِ كالشافعيِّ: مَن لم يَجعَلْ مجرَّدَ الطلاقِ ثلاثًا بِدْعةً ما دام طلاقُها في طُهْرٍ لم يُجامِعْها فيه؛ فاعتبَر الزمانَ ولم يَعتبرِ العَدَدَ، ولكنْ أمَرَ النبيُّ ﷺ ابنَ عمرَ أن يُراجِعَها، ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى قال بعدُ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، والأمرُ: الرَّجْعةُ، وهذا يدُلُّ على أنَّ المرادَ بقولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ طلاقُ الرَّجْعةِ، وهو الأصلُ، والثلاثُ على قولِهِ لا رجعةَ فيها، وقد أخَذَ بعمومِ الآيةِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، فوسَّعَ في عددِ الطَّلَقاتِ ما دام في العِدَّةِ، وقد تقدَّم الكلامُ على الطلاقِ الثلاثِ بلفظٍ واحدٍ أو مجلِسٍ واحدٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقولُه تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أمَرَ اللَّهُ بضبطِ العِدَّةِ؛ لأنَّ ذلك يتعلَّقُ به حقوقٌ واستحلالُ فُرُوجٍ وتحريمُها، ومِن ذلك الميراثُ؛ فلو مات أحدُ الزوجَيْنِ في آخِرِ يَوْمٍ مِن عِدَّةِ طلاقِ الرَّجْعةِ ولم تخرُجْ منها، فإنَّهما يَتوارَثانِ، وتعتدُّ الزوجةُ لوفاةِ زوجِها، وبضبطِ العِدَّةِ تُحفَظُ الأرحامُ مِن أن يكونَ فيها نُطْفةٌ لزوجٍ سابقٍ، فتتزوَّجُ غيرَهُ فيَنتسِبُ الولدُ إلى غيرِ أبيه، وكلُّ خِطْبةٍ لزوجةٍ في عِدَّةِ طلاقِها فهي محرَّمةٌ؛ لأنَّها في عِصْمةِ زوجِها واحتمالِ رَجْعتِها إليه، فضلًا عى حُرْمةِ وطءِ غيرِ زوجِها لها -ولو كان بعقدٍ- في أثناءِ العِدَّةِ.

стр. 2144

السُّكْنَى للمطلَّقةِ: قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، نَسَبَ اللَّهُ البيوتَ إليهنَّ، فقال: ﴿بُيُوتِهِنَّ﴾؛ ليبيِّنَ حقَّهُنَّ فيها بالسُّكْنَى في أثناءِ عِدَّتِها، فالمطلَّقةُ الرجعيَّةُ لا يجوزُ لزوجِها إخراجُها بعدَ تطليقِهِ لها حتى تخرُجَ مِن عِدَّتِها؛ كما أنَّه لا يجوزُ لها أن تخرُجَ هي مِن بيتِ زوجِها: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾؛ لأنَّها وإن كانتْ مطلَّقةً فهي في عِصْمةِ زَوْجِها لا تخرُجُ إلَّا بإذنِه. وإنْ خرَجَتِ المطلَّقةُ مِن بيتِ زوجِها بغيرِ إذنِه، فلا نَفَقةَ لها ولا سُكْنى؛ وهذا مُقتضَى سياقِ الآيةِ. وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ بيَّن اللَّهُ أنَّ المرأةَ إنْ أتتْ بفاحشةٍ بيِّنةٍ، وهي الزِّنى، فلزَوْجِها إخراجُها مِن منزلِه؛ لأنَّها خانتْ أمانتَهُ وعَهْدَهُ معها وميثاقَ اللَّهِ الذي أخَذَهُ عليها. وقد فسَّر الفاحشةَ بالزِّنى جماعةٌ، كابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ مِن السلفِ (١). ومِن السلفِ: مَن حمَلَ الفاحشةَ هنا على فُحْشِ اللِّسَانِ وبَذَاءتِه؛ كأنْ تتسلَّطَ بالفُحْشِ على الزوجِ وعلى أهلِهِ كأُمِّه وأبيهِ؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢). ومنهم: مَن حمَلَ الفاحشةَ على كلِّ معصيةٍ، ورُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ أيضًا (٣)، وصوَّبه ابنُ جريرٍ (٤). وقولُه تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بيانٌ بأنَّ أحكامَ الطلاقِ والعِدَدِ والسُّكْنَى أحكامٌ للَّهِ لا يجوزُ الخروجُ عنها مهما بلَغَتِ البَغْضاءُ بينَ الزوجَيْنِ، فأمرُ اللَّهِ وحَدُّهُ فوقَ ذلك كلِّه، ومَن

стр. 2145

خالَفَ تلك الحدودَ مِن الزوجَيْنِ، فظُلْمُهُ على نفسِه؛ فاللَّهُ لم يَشرَعِ الأحكامَ إلَّا لمنفعتِهِ ولو جَهِلَ ذلك أو غابتْ عنه حِكْمَتُه، وبيانُ ذلك في قولِه تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾؛ يعني: أنَّ اللَّهَ يُحدِثُ مِن تغيُّرِ الحالِ والرأي بينَ الزوجَيْنِ بعدَ عجَلةِ الطلاقِ ما يَنْدَمانِ عليه، فيَتراجَعانِ عن قُرْبٍ قبلَ خروجِ الزوجةِ مِن بيتِها، وقبلَ انقضاءِ العِدَّةِ، فجعَلَ اللَّهُ العِدَّةَ أجَلًا للنظرِ ومراجعةِ النَّفْسِ، فلو تَفَرَّقَ الزوجانِ مِن أولِ وقوعِ الطلاقِ، وخرَجَتِ الزوجةُ مِن بيتِ زوجِها، كانتِ الرجعةُ أشَقَّ، ومكابَرَةُ النفوسِ وعنادُها أشَدَّ، فتُهلِكُ العجَلةُ أهلَها، واللَّهُ يُريدُ بهم رِفْقًا. وقد صحَّ عن عليٍّ قولُه: ما طلَّقَ رجلٌ طلاقَ السُّنَّةِ، فَنَدِمَ (١). وذلك أنَّ اللَّهَ لم يشرِّعْ ذلك ويَضَعْ له عِدَّةً وحَدًّا إلَّا لتخرُجَ الزوجةُ مِن نَفْسِ زوجِها، والزوجُ مِن نفسِ زوجتِه، ولا يَجِدَا ألمًا وحَسْرةً على الفِراقِ، ولكنْ يَندَمُ الناسُ على الطلاقِ بمقدارِ مُخالفتِهم لحدودِ اللَّهِ فيه. السُّكْنى للمُطلَّقةِ المَبْتُوتةِ: وقد ذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ أنَّ الأمرَ في قولِه تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أنَّ المقصودَ هو الرَّجْعةُ؛ كما قاله الشَّعْبيُّ وعطاءٌ وقتادةُ والثوريُّ (٢). وأخَذ غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ مِن لازِمِ هذه الآيةِ ودليلِ خِطابِها: عَدَمَ وجوبِ السُّكْنَى والنفقةِ للمطلَّقةِ المبتوتةِ؛ لأنَّ اللَّهَ لن يُحدِثَ لها مع زوجِها أمرًا فتَرجِعَ إليه، وبقاؤُها في عِصْمَتِهِ قد تَتْبَعُهُ مَفْسَدةُ أنْ يَستحِلَّ

стр. 2146

منها ما حَرُمَ عليه كنَظَرٍ ومباشَرةٍ؛ لأنَّه أجنبيٌّ عنها؛ وبهذا القولِ قال أحمدُ وجماعةٌ، وقد رَوى أيُّوبُ، قال: سمعتُ الحسنَ وعِكْرِمةَ يقولانِ: المطلَّقةُ ثلاثًا، والمُتوفَّى عنها: لا سُكْنَى لها ولا نفقةَ؛ قال: فقال عِكْرِمةُ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، فقال: ما يُحدِثُ بعدَ الثلاثِ (١). والأئمَّةُ الثلاثةُ -أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ- يُوجِبونَ السُّكْنَى للمُطلَّقةِ ثلاثًا، ولكنَّهم يَختلِفونَ في النفقةِ؛ فأَوجَبَها أبو حنيفةَ لها، ولم يُوجِبْها مالكٌ والشافعيُّ. وأُلحِقَ بذلك في قولِ أحمدَ المُتوفَّى عنها زوجُها: أنَّه لا يجبُ لها سُكْنى؛ لانتفاءِ علةِ الرَّجْعةِ بموتِ الزوجِ، وهي العلةُ التي أمَرَ اللَّهُ بعَدَمِ إخراجِها مِن بيتِها، ونهاها هي عن الخروجِ منه، وعدَمُ وجوبِ السُّكْنى لا يعني وجوبَ إخراجِها ولا استحبابَهُ، بل لها مِن مالِ زوجِها كما لبقيَّةِ الوَرَثةِ. ولم يجعلِ النبيُّ ﷺ للمَبتوتةِ نفقةً ولا سُكْنى؛ كما في حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ الفِهْرِيَّةِ، حينَ طلَّقَها زَوْجُها أبو عمرِو بنُ حفصٍ آخِرَ ثلاثِ تطليقاتٍ، وكان غائبًا عنها باليمنِ، فأرسَلَ إليها بذلك، فأرسَلَ إليها وكيلُهُ بشعيرٍ -نفقةً- فتَسخَّطَتْهُ، فقال: واللَّهِ ليس لكِ علينا نفقةٌ، فأتتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقال: (ليس لكِ عليه نفقةٌ ولا سُكْنَى)، وأمَرَها أن تَعْتَدَّ في بيتِ أمِّ شَرِيكٍ، ثمَّ قال: (تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ) (٢).

стр. 2147

وقد جاء عن عمرَ بنِ الخطَّابِ (١)، وابنِ مسعودٍ (٢) وابن عبَّاسٍ: أنَّه للمطلَّقةِ المبتوتةِ حاملًا وغيرَ حاملٍ السُّكْنَى والنفقةُ. ومِن العلماءِ: مَن لم يَجعَلْ للمبتوتةِ سُكْنَى ولا نفقةً إلَّا إنْ كانتْ حاملًا؛ لأنَّ اللَّهَ خصَّها بالذِّكْرِ فيما يأتي، وخَصُوصِيَّةُ الذِّكْرِ دليلٌ على الاستثناءِ. وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾: جعَلَ اللَّهُ نهايةَ العِدَّةِ نهايةَ أجَلِ الإمهالِ المتعلِّقِ بالرَّجْعةِ وحقِّ الزوجةِ الرَّجْعيَّةِ في النفقةِ والسُّكنى، وقد أمَرَ اللَّهُ مَن رَغِبَ في الرَّجْعةِ أن يَرجِعَ زوجتَهُ بمعروفٍ، وإنْ رَغِبَ في الفِراقِ أنْ يُفارِقَها بمعروفٍ بلا أذيَّةٍ ولا سُوءٍ. الإشهادُ على إرجاعِ المطلَّقةِ: وأمَر اللَّهُ بالإشهادِ على ذلك لمعرِفةِ انقضاءِ الأجَلِ؛ حتى تتزوَّجَ المرأةُ زوجًا غيرَهُ إن شاءتْ، وإنْ رَغِبَ في إرجاعِها في العِدَّةِ، أشهَدَ على ذلك؛ لظاهِرِ الآيةِ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في مشروعيَّةِ الإشهادِ؛ وإنَّما خلافُهم في وجوبِه. واختلَفُوا في إيجابِ القولِ بالرَّجْعةِ، وهل تصحُّ بالفعلِ وحدَه؛ كمَن يُقبِّلُ زوجتَهُ ويُباشِرُها يُريدُ رَجْعَتَها بذلك، أو لا بدَّ مِن القولِ؟ : فمَن قال بوجوبِ الإشهادِ، فلازمُ قولِه: أنَّ الرَّجْعةَ لا تصحُّ إلَّا بالقولِ، فقد اختلَفُوا في وجوبِ الإشهادِ على قولَيْنِ، هما قولانِ في مذهبِ أحمدَ والشافعيِّ: قال جماعةٌ مِن العلماءِ بالوجوبِ؛ وذلك لظاهرِ الأمرِ في الآيةِ،

стр. 2148

ولِما رَوى أبو داودَ وغيرُهُ، عن عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنَّه سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ يَقَعُ بِهَا، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، ولا عَلَى رَجْعَتِهَا؟ فَقَالَ: طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا، ولا تَعُدْ (١). ورَوى ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ؛ أنَّه كان يقولُ في قولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: لا يجوزُ في نكاحٍ ولا طلاقٍ ولا رِجاعٍ إلَّا شاهِدَا عَدْلٍ؛ كما قال اللَّهُ ، إلَّا أنْ يكونَ مِن عُذْرٍ (٢). وذهَب جماعةٌ مِن العلماءِ: إلى أنَّ الأمرَ بالإشهادِ في الآيةِ على الاستحبابِ، وأنَّ الأمرَ للإرشادِ؛ كما في الإشهادِ في البيعِ؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ وبهذا يقولُ أبو حنيفةَ ومالكٌ، وكذلك الشافعيُّ وأحمدُ في أحدِ قولَيْهِما، وهو الأظهَرُ؛ فالرَّجْعةً تتعلَّق بالزوجِ لا بالزوجةِ، فتحتاجُ إلى قَبُولٍ منها، والقولُ قولُهُ في ذلك، ولمَّا كان البيعُ لا يجبُ فيه الإشهادُ، وفيه قَبُولٌ وإيجابٌ، وجاء الأمرُ فيها بصيغةِ الأمرِ هنا؛ فالإشهادُ في الرَّجْعةِ مِن بابِ أَولى أنَّه للإرشادِ والدَّلَالةِ. * * * * قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. هذا وعدٌ مِن اللَّهِ لمَن امتثَلَ أمْرَهُ في الطلاقِ والرَّجْعةِ، والإمساكِ والتسريحِ بمعروفٍ، والإشهادِ على ذلك - أنْ يَجعَلَ اللَّهُ له مَخْرَجًا ممَّا

стр. 2149

يَستقبلُه مِن ضِيقٍ، ومَن صحَّتْ نيَّتُه، اتَّسَعَتْ مَخارجُ فَرَجِه، وهذه الآيةُ نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، ونظيرُ قولِه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فيُجازي اللَّهُ الزوجَيْنِ بحسَبِ امتثالِهما لأمرِ اللَّهِ، وبحسَبِ قصدِهما. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. بيَّن اللَّهُ في الآيةِ عِدَّةَ المطلَّقةِ اليائسِ، وهي التي لا تَحِيضُ لِكِبَرِ سنِّها، ومِثلُها الصغيرةُ التي لا تحيضُ: أنَّ عِدَّتَهُنَّ ثلاثةُ أشهُرٍ. وقولُه تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ يعني: في معرِفةِ العِدَّةِ لَهُنَّ، فعِدَّتُهُنَّ هي ما يُبيِّنُهُ اللَّهُ لكم؛ وبهذا المعنى قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ (١)، وقال مجاهدٌ: إنِ ارتبتُم بما فِيهِنَّ مِن دمٍ: هل هو حيضٌ أم استحاضةٌ؟ (٢)، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ أَفْقَهُ وأبصَرُ، وإنْ كان يصحُّ قولُ مجاهدٍ ومَن وافَقَهُ في حُكْمِ المُرتابةِ بينَ دمِ الحَيْضِ والاستحاضةِ، إلَّا أنَّ سياقَ الآيةِ أقرَبُ إلى قولِ سعيدٍ، واللَّهُ أعلَمُ. وقد صحَّ عن عِكْرِمةَ أنَّه قال: إنَّ مِن الرِّيبةِ المرأةَ المُستحاضَةَ، والتي لا يَستقيمُ لها الحيضُ؛ تَحِيضُ في الشهرِ مِرارًا، وفي الأشهُرِ مرَّةً؛ فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهُرٍ (٣).

стр. 2150

عِدَّةُ الحاملِ مِن الطلاقِ والوفاةِ: وأمَّا عِدَّةُ الحاملِ، فلا تخلو: إمَّا أن تكونَ عِدَّةَ وفاةٍ، أو عِدَّةَ طلاقٍ: أمَّا عِدَّةُ الحاملِ التي طُلِّقتْ عندَ استبانةِ حَمْلِها، فعِدَّتُها أنْ تَضَعَ ولدَها؛ وهذا في قولِ عامَّةِ السلفِ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك؛ حكاهُ ابنُ جريرٍ (١). وأمَّا عِدَّةُ الحاملِ مِن وفاةِ زوجِها، فعلى حالَيْنِ: الأُولى: حاملٌ بَقِيَ مِن وَضْعِها فوقَ أربعةِ أشهُرٍ وعشرٍ؛ تخرُجُ مِن عِدَّتِها بوَضْعِ حَملِها بلا خلافٍ. الثانيةُ: حاملٌ وأجَلُ وَضعِ حَمْلِها دونَ أربعةِ أشهُرٍ وعشرٍ؛ فعامَّةُ الفقهاءِ مِن السلفِ والخلفِ: على أنَّها تخرُجُ مِن عِدَّةِ وفاتِها بوَضْعِ حَمْلِها ولو وضَعَتِ الحَمْلَ بعدَ الوفاةِ بساعةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وبهذا قَضى عمرُ وعثمانُ وزيدٌ وابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ وأبو هريرةَ، وقد رَوَى البخاريُّ، عن أبي سَلَمةَ؛ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ وأبو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ، قُلْتُ أَنَا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: أنَا مَعَ ابنِ أَخِي -يَعْنِي: أَبَا سَلَمَةَ- فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ، فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا (٢).

стр. 2151

ورَوَى علقمةُ بنُ قيسٍ؛ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ قال: مَن شاءَ لَاعَنْتُهُ، ما نزَلَتْ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إلَّا بعدَ آيةِ المتوفَّى عنها زوجُها، قال: وإذا وضَعَتِ المُتوفَّى عنها زوجُها، فقد حَلَّتْ؛ يُريدُ بآيةِ المتوفَّى عنها زوجُها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (١). وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المسألةِ، وعمومِ عِدَّةِ المتوفَّى عنها زوجُها، في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [٢٣٤]. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. أمَر اللَّهُ بسُكْنى المطلَّقةِ، وأنَّه لا يجوزُ إخراجُها حتى تخرُجَ مِن عِدَّتِها، فتَسْتَبِينَ أمْرَها، وإذا أمَرَ اللَّهُ بإسكْانِ المطلَّقةِ في عِدَّتِها، فوجوبُ السُّكْنى على الزوجِ للزوجةِ مطلَقًا واجبٌ متعيِّنٌ، وهو أَولى. وقولُه تعالى: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ أَسْكِنُوهُنَّ بحسَبِ قُدْرَتِكم وما تَجِدُونَهُ مِن قوةٍ واستطاعةٍ، وقد جعَلَ اللَّهُ السُّكْنى بحسَبِ قدرةِ الزوجِ، لا بحسَبِ حاجةِ الزوجةِ؛ حتى لا يُضِرَّ بنفسِهِ وولدِه. وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾: لا تَفْعَلوا شيئًا مِن الضِّيقِ والحَرَجِ الذي يَدفَعُهُنَّ إلى تركِ حَقِّهِنَّ مِن السُّكْنى؛ هربًا مِن الأذى؛

стр. 2152

فتكونوا أخرَجتُمُوهُنَّ ولو لم تَنطِقوا بذلك، بل هو أشَدُّ؛ فقد جمعتُم سَيِّئَتَيْنِ، وهما: سيئةُ الأذى، وسيئةُ الإخراجِ. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: ذكَر اللَّهُ الحاملَ وخَصَّها بالذِّكْرِ هنا؛ لأنَّ أجَلَها قد يطولُ، فرُبَّما يَستثقِلُ بعضُ الأزواجِ سُكْناها ونفقتَها تسعةَ أو ثمانيةَ أشهُرٍ إنْ كان طلاقُها بدايةَ حَمْلِها، فأمَرَ اللَّهُ بالإنفاقِ عليها وإسكانِها حتى تَضَعَ حَمْلَها. وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يدُلُّ هذا على أنَّ المرأةَ إنْ كانتْ في عِصْمةِ زوجِها لا تَستحِقُّ أُجْرةَ الرَّضَاعِ؛ وإنَّما لها النفقةُ الكافيةُ، ولكنْ إنْ كانتْ مطلَّقةً، فيجبُ على الزوجِ إعطاؤُها نفقةَ الرَّضَاعِ؛ لانقطاعِ نففتِها الخاصَّةِ بها، والولدُ شِرْكٌ بينَ أَبَوَيْهِ؛ فكما تستحقُّ زيادةَ النفقةِ لأجلِهِ وهي في عِصْمَتِه، فإنَّها تستحقُّ ذلك القَدْرَ بعدَ طلاقِها منه وخروجِها مِن العِدَّةِ. وقد حمَلَ بعضُ السلفِ وجماعةٌ مِن العلماءِ هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ على الحاملِ المطلَّقةِ البائنِ؛ وذلك لأنَّ الرَّجْعيَّةَ زوجةٌ، فالنفقةُ عليها كسائرِ النفقةِ على الرَّجْعيَّاتِ سواءٌ كانتْ حاملًا أو غيرَ حاملٍ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ (١). وقولُه تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾، فيه: وجوبُ التناصُحِ بينَ الزوجَيْنِ حتى بعدَ الطلاقِ، وأن يكونَ بينَهما العدلُ لا الشُّحُّ والأَثَرَةُ والطمعُ، وفي هذا تطهيرٌ لقلوبِ الزوجَيْنِ مِن الانتصارِ للنَّفْسِ والانتقامِ مِن الآخَرِ لِما سلَفَ مِن سُوءِ عِشْرَةٍ. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾؛ يعني: لم تَتوافَقُوا على أمرِ الرَّضَاعِ أو أُجْرَتِه، فيجبُ كِفايتُه بمُرضِعةٍ أُخرى، وهذه الآيةُ في

стр. 2153

إرضاعِ الأمِّ المطلَّقةِ، وقد تقدَّم في البقرةِ آيةُ الرَّضَاعِ عامَّةً، وقد تقدَّم الكلامُ على الرَّضاعِ وأحكامِهِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]. أمَرَ اللَّهُ الوالدَ أنْ يُنفِقَ على ولدِهِ مِن زوجتِهِ المطلَّقةِ، وذلك ما يَقتضيهِ السياقُ؛ لاتِّصالِهِ بما سبَقَ، ولم يَجعَلِ اللَّهُ ذلك على العُسْرِ، بل باليُسْرِ وبحسَبِ الطاقةِ. * * *

