← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151180

تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم

البدر ابن جماعة

Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويسمي الله تعالى ويحمده ويصلي على النبي ﷺ وعلى آله وأصحابه، ويترضى عن أئمة المسلمين ومشايخه، ويدعو لنفسه وللحاضرين ولوالديهم أجمعين وعن واقف مكانه إن كان ذلك في مدرسة أو نحوها جزاء لحسن فعله وتحصيلاً لقصده. وكان بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدبًا وتواضعًا، لكن الدعاء لنفسه قربة وبه إليه حاجة والإيثار بالقرب وبما يحتاج إليه شرعًا خلاف المشروع ويؤيده قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: ٦]، وقال النبي ﷺ : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"، وهذا الحديث وإن ورد في الإنفاق فالمحققون يستعملونه في أمور الآخرة، وبالجملة فالكل حسن وقد عمل بالأول قوم وبالثاني آخرون. الخامس: إذا تعددت الدروس قدم الأشرف فالأشرف والأهم فالأهم؛ فيقدم تفسير القرآن ثم الحديث ثم أصول الدين ثم أصول الفقه ثم

стр. 37

المذهب ثم الخلاف أو النحو أو الجدل.

стр. 38

وكان بعض العلماء الزهاد يختم الدروس بدرس رقائق يفيد به الحاضرين تطهير الباطن ونحو ذلك من عظة ورقة وزهد وصبر.

стр. 39

فإن كان في مدرسة ولواقفها في الدروس شرط اتبعه ولا يخل بما هو أهم ما بنيت له تلك البنية ووقفت لأجله. ويصل في درسه ما ينبغي وصله ويقف في مواضع الوقف ومنقطع الكلام. ولا يذكر شبهة في الدين في درس ويؤخر الجواب عنها إلى درس آخر بل يذكرهما جميعًا أو يدعهما جميعًا، ولا يتقيد في ذلك لمصنف يلزم منه تأخير جواب الشبهة عنها لما فيه من المسألة، لاسيما إذا كان الدرس يجمع الخواص والعوام. وينبغي أن لا يطيل الدرس تطويلاً يمل، ولا يقصره تقصيرًا يخل، ويراعي في ذلك مصلحة الحاضرين في الفائدة في التطويل، ولا يبحث في مقام أو يتكلم على فائدة إلا في موضع ذلك فلا يقدمه عليه

стр. 40

ولا يؤخره عنه إلا لمصلحة تقتضي ذلك وترجحه. السادس: أن لا يرفع صوته زائدًا على قدر الحاجة ولا يخفضه خفضًا لا يحصل معه كمال الفائدة. روى الخطيب في الجامع عن النبي ﷺ قال: "إن الله يحب الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع". قال أبو عثمان محمد بن الشافعي: ما سمعت أبي يناظر إلى قط فرفع صوته، قال البيهقي: أراد والله أعلم فوق عادته. والأولى أن لا يجاوز صوته مجلسه ولا يقصر عن سماع الحاضرين فإن حضر فيهم ثقيل السمع فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه، فقد روي في فضيلة ذلك حديث, ولا يسرد الكلام سردًا بل يرتله ويرتبه ويتمهل فيه ليفكر فيه هو وسامعه. وقد روي أن كلام رسول الله ﷺ كان فصلاً يفهمه من سمعه، وأنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم عنه. وإذا فرغ من مسألة أو فصل سكت قليلاً حتى يتكلم من في نفسه، لأنا سنذكر إن شاء الله أنه لا يقطع على العالم كلامه فإذا لم يسكت هذه السكتة ربما فاتت الفائدة.

стр. 41

السابع: أن يصون مجلسه عن اللغط؛ فإن الغلط تحت اللغط، وعن رفع الأصوات واختلاف جهات البحث. قال الربيع: كان الشافعي إذا ناظره إنسان في مسألة فعدا إلى غيرها يقول: نفرغ من هذه المسألة ثم نصير إلى ما تريد. ويتلطف في دفع ذلك من مباديه قبل انتشاره وثوران النفوس ويذكر الحاضرين بما جاء في كراهية المماراة لاسيما بعد ظهور الحق، وأن مقصود الاجتماع ظهور الحق وصفاء القلوب وطلب الفائدة وأنه لا يليق بأهل العلم تعاطي المنافسة والشحناء؛ لأنها سبب العداوة والبغضاء بل يجب أن يكون الاجتماع ومقصوده خالصًا لله تعالى ليميز الفائدة في الدنيا والسعادة في الآخرة، ويتذكر قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨]، فإن ذلك مفهم أن إرادة إبطال الحق أو تحقيق الباطل صفة إجرام، فليحذر منه.

стр. 42

الثامن: أن يزجر من تعدى في بحثه أو ظهر منه لدد في بحثه أو سوء أدب أو ترك الإنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع في المجلس على من هو أولى منه، أو نام أو تحدث مع غيره، أو ضحك أو استهزأ بأحد من الحاضرين، أو فعل ما يخل بأدب الطالب في الحلقة. وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى، هذا كله بشرط أن لا يترتب على ذلك مفسدة تربو عليه. وينبغي أن يكون له نقيب فطن كيس، درب يرتب الحاضرين ومن يدخل عليهم على قدر منازلهم ويوقظ النائم ويشير إلى من ترك ما ينبغي فعله أو فعل ما ينبغي تركه، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها.

стр. 43

التاسع: أن يلازم الإنصاف في بحثه وخطابه ويسمع السؤال من مورده على وجهه وإن كان صغيرًا ولا يترفع على سماعه فيحرم الفائدة. وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده أو تحرير العبارة فيه لحياء أو قصور ووقع على المعنى عبر عن مراده وبين وجه إيراده ورد على من عليه ثم يجيب بما عنده أو يطلب ذلك من غيره ويتروى فيما يجيب به رده. وإذا سئل عن ما لم يعلمه قال لا أعلمه، أو لا أدري؛ فمن العلم أن يقول لا أعلم، وعن بعضهم: لا أدري نصف العلم، وعن ابن عباس ﵄: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقالته وقيل: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري لكثرة ما يقولها. قال محمد بن عبد الحكم: سألت الشافعي ﵁ عن المتعة أكان فيها طلاق أو ميراث أو نفقة تجب أو شهادة؟ فقال: والله ما ندري. واعلم أن قول المسئول لا أدري لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه لأنه دليل عظيم على عظم محله وقوة دينه وتقوى ربه

стр. 44

وطهارة قلبه وكمال معرفته وحسن تثبته. وقد روينا معنى ذلك عن جماعة من السلف وإنما يأنف من قول لا أدري من ضعفت ديانته وقلت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين، وهذه جهالة ورقة دين وربما يشهر خطؤه بين الناس فيقع فيما فر منه ويتصف عندهم بما احترز عنه، وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى مع الخضر ﵉، حين لم يرد موسى ﵊ العلم إلى الله تعالى لما سئل هل أحد في الأرض أعلم منك. العاشر: أن يتودد لغريب حضر عنده وينبسط له ليشرح صدره؛ فإن للقادم دهشة، ولا يكثر الالتفات والنظر إليه استغرابًا

стр. 45

له فإن ذلك مخجله. وإذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتى يجلس وإذا جاء وهو يبحث في مسألة أعادها له أو مقصودها. وإذا أقبل فقيه وقد بقي لفراغه وقيام الجماعة بقدر ما يصل الفقيه إلى المجلس، فليؤخر تلك البقية ويشتغل عنها ببحث أو غيره إلى أن يجلس الفقيه ثم يعيدها أو يتم تلك البقية كيلا يخجل المقبل بقيامهم عند جلوسه. وينبغي مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره إذا لم يكن عليه فيه ضرورة، ولا مزيد كلفة، وأفتى بعض أكابر العلماء أن المدرس إذا ذكر الدرس في مدرسة قبل طلوع الشمس أو أخره إلى بعض الظهر لم يستحق معلوم التدريس إلا أن يقتضيه شرط الواقف لمخالفة العرف المعتاد في ذلك. الحادي عشر: جرت العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم، وكذلك يكتب المفتي بعد كتابة الجواب؛ لكن الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس كقوله: وهذا آخره، أو ما بعده يأتي إن شاء الله تعالى،

стр. 46

ونحو ذلك ليكون قوله: والله أعلم خالصًا لذكر الله تعالى، ولقصد معناه، ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس ببسم الله الرحمن الرحيم ليكون ذاكرًا لله تعالى في بدايته وخاتمته. والأولى للمدرس أن يمكث قليلاً بعد قيام الجماعة فإن فيه فوائد وآدابًا وله ولهم، منها عدم مزاحمتهم، ومنها إن كان في نفس أحد بقايا سؤال سأله، ومنها عدم ركوبه بينهم إن كان يركب وغير ذلك. ويستحب إذا قام أن يدعو بما ورد به الحديث سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. الثاني عشر: أن لا ينتصب للتدريس إذا لم يكن أهلاً له ولا يذكر الدرس مِنْ عِلْمٍ لا يعرفه، سواء أشرطه الواقف أو لم يشرطه فإن ذلك لعب في الدين وازدراء بين الناس. قال النبي ﷺ : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. وعن الشبلي: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه. وعن أبي حنيفة: من طلب الرياسة في غير حينه لم يزل في ذلٍّ ما بقي، واللبيب من صان نفسه عن تعرضها لما يعد فيه ناقصًا وبتعاطيه

стр. 47

ظالمًا وبإصراره عليه فاسقًا فإنه متى لم يكن أهلاً لما شرطه الواقف في وقفه أو لما يقتضيه عرفٌ مثله كان بإصراره على تناول ما لا يستحقه فاسقًا، فإن كان في الوقف أن يكون المدرس عاميًا أو جاهلاً لم يصح شرطه، وإن شرط جعل ناقص مخصوص مدرسًا سقط اسم الفسق وحظر الإثم، ويبقى التنقص به والاستهزاء به بحاله، ولا يرضى ذلك لنفسه أريب، ولا يتعاطاه مع الغنى عنه لبيب، ولا يَظْهَرُ مِنْ واقفٍ شَرَطَ قَصْدُ ذلك قصد الانتفاع ولا يؤول أمر وقفه إلا إلى ضياع، وأقل مفاسد ذلك أن الحاضرين يفقدون الإنصاف لعدم من يرجعون إليه عند الاختلاف لأن رب الصدر لا يعرف المصيب فينصره أو المخطئ فيزجره. وقيل لأبي حنيفة ﵀: في المسجد حلقة ينظرون في الفقه, فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبدًا، ولبعضهم في تدريس من لا يصلح: تصدر للتدريس كل مهوس ... جهول يسمى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس الفصل الثالث في أدب العالم مع طلبته مطلقًا في حلقته وهو أربعة عشر نوعًا:

стр. 48

الأول: أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى ونشر العلم وإحياء الشرع ودوام ظهور الحق وخمول الباطل ودوام خير الأمة بكثرة علمائها واغتنام ثوابهم وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعضهم وبركة دعائهم له وترحمهم عليه ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله ﷺ وبينهم وعداده في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه؛ فإن تعليم العلم من أهم أمور الدين وأعلى درجات المؤمنين. قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها يصلون على معلم الناس الخير، لعمرك ما هذا إلا منصب جسيم وإن نيله لفوز عظيم نعوذ بالله من قواطعه ومكدراته وموجبات حرمانه وفواته. الثاني: أن لا يمتنع من تعليم الطالب لعدم خلوص نيته، فإن حسن النية مرجو له ببركة العلم، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله، قيل: معناه فكان عاقبته أن صار لله، ولأن إخلاص النية لو شرط في تعليم المبتدئين فيه مع عسره على كثير منهم لأدى ذلك إلى تفويت العلم كثيرًا من الناس لكن الشيخ يحرض المبتدى

стр. 49

على حسن النية بتدريج قولاً وفعلاً ويعلمه بعد أنسه به أنه ببركة حسن النية ينال الرتبة العلية من العلم والعمل وفيض اللطائف وأنواع الحكم وتنوير القلب وانشراح الصدر وتوفيق العزم وإصابة الحق وحسن الحال والتسديد في المقال وعلو الدرجات يوم القيامة. الثالث: أن يرغبه في العلم وطلبه في أكثر الأوقات بذكر ما أعد الله تعالى للعلماء من منازل الكرامات وأنهم ورثة الأنبياء وعلى منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء أو نحو ذلك مما ورد في فضل العلم والعلماء من الآيات والآثار والأخبار والأشعار. ويرغبه مع ذلك بتدريج على ما يعين على تحصيله من الاقتصار على الميسور وقدر الكفاية من الدنيا والقناعة بذلك عن شغل القلب

стр. 50

بالتعلق بها وغلبة الفكر وتفريق الهم بسببها فإن انصراف القلب عن تعلق الأطماع بالدنيا والإكثار منها والتأسف على فائتها أجمع لقلبه وأروح لبدنه وأشرف لنفسه وأعلى لمكانته وأقل لحساده وأجدر لحفظ العلم وازدياده، ولذلك قل من نال من العلم نصيبًا وافرًا إلا من كان في مبادئ تحصيله على ما ذكرت من الفقر والقناعة والإعراض عن طلب الدنيا وعرضها الفاني، وسيأتي في هذا النوع أكثر من هذا في أدب المتعلم إن شاء الله تعالى. الرابع: أن يحب لطالبه ما يحب لنفسه كما جاء في الحديث، ويكره له ما يكره لنفسه، قال ابن عباس: أكرم الناس عَلَيَّ جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إليّ لو استطعت أن لا يقع الذباب عليه لفعلت, وفي رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني. وينبغي أن يعتني بمصالح الطالب ويعامله بما يعامل به أعز أولاده من الحنو والشفقة عليه والإحسان إليه، والصبر على جَفَاءٍ ربما وقع

стр. 51

منه نقص لا يكاد يخلو الإنسان عنه وسوء أدب في بعض الأحيان، ويبسط عذره بحسب الإمكان ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف لا بتعنيف وتعسف قاصدًا بذلك حسن تربيته وتحسين خلقه وإصلاح شأنه، فإن عرف ذلك لذكائه بالإشارة فلا حاجة إلى صريح العبارة، وإن لم يفهم ذلك إلا بصريحها أتى بها، وراعى التدريج في التلطف ويؤدبه بالآداب السنية ويحرضه على الأخلاق المرضية ويوصيه بالأمور العرفية على الأوضاع الشرعية.

стр. 52

الخامس: أن يسمح له بسهولة الإلقاء في تعليمه وحسن التلطف في تفهيمه لاسيما إذا كان أهلاً لذلك لحسن أدبه وجودة طلبه ويحرضه على طلب الفوائد وحفظ النوادر الفرائد ولا يدخر عنه من أنواع العلوم ما يسأله عنه وهو أهل له لأن ذلك ربما يوحش الصدر وينفر القلب ويورث الوحشة. وكذلك لا يلقي إليه ما لم يتأهل له لأن ذلك يبدد ذهنه ويفرق فهمه فإن سأله الطالب شيئًا من ذلك لم يجبه، ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه، وأن منعه إياه منه لشفقة عليه ولطف به لا بخلاً عليه، ثم يرغبه

стр. 53

عند ذلك في الاجتهاد والتحصيل ليتأهل لذلك وغيره، وقد روي في تفسير الرباني أنه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. السادس: أن يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده وتقريب المعنى له من غير إكثار لا يحتمله ذهنه أو بسط لا يضبطه حفظه ويوضح لمتوقف الذهن العبارة ويحتسب إعادة الشرح له وتكراره. ويبدأ بتصوير المسائل ثم يوضحها بالأمثلة وذكر الدلائل، ويقتصر على تصوير المسألة وتمثيلها لمن لم يتأهل لفهم مأخذها ودليلها، ويذكر الأدلة والمأخذ لمحتملها، ويبين له معاني أسرار حكمها وعللها وما يتعلق بتلك المسألة من فرع وأصل ومن وهم فيها في حكم أو تخريج أو نقل بعبارة حسنة الأداء بعيدة عن تنقيص أحد من العلماء، ويقصد ببيان ذلك الوهم طريق النصيحة وتعريف النقول الصحيحة، ويذكر ما يشابه تلك المسألة ويناسبها وما يفارقها ويقاربها ويبين مأخذ الحكمين والفرق بين المسألتين. ولا يمتنع من ذكر لفظة يستحي من ذكرها عادة إذا احتيج إليها ولم يتم التوضيح إلا بذكرها، فإن كانت الكناية تفيد معناها وتحصل منتهاها تحصيلاً بينًا لم يصرح بذكرها بل يكتفي بالكناية عنها، وكذلك إذا كان في المجلس من لا يليق ذكرها بحضوره لحيائه أو لجفائه فيكنى عن تلك اللفظة بغيرها، ولهذه المعاني واختلاف الحال

стр. 54

والله تعالى أعلم. ورد في حديث النبي ﷺ التصريح تارة والكناية أخرى. السابع: إذا فرغ الشيخ من شرح درس فلا بأس بطرح مسائل تتعلق به على الطلبة يمتحن بها فهمهم وضبطهم لما شرح لهم، فمن ظهر استحكام فهمه له بتكرار الإصابة في جوابه شكره، ومن لم يفهمه تلطف في إعادته له، والمعنى بطرح المسائل أن الطالب ربما استحيا من قوله لم أفهم إما لرفع كل الإعادة على الشيخ أو لضيق الوقت أو حياء من الحاضرين أو كيلا تتأخر قراءتهم بسببه. ولذلك قيل: لا ينبغي للشيخ أن يقول للطالب هل فهمت إلا إذا أمن من قوله نعم قبل أن يفهم، فإن لم يأمن من كذبه لحياء أو غيره فلا يسأله

стр. 55

عن فهمه لأنه ربما وقع في الكذب بقوله نعم لما قدمناه من الأسباب، بل يطرح عليه مسائل كما ذكرناه، فإن سأله الشيخ عن فهمه فقال نعم فلا يطرح عليه المسائل بعد ذلك إلا أن يستدعي الطالب ذلك لاحتمال خجله بظهور خلاف ما أجاب به. وينبغي للشيخ أن يأمر الطلبة بالمرافقة في الدروس كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وبإعادة الشرح بعد فراغه فيما بينهم ليثبت في أذهانهم ويرسخ في أفهامهم ولأنه يحثهم على استعمال الفكر ومؤاخذة النفس بطلب التحقيق. الثامن: أن يطالب الطلبة في بعض الأوقات بإعادة المحفوظات ويمتحن ضبطهم لما قدم لهم من القواعد المهمة والمسائل الغريبة ويختبرهم بمسائل تبنى على أصل قرره أو دليل ذكره. فمن رآه مصيبًا في الجواب ولم يخف عليه شدة الإعجاب شكره وأثنى عليه بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد، ومن رآه مقصرًا ولم يخف نفوره عنفه على قصوره وحرضه على علو الهمة ونيل المنزلة في طلب العلم لاسيما إن كان ممن يزيده

стр. 56

التعنيف نشاطًا والشكر انبساطًا ويعيد ما يقتضي الحال إعادته ليفهمه الطالب فهمًا راسخًا. التاسع: إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو تحمله طاقته وخاف الشيخ ضجره أوصاه بالرفق بنفسه وذَكَّرَهُ بقول النبي ﷺ أن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، ونحو ذلك مما يحمله على الأناة والاقتصاد في الاجتهاد، وكذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر ومبادى ذلك أمره بالراحة، وتخفيف الاشتغال، ولا يشير على الطالب بتعليم ما لا يحتمله فهمه أو سنه ولا بكتاب يقصر ذهنه عن فهمه.

стр. 57

فإن استشار الشَّيْخَ مَنْ لا يعرف حاله في الفهم والحفظ في قراءة فن أو كتاب لم يشر عليه بشيء حتى يجرب ذهنه ويعلم حاله، فإن لم يحتمل الحال التأخير أشار عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب، فإن رأى ذهنه قابلاً وفهمه جيدًا نقله إلى كتاب يليق بذهنه وإلا تركه،

стр. 58

وذلك لأن نقل الطالب إلى ما يدل نقله إليه على جودة ذهنه يزيد انبساطه، وإلى ما يدل على قصوره يقلل نشاطه. ولا يمكن الطالب من الاشتغال في فنين أو أكثر إذا لم يضبطها بل يقدم الأهم فالأهم كما سنذكر إن شاء الله تعالى. وإذا علم أو غلب على ظنه أنه لا يفلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فيه فلاحه. العاشر: أن يذكر للطلبة قواعد الفن التي لا تنخرم إما مطلقًا كتقديم المباشرة على السبب في الضمان، أو غالبًا كاليمين على المدعى عليه إذا لم تكن بينة إلا في القسامة، والمسائل المستثناة من القواعد كقوله العمل بالجديد من كل قولين قديم وجديد إلا في أربع عشرة مسألة، ويذكرها وكل يمين على نفي فعل للغير فهي على نفي العلم إلا من ادعى عليه أن عبده جني فيحلف على البت على الأصح، وكل عبادة يخرج منها بفعل منها فيها ومبطلها إلا الحج والعمرة، وكل وضوء يجب فيه الترتيب إلا وضوءًا تحمله غسل الجنابة وأشباه ذلك.

стр. 59

ويبين مأخذ ذلك كله وكذلك كل أصل وما يبنى عليه من كل فن يحتاج إليه من علمي التفسير والحديث وأبواب أصول الدين والفقه والنحو والتصريف واللغة ونحو ذلك إما بقراءة كتاب في الفن أو بتدريج على الطول. وهذا كله إذا كان الشيخ عارفًا بتلك الفنون وإلا فلا يتعرض لها بل يقتصر على ما يتقنه منها، ومن ذلك نوادر ما يقع من المسائل الغريبة والفتاوى العجيبة والمعاني (القحتة) ونوادر الفروق والمعاياة. ومن ذلك ما لا يسع الفاضل جهله كأسماء المشهورين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين وكبار الزهاد والصالحين كالخلفاء الأربعة وبقية العشرة المبشرة، والنقباء الاثنى عشر والبدريين والمكثرين، والعبادلة، والفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة

стр. 60

فيضبط أسماءهم وكناهم وأعمارهم ووفياتهم وما يستفاد من محاسن آدابهم ونوادر أحوالهم فيحصل له مع الطول فوائد كثيرة النفع ونفائس عزيزة الجمع. وليحذر كل الحذر من مناقشة بعضهم لكثرة تحصيله أو زيادة فضائله لأن ثواب فضائلهم عائد إليهم، وحسن ترتيبهم محسوب عليه. وله من جهتهم في الدنيا الدعاء والثناء والذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل. الحادي عشر: أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودة أو اعتناء مع تساويهم في الصفات من سن أو فضيلة أو تحصيل أو ديانة فإن ذلك ربما يوحش منه الصدر وينفر القلب، فإن كان بعضهم أكثر تحصيلاً وأشد اجتهدًا أو أبلغ اجتهادًا أو أحسن أدبًا فأظهر إكرامه وتفضيله وبين أن زيادة إكرامه لتلك الأسباب فلا بأس بذلك؛ لأنه ينشط ويبعث على الاتصاف بتلك الصفات. وكذلك لا يقدم أحدًا في نوبة غيره أو يؤخره عن نوبته إلا إذا رأى

стр. 61

في ذلك مصلحة تزيد على مصلحة مراعاة النوبة، فإن سمح بعضهم لغيره في نوبته فلا بأس، وسنذكر ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى. وينبغي أن يتودد لحاضرهم ويذكر غائبهم بخير وحسن ثناء وينبغي أن يستعلم أسماءهم وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم ويكثر الدعاء لهم بالصلاح. الثاني عشر: أن يراقب أحوال الطلبة في آدابهم وهديهم وأخلاقهم باطنًا وظاهرًا، فمن صدر منه من ذلك ما لا يليق من ارتكاب محرم أو مكروه أو ما يؤدي إلى فساد حال أو ترك اشتغال أو إساءة أدب في حق الشيخ أو غيره أو كثرة كلام بغير توجيه ولا فائدة أو حرص على كثرة الكلام أو معاشرة من لا تليق عشرته أو غير ذلك مما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في آداب المتعلم، عَرَّضَ الشيخ بالنهي عن

стр. 62

ذلك بحضور مَنْ صدر منه غير مُعَرِّضٍ به ولا معين له، فإن لم ينته نهاه عن ذلك سرًا، ويكتفي بالإشارة مع من يكتفي بها، فإن لم ينته نهاه عن ذلك جهرًا ويغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال لينزجر هو وغيره ويتأدب به كل سامع، فإن لم ينته فلا بأس حينئذ بطرده والإعراض عنه إلى أن يرجع، ولاسيما إذا خاف على بعض رفقائه وأصحابه من الطلبة موافقته. وكذلك يتعاهد ما يعامل به بعضهم بعضًا من إفشاء السلام وحسن التخاطب في الكلام والتحابب والتعاون على البر والتقوى وعلى ما هم بصدده، وبالجملة فكما يعلمهم مصالح دينهم لمعاملة الله تعالى يعلمهم مصالح دنياهم لمعاملة الناس لتكمل لهم فضيلة الحالتين. الثالث عشر: أن يسعى في مصالح الطلبة وجمع قلوبهم ومساعدتهم بما تيسر عليه من جاه ومال عند قدرته على ذلك وسلامة دينه وعدم ضرورته فإن الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله تعالى في حاجته، ومن يسر على معسر يسر الله عليه حسابه يوم القيامة ولاسيما إذا كان ذلك إعانة على طلب العلم الذي هو من أفضل القربات. وإذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائدًا عن العادة سأل عنه

стр. 63

وعن أحواله وعن من يتعلق به، فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل. فإن كان مريضًا عاده وإن كان في غم خفض عليه، وإن كان

стр. 64

مسافرًا تفقد أهله ومن يتعلق به وسأل عنهم وتعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وإن كان فيما يحتاج إليه فيه أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك تودد عليه ودعا له. واعلم أن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه وأقرب أهله إليه. ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى، فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاثة؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. وأنا أقول: إذا نظرت وجدت معاني الثلاثة موجودة في معلم

стр. 65

العلم؛ أما الصدقة فاقراؤه إياه العلم وإفادته إياه، ألا ترى إلى قوله ﷺ في المصلي وحده: من يتصدق على هذا، أي بالصلاة معه لتحصل له فضيلة الجماعة، ومعلم العلم يحصل للطالب فضيلة العلم التي هي أفضل من صلاة في جماعة وينال بها شرف الدنيا والآخرة، وأما العلم المنتفع به فظاهر لأنه كان سببًا لإيصال ذلك العلم إلى كل من انتفع به. وأما الدعاء الصالح له فالمعتاد المستقرأ على السنة أهل العلم والحديث قاطبة من الدعاء لمشايخهم وأئمتهم وبعض أهل العلم يدعون لكل من يذكر عنه شيء من العلم وربما يقرأ بعضهم الحديث بسنده فيدعو لجميع رجال السند فسبحان من اختص من شاء من عباده بما شاء من جزيل عطائه. الرابع عشر: أن يتواضع مع الطالب وكل مسترشد سائل إذا قام بما يجب عليه من حقوق الله تعالى وحقوقه، ويخفض له جناحه ويلين له جانبه، قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وصح عن النبي ﷺ أن الله تعالى أوحى إليَّ أن تواضعوا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، وهذا لمطلق الناس فكيف بمن

стр. 66

له حق الصحبة وحرمة التردد وصدق التودد وشرف الطلب، وفي الحديث: لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه، وعن الفضيل: من تواضع لله ورثه الله الحكمة. وينبغي أن يخاطب كلاً منهم لاسيما الفاضل المتميز بكنية ونحوها من أحب الأسماء إليه وما فيه تعظيم له وتوقير، فعن عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يكني أصحابه إكرامًا لهم. وكذلك ينبغي أن يترحب بالطلبة إذا لقيهم وعند إقبالهم عليه ويكرمهم إذا جلسوا إليه ويؤنسهم بسؤاله عن أحوالهم وأحوال من يتعلق بهم بعد رد سلامهم، وليعاملهم بطلاقة الوجه وظهور البشر وحسن المودة وإعلام المحبة وإضمار الشفقة؛ لأن ذلك أشرح لصدره وأطلق لوجهه وأبسط لسؤاله، ويزيد في ذلك لمن يرجى فلاحه ويظهر صلاحه،

стр. 67

وبالجملة فهم وصية رسول الله ﷺ فيما رواه أبو سعيد الخدري ﵁، عنه ﷺ قال: إن الناس لكم تبع وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون على الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا. وكان البويطي يدني القُرَّاء ويقربهم إذا طلبوا العلم ويعرفهم فضل الشافعي ﵁ وفضل كتبه ويقول: كان الشافعي يأمر بذلك ويقول: اصبر للغرباء وغيرهم من التلاميذ.

стр. 68

وقيل: كان أبو حنيفة أكرم الناس مجالسة وأشدهم إكرامًا لأصحابه. الباب الثالث وفيه ثلاثة فصول في آداب المتعلم: الفصل الأول في آدابه في نفسه وفيه عشرة أنواع: الأول: أن يطهر قلبه من كل غش ودنس وغلّ وحسد وسوء عقيدة وخلق؛ ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه، والاطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه، فإن العلم ـ كما قال بعضهم ـ صلاة السر وعبادة القلب وقربة الباطن، وكما لا تصلح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث فكذلك لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبث الصفات وحدث مساوئ الأخلاق ورديئها. وإذا طيب القلب للعلم ظهرت بركته ونما، كالأرض إذا طيبت للزرع نما زرعها وزكا، وفي الحديث: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد كله ألا وهي القلب"، وقال سهل: "حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله ".

стр. 69

الثاني: حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به وإحياء الشريعة، وتنوير قلبه وتحلية باطنه والقرب من الله تعالى يوم القيامة والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله. قال سفيان الثوري: "ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي". ولا يقصد به الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال، ومباهاة الأقران، وتعظيم الناس له، وتصديره في المجالس ونحو ذلك، فيستبدل الأدنى بالذي هو خير.

стр. 70

قال أبو يوسف ﵀: يا قوم أريدوا بعلمكم الله تعالى فإني لم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح. والعلم عبادة من العبادات وقربة من القرب فإن خلُصَت فيه النية قُبِلَ وزكى ونمت بركته، وإن

стр. 71

قصد به غير وجه الله تعالى حبط وضاع، وخسرت صفقته وبما تفوته تلك المقاصد ولا ينالها فيخيب قصده ويضيع سعيه. الثالث: أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل؛ فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدَلَ لها ولا عوض عنها، ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن

стр. 72

الوطن؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكذلك يقال: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك. ونقل الخطيب البغدادي في الجامع عن بعضهم قال: لا ينال هذا العلم إلا من عطّل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته، وهذا كله وإن كانت فيه مبالغة فالمقصود به أنه لابد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر. وقيل: أمر بعض المشايخ طالبًا له بنحو ما رواه الخطيب فكان آخر ما أمره به أن قال: اصبغ ثوبك كيلا يشغلك فكر غسله. ومما يقال عن الشافعي أنه قال: لو كُلِّفتُ شراء بصلة لما فهمت مسألة. الرابع: أن يقنع من القوت بما تيسر وإن كان يسيرًا، ومن اللباس بما يستر مثله وإن كان خلقًا، فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم ويجمع شمل القلب عن مفترقات الآمال فتتفجر فيه ينابيع الحكم. قال الشافعي ﵀: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة

стр. 73

العلماء أفلح. وقال: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس، قيل: ولا الغني المكفي، قال: ولا الغني المكفي. وقال مالك: لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر ويؤثره على كل شيء. وقال أبو حنيفة: يُستعان على الفقه بجمع الهم، ويستعان على حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد. فهذه أقوال هذه الأئمة الذين لهم فيه القدح المعلي غير مدافع، وكانت هذه أحوالهم ﵃. قال الخطيب: ويستحب للطالب أن يكون عزبًا ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجية وطلب المعيشة عن إكمال الطلب، وقال سفيان الثوري: من تزوج فقد ركب البحر فإن ولد له ولد فقد كسر به، وبالجملة فترك التزويج لغير المحتاج إليه أو غير القادر عليه أولى لاسيما للطالب الذي رأس ماله جمع الخاطر وإجمام القلب واشتغال الفكر. الخامس: أن يقسم أوقات ليله ونهار ويغتنم ما بقي من عمره فإن بقية العمر لا قيمة له. وأجود الأوقات للحفظ الأسحار وللبحث الإبكار وللكتاب وسط

стр. 74

النهار وللمطالعة والمذاكرة الليل. وقال الخطيب: أجود أوقات الحفظ الأسحار ثم وسط النهار ثم الغداة. قال: وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع. قال: وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات. قال: وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطريق وضجيج الأصوات لأنها تمنع من خلو القلب غالبًا. السادس: من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملال أكل القدر

стр. 75

اليسير من الحلال. قال الشافعي ﵁: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، وسبب ذلك أن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم والبلادة وقصور الذهن وفتور الحواس وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهية الشرعية والتعرض لخطر الأسقام البدنية. كما قيل: فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب ولم ير أحد من الأولياء والأئمة العلماء يصف أو يوصف بكثرة الأكل ولا حمد به، وإنما يحمد كثرة الأكل من الدواب التي لا تعقل بل هي مرصدة للعمل، والذهن الصحيح أشرف من تبديده وتعطيله بالقدر الحقير من طعام يؤول أمره إلى ما قد علم، ولو لم يكن من آفات كثرة الطعام والشراب إلا الحاجة إلى كثرة دخول الخلاء لكان ينبغي للعاقل اللبيب أن يصون نفسه عنه، ومن رام الفلاح في العلم وتحصيله البغية منه مع كثرة الأكل والشرب والنوم فقد رام مستحيلاً في العادة. والأولى أن يكون أكثر ما يأخذ من الطعام ما ورد في الحديث عن النبي ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" رواه الترمذي. فإن زاد على ذلك
следующие страницы →