← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقيلَ: المرادُ بذلك صلاتُهُمْ؛ فاللهُ يسمِّي الصلاةَ تسبيحًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]. * * * قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. يخْبِرُنا اللهُ سبحانه: أنَّ إبليسَ سوَّل لآدمَ وحوَّاءَ الأكلَ مِن الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عن الأكلِ منها، فأكَلَا منها، وسمَّى اللهُ ما فعَلاهُ زَلَلًا عن الجنةِ، وسببًا للإخراجِ منها، وكأنَّ حقَّ الإنسانِ للبقاءِ في مسكنِهِ وملكِهِ للانتفاع منه يرتفعُ: إمَّا على سبيلِ الدوامِ؛ كما في استحقاقِهِ القتلَ؛ فيستحقُّ إزالةَ أصلِ انتفاعِهِ بإزالتِهِ من الحياةِ، وإمَّا على سبيلِ التأقيتِ؛ وذلك بحرمانِهِ وإزالتِهِ منها لأمدٍ محدودٍ. النفيُ وحكمُهُ: وفي الآيةِ جوازُ تأديبِ الإنسانِ عندَ ارتكابِهِ جُرْمًا بنفيِهِ، وجوازُ تعليقِ رجوعِهِ إلى حقِّهِ باهتدائِهِ وعَوْدتِهِ إلى رُشْدِهِ؛ فمِن البَشَرِ مَن يؤمِنُ فيستحقُّ العودةَ مع أبيهِ آدمَ، ومنهم مَن يكفُرُ فلا يَرجِعُ؛ ولذا قال تعالى بعدَ ذِكْرِ نفي آدمَ وحواءَ من الجنةِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨, ٣٩]. الحبسُ بشرطِ الرجوع إلى الحقّ: وقولُ جماهيرِ أهلِ العلمِ من الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والحنابلةِ: إنَّه يجوزُ

стр. 37

إطلاقُ مدةِ السجنِ، وربطُها برجوعِ المُفْسِدِ عن فسادِهِ. قال أحمدُ في المبتدِعِ الداعيةِ: يُحبَسُ حتى يَكُفَّ عنها (١). وقال بهذا أبو يَعْلَى، وابنُ فَرْحُونَ، وغيرُهم. وقال أبو عبدِ اللهِ الزبيريُّ - من أصحابِ الشافعيِّ -: تقدَّرُ غايتُهُ بشهرٍ للاستبراءِ والكشفِ، وبستةِ أشهرٍ للتأديبِ والتقويمِ (٢). وقال الماورديُّ: فالظاهرُ مِن مذهبِ الشافعيِّ: تقديرُهُ بما دونَ الحولِ ولو بيومٍ واحدٍ؛ لئلَّا يصيرَ مساويًا لتعزيرِ الحولِ في الزِّنى (٣). ومحالٌ أَنْ يَعزِمَ رجلٌ على قتلِ رجلٍ أو إفسادٍ في الأرضِ، ويُعلِنَ ذلك وهو في سِجنِهِ، ثمَّ يقولَ عالِمٌ معتبَرٌ: يجوزُ إخراجُهُ ليقتُلَ خَصْمًا يتوعَّدُهُ بلا حقٍّ. وإنَّما مرادُ مَن قال مِن العلماءِ بمنعِ إبقاءِ السجينِ في سجنِهِ إلى أَجَلٍ غيرِ معلومٍ: في حالِ التعزيرِ على ذنبٍ وجُرْمٍ، لا في حالِ الخوفِ المتيقَّنِ مِن القيامِ بجُرْمٍ، ولا عبرةَ بالظنِّ هنا، وليس كلُّ ذنبٍ يعزِمُ الإنسانُ على تَكرارِهِ يُسجَنُ فيه إلى أجلٍ غيرِ معلومٍ. والسجنُ عقوبةٌ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ مِن السلفِ والخلفِ، ولكنْ يختلِفونَ في تقديرِها. معنى السجنِ والنَّفي: والنفيُ سِجْنٌ موسَّعٌ، والسجنُ عقوبةٌ وعذابٌ للنفسِ أولًا، ثمَّ للبَدَنِ: أنْ تتعطَّلَ قُواهُ عن الحركةِ فتضعُفَ، ويتعطَّلَ عقلُهُ ويُحْرَمَ مِن مشاهدةِ آياتِ الكونِ فيضعُفَ، ويَفْقِدَ الصلةَ بمَن يعرِفُ مِن أهلٍ وقرابةٍ وصداقةٍ، فتَفقِدَ حواسُّهُ الخمسُ مُتْعَتَها، فتتعذَّبَ بذلك؛ ولذا قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥].

стр. 38

فلا يجوز المصيرُ إلى السجنِ إلا بجُرْمٍ بيِّنٍ؛ فيُبدَأُ بالنفيِ، وإن استَحَقَّ لعِظَمِ جُرمهِ السجنَ، سُجن. ومِن العلماءِ مَن يفرِّقُ بينَ النفيِ والسجنِ؛ كابنِ حزمٍ وغيرِهِ (١). ولا يجوزُ السجنُ لمجردِ النيةِ؛ فآدمُ وحواءُ نهاهُما اللهُ عن قُربِ الشجرةِ، ولا شكَّ أنَّهما نَوَيَا القُرْبَ قبلَ القُرْبِ، واللهُ يَطَّلِعُ على السَّرِيرة، كما يطَّلعُ على الجَرِيرَة، ولم يُعاقِبْ سبحانَه إلا على الفعلِ، ومع هذا لم يُنزلِ اللهُ العقوبةَ عليهما بمجردِ العزمِ والهمِّ والقصدِ الجازمِ. بخلافِ وجودِ العزمِ الذي لا يُدفَعُ إلا بالحبسِ؛ حيثُ لا يُؤمَنُ مِن عملِهِ، أمَّا التأديبُ على النيةِ، فلا يجوزُ في الدِّينِ. ومِن العلماءِ مَن جعَلَ النفيَ مِن الأرضِ لمَن عُجِزَ عن الإمساكِ به ليُعاقَبَ؛ فيُمنَعُ مِن دخولِ بلدِهِ ليُشرَّدَ، ولا يرَوْنه عقوبةً في ذاتِهِ؛ روى عبدُ الرزَّاقِ: أخبرنا إبراهيمُ بنُ أبي يحيى، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنه قال في المحارِبِ: إنْ هرَبَ وأعجَزَهم، فذلك نفيُهُ (٢)؛ وفيه ضعفٌ. وروى عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عبدِ الكريمِ أو غيرِهِ؛ قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ وأبا الشعثاءِ جابرَ بنَ زيدٍ يقولانِ: إنَّما النفيُ ألَّا يُدرَكُوا، فإذا أُدرِكُوا، ففيهم حُكْمُ اللهِ تعالى، وإلا نُفُوا حتى يَلْحَقُوا ببلدِهم (٣). وبهذا قال الشافعيُّ (٤). والتوسُّعُ في السجونِ اليومَ - ومِن ذلك السجنُ في أماكنَ ضيِّقةٍ

стр. 39

لا تتَّسِعُ إلا للواحدِ ممتدًّا - جرمٌ عظيمٌ، وخطأٌ جسيم، وعقوبةٌ ما نزَلَ بها الشرعُ؛ قال ابنُ تيميةَ: "الحبسُ الشرعيُّ: ليس هو السجنَ في مكانٍ ضيقٍ؛ وإنَّما هو تعويقُ الشخصِ ومنعُهُ من التصرُّفِ بنفسِهِ؛ سواءٌ كان في بيتٍ أو مسجدٍ، أو كان بتوكيلِ نفسِ الخَصْمِ أو وكيلِ الخصمِ عليه" (١). كفاية المنفيِّ والسجين في نفسِهِ وأهله: وقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾، تكفَّلَ اللهُ للمَنْفِيِّ في مَنْفَاهُ بالعيشِ؛ فلا يَنفِي السُّلْطانُ أحدًا في فلاةٍ وصحراءَ لا رِزقَ له فيها ولا مسكنَ يأوِي إليه، فهذا إفضاءٌ إلى قتلٍ، فيجبُ على السُّلْطانِ التكفُّلُ برزقِهِ ورزقِ عيالِهِ مِن ورائِه؛ فاللهُ أهبَطَ آدمَ وزوجَهُ ومع ذلك تكفَّلَ بالمستقَرِّ، وهو القرارُ والسكنُ فيها، وبالمتاعِ؛ وهو ما يُستمتَعُ به مِن لباسٍ وأكلٍ وشربٍ ممَّا يَكْفِيهم. والمتاعُ في كلام العربِ: كلُّ ما استُمتِعَ به مِن شيءٍ؛ مِن معاشٍ استُمتِعَ به، أو رِياشٍ، أو زينةٍ، أو لذَّةٍ، أو غيرِ ذلك؛ ذكَرَهُ ابنُ جريرٍ (٢). وقولُهُ تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: فيه إشارةٌ إلى أنَّ النفيَ إلى أَجَلٍ، والحِينُ هو القَدْرُ المحدودُ؛ روى ابن جريرٍ في "تفسيرِهِ"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرِ، عن أبيهِ، عن الربيعِ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾؛ قال: إلى أَجَلٍ (٣). الحبسُ إلى أجلٍ معلوم: والأصلُ في السجنِ والنفيِ: منع وقوعِهِ بلا حدٍّ، وضبطُ مدةٍ يَعرِفُ الجاني أَقْصاها، ويعرِفُ ورثتُهُ وزوجُهُ ومَن له حقٌّ عليه مِن أهلِ العقودِ والمنافعِ ذلك، ويجوزُ حبسُ مَن لا يَندفعُ شرُّهُ إلا بنفيِهِ وسَجْنِه؛ كمَن