стр. 2154

سورة التحريم سورةُ التحريمِ سورةٌ مدَنيَّةٌ بلا خلافٍ (١)، ذكَرَ اللَّهُ فيها حُكْمَ تحريمِ الحلالِ على النَّفْسِ وما وقَعَ مِن النبيِّ ﷺ في ذلك، وحُكْمَ ذلك وكفَّارتَه، وبيانَ بعضِ حالِ النبيِّ مع أزواجِه، وذكَرَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ وأمَرَ بجهادِهم والشِّدَّةِ عليهم. * قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١ - ٢]. قد حرَّم النبيُّ ﷺ شيئًا، وقد اختُلِفَ في عَيْنِ ما حرَّمه على نفسِه، وقد ورَدَ في نزولِ سورةِ التحريمِ أسبابٌ متعدِّدةٌ، ولكنَّ أصَحَّ ما جاء في نزولِها ما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"، عن عائشةَ؛ قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى: أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا، فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مغَافِيرَ! قَالَ: (لَا، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، لا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا) (٢). وإنَّما قُلْنَ ذلك لتنفيرِ النبيِّ ﷺ مِن الإكثارِ مِن الدخولِ على بعضِ

стр. 2155

أزواجِهِ واختصاصِها له بطعامٍ دُونَهُنَّ، وقد جاء في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ؛ ولهذا قُلْنَ له: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؛ لأنَّ ريحَها فيه شيءٌ، فلمَّا قال: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا)، قُلْنَ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ (١). ومرادُهما بذلك: رعَتْ نَحْلُهُ شجرَ العُرْفُطِ الذي صَمْغُهُ المَغَافِيرُ؛ فكان له رائحةٌ على شاربِه. وفي مسلمٍ؛ مِن وجهٍ؛ أنَّ عائشةَ وسَوْدَةَ تواطَأَتَا، وأنَّ مَن سقَتْهُ العسلَ حَفصةُ (٢). والأولُ أرجَحُ، وصحَّ عن عمرَ؛ أنَّهما عائشةُ وحفصةُ؛ كما في "الصحيحَيْنِ" (٣). وقد صحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ حرَّم أمَّ إبراهيمَ عليه؛ كما رَوَى الهيثمُ بنُ كُلَيْبٍ في "مسندِه"، عن عمرَ؛ قال: قال النبيُّ ﷺ لحفصةَ: (لَا تُخْبِرِي أَحَدًا، وَإِنَّ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيَّ حَرَامٌ)، فقالتْ: أتُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لك؟ قال: (فَوَاللَّهِ لا أَقْرَبُهَا)، قال: فلم يَقرَبْها حتى أَخبَرَتْ عائشةَ، قال: فأنزَلَ اللَّهُ، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤). ورَوَى ثابتٌ، عن أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إِلَى آخِرِ الآيَةِ (٥). وقد صحَّ عن جماعةٍ مِن السلفِ: أنَّ الذي حرَّمه النبيُّ ﷺ على نفسِه هو وَطْءُ جاريتِهِ؛ منهم مسروقٌ (٦) وقتادةُ (٧).

стр. 2156

وأقوَى ما جاء فيما حرَّمه النبيُّ ﷺ على نفسِهِ: العسلُ والجاريةُ، وكلُّ ذلك صحيح، وصحةُ الاثنَيْنِ ليس اضطرابًا؛ وإنَّما وقَعَا جميعًا، ومِثلُ بيتِ النبوَّةِ مع كثرةِ أزواجِه، وتنافُسِهِنَّ عليه، وغِيرَتِهِنَّ بعضِهِنَّ مِن بعضِ: يَحتمِلُ تكرُّرَ مِثلِ هذا، والقرآنُ قد يَنزِلُ على واحدةٍ منهما، أو ينزِلُ عليهما جميعًا. تحريمُ الحلالِ لا يجعلُهُ حرامًا: وإذا حرَّم الإنسانُ حلالًا على نَفْسِه، لا يكونُ ما حرَّمه محرَّمًا في نفسِه؛ وإنَّما الحرامُ والحلالُ مِن مصطَلَحاتِ الشريعةِ واختصاصِ المشرِّع؛ وذلك أنَّ اللَّهَ جعَلَ تحريمَ الحرامِ أمرًا لا يمكنُ تحقيقُه؛ فقد سمَّاهُ زُورًا؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، والزُّورُ لا يتحقَّقُ، والاستفهامُ في قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استفهامُ إنكارٍ، ويتضمَّنُ إنكارًا؛ لأنَّ مضمونَه إنشاءٌ. وتحريمُ الحلالِ لا أَثَرَ له على العَيْنِ المحرَّمةِ في ذاتِها، ولا تحرُمُ به مطلقًا باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ، خلافًا لقولٍ يُنسَبُ إلى أبي حنيفةَ وميلٍ لأبي الخطَّابِ مِن الحنابلةِ. وقد ذَمَّ اللَّهُ تحريمَ الحلالِ وتحليلَ الحرامِ وجعَلَهُما في الأمرِ سواءً في مَقَامِ المخالَفةِ لتشريعِه؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]؛ فلو كان تحريمُ الحلالِ مؤثِّرًا على العَيْنِ لمجرَّدِ تحريمِ الإنسانِ على نفسِه، لجاز أن يكونَ ذلك في تحليلِ الحرامِ، فالتغيُّرُ الذي يَلْحَقُ العَيْنَ تشريعٌ، وليس مجرَّدَ إلزامِ بامتناعِ النَّفْسِ عنها.

стр. 2157

وأمَّا مَنْ يجعلُ العينَ تحرُمُ يذلك؛ لقولِه تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ بعدَما ذكَر اللَّهُ تحريمَ نبيِّه على نفسِه، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ليس المرادُ به التحليلَ بعدَ تحريمٍ، وإنَّما المرادُ له الحِلُّ بعدَ عَقْدٍ؛ فاليمينُ تُعقَدُ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فالكفارةُ تَحُلُّ ما انعقَدَ عليه القلبُ، وليس الحُكْمَ الذي انعقَدَ على العَيْنِ. تحريمُ الحلالِ يمينٌ وكَفَّارتُه: ومَنْ قصَدَ بتحريمِهِ حلالَ الطعامِ والشراب واللِّباسِ على نفسِهِ أنْ تكونَ يمينًا تَمنعُهُ عن تلك الأشياءِ، لقد اختُلِفُ في جعلِ تحريمِ الحلالِ يمينًا، وفي المحلوفِ به فيها: فمِن العلماءِ: مَن كرِهها؛ كأحمدَ وجماعةٍ مِن أصحابِه؛ حيثُ حُمِلَتْ على مشابهةِ الحَلِفِ بغيرِ اللَّهِ. وجمهورُ العلماءِ: على جوازِها؛ لأنَّ الحالفَ لم يَحلِفْ بمخلوقٍ؛ وإنَّما هو الزامٌ للنَّفْسِ بشيءٍ أمامَ اللَّهِ، وحالُه كحالِ النَّذْرِ. قولُهُ تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: لمَّا ذكَر اللَّهُ تعالى تحريمَ الحلالِ، ذكَر أَنَّه ينعقدُ على إلزامٍ كاليمينِ الصريحةِ، فجعَل له حَلًّا في قولِه: ﴿تَحِلَّةَ﴾، ثمَّ سمَّاهُ اللَّهُ تعالى يمينًا في قولِه: ﴿أَيْمَانِكُمْ﴾. ولكنَّ السلفَ مختلِفونَ في تحريمِ النبيِّ ﷺ على نَفْسِه: هل كان تحريمًا مجرَّدًا فتكونَ التَّحِلَّةُ متعلِّقةً بالتحريمِ المجرَّدِ، أو اقترَنَ بيمينٍ فتكونَ التَّحِلَّةُ. في الآيةِ على اليمينِ لا على التحريمِ: فمِن السلفِ: مَن قال: إنَّه حرَّم على نَفْسِهِ فجعَلَها اللَّهُ يمينًا ولم يكنْ معها يمينٌ؛ وهذا ظاهرُ قولِ الحسنِ وقتادةَ (١).

