← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٦٦) التفسير والبيان لأحكام القرآن تأليف عبد العزيز بن مرزوق الطريفي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين المجلد الأول [البقرة]

стр. 2

التَّفسِيْرُ وَالبَيَان لِأَحكَامِ القُرآن (١)

стр. 3

جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهَاج بالريّاض الطبعَة الأولى ١٤٣٨ هـ مكتبة دار المِنهَاج للنشر والتَّوزيع المملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة - الرّيَاض المركز الرئيسي - الدّائري الشرقي - مَخرَج ١٥ - جنوب أسوَاق المجد ت: ٤٤٥٦٢٢٩ - فاكس: ٤٩٦٢٠١٤ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرّياض: ١١٥٥٣ الفرُوع - طريق خالد بن الوليد (إنكاس سَابقًا) ت: ٢٣٢٣٠٩٥ مكة المكرمة - الجميزة - الطريق النازل للحَرَم - ت: ٥٧٦١٢٧٧/ ٠٢ المَدينَة النَّبويَّة - أمَام الجَامِعَة الإسلامية من جهة الجنوب - ت: ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤ حِسَاب الدَّار في مَوقع تويتر: Alminhajj@

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ المُعتَنِي بالكِتَابِ الحمد لله وحدَه، والصلاةُ والسلام على مَن لا نبيَّ بعدَه، نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبه، أَمَّا بَعْدُ: فإنَّ الله أنعَمَ على الأُمة بالقرآن؛ لأنَّ به قوامَها وسعادتَها وثباتَها وعِزَّها ونَصرَها، وقد سمَّى الله القرآنَ وما فيه مِن شرائعَ وأحكامٍ نِعمةً؛ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، ومن سُنَّة اللهِ أنه لا يُعظِّمُ النِّعمةَ إلا مَن عَرَف قَدْرَها، وقد جعلَ الله القرآنَ أعظَم ما يُفرَح به وخيرًا مما يجمَع مِن المادِّيَّاتِ كالأموال مِن الذَّهَبِ والفِضَّة وغيرِهما، ومن المعنَوِيَّاتِ كالأفكارِ والنُّظُم والقوانين، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. ولا يخفى على مُسلمٍ فضلُ القرآنِ العظيم لمَن يَقصِدُ نَيْلَ الأحكامِ الشرعية والغوصَ في دلالاتِها، ولا يَتأهلُ المتعلِّمُ إلا بمعرفةِ أقوى أدلَّةِ التشريع، وهو هذا الكتابُ العزيزُ.

стр. 5

وغيرُ خافٍ على متعلِّمٍ أنَّ أعلَى مراتِبِ الاحتجاجِ وأقوى الأدلةِ هي حُجَجُ القرآنِ وأدلَّتُه، ومِن القُصورِ في المتعلِّمِين أن تكونَ الحُجةُ في القرآنِ ظاهرةً ثم يتحاوزها إلى الاستدلالِ بما دُونَه، وقد حَرَص السلفُ وأئمةُ الخَلَفِ على إبراز أدلةِ الأحكام مِن القرآن، ببن متوسِّعٍ ومختَصِر، وقابِضٍ في الاستنباط وباسِط، حتى لم يَخْلُ مَذهبٌ مِن مصنَّفٍ في هذا الباب. وإنَّ مِن إعجازِ القرآن صلاحَه لكُلِّ زمان ومكانٍ ولكلِّ جِيل، وقد كَثُرت المصنَّفاتُ في أحكام السُّنَّةِ وفقهِها في هذا العصرِ، ولكنَّ المصنفاتِ في تفسيرِ أحكام القرآن قليلةٌ، وقد كانَتِ الحاجةُ إلى الكلام على أحكامِ القرآن واستنباطِ آياته في أبواب الفقهِ وسائرِ الأحكام وخاصَّةً ونحنُ في زمنٍ كَثُرت نوازِلُه التي نحتاجُ إلى بيانِ أدلَّتِها مِن القرآن وإتباعِ ذلك بحُجَجِها مِن السُّنة والأَثَر. وقد دارَسْتُ شيخَنا عبدَ العزيزِ الطريفيَّ القرآنَ فعرضْتُ عليه القرآنَ أربعَ مراتٍ بدءًا مِن رمضانَ عامَ أَلْفٍ وأربعِ مئةٍ واثنينِ وثلاثينَ، للهجرةِ النبويَّةِ، وأملَى عليَّ آياتِ الأحكام، ثُم فَسَّرَها في مجالسَ لطُلابِ العلمِ، أَوَّلُها في التاسِعَ عشرَ مِن شهرِ شوَّالٍ مِن عام ألفٍ وأربع مئةٍ واثنينِ وثلاثينَ، وأَتَمَّ تفسيرَ أحكامِ القرآن في أكثَرَ مِن مئةٍ وعشرينَ مجلسًا. وقد بَسَط القولَ على كلِّ الآيات المتعلِّقةِ بأحكام التكليفِ الخَمْسة، فشَمِل التفسيرُ أحكامَ الفقهِ بقِسمَيْه العباداتِ والمعامَلاتِ، والآدابِ والأخلاقِ والسياسةِ الشرعيةِ في أحكام التعامُل مع الناسِ موافِقِينَ ومُخالفِين، مؤمِنِين ومنافِقِين وكافِرِين.

стр. 6

وقد توسَّعَ قي الكلامِ فتجاوَزَ المنطوقَ إلى المفهوم، والاستنباطَ إلى الاستطراد، وقد جُمِع هذا التفسيرُ كُل مجلِسٍ في يَوْمِه. والحمدُ لله على عَوْنِه وتوفيقِه وتيسيرِه على تمامِه، ونَفَع به وبِشَارِحِه وجامِعِه، وصلَّى الله وسَلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِه.

стр. 7

مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين، أوْجَدَ الخَلْقَ وتَكَفَّلَ بهم، وجَعَلَ لهم عقولًا تَهْدِيهِم إلى دُنْياهُم ووَحيًا يَهْدِيهم إلى دِينِهم، رَبِّ الآخِرَةِ والأُولَى، لا يستَحِقُّ العبادةَ إلا هُو، ولا يستحِقُّ كمالَ الشُّكرِ والحمدِ غيرُهُ، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا المصطَفَى بالرسالةِ، خيرِ البَرِيَّةِ وإمامِ الحَنِيفِيَّة، المخصوصِ بالوحيِ المحفوظِ مِن التبديلِ والتحريفِ، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أَمَّا بَعْدُ: فإنَّ نِعمةَ الهدايةِ إلى معرفةِ الله وأوامرِهِ ونواهِيهِ وامتثالِها أعظَمُ النِّعَم؛ إذ لا خَصِيصَةَ فارِقَةٌ بينَ الإنسانِ والحيوانِ إلا بتلكَ النِّعْمَة، ومَن حُرِمَ ذلك استَوَى مع الحَيَوانِ بالاستِمْتَاعِ، ولا فارِقَ بينَهم إلَّا أنَّ كلَّ واحِدٍ يَعْمُرُ دُنياهُ بما يُناسِبُ كمالَ تَلَذُّذِه ومُتْعَتِه فيها، وكُلُّ جِنْسٍ بَصِيرٌ بنَفْسِه, بلْ إنَّ كثيرًا مِنَ الحيوانِ أكثَرُ مُتعةً في الدُّنيا مِن الإنسانِ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢]، وامتَازَ الحيوانُ بأنَّه لا يُحاسَبُ على مُتعتِه فقالَ: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، ومِن هذا قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وأَوْلَى ما يَجِبُ الوقوفُ عندَه مِن القرآنِ: مَعرِفةُ أوامِرِه ونواهِيه وأحكامِه، فمَن عَرَف أحكامَ اللهِ في كتابِه وتأمَّلَ ما فيها مِن إحكام، ودقيقِ انتِظَام، وعَظِيمِ المصالِحِ وجَلِيلِ المَقَاصِد؛ وَجَدَ في قَلْبِه مِن

стр. 8

الإيمانِ باللهِ والتسليمِ والخُضُوعِ والتعظيمِ له أعظَمَ ممَّا يَجِدُه في الآياتِ الكَوْنِيَّةِ المُشاهَدَةِ كالسَّمَواتِ والأَرْضِ والنُّجُومِ والكواكِبِ والسَّحَابِ، وقد سَمَّى الله أحكامَهُ مواعِظَ؛ فقد قال تعالى بعدَمَا ذَكَرَ آياتِ الطَّلَاقِ: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال بعدَ آباتِ الظِّهَارِ: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣]، وقال بعدَ آياتِ القَذْفِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور: ١٧]، ولَمَّا ذَكَرَ اللهُ أوامِرَهُ لبَنِي إسرائيلَ قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]؛ وذلكَ أنَّ الأحكامَ فيها مِنَ المَوْعِظَةِ والعِبْرَةِ وعظيمِ المنفَعَةِ لمَنْ تأَمَّلَها، وإنَّ الفَقِيهَ بأحكامِ القُرآنِ يَجِدُ في قَلْبِه مِنَ الإيمانِ واليَقِينِ بمِقدارِ فِقْهِهِ وبَصَرِه فيها؛ لِمَا يَرَى مِن إِحْكامِ الأَحْكامِ ما لا يُمكِنُ ورودُهُ الا مِن خالِقٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ، وقد قال التابعيُّ الحارِثُ بنُ يَعْقُوبَ: "إنَّ الفَقِيهَ كُلَّ الفَقِيهِ مَن فَقُهَ في القُرآن، وعَرَفَ مَكِيدَةَ الشَّيْطَان" (١). وأَحْكامُ الإسلامِ موجودةٌ في القُرآنِ بالإِجْمالِ، ولكنْ مِنها ما يَظْهَرُ بأَدْنَى نَظَرٍ؛ لِجَلَاءِ النصِّ فيهِ، ومِنها ما يحتاجُ إلى جلاءِ نَظَرٍ؛ لِخَفَاءِ النَّصِّ فيه، وتلكَ مُوازَنةٌ عَكسِيَّةٌ: إذا بَرَزَ الحُكمُ قَلَّتِ الحاجةُ للبَصِيرةِ، وإذا خَفِيَ الحُكمُ عَظُمَتِ الحاجةُ إليها، وإلَّا فالحُكمُ موجودٌ بالنصِّ أو الاستِنباطِ، وهذا مِنَ المُرادِ بقولِه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].

стр. 9

وإذا عَمِيَتِ البَصَائِرُ عن الحُجَجِ كانَ حالُها كحالِ البَصَرِ الأَعْمَى عنِ الطَّرِيق، وإذا أخَذَ الإنسانُ العاقل العارِفُ بلُغَةِ القُرآنِ بأمرَيْنِ؛ فَهِمَ منه ما لا يَفْهَمُه غيرُه، وفَتَحَ اللهُ عليه ما لم يَفْتَحْهُ على غيرِه: الأَمْرُ الأَوَّلُ: حُسنُ القَصْدِ في طَلَبِ الحَقِّ؛ فإِنَّ اللهَ لم يُنزِلْ كتابَه إلَّا شِفاءً لأمراضِ الصُّدورِ وعِلَلِها، ومَن نَظَرَ في القُرآنِ بالهَوَى فسَبَقَ نَظَرَهُ مَرَضُ قَلْبِه: زَاغَ، فيُبَصَّرُ بما يوافِقُ هَوَاه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، فهُم زاغُوا وبَيَّتُوا الغَيَّ فزادَهُمْ غَيًّا وزَيْغًا. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤, ١٢٥]، وقال تعالى في هذا المعنَى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، فالرِّجْسُ والمَرَضُ والزَّيْغُ موجودٌ فيهم بعِلْمِهم قبْلَ نَظَرِهم في القُرآن، فزادَهُم نَظَرُهم رِجْسَا ومَرَضًا وغَيًّا، واللهُ لا يَقذِفُ في قلبِ الصادقِ غَيًّا إذا نَظَرَ في القُرآن، فهو شفاءٌ لِمَن حَسُنَ قَصْدُه، ولكنْ مَن لا يُوجَدُ الخيرُ في قَلْبِه تُحْرَمُ بصيرَتُه الفَهْمَ؛ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، ولأَجْلِ هذا السَّبَبِ يَزِيغُ بعضُ مَن يَقرَأُ القُرآنَ ويَعرِفُ الحديثَ؛ انحَرَفَتْ نِيَّتُه فانحَرَفَ فَهْمُه. الأَمْرُ الثَّانِي: إدامةُ البَصَرِ وإطالةُ التأَمُّلِ في القُرآن؛ فإنَّ مَعانِيَ

стр. 10

القرآنِ وحِكَمَهُ وأدلَّةَ أحكامِهِ لا تُحصِيها عقولٌ ولا تُحيطُ بها فُهُوم، وقد دَعَا اللهُ إلى التَّفَكُّرِ في القُرآنِ وتأَمُّلِ آياتِه وتَدَبُّرِها؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، والتَّدَبُّرُ بابُ القلوبِ، كُلَّمَا اتَّسَعَ الفَتْحُ اتسَعَ الذي يَدْخُلُه مِن المَعَاني؛ ولهذا شَبَّهَ اللهُ تارِكَ التدبُّرِ بمُقْفَلِ القلبِ؛ قال تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وإذا كان القلبُ مُقفَلًا فلن ينتفِعَ الإنسانُ بالسمعِ والبَصَر. وقد كانَ السلَفُ يَحُثُّونَ على تدبُّرِ القرآنِ والتأَنِّي في قراءَتِه لاستخراجِ ما فيه، وخاصَّةً أدلَّةَ الأحكام، ويَظُنُّ بعضُ الناسِ أنَّ أدلَّةَ أحكامِ القُرآنِ والقرائنَ عليها أُحْصِيَتْ ودُوِّنَتْ؛ وهذا غَلَطٌ؛ فالثابِتُ والمُحصَى هي أحكامُ الدِّينِ، فلا جَدِيدَ في الدِّينِ بعدَ انقِطاعِ الوَحْيِ، وإنَّما بَقِيَ مِن وُجوهِ الاستدلالِ مِن الوحي قَدْرٌ لا ينقَطِعُ، وقد قالَ ابنُ مسعودٍ في ذلك: "إِذَا أردتُّمُ العِلْمَ فأَثِيرُوا القُرآنَ؛ فإِنَّ فِيهِ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ" (١)، و"أَثِيرُوا"؛ يعني: نَقِّرُوا عنه، وتَفَكَّرُوا في معانِيهِ وتفسيرِه. وقد رُوِيَ عنِ الرَّبِيعِ صاحِبِ الشافعيِّ قولُه: "قَلَّمَا كُنتُ أَدْخُلُ على الشافعيِّ ﵀ إلَّا والمُصْحَفُ بينَ يَدَيْهِ، يَتَتَبَّعُ أحكامَ القُرآنِ" (٢). وقد كانَ الأئمة يَرَوْنَ مِنَ القُصُورِ الاستِدلالَ بما دُونَ القرآنِ إذا كانَ الدليلُ فيه واضحًا، فأَوَّلُ مَن يستحِقُّ اسمَ أهلِ القرآنِ الوارِدَ في

стр. 11

قولِه ﷺ : (أَهْلُ القُرْآنِ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ) (١): هُمْ أعلَمُ الناسِ بمواضعِ أحكامِه منه، وأكثَرُهُم تدبُّرًا وتأمُّلًا لمَعانِيه، ومِن الغَلَطِ حَصْرُ أو تقديمُ حَسَنِ الصَّوتِ بذلك الاسمِ والفَضْلِ على مَن يعرِفُ معانِيَهُ ويعرِفُ أدلَّةَ أحكامِ الله مِن كتابِه؛ فأَحَقُّ الناسِ باسمِ "أهلِ القرآن"، و"أَهْلِ الله وخاصَّتِه": مَن عَرَفَ حدودَ القرآنِ وحروفَه وأقامَهما، ثم يَلِيه: مَن عَرَفَ حُدُودَه وأقامَها، ثُم مَن عَرَفَ حروفَه وأقامَها. وفي كتابِ "أحكام القُرآن" للشافعيِّ فصلٌ في التحريضِ على تعلُّمِ أحكامِ القُرآن، وقال: "إنَّ مَن أَدْرَكَ عِلمَ أحكامِ الله في كتابِه نَصًّا واستِدلالًا، ووَفَّقَهُ اللهُ للقَوْلِ والعَمَلِ لِمَا عَلِمَ مِنه، فازَ بالفضيلةِ في دِينِه ودُنْيَاه، وانتَفَتْ عنه الرِّيَبُ، ونَوَّرَتْ في قَلْبِه الحِكمةُ، واستَوْجَبَ في الدِّينِ موضِعَ الإمامةِ" (٢). السُّنَّةُ مُفَسِّرَةٌ للقُرآن: ولا يتمَكَّنُ صاحبُ عقلٍ لبيبٍ مِن معرفةِ تفاصيلِ أحكامِ القرآنِ حتَّى يتمَكَّنَ مِنَ السُّنَّة؛ فإذا جَمَعَ تلك القواعِدَ فقَدْ جَمَعَ العِلمَ، كما قال أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: "أصولُ الإسلامِ أرْبَعةٌ: دَالٌّ، ودَلِيلٌ، ومُبَيِّنٌ، ومُسْتَدِلٌّ؛ فالدَّالُّ: اللهُ تعالى، والدَّلِيلُ: القُرآنُ، والمُبَيِّنُ: الرَّسُولُ ﷺ قال اللهُ تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]- والمُسْتَدِلُّ: أُولُو

стр. 12

الأَلْبَابِ وأُولُو العِلمِ الذين أَجْمَعَ المسلمونَ على هِدَايَتِهِم ودِرَايَتِهم" (١) , ولا يُقبَلُ الاستِدلالُ إلَّا مِمَّنْ كانَت هذه صِفَتَه. وقد سُئِلَ أحمدُ عن قولِهِم: "السُّنَّةُ قاضيةٌ على الكِتابِ"؟ فقال: "ما أَجْسُرُ على هذا، ولَكِنِ السُّنَّة تُفَسِّرُ الكتابَ وتُبَيِّنُهُ" (٢). وكُلَّما كانَ اللَّبِيبُ عارِفًا بالقُرآنِ والسُّنَّةِ، كانَت حاجَتُه إلى الرأيِ أَضْيَقَ، وإنَّما تَوَسَّعَ أهلُ الرأيِ في الدِّينِ برَأْيِهم لقِلَّةِ معرِفَتِهم بالنُّصُوصِ، فاحتاجُوا للرَّأْيِ لسَدِّ مكانِ الحُجَّةِ لإثباتِ الأحكام، والخَبِيرُ العارِفُ بالنُّصوصِ ودلالاتِها لا يَلجَأُ إلى ذلك إلا في أضيَقِ الأحوالِ، كما قال ابنُ تيميَّة: "وقَلَّ أن تُعْوِزَ النُّصوصُ مَن يكونُ خبيرًا بها وبدلالاتِها على الأحكامِ" (٣). ومعرفةُ السُّنَّةِ تكونُ بالتوسُّعِ في جَمْعِ أحاديثِ الأبوابِ، ومعرفةِ مواضِعِها ومنازِلِها في الاستِدلالِ، والمُحكَمِ والمُتَشابِهِ، والناسِخِ والمنسوخِ، والعامِّ والخَاصِّ، والمُطلَقِ والمُقَيَّدِ، والقَطْعِيِّ والظَّنِّيِّ دلالةً وثبوتًا، ومعرفةِ عددِ أحاديثِ البابِ ومقارَنَتِها بما يشابِهُها مِن الأبوابِ، وسببِ زيادةِ هذا على هذا، وعمومِ البَلْوَى، وأحكامِ العِبادةِ والآدابِ والإرشادِ، وتمييزِ مراتب الثُّبوتِ، قال أحمدُ وإسحاقُ: "إذا لم يَعْرِفِ الصحيحَ والسَّقِيمَ والناسِخَ والمنسوخَ مِن الحديثِ لا يُسَمَّى عالِمًا" (٤).

стр. 13

والمتشابِهاتُ في الوحيِ هي جِهادُ العُلماءِ؛ لأنَّ ذلك مِنِ ابتِلاءِ العُقولِ الذي جَعَلَهُ اللهُ اختِبارًا للمَقاصِدِ والنِّيَّاتِ، وإخراجًا لمَكنُونِ النُّفُوس، فبذلكَ يتمايَزُ الصادِقُ مِن صاحبِ الهَوَى، فمَصَارِعُ العلماءِ عدَ المتشابِهاتِ قَبْلَ المُحْكَمَاتِ. ولَمَّا كانَ القرآنُ عامًّا في غالِبِه، والسُّنَّةُ مُفَصَّلَةً في عمومِها، وجَبَ على الناظِرِ في القُرآنِ الإحاطةُ بمعاني الآيةِ مِن السُّنَّةِ، وتَحَرِّي تفسيرِها مِن القرآنِ؛ فإنَّ القرآنَ يُفَسِّرُ بعضُه بعضًا، ويُبَيِّنُ بعضُه بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: "يُشْبِهُ بعضُه بعضًا، ويُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، ويَدُلُّ بعضُه على بعضٍ" (١). وبنحوِ هذا أو معناهُ قال الحَسَنُ وعِكرِمةُ وقَتادةُ (٢)، وقد قالَ ابنُ عبَّاسٍ: "كِتَابُ اللهِ مَثَانٍ، ثَنَّى فيه الأَمْرَ مِرَارًا" (٣). ولإحكامِ القُرآن كانَ نَسْخُ أحكامِه منه بنَفْسِه، ولا يكاد تُنْسَخُ آيةٌ مِنَ القرآنِ إلا بمِثْلِها، ويُؤَيِّدُها الحديثُ والأَثَرُ، وإنْ كانَتِ السُّنَّةُ تُقَيِّدُ القرآنَ وتخصِّصُه وتُبَيِّنُه وتُفَسِّرُه، كما قال أحمدُ: "لا يَنْسَخُ القرآنَ إلا قُرآنٌ يَجِيءُ بعدَهُ، والسُّنَّةُ تفسِّرُ القُرآن" (٤). وبنحوِ هذا قال الشافعيُّ وغيرُه. وإذا كانَتِ السُّنَّةُ لا تَنسَخُ القرآنَ عندَهم، فقولُ الصحابيِّ مِن بابِ أوْلَى، وأولَى منه: التابعيُّ.

стр. 14

معرفةُ أقوالِ الصحابةِ والتابعينَ: ولا غِنًى للمفسِّرِ عن كلامِ السلفِ صحابةً وتابعينَ، فقد فضَّلَهُمُ اللهُ على مَن بعدَهُم، وفيهم مِن فَصاحةِ اللِّسانِ وقُوَّةِ البيانِ ما ليسَ فيمَن بعدَهم، مع ما هُم عليه مِن الصِّدْقِ والدِّيَانةِ والحِيَاطةِ في الكلامِ، والتحرِّي في تفسيرِ كلامِ الله أَشَدُّ مِن غيرِه، وقد رَوَى أحمدُ - كما في "العلل" - عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ قال: "أَدْرَكتُ بالمدينةِ رِجالًا، فرأيْتُهم يُعَظِّمُون القولَ في التفسيرِ ويهابُونَه، مِنهم القاسِمُ وسالِمٌ ونافِعٌ" (١). وفي الصحابةِ مِن شِدَّةِ التوثُّقِ في التفسيرِ ما ليس في التابعينَ، مع فَضْلِهم وتزكيةِ النبيِّ ﷺ -لهم، فلم يَحْمِلْهُم ذلك على الجَسَارَةِ على الفُتْيَا والقولِ بالظَّنِّ، وكانوا أشَدَّ الأُمَّةِ مشاوَرَةً ومراجَعَةً لبعضِهم في كلِّ نازِلةٍ، كما قالَ المُسَيَّبُ بنُ رافِعٍ: "كان الصحابة إذا نَزَلَتْ بِهِم قَضِيَّةٌ؛ ليس لرسولِ الله ﷺ فيها أَثَرٌ؛ اجتَمَعُوا لها وأَجمَعُوا"؛ رواه الدارِمِيُّ (٢). ولهذا كان قولُ الصحابةِ في صدرِ أقوالِ الأُمَّةِ، ومَن بَعدَهم تَبَعٌ لهم، فكُلُّ صوابٍ هُم أوْلَى الناسِ به، وكُلُّ خَطَإٍ هُم أَقَلُّ الناسِ حَظًّا فيه، ولم يُتَّهَمْ واحدٌ بالجُرْأَةِ على تفسيرِ كلامِ الله، والقولِ فيه بالتَّوَهُّمِ؛ لشِدَّةِ تعظيمِهم للهِ ولكلامِه والقولِ عليه بلا عِلْمٍ، وقد قال ابنُ أبي زَيْدٍ القَيْرَوَانِيُّ - كما في "الذب عن مذهب مالك" -: "وما عَلِمْتُ أنَّ أحدًا مِن أهلِ السُّنَّةِ تجاسَرَ على أنَّ صاحِبًا لرسولِ الله خالَفَ ظاهِرَ كتابِ الله" (٣)

стр. 15

وكان أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ يرى أنَّ الأخذَ بظاهِرِ الآيةِ بلا دلالةٍ مِن السُّنَّةِ ولا قولِ أحدٍ مِن الصحابةِ: أنَّه تأويلُ أهلِ البِدَعِ، كما قال: "مَن تأوَّلَ القرآنَ بلا دلالةٍ مِن رسولِ الله ﷺ ولا أحدٍ مِن الصحابةِ فهو تأويلُ أهلِ البدع؛ لأنَّ الآيةَ قد تكونُ خاصَّةً ويكونُ حكمُها حكمًا عامًّا، ويكونُ ظاهِرُها في العمومِ وإنما قُصِدَت لشيءٍ بعَيْنِه، ورسولُ اللهِ ﷺ المعبِّرُ عن كتابِ اللهِ وما أرادَ، وأصحابُه أعلَمُ بذلك منَّا؛ لِمُشَاهَدَتِهم الأمرَ وما أُريدَ بذلك" (١). ولم يَكُنِ الصحابةُ ﵃ على مرتَبَةٍ واحدةٍ في العلمِ، كما أنَّهم لَيْسُوا على مرتبةٍ واحدةٍ في الفَضْلِ، والتفاضُلُ بينَهم بالمَنْزِلَةِ والمكانةِ شيءٌ، وتفاضُلُهُم في العِلْمِ شيءٌ آخَرُ، ومنِهم مَن كان تَقَدُّمُه في العِلمِ كتَقَدُّمِه في الفَضْلِ، كالخُلَفَاءِ الراشِدِينَ الأربعةِ؛ فقد جَمَعُوا السَّبْقَيْنِ: سَبْقَ العلمِ، وسَبْقَ الفَضْلِ، ومنهم مَن يتأَخَّرُ على غيرِه بالفضلِ ولكنَّه يسبِقُه بالعلمِ، كابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ وغيرِهما من الصحابةِ؛ فهُم قد يَفْضُلُونَ بعضَ العَشَرةِ المُبَشَّرِينَ بالجَنَّةِ في العِلم، وذلك فَضْلٌ مِن اللهِ يَقسِمُه بينَ عبادِه، فيُهَيِّئُ لبعضِهم أسبابًا تُقَدِّمُه على غيرِه من وجهٍ ويُقدِّمُ غيرَه عليه مِن وجهٍ، وإذا اختلَفَ الصحابة في حكمٍ مِن أحكامِ القرآنِ، وتساوَوْا منزِلةً بلا مُرَجِّحٍ، فيُقَدَّمُ القولُ الذي ذهَبَ إليه ابنُ عبَّاسٍ؛ لأنَّه مِن أكثَرِ الصحابةِ مشاوَرَةً لهم، ولدعاءِ النبيِّ ﷺ له، قال ابنُ عبَّاسٍ: "إنْ كنتُ لَأَسْأَلُ عنِ الأمرِ الواحدِ ثلاثين مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ " (٢).

стр. 16

ويُيَسَّرُ في شرطِ الأخذِ بأقوالِ الصحابةِ في التفسيرِ عن شرطِ المرفوعِ إلى النبيِّ ﷺ ؛ لاختلافِ قُوَّةِ الاحتجاجِ والتَّبِعَةِ في الوَهمِ والغَلَطِ، ويُشَدَّدُ في مَرْوِيَّاتِ الأحكامِ مِن الحلالِ والحرامِ ولو كانَتْ في سياقِ التفسيرِ، بخلافِ مَرْوياتِ تفسيرِ معاني الألفاظِ وأسبابِ النُّزُولِ؛ لأنَّ الحُكمَ يُشَدَّدُ فيه ولا يُفَرَّقُ في سياقِه ولو كان في ثَنَايا التاريخ أو السِّيرةِ أوِ المَغَازِي أو التَّفسير؛ لبناءِ الحُكمِ عليه، وأمَّا بَقِيَّةُ التفسيرِ فَأمْرُه دونَ ذلك، كما بَيَّنَّاهُ مُفَصَّلًا في رسالةِ (التَّقْرِير، في أسانيدِ التَّفْسِير). أَنْسابُ القولِ: ويَتأَكَّدُ على المفسِّرِ أن يتتَبَّعَ أُصولَ الأقوالِ وأنسابَها، حتى لا يَقَعَ في الأخذِ بقولٍ مَهْجُورٍ، أو بقولٍ لم يُسبَقْ إليه؛ فإنَّ للأقوالِ أنسابًا تتسَلْسَلُ كأنسابِ الرِّجَال، والحَقُّ لا ينقَطِعُ؛ فلا بُدَّ له مِن قائِلٍ ولو لم يَكُنْ مشهورًا، ورُبَّما كان مِن السلَفِ مَن قالَ بقولٍ شاذٍّ ثُم تُرِكَ القولُ وعُذِرَ القائلُ، فذاكَ قولٌ مهجورٌ لا ينبَغِي اعتبارُه مِن السلَفِ السابقِ؛ لأنَّها زَلَّةٌ متروكةٌ بدلالةِ هَجْرِها؛ لأنَّ السَّلَفَ أهلُ عِلمٍ ودِيانةٍ لا يُطْبِقُونَ على تركِ قولٍ مُعتَبَرٍ ويَهْجُرُونَه إلا وعَلِمُوا مُخالفَتَه الدليلَ. ومِن التَّلْبِيس على بعضِ المتعَلِّمِينَ أنُ عَطَّلُوا الاقتداءَ بالأئمَّةِ بحُجَّةِ تعظيمِ الأَدِلَّةِ؛ فاستَنْبَطُوا مِن النُّصُوصِ معانيَ لا قائِلَ بها، وهذا أشَدُّ مِنَ الأَخْذِ بالأقوالِ المهجورةِ؛ فتلكَ مَبْتُورةُ الأنسابِ، وهذه لا أَنْسابَ لها وإن تَوَهَّمُوا أنَّها تنتَسِبُ للدليلِ؛ فالدليلُ قد مَرَّ بخَيْرِ عقولِ الأُمَّةِ وقلوبِها، فإذا لم تَحْرُجْ عقولُهم وقلوبُهم بقولٍ منه فهو عَقِيمٌ، فليسَ كُلُّ الأدلَّةِ يولَّدُ منها أقوالٌ.

стр. 17

وقد ظَهَرَ في الأزمِنَةِ المتأخِّرَةِ أقوالٌ شاذَّةٌ من هذا البابِ؛ بحُسْنِ قَصْدٍ مِن أقوامٍ، وسُوءِ قَصدٍ مِن آخَرِينَ، ودَخَلَ الضَّلَالُ والانحِرافُ في الدِّين، وخُرِقَ إجماعُ السلَفِ والأئمَّة؛ لإشباعِ أهواءِ أفرادٍ وجماعاتٍ وحُكَّام! وقد قابَلَ هذه الفِئَةَ طائفةٌ غَلَتْ في التقليدِ، فلا تَرَى الخُروجَ عن مَذهَبِ إمامِها، فتَرَى نَسَبَ أقوالِه أصَحَّ أنسابِ الأقوال، ولو كان الدليلُ مع غيرِها ظاهرًا، فهؤلاءِ قَدَّمُوا الرِّجَالَ على الأدلَّةِ، وأُولئِكَ أَخَذُوا الأدلَّةَ بلا رجالٍ! والأئمَّةُ وأتباعُهم لم يقولُوا بأقوالٍ لِيَتَعَصَّبَ لها الناسُ فيُقَلِّدُوهم ويَتْرُكُوا الأدلَّةَ، فقد قال أبو حنيفةَ لأبي يوسُفَ، والشافعيُّ للرَّبِيع، وأحمدُ لولَدِه عبدِ الله، ومالكٌ لابنِ القاسِمِ: "إذا صَحَّ الحديثُ فخُذْ به واتْرُكْ قَوْلِي" (١)، وحادَتْ طائفتانِ عن الصَّوَابِ وتوَهَّمُوا التعارُضَ بين فِقهِ الأدِلَّةِ وفِقهِ الأئمَّة، وكُلُّها مسالِكُ للتعليمِ لا للتعصُّبِ، ففِقْهُ الأئمةِ إنَّما خرَجَ مِن رَحِمِ الأدلَّةِ، وعلى العالِمِ تمحيصُ تلك الأدلَّةِ: صِحَّةً وضَعفًا، وظُهورًا وخَفاءً، وعمومًا وخُصوصًا، ونَسْخًا ومَنْسُوخًا، وإطلاقًا وتقييدًا، وقَطْعًا وظَنًّا، ونصًّا وفَهْمًا. ومعرفةُ الأدلَّةِ لا يعني هَجْرَ مَذاهِبِ الأئمَّةِ والتمَذْهُبِ على طرائِقِهِم في التَّفَقُّهِ بلا تعصُّبٍ، ولا يعني عدمَ الخُروجِ عن التقليدِ لِمَنْ مَلَكَ القُدرةَ على التحرير.

стр. 18

وقد كان الإمامُ أحمدُ أكثَرَ الأئمَّةِ الأربعةِ جمعًا للحديثِ والأَثَرِ، وكتابُه "المُسْنَدُ" ومَرْوِيَّاتُه في السُّؤَالاتِ والفضائِلِ والزُّهدِ والوَرَعِ والعِلَلِ والرِّجَال: دالَّةٌ على ذلك، ولا يُنازِعُه في ذلك أحَدٌ، وهو آخِرُ الأئمَّةِ الأربعةِ وفاةً، وتحصَّلَ له مِن معرفةِ قولِ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ ما لم يتحَصَّل لهم مِن معرفةِ قولِ بعضِهم لبعضٍ، ويليه الشافعيُّ بَصَرًا بقولِ مالِكٍ وأبي حَنِيفة، فعَرَفَ أحمدُ أقوالَ الصحابةِ والتابعينَ، وأقوالَ أئمَّةِ المذاهبِ قَبْلَ أن تَظْهَرَ مذاهِبُهم، وكانَتْ كَثرةُ مرويَّاتِ أحمدَ للحديثِ والأَثَرِ سببًا في كفايةِ أتباعِ مذهَبِه عن جمعِ الأدلَّةِ على أقوالِه، بخلافِ غيرِه؛ كما احتاجَ أَتْباعُ الشافعيِّ إلى جمعِ أدلَّةِ مذهَبِه كما فَعَلَ البيهَقِيُّ في كتابِه "السُّنَن والمَعْرِفَة"، وكما احتاجَ أَتْباعُ أبي حنيفةَ إلى جمعِ أدلَّةِ مذهَبِهِ كما فَعَلَ أبو يُوسُفَ ومحمَّدُ بنُ الحسَنِ في الآثارِ وغيرِها، وكالطَّحَاوِيِّ في كتابِه "مُشْكِلِ الآثارِ"، و"شرح معاني الآثار"، وكان أَتبْاعُ مالكٍ أكثَرَ أصحابِ المذاهب الأربعةِ عنايةً بآياتِ الأحكامِ وجمعًا لها، وكان أتباعُ الشافعيِّ أكثر أصحابِ المذاهبِ الأربعةِ عنايةً بأحاديثِ الأحكامِ وجمعًا لها، وكُلُّ مَذْهَبٍ له فَضْلٌ على غيرِه في بابٍ دُونَ بابٍ. والمنقولُ عن الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ في أخذِ الأحكامِ مِن آياتِ القرآنِ قَدْرٌ ليس بالقَلِيل، وهو مَنْثُورٌ في مسائِلِه والنُّقولِ عنه، وعامَّتُه في مواضِعِه مِن هذا الكتابِ، وللقاضي أبي يَعْلَى كتابٌ في أحكامِ القرآنِ؛ يَذْكُرُه ويَنْقُلُ منه الطُّوفِيُّ وابنُ اللَّحَّامِ وغيرُهما، وأبو يَعْلَى إمامٌ في المذهَبِ ونُصوصِ الإمامِ واختلافِها، ولكنَّه قليلُ النظرِ في عِلَلِ الحديثِ ورجالِه؛ ولهذا وَقَعَ الاحتجاجُ بأحاديثَ واهِيَةٍ وضعيفةٍ.

стр. 19

ومذهَبُ أحمدَ في تفسيرِه لأحكامِ القرآنِ وغيرِها ظاهِرٌ في سؤالاتِه، ونُقولِ أصحابِه عنه، كاستدلالِه بدليلِ الخِطَابِ في قولِه تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ فنَقَلَ ابنُ هانِئٍ عنه أنَّه أَخَذَ مِن هذه الآيةِ أنَّ المُسْلِمَةَ لا تكشِفُ رأسَها عندَ نِساءِ أهلِ الذِّمَّةِ (١)، ومِثلُه: تحريمُه ذَبِيحةَ المَجُوسِيِّ وصيدَه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ لكَوْنِ المَجُوسِ ليسوا أهلَ الكِتَاب (٢)، وأنَّ الغُرَابَ والسَّبُعَ يَقْتُلُه المُحْرِمُ ولا كَفَّارَةَ عليه لقولِه : ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذه لا تُسَمَّى صَيْدًا (٣). ومذهَبُه: الوُقوفُ على العُمومِ المُستَغْرِقِ للجِنسِ في القُرآن وَالبَحْثُ عن مُخَصِّصٍ له، كما تَوَقَّفَ في عمومِ اليَدِ والوَلَدِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقولِهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، فقد نَقَلَ ابنُه عبدُ اللهِ - ونحوَه صالِحٌ - قولَه: ". . . نَقِفُ عندَ الوَلَدِ حَتَّى يُنزِلَ اللهُ تعالى ألَّا يَرِثَ قاتِلٌ ولا عَبْدٌ ولا مُشْرِكٌ، فلَمَّا عبَّرَتِ السُّنَّةُ معنَى الكتابِ فقال رسولُ الله ﷺ : (لَا يَرِثُ مُسْلِمٌ كَافِرًا، وَلَا كَافِرٌ مُسْلِمًا) (٤)، وقال: (لَا يَرِثُ القَاتِلُ) (٥) -: لم يُعْلَمِ الناسُ اختلَفُوا في أنَّ العبدَ لا يَرِثُ، وإنَّما قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 20

(مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ) (١)؛ فكان مالُ العَبْدِ إنَّما هو لسَيِّدِه وليس له فيه مِلكٌ" (٢). وكان يُخصِّصُ عمومَ القرآنِ بعَمَلِ الصحابةِ، ويَرَى أنَّ ذلك التخصيصَ هو معنَى الآيةِ، كما نقَلَهُ عنه ابنُهُ صالِحٌ في "مسائِلِه"، ومِن ذلك: فُتْيَاهُ بأنْ يَتَسَرَّى العَبْدُ، مع أنَّه قِيلَ له: إنَّ اللهَ يقولُ ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦، والمعارج: ٣٠]؛ فأَيُّ مِلكٍ للعَبْدِ؟ ! فقال أحمدُ: "القُرآنُ نَزَلَ على أصحابِ النبيِّ ﷺ وهم يَعْلَمُون فيمَ أُنْزِلَ وقالُوا: يَتَسَرَّى العبدُ" (٣). فجَعَلَ قولَ الصحابةِ مُؤوِّلًا لظاهِرِ الآيَةِ. وكان يأخُذُ بالإبهامِ ويحتاطُ في ذلك؛ كما أَخَذَ بحُرمَةِ المرأَةِ على الرجُلِ لمُجَرَّدِ العَقْدِ على ابْنَتِها، وحُرمةِ الزَّوجةِ على أَبِي الزوجِ وإن لم يَدْخُلِ الزوجُ بها؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ. . . وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] (٤)، ومِثْلُ ذلك: حُرمةُ زوجةِ الأَبِ على الولَدِ لمُجَرَّدِ العَقْدِ بلا دُخولٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، كما نقَلَهُ عنه ابنُهُ عبدُ الله (٥)، وكان أحمدُ يقولُ: "المُبْهَمَاتُ ثَلَاثٌ"؛ يعني: أُمَّ الزَّوْجَةِ، وزَوْجَةَ الأَبِ، وزَوْجَةَ الوَلَدِ (٦).

стр. 21

وعندَ احتمالِ الآيةِ العمومَ والخُصوصَ، نَقَلَ عنه عبدُ اللهِ الأخذَ بالعُمومِ، كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]؛ قال أحمدُ: "ما كان في الجاهليَّةِ فظاهِرُها يحتَمِلُ أن يكونَ أَبُوه وجَدُّه وجَدُّ أَبِيه، وقال بعضُ الناسِ: وكذلك أَبُو أُمِّهِ لا يتزَوَّجُ امرَأَتَه" (١). وكان أحمدُ رُبَّمَا خَصَّصَ عامَّ السُّنَّةِ بخاصِّ القرآنِ، كما في قِصَّةِ أبي جَنْدَلٍ (٢)؛ وذلك لَمَّا تصالَحَ النبيُّ ﷺ على أنْ يَرُدَّ للمشرِكِينَ مَن جاءَهُم مؤمِنًا، فرَدَّ النبيُّ ﷺ الرِّجَالَ ولم يَرُدَّ النِّسَاءَ مع كونِ صُلْحِه عامًّا؛ وفي ذلك قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (٣). وكان يُخصِّصُ عُمومَ القرآنِ بفِعلِ النبيِّ ﷺ كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ فجَعَلَ القُرْبَ: الجِمَاعَ؛ لفِعلِ النبيِّ ﷺ مع أزواجِهِ ونومِهِم في لِحَافٍ واحدٍ (٤). وكان يخصِّصُ عمومَ الآيةِ بالقِياس، كما في قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فكان أحمدُ يقولُ بأنَّ الرجلَ إذا قَذَفَ زوجتَه بعدَ الثلاثِ وله منها ولدٌ يريدُ نَفْيَه: أنَّه يُلَاعِنُ، فقِيلَ له: إنَّ اللهَ يقولُ

стр. 22

﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، وهذه ليست بزَوْجِه؟ ! (١)، فاحتَجَّ أحمدُ بأنَّ الرجلَ يُطلِّقُ ثلاثًا وهو مَرِيضٌ فتَرِثُه؛ لأنَّه فَارٌّ مِن المِيراثِ وهذا فارٌّ مِنَ الوَلَد. وقدِ اختلَفَ قولُ أحمدَ فيما إذا كانَ في الآياتِ الجِنسُ واحدًا والسببُ مختلِفًا على روايتَيْنِ: روايةٍ ببناءِ المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ كما في قولِه في العِتْقِ بالظِّهَار، فيرى أنَّ الرَّقَبَةَ مؤمِنَةٌ مثلَ كفارةِ القَتْلِ، وروايةٍ ألَّا يُبْنَى المُطْلَقُ على المُقَيَّدِ ويُحْمَلَ المُطْلَقُ على إطلاقِه، كما في حدِّ اليَدِ في التيمُّمِ وحَدِّها في قَطْعِ السَّرِقَةِ، فلم يَجْعَلْ أحمدُ التَّيَمُّمَ إلى المرفقَيْنِ؛ لكونِه بدلًا عنِ الوضوءِ وهو إلى المرفقين (٢)، وجَعَلَ حَدَّ السرقةِ إلى الكَفِّ؛ لأنَّ اللهَ ذَكَرَ اليَدَ في الوضوءِ فحَدَّهَا إلى المرفقَيْنِ وأَطْلَقَها في التيمُّمِ والقَطْعِ؛ فدلَّ على أنَّه إنْ لم تُحَدَّ فهي إلى الكَفِّ (٣). ولأَحْمَدَ مسالِكُ في التفسيرِ، تُعْرَفُ بالتتَبُّعِ والنَّظَرِ، ولا يجمَعُها بابٌ ولا يَحُدُّها موضِعٌ، وهذا الكتابُ جَمْعٌ لآيات الأحكامِ وتفسيرِها، على سبيلِ التوسُّطِ، لا البَسْطِ والتَّوَسُّع، ومِن اللهِ يُستمَدُّ العَوْنُ والتوفيقُ والتسديدُ. عبد العزيز الطريفي خاتمةَ صَفَر، عامَ ستةٍ وثلاثينَ وأربعِ مئةٍ وأَلْف

стр. 23

سُورَةُ البَقَرَة سورةُ البَقَرَةِ سورةٌ مَدَنِيَّةٌ، كما قالَه ابنُ عباسٍ وابن الزُّبَيْرِ، وقد حكَى غيرُ واحدٍ الإجماعَ على هذا، وقد قالَ أحمدُ: "أربَعُ سُوَرٍ نَزَلَتْ بالمدينةِ: البقرةُ، وآلُ عِمرانَ، والنِّساءُ، والمائدة". وجاء النهيُ عن تَسمِيَتِها سورةَ البقرةِ في حديثٍ لا يَصِحُّ، وفي "المسنَدِ" وغيرِه؛ أنَّ النبيَّ ﷺ نادَى أصحابَه، فقال: (يَا أَصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَةِ)، وفي "الصحيحَيْن" قال ابنُ مسعودٍ: "هذا مَقامُ الذي أُنزِلَتْ عليه سورةُ البَقَرةِ"، وكانَ شِعَارُ الصحابةِ والتابِعِينَ يومَ قِتالِ المرتَدِّين: (يَا أصحابَ سورةِ البقرةِ). وقد تَضَمَّنَتْ سورةُ البقرةِ أحكامًا كثيرةً في الطَّهَارةِ والصلاةِ والصِّيام والحَجِّ والزَّكاةِ، والحُدُودِ والتعزِيرِ، والنِّكاحِ والطَّلاقِ والعِدَدِ والرَّضَاعِ، والمُتْعَةِ، والمعامَلَاتِ والوَصَايا، وفيها مِن قَصَصِ الأنبياءِ وغَيرِهِم للاتِّعاظِ والعِبْرَة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. أخبَرَ اللهُ تعالى ملائكتَهُ بأنَّه سبحانَهُ سيَجْعَلُ خليفةً في الأرضِ، والخليفةُ هو العامرُ لها، ويخلُفُهُ مِن ذريَّتِهِ خلفاءُ يتتابَعونَ تناسُلًا جيلًا بعدَ جيلٍ إلى ما شاء اللهُ.

стр. 24

الحكمةُ من الخلقِ والاستخلافِ: وإنَّما ذكَرَ اللهُ هذه الآيةَ بعدَ آيةِ خلْقِ السمواتِ والأرضِ، وعطَفَها عليها بالواوِ؛ ليبيِّنَ تسلسُلَ العملِ، وأنَّ الحقائقَ لا تَرْسَخُ في الأذهانِ إلا بذِكْرِ مَبْدَئِها مُتسلسِلًا؛ وبذلك تَقْوَى القناعاتُ، ويحصُلُ التسليم، ولِيُثْبِتَ سبحانَهُ لعبادِهِ أنَّ هذه المخلوقاتِ: الشمسَ والقمرَ، والأفلاكَ والأرضَ، خُلِقَتْ للإنسانِ المستخلَفِ وتدبيرِ شأنِهِ، وهذا إكرامٌ لبني آدمَ، وعبادةُ الإنسان لهذه المخلوفاتِ تنكيسٌ لمقادير الخليقةِ؛ فمَن عبَدَ الشجرَ والحَجَرَ والكواكبَ مِن دونِ اللهِ - وهي مخلوقةٌ له - لم يَعْرِفِ الحِكْمةَ مِن الخلْقِ، وإنَّما عبَدَ شيئًا خُلِقَ لأجلِهِ، وهذا مع كونِهِ جهالةً عقليَّةً، فهو ضلالةٌ في الشريعةِ وشِرْكٌ في حقِّ اللهِ سبحانه. سبب ضلال الناس: ومن أعظمِ ما يُوقِعُ الإنسانَ في الخطإِ والشرِّ: جهلُهُ بمقاديرِ الأشياءِ وقِيَمِها؛ فجهلُ الإنسانِ بنفسِهِ وبغيرِهِ، وذَهَابُ الحِكْمةِ مِن إيجادِهِ عنه، يجعلُهُ يَتَّجِهُ إلى غيرِهِ بنظرٍ خاطئٍ، ومعرفتُهُ بنفسِهِ وجهلُهُ بغيرِهِ كذلك؛ فمَن عرَفَ الأشياءَ على الحقيقةِ، عدَلَ في نفسِهِ معها، ومَن جَهِلَ قيمةَ سلعةٍ باعَها ببَخْسٍ. وسببُ الشرِّ في بني آدمَ هو إعراضُهم عمَّا عَرَّفَ اللهُ به المخلوقاتِ، وعن مَنْزِلتهم عندَها، فوقَعُوا في أنواعِ الشركِ؛ خوفًا ومحبةً، وطاعةً وعبادةً، ورجاءً وغيرَ ذلك. ولذا قال في أوائلِ الآياتِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٨, ٢٩]، فبدَأَ يَرجِعُ الإنسانَ ويعرِّفُهُ بما نَسِيَهُ مِن أصلِهِ وأصلِ غيرِهِ؛ ليَعرِفَ الحقائقَ والأصولَ على وجهِها، وأنَّ اللهَ أمَرَ الملائكةَ بالسجودِ لآدمَ؛ فكيفَ يسجُدُ بنو آدَمَ لِحَجَر؟ !

стр. 25

وقولُهُ تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: التخالُفُ هو التعاقُبُ على الشيءِ، والخَلْفُ: ما وراءَ الشيءِ؛ قال تعالى: ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وفي الحديثِ في "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ في دعاءِ السَّفَرِ: "أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ" (١)، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]. إِذَنْ: فالخليفةُ هو: الذي يأتي بعد غيرِهِ؛ والبَشَرُ يتخالَفُونَ على ما هم فيه مِن سُكْنَى الأرضِ وعِمارتِها، وتدبيرِ الشأنِ العامِّ والخاصِّ، وعلى الأمرِ والحُكْمِ؛ ولذا سُمِّيَ الأميرُ: "خليفةً". وقد كان أبو بكرٍ يسمَّى خليفةَ رسولِ اللهِ، وكذلك عمرُ؛ قال عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: "لو أَطَقْتُ الأذانَ مع الخِلِّيفَى، لأَذَّنْتُ"؛ يعني: الخلافةَ؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، وابنُ أبي شَيْبةَ (٢). قال ابنُ جريرٍ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ منِّي يخلُفُني في الحُكْمِ بين خَلْقي (٣). وذلك الخليفةُ هو آدمُ ومَن قامَ مقامَهُ في طاعةِ اللهِ والحُكْمِ بالعَدْلِ بينَ خلْقِهِ وأمَّا الإفسادُ وسفكُ الدماءِ بغيرِ حقِّها، فمِن غيرِ خلفائِه. الحكمةُ من التأميرِ، وحكمُهُ: ومِن هذا يُؤخَذُ وجوبُ التأميرِ على الجماعةِ؛ لأنَّ تخالُفَ البشرِ

стр. 26

مجرَّدًا علامةُ فسادِهم، وهذا ما قصدَتْهُ الملائكةُ في قْولِهم مستفهِمينَ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؟ ! لأنَّ الجِنَّ سبَقُوا البشرَ في الأرضِ، فأفسَدُوا واقتتَلُوا؛ روى ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ، وغيرُهما، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ؛ في قولِهِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، إلى قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]؛ قال: خلَقَ اللهُ الملائكةَ يومَ الأربِعاءِ، وخلَقَ الجِنَّ يومَ الخميسِ، وخلَقَ آدمَ يومَ الجُمُعَةِ؛ فكفَرَ قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تَهبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانتِ الدماءُ بينَهم، وكان الفسادُ في الأرض، فمِن ثَمَّ قالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾؛ كما أفسَدَتِ الجنُّ، ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ كما سَفَكُوا (١). ورُوِيَ هذا عن الضَّحَّاكِ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢). وإنَّما كان الفسادُ لازمًا عن وجودِ الاستخلافِ؛ لأنَّ البشرَ المستخلَفِينَ يتناسَوْنَ ما يقعُ مِن خطإِ آبائِهم، فيتكرَّرُ فيهم ما سبَقَ في غيرِهم، بخلافِ مَن يعمَّرُ ويخلَّدُ دائمًا بلا استخلافٍ، فإنَّ الخطأَ يقَعُ منه مرةً ولا يتكرَّرُ غالبًا؛ لأنَّه يَذكُرُهُ بنفسِهِ، ويذوقُ ألمَهُ بحواسِّه. ثمَّ إنَّ مَن يُستخلَفُ يُنازِعُ غيرَهُ على البقاءِ، ويتشبَّثُ بأسبابِه، ويخافُ مِن الموتِ ويترقَّبُهُ، ويهرُبُ من أسبابِه؛ ليدومَ بقاؤُهُ أطولَ؛ لهذا نشَأَ في البشرِ الحسدُ والكذبُ والتدليسُ والسرقةُ والقتلُ منازَعَةً لسلامةِ الحياةِ والبقاءِ فيها. ولا يستقيمُ حالُ بني آدمَ إلا بخليفةٍ يحكُمُ بالعدلِ؛ ولهذا نجدُ أنَّ كلَّ فسادِ الناسِ يكونُ بخروجِهم عن حُكْمِ اللهِ، وحُكْمُ اللهِ لا بدَّ له مِن قائمٍ به، وهو الخليفةُ؛ فالفسادُ يتحقَّقُ بخروجِ الخليفةِ عن حُكْمِ اللهِ، وبخروجِ المحكومِ عن حكمِ الخليفةِ إذا حكمَ بحكمِ اللهِ وبما لا يُنافِيه. ومِن الوجوهِ على وجوبِ التأميرِ: أنَّ اللهَ أمَرَ الناسَ بالاجتماعِ،

стр. 27

ونَهَى عن التفرُّقِ والوَحْدةِ؛ ففي "السننِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: (يَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَدَّ شَدَّ إِلَى النَّارِ) (١). وروى أحمدُ، وأبو داودَ، عن أبي الدَّرْدَاءِ؛ قال: قال ﷺ : (عَلَيْكَ بِالجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ) (٢). والوَحْدة يستقيمُ أمرُ الإنسانِ بها بلا فسادٍ غالبًا؛ لأنَّ الفسادَ يتحقَّقُ باجتماعِهِ مع غيرِهِ، كما يحصُلُ الزِّنى والسرقةُ والقتلُ والغِيبةُ وغيرُ ذلك، ومع هذا فقد أمَرَ اللهُ بالاجتماعِ؛ لأنَّ منافعَ الاجتماعِ أكثرُ من مضارِّهِ، ولا بدَّ لهذه المفاسدِ الناشئةِ عن الاجتماعِ من حُكمٍ يضبِطُ، ونظامٍ يحكُمُ. ودفعُ الفسادِ لا يكونُ إلا بإمامٍ عَدْلٍ؛ لذا وجَبَ التأميرُ على الناسِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ لأنَّ أمرَ الجماعةِ لا يصلُحُ إلا بذلك، وتُدفَعُ له المشاحَّةُ فيما بينَهم؛ وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ. وتتحقَّقُ الوِلَايةُ من وجهَيْنِ: أولًا: ثبوتُ النصِّ من الوحيِ بذلك، والنصُّ: إمَّا أنْ يكونَ عامًّا، أو خاصًّا - والخاصُّ رُفِعَ بانقطاعِ الوحيِ -: أَمَّا النصُّ الخاصُّ: فكثبوتِ خلافةِ أبي بكرٍ؛ فإنَّ خلافتَهُ دلَّ عليها الدليلُ الصحيحُ؛ لأمورٍ ليس هذا مَحَلَّ بسطِها. وإمامةُ الصلاةِ في الصدرِ الأولِ كانت للإمامِ الأعظمِ، وقد كان النبيُّ ﷺ يقدِّمُ أبا بكرٍ فيها، وإذا أرسَلَ سَرِيَّةً، جعَلَ الأميرَ يصلِّي فيهم، وهكذا بنبغي للمسافرِينَ أنْ يصلِّيَ فيهم أميرُهم؛ ففي "المصنَّفِ" لعبدِ الرزَّاقِ، عن مُهاجِرِ بنِ ضَمْرَةَ؛ قال: اجتمَعَ أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، فقال سعيدٌ لأبي سَلَمةَ: حدِّثْ؛ فإنَّا

стр. 28

سنَتَّبِعُكَ، ففال أبو سلمةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ، فَلْيَؤُمَّهُمْ أقْرَؤُهُمْ، فَإِنْ كَانَ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا، فَإِذَا أمَّهُمْ فَهُوَ أَمِيرُهُمْ)؛ قال أبو سَلَمةَ: فذاكُم أميرٌ أمَّرَهُ رسولُ اللهِ ﷺ (١). وأمَّا النصُّ العامُّ: فكقولِهِ ﷺ : (الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ) (٢). فإذا اسْتَوَى إمامانِ في أحقيَّةِ الخلافةِ، فالقرشيُّ يقدَّمُ على غيرِ القرشيِّ بالنصِّ. وإنَّما عُرِفَتْ إمامةُ أبي بكرٍ بالاستفاضةِ المعنويَّةِ، وقد تجتمعُ القرائنُ وتستفيضُ؛ فتكونُ كالنصِّ الواحدِ الصريحِ، وإنَّما لم يذكُرِ النبيُّ ﷺ اسمَ الخلافةِ صريحةً بعدَهُ لأبي بكرٍ؛ لمنزلةِ الشُّورَى وتطييبِ نفوسِ الأمَّةِ باختيارِ واليها؛ ففي "المسندِ"، و"جامعِ الترمذيِّ"، عن عليٍّ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا أَحَدًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ، لأَمَّرْتُ ابنَ أُمِّ عَبْدٍ)؛ رواهُ أبو إسحاقَ، عن الحارثِ وعاصمِ بنِ ضَمْرةَ؛ كلاهُما عن عليٍّ، به (٣)، والمرادُ بابنِ أمِّ عبدٍ: عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ ﵁. وجوب الشورى في الولاية العامة: وأصلُ الوِلايةِ الشرعيَّةِ، والخِلافةِ النبويَّةِ: أنْ تكونَ بالشُّورى، ويُقابِلُها المُلْكُ والتغلُّبُ والغَصْبُ، وكلُّ ما كان في الخلفاءِ الراشدينَ فهو شُورَى. وأمَّا استخلافُ أبي بكرٍ لعمرَ، فقد كان استئناسًا بنصوصِ الوحيِ الدالَّةِ على فضلِهِ ومنزلتِهِ بعدَهُ، وتقديمًا له ليختارُوهُ، لا أنَّه ألزَمَهم به،

стр. 29

ففعلُهُ كالنصحِ الذي أخَذَت به الأُمَّةُ ولَزِمَتْه لمنزلةِ الناصحِ؛ ولذا يُشرَعُ للخليفةِ الصالحِ أنْ ينصَحَ مستخلِفًا بعدَهُ لا ملزِمًا للناسِ به؛ حتى لا يختَلِفُوا ويقتتِلُوا عليه؛ ولذا روى البخاريُّ عن عمرَ بنِ الخطابِ؛ قال: "مَنْ بايَعَ رجلًا على غيرِ مشورةٍ مِن المسلِمينَ، فلا يُتابَعُ هو ولا الذي بايَعَهُ؛ تَغِرَّةً أن يُقْتَلَا" (١)؛ أيْ: حذَرًا مِن القتلِ والفتنةِ في المسلِمينَ بسببِ عدَمِ الشُّورى فيهم. ووصيةُ الإمامِ ونصحُهُ لمَن بعدَهُ يكونُ على صورتَيْنِ: الأُولى: أنْ ينصَحَ بإمام بعينِهِ أنْ يستخلِفَهُ الناسُ مِن بعدِهِ، فإنْ رَضُوهُ، مَضَى؛ كما فعَلَ أبو بكرٍ مع عُمَرَ، وإنْ لم يَرْضَوْهُ، لم تصحَّ وِلايتُه. الثانيةُ: أنْ ينصَحَ بتعيينِ أهلِ شُورى وحَلٍّ وعَقْدٍ أنْ يختارُوا للناسِ إمامًا؛ كما فعَلَ عمرُ؛ حتى لا يتنازَعَ الناسُ في تعيينِ أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ والشُّورى منهم؛ فقد روَى مسلمٌ؛ مِن حديثِ معْدَانَ بنِ أبي طلحةَ؛ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ خطَبَ يومَ الجُمُعةِ، فذكَرَ نبيَّ اللهِ ﷺ ، وذكَرَ أبا بكرٍ؛ قال: إنِّي رأيتُ كأنَّ دِيكًا نَقَرَني ثلاثَ نَقَرَاتٍ، وإنِّي لا أُرَاهُ إلا حُضُورَ أَجَلِي، وإنَّ أقوامًا يأمُرُونَني أنْ أَستخلِفَ، وإنَّ اللهَ لم يكنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، ولا خِلافتَهُ، ولا الذي بعَثَ به نبيَّهُ ﷺ ، فإنْ عَجِلَ بي أمرٌ، فالخلافةُ شُورى بينَ هؤلاءِ الستَّةِ (٢). وتعيينُ عمرَ لأهلِ الشُّورى نصحٌ ووصيةٌ لقَبُولِ الناسِ لرأيِهِ وثقتِهم فيه، فأرادَ أنْ يَجْمَعَهم، لا أنْ يترُكَهم فيتنازَعُوا. وإذا لم يَقْبَلِ الناسُ تعيينَ أهلِ الشُّورى مِن قِبَل الإمامِ لم يكُنْ ذلك ماضيًا عليهم؛ لأنَّ أهلَ الشُّورى ليسُوا بأَوْلى مِن الإمامِ المُستخلَفِ، فإذا كان الاستخلافُ لا يصحُّ إلا برِضا أهلِ الشُّورى، فمِن بابِ أولى أنَّ أهلَ الشُّورى لا يمضُونَ إلا بأنْ يَرْضَى عنهم الناسُ الذين تكونُ بهم شَوْكةٌ.

стр. 30

فإذا رضِيَ الناسُ أهلَ الشُّورى، فقطَعُوا على مبايعةِ إمامٍ مِن المسلِمينَ، وجَبَ الْتِزامُها عندَ أكثرِ العلماءِ، وحَكَى إمامُ الحَرَمَيْنِ الإجماعَ على ذلك (١). الوجهُ الثاني لتحقُّقِ الوِلاية: أنْ يَقْهَرَ إمامٌ مسلمٌ الناسَ على طاعتِهِ، فيتولَّى الأمرَ بالقوةِ، فيتمكَّنَ منهم، فإنَّه حينئذٍ يُسمَعُ له ويُطاعُ؛ دفعًا للشرِّ والخلافِ والفتنةِ وإراقةِ الدماءِ؛ وقد نصَّ عليه الشافعيُّ (٢). ولايةُ المتغلِّب: والإمامُ المتغلِّبُ: هو الذي يتغلَّبُ لحظِّ نفسِهِ، وحبًّا في المُلْكِ والأثَرَةِ، وليس الذي يتغلَّبُ لإقامةِ شرعٍ غيرِ شرعِ اللهِ، فيحكِّمُ ويشرِّعُ غيرَ شرعِهِ، مُحِلًّا ما حرَّمَ الله، ومحرِّمًا ما أحلَّ اللهُ؛ فهذا - وإنْ عَجَزَ الناسُ عن دفعِهِ، لقوَّتِهِ وعِظَمِ المفسدةِ في رفعِهِ - إلا أنَّ بيعتَهُ لا تنعقِدُ إمامًا للمسلِمينَ، لكنْ يُصْبَرُ عليه إلى حينِ التمكُّنِ والقدرةِ عليه، أو يُتربَّصُ به حتى يَهْلِكَ فيُستراحَ منه بغيرِهِ. تعدُّد الولاة وبلدان الإسلام: الأصلُ: وجوبُ جمعِ المسلمين على إمامٍ واحدٍ، وإذا تعذَّر ذلك، فإِنَّه يجوزُ نصبُ إمامَيْنِ وأكثرَ في الأرضِ، على كلِّ قُطْرٍ واحدٌ؛ وذلك أنَّ اللهَ يبعَثُ نبيَّيْنِ في زمنٍ واحدٍ؛ كلُّ نبيٍّ إلى أُمَّةٍ، والنبيُّ نبيٌّ وخليفةٌ حاكمٌ مُطاعٌ، ومع اتِّساعِ رُقْعةِ العالَمِ الإسلاميِّ وترامِي أطرافِ البلدانِ الإسلاميَّةِ قد يَشُقُّ أنْ يتولَّى واحدٌ على جميعِها فيدومَ؛ فإنَّ ضَعْفَ قدرةِ الإنسانِ وقِصَرَ بسطتِهِ يجعلُهُ يضعُفُ عن الإحاطةِ بطبائعِ البشرِ وجَمْعِهم

стр. 31

على أمرٍ واحدٍ دائم، ولكنْ يقالُ: إنْ أمكَنَ جمْعُهم مِن البقاعِ تحتَ وِلايةٍ واحدةٍ، فهو أولى بالاتِّفاقِ، وبعضُ العلماءِ يحكِي الإجماعَ على وجوبِ ذلك. وعند تعدد الأمراء المسلمين فكل حاكم له ولايته على أرضه يُسمع له ويُطاع فيما، ومن خرج عن أرضه من رعيته إلى بلد مسلم آخر فيسمع ويطيع لمن في ذلك البلد، وليس عليه للأول شيء لخروجه عن سلطانه، وقد خرج عبادة بن الصامت وأبو الدرداء من حكم معاوية حتى لا يكون لمعاوية عليهما أمر، قال عبادة: "لا أساكنك بأرض لك عليَّ فيها إمرة"؛ وكان ذلك في خلافة عمر فأقرهما (١). وإن تعددت بلدان الإسلام وحكامهم فليس لحاكم منهم أن يمنع أحدًا أن يتحوّل إلى بلد آخر منها؛ لأن منعه من ذلك منع من حقه بسكنى الأرض وحرية السعي فيها، ولا يكون ذلك إلا بعقوبة الحبس؛ لأن المنع من الخروج من الحي والبلد نوع من الحبس، والحبس عقوبة لا تنزل إلا بجُرْم. التأميرُ في السفرِ، وحكمُهُ: والتأميرُ كما يكونُ في الحضرِ، يكونُ في السفرِ؛ يؤمِّرُ الجماعةُ فيما بينَهم أميرًا عليهم؛ سواءٌ كان سفرَ جهادٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ، أو سفرًا مباحًا؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وفي الحديثِ الذي رواهُ أحمدُ ومسلمٌ وغيرُهما؛ من حديثِ بُرَيْدَةَ؛ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أَمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سَرِيَّةٍ، أَوْصاهُ في خاصَّتِهِ بتقْوَى اللهِ (٢). وروى أبو داودَ وغيرُهُ، عن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ - رضِي اللهُ

стр. 32

تعالى عنهما - قالا: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) (١). والصوابُ في هذا الحديثِ: الإرسالُ مِن حديثِ ابنِ عَجْلانَ، عن نافعٍ، عن أبي سلمةَ؛ مرسَلًا (٢)، وقد رجّح الإرسالَ فيه أبو حاتمٍ وأبو زُرْعةَ (٣). ويجوزُ على القومِ في السفرِ وغيرِهم: أنْ يغيِّرُوا الأميرَ بلا طُرُوءِ مفسدةٍ فيما بينَهم، ولو في أثناءِ طريقِهم؛ فقد روى عبدُ الرزَّاقِ في "مصنَّفِهِ"، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ؛ قال: لقِيَ عمرُ بنُ الخطابِ رَكْبًا يُريدونَ البيتَ، فقال: "مَن أنتُم؟ "، فأجابَهُ أحدثُهم سنًّا، فقال: عبادُ اللهِ المسلِمونَ، قال: "مِن أينَ جئتُم؟ "، قال: مِن الفَجِّ العميقِ، قال "أين تُريدونَ؟ "، قال: البيتَ العتيقَ، قال عمرُ: تأوَّلَها لَعَمْرُ اللهِ! فقال عمرُ: "مَن أميرُكم؟ "، فأشارَ إلى شيخ منهم، فقال عمرُ: "بل أنتَ أميرُهم"؛ لأحدَثِهم سِنًّا الذي أجابَهُ بجيِّدٍ (٤). وقد اختلَفَ العلماءُ في التأميرِ في السفرِ، مع اتِّفاقِهم على مشروعيَّتِه: فذهَبَ إلى الوجوبِ جماعةٌ؛ كابنِ تَيْمِيَّةَ (٥). وذهَبَ آخَرونَ إلى الاستحبابِ؛ كابنِ خُزَيْمَةَ (٦). والتأميرُ إذا كثُرَ الناسُ، كان أوجَبَ وآكَدَ؛ لأنَّهم أقرَبُ إلى الفُرْقةِ والاختلافِ، وإذا قلُّوا - كسفرِ الاثنَيْنِ - كان الأمرُ أخفَّ وأهوَنَ.

стр. 33

استفهامُ المأمورِ عن أمر الآمِرِ: وفي استفهامِ الملائكةِ عن حِكْمةِ الأمرِ: جوازُ سؤالِ المخبَرِ والمأمورِ عن حِكْمةِ ما يخبَرُ أو يؤمَرُ به، وأنَّ ذلك ليس مِن الخروجِ عن الأدبِ، ولا يُنافي تمامَ التسليمِ؛ فاللهُ وصَفَ ملائكتَهُ بقولِهِ: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]. واستفهامُ المحكومِ عن أمرِ الحاكمِ في أمرٍ يَفعلُهُ فيهم؛ عن حِكْمتِهِ وعلةِ أمرِهِ - جائزٌ، ويجبُ عليه أن يبيِّنَ قَصْدَهُ في ذلك، وهذا عامٌّ في كلِّ آمِرٍ إلا اللهَ ؛ لأنَّه - جلَّ وعلا - لا يُسأَلُ سؤالًا يقتضِي حَتْمَ الجوابِ عليه؛ لأنَّه المعبودُ سبحانَهُ، والسؤالُ يَلزَمُ منه إفادةٌ بعِلْمٍ، وما كلُّ علمٍ تُدْرِكُهُ العقولُ البشريَّةُ؛ لهذا أجمَلَ اللهُ القولَ لملائكتِهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وربَّما كانت هناك علومٌ لا تُدرَكُ على وجهِها؛ لِسَعَتِها وضعفِ عقلِ الإنسانِ وإدراكِهِ وضعفِ خِلْقتِهِ؛ فبعضُ العلومِ والمعارفِ الواسعةِ لو قِيلتْ للإنسانِ، أفسَدَتْهُ وحيَّرتْهُ، والعيبُ ليس فيها؛ وإنَّما في قصورِ عقلِهِ عن استيعابِها؛ فعقل الإنسانِ وعاءٌ لا يَحتمِلُ إفاضةَ البحرِ فيه، ولو أفَضْتَهُ فيه، لَفَسَدَ وتاهَ وضاعَ في بحرِ الحَيْرَةِ، كما يضيعُ الإناءُ إذا أُفيضَ البحرُ عليه فينغمِرُ في أعماقِه. وهذا كما هو في العقولِ، فهو في بنيةِ الإنسانِ وخِلْقَتِه؛ فهذا موسى ﵇ حينَما سأَلَ اللهَ أنْ يراهُ، قال اللهُ له: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. فإذا كانتِ الأبصارُ لا تستطيعُ استيعابَ كثيرٍ من الحقائق، فكذلك العقولُ، فحَجْبُها عنها أصلَحُ لها حتى يخلُقَها اللهُ على خِلْقةٍ أقوَى منها؛ كحالِ الأبصارِ في الجنةِ حينَ تَرَى اللهَ سبحانَه. والملائكةُ حينَما سألتِ اللهَ وهي تعلَمُ عن اللهِ ما لا يعلَمُهُ أكثَرُ

стр. 34

البشرِ، فما أجابَها اللهُ بتمامِ مقصودِها، فورودُ السؤالِ في أذهانِ البشرِ منِ بابِ أولى، وعدمُ إجابةِ اللهِ للبشرِ مِن بابِ أَولى أيضًا. بخلافِ العقولِ البشريَّةِ فيما بينَها؛ فبعضُهَا يُدرِكُ ما يُدرِكُهُ أشباهُها؛ لهذا وجَبَ بيانُ الحِكمةِ مِن أمرِ المأمورِ عندَ سؤالِهِ عنه، مع أنَّ امتثالَهُ لأمرِ وليِّ الأمرِ لا يلزَمُ منه فهمُهُ لحكمتِهِ إذا قَصَرَ علمُهُ عن استيعابِه، ما لم يكنْ معصيةً ظاهرةً للهِ؛ فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ. جوازُ استعمال القياسِ: وعلى استخلافِ اللهِ الجِنَّ في الأرضِ قاسَ الملائكةُ الفسادَ فيها في استخلافِ البشرِ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على جوازِ القياسِ مِن جهةِ الاستدلالِ به، وعلى عدمِ الاعتارِ به أحيانًا أيضًا: أمَّا جوازُهُ: فحيثُ قاسَتِ الملائكةُ أمرَ بني آدمَ على أمرِ الجنِّ في الإفسادِ؛ للعِلَّةِ بينهما، وهي الاستخلافُ. وأمَّا عدَمُ الاعتبارِ به مع جوازِهِ: فإنَّ اللهَ ما ردَّ قولَ الملائكةِ في قياسِهم؛ وإنَّما بَيَّنَ عدمَ الاعتبارِ به لعلةٍ وحكمةٍ غائبةٍ تليقُ بعلمِ اللهِ، وتقصُرُ عنها مدارِكُ الملائكةِ؛ وهي الفارقُ الذي يمنعُ اعتبارَ القياس. قاعدةُ درءِ المفاسد: وفي الآيةِ: دليلٌ على جوازِ الاستدلال بقاعدةِ: "دَرْءُ المَفَاسِدِ مقدَّمٌ على جَلْبِ المَصَالِحِ"، وعلى عدمِ الاعتارِ بها في بعضِ المواضعِ؛ لعلةٍ أقوَى في المصلحةِ: أمَّا الاستدلالُ بها على جوازِ هذه القاعدةِ: فهو في قولِ الملائكةِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ عَلِمُوا مِن خلقِ اللهِ المصلحةَ، فاللهُ لا يخلُقُ شرًّا مَحْضًا، ولا شرًّا غالبًا سبحانَه، ويَعْلَمونَ من حالِ المستخلَفِينَ الفسادَ في الأرضِ، فاستشكَلُوا ذلك، فاستفهَمُوا من اللهِ سبحانَه عن تقديمِ المصلحةِ الغائبةِ عنهم على تلك المفسدةِ الظاهرةِ لهم.

стр. 35

وأمَّا عدَمُ الاعتدادِ بها في هذا الموضعِ، فظاهرٌ؛ وذلك إذا قَوِيَتِ المصلحةُ، وكانتِ المفسدةُ دونَها في الأثرِ؛ فتكونُ المصلحةُ راجحة. وكلَّما قوِيَ العالِمُ بالشريعةِ والسننِ الكونيةِ إدراكًا وفهمًا، كان أدرَكَ للمصالحِ والمفاسدِ، وأعلَمَ بأشدِّها تأثيرًا، وقد يغيبُ هذا عن العامَّةِ فيَستشكِلونَه؛ وكما قيل: "ليس العاقلُ مَن عرَفَ الخيرَ من الشرِّ؛ إنما العاقلُ مَن عرَفَ خيرَ الخيرَيْن، وشرَّ الشَّرَّيْنِ". وقد تكونُ المصلحةُ بعيدةَ الوقوعِ وهي قويةُ الأثرِ، وبُعْدُها أضعَفَها في عينِ المتأمِّلِ، والمفسدةُ ضعيفةَ الأثرِ قريبةَ الوقوعِ، وقُرْبُها قوَّاها في عينِ المتأمِّلِ والناظرِ، وطبيعةُ العقولِ أنَّ حدوثَ الأشياءِ بينَ يَدَيْها يقوِّيها عندَها على غيرِها الغائبِ أو الذي لم يحدُثْ، وللهِ حِكَمٌ دقيقةٌ في خلْقِهِ وحُكْمِهِ تغيبُ عن مخلوقَاتِهِ يدبِّرُ فيها الكونَ ويُدِيرُ فيها الخلائقَ؛ يُدرِكُ العقلاءُ بعضًا، ويغيبُ عنهم أكثَرُهَا. واللهُ إنَّما أخبَرَ الملائكةَ بخبرِ خليفةِ الأرضِ؛ لأنَّهم هم مَن يلي شأنَ بَني آدمَ؛ مِن النَّفْخِ، والكتابةِ، والرقابةِ، وشأنِ الموتِ، والمطرِ، والسحابِ، وغيرِ ذلك. فضلُ التسبيح: وقولُ الملائكةِ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: فيه فضلُ التسبيحِ والتعظيم للهِ، وتسبيحُ الملائكةِ هو كما جاء في "صحيحِ مسلمٍ"، عن أبي ذرٍّ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئل: أيُّ الكلامِ أفضلُ؟ قال: (مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ) (١). وروى البيهقيُّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ قُرْطٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ليلةَ أُسْرِيَ به، سَمِعَ تسبيحًا في السمواتِ العُلا: (سُبْحَانَ العَلِيِّ الأَعْلَى، (٢).

стр. 36

وقيلَ: المرادُ بذلك صلاتُهُمْ؛ فاللهُ يسمِّي الصلاةَ تسبيحًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]. * * * قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. يخْبِرُنا اللهُ سبحانه: أنَّ إبليسَ سوَّل لآدمَ وحوَّاءَ الأكلَ مِن الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عن الأكلِ منها، فأكَلَا منها، وسمَّى اللهُ ما فعَلاهُ زَلَلًا عن الجنةِ، وسببًا للإخراجِ منها، وكأنَّ حقَّ الإنسانِ للبقاءِ في مسكنِهِ وملكِهِ للانتفاع منه يرتفعُ: إمَّا على سبيلِ الدوامِ؛ كما في استحقاقِهِ القتلَ؛ فيستحقُّ إزالةَ أصلِ انتفاعِهِ بإزالتِهِ من الحياةِ، وإمَّا على سبيلِ التأقيتِ؛ وذلك بحرمانِهِ وإزالتِهِ منها لأمدٍ محدودٍ. النفيُ وحكمُهُ: وفي الآيةِ جوازُ تأديبِ الإنسانِ عندَ ارتكابِهِ جُرْمًا بنفيِهِ، وجوازُ تعليقِ رجوعِهِ إلى حقِّهِ باهتدائِهِ وعَوْدتِهِ إلى رُشْدِهِ؛ فمِن البَشَرِ مَن يؤمِنُ فيستحقُّ العودةَ مع أبيهِ آدمَ، ومنهم مَن يكفُرُ فلا يَرجِعُ؛ ولذا قال تعالى بعدَ ذِكْرِ نفي آدمَ وحواءَ من الجنةِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨, ٣٩]. الحبسُ بشرطِ الرجوع إلى الحقّ: وقولُ جماهيرِ أهلِ العلمِ من الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والحنابلةِ: إنَّه يجوزُ

стр. 37

إطلاقُ مدةِ السجنِ، وربطُها برجوعِ المُفْسِدِ عن فسادِهِ. قال أحمدُ في المبتدِعِ الداعيةِ: يُحبَسُ حتى يَكُفَّ عنها (١). وقال بهذا أبو يَعْلَى، وابنُ فَرْحُونَ، وغيرُهم. وقال أبو عبدِ اللهِ الزبيريُّ - من أصحابِ الشافعيِّ -: تقدَّرُ غايتُهُ بشهرٍ للاستبراءِ والكشفِ، وبستةِ أشهرٍ للتأديبِ والتقويمِ (٢). وقال الماورديُّ: فالظاهرُ مِن مذهبِ الشافعيِّ: تقديرُهُ بما دونَ الحولِ ولو بيومٍ واحدٍ؛ لئلَّا يصيرَ مساويًا لتعزيرِ الحولِ في الزِّنى (٣). ومحالٌ أَنْ يَعزِمَ رجلٌ على قتلِ رجلٍ أو إفسادٍ في الأرضِ، ويُعلِنَ ذلك وهو في سِجنِهِ، ثمَّ يقولَ عالِمٌ معتبَرٌ: يجوزُ إخراجُهُ ليقتُلَ خَصْمًا يتوعَّدُهُ بلا حقٍّ. وإنَّما مرادُ مَن قال مِن العلماءِ بمنعِ إبقاءِ السجينِ في سجنِهِ إلى أَجَلٍ غيرِ معلومٍ: في حالِ التعزيرِ على ذنبٍ وجُرْمٍ، لا في حالِ الخوفِ المتيقَّنِ مِن القيامِ بجُرْمٍ، ولا عبرةَ بالظنِّ هنا، وليس كلُّ ذنبٍ يعزِمُ الإنسانُ على تَكرارِهِ يُسجَنُ فيه إلى أجلٍ غيرِ معلومٍ. والسجنُ عقوبةٌ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ مِن السلفِ والخلفِ، ولكنْ يختلِفونَ في تقديرِها. معنى السجنِ والنَّفي: والنفيُ سِجْنٌ موسَّعٌ، والسجنُ عقوبةٌ وعذابٌ للنفسِ أولًا، ثمَّ للبَدَنِ: أنْ تتعطَّلَ قُواهُ عن الحركةِ فتضعُفَ، ويتعطَّلَ عقلُهُ ويُحْرَمَ مِن مشاهدةِ آياتِ الكونِ فيضعُفَ، ويَفْقِدَ الصلةَ بمَن يعرِفُ مِن أهلٍ وقرابةٍ وصداقةٍ، فتَفقِدَ حواسُّهُ الخمسُ مُتْعَتَها، فتتعذَّبَ بذلك؛ ولذا قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥].

стр. 38

فلا يجوز المصيرُ إلى السجنِ إلا بجُرْمٍ بيِّنٍ؛ فيُبدَأُ بالنفيِ، وإن استَحَقَّ لعِظَمِ جُرمهِ السجنَ، سُجن. ومِن العلماءِ مَن يفرِّقُ بينَ النفيِ والسجنِ؛ كابنِ حزمٍ وغيرِهِ (١). ولا يجوزُ السجنُ لمجردِ النيةِ؛ فآدمُ وحواءُ نهاهُما اللهُ عن قُربِ الشجرةِ، ولا شكَّ أنَّهما نَوَيَا القُرْبَ قبلَ القُرْبِ، واللهُ يَطَّلِعُ على السَّرِيرة، كما يطَّلعُ على الجَرِيرَة، ولم يُعاقِبْ سبحانَه إلا على الفعلِ، ومع هذا لم يُنزلِ اللهُ العقوبةَ عليهما بمجردِ العزمِ والهمِّ والقصدِ الجازمِ. بخلافِ وجودِ العزمِ الذي لا يُدفَعُ إلا بالحبسِ؛ حيثُ لا يُؤمَنُ مِن عملِهِ، أمَّا التأديبُ على النيةِ، فلا يجوزُ في الدِّينِ. ومِن العلماءِ مَن جعَلَ النفيَ مِن الأرضِ لمَن عُجِزَ عن الإمساكِ به ليُعاقَبَ؛ فيُمنَعُ مِن دخولِ بلدِهِ ليُشرَّدَ، ولا يرَوْنه عقوبةً في ذاتِهِ؛ روى عبدُ الرزَّاقِ: أخبرنا إبراهيمُ بنُ أبي يحيى، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنه قال في المحارِبِ: إنْ هرَبَ وأعجَزَهم، فذلك نفيُهُ (٢)؛ وفيه ضعفٌ. وروى عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عبدِ الكريمِ أو غيرِهِ؛ قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ وأبا الشعثاءِ جابرَ بنَ زيدٍ يقولانِ: إنَّما النفيُ ألَّا يُدرَكُوا، فإذا أُدرِكُوا، ففيهم حُكْمُ اللهِ تعالى، وإلا نُفُوا حتى يَلْحَقُوا ببلدِهم (٣). وبهذا قال الشافعيُّ (٤). والتوسُّعُ في السجونِ اليومَ - ومِن ذلك السجنُ في أماكنَ ضيِّقةٍ

стр. 39

لا تتَّسِعُ إلا للواحدِ ممتدًّا - جرمٌ عظيمٌ، وخطأٌ جسيم، وعقوبةٌ ما نزَلَ بها الشرعُ؛ قال ابنُ تيميةَ: "الحبسُ الشرعيُّ: ليس هو السجنَ في مكانٍ ضيقٍ؛ وإنَّما هو تعويقُ الشخصِ ومنعُهُ من التصرُّفِ بنفسِهِ؛ سواءٌ كان في بيتٍ أو مسجدٍ، أو كان بتوكيلِ نفسِ الخَصْمِ أو وكيلِ الخصمِ عليه" (١). كفاية المنفيِّ والسجين في نفسِهِ وأهله: وقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾، تكفَّلَ اللهُ للمَنْفِيِّ في مَنْفَاهُ بالعيشِ؛ فلا يَنفِي السُّلْطانُ أحدًا في فلاةٍ وصحراءَ لا رِزقَ له فيها ولا مسكنَ يأوِي إليه، فهذا إفضاءٌ إلى قتلٍ، فيجبُ على السُّلْطانِ التكفُّلُ برزقِهِ ورزقِ عيالِهِ مِن ورائِه؛ فاللهُ أهبَطَ آدمَ وزوجَهُ ومع ذلك تكفَّلَ بالمستقَرِّ، وهو القرارُ والسكنُ فيها، وبالمتاعِ؛ وهو ما يُستمتَعُ به مِن لباسٍ وأكلٍ وشربٍ ممَّا يَكْفِيهم. والمتاعُ في كلام العربِ: كلُّ ما استُمتِعَ به مِن شيءٍ؛ مِن معاشٍ استُمتِعَ به، أو رِياشٍ، أو زينةٍ، أو لذَّةٍ، أو غيرِ ذلك؛ ذكَرَهُ ابنُ جريرٍ (٢). وقولُهُ تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: فيه إشارةٌ إلى أنَّ النفيَ إلى أَجَلٍ، والحِينُ هو القَدْرُ المحدودُ؛ روى ابن جريرٍ في "تفسيرِهِ"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرِ، عن أبيهِ، عن الربيعِ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾؛ قال: إلى أَجَلٍ (٣). الحبسُ إلى أجلٍ معلوم: والأصلُ في السجنِ والنفيِ: منع وقوعِهِ بلا حدٍّ، وضبطُ مدةٍ يَعرِفُ الجاني أَقْصاها، ويعرِفُ ورثتُهُ وزوجُهُ ومَن له حقٌّ عليه مِن أهلِ العقودِ والمنافعِ ذلك، ويجوزُ حبسُ مَن لا يَندفعُ شرُّهُ إلا بنفيِهِ وسَجْنِه؛ كمَن

стр. 40

يتوعَّدُ بقتلٍ لغيرِهِ، والزنديقِ ليتوبَ؛ فاللهُ جعَلَ بقاء الإنسانِ في الدُّنيا إلى حينٍ، والدنيا منفاهُ وسجنُه؛ ففي "صحيحِ مسلم"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) (١). وجعَلَ اللهُ أمَدَهُ إلى حدٍّ وعُمْرٍ كتَبَهُ له في الحياةِ لا يستقدِمُ عنه ساعةً ولا يستأخِرُ، وجعَلَ له أمدًا يعرِفُ علاماتِ نهايتِهِ غالبًا بالكِبَرِ والمشيبِ والمرضِ، ويعرِفُ زمنَهُ بالتقريبِ؛ ففي "السننِ"، عن أبي هريرةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (عُمْرُ أُمَّتِي مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً) (٢). الحكمةُ من إخفاءِ آجالِ البشر: وإنَّما لم يُعلِمِ اللهُ الإنسانَ بعُمْرِهِ بالساعاتِ والأيامِ؛ لأنَّ ذلك يكدِّرُ عيشَهُ وصَفْوَهُ؛ فهو يُحِبُّ البقاءَ، ويَكرَهُ الخروجَ منه بالموتِ، بخلافِ السجينِ؛ فهو يُحبُّ الخروجَ منه، ويكرهُ البقاءَ؛ لأنه كان خارجًا فسُجنَ، وأمَّا الجنةُ، فلم يكنِ الإنسانُ فيها حتى يتيقَّنَ خروجَهُ إليها، ولا يدْرِي مصيرَهُ إلى الجنةِ أو إلى النارِ، ولم يُعلِمِ اللهُ ذَوِيهِ ومَن له حقٌّ عيه مِن بعدِهِ؛ لأنَّهم في سجنِهِ معه في الدُّنيا، وحالُهم كحالِهِ يَسْعَدُونَ ويَشَقَوْنَ سواءً، بخلافِ مَن كان حبيسًا في سجنٍ لعقوبةٍ؛ فالناسُ يتمتَّعونَ خارجًا عن عقوبتِهِ، وحالُهم غيرُ حالِهِ. ويأتي مزيدُ تفصيل في النفيِ والحبسِ إنْ شاء الله تعالى عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. * * *
следующие страницы →