стр. 40

يتوعَّدُ بقتلٍ لغيرِهِ، والزنديقِ ليتوبَ؛ فاللهُ جعَلَ بقاء الإنسانِ في الدُّنيا إلى حينٍ، والدنيا منفاهُ وسجنُه؛ ففي "صحيحِ مسلم"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) (١). وجعَلَ اللهُ أمَدَهُ إلى حدٍّ وعُمْرٍ كتَبَهُ له في الحياةِ لا يستقدِمُ عنه ساعةً ولا يستأخِرُ، وجعَلَ له أمدًا يعرِفُ علاماتِ نهايتِهِ غالبًا بالكِبَرِ والمشيبِ والمرضِ، ويعرِفُ زمنَهُ بالتقريبِ؛ ففي "السننِ"، عن أبي هريرةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (عُمْرُ أُمَّتِي مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً) (٢). الحكمةُ من إخفاءِ آجالِ البشر: وإنَّما لم يُعلِمِ اللهُ الإنسانَ بعُمْرِهِ بالساعاتِ والأيامِ؛ لأنَّ ذلك يكدِّرُ عيشَهُ وصَفْوَهُ؛ فهو يُحِبُّ البقاءَ، ويَكرَهُ الخروجَ منه بالموتِ، بخلافِ السجينِ؛ فهو يُحبُّ الخروجَ منه، ويكرهُ البقاءَ؛ لأنه كان خارجًا فسُجنَ، وأمَّا الجنةُ، فلم يكنِ الإنسانُ فيها حتى يتيقَّنَ خروجَهُ إليها، ولا يدْرِي مصيرَهُ إلى الجنةِ أو إلى النارِ، ولم يُعلِمِ اللهُ ذَوِيهِ ومَن له حقٌّ عيه مِن بعدِهِ؛ لأنَّهم في سجنِهِ معه في الدُّنيا، وحالُهم كحالِهِ يَسْعَدُونَ ويَشَقَوْنَ سواءً، بخلافِ مَن كان حبيسًا في سجنٍ لعقوبةٍ؛ فالناسُ يتمتَّعونَ خارجًا عن عقوبتِهِ، وحالُهم غيرُ حالِهِ. ويأتي مزيدُ تفصيل في النفيِ والحبسِ إنْ شاء الله تعالى عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. * * *

стр. 41

قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. أمَرَ اللهُ سبحانَهُ بني إسرائيلَ بالوفاءِ بالعهدِ، ولا وفاءَ بعهدٍ إلا وقد سبَقَ عهدٌ بينَهم وبينَ اللهِ يَعْلَمونَه، وقد سمَّاهُ اللهُ ميثاقًا تارةً، وتارةً عهدًا؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]، وقال: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ [المائدة: ٧٠]، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]. عهدُ اللهِ لبني إسرائيلَ: وميثاقُهم وعهدُ اللهِ إليهم: هو حِفْظُ الدِّينِ وصيانتُهُ، والقيامُ بواجبِهِ بالبلاغِ والتذكيرِ والتعليمِ، والإيمانُ بالنبيِّ الأُمِّيِّ لو رأَوْهُ أو سمِعوا به؛ هذا عهدُ اللهِ إليهم, وعهدُهم إليه سبحانَه: هو إدخالُهم الجنةَ، وإثابتُهم على ذلك. روى أبو نُعَيمٍ في "الحِلْيَةِ"؛ مِن حديثِ داودَ بنِ مِهرَانَ؛ قال: سمِعتُ فُضَيْلًا يقولُ في قولِهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾؛ قال: أَوْفُوا بما أَمَرْتُكم، أُوفِ لكم بما وعدتُّكم (١). وهذا العهدُ نسَبَهُ اللهُ إليهم؛ إكرامًا لهم لو وَفَوْا بعهدِهِ، وإلا فاللهُ جعَلَهُ على نفسِهِ بنفسِهِ؛ روى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ؛ مِن حديثِ أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عنِ ابنِ عباسٍ؛ في قولِهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ

стр. 42

بِعَهْدِكُمْ﴾؛ يقولُ: أَوْفُوا بما أمرتُكم به مِن طاعتي ونهيتُكم عنه مِن معصيتي في النبيِّ ﷺ وفي غيرِهِ، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾؛ يقولُ: أرْضَ عنكم، وأُدخِلْكمُ الجنةَ (١). ويفسِّرُ هذا قولُهُ ﷺ في "الصحيحينِ"؛ من حديثِ معاذٍ؛ قال: (حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ: أن يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ: أَلَّا يُعذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (٢). وهذا نظيرُ قولِهِ تعالى في الخبرِ القُدْسيِّ الذي رواه مسلم: (يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي, وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا) (٣). فهو مَن يحرِّمُ على نفسِهِ، ويكتُبُ ويُوجِبُ سبحانَه، ولمَّا كان الأمرُ مِن طرَفَيْنِ، أَشبَهَ العهدَ والعقدَ. ولكنَّ بني إسرائيلَ نقَضُوا العهدَ؛ وبدَّلُوا وحرَّفوا، وكتَمُوا ما لم يستطيعوا تحريفَهُ؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]. وفي الآيةِ مسائلُ مِن أظهرِها: أولًا: وجوبُ الالتزامِ بالعهودِ والمواثيقِ وأدائِها إلى أهلِها كما هي، وأنَّها لا تسقُطُ الا بفسخِها مِن الطرَفَيْنِ؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨، والمعارج: ٣٢]. وإنَّما كانتِ العهودُ والمواثيقُ بينَ العبادِ مشابهةً لعهودِهم مع الخالقِ سبحانَه في وجوبِ الوفاءِ والالتزامِ بها؛ لأنَّ اللهَ - جلَّ وعلا - جعَلَ

стр. 43

الوفاءَ بينَ العبادِ والعدلَ بينَهم والتظالُمَ مشابهًا لعدلِهِ ﷺ مِن جهةِ الاشتراكِ المعنويِّ في وجوبِ العدلِ وتحريمِ الظلمِ؛ ففي "صحيحِ مسلمٍ"، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ ﷺ فيما روى عن اللهِ ﵎ أنَّه قال: (يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا. . .) الحديثَ (١). فدلَّلَ سبحانَه لعبادِهِ على تحريمِ التظالُمِ بكونِهِ محرَّمًا عليه؛ فقد حرَّمَ على نفسِهِ أنْ يَظلِمَ أحدًا بعدمِ إعطائِهِ ما جعلَهُ سبحانَهُ حقًّا له، فكذلك العبادُ فيما بينَهم؛ فالظلمُ إذا حرَّمَهُ اللهُ على نفسِهِ وله حقٌّ تامٌّ على عبادِهِ، فهو بينَ العبادِ المُتساوِينَ مِن بابِ أَولى. وقولُهُ: (وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا): إشارةٌ إلى العقودِ والعهودِ وشبهِها التي يجبُ فيها الوفاءُ، ويدخُلُ في ذلك حُرْمةُ التعدِّي؛ لأنَّها داخلةٌ في أصلِ ما تعاهَدَتْ عليه البشريَّةُ مِش بَذْلِ الأمانِ ولو عُرْفًا، أو بالتحيةِ التي يبذُلُها بعضُهم لبعضٍ: "السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ". ثانيًا: أنَّ تفريطَ أحدِ المتعاهدَيْنِ موجِبٌ لسقوطِ حقِّهِ في وفاءِ الآخَرِ له، والعقودُ والعهودُ لها شروطٌ، ومِن حيثُ جهاتُها هي نوعانِ: النوعُ الأولُ: شروطُ الخالقِ مع المخلوقِ، وهي كشروطِ العباداتِ التي فرَضَها اللهُ معها؛ كشروطِ الصلاةِ ونحوِها؛ فمَن ترَكَ شرطًا متعمِّدًا بلا عذرٍ، بطَلَتْ صلاتُهُ، ولم يستحقَّ الأجرَ؛ كسَتْرِ العورةِ، ومَن ترَكَ شرطًا بعذرٍ؛ كعادمِ الماءِ والترابِ، وعادمِ الثوبِ للعورةِ، فصلاتُهُ صحيحةٌ رحمةً مِن اللهِ ولطفًا. ولا يُتصوَّرُ الإخلالُ بالشروطِ إلا مِن العبدِ؛ لضعفِهِ وقصورِ أهليَّتِهِ بنسيانٍ وضعفٍ وعجزٍ وعنادٍ.

стр. 44

النوعُ الثاني: شروطٌ في العقودِ بينَ الخَلْقِ؛ كالعقودِ على البيوعِ والنكاحِ وشبهِها؛ فهذه يجبُ الوفاءُ بها بالاتِّفاقِ؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨، والمعارج: ٣٢]. والإخلالُ بشرطٍ مِن شروطِ العقدِ موجبٌ لحقِّ الفسخِ إنْ أرادَ صاحبُ الحقِّ فَسْخَه، وإن أرادَ إجازتَهُ، فله ذلك. فروى أبو داودَ في "سننِهِ"؛ من حديثِ مَرْوانَ بنِ محمدٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، أو عبدِ العزيرِ بنِ محمدٍ، عن كَثِيرِ بنِ زيدٍ، عن الوليدِ بنِ رَبَاحٍ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (المُسْلِمونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) (١). ورواهُ البخاريُّ في "صحيحِه"، معلَّقًا بصيغةِ الجزمِ؛ فقال: وقال النبيُّ ﷺ : (المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ) (٢). وروى الترمذيُّ في "سننِهِ"؛ مِن حديثِ كَثِيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عن أبيه، عن جدِّهِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أحَلَّ حَرَامًا، وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا) (٣). وروى مالكٌ في "الموطَّإِ"؛ قال: أخبَرَني يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ؛ أنَّه سَمِعَ مكحولًا الدِّمَشقيَّ يسألُ القاسمَ بنَ محمدٍ عن العُمْرَى، وما يقولُ الناسُ فيها؟ فقال له القاسمَ: ما أَدْرَكْتُ الناسَ إلا وهم على شروطِهم في أموالِهم، وفيما أَعْطَوْا (٤).

стр. 45

وكذلك العهودُ التي بينَ الأُمَمِ والدُّوَلِ والقبائلِ يجبُ الوفاءُ بها بالاتفاقِ، والإخلالُ بواحدٍ منها مُسقِطٌ لكاملِ العقدِ. وإنْ أَخَلَّ أحدُ المتعاقدَيْنِ بشرطٍ، فللثاني حقُّ إسقاطِ العقدِ، وله حقُّ إبقائِهِ بدونِهِ مِن جديدٍ؛ وإلا فهو باطلٌ بصيغتِهِ السابقةِ. * * * قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. الصلاةُ جماعة: أمَرَ اللهُ بالإتيانِ بالصلاةِ والزكاةِ، وأن تكونَ صلاتُهُ مع المسلِمِينَ، لا منفرِدًا بصلاتِهِ؛ هذا ظاهرُ الآيةِ، وجاء معنى هذه الآيةِ بالأمرِ بالصلاةِ والزكاةِ مقترنتَيْنِ في مواضعَ كثيرةٍ من القرآنِ؛ منها قولُهُ تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣]، وقولُهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]، وفي سورةِ النساءِ قال تعالى: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، وفي سورةِ إبراهيمَ قال تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [إبراهيم: ٣١] , وفي سورةِ مريمَ قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥]. وفي سورةِ الأنبياءِ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]؛ فجعَلَ استحقاقَ وصفِ التعبُّدِ والعابدِ لمن أدَّاهما كما أُمِرَ بهما، وفيه دليلٌ على أنَّ مؤدِّيَ الصلاةِ والزكاةِ على وجهِها

стр. 46

لا بدَّ أن يُتْبِعَها طوعًا بقيةَ شرائعِ الإسلامِ، ويتَّقيَ نواقضَها. وقال اللهُ تعالى في سورةِ النورِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [٥٦]؛ فأمَرَ بهما مقرونتَيْنِ بطاعةِ رسولِ اللهِ ﷺ . وفي سورةِ الحجِّ قال تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [٧٨]. وفي سورةِ الأحزابِ قال تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ [٣٣]؛ إشارةً إلى وجوبِ الزكاةِ على النساءِ في أموالِهنَّ عينًا، وإنْ كنَّ متزوِّجاتٍ فوُهِبْنَ مالًا أو مهرًا أو ذهبًا مكنوزًا. وفي سورةِ المجادلةِ قال تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [١٣]، فقرَنَهما بطاعةِ اللهِ ورسولِهِ. وفي سورةِ المزمِّلِ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [٢٠]. فضلُ الصلاة على الزكاةِ: وقد جاء الأمرُ بالصلاةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ أكثرَ مِن الزكاةِ؛ فجاء في مواضعَ كثيرةٍ الأمرُ بالصلاةِ وحدَها؛ لأهميتِها؛ كما في سورةِ الأنعامِ قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ [٧٢]، وفي سورةِ الأعرافِ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [٢٩]، وفي سورةِ يونسَ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٨٧]، وفي سورةِ الرومِ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [٣١]؛ مبيِّنًا أنَّ مِن خصالِ المشركينَ تَرْكَها. والحديثُ عن معاني هذه الآياتِ نُورِدُهُ هنا فيما يتعلَّقُ بوجوبِ الركنَيْنِ، وأمَّا فضلُ مؤدِّيهما، فمواضعُهُ كثيرةٌ في كتابِ اللهِ، وليس من شرطِ كتابِنا.

стр. 47

روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ؛ في قولِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ قال: فريضتانِ واجبتانِ؛ فأدُّوهما إلى اللهِ (١). وفي آيةِ البابِ دليلٌ على جملةٍ من المسائلِ: منها: فرضيةُ الصلاةِ والزكاةِ، وهما الرُّكْنانِ الثاني والثالثُ بالاتِّفاقِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ من حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ. . .)؛ الحديثَ (٢). ولحديثِ أبي هريرةَ في "الصحيحينِ"؛ في قصةِ سؤالِ جبريلَ للنبيِّ ﷺ ، لمَّا سأَلَهُ عن الإسلامِ، قَال: (الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ. . .)، الحديثَ (٣). وجوب القيام في الصلاة على القادر: ومنها: وجوبُ القيامِ في الصلاةِ، وهو ركنٌ من أركانِها، وجُعِلَ أداءُ الصلاةِ قيامًا؛ لأنَّ القيامَ أطولُ من غيرِهِ في الصلاةِ وقتًا، وهو أظهرُ بالبيانِ؛ ففي "الصحيحينِ"، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن البَرَاءِ؛ قال: "كان ركوعُ النبيِّ ﷺ وسجودُهُ، وبينَ السجدتَيْنِ، وإذا رفَعَ من الركوعِ - ما خلا القيامَ والقعودَ - قريبًا مِن السَّوَاءِ" (٤). يعني: أنَّ القيامَ لا يُقارَنُ طولًا بغيرِهِ؛ وإنَّما غيرُهُ يتشابَهُ فيما بينَهُ سجودًا وركوعًا، وجلوسًا بينَ السجدتَيْنِ ورفعًا من الركوعِ.

стр. 48

والإقامةُ مصدرُ أقامَ، وأصلُ القيامِ في اللغةِ هو الانتصابُ المضادُّ للقعودِ والاضطجاعِ والركوعِ، وإنَّما كان قيامًا؛ لأنَّ الأمرَ لا يتأتَّى إلا به لأهميتِهِ؛ فالقائمُ يفعلُ وَيَقْوَى على ما لا يقْوَى عليه القاعدُ. وقد جاء الأمرُ بالصلاةِ بعدَ الأمرِ بالإيمانِ؛ لأهميةِ التدرُّجِ والتسلسُلِ بالتشريعِ؛ كما جاء في حديثِ معاذٍ وبَعْثِهِ إلى اليمنِ؛ قال ﷺ : (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. . . ."؛ الحديثَ (١). وأمَّا الاستدلالُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ على أنَّ المرادَ به تسويةُ الصفوفِ، ففي ذلك نظرٌ؛ وذلك أنَّ اللهَ أمَرَ موسى وأخاهُ بإقامةِ الصلاةِ؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٨٧]، وتسويةُ الصفوفِ من خصائصِ هذه الأمَّةِ؛ كما روى مسلمٌ، عن رِبْعِيٍّ، عن حُذَيْفةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلَائِكَةِ. . .)؛ الحديثَ (٢). والزكاةُ: مِن زَكَا الشيءُ: إذا نَمَا (٣). وسُمِّيتْ بذلك؛ دفعًا لتوهُّمِ النقصِ الطارئِ على دافعِها. قال الشاعرُ: كَانُوا خَسًا أوْ زَكًا مِنْ دُونِ أرْبَعَةٍ … لَمْ يَخْلَقُوا، وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلِجُ (٤)

стр. 49

أرادَ بـ "خَسًا": الفردَ، وبـ "زَكًا": الزوجَ؛ في العَدَدِ. فضلُ الركوعِ: قولُهُ: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ فيه إشارةٌ إلى فضلِ الركوعِ، وأنَّ الخطابَ المتوجِّهَ إلى بني إسرائيلَ فيه نسخُ صلاتِهم؛ فصلاةُ اليهودِ لا ركوعَ فيها، ولذا قطَعَ اللهُ ما يُمكِنُهمْ تدليسُهُ أنَّ محمدًا أمَرَهم بلزومِ عادتِهم؛ فقال: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. دفعُ اللَّبْسِ عند الخطاب: وفي هذا: أنَّ دفْعَ اللَّبْسِ واجبٌ عندَ احتمالِهِ في فهمِ الخطابِ، وأنَّ السكوتَ عنه مع احتمالِ وجودِهِ تدليسٌ؛ فلا يجوزُ لعالمٍ في خطابِهِ أنْ يعمِّمَ في موضعٍ يَحتاجُ إلى تخصيصٍ، أو يغلِبُ على ظنِّهِ فهمُ معنًى خاصٍّ في الأذهانِ يُخالفُ الحقَّ. وأحبارُ بني إسرائيلَ إنَّما ضَلُّوا بقلبِ المعاني وتحريفِ الألفاظِ؛ فما أمكَنَهُمْ قلبُ معناهُ، قلَبُوهُ مع بقاءِ لفظِهِ، وما لم يُمكِنْهُمْ، قلَبُوا لَفْظَهُ لينقلِبَ معناه، وقلبُ المعاني في اليهودِ أكثرُ، وتحريفُ الألفاظِ لِيَتْبَعَها تحريفُ المعاني في النصارى أكثرُ؛ فالتوراةُ بعدَ تحريفِها أكثرُ تحريفًا للمعنى وأكثرُ بقاءً للفظِ، والإنجيلُ بعد تبديلِهِ أكثرُ تحريفًا للفظِ؛ ولهذا كانتِ اليهودُ أشدَّ كفرًا؛ لأنَّ اللفظَ لدَيْهم فيه الحُجَّةُ ومع ذلك يَلْوُونَ عُنُقَهُ عنادًا واستكبارًا، وأمَّا النصارَى، فحرَّفَ أسلافُهُم النصَّ وتَبِعَهُ المعنى، وانساقُوا على ما يرَوْنَهُ من لفظٍ ومعنى. فضلُ السجود على الركوعِ: والركوعُ عبادةٌ تختصُّ بالصلاةِ لا تصحُّ منفردةً عنها بخلافِ السجودِ؛ فقد جاء في الشريعةِ سجودُ التلاوةِ والشكرِ ونحوِهما بلا صلاةٍ، وأمَّا الركوعُ فلم يَرِدْ، ومثلُهُ القيامُ؛ لذا كان السجودُ أعظمَ عندَ اللهِ؛ لِتمحُّضِهِ

стр. 50

بالتعبُّدِ، فمَن سجَدَ لغيرِ اللهِ، كَفَرَ؛ لأنه لا يُعْرَفُ السجودُ في الأمَّةِ منفردًا ومتضَّمنًا إلا عبادةً، بخلافِ مَن قام وانحنى؛ فإن قصَدَ التعبُّدَ كفرَ؛ لأنَّ القيامَ بذاتِهِ للا صلاةٍ لا يدُلُّ دَلالةً تامَّةً على التعبدِ إلا بقرينةٍ، وإنْ قصَدَ التحيةَ، ابتدَعَ بالركوعِ، وكُرِهَ بالقيامِ، على الأصحِّ، إلا لسيِّدٍ مطاعٍ، وعالِمٍ، ووالِدٍ؛ يُقامُ له بلا طلبٍ منه. والعربُ كان يحيِّي بعضُها بعضًا بالركوعِ؛ قال الأَعْشَى: إِذَا مَا أَتَانَا أَبُو مَالِكٍ … رَكَعْنَا لَهُ وَخَلَعْنَا الْعِمَامَهْ (١) فضلُ الجماعةِ: وفي قولِهِ: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ فضلُ العملِ مع الناسِ عبادةً وعادة، وألَّا يكونَ الإنسانُ منفرِدًا بعملِهِ؛ فعملُهُ جماعةً أزكَى وأفضلُ؛ ففي "المسندِ"، و"سننِ أبي داود"، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى) (٢). وفي "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعشْرِينَ دَرَجَةً) (٣). والحثُّ على التكاثُرِ بأداءِ صلاةِ الجماعةِ أظهرُ في الشرعِ مِن أدائِها في المساجِدِ مع تأكُّدِهِمَا كِلَيْهِما؛ لأنَّ المساجِدَ وُضِعَتْ للاجتماعِ، وما جُعِلَ الاجتماعُ للمساجدِ، والصلاةُ في المسجدِ الذي فيه جماعةٌ أكثرُ:

стр. 51

أفضلُ مِنَ الصلاةِ في المسجدِ الأقدَمِ والأكبَرِ حجمًا إذا كانتْ فيه الجماعةُ أقلَّ؛ لظاهرِ النصوصِ، ولأنَّ الشريعةَ حَثَّتْ على الاجتماعِ أكثَرَ من تحديدِ مكانِهِ، إلا المساجدَ الثلاثةَ. وقولُهُ: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ إنَّما تَتِمُّ المعيَّةُ وتتحقَّقُ؛ باكتمالِ الموافَقةِ بدنًا واعتقادًا: فما يُمكِنُ فيه الاجتماعُ وشُرِعَ ذلك جماعةً، فالمعيةُ أكملُ بتحقُّقِهما، كالصلاةِ جماعةً ونحوِ ذلك؛ ولذا لمَّا أمَرَ اللهُ إبليسَ بالسجودِ مع الملائكةِ لآدمَ، ولم يسجُدْ، وتخلَّفَ عن موافقتِهم جماعةً، جعَلَ ذلك مخالَفةً لأمرِهِ، فقال: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢]، وذكَرَ حالَهُ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]. وما شُرِعَ فيه العملُ منفردًا ولم يُؤمَرْ به جماعةً، وجاء الأمرُ به بقولِهِ: ﴿مَعَ﴾؛ كقولِهِ تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، فيفعلُهُ الرجلُ في خاصَّتِهِ مع جماعةِ الناسِ الذين يُشارِكونَهُ هذا الوصفَ؛ فيكونُ مع الصادِقينَ بتَقْواهُ هو، وبالإسرارِ في مواضعِ الإسرارِ، والعلانيَةِ في موضعِ العلانيَةِ. وجوبُ صلاة الجماعةِ: واستُدِلَّ بهذه الآيةِ على وجوب صلاةِ الجماعةِ؛ ويؤيِّدُ ذلك ما جاء في "الصحيحينِ"، عن أبي هريرةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا، لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ) (١).

стр. 52

ونقَلَ غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابةِ على ذلك؛ حكاهُ ابنُ تيميَّةَ؛ وهو كذلك (١). وحكى الكاسانيُّ - مِن الحنفيَّةِ - العملَ عليها جيلًا بعدَ جيلٍ، وأنَّ ذلك أَمَارَةٌ على وجوبِها (٢). ويُنقَلُ في كلامِ فقهاءِ الحنفيَّةِ: أنَّ الجماعةَ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ؛ ومُرادُهم بذلك الوجوبُ؛ ويفهمُهُ بعضُ الفقهاءِ على أنَّ المرادَ بذلك: ما يُخالِفُ التأكيدَ بالوجوبِ؛ وفي هذا نظرٌ؛ قال علاءُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في "تُحْفةِ الفقهاءِ": "إنَّ الجماعةَ واجبةٌ، وقد سمَّاها بعضُ أصحابِنا: سُنَّةً مؤكَّدةً؛ وكلاهُما واحدٌ" (٣). وبنحوِه قال الكاسانيُّ وغيرُه (٤). والشافعيُّ ينصُّ على الوجوبِ في كتابِه "الأمِّ"؛ قال: "فلا أرخِّصُ لِمَن قَدَرَ على صلاةِ الجماعةِ في تركِ إتيانِها، إلا مِن عذرٍ" (٥). وقال النوويُّ: "وهذا قولُ اثنَيْنِ مِن كبارِ أصحابِنا المتمكِّنِينَ في الفقهِ والحديثِ؛ وهما: أبو بكرِ بنُ خُزَيْمةَ، وابنُ المُنْذِرِ. . .". (٦). وجماهيرُ أصحابِ أحمدَ على الوجوبِ، وهو المشهورُ عنه، وعنه روايةٌ أُخرى بالسُّنِّيَّةِ (٧)؛ وفيها نظرٌ. ويظهَرُ لي: أنَّه يرَى سُنِّيَّةَ الجماعةِ في المسجدِ إذا لم تعطَّلْ، فتعطيلُها فيها حرامٌ، وأصلُ الجماعةِ واجبٌ عندَهُ؛ إذا لم تتحقَّقْ في البيتِ، ففي المسجدِ.

стр. 53

وفي "الصحيحِ": قال ابنُ مسعودٍ: "وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، لَضَلَلْتُمْ" (١). وكثيرٌ مِن فقهاءِ المتأخِّرينَ مِن الحنفيَّةِ والشافعيَّةِ والمالكيَّةِ، يرَوْنَ استحبابَ صلاةِ الجماعةِ في المسجدِ (٢). ومذهبُهُمْ - وإنْ كان لهم سلفٌ فيه - إلا أنَّه يخالِفُ مذهبَ أئمَّتِهم وظواهرَ الأدلَّةِ، ولبعضِهم كلامٌ في عدمِ إيجابِ الصلاةِ في المسجدِ لمَن يَجِدُ الجماعةَ في غيرِه، ويظُنُّ بعضُ النقَلَةِ له: أنَّه لا يرَى وجوبَ الصلاةِ في الجماعةِ مطلَقًا؛ حيثُ لا يفرِّقونَ بينَ المسألتينِ: بينَ وجوبِ إجابةِ النداءِ في المسجدِ للجماعةِ فيه، وبينَ وجوبِ الجماعةِ بعينِها. * * * قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤]. كتَبَ اللهُ على بني إسرائيلَ مِن أصحابِ موسى قَتْلَ أنفسِهم؛ عقابًا لهم على اتِّخاذِ العجلِ مِن دونِ اللهِ معبودًا، وهو الظُّلْمُ المقصودُ في الآيةِ: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، والشِّركُ أعظمُ الظلمِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].

стр. 54

وروى ابنُ جريرٍ الطبريُّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ قالا: قامَ بعضُهم إلى بعضٍ بالخَناجِرِ يقتُلُ بعضُهم بعضًا، لا يَحِنُّ رجلٌ على رجلٍ قريبٍ ولا بعيدٍ، حتى أَلْوَى موسى بثوبِهِ، فطرَحُوا ما بأيدِيهم، فتكشَّفَ عن سبعينَ ألفَ قتيلٍ، وإنَّ اللهَ أوْحَى إلى موسَى: أن حَسْبِي، فقدِ اكْتَفَيْتُ! فذلكَ حينَ أَلْوَى بثوبِهِ (١). إقامةُ الحدودِ بالإمامِ ونُوَّابه: وهؤلاءِ أقامُوا حَدَّ اللهِ على أنفسِهم بأمرِ اللهِ وبلاغِ موسى، وفي هدا إشارةٌ إلى أنَّ حدودَ اللهِ وأحكامَهُ يجوزُ أنْ يُقِيمَها الناسُ فيما بينَهم عندَ تحقُّقِ العدلِ وانتفاءِ الظلمِ والبغيِ، وذلك بأمرِ الإمامِ ومباشَرةِ صاحِبِ الحَقِّ بنفسِهِ بقتلِ قاتِلِ وليِّهِ بإذنِ الإمامِ، وهو صحيحٌ في قولِ جمهورِ العلماءِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. ولِمَا روى مسلمٌ في "صحيحِه"؛ مِن حديثِ عَلْقمةَ بنِ وائلٍ؛ أنَّ أباهُ حدَّثَهُ قال: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَقتَلْتَهُ؟ ) - فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ، أَقَمْتُ عَلَيْهِ البَيِّنَةَ - قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتُهُ، قَالَ: (كَيْفَ قتَلْتَهُ؟ )، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِن شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي، فَأَغضَبَنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ، فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟ )، قَالَ: مَا لِي مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي، قَالَ: (فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟ )، قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ، فَرَمَى إِلَيْهِ بِنِسْعَتِهِ، وَقَالَ: (دُونَكَ صَاحِبَكَ)، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ

стр. 55

رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنْ قَتَلَهُ، فَهُوَ مِثْلُهُ)، فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: (إِنْ قَتَلَهُ، فَهُوَ مِثْلُهُ)، وَأخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ، وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟ )، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ - لَعَلَّهُ قَالَ: بَلَى - قَالَ: (فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ)، قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخلَّى سَبِيلَهُ (١). فالنبيُّ ﷺ دفَعَهُ إليه بقولِه: (دُونَكَ صَاحِبَكَ). وإلى هذا ذهَبَ جماعةٌ مِن السلفِ؛ كابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومجاهدٍ، وطَلْقِ بنِ حبيبٍ، وقتادةَ، وجماعةٍ. وقولُهُ ﷺ في الحديثِ: (إِنْ قَتَلَهُ، فَهُوَ مِثْلُهُ)؛ أيْ: أنَّه لا فَضْلَ ولا مِنَّةَ لأحدِهما على الآخَرِ؛ لأنَّه أخَذَ حقَّهُ واستَوْفاه؛ فلبس له أَجْر، ولا جميلُ ذِكْر. وظاهرُ مذهبِ الحنابلةِ: أنَّ حضورَ الوالي أو نائبِهِ واجبٌ؛ خوفًا مِن التعدِّي (٢). ومذهبُ الشافعيَّةِ: أنَّ حضورَه مسنونٌ؛ إذا كان وليُّ الدمِ ثقةً عدلًا. والأصلُ: أنَّه لا بُدَّ مِن أخذِ إذنِ وليِّ الأمرِ في الاستيفاءِ، ومَنِ استَوْفاهُ بنفسِهِ، مضَى استيفاؤُهُ إذا كان وَفْقَ حُكْمِ الله، وللوالي تَعْزِيرُهُ لافتئاتِه عليه، وله العفوُ عنه. روى ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيرِه"، عن ابنِ عباسٍ ﵁؛ فِي قولِهِ تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]؛ قال:

стр. 56

ينصُرُهُ السلطانُ حتى يُنصِفَهُ مِن ظالِمِهِ، ومَنِ انتصَرَ لنفسِهِ دونَ السلطانِ، فهو عاصٍ مسرِفٌ، قد عَمِلَ بحَمِيَّةِ أَهْلِ الجاهليَّةِ، ولم يَرْضَ بحُكْمِ اللهِ (١). استيفاءُ صاحب الحقِّ حقَّه بنفسِهِ: واستيفاءُ صاحبِ الحقِّ أو وليِّ دمِهِ لِمَا دونَ النَّفْسِ: يُمنَعُ على الصحيحِ؛ لعدمِ الأمنِ مِن التجاوُزِ والتعذيبِ. والشريعةُ أغلَقَتْ بابَ الثأرِ؛ لأنَّه يُفضِي إلى تسلسُلِ العداوةِ مِن الأفرادِ إلى قتلِ الجماعاتِ انتقامًا، وهكذا كان الجاهليُّون؛ ففي "صحيحِ البخاريِّ"، عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ) (٢). وفي "مسندِ أحمدَ"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ : مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بِذُحُولِ الجَاهِلِيَّةِ) (٣). إقامةُ الحدود لولي الأمر: وأصلُ إقامةِ الحدودِ - كحدِّ الزاني، والسارقِ، والقاتلِ، وشاربِ الخمرِ، والقاذفِ، والمرتدِّ، وغيرِ ذلك -: لوليِّ الأمرِ بالاتِّفاقِ، ولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَفْتَئِتَ عليه، والتعدِّي عليه في حقِّه يستوجِبُ التعزيرَ. وقد قال تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢]، والأمرُ في هذه الآيةِ متوجِّهٌ إلى وليِّ الأمرِ؛ قال ابنُ العربيِّ في "تفسيرِهِ": "لا خلافَ أنَّ

стр. 57

المخاطَبَ لهذا الأمرِ بالجَلْدِ: الإمامُ ومَن نابَ عنه" (١). روى ابن أبي شَيْبةَ، عن الحسنِ؛ قال: "أربعةٌ إلى السُّلْطانِ: الزكاةُ، والصلاةُ، والحدودُ، والقضاءُ" (٢). ورُوِيَ هذا عن جماعةٍ مِن السلفِ؛ كعطَاءٍ الخُرَاسانيِّ، وابنِ مُحَيْرِيزٍ (٣). وهذا في كلِّ حَدٍّ أو تعزيرٍ، ولو كان الضررُ ظاهرًا في حقِّ إنسانٍ بعينِهِ؛ روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن أبي أسامةَ، عن محمدِ بنِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ؛ قال: "السلطان وليُّ مَن حارَبَ الدِّينَ، وإنْ قتَلَ أخَا امرئٍ أو أباهُ" (٤). لأنَّ الأمرَ لو وُكِلَ إلى الإنسانِ صاحِبِ الحقِّ أنْ يَستوفيَ بنفسِهِ، لَظَهَرَ البغيُ في الناسِ، ولانتقَمَ أهلُ الجاني الأولِ مِن المقتَصِّ، وتسلسَلَ الأمرُ واتَّسعَتْ دائرةُ الفتنةِ، وقد بيَّنَ سبحانَه أنَّ صاحِبَ الحقِّ قد يَبْغِي فحذَّرَه مِن ذلك، فقال: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]؛ يعني: لا يَتَّخِذْ حقَّه في إقامةِ الحدِّ ذريعةً إلى البغيِ. وهذا في الحدودِ والقِصَاصِ: وأمَّا في التعزيراتِ: فذهَبَ الشافعيُّ إلى أنَّها حقٌّ للإمامِ لا واجبةٌ عليه؛ وعلةُ ذلكَ: أنَّ لوليِّ الأمرِ أن يعفُوَ عن المجرمِ، وأن يعفُوَ عن العقوبةِ لمصلحةٍ يراها، فله إنزالُ العقوبةِ وله عدمُ إنزالِها، والأمرُ يتعلَّقُ بالمصلحةِ العامةِ

стр. 58

لا المصلحةِ الخاصةِ به، وكلُّ ما للإنسانِ أنْ يفعَلَهُ أو يترُكَهُ، فهو حقٌّ له وليس واجبًا عليه. وظاهرُ مذهبِ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ: أنَّ التعزيرَ واجبٌ على الإمامِ، وليس حقًّا له، ويرَوْنَ أنَّ له العفوَ ما قامَتِ المصلحةُ العامةُ (١). وهذا تفرَّعُ عن كونِ وليِّ الأمرِ يُدرِكُ مصالحَ العامَّةِ، وأنَّه مِن أهلِ المعرفةِ والعدالةِ. تعطيلُ الحاكمِ للحدودِ: وفي حالِ تعطيلِ إقامةِ الحدِّ مِن فِبَلِ الحاكمِ: فهل يسوغُ قيامُ الأفرادِ باستيفاءِ الحدودِ مِن دونِه، في حالِ ظهورِ البيِّنةِ في الحدِّ والتعزيرِ واكتمالِ شروطِها، وكان تعطيلُ الحاكِمِ لها تعطيلًا لأصلِ الحكمِ بما أنزَلَ الله، وليس لأنَّ البيِّناتِ لم تتوافَرْ؟ : وجوابُ هذا يُعرَفُ بموازنةِ المصلحةِ المتحقِّقةِ بالمَفْسَدةِ المترتِّبةِ، وهنا مفسدتانِ: المفسدةُ الأُولى: تعطيلُ الحدودِ وإقامةِ حكمِ اللهِ: وفي إقامةِ حكمِ اللهِ لدَيْنا أمرانِ: الحُكْمُ، والتحكيمُ: الأولُ: الحكمُ به، وهذا منوطٌ بالحاكمِ الذي يُقِيمُها، وقد وجَّهَ اللهُ الخطابَ به إلى نبيِّه؛ لأنَّه خليفتُه في هذا الأمرِ؛ قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء. ١٠٥]، وقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، والحكمُ بشِرْعةِ اللهِ فريضةُ كلِّ الأنبياءِ؛ قال تعالى عن موسى ومَن تَبِعَهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا

стр. 59

هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال عن عيسى وقومِهِ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧]، وقال لداودَ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. ومَن وَليَ الأمرَ على أمَّةِ الإسلامِ، فهو خليفةٌ لرسولِ اللهِ، والأمرُ يتوجَّهُ إليه مِن بابِ أَولى، ويجبُ عليه تحكيمُ شِرْعةِ اللهِ، وتوجيهُ الخطابِ إلى الناسِ بالنزولِ على أمرِ اللهِ، ودَعْوَتُهم إلى ذلك، ويجبُ على الناسِ السمعُ والطاعةُ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، والحكمُ بما أنزَلَ الله عبادةٌ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]. وتشريعُ حُكْمٍ غيرِ حكم اللهِ موصوفٌ فاعلُهُ: بالكفرِ، والظلمِ، والفسقِ؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] , ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. الثاني: التحكيمُ، ويكونُ من الناسِ للحاكمِ؛ فيتقدَّمونَ بطلبِ حقِّهم، وطَلَبُهم حكمَ اللهِ واجب إن لم يَنزِلُوا إلى العفوِ والصلحِ بما لا يُخالِف نصًّا، وتحكيمُ شريعةِ اللهِ واجبٌ في جميعِ الشرائع؛ قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] , وقال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ [ص: ٢٢] , وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] , وقال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢].

стр. 60

وتحكيمُ حكمِ الله واجبٌ مؤكَّدٌ على أمَّةِ محمدٍ ﷺ ، بل له أثرٌ على إيمانِهم قوةً وضعفًا، وصحةً وبطلانًا؛ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]؛ ففرَضَ اللهُ عليهم التسليمَ والرِّضا؛ فكيف بأصلِ التحاكمِ ووجوبِه؟ ! المفسدةُ الثانيةُ: تعطيلُ التحاكمِ إلى الشريعةِ: وإذا لم يُقِمِ الحاكمُ الحُكْمَ، فتلك مفسدةٌ أعظمُ مِن عدمِ تحاكُمِ بعضِ الناسِ إلى حكمِ اللهِ؛ لأنَّ تحكيمَ غيرِ حكمِ اللهِ مفسدتُهُ عامَّةٌ على الناسِ كلِّهم، وأمَّا عدم تحاكمِ فردٍ أو جماعةٍ إلى حكمِ اللهِ، فتلك مفسدةٌ خاصةٌ بهم. وإذا غلَبَ وجودُ منكَرٍ، والحاكمُ يَغلِبُ على الظنِّ أنَّه لا يحكُمُ بحكمِ اللهِ، فالمشهورُ عن أحمدَ: عدمُ رفعِه إليه، والاكتفاءُ بزَجْرِ صاحِبِ المنكَرِ وإخافَتِه. وإذا كان الحاكمُ يعاقِبُ صاحبَ المنكَرِ عقابًا دونَ عقابِ الشرعِ، وليس أكثرَ منه، فلا يَتجاوَزُ ويَظلِمُهُ -: فالأظهرُ جوازُ رفعِ المنكرِ إليه؛ تقليلًا للشرِّ على الناسِ، مع عدمِ الرِّضا بالحكمِ الذي يخالِفُ حكمَ اللهِ. وإذا تعذَّرَ على الناسِ إقامةُ حكمِ اللهِ بواسطةِ الحاكمِ، فهل لهم أنْ يُقِيمُوا حكمَ اللهِ فيما بينَهم دونَ الرجوعِ إليه؟ : الذي يظهرُ أنَّ هذا على حالَيْنِ: الحالُ الأُولى: إذا كان هذا لا يُفضِي إلى مفسدةٍ عامَّةٍ؛ مِن تَدَاعٍ إلى أخذِ الثأرِ مِن الناسِ جاهِلِهم وعالِمِهم، بالحقِّ والباطلِ، ويُجعَلُ

стр. 61

تفسيرُ ذلك إلى الخاصَّةِ العالمةِ، ولا يُفضِي إلى إفسادِ دينهِم ودُنياهم مع السلطانِ المعطِّلِ لحكمِ اللهِ؛ بحيثُ يقتُلُهم أو يَحْبِسُهم -: فالأصلُ وجوبُ إقامتِهم لحكمِ اللهِ فيما بينَهم بتوليةِ واحدٍ منهم؛ إذا انتفَت تلك المفاسدُ الكبرى. فالشريعةُ جاءتْ بالحدودِ لضبطِ حياةِ الناسِ وأَمْنِهم وإعادةِ حقوقِهم، فإذا أفْضَى حكمُهم بينهم بذلك إلى مفسدةٍ أكبَرَ بتسلُّطِ حاكمٍ ظالمٍ يُفسِدُ مِن دينِهِم ودُنياهم ما يسعَوْنَ إلى إصلاحِهِ -: فلا يجوزُ لهم فعلُه. وما يَجِدُونَ فيه فُسْحةً - خاصَّةً مِن المسلِمينَ مِن الأقليَّاتِ في دولِ الكفرِ - فيجبُ عليهم الحكمُ بشرعِ اللهِ؛ كعُقُودِ زواجِهم بينَهم، ومَن رضِيَ وقَبِلَ منهم أنْ يُنزِلُوهُ على حكمِ اللهِ في شربِهِ للخمرِ والزِّنى والقتلِ وعقودِ البيوعِ، وجَبَ عليهم إمضاؤُها على حكمِ اللهِ، ولو لم يَرجِعوا إلى الحاكمِ المعطِّلِ. الحالُ الثانيةُ: إذا كان هذا يُفضِي إلى مفسدةٍ بتسلُّطِ حاكمٍ ظالمٍ، فيُفسِدُ مِن دُنياهم أعظمَ ممَّا يَرْجُونَ صلاحَهُ، أو يَجْعَلُ تفسيرَ الحدودِ والقِصَاصِ وبيانَها إلى الأفرادِ يَجتَهِدُونَ بجهلٍ وعلمٍ، ويُفضِي إلى الثأرِ والانتقامِ، فهذا مفسدتُهُ ظاهرةُ العمومِ؛ فلا يجوزُ، ومعرفةُ ذلك وضبطُهُ للعالِمِ العارِفِ بأحوالِ الناسِ وقضايا الأعيانِ، وليس بحكمٍ مشوبٍ بهوًى، فالشريعةُ جاءتْ لضبطِ حالِ الناسِ العامِّ والخاصِّ. مسألةٌ: في إقامةِ الحدودِ على المَوَالِي: أمَّا الإماءُ والعبيدُ، فذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى جوازِ إقامةِ الحدِّ على العبدِ مِن سيِّدِه؛ ذهب إلى هذا مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ، وهو قولُ

стр. 62

أكثرِ الصحابةِ والتابعينَ، وعليه عملُهم (١). وجاء عن مالكٍ استثناءُ حدِّ القطعِ في السرقةِ، وجعَلَهُ لوليِّ الأمرِ بكلِّ حالٍ (٢). ويرى أبو حنيفةَ: أنَّ ذلك كلَّه للإمامِ، وفي مذهبِ الحنفيَّةِ قولٌ: أنَّه لا يُقيمُ السيدُ الحدَّ على عبدِه إن كان عبدُهُ زوجًا لحُرَّةٍ، أو لِأَمَةِ غيرِه، أو كانتْ أَمَتُهُ زوجةً لحُرٍّ، أو لعبدِ غيرِه؛ ففي هذه الصورِ لا يُقيمُ الحدَّ إلا الإمامُ فقط (٣). وهذا مرويٌّ عن ابنِ عمرَ؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن الزُّهْريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال في الأَمَةِ إذا كانت ليست بذاتِ زوجٍ، فزَنَتْ: جُلِدَتْ نِصفَ ما على المُحْصناتِ مِن العذابِ؛ يَجلِدُها سيِّدُها، فإن كانت مِن ذواتِ الأزواجِ، رُفِعَ أمرُها إلى السلطانِ (٤). والأصلُ: أنَّ الحدودَ على الإماءِ والعبيدِ يُقِيمُها أَهْلُوهُمْ في حالِ قيامِ البيِّنةِ. والبيِّنةُ في حقِّ الإماءِ كالبيِّنةِ في حق الحرائرِ لا فَرْقَ؛ فقد روى الشيخانِ، عن أبي هُرَيْرةَ ﵁؛ قال: سَمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِن زَنَتْ، فَليَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا وَلَو بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) (٥). والخطابُ توجَّهَ هنا إلى سيِّدِها، ولكنَّه أمرَ بالاستيثاقِ في قولِهِ:

стр. 63

(فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا)، وأمرَ بعدمِ التعدِّي والتعنيفِ في قولِه: (وَلَا يُثَرِّبْ)؛ فإنَّ الزيادةَ عن الحدِّ ظلمٌ، وحدُّ الأَمَةِ نصفُ حدِّ الحُرَّةِ، كما يأتي بيانُهُ بإذنِ اللهِ. ويظهرُ الخطابُ متوجِّهًا إلى السيدِ فيما روى مسلمٌ, والتِّرمِذيُّ، وغيرُهما؛ مِن حديثِ أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ؛ قال: خطَبَ عليٌّ ﵁، فقال: أيُّها الناسُ، أَقِيمُوا الحدودَ على أَرِقَّائِكم؛ مَن أَحْصَنَ منهم ومَن لم يُحْصِنْ؛ فإنَّ أَمَةً لرسولِ اللهِ ﷺ زنَتْ فأَمَرَني أنْ أَجلِدَها, فإذا هي حديثُ عهدٍ بالنفاسِ، فخَشِيتُ إنْ أنا جَلَدتُّها أنْ تموتَ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ فأخبَرتُه، فقال: (أَحْسَنْتَ، اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ) (١). وهذا هو عملُ الصحابةِ والتابعينَ، ومِثلُ هذا العملِ إذا وقَعَ في زمنِهم يشتهِرُ ويستفيضُ ويَصِلُ إلى الحاكمِ والمحكومِ، وإذْ لم يُعارَضْ صريحًا مِن إمامِ المسلِمينَ حِينَها، دلَّ على جوازِهِ وصحةِ وقوعِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: "رُوِيَ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ: أنَّهم أقامُوا الحدودَ على ما ملَكَتْ أيمانُهم؛ منهم ابنُ عمرَ، وابنُ مسعودٍ، وأنسٌ، ولا مخالِفَ لهم مِن الصحابةِ" (٢). فقد روى ابن أبي شَيْبةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى؛ قال: "أدرَكْتُ أشياخَ الأنصارِ إذا زنَتِ الأَمَةُ، يَضرِبونَها في مَجالِسهم" (٣). وروى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ: "أنَّه كان يضرِبُ أمَتَهُ إذا فجَرَتْ" (٤). وأخرَجَ عبدُ الرزَّاقِ، ومِن طريقِه ابنُ حزمٍ في "المحلَّى"، عن

стр. 64

نافعٍ: "أنَّ ابنَ عمرَ قطَعَ يدَ غلامٍ له سرَقَ، وجلَدَ عبدًا له زَنَى؛ مِن غيرِ أن يرفَعَهما" (١). ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ - كما رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في "السُّننِ"، ومِن طريقِه البيهقيُّ في "الكُبرى"، والطبرانيُّ في "الكبيرِ"، عن عمرِو بنِ شُرَحْبِيلَ: "أنَّ مَعْقِلَ بنَ مُقَرِّنٍ أتى عبدَ اللهِ، فقال: عبدي سرَقَ مِن عندي قَبَاءً؟ قال: مالُكَ سرَق بعضُه في بعضٍ، قال: أظنُّه ذَكَرَ: أَمَتي زنَتْ؟ ! قال: اجلِدْها، قال: إنَّها لم تُحْصَنْ؟ قال: إحصانُها إسلامُها" (٢). وروى عبدُ الرزَّاقِ، عن الثوريِّ، عن إبراهيمَ: "أنَّ مَعْقِلَ بنَ مُقَرِّنٍ المُزَنِيَّ جاء إلى عبدِ اللهِ، فقال: إنَّ جاريةً لي زنَتْ؟ فقال: اجلِدْها خَمْسِينَ، قال: ليس لها زوجٌ؟ قال: إسلامُها إحصانُها" (٣). وروى ابنُ أبي شَيْبةَ أيضًا، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ والأسودِ: "أنَّهما كانا يُقيمانِ الحدودَ على جَوَارِي الحيِّ إذا زَنَيْنَ في المجالسِ" (٤). وكان الصحابةُ يُفْتُونَ بذلك ويأمُرونَ بإقامةِ السيِّدِ الحدَّ على أَمَتِهِ مِن غيرِ أمرٍ بإرجاعِ ذلك إلى وليِّ الأمرِ؛ كما روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن إبراهيمَ، عن همامٍ، عن عمرِو بنِ شُرَحْبِيلَ؛ قال: "جاءَ مَعْقِلٌ المُزَنيُّ إلى عبدِ اللهِ، فقال: جاريتي زنَتْ، فأَجْلِدُها؟ فال: فقال عبدُ اللهِ: اجلِدْها خمسينَ، فقال: عادتْ؟ فقال: اجلِدْها" (٥). وذلكَ أنَّ الأمَةَ والعبدَ مِن جملةِ مِلْكِ السيدِ، فيملِكُ بيعَهُ وشراءَهُ،

стр. 65

فيملِكُ تأديبَهُ من بابِ أَولى؛ فالتأديبُ شيءٌ عارضٌ، والمِلْكُ دائمٌ، فلمَّا جازَ شرعًا المِلْكُ الدائمُ، جاز التأديبُ العارضُ. ولوليِّ الأمرِ إذا فَشَا ظلمُ العبيدِ والإماءِ أن يكِلَ الأَمْرَ إليه؛ وذلك أنَّ الشريعةَ جاءتْ بدفعِ المفاسدِ، فإذا كانتْ تتحقَّقُ المصلحةُ بإقامةِ الحدِّ مِن الوالي مِن غيرِ تفريطٍ، فله ذلك، وإلا فتركُهُ للناسِ هو الأصلُ، وعليه عملُ الصحابةِ والتابعينَ؛ فقد روى عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ؛ قال: "مضَتِ السُّنَّةُ أنْ يَحُدَّ العبدَ والأمَةَ أهلوهما في الفاحشةِ، إلا أنْ يُرفَعَ أمرُهما إلى السُّلْطانِ؛ فليس لأحدٍ أن يَفْتَئِتَ على السلطانِ" (١). والرفعُ عن أصلٍ لا يكونُ إلا بتحقُّقِ مفسدةٍ ظاهرةٍ مِن بقاءِ الأصلِ لا يُمكِنُ تلافِيها ببقائِه، فإذا تحقَّقتِ المصلحةُ بالإمامِ، فيجوزُ رفعُهُ إليه. * * * قال تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]. أمَرَ اللهُ بَني إسرائيلَ بالسجودِ عندَ دخولِ بيتِ المَقْدِسِ، وهي القريةُ المذكورةُ في الآيةِ، وهذا هو الأشهرُ؛ قاله ابنُ عباسٍ (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادةُ والسُّدِّيُّ والربيعُ (٤).

стр. 66

وقيل: هي أرِيحَا، وهي قريبةٌ مِنْ بيتِ المَقْدِسِ؛ قاله عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ (١). والقريةُ: ما اتُّخِذَ قَرَارًا للناسِ ممَّا اجتمَعتْ فيه الأبنيةُ؛ كالحجارةِ والطِّينِ والخشبِ، وما لا قرارَ فيه - كأماكنِ الباديةِ التي يسكُنُونَ فيها ببوتَ الشَّعَرِ - فلا تُسمَّى قُرًى؛ لأنَّهم يرتحِلونَ عنها يتتبَّعونَ منافعَ مَوَاشِيهم. والقريةُ: اسمٌ يُطلَقُ على المدنِ المعمورةِ المسكونةِ طَوالَ العامِ. ثمَّ قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ , قدَّمَ السجودَ على الأكلِ؛ لأنَّ النعمةَ تحقَّقتْ بالدخولِ والتمكينِ قبلَ الأكلِ، فينبغي أنْ يكونَ الشكرُ عندَ التمكينِ مِن النعمةِ، وفي أثنائِها، وبعدَها. والبابُ: مِن أبوابِ بيت المَقْدِسِ؛ قاله ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ (٢). سجودُ الشكرِ: والسجودُ الذي أُمِروا به عندَ الدخولِ هو سجودُ الشكرِ، وفُسِّرَ السجودُ هنا بأنَّه الركوعُ؛ رواهُ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ والعَوْفِيُّ عن ابنِ عباسٍ (٣)، وهو الأصحُّ؛ لأنَّهم أُمِرُوا بالسجودِ مقترِنًا بالدخولِ؛ وهذا يتحقَّقُ في الركوعِ. والسجودُ في اللُّغةِ يُطلَقُ على الانحناءِ على سبيلِ التعظيمِ؛ سواءٌ مسَّ الأرضَ أو لم يمَسَّها، ومنه قولُ الشاعرِ: بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهِ … تَرَى الأُكْمَ مِنهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ (٤)

стр. 67

والأُكُمُ: التلالُ المرتفعةُ, جمعُ أكَمةٍ، وقيل: أُكُمٌ جمعُ: إِكَامٍ، وإكَامٌ جمعُ: أكَمٍ، وأكَمٌ جمعُ: أكَمةٍ (١). يقولُ: تخضعُ الأُكُمُ وتهبِطُ خشوعًا مِن وَقْعِ حوافِرِ الخيلِ؛ وهي البُلْقُ، فالمرادُ بالسجودِ هنا: هو الخضوعُ والخشوعُ. والسجودُ يُورِثُ الإنسانَ تواضُعًا للخالقِ؛ ولذا أمَرَ اللهُ به هنا؛ قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ صحَّ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: "هو التواضُعُ" (٢). وإذا رأيتَ متكبِّرًا، فاعلَمْ أنَّه قليلُ الصلاةِ أو عديمُها؛ لا يجتمعُ كِبرٌ مع كثرةِ سجودٍ. وفي الآيةِ إشارةٌ إلى أنَّه يُشرَعُ للمتمكِّنِ مِن الدخولِ إلى نعمةٍ كُبرى - كفتحِ بلدٍ أو أرضٍ فيها نَعِيمٌ ورغدُ عيشٍ - أنْ يدخُلَها مطرِقًا للهِ منكسِرًا؛ حتى لا يُورِثَهُ تمكُّنُهُ منها بَطَرًا وأَشَرًا وكِبْرًا؛ فإنَّ الإنسانَ عندَ تغيُّرِ حالِهِ مِن ضعفٍ إلى قوةٍ، ومِن ذلٍّ إلى تمكينٍ، ومِن فقرٍ إلى غنًى، يجدُ في نفسِهِ نَشْوةً وسَكْرةً تختلِفُ عمَّا يجدُهُ المستديمُ على النعمةِ، والنعمةُ العظيمةُ الحادثةُ لها سَكْرةٌ على النفسِ تُفقِدُها توازُنَها، فإذا لم يَكسِرْها بتواضعٍ مِن أوَّلِ الأمرِ بالسجودِ للخالقِ والتضرُّع والتذلُّلِ له، تمكَّنتْ منه حتى أورَثتْهُ غرورًا وكِبْرًا وبغيًا على الخلقِ، وخاصةً النعمةَ المفاجئةَ للإنسانِ بعدَ بأسٍ وشدةٍ وفقرٍ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: ٢١] العبادةُ عندَ فَجْأةِ النعم: والنعمةُ المفاجئةُ بلا تدرُّجٍ: استدراجٌ، فلا يقابِلُها إلا شدةُ

стр. 68

التواضعِ والخشوعِ؛ ولذا كانت نعمُ اللهِ على نبيِّه ﷺ على التدرُّجِ، ومع هذا فقد لزِمَ ﷺ التواضعَ وزادَهُ عندَ نزولِ النعمِ العظيمةِ. ودخَلَ النبيُّ ﷺ مكةَ وهو مطأطِئُ الرأَسِ تواضُعًا وخشوعًا للهِ؛ وذلك لأنَّه خرَجَ منها متخفِّيًا طريدًا، ورجَعَ إليها سيِّدًا فاتحًا، مع كثرةِ الأَتْباعِ، وأخرَجَ ابنُ إسحاقَ - وعنه ابنُ المباركِ في "الزهدِ" - قال محمدُ بنُ إسحاقَ: "حدَّثَني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، وابنُ أبي نَجِيحٍ، ويحيى بنُ عبَّادٍ؛ قالوا: أقبَلَ رسولُ اللهِ ﷺ حتى وقَفَ بذي طَوًى، وهو مُعْتَجِرٌ ببُرْدٍ حِبَرَةٍ، فلمَّا اجتمَعتْ عليه خيولُةُ ورأَى ما أكرَمَهُ اللهُ به، تواضَعَ للهِ حتى إنَّ عُثْنُونَهُ لَتمَسُّ واسطةَ رَحْلِهِ" (١). وروى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ جعفرِ بن سُلَيْمانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ؛ قال: "دخَلَ رسولُ الله ﷺ مَكَّةَ يومَ الفتحِ وذَقَنُهُ على رحلِهِ متخشِّعًا" (٢). ومِن أولِ ما فعَلَهُ عندَ دخولِه مكةَ: صلاتُهُ في داخلِ الكعبةِ؛ كما جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديث نافعٍ، عن عبدِ اللهِ ﵁؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقبَلَ يومَ الفتحِ مِن أعلى مَكَّةَ على راحلتِهِ مردِفًا أسامةَ بنَ زيدٍ، ومعه بلالٌ، ومعه عثمانُ بنُ طَلْحةَ مِن الحَجَبَةِ، حتى أناخَ في المسجدِ، فأمَرَهُ أنْ يأتيَ بمِفتاحِ البيتِ ففتَحَ، ودخَلَ رسولُ اللهِ ﷺ ومعه أسامةُ وبلالٌ وعثمانُ، فمكَثَ فيها نهارًا طويلًا، ثمَّ خرَجَ، فاستبَقَ الناسُ، فكان عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ أوَّلَ مَن دخَلَ، فوجَدَ بلالًا وراءَ البابِ قائمًا، فسألَهُ: أين صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ ؟ فأشارَ له إلى المكانِ الذي صلَّى فيه، قال عبدُ اللهِ: فنَسِيتُ أن أسألَهُ: كم صلَّى مِن سجدةٍ؟ (٣).

стр. 69

وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ هي مِن ألفاظ الاستغفارِ لبني إسرائيلَ؛ أُمِرُوا بها عندَ الدخولِ؛ يُقالُ: حَطَّ اللهُ عنك خطايَاك، فهو يحُطُّها حِطَّةً؛ روى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ؛ قال سعيد بنُ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: حِطَّةٌ: مغفرةٌ. وبه قال: استغفِروا اللهَ (١). وهو قولُ أكثرِ المفسِّرينَ مِن السلفِ؛ ويؤيِّدُ هذا أنَّه قال بعدَ ذلك: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾؛ أي: استغفِروا ليُغفَرَ لكم، ولكنَّهم خالَفُوا أمرَ اللهِ، فزحَفُوا على أَسْتَاهِهِمْ؛ أي: مَقَاعِدِهم؛ كما في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁؛ يقولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ , فَبَدَّلُوا؛ فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ) (٢). وهذا التبديلُ مِن تبديلِ اللفظِ وتبديل المعنى وتبديلِ العملِ؛ وهو شرُّ أنواعِ التحريفِ لأَمْرِ اللهِ، وهو المقصودُ في قولِه بعدَ ذلك: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]. أفضلُ أنواعِ التوبةِ وأقواها: وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ أقوَى أنواعِ التوبةِ: تلك التي يجتمِعُ فيها عملُ القلبِ وعملُ الجوارحِ وقولُ اللسانِ؛ ولذا أمَرَهم اللهُ بالسجودِ، وأمَرَهُمْ بقولِ: "حِطَّةٌ"، ولا بدَّ مِن عملِ القلبِ؛ لأنَّه أصلُ الامتثالِ بهذه المأموراتِ، وأنَّ هذا هو أعظمُ الإحسانِ؛ ولذا قال: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، مع أنَّ الإتيانَ بالأعمالِ الصالحةِ في ذاتِه مكفِّرٌ للسيِّئاتِ؛ لقولِه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].

стр. 70

والسجودُ في القرآنِ على نوعينِ: النوعُ الأولُ: سجودُ تسخيرٍ: وذلك كما في قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقولِه تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] , وقولِه تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. وكلُّ علامةٍ يُبصِرُها الإنسانُ في الكونِ ويراها ناطقةً على كونِ الخالقِ هو اللهَ، فتلك العلامةُ مِن السجودِ للهِ؛ لأنَّها امثالٌ لتدبيرِ اللهِ وأمرِهِ، فدلَّت عليه بامتثالِها، ولا يمتثِلُ إلا متذلِّلٌ خاشعٌ مخلوقٌ. النوعُ الثاني: سجودُ اختيارٍ: وذلك كما في آيةِ البابِ, وكثيرٌ منِ ذِكرِ السجودِ في القرآنِ يرادُ به هذا النوعُ؛ قال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. وبعضُ آيِ القرآنِ يدخُل فيه النوعانِ؛ كما في قولِه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩]. والنوعُ الثاني أعظمُ عندَ اللهِ؛ لأنَّ الفعلَ يعظُمُ عندَ مَن يختارُهُ، على مَنْ لا يجدُ غيرَهُ؛ لهذا فَضَّلَ اللهُ الإنسانَ الساجدَ على غيرِهِ منِ المخلوقاتِ. الأصلُ في السجودِ في الوحي: وإذا أُطلِقَ السجودُ في القرآنِ والسُّنَّة، وتجرَّدَ مِن قرينةٍ تَصْرِفُهُ، فالمرادُ به السجودُ على الأَعظُمِ السبعةِ، وأصبَحَ هذا مصطلَحًا عليه في كتبِ العلماءِ وأقوالِ السلفِ.

стр. 71

فضلُ السجود على الركوعِ والقيامِ: والسجودُ أعظَمُ مِن الركوعِ والقيامِ في الصلاةِ؛ لأنَّ السجودَ أكثرُ تواضُعًا، وأقرَبُ للأرضِ، والعبَادةُ التي يكونُ فيها الانسانُ أكثَرَ تخفِّيًا أفضلُ مِن غيرِها مِن جنسِها ممَّا تكون علانيةً، إلا ما دلَّ عليه الدليلُ؛ فالسجودُ أظهرُ تخفِّيًا ونزولًا إلى الأرضِ، وأشَدُّ انكسارًا وتذلُّلًا واعترافًا بالتقصيرِ، والصوتُ في السجودِ عندَ المناجاةِ أخفَى مِن صوتِ القائمِ والراكعِ. والسجودُ عبادةٌ مستقلَّةٌ تُشرَعُ بأسبابِها ولو بلا صلاةٍ؛ كسجودِ التلاوةِ والشكرِ - كما في الآيةِ هنا - وظهورِ الآيةِ. وأمَّا الركوعُ والقيامُ, فليسا بعبادةٍ إلا في الصلاةِ؛ فلا يُشرَعُ للإنسانِ أنْ يركَعَ أو يقومَ متعبِّدًا للهِ بلا صلاةٍ؛ فالقيامُ للعبادةِ بلا صلاةٍ وحدَهُ لا يُشرَعُ؛ بل مُحدَثٌ وبِدْعةٌ، إلا إذا قام لِيَدْعُوَ، فيُشرَعُ القيامُ؛ لاقترانِهِ بالدعاءِ فقطْ، والركوعُ وحدَهُ بلا صلاةٍ بِدْعةٌ وليس بعبادةٍ، ولو مع الذِّكْرِ والتعظيمِ والدعاءِ. حكمُ القيامِ لغيرِ اللهِ: ولذا؛ فإنَّ الساجدَ لغيرِ اللهِ يكفُرُ، وأمَّا القائم لغيرِ اللهِ، فلا يكفُرُ، بل يجوزُ أن يكونَ تحيةً وتقديرًا؛ لأنَّ السجودَ عبادةٌ مستقلَّةٌ يظهرُ فيها التعبُّدُ وحدَهُ، بخلافِ القيامِ، وأمَّا الركوعُ، وهو الانحناءُ اليسيرُ ولو تحيَّةً، فهو بدعةٌ لا تجوزُ، وهو تحيةُ العَجَمِ، وليس تحيةَ أهلِ الإسلام، ولا يكفُرُ مَن فعَلَه لغيرِ اللهِ؛ لانَّه ليس بعبادةٍ مستقلَّةٍ بنفسِه، بل لو فعَلَهُ الإنسانُ للهِ بلا صلاةٍ, لَمُنِعَ من ذلك ونُهِيَ عنه، فليس بعبادةٍ مستقلَّةٍ لا للهِ ولا لغيرِه، وإذا نَوَى فاعلُ الركوعِ أو القيامِ عبادةً لغيرِ اللهِ، كفَرَ؛ لنيَّتِه، لا لفعلِه.

стр. 72

ويُسمَّى الكلُّ ببعضِ أجزائِهِ إذا كان الجزءُ عظيمًا وركنًا جليلًا فيه؛ ولذا تُسمَّى الصلاةُ بالسجودِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]؛ والمرادُ: أدبارَ الصلاةِ، وسُمِّيَتْ أماكنُ العبادةِ: مَسَاجِدَ، ولم تُسَمَّ: مَرَاكِعَ؛ لأنَّ السجودَ أعظمُ. ولكنْ تُسمَّى الصلاةُ ركوعًا كذلك؛ لأنَّ الركوعَ رُكنٌ؛ كما قال سبحانَهُ: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. حكمُ السجودِ بلا سببٍ: والسجودُ في آيةِ البابِ سجودُ الشكرِ، والسجودُ بلا سببٍ لا يُشرَعُ، وكَرِهَهُ بل حَرَّمَهُ بعضُ الفقهاءِ؛ كالإمامِ النوويِّ (١)؛ لأنَّه بدعةٌ وإحداثٌ. وورَدَ النصُّ في أنواعِ السجودِ؛ كسجودِ الشكرِ والتلاوةِ وظهورِ الآيةِ. وبعضُ العلماءِ يَرَى للدعاءِ سجودًا منفردًا لِمَن أراد توبةً وغفرانًا؛ قال ابن تيميَّةَ: "ولو أراد الدعاءَ، فعفَّرَ وجهَهُ للهِ بالتراب وسجَدَ له لِيَدْعُوَهُ فيه، فهذا سجودٌ لأجلِ الدعاءِ، ولا شيءَ يمنعُهُ" (٢). وبعضُهم يستدِلُّ على مشروعيَّةِ السجودِ المنفصلِ بلا سببٍ؛ بما رواهُ مسلمٌ في "الصحيح"، عن ربيعةَ بنِ كعبٍ الأسلميِّ؛ قال: كنتُ أَبِيتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فأتيتُهُ بوَضُوئِهِ وحاجتِهِ، فقال لي: (سَلْ)، فقُلتُ: أَسأَلكَ مُرافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، قَال: (أوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ ! )، قُلتُ هُوَ ذَاكَ، قَالَ: (فأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) (٣). وهو استدلالٌ فيه نظرٌ؛ لأنَّ المرادَ بالسجودِ هنا الصلاةُ؛ لأنَّ الصلاةَ تُسمَّى سجودًا؛ كما تقدَّمَ الكلامُ عليه، ولو جُعِلَ السجودُ هنا هو

стр. 73

السجودَ المنفصِلَ بلا سببٍ، لَلَزِمَ مِن ذلك القولُ بمشروعيَّةِ الركوعِ بلا سببٍ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والركوع للهِ بلا سببٍ عبادةٌ لم يقُل بها أحدٌ معتبَرٌ مِن علماءِ الإسلامِ. سجودُ الشكر وصلاتُهُ: وبعضُ العلماءِ رأى أنَّ للشكرِ صلاةً كما أنَّ له سجودًا، وحمَلُوا الصلاةَ التي صلَّاها النبيُّ ﷺ عندَ فتحِ مكةَ على أنَّها صلاةُ الشكرِ للهِ على فتحِ مكةَ، وثبوتُ صلاةِ الشكرِ للهِ على النعمةِ لا يحتاجُ إلى دليلٍ خاصٍّ؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بشُكْرِهِ تعبُّدًا للهِ، والإكثارِ مِن النوافلِ له بلا حصرٍ أو قيدٍ بنعمةٍ معيَّنةٍ، ولكنْ قد تطرأُ نعمةٌ عظيمةٌ فيصلِّي حينَها للهِ شكرًا، وهذا حسَنٌ، ولكنَّ صلاةَ الشكرِ في ذاتِها مشروعةٌ بلا دليلٍ خاصٍّ؛ لأنَّ أصلَ العباداتِ إنَّما هي تضرُّعٌ وعبادةٌ وشكرٌ للهِ؛ ولذا كان النبيُّ ﷺ يُكثِرُ مِن قيامِ الليِلِ حتى تتفطَّرَ قَدَماهُ ويقولُ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ ! ) (١)، فجعَلَ عبادتَهُ كلَّها شكرًا للهِ، والحديثُ في "الصحيحِ" عن عائشةَ والمُغِيرةِ. ورُوِيَ عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁؛ أنَّه لمَّا فُتِحَتْ مدائنُ كِسْرَى، صلَّى ثمانيَ ركَعَاتٍ (٢). وفي حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ لمَّا بُشِّرَ بتوبةِ اللهِ عليه، خرَّ ساجدًا (٣). وفى "سننِ النَّسائيِّ"؛ مِن حديث سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّ

стр. 74

النبيَّ ﷺ سجَدَ في ص، وقال: (سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا) (١). سجود التوبة: وفي هذا أنَّ سجودَ التوبةِ والاستغفارِ صحيحٌ، وسجودُ الشكرِ كذلك، وإنَّما لم يسجُدْ نبيُّنا ﷺ هذه السجدةَ توبةً كداودَ، وإنَّما جعَلَها شكرًا؛ لأنَّ طلبَ التوبةِ كان بسببِ عملٍ وقَعَ مِن داودَ، فكانتِ التوبةُ مِن داودَ لا مِن محمدٍ ﵉، وإنَّما سجَدَها ﷺ شكرًا؛ لأنَّ اللهَ غفَرَ لنبيِّهِ داودَ ذلك، وقَبِلَ استغفارَهُ , فقد قال بعدَهُ: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] ثمَّ إنَّ اللهَ أمَرَهُ بالاقتداءِ بداودَ وإخوانِهِ وآبائِهِ الأنبياء؛ فقد قالَ اللهُ في إبراهيمَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] , إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]، ثُمَّ قال في الأنبياءِ الذينَ سَمَّاهُمُ اللهُ في هذه الآيةِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] صلَّى الله عليهم، فكان مِن الاقتداءِ بهم: العملُ كعَمَلِهم، ومنهم داودُ، وإنِ اختلَفَ القصدُ، فيؤدَّى الظاهرُ؛ فذاك سجودُ توبةٍ، وهذا سجودُ، شكرٍ. ورُوِيَ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ سجودُهم شكرًا للهِ عندَ رؤيتِهم أو سماعِهم خبرًا عظيمًا للأُمَّةِ؛ يُروى هذا عن أبي بكرٍ وعمرَ في فتحِ اليَمَامةِ، وعن عليٍّ لمَّا أُتِيَ بالمُخْدَجِ في قتالِهِ؛ رواهُما ابنُ أبي شَيْبةَ (٢). السجودُ قائمًا: ويُستحَبُّ لمَن أرادَ السجودَ أن يسجُدَ وهو قائمٌ، وإنْ كان قاعدًا أن يقومَ ثمَّ يسجُدَ؛ فقد جاء عندَ أبي داودَ في "سننِه"؛ مِن حديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁؛ قال: خرَجْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ مِن مَكَّةَ نُرِيدُ المدينةَ،

стр. 75

فلمَّا كنَّا قريبًا مِن عَزْوَرَاءَ، نزَلَ، ثمَّ رفَعَ يَدَيْهِ، فدَعَا اللهَ ساعةً، ثمَّ خَرَّ ساجدًا، فمكَثَ طويلًا ثمَّ قامَ، فرفَعَ يدَيْهِ ساعةً، ثمَّ خَرَّ ساجدًا - فعَلَهُ ثلاثًا - قالَ: (إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي؛ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا شُكْرًا لِرَبِّي، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي؛ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعتُ رَأْسِي، فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الْآخِرَ؛ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي) (١). وهذا الحديثُ لا يصحُّ؛ ففي إسنادِه موسى بنُ يعقوبَ الزَّمْعِيُّ، وشيخُهُ يحيى بنُ الحسنِ لا يُعرَفُ (٢). ولكنْ هذا ظاهرُ فعلِ النبيِّ ﷺ حتى في صلاتِه؛ فقد صحَّ عنه: "أنَّه كَانَ أَحْيَانًا يُصَلِّي قَاعِدًا، فَإِذَا قَرُبَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَهُوَ قَاِئمٌ، وَأَحْيَانًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وهُوَ قَاعِدٌ" (٣). وهذا في صلاةٍ، وكذلك في غيرِ الصلاةِ لِمَنْ أرادَ سجودًا؛ لأنَّ السجودَ عن قيامٍ أظهرُ في التذلُّلِ والتضرُّعِ والانكسارِ؛ فيَهْوِي مِن أعلى ما تكونُ عليه قامتُهُ ورأسُهُ، إلى أسفلِ ما يكونُ عليه رأسُهُ؛ وهو أكرَمُ ما فيه. وبعضُ السلفِ كَرِهَ سجودَ الشكرِ، ورأَوْا أنَّ الشكرَ يكونُ بصلاةٍ تامَّةٍ فقطْ؛ رُوِيَ هذا عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ؛ فروى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ: "أنَّه كان يَكْرَهُ سَجْدةَ الفرحِ، ويقولُ: ليس فيها ركوعٌ ولا سجودٌ" (٤).
следующие страницы →