стр. 2158

ومنهم مَن قال: إنَّ النبيَّ ﷺ حلَفَ يمينًا مع تحريمِه؛ وهذا قولُ الشَّعْبيِّ ومسروقٍ وابنِ زيدٍ (١). وقد اختلَفَ العلماءُ في كفارةِ تحريمِ الحلالِ المجرَّدِ عن لفظِ اليمينِ: هل يَلزَمُ عليه كفارةٌ أو لا؟ ذهَب الحنفيَّةُ والحنابلةُ: إلى لزومِ الكفارةِ فيه؛ لِمَا تقدَّم حيثُ جعَلَ اللَّهُ تحريمَ الحلالِ يمينًا، ثمَّ جعَلَ له تَحِلَّةً، وله قال عمرُ؛ رواهُ عنه عِكْرِمةُ (٢)، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: "إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] "؛ رواهُ مسلمٌ (٣). وجاء عن ابنِ مسعودٍ (٤)، وعائشةَ (٥): أنَّ فِيه كفارةَ يمينٍ، وقد صحَّ هذا عن جماعةٍ مِن التابعينَ، منهم مسروقٌ والحَسَنُ وقتادةُ (٦). ويدُلُّ على ذلك: أنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا ذكَرَ تحريمَ الحلالِ، لم يرتِّبْ عليه حُكمًا؛ وإنَّما نَهَى عنه، ورتَّب الحُكْمَ على اليمينِ؛ سواءٌ كانتْ بلفظِ اليمينِ أو لفظِ الحرامِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، ولم يذكُرْ حُكْمًا غيرَ النهي، ثمَّ لمَّا ذكَر اليمينَ بعدَها، رتَّب عليها حُكْمَ الكفارةِ؛ فقال

стр. 2159

تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ الآيةَ [المائدة: ٨٩]، وجعَلَ كلَّ يمينٍ لفظًا وما قُصِدَ به اليمينُ معنًى، أخَذَ حُكْمَها في الكفارةِ، والصحابةُ لم يَجْعَلوا في الحرامِ سوى الكَفَّارةِ. وذهَب المالكيَّةُ والشافعيَّةُ: إلى أنَّ تحريمَ الحلالِ ليس فيه كفارةٌ حتى يكونَ بلفظِ الحَلِفِ باللَّهِ الصريحِ، واستُدِلَّ لذلك بما تقدَّم مِن أنَّ اللَّهَ نَهَى عن تحريمِ الحلالِ، ولم يُوجِبْ عليه كفارةً، ولمَّا ذكَرَ اليمينَ أَوْجَبَ فيها كفَّارةً، وأنَّ النبيَّ ﷺ حَلَفَ مع تحريمِهِ ولم يكنْ تحريمًا مجرَّدًا؛ كما جاء في قولِ الشَّعْبيِّ وقتادةَ -في روايةٍ- وزيدِ بنِ أسلَمَ (١)، والتَّحِلَّةُ في آيةِ التحريمِ على يمينِهِ، لا على تحريمِه. والأظهَرُ: وجوبُ الكفارةِ في التحريمِ؛ وذلك أنَّ المنعَ مِن الفعلِ بالتحريمِ كالمنعِ منه باليمينِ، وهو قولُ الصحابةِ، وليس بينَهم اختلافٌ، وأمَّا ما جاء عن بعضِ السلفِ: أنَّ النبيَّ ﷺ حلَفَ مع تحريمِه، فلا يَلْزَمُ القولَ بأنَّه حلَفَ أنَّ التحريمَ لا يكونُ يمينًا وَحْدَهُ عندَهم، ولكنَّ اليمينَ تصريحٌ وتأكيدٌ، وقد كان قتادةُ يَرْوِي أنَّ النبيَّ ﷺ حلَف مع تحريمِه، ومع ذلك يُوجِبُ الكفارةَ في التحريمِ، ومِن الرُّواةِ مَن ينقُلُ الحَلِفَ ويجعلُه هو معنى التحريمِ ومقتضاهُ، ولا يريدُ أنَّ النبيَّ ﷺ حلَفَ بنفسِهِ بلفظٍ مستقِلٍّ عن التحريمِ، وقد رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُه: فَصَيَّرَ الحَرَامَ يَمِينًا (٢). * * *

стр. 2160

* قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. لمَّا أطلَعَ اللَّه نبيَّه على ما تظاهَرَتْ به عائشةُ وحفصةُ، عرَّف النبيُّ ﷺ حفصةَ بعضَ ذلك، وأعرَضَ عن بعضِه الآخَرِ؛ أي: أخبَرَها بشيءٍ مِن أمرِها، ولم يُخبِرْها بشيءٍ آخَرَ. وفي هذا: أنَّ السُّنَّةَ التغافُلُ عمَّا لا يحسُنُ ذِكْرُه، أو ما كان ذِكْرُهُ يُحْيِيهِ ويُعظِّمُ شأنَ المذكورِ وهو دون ذلك، ويُكتفَى بذِكْرِ بعضِه، لِيَسْرِيَ العلاجُ على باقِيه. وقولُه تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، فيه: أنَّه مِن الحِكْمةِ أنَّ بعضَ الأمورِ لا يصلُحُ فيها التغافُلُ التامُّ المُشعِرُ بالغَفْلةِ والبلادةِ، بل يُبيَّنُ طرَفُها المُشعِرُ بالعِلْمِ، ويُكتَمُ القَدْرُ الذي لا حاجةَ إليه، أو كانتِ الحاجةُ إلى ذِكْرِهِ ضعيفةً، أو يكونُ ضررُ إخراجِهِ أشَدَّ مِن ضررِ كَتْمِه. والتغافُلُ ليس على مَرْتبةٍ واحدةٍ، بل هو على مَراتِبَ بحسَبِ الأمرِ الذي جاء فيه: فمِنَ الأمورِ: ما يُستحَبُّ التغافُلُ عنه بالكليَّةِ. ومنها: ما يُستحَبُّ أنْ يُبدِيَ بعضًا ويَكتُمَ الآخَرَ، ويَختلِفُ قَدْرُ ما يُبدِيهِ وما يُخفِيهِ؛ كلُّ حالهٍ بحسَبِها، وهذا يَرجِعُ إلى حِكْمةِ الإنسانِ وعِلْمِه، ومِن الناسِ: مَن يظُنُّ أنَّه إنْ كان ذا حقِّ، فله أن يُبدِيَ مِن حقِّه ما يشاءُ؛ مِن غيرِ نَظَرٍ إلى ما يُصلِحُ الأمرَ ولا ما يُفسِدُه.

стр. 2161

ويُعرَفُ العاقلُ بمِقْدارِ غَفْلتِه ومواضعِها، وكثيرٌ مِن الشرورِ علاجُها بالتعافُلِ، وذِكْرُها يُحْيِيهَا ويُذْكِيهَا حتى تعظُمَ وتسيطرَ. وللتغافُلِ ألمٌ عاجلٌ، ولذَّةٌ آجِلةُ؛ قال الأعمشُ: "السكوتُ جوَابٌ، والتغافُلُ يُطفِئُ شرًّا كثيرًا (١) ". وقد قال محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الخُزَاعيُّ: "سَمِعتُ عثمانَ بنَ زائدةَ يقولُ: العافيةُ عشَرةُ أجزاءٍ، تسعةٌ منها في التغافُلِ، ثمَّ قال: فحدَّثتُ به أحمدَ بنَ حنبلٍ، فقال: العافيةُ عشَرةُ أجزاءٍ، كلُّها في التغافُلِ" (٢). ويقولُ الشافعيُّ: "الكَيِّسُ العاقِلْ، هو الفَطِنُ المُتغافِلْ" (٣). وأحوَجُ ما يكونُ الإنسانُ إلى التغافُلِ مع مَنْ يُكثِرُ خِلْطَتَه؛ كالزوجةِ والولدِ والخادمِ وذوي الأرحامِ والأصحابِ والجِيرانِ، فلو تتبَّعَ الإنسانُ كلَّ ما يَجِدُ في نَفْسِه منه، لَمَا بَقِيَ له عمرٌ، ولم تصلُحْ له حالٌ، ويتحوَّلُ مِن فِتنةٍ إلى أُخرى. * * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩]. أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بجهادِ الكفارِ والمُنافِقينَ؛ وذلك أنَّهم أشدُّ أعداءِ الأُمَّةِ؛ فالكفارُ مِن خارجِها، والمُنافِقونَ مِن داخِلِها، وقد تقدَّم الكلامُ على جهادِ الكفارِ في مواضعَ، خاصَّةً سورةَ البقرةِ، وأمَّا جهادُ المُنافِقينَ، فقد تكرَّرت هذه الآيةُ بحروفِها في موضعَيْنِ: الأولُ في التوبةِ، الآية

стр. 2162

الثالثة والسبعين، والثاني هنا، وقد تقدَّم الكلامُ على جهادِ المُنافِقينَ وصُوَرِهِ في الموضعِ الأولِ في سورةِ التوبةِ؛ فلْيُنظَرْ. * * *

стр. 2163

سورة القلم سورةُ القلمِ مكيَّةٌ، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك، وإنَّما اختُلِفَ في بعضِ آياتِها (١)، وفي هذه السُّورةِ: بيانُ حُجَّةِ اللَّهِ على المشرِكِيِنَ بآياتِهِ وكَلِماتِه، ورَدُّ بُهْتانِهم باتِّهامِ نبيِّه وكتابِه، وكيدِهم ومَكْرِهم عليه وحُجَجِهم الباطلةِ، وذِكْرُ ما ينتظِرُهم يومَ القيامةِ مِن عذابٍ أليمٍ. * قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]. ذكَر اللَّهُ صفةَ بعضِ خصومِ النبيِّ ﷺ بمكةَ، وهو كثرةُ الحَلِفِ لإثباتِ باطلِهم وسترِ حُجَّتِهم الضعيفةِ، وكلَّما كانت الحُجَّةُ قويَّةً، كانتْ ناطقةً بإثباتِ نفسِها، لا تحتاجُ إلى أَيْمانٍ مغلَّظةٍ. وكان في العربِ تعظيمٌ للَّهِ وهم على شِرْكٍ، وكانوا يَمدَحونَ قليلَ الحَلِفِ به، الذي لا يجعلُهُ عُرْضَةً لكلِّ قولٍ؛ كما قال الشاعرُ: قَلِيلُ الأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ … وَإِنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتِ (٢) وقولُه تعالى: ﴿مَهِينٍ﴾؛ يعني: ضعيفَ الحُجَّةِ. وفي هذه الآيةِ: كراهةُ وذمُّ اتِّخاذِ اللَّهِ عُرْضةً عندَ كلِّ قولِ حقٍّ وباطلٍ، بالحَلِفِ والأَيْمانِ، وقد تقدَّم الكلامُ على دلك عندَ قولِهِ تعالى:

стр. 2164

﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]. ذكر اللَّهُ الهَمَّازَ، وهو كثيرُ الوقوعِ بأعراضِ الناسِ تصريحًا وتلميحًا، ذمًّا وقدحًا، وفي هذه الآيةِ تقبيحٌ لوصفَيْنِ: الأولُ: الغِيبَةُ؛ وهي في قولِه تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾، وقد فسَّرها بالغِيبَةِ جماعةٌ مِن السلفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ وقتادةَ (١)، وقد تقدَّم الكلامُ على الغِيبةِ وذمِّها، وعظيمِ أثرِها، والأحوالِ الضيِّقةِ التي تجوزُ فيها، عندَ قولِه تعالى في سورةِ الحُجُراتِ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [١٢]، وقولِهِ فيها: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [١١]. الثاني: النَّمِيمَةُ، وهي كبيرةٌ مِن كبائرِ الذنوبِ، والنميمةُ أعظَمُ مِن الغِيبةِ؛ لأنَّ الغِيبةَ وقوعٌ في العِرْضِ في غَيْبةِ المتكلَّمِ عنه عندَ مَن يَعرِفُه ومَن لا يَعرِفُه، ولا يَلْزَمُ قصدُ التفريقِ، وأمَّا النميمةُ، فهي الوقيعةُ في عِرْضِ أحدٍ عندَ مَن يَعرِفُه بقصدِ التفريقِ بينَهما؛ فأثرُ النميمةِ في إفسادِ الناسِ فيما بينَهم أشدُّ وأعظَمُ مِن الغِيبةِ، والغِيبةُ قد تقعُ مِن فلَتاتِ بعضِ الصالِحِينَ وزَلَّاتِهم؛ ولكنَّ النميمةَ لا تقعُ مِن صالحٍ ولو مِن فلتاتِ لِسَانِه؛ لأنَّ النميمةَ يَسبِقُها قصدٌ خبيثٌ متأصِّلٌ في النَّفْسِ، وهو قصدُ التفريقِ، وهذا القصدُ وحدَهُ لا يُوجَدُ في نفسٍ صالحةٍ، وأثرُ النميمةِ على الإيمانِ شديدٌ؛ ولهذا جاء في الوعيدِ في النَّمَّامِ ما لم يأت في المُغتابِ، بل جاء في النمَّامِ ما لم يأتِ في الكذَّابِ.

стр. 2165

وقد جاء في "الصحيحَيْنِ"، عن حُذَيْفةَ ﵁، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ) (١). وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بقبرَيْنِ، فقال: (أَمَا إِنَّهُمَا ليُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ، فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ ينْ بَوْلِهِ) (٢). وقال ﷺ : (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ )، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (فَشِرَارُكُمُ المُفْسِدُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، المَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ) (٣). * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ١٨]. ذكَر اللَّهُ حالَ أصحابِ الجَنَّةِ الذين بَخِلُوا بثمرِهم عن الفقراءِ، فقَصَدوا جَنَّتَهم ليَحْصُدوا حَبَّهم ويَصرِمُوا ثَمَرَهم قبلَ قدومِ الفقراءِ إليهم، وحمَلَهُمْ شِدَّةُ شُحِّهم وطمعِهم على الحَلِفِ على ذلك، ونَسُوا أن يَستثنُوا ويقولوا: (إنْ شاء اللَّهُ)؛ اعتمادًا على الأسبابِ، وغاب عن نفوسِهم مسبِّبُها، وهو اللَّهُ، فحَنَّثَهم اللَّهُ فأهلَكَ جَنَّتَهُمْ؛ كما قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ١٩ - ٢٠]. وقد قيل: إنَّ الاستثناءَ عندَهم كان تسبيحًا، ولذا قال عن أَوْسَطِهم: إنَّه قال لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]؛ قاله مجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وابنُ جُرَيْجٍ (٤).

стр. 2166

وقد فسَّر قولَه في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ بقولِ: "إنْ شاء اللَّهُ" غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كمجاهدٍ وابنِ جُرَيْجٍ (١)، وقال عِكْرِمةُ: لا يَستثنُونَ حقَّ المساكينِ (٢). وقد أخَذ محمدُ بنُ الحسنِ مِن هذه الآيةِ أنَّ القَسَمَ يمينٌ؛ لأنَّ الاستثناءَ لا يكونُ إلَّا في اليمينِ (٣)، ولكنَّ الاستثناءَ يكونُ مشروعًا في اليمينِ وفي غيرِها ممَّا يَعزِمُ الرجُلُ على فِعْلِهِ فيَعِدُ أو يُخِبِرُ به، إلَّا أنَّ الاستثناء يُبطِلُ اللازمَ على القَسَمِ كما يُبطِلُ اللازمَ على اليمينِ. * * *

стр. 2167

سورة المعارج سورةُ المَعارِجِ سورةٌ مكيةٌ، وحَكَى الاتِّفاقَ على ذلك جماعةٌ (١)، وخاطَبَ اللَّهُ فيها المعانِدينَ والمُستَكْبرِينَ مِن كفارِ قريشٍ وغيرِهم، وذكَّر بيومِ القيامةِ وما يَسبِقُهُ وما فيه وما بعدَهُ مِن أهوالٍ وعظائمَ، وذكَر اللَّهُ صفاتِ المُعانِدِينَ وصِفاتِ المؤمِنِينَ المصدِّقِينَ. * قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٢٣]. ذكَر اللَّهُ صِفاتِ المؤمنينَ، وأعظَمُها الصلاة الدائمةُ، ولم يقدِّمِ اللَّهُ على هذه الصِّفةِ شيئًا؛ لأنَّها أظهَرُ العلاماتِ عليهم، وأَدَلُّها على إيمانِهم بربِّهم، وقد فرَّق اللَّهُ بينَ المصلِّينَ وبينَ الذين هم على صلاتِهم دائمونَ؛ فليس كلُّ مُصَلٍّ يَحفَظُ صَلاتَه؛ فمِنهم مَن يؤدِّيها ولا يكونُ له إلَّا رفعُ الإثمِ وإسقاطُ الواجبِ، وقد تقدَّم الكلامُ على المُحافَظةِ على الصلاةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وتقدَّم الكلامُ على الخشوعِ في الصلاةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. * * *

стр. 2168

* قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥]. ذكَر اللَّهُ النفقةَ، وأنَّها أَخَصُّ صفاتِ المؤمنينَ المصلِّين، فذكَر الزكاةَ بعدَ الصلاةِ، وأكثَرُ أركانِ الإسلامِ -بعدَ الشهادتَيْنِ- تلازُمًا في الكتابِ والسُّنَّة: الصلاةُ والزكاةُ. ولم يُطْلِقِ اللَّهُ فضلَ الصدَقةِ هنا؛ وإنَّما خَصَّ اللَّهُ الذين يُنفِقونَ للسائلِ والمَحرومِ، وفيه شِدَّةُ التحرِّي على مَن يُنفَقُ عليه، وتفاوُتُ مَواضعِ الصدَقةِ، فالصَّدَقاتُ تتفاضلُ مِن جهاتٍ متعدِّدةٍ؛ منها مِن جهةِ صاحِبِها؛ فأعظَمُها أنفَسُها عندَه، ومِن جهةِ الفقيرِ ونفعِهِ بها وأثرِها على الناسِ في زمنِ الشِّدَّةِ والفقرِ والفاقةِ. والسائلُ: مَن طَلَبَ إلى الناسِ سَدَّ حاجتِه، وقد نَصَّ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ على أنَّ السائلَ لو كانَ صادقًا لم يُفْلِحُ مَن رَدَّهُ. والمحرومُ: هو المُحارَفُ الذي فيه قُوَّةٌ ولكنَّه لا يَجِدُ عملًا يَتكسَّبُ منه، وقد تقدَّم الكلامُ عليه في أثناءِ تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١]. مدَح اللَّهُ المصلِّينَ والمنفِقِينَ والذين يَخشَوْنَ ربَّهم ويَحفَظونَ

стр. 2169

فُرُوجَهم، وقد تقدَّم الكلامُ على ما تضمَّنَتْهُ هذه الآيةُ مِن حُكْمِ حِفْظِ الفَرْجِ مِن جميعِ ما يحرُمُ عليه، عندَ نظيرتِها في صَدْرِ سورةِ المؤمنونَ. * * *

стр. 2170

سورة المزمل سورةُ المُزَّمِّلِ سورةٌ مكيَّةٌ، ولم يُختلَفْ في ذلك (١)، وكانتْ خطابًا للنبيِّ ﷺ في مكةَ في بدايةِ نزولِ الوحي عليه، إلَّا قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠]، فقد تأخَّرَ نزولُهُ عن أولِ السُّورةِ على خلافٍ في موضعِه؛ فقيل: بمكةَ، وقيل: بالمدينةِ؛ كما قالَهُ ابنُ عبَّاسٍ (٢) وعطاءٌ، وفي هذه السُّورةِ توجيهُ النبيِّ ﷺ إلى العبادةِ، وصِفةُ التعامُلِ مع الوحي المنزَّلِ عليه. * قال اللَّه تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢ - ٤]. أمَر اللَّهُ نبيَّه بقيامِ الليلِ وهو ما زال بمَكَّةَ وفي أولِ نزولِ الوحي؛ وهذا يدُلُّ على فضلِ صلاةِ الليلِ وعبادةِ الخَلَواتِ؛ فهي مِن أعظَمِ المثبِّتاتِ للعبدِ، وما مِن نبيٍّ مِن الأنبياءِ إلَّا أمَره اللَّهُ بالعبادةِ قبلَ الرِّسالةِ؛ لأنَّ الأصلاحَ يَتْبَعُهُ شِدَّةٌ، والشِّدَّةُ تحتاجُ إلى ثَباتٍ، ولا يُثبِّتُ المُصلِحَ شيءٌ كتقويةِ صِلَتِه باللَّهِ بالعبادةِ؛ ولهذا قال اللَّهُ لنبيِّه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ثمَّ بيَّن سببَ ذلك: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥].

стр. 2171

وصلاةُ الليلِ أفضلُ النوافلِ؛ كما قال ﷺ : (أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ: الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) (١)، وإنَّما فضَّل اللَّهُ نافلةَ الليلِ على بقيَّةِ النوافلِ لأمورٍ؛ أعظَمُها: الأولُ: أنَّ الليلَ هو وقتُ نزولِ الخالقِ سبحانَهُ إلى السماءِ الدُّنيا، ويبسُطُ يدَهُ ويستجيبُ لمَن دعاهُ أسرَعَ وأعظَمَ مِن بقيَّةِ الأوقاتِ؛ كما في الصحيح، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ قال: (يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ فلا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ) (٢). الثاني: أنَّ الليلَ محلُّ غفلةِ الناسِ وغفوتِهم، والعبادةُ فيه يخلو بها العبدُ بربِّه؛ وهذا أعظَمُ في خُلُوِّ القلبِ وتجرُّدِه وصِدْقِ لجوئِهِ إلى ربِّه، وعبادةُ الخَفَاءِ أعظَمُ مِن عبادةِ العَلَانِيَةِ، ولا يكادُ يشوبُ عبادةَ قيامِ الليلِ رِياءٌ وسُمْعةٌ كما يشوبُ عبادةَ العلانيَةِ في النهارِ. الثالثُ: أنَّ في قيامِ الليلِ تثبيتًا للعبدِ وعونًا له مِن ربِّه أشَدَّ مِن غيرِه مِن العباداتِ؛ ولهذا جعَلَهُ اللَّهُ لنبيِّه أولَ أمرٍ في تعبُّدِه لربِّه مِن أركانِ أعمالِهِ. وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، فيه: أنَّه لا يُشرَعُ قيامُ الليلِ كاملًا، فلم يَشرَعْهُ اللَّهُ لنبيِّه ﷺ ولا لغيرِه؛ حيثُ إنَّ اللَّهَ جعَلَ الليلَ سُباتًا ومَنَامًا وسَكَنًا، وفطَرَ البشرَ على ذلك، ويُستثنى مِن ذلك ما كان اعتراضًا كالأزمِنةِ الفاضلةِ؛ كالعَشْرِ الأواخرِ مِن رمضانَ. وفي "الصحيحَيْنِ" قصةُ النَّفَرِ الثلاثةِ الذين سألوا عن عبادةِ النبيِّ ﷺ ، وأنَّهم تَقَالُّوها حتى إنَّ أحدَهم قال: أنا أقومُ ولا أنامُ، فقال

стр. 2172

النبيُّ ﷺ : (لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ. . . فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي) (١). قولُه تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾: السُّنَّةُ في قيامِ الليلِ: عدمُ قيامِهِ كلِّه؛ وإنَّما يقومُ بعضَه، وأفضَلُهُ آخِرُه، والسُّنَّةُ: أن ينامَ أولَهُ ويقومَ في نصفِهِ الأخيرِ قَدْرَ الثُّلُثِ منه؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ ؛ أنَّه قال: (أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، ويَصُومُ يَوْمًا، وَيُفطِرُ يَوْمًا) (٢). وقد كان النبيُّ ﷺ ينامُ أولَ الليلِ حتى ينتصِفَ، وقد جاء ذلك في أحاديثَ كثِيرةٍ، ومنها: ما رواهُ ابن عبَّاسٍ في مَبِيتِه عندَ خالتِه ميمونةَ، وفيه قال: "نَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ -أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيِلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ- ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسَ، فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ معَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي" (٣). وفيهما: أنَّه كان يقومُ إذا سَمِعَ الصارخَ، كما روى مسروقٌ قال: سألتُ عائشةَ ﵂: أيُّ العملِ كان أَحَبَّ إلى النبيِّ ﷺ ؟ قالتِ: الدَّائِمُ، قال: قلتْ: فأيَّ حينٍ كان يقومُ؟ قالت: "كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ" (٤)، والمرادُ بذلك هو صِياحُ الدِّيكِ. وأولُ ما يَصرُخُ الدِّيكُ نصفُ الليلِ غالبًا، وربَّما قبلَهُ بقليلٍ، وقد رَوى أحمدُ، وأبو داودَ، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:

стр. 2173

(لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ؛ فَاِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ) (١). ويُستحَبُّ أنْ يكونَ الوِتْرُ آخِرَ الليلِ، وإنْ أوتَرَ أيَّ وقتٍ منه، فلا حرَجَ؛ كما رَوى مسروقٌ؛ قال: قلتُ لعائشةَ: متى كان يُوتِرُ رسول اللَّهِ ﷺ ؟ قالتْ: "كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ؛ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَوَسَطَهُ، وَآخِرَهُ، وَلَكِنِ انْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ إِلَى السَّحَرِ" (٢). * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]. أمَر اللَّهُ نبيَّه بقيام الليلِ في صَدْرِ السورةِ؛ تثبيتًا له عندَ الشدائدِ وما يَلْقاهُ مِن قومِه مِن شِدَّةٍ؛ فإنَّ أعظَمَ الحبالِ مع الخالقِ يَنسِجُها العبدُ بالعبوديَّةِ للَّهِ تُثبِّتُهُ وتُقوِّيهِ وتُنجِيهِ ويَكفِيهِ بها اللَّهُ، ثمَّ أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بالصبرِ على ما يراهُ ويسمعُهُ ويجدُهُ منهم مِن الأذى. وقولُه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾: أمَر اللَّه نبيَّه بمُفارَقةِ المشرِكِينَ، والبُعْدِ عنهم، وعدمِ مقابلةِ أذاهم بمِثْلِه، وقد قال بعضُ السلفِ كقتادةَ: "إنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ يسورةِ براءةَ؛ حيثُ أمَر اللَّهُ بقتالِهم" (٣)، ومَن كانتْ حالُه كحالِ النبيِّ ﷺ حالَ نزولِها، فحُكمُهُ كحُكْمِه، وإنَّما قال قتادةُ بالنَّسْخِ؛ لأنَّ حالَ النبيِّ ﷺ تغيَّرتْ، فتغيَّرَ الحُكْمُ تَبَعًا لذلك، ولم يَرفَعِ اللَّهُ حُكْمَ الهَجْرِ الجميلِ بذاتِهِ عندَ الحاجةِ إليه، وقد تقدَّم الكلامُ

стр. 2174

على مسألةِ الهَجْر وأحوالِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]. * * * * قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠]. كان النبيُّ ﷺ ومَنْ معه مِن أصحابِه يقومونَ تارةً ثُلُثَي الليلِ، وتارةً نِصْفَه، وتارةً ثُلُثَه؛ وذلك لمَّا أمَر اللَّهُ له ابتداءً، وقد لَقِيَ الصحابةُ مِن ذلك شِدَّةَ ومشقَّةً، فخفَّف اللَّهُ عنهم في ذلك، وجعَلَ قَدْرَ ما يقومونَهُ بحسَبِ ما تيسَّرَ لهم مِن غيرِ أمرٍ، وقد رَوَى سعدُ بن هشامٍ؛ قال: انْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ، فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا، فَدَخَلْنَا، قُلْتُ: أَنِبِئنِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: "أَلَسْتَ تَقْرَأ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]؟ "، قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: "فَإِنَّ اللَّهَ افتَرَضَ القيامَ فِي أَوَّلِ هَذ السُّورَةِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، حَتَّى انْتَفَحَتْ أَقدَامُهُمْ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ التَّخفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ" (١). والتخفيفُ ظاهرٌ في الآيةِ في قولِه تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ

стр. 2175

عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، فذكَر القرآنَ؛ لأنَّه هو أطولُ ما بصلاةِ الليلِ، وتُسمَّى الصلاةُ قرآنًا؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، ويُسمَّى القرآنُ صلاة كذلك؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ يعني: قراءتَك. ودَلَّ على وجوبِ قيامِ الليلِ أولَ الأمرِ قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، والمرادُ بالإحصاءِ: الطاقةُ، ثمَّ رفَع الحرَجَ بالتوبةِ على التارِكِ. وقد بيَّن اللَّهُ سببَ عُذْرِهِ لعِبادِهِ بذلك في قولِهِ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ وذلك لأنَّ مِن الناسِ مَنْ يكونُ مريضًا أو يحتاجُ إلى نشاطٍ في نهارِه ليتكسَّبَ ويطلُبَ الرِّزْقَ، وطولُ قيامِهِ الليلَ يُزاحِمُ نشاطَهُ في النهارِ. وإسقاطُ اللَّهِ لنافلةِ الليلِ لا يُسقِطُ فريضةَ الصلاةِ، وحتى لا يُظَنَّ ذلك قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ يعني: الفريضةَ. ثمَّ رغَّب اللَّهُ في تقديمِ العملِ الصالحِ وعدمِ التكاسُلِ عنه، فهو قرضٌ يكونُ وفاؤُهُ يومَ القيامةِ بعظيمِ الأجرِ والثوابِ؛ كما قال: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * * *
следующие страницы →