مقدمة [ليست من المطبوع]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ... وبعد:
فإن الله تعالى قد خلق الناس في هذه الدار متفاوتين خلقًا وخُلقًا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات فَمَنَّ على أهل الاستقامة بالدرجات العلى، حيث كَرُمَ أدبهم، وحَسُنَ خلقهم. ولذلك كان أتقى الخلق ﷺ أحسنهم خلقًا. يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وعن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا" فكان أحسن الناس خلقًا مع الله، وكان أحسن الناس خلقًا مع عباد الله.
وخيار المؤمنين أحسنهم أخلاقًا، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا) ".
والمرء في طريق سيره إلى الله تعالى لابد له من علم نافع صحيح يبصره الحق ويهديه الطريق، وعمل صالح يستعين به على قطع الطريق.
وعلى قدر قوة علم الإنسان وقوة عمله تكون سرعته في سلوك هذا الطريق، وسهولته عليه، والأدب ملازم للعلم النافع والعمل الصالح. ولا يخفى ما فضل الله تعالى به العلم وأهله العاملين به، الداعين إليه، فالعلم نور يهدي به الله من شاء من خلقه إلى صراطه المستقيم، والعلماء هم ورثة الأنبياء، فإذا كان الناس أمواتًا فإن العلماء أحياء.
مَا الفَخْرُ إلا لأَهْلِ العِلْمِ إنَّهُمُ ... على الهُدَى لِمَن اسْتَهْدَى أَدِلَاّءُ
وقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كان يُحْسِنُهُ ... والجَاهِلُون لأَهْلِ العِلْمِ أَعْدَاءُ
فَفُزْ بِعِلْمٍ تِعِشْ حَيًّا بِه أَبَدا ... النَّاسُ مَوْتى وأَهْلُ العِلْمِ أَحْيَاءُ
لذلك فإن العلماء وطلبة العلم هم أولى الناس وأحقهم بالأدب وحسن الخلق؛ لأنهم أعلم الناس بالحق، ولمكانهم بين الخلق حيث ينظر الناس إليهم نظرة خاصة، فإن أحسنوا كان ذلك سببًا لمحبة الناس لهم وقبول الحق منهم، وإن أساءوا كان ذلك سببًا لبعد الناس عنهم وكراهية ما هم عليه من الهدى.
يا أيها الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ ... هَلَاّ لِنَفسِكَ كان ذَا التَّعلِيمُ
تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى ... كَيمَا يَصِحّ بِهِ وَأَنتَ سَقِيمُ
اِبدَأْ بِنَفسِكَ فَانْهَهَا عَن غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقتَدَى ... بِالقَوْلِ مِنْكَ ويُقْبَلُ التَّعلِيمُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتَأتيَ مِثلَهُ ... عَارٌ عَلَيكَ إِذَا فَعَلتَ عَظِيمُ
ولقد اهتم العلماء الربانيون، والأئمة المهديون بتعليم العلم والأدب جميعًا؛ لأن المقصود الأعظم من العلم هو العمل به، والتقرب إلى الله تعالى بمقتضى هذا العلم. وليس المقصود أن يكون الإنسان مجرد مخلاة للعلوم، فكم من إنسان حوى من العلوم ما لا يعلمه إلا الله، فهو يسرد الأدلة سردًا، ويؤصل المسائل تأصيلاً، لكنه سيئ الخلق قليل الأدب، فهذا قد يكون سببًا في إعراض الناس عن الهدى، وكراهيتهم للحق.
وكم من إنسان ليس عنده من العلم إلا ما يبصره طريق الحق، لكنه على خلق حسن وأدب قويم، تراه مشمرًا عن ساعد الجد، مجتهدًا في العمل تقربًا إلى الله تعالى، داعيًا إليه، مجاهدًا في سبيله، مقيمًا للسنة، مميتًا للبدعة، تجده قانتًا خاشعًا، أسبق الناس إلى الخير وأبعدهم عن الشر، يُهْتَدى بِسَمْتِهِ وإن كان صامتًا.
وهناك أقوام امتن الله عليهم بهمة عالية، يطلبون المجد والعلا في كل ما يرضي الله تعالى، الحكمة ضالتهم، أنى وجدوها بادروا إليها واغتنموها، فهؤلاء ينظرون إلى من فوقهم علمًا وأدبًا فيتعلمون من علمهم ويتخلقون بأخلاقهم.
مَنْ شَاءَ عَيْشًا هَنِيئًا يَسْتَفيدُ بِهِ ... في دِينِهِ ثُمَّ في دُنْيَاهُ إقْبَالا
فَلْيَنْظُرَنَّ إلى مَنْ فَوْقَهُ أَدَبًا ... وَلْيَنْظُرَنَّ إلى مَنْ دُونَهُ مَالا
ومن المصنفات النافعة جدًا لطلبة العلم والعلماء في هذا الباب كتاب "تذكرة السامع والمتكلم في أدب العلم والمتعلم" لابن جماعة ﵀، فهو كتاب نفيس جمع آدابًا كريمة، ينبغي لأهل العلم التحلي بها، وأشار إلى أخطاء منكرة ينبغي أن يتنزهوا عنها.
وهذا الكتاب وغيره من كتب الآداب والأخلاق التي صنفها علماء الإسلام، ينبغي لطلبة العلم والعلماء مذاكرتها والنظر فيها، وخاصة كتب السلف الصالح فإنهم كانوا أخلص قلوبًا، وأصدق بيانًا، وأعظم أدبًا وامتثالاً.
والله تعالى نسأل أن يَمُنَّ علينا وعلى سائر المسلمين بحُسْنِ الخُلُق
وصَلِّ اللهم وسَلِّم وبارِك على عبدِكَ ورسولِكَ مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحْبهِ أجمعين
محمود بن محمد العبد [*]
стр. 2
مقدمة المصنف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
الحمد لله البر الرحيم، الواسع العليم، ذي الفضل العظيم، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد النبي الكريم، المنزل عليه في الذكر الحكيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وعلى آله وأصحابه الكرام جواره في دار النعيم.
أما بعد، فإن من أهم ما يبادر به اللبيب شرخ شبابه ويدئب نفسه في تحصيله واكتسابه حسن الأدب الذي شهد الشرع والعقل بفضله، واتفقت الآراء والألسنة على شكر أهله، وإن أحق
стр. 3
الناس بهذه الخصلة الجميلة وأولاهم بحيازة هذه المرتبة الجليلة أهل العلم الذين جلوا به ذروة المجد والسناء وأحرزوا به قصبات السبق إلى وراثة الأنبياء لِعِلْمهم بمكارم أخلاق النبي ﷺ وآدابه وحسن سيرة الأئمة الأطهار من أهل بيته وأصحابه وبما كان عليه أئمة علماء السلف واقتدى بهديهم فيه مشايخ الخلف.
قال ابن سيرين: كانوا يتعلمون الهدى كما يتعلمون العلم.
وقال الحسن: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين.
وقال سفيان بن عيينة: أن رسول الله ﷺ هو الميزان الأكبر وعليه تعرض الأشياء على خلقه وسيرته وهديه فما وافقها فهو الحق وما خالفها فهو الباطل.
وقال حبيب بن الشهيد لابنه: يا بني اصحب الفقهاء والعلماء وتعلم منهم وخذ من أدبهم؛ فإن ذلك أحب إليّ من كثير من الحديث.
وقال بعضهم لابنه: يا بني لأن تتعلم بابًا من الأدب أحب إليّ من
стр. 4
أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم.
وقال مخلد بن الحسين لابن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث.
وقيل للشافعي ﵁: كيف شهوتك للأدب؟ فقال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعًا فتنعم به. قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره.
ولما بلغت رتبة الأدب هذه المزية وكانت مدارك مفضلاته خفية دعاني ما رأيته من احتياج الطلبة إليه وعسر تكرار توقفهم عليه، أما الحياء فيمنعهم الحضور، أو الجفاء فيورثهم النفور، إلى جمع هذا المختصر مذكرًا للعالم ما جُعِل إليه ومنبهًا للطالب على ما يتعين عليه وما يشتركان فيه من الأدب وما ينبغي سلوكه في مصاحبة الكتب، ثم أدب من سكن المدارس منتهيًا أو طالبًا لأنها مساكن طلبة العلم في هذه الأزمنة غالبًا.
وجمعت ذلك مما اتفق في المسموعات أو سمعته من المشايخ السادات أو مررت به في المطالعات أو استفدته في المذاكرات وذكرته محذوف الأسانيد والأدلة كيلا يطول على مطالعه أو يمله.
стр. 5
وقد جمعت فيه بحمد الله تعالى من تفاريق آداب هذه الأبواب ما لم أره مجموعًا في كتاب وقدمت على ذلك بابًا مختصرًا في فضل العلم والعلماء على وجه التبرك والاقتداء.
وقد رتبته على خمسة أبواب تحيط بمقصود الكتاب:
الباب الأول: في فضل العلم وأهله (وشرف العالم ونسله).
الباب الثاني: في آداب العالم في نفسه ومع طلبته ودرسه.
الباب الثالث: في أدب المتعلم في نفسه ومع شيخه ورفقته ودرسه.
الباب الرابع: في مصاحبة الكتب وما يتعلق بها من الأدب.
الباب الخامس: في آداب سكنى المدارس وما يتعلق به (من النفائس).
وقد سميته "تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم"، والله تعالى يوفقنا للعلم والعمل ويبلغنا من رضوانه نهاية الأمل.
стр. 6
الباب الأول في فضل العلم والعلماء
وفضل تعليمه وتعلمه
الباب الأول
في فضل العلم والعلماء وفضل تعليمه وتعلمه
قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] قال ابن عباس: العلماء فوق المؤمنين مائة درجة ما بين الدرجتين مائة عام.
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية. بدأ سبحانه بنفسه وثَنَّى بملائكته وثَلَّثَ بأهل العلم وكفاهم ذلك شرفًا وفضلاً وجلالة ونبلاً.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ
стр. 7
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨].
فاقتضت الآيتان أن العلماء هم الذين يخشون الله تعالى وأن الذين يخشون الله تعالى هم خير البرية فينتج أن العلماء هم خير البرية.
وقال رسول الله ﷺ من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وعنه ﷺ : العلماء ورثة الأنبياء وحسبك هذه الدرجة مجدًا وفخرًا وبهذه الرتبة شرفًا وذكرًا فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة.
وعنه ﷺ لما ذُكِرَ عنده رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.
وعنه ﷺ : من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضى الله
стр. 8
عنه وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء. وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا
стр. 9
دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ واف.
واعلم أنه لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وغيرهم بالاستغفار والدعاء له وتضع له أجنحتها، وأنه لَيُنَافَسُ في دعاء الرجل الصالح أو مَنْ يُظَنُّ صلاحه فكيف بدعاء الملائكة، وقد اختلف في معنى وضع أجنحتها فقيل: التواضع له، وقيل: النزول عنده والحضور معه، وقيل: التوقير والتعظيم له، وقيل: معناه تحمله عليها فتعينه على بلوغ مقصده.
وأما إلهام الحيوانات بالاستغفار لهم فقيل: لأنها خلقت لمصالح العباد ومنافعهم والعلماء هم الذين يبينون ما يحل منه وما يحرم ويوصون بالإحسان إليها ونفي الضرر عنها.
وعنه ﷺ يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، قال بعضهم: هذا مع أن أعلى ما للشهيد دمه وأدنى ما للعالم مداده.
стр. 10
وعنه ﷺ ما عُبد الله بشيء أفضل من فقه في دين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
وعنه ﷺ يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وفي حديث: يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء، وروى: العلماء يوم القيامة على منابر من يوم.
ونقل القاضي حسين بن محمد ﵀ في أول تعليقه أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: من أحب العلم والعلماء لم تكتب عليه خطيئة أيام حياته.
قال: وروي عنه ﷺ : من أكرم عالمًا فكأنما أكرم سبعين نبيًا ومن أكرم متعلمًا فكأنما أكرم سبعين شهيدًا، وأنه قال: من
стр. 11
صلى خلف عالم فكأنما صلى خلف نبي ومن صلى خلف نبي فقد غفر له.
ونقل الشرمساحي المالكي في أول كتابه نظم الدر عن النبي ﷺ أنه قال: من عظم العالم فكأنما يعظم الله تعالى ومن تهاون بالعالم فإنما ذلك استخفاف بالله تعالى وبرسوله.
وقال علي ﵁: كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمًا أن يتبرأ منه من هو فيه. وقال بعض السلف: خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل. وقال أبو مسلم الخولاني: العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء إذا بدت للناس اهتدوا بها وإذا خفيت عليهم تحيروا.
وقال أبو الأسود الدؤلي: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
وقال وهب: يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيًا، والعز وإن كان مهينًا، والقرب وإن كان قصيًا، والغنى وإن كان فقيرًا،
стр. 12
والمهابة وإن كان وضيعًا.
وعن معاذ ﵁: تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وبذله قربة وتعليمه من لا يعلمه صدقة.
وقال الفضيل بن عياض: عالم معلم يدعى كثيرًا في ملكوت السماء.
وقال سفيان بن عيينة: أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء ـ وقال أيضًا: لم يعط في الدنيا شيئًا أفضل من النبوة، وما بعد النبوة شيء أفضل من العلم والفقه، فقيل: عمن هذا؟ قال: عن الفقهاء كلهم.
وقال سهل: من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء فاعرفوا لهم ذلك.
وقال الشافعي ﵁: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي.
стр. 13
وعن ابن عمر ﵄: مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة.
وعن سفيان الثوري والشافعي ﵄: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم.
وعن الزهري ﵀: ما عُبد الله بمثل الفقه.
وعن أبي ذر وأبي هريرة ﵄ قالا: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعًا، وباب من العلم نعلمه عُمِلَ به
стр. 14
أو لم يُعْمَلْ أحب إلينا من مائة ركعة تطوعًا.
وقد ظهر بما ذكرناه أن الاشتغال بالعلم لله أفضل من نوافل العبادات البدنية من صلاة وصيام وتسبيح ودعاء ونحو ذلك؛ لأن نفع العلم يعم صاحبه والناس والنوافل البدنية مقصورة على صاحبها؛ ولأن العلم مصحح لغيره من العبادات فهي تفتقر إليه وتتوقف عليه ولا يتوقف هو عليها، ولأن العلماء ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم وليس ذلك للمتعبدين، ولأن طاعة العالم واجبة على غيره فيه، ولأن العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه، وغيره من النوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن في بقاء العلم إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة.
فصل
واعلم أن جميع ما ذُكِرَ من فضيلة العلم والعلماء إنما هو في حق العلماء العاملين الأبرار المتقين الذين قصدوا به وجه الله الكريم، والزلفى لديه في جنات النعيم، لا من طلبه بسوء نية أو خبث طوية أو لأغراض دنيوية من جاه أو مال أو مكاثرة في الأتباع والطلاب.
فقد روي عن النبي ﷺ : من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يكاثر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار. أخرجه الترمذي.
وعنه ﷺ : من تعلم علمًا لغير الله أو أراد به غير وجه الله
стр. 15
فليتبوأ مقعده من النار. رواه الترمذي.
وروي من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. أخرجه أبو داود.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة, وذكر الثلاثة، وفيه رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها قال: تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت؛ ولكن تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. أخرجه مسلم والنسائي.
وعن حماد بن سلمة: من طلب الحديث لغير الله تعالى مكر به.
وعن بشر: أوحى الله إلى داود لا تجعل بيني وبينك عالمًا مفتونًا
стр. 16
فيصدك بشك عن محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي.
الباب الثاني في أدب العالم في نفسه
ومراعاة طالبه ودرسه
الباب الثاني
في أدب العالم في نفسه ومراعاة طالبه ودرسه
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في آدابه في نفسه
وهو اثنا عشر نوعًا:
النوع الأول:
دوام مراقبة الله تعالى في السر والعلن والمحافظة على خوفه في جميع حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله فإنه أمين على ما أودع من العلوم وما منح من الحواس والفهوم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال الشافعي: ليس العلم ما حُفِظَ, العلم ما نَفَعَ. ومن ذلك دوام السكينة، والوقار والخشوع والتواضع لله والخضوع.
ومما كتب مالك إلى الرشيد: إذا علمت علمًا فَلْيُرَ
стр. 17
عليك علمه وسكينته وسمته ووقاره وحلمه لقوله ﷺ : العلماء ورثة الأنبياء.
وقال عمر ﵁: تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار.
وعن السلف: حق على العالم أن يتواضع لله في سِرِّه وعلانيته ويحترس من نفسه ويقف على ما أشهر عليه.
الثاني:
أن يصون العلم كما صانه علماء السلف ويقوم له بما جعله الله تعالى له من العزة والشرف فلا يذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة أو حاجة أو إلى من يتعلمه منه منهم وإن عظم شأنه وكبر قدره.
قال الزهري: هَوَانٌ بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم، وأحاديث السلف في هذا النوع كثيرة، وقد أحسن القائل أبو شجاع
стр. 18
الجرجاني:
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأَخْدِمَ من لاقيت لكن لأُخْدَما
أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلة ... إذًا فاتباعُ الجهل قد كان أَحْزَما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
فإن دعت حاجة إلى ذلك أو ضرورة أو اقتضته مصلحة دينية راجحة على مفسدة بذله وحسنت فيه نية صالحة فلا بأس به إن شاء الله تعالى وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض أئمة السلف من المشي إلى الملوك وولاة الأمر كالزهري والشافعي وغيرهما لا على أنهم قصدوا بذلك فُضُول الأغراض الدنيوية وكذلك إذا كان المَأْتيُّ إليه من العلم والزهد في المنزلية العَلِيَّة والمحل الرفيع فلا بأس بالتردد
стр. 19
إليه لإفادته فقد كان سفيان الثوري يمشي إلى إبراهيم بن أدهم ويفيده وكان أبو عبيد يمشي إلى علي بن المديني يُسْمِعه غريب الحديث.
الثالث:
أن يتخلق بالزهد في الدنيا والتقلل منها بقدر الإمكان الذي لا يضر بنفسه أو بعياله فإن ما يحتاج إليه لذلك على الوجه المعتدل من القناعة ليس يُعَدُّ من الدنيا وأقل درجات العالم أن يستقذر التعلق بالدنيا لأنه أعلم الناس بخستها وفتنتها وسرعة زوالها وكثرة تعبها ونَصَبِهَا فهو أحق بعدم الالتفات إليها والاشتغال بهمومها.
وعن الشافعي ﵁: لو أوصى إلى أعقل الناس صرف إلى الزهاد فليت شعري من أحق بالعلماء بزيادة العقل وكماله.
وقال يحيى بن معاذ: لو كانت الدنيا تِبْرًا يفنى والآخرة خَزَفًا يبقى لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني فكيف والدنيا خزفٌ فانٍ والآخر تِبْرٌ باقٍ.
стр. 20
الرابع:
أن ينزه علمه عن جعله سلمًا يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية من جاه أو مال أو سمعة أو شهرة أو خدمة أو تقدم على أقرانه.
قال الإمام الشافعي ﵁: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على أن لا ينسب إليَّ حرف منه، وكذلك ينزهه عن الطمع في رفق من طلبته بمال أو خدمة أو غيرهما بسبب اشتغالهم عليه وترددهم إليه، كان منصور لا يستعين بأحد يختلف إليه في حاجة.
وقال سفيان بن عيينة: كنت قد أوتيت فهم القرآن فلما قَبِلْتُ الصرة من أبي جعفر سُلِبْتُهُ فنسأل الله تعالى المسامحة.
الخامس:
أن يتنزه عن دنى المكاسب ورذيلها طبعًا، وعن مكروهها عادة وشرعًا كالحجامة والدباغة والصرف والصياغة، وكذلك يتجنب
стр. 21
مواضع التهم وإن بعدت ولا يفعل شيئًا يتضمن نقص مروءة أو ما يُسْتَنْكَرُ ظاهرًا وإن كان جائزًا باطنًا فإنه يُعَرِّضُ نفسه للتهمة وعرضه للوقيعة ويوقع الناس في الظنون المكروهة وتأثيم الوقيعة فإن اتفق وقوع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها أخبر من شاهده بحلمه وبعذره ومقصوده كيلا يأثم بسببه أو يَنْفر عنه فلا ينتفع بعلمه وليستفيد ذلك الجاهل به.
ولذلك قال النبي ﷺ للرجلين لما رأياه يتحدث مع صفية فَوَلَّيَا: "على رسلكما إنها صفية"، ثم قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فَخِفْتُ أن يقذف في قلوبكما شيئًا" أو قال: "فتهلكا".
السادس:
أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام كإقامة الصلاة في المساجد للجماعات وإفشاء السلام للخواص والعوام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى بسبب ذلك صادعًا بالحق عند السلاطين باذلاً نفسه لله لا يخاف فيه لومة لائم ذاكرًا قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. وما كان سيدنا رسول الله ﷺ وغيره من الأنبياء عليه من الصبر على الأذى وما كانوا يتحملونه في الله تعالى حتى كانت لهم العقبى وكذلك القيام بإظهار السنن وإخمال البدع والقيام لله
стр. 22
في أمور الدين وما فيه مصالح المسلمين على الطريق المشروع والمسلك المطبوع. ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع في الأحكام وهم حجة الله تعالى على العوام وقد يراقبهم للأخذ عنهم من لا ينظرون، ويقتدي بهديهم من لا يعلمون. وإذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به، كما قال الشافعي ﵁: ليس العلم ما حُفِظَ، العلم ما نَفَعَ، ولهذا عظمت زلة العالم لما يترتب عليها من المفاسد لاقتداء الناس به.
السابع:
أن يحافظ على المندوبات الشرعية القولية والفعلية فيلازم تلاوة القرآن، وذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وكذلك ما ورد من الدعوات والأذكار في آناء الليل والنهار، ومن نوافل العبادات من الصلاة والصيام وحج البيت الحرام والصلاة على النبي ﷺ فإن محبته وإجلاله وتعظيمه واجب والأدب عند سماع اسمه وذكر سنته مطلوب وسنة.
كان مالك رضي الله تعالى عنه إذا ذكر النبي ﷺ يتغير
стр. 23
لونه وينحني، وكان جعفر بن محمد إذا ذكر النبي ﷺ عنده اصفر لونه، وكان ابن القاسم إذا ذكر النبي ﷺ يجف لسانه في فيه هيبة لرسول الله ﷺ .
وينبغي له إذا تلا القرآن أن يتفكر في معانيه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده والوقوف عند حدوده وليحذر من نسيانه بعد حفظه فقد ورد في الأخبار النبوية ما يزجر عن ذلك.
والأولى أن يكون له منه في كل يوم وِرْدٌ راتب لا يخل به فإن غلب عليه فيوم ويوم فإن عجز ففي ليلتي الثلاثاء والجمعة لاعتياد بطالة الاشغال فيهما، وقراءة القرآن في كل سبعة أيام ورد حسن وورد في الحديث وعمل به أحمد بن حنبل، ويقال: من قرأ القرآن في كل سبعة أيام لم ينسه قط.
стр. 24
الثامن:
معاملة الناس بمكارم الأخلاق من طلاقة الوجه، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الناس، واحتماله منهم والإيثار، وترك الاستئثار، والإنصاف، وترك الاستنصاف، وشكر التفضل، وإيجاد الراحة، والسعي في قضاء الحاجات، وبذل الجاه في الشفاعات، والتلطف بالفقراء، والتحبب إلى الجيران والأقرباء، والرفق بالطلبة، وإعانتهم وبرهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وإذا رأى من لا يقيم صلاته أو طهارته أو شيئًا من الواجبات عليه إرشاده بتلطف ورفق كما فعل رسول الله ﷺ مع الأعرابي الذي بال في المسجد، ومع معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة.
التاسع:
أن يطهر باطنه وظاهره من الأخلاق الرديئة ويعمره بالأخلاق المرضية فمن الأخلاق الرديئة الغل والحسد والبغي والغضب
стр. 25
لغير الله تعالى والغش والكبر والرئاء والعجب والسمعة والبخل، والخبث والبطر والطمع والفخر والخيلاء والتنافس في الدنيا والمباهاة بها والمداهنة والتزين للناس، وحب المدح بما لم يفعل، والعمى عن عيوب النفس والاشتغال عنها بعيوب الخلق، والحمية والعصبية لغير الله، والرغبة والرهبة لغير الله، والغيبة والنميمة والبهتان والكذب والفحش في القول، واحتقار الناس، ولو كانوا دونه فالحذر الحذر من هذه الصفات الخبيثة والأخلاق الرذيلة، فإنها باب كل شر، بل هي الشر كله.
وقد بُليَ بعض أصحاب النفوس الخبيثة من فقهاء الزمان بكثير من هذه الصفات إلا من عصم الله تعالى ولاسيما الحسد والعجب والرئاء واحتقار الناس وأدوية هذه البلية مستوفى في كتب الرقائق فمن أراد تطهير نفسه منها فعليه بتلك الكتب ومن أنفعها كتاب الرعاية للمحاسبي ﵀.
стр. 26
يقال: ومن أدوية الحسد الفكر بأنه اعتراض على الله في حكمته المقتضية تخصيص المحسود بالنعمة كما قال الشاعر العربي:
فإن تغضبوا من قسمة الله بيننا ... فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
ومن أدوية العجب يذكر أن علمه وفهمه وجودة ذهنه وفصاحته وغير ذلك من النعم فضل من الله عليه وأمانة عنده ليرعاها حق رعايتها، وأن مُعْطِيه إياها قادر على سلبها منه في طرفة عين كما سلب بلعام ما علمه في طرفة عين وما ذلك على الله بعزيز ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩].
ومن أدوية الرئاء الفكر بأن الخلق كلهم لا يقدرون على نفعه بما يقضه الله له ولا على ضيره بما لم يقدره الله تعالى عليه فَلِمَ يُحْبِطُ عمله ويضير دينه ويُشْغِلُ نفسه بمراعاة من لا يملك له في الحقيقة نفعًا
стр. 27
ولا ضرًا مع أن الله تعالى يطلعهم على نيته وقبح سريرته كما صح في الحديث: "من سمّع سمّع الله به ومن راءى راءى الله به".
ومن أدوية احتقار الناس تدبر قوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١١]، ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]، وربما كان المحتقر أطهر عند الله قلبًا وأزكى عملاً وأخلص نية كما قيل: إن الله تعالى أخفى ثلاثة في ثلاثة؛ وليه في عباده، ورضاه في طاعاته، وغضبه في معاصيه.
ومن الأخلاق المرضية دوام التوبة، والإخلاص، واليقين، والتقوى، والصبر، والرضا، والقناعة، والزهد، والتوكل، والتفويض، وسلامة الباطن، وحسن الظن، والتجاوز، وحسن الخلق، ورؤية الإحسان، وشكر النعمة، والشفقة على خلق الله تعالى، والحياء من الله تعالى ومن الناس، ومحبة الله تعالى هي الخصلة الجامعة لمحاسن الصفات كلها وإنما تتحقق بمتابعة الرسول ﷺ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
العاشر:
دوام الحرص على الازدياد بملازمة الجد والاجتهاد والمواظبة على وظائف الأوراد من العبادة والاشتغال والإشغال قراءة وإقراء ومطالعة وفكرًا وتعليقًا وحفظًا وتصنيفًا وبحثًا.
стр. 28
ولا يضيع شيئًا من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل إلا بقدر الضرورة من أكل أو شرب أو نوم أو استراحة لملل أو أداء حق زوجة أو زائر، أو تحصيل قوت وغيره مما يحتاج إليه أو لألم أو غيره مما يتعذر معه الاشتغال فإن بقية عمر المؤمن لا قيمة له ومن استوى يوماه فهو مغبون وكان بعضهم لا يترك الاشتغال لعروض مرض خفيف أو ألم لطيف بل كان يستشفى بالعلم ويشغل بقدر الإمكان كما قيل:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ... ونترك الذكر إخلالاً فننتكس
وذلك لأن درجة العلم درجة وراثة الأنبياء، ولا تنال المعالي إلا بشق الأنفس، وفي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير، قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم، وفي الحديث: "حفت الجنة بالمكاره".
تريدين إدراك المعالي رخيصة ... ولابد دون الشهد من إِبَرِ النحل
وكما قيل:
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وقال الشافعي ﵁: حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصًا واستنباطًا والرغبة إلى
стр. 29
الله تعالى في العون عليه، وقال الربيع: لم أر الشافعي ﵁ آكلاً بنهار ولا نائمًا بليل لاشتغاله بالتصنيف.
ومع ذلك فلا يحمل نفسه من ذلك فوق طاقتها كيلا تسأم وتمل، فربما نفرت نفرة لا يمكنه تداركها، بل يكون أمره في ذلك قصدًا وكل إنسان أبصر بنفسه.
الحادي عشر:
أن لا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن هو دونه منصبًا أو نسبًا أو سنًا، بل يكون حريصًا على الفائدة حيث كانت والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها.
قال سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالمًا ما تعلم فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون، وأنشد بعض العرب:
وليس العمى طول السؤال وإنما ... تمام العمى طول السكوت على الجهل
стр. 30
وكان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم ما ليس عندهم، قال الحميدي وهو تلميذ الشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل وكان يستفيد مني الحديث.
وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لنا حتى آخذ به.
وصح رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وأبلغ من ذلك كله قراءة رسول الله ﷺ على أبيّ، وقال: أمرني الله أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]، قالوا: من فوائده أن لا يمتنع الفاضل من الأخذ عن المفضول.
الثاني عشر:
الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف، لكن مع تمام الفضيلة، وكمال الأهلية، فإنه يطلع على حقائق الفنون ودقائق العلوم للاحتياج إلى كثرة التفتيش والمطالعة والتنقيب والمراجعة وهو كما قال الخطيب
стр. 31
البغدادي: يثبت الحفظ ويذكي القلب ويشحذ الطبع ويجيد البيان ويكسب جميل الذكر وجزيل الأجر ويخلده إلى آخر الدهر.
و الأول ى أن يعتني بما يعم نفعه وتكثر الحاجة إليه وليكن اعتناؤه بما لم يُسْبَق إلى تصنيفه متحريًا إيضاح العبارة في تأليفه معرضًا عن التطويل الممل والإيجاز المخلف مع إعطاء كل مُصَنَّفٍ ما يليق به.
ولا يُخرج تصنيفه من يده قبل تهذيبه وتكرير النظر فيه وترتيبه، ومن الناس من ينكر التصنيف والتأليف في هذا الزمان على من ظهرت أهليته وعرفت معرفته، ولا وجه لهذا الإنكار إلا التنافس بين أهل الأعصار وإلا فمن إذا تصرف في مداده وورقه بكتابة ما شاء من أشعار وحكايات مباحة أو غير ذلك لا يُنكر عليه، فلمَ إذا تصرف فيه بتسويد ما ينتفع به من علوم الشريعة يُنكر ويُستهجن.
أما من لم يتأهل لذلك فالإنكار عليه نتيجة لما يتضمنه من الجهل وتقرير من يقف على ذلك التصنيف به ولكونه يضيع زمانه فيما لم يتقنه ويدع الإتقان الذي هو أحرى به منه.
الفصل الثاني في آداب العالم في درسه
وفيه اثنا عشر نوعًا:
الأول:
إذا عزم على مجلس التدريس تطهر من الحدث والخبث وتنظف
стр. 32
وتطيب ولبس من أحسن ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه قاصدًا بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة.
كان مالك ﵁ إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا ووضع رداءه على رأسه ثم يجلس على منصة ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ، وقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ .
ثم يصلي ركعتي الاستخارة إن لم يكن وقت كراهة وينوي نشر العلم وتعليمه وبث الفوائد الشرعية وتبليغ أحكام الله تعالى التي اؤتمن عليها وأمر ببيانها والازدياد من العلم وإظهار الصواب والرجوع إلى الحق والاجتماع على ذكر الله تعالى والسلام على إخوانه من المسلمين والدعاء للمسلمين وللسلف الصالحين.
الثاني:
إذا خرج من بيته دعا بالدعاء الصحيح عن النبي ﷺ وهو: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ثم
стр. 33
يقول: بسم الله وبالله، حسبي الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم اثبت جناني وأدر الحق على لساني.
ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى مجلس التدريس فإذا وصل إليه سلم على من حضر وصلى ركعتين إن لم يكن وقت كراهة فإن كان مسجدًا تأكدت الصلاة مطلقًا، ثم يدعو الله تعالى بالتوفيق والإعانة والعصمة.
ويجلس مستقبل القبلة إن أمكن بوقار وسكينة وتواضع وخشوع متربعًا أو غير ذلك مما لم يكره من الجلسات، ولا يجلس مقعيًا ولا مستوفزًا ولا رافعًا إحدى رجليه على الأخرى، ولا مادًا رجليه أو إحداهما من غير عذر، ولا متكئًا على يده إلى جنبه وراء ظهره.
وليصن بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه ويديه عن العبث والتشبيك بها، وعينيه عن تفريق النظر من غير حاجة، ويتقي المزاح وكثرة الضحك فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة كما قيل: من مزح استخف به ومن أكثر من شيء عرف به.
стр. 34
ولا يدرس في وقت جوعه أو عطشه أو همه أو غضبه أو نعاسه أو قلقه، ولا في حال برده المؤلم وحره المزعج؛ فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر.
الثالث:
أن يجلس بارزًا لجميع الحاضرين ويوقر أفاضلهم بالعلم والسن والصلاح والشرف ويرفعهم على حسب تقديمهم في الإمامة ويتلطف بالباقين ويكرمهم بحسن السلام وطلاقة الوجه ومزيد الاحترام، ولا يكره القيام لأكابر أهل الإسلام على سبيل الإكرام، وقد ورد في إكرام العلماء وإكرام طلبة العلم نصوص كثيرة.
стр. 35
ويلتفت إلى الحاضرين التفاتًا قصدًا بحسب الحاجة ويخص من يكلمه أو يسأله أو يبحث معه على الوجه عند ذلك بمزيد التفات إليه وإقبال عليه وإن كان صغيرًا أو وضيعًا، فإَّن تَرْكَ ذلك من أفعال المتجبرين المتكبرين.
الرابع:
أن يقدم على الشروع في البحث والتدريس قراءة شيء من كتاب الله تعالى تبركًا وتيمنًا وكما هو العادة فإن كان ذلك في مدرسة شرط فيها ذلك اتبع الشرط ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين وسائر المسلمين.
стр. 36
ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويسمي الله تعالى ويحمده ويصلي على النبي ﷺ وعلى آله وأصحابه، ويترضى عن أئمة المسلمين ومشايخه، ويدعو لنفسه وللحاضرين ولوالديهم أجمعين وعن واقف مكانه إن كان ذلك في مدرسة أو نحوها جزاء لحسن فعله وتحصيلاً لقصده.
وكان بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدبًا وتواضعًا، لكن الدعاء لنفسه قربة وبه إليه حاجة والإيثار بالقرب وبما يحتاج إليه شرعًا خلاف المشروع ويؤيده قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: ٦]، وقال النبي ﷺ : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"، وهذا الحديث وإن ورد في الإنفاق فالمحققون يستعملونه في أمور الآخرة، وبالجملة فالكل حسن وقد عمل بالأول قوم وبالثاني آخرون.
الخامس:
إذا تعددت الدروس قدم الأشرف فالأشرف والأهم فالأهم؛ فيقدم تفسير القرآن ثم الحديث ثم أصول الدين ثم أصول الفقه ثم
стр. 37
المذهب ثم الخلاف أو النحو أو الجدل.
стр. 38
وكان بعض العلماء الزهاد يختم الدروس بدرس رقائق يفيد به الحاضرين تطهير الباطن ونحو ذلك من عظة ورقة وزهد وصبر.
стр. 39
فإن كان في مدرسة ولواقفها في الدروس شرط اتبعه ولا يخل بما هو أهم ما بنيت له تلك البنية ووقفت لأجله.
ويصل في درسه ما ينبغي وصله ويقف في مواضع الوقف ومنقطع الكلام.
ولا يذكر شبهة في الدين في درس ويؤخر الجواب عنها إلى درس آخر بل يذكرهما جميعًا أو يدعهما جميعًا، ولا يتقيد في ذلك لمصنف يلزم منه تأخير جواب الشبهة عنها لما فيه من المسألة، لاسيما إذا كان الدرس يجمع الخواص والعوام.
وينبغي أن لا يطيل الدرس تطويلاً يمل، ولا يقصره تقصيرًا يخل، ويراعي في ذلك مصلحة الحاضرين في الفائدة في التطويل، ولا يبحث في مقام أو يتكلم على فائدة إلا في موضع ذلك فلا يقدمه عليه
стр. 40
ولا يؤخره عنه إلا لمصلحة تقتضي ذلك وترجحه.
السادس:
أن لا يرفع صوته زائدًا على قدر الحاجة ولا يخفضه خفضًا لا يحصل معه كمال الفائدة.
روى الخطيب في الجامع عن النبي ﷺ قال: "إن الله يحب الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع".
قال أبو عثمان محمد بن الشافعي: ما سمعت أبي يناظر إلى قط فرفع صوته، قال البيهقي: أراد والله أعلم فوق عادته.
والأولى أن لا يجاوز صوته مجلسه ولا يقصر عن سماع الحاضرين فإن حضر فيهم ثقيل السمع فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه، فقد روي في فضيلة ذلك حديث, ولا يسرد الكلام سردًا بل يرتله ويرتبه ويتمهل فيه ليفكر فيه هو وسامعه.
وقد روي أن كلام رسول الله ﷺ كان فصلاً يفهمه من سمعه، وأنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم عنه.
وإذا فرغ من مسألة أو فصل سكت قليلاً حتى يتكلم من في نفسه، لأنا سنذكر إن شاء الله أنه لا يقطع على العالم كلامه فإذا لم يسكت هذه السكتة ربما فاتت الفائدة.