← Фикх общий

Фикх общий · id 151185

الركن الخامس

محمد محيي الدين حمادة

Полный текст (520 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الحجُّ إلى بيت الله الحرام هو الجامعة الكبرى التي ينطوي تحت جناحها جميع كليات وجزئيّات المعاني الحضاريّة، التي أرساها الإسلام في قلب المجتمعات الإنسانيّة. فالحجُّ وسيلةُ إيضاح تختزل لنا مقاصد الدِّين الإسلاميّ كلهّا؛ ذلك أنَّ العبادات في الإسلام هي منافذ يطل بها العبد على معرفة الخالق جلَّ وعلا، ويمد منها جسور التَّواصل مع ربه، ضمن خريطة عمل رسمت خطواتها المترابطة يد العناية الإلهية، لإبعاد شبح الغفلة والضياع عن قلب المسلم، والمحافظة على هويته الإيمانية؛ لذا فقد اتصفت عبادات المسلمين بالخصوصية والموسمية، وهما الوصفان اللذان يبدوان بقوة في قمة هرم العبادات الإسلامية المسمى فريضة الحج، التي تضم إليها سائر العبادات. فالصَّلاة مفتاح العلاقة بين العبد وربه، وهي تحضر في الرّكن الخامس بصورة بارزة حتى لكأنَّ الذاهب إلى بيت الله الحرام ذاهب للصَّلاة، كما أنَّ الطَّواف حول البيت صلاةٌ إلَّا أنَّ الله أحلَّ فيه الكلام، فمن تكلّم فلا يليق به أنَّ يتكلم إلَّا بخير. والصَّلاة في الإسلام ليست مجردَ أدعيةٍ وابتهالاتٍ، كما يظنُّ البعضُ، وكما هو الأمرُ عند أبناءِ الشَّرائع الأخرى، وإنما هي عملٌ حضاريٌّ متكامل له خصوصيته التي تضع بصمتها على الحياة الإسلاميّة للفرد والأمّة بوضوح وعمق. فالصَّلاة لها شروطُ وجوبٍ من إسلامٍ وعقلٍ وبلوغٍ، وشروط صحّة تسبق أداءها من نحو طهارة، وستر للعورة، ودخولٍ للوقت ... والصَّلاة لها أركانها وآدابها التي تقارن فعلها من نحو افتتاح بالتكبير، واختتام بالتَّسليم، واستقبال القبلة، وقراءة الفاتحة في القيام، ومن نحو الرّكوع والاعتدال

стр. 2

والسّجود والتّشهد، والدّعاء والتسبيح والأوراد وسائر الشُّروط التي تحدد خصوصيّة أول ركن في الإسلام، وأكثره شيوعاً وتكليفاً. أمّا الزَّكاة التي يكثر حضورها في فريضة الرّكن الخامس ـ من خلال الكفارات التي تدفع إلى فقراء الحرم ـ ليست مجرد دعوة للتّصدق والإحسان باختيارِ المنفق كما هو عهد هذه العبادة في شرائع غيرنا، لكنّها عندنا حقٌّ معلومٌ لا يملكه المسلم؛ لذلك يدفعه بطواعية المؤمن لما افترضه الخالق عليه، فإن أبى أخذت منه عنوة، فإنْ كان الصّادُّ عنها ذا شوكة ومَنَعَةٍ قاتلتهم عليها الدَّولة المسلمة حتى يعطوها عن يد وهم صاغرون، غيرة على حكم الله، وحرصاً على حقوق الفقراء الذين لم يجدوا في تاريخهم دولة تقاتل من أجلهم بقوة السلاح دون تلبيس إلّا الدولة الإسلامية أيام الخليفة الراشدي أبي بكر الصديق ﵁. وكذلك الصّيام الذي يصهر المسلمين في محراب العبودية بين يدي الخالق الكريم بما يوقظه في قلب المؤمن من مراقبة العلي المتعالي فإنه ينطوي تحت راية الحج الذي لا يغفل بين أيام ذي الحجة كفارة الصيام، كما أَن ربّنا يفيض في فريضة الحج على قلب الصادق في توجُّهه إلى تلك الديار أضعافاً مضاعفة من تلك الجرعات الإيمانية التي يفيضها في شهر الصيام والتي يعجز اللسان عن وصفها، والقلم عن تبيانها؛ حيث يدخل بها المسلم من جديد معترك الحياة في مواجهة الشهوات الدونية، بعد أن حج أرضاً تهب عليها النفحات الإبراهيمية من بعيد والمحمدية من قريب. هذه العبادات الثلاث تمتاز كذلك بالموسميَّة، كل عبادة بحسبها: فالصلاة ذات سمة ساعية؛ حيث تتكرر خمس مرات كل يوم بتكرر أوقات الصلاة، تعضدها ساعات السحر، وصلوات الرواتب والنوافل. هذا التكرار يقيم بين العبد وربه ثقة متينة يستمد بها العبد الضعيف المدد من مالك

стр. 3

الملك، ذي الجلال والإكرام، فيغدو قويّاً لا يتزلزل ولو اجتمع عليه الثقلان (١). وخلال كل سبعة أيام هناك موسم أسبوعي للخير تجسده صلاة الجمعة التي تمثل محاضرة الأسبوع، يلقيها الإسلام على أبنائه، يخاطب فيها حاضرهم وواقعهم، والتحديات التي تنتصب في طريق مستقبلهم. وعلى مدار العام هناك موسم سنوي يتجلى في شهر رمضان ربيع الحياة الإسلامية، كما يتجلى في تجديده لجوهر الشخصية المسلمة على جميع الأصعدة، يرفده صيام النوافل والكفارات. أمَّا الحج فهو أكثر العبادات خصوصية وموسمية: فإذا كانت الصلاة والصيام عبادتان بدنيّتان، وإذا كانت الزكاة عبادة مالية فإنّ الحج هو عبادة بدنية ومالية معاً؛ لأن العبد يبذل فيه كثيراً من الراحة والجهد المتواصل، مرتحلاً في هجرة صادقة إلى بيت الله يضع عنه أوزار السنين، ويُلقي وراء ظهره أيام الغفلة والشرود عن الله، مستقبلاً نفحات مكة بقلب حاضر، وعهد صحيح. والحج الذي يُقَدَّم فيه ذلك الجهد البدني الشاق هو عبادة يبذل فيها المال أيضاً الذي هو شقيق الروح؛ لأنّ الباذل لماله هو كمن يجود بروحه في سبيل بارئه الكريم (٢).

стр. 4

إن من خصوصيّته ما يلازمه من غربة الأوطان، وما يصاحبه من ارتحال إلى الواجبات والسنن والأركان، وسائر عبادات الإسلام، حتى إنّ الحجاج ليشعرون منذ بدء الرحلة أنهم في عمل متواصل ساعةً بساعةٍ، لا انقطاع فيه، بينما يشعرون في المدينة المنورة بانتهاء عهد التعب، وابتداء زمن الراحة والاستجمام، وعهد الضيافة الكريمة على مائدة النّبيّ الأكرم. ومن خصوصيته أنه استجابة لأمر الله الذي أوجب، ولنداء إبراهيم الذي بلَّغ، وهو ما ينال صدى واسعاً في القلوب المؤمنة التي تشعر بمزيد من الفخار فأيُّ فرحةٍ تغمر العبد المؤمن أبلغ من هذه؟ ومن خصوصيته أنه رحلة تواصل مع أمّة عظيمة تشكل رقعتها الجغرافية امتداداً لكل مسلم، لاسيما بالنسبة لمن لم تُتِح لهم ظروف العيش القاسية أن يتخطَّوا سور قريتهم أو مدينتهم فتقدّم لهم فريضة الحج فرصة سانحة ربما لن تتكرر في حياتهم، ولن تمحى من ذاكرتهم، للالتقاء والإطلاع على الثقافات المتنوعة، وعلى سر التنوع في أمة الإسلام العظيمة. ومن خصوصيته أنه رحلة لتوحيد الله ، وإفرادِه بالعبادة، في أرض لا يقطنها إلّا الساجدون لله . ومن خصوصيته أنه يفتتح بطواف القدوم، ويختتم بطواف الوداع، وكل منهما تشترط فيه أمور، وتسنُّ فيه أُخرى، تزيد من تلك الخصوصية. ومن خصوصيته أنّ الحجاج يدخلون مكة بعد طواف القدوم مرَّة أخرى؛ حيث يقفون خارجها على صعيد عرفات، فيسألون الله، ويُلحون عليه في الدعاء، ويناجونه ويبكون بين يديه حتى تبتلَّ منهم اللّحى، حتى إذا ما أُذن لهم اندفعوا نحو الأرض

стр. 5

المقدسة من بوابة مزدلفة ملبّين، ذاكرين الله عند المشعر الحرام الذي يبيتون عنده وما يحيط به، فإذا ما أُذن لهم من جديد تقدّموا خطوة أخرى صوب البيت الحرام بوصول منى، ورميّ جمرة العقبة الواقعة في رأس الطريق هناك باتجاه غايتهم، ومع الفراغ من هذا النُسك العظيم الذي يتقرب به الحجاج إلى الله، فإنهم يَجدُّوْن السير ـ سواء من تحلل بالحلق أو من لم يتحلل ـ على الطريق الذي سلكه محمد ﷺ نحو المعبد الإسلامي الذي شيده إبراهيم ﵇ لتوحيد الله وحده، وتلبيته، وسؤاله من جوامع الخير، وإنزال الأثقال من فوق كاهل العباد عنده؛ لذلك فإنّ الأبواب ما تلبث أن تفتح لهم إيذاناً بالدخول لطواف الزيارة، والسعي عقبه. ومع الفراغ من هذا المنسك الركن، يُؤذَنُ للحجيج بأن يعودوا أدراجهم للدخول في سلك الضيافة الإلهية في منى أيام العيد الأكبر، حيث يجلس الجميع على مائدة الرحمن العامرة؛ إذْ تذبح الذبائح وتقام أعراس الطاعة، التي تقدم فيها أطايب اللحوم، والحلوى، وألوان الشراب البارد والساخن، تكرمة من الله لضيوفه - الذين أتموا أركان فريضتهم ولم يبق أمامهم سوى بعض الواجبات - وتداركاً في هذه الأوقات لمن فات في حقه شيء من الأركان كالحلق أو طواف الإفاضة، فيستأذن من مضيفه وهو ربُّ العزة بالتوجه إلى الكعبة المشرفة لساعاتٍ لأداء ما تأخر عنه، ثم يعود تارة أخرى ليأخذ مكانه على تلك المائدة. وكما ترى فالعيد هناك خصوصية من وراء خصوصية، وموسم خيرٍ تتداخل فيه مواسم من جنسه، لذلك تعد أيام منى مناسبة لإظهار طبيعة الأعياد عند المسلمين، التي لم تكن يوماً إطلاقاً لعنان الأهواء والشهوات، ولا استغراقاً في وحل المعاصي والآثام، ولا استثناءً يبيح ما كان محظوراً على عادة الغربيين في أعيادهم! ، لكنه طاعات

стр. 6

تمتزج فيها الأفراح، وسرور يعكس سعادة العباد بطاعة الله، ومباحات تتعانق بحرارة مع القربات. الأعياد عندنا مظهرٌ من مظاهر تواصل المسلم مع ربه، وصورة صادقة لمراقبته لشهود الله على عمله، وتأكيدٌ على نفي الغفلة عنه في ذروة النشوة والفرحة، لذلك لا عجب أن تقترن بداياته بالتكبير بالنسبة للحاج ولغير الحاج كلٌ بحسبه، وسواءٌ في مكة أو في امتداداتها على كل بقاع الأرض، والذي يرافقه حتى السُّوَيْعات الأخيرة، كما يسبقه ويتصل به أهمُّ أركان الحج وهو الوقوف بعرفه، ويؤدّى فيه ركنا الحلق والطواف، وواجب المبيت والرمي في ذات الأرض التي تقام عليها أفراح العيد وهي أرض منى. إنّ وقوع العيد في الأرض التي هي جزء من البلدة الحرام، ويؤدَّى فيها مايرتبط بتحلل الحاج من إحرامه التحلل الأول، كما تؤدَّى الواجبات الشرعية التي إنْ تركت لا سبيل لتكفيرها إلّا بإراقة دماء الكفارات ليتم ذلك في امتزاج كامل بمظاهر الأفراح التي تحيط بها هالة من المعاني الإنسانية كالتزاور والتراحم، وصلة الأرحام، وتفقد الأحباب، وتبادل الدعوات، وتقديم الطعام والشراب للغني والفقير سواء بسواء، لهو مما يضفي أثر الثقافة الإسلامية المستمدة من معين الشَّرع المطهر؛ حيث يدعونا الله في كتابه إلى الذكر في أيام منى المعدودات، أيام العيد: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. هذه الدعوة تعضدها أخرى على لسان رسول الله ﷺ على سبيل الوصف الإسلامي لتلك الأيام بقوله: "أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله (١) ".

стр. 7

فالأعياد عند المسلمين تأكيد لوجه الصلة بالله ، ودعوة لأنْ تكون أفراحنا مهرجانات إسلامية وذات أبعاد إنسانية، لا تدعى لها طبقة متميزة في المجتمع تسمى المخملية، وتستثنى سائر الطبقات. هذا المعنى هو امتداد لجوهر الركن الخامس الذي يدعو جميع المسلمين القادر منهم، دونما إبطاء أو استثناء لحضور المؤتمر السنوي، والدعوة مفتوحة، وعاجز اليوم قد يغدو قادراً في عام قادم، والباب مشرع على مصراعيه لكل أحد دون النظر إلى طبقته، أو ثقافته أو مهنته، أو إقليمه، وهو ما ندعوه بالموسمية، فالحج هو موسم سنوي بالنسبة لعموم الأُمة، لكنه موسمُ العمر بالنسبة لآحادها؛ لأنه العبادة التي فرضها ربنا مرّة واحدة في حياة كل مسلم ما لم يأت إلى مكة ناذراً أو على وجه القضاء، لذلك عرَّفه الإمام الغزالي في الإحياء بأنه عبادة العمر حين قال: "فإنَّ الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين (١) ". فالحج موسم الخير والعطاء الدائم يحتضن بين ذراعيه كل مواسم الخير والعطاء الإسلامية فهل نعجب بعد ذلك ونحن نقرأ كلام ربنا في القرآن الكريم يقسم بالليالي العشر الأوائل من ذي الحجة (٢)، وكلام نبينا الذي لا ينطق عن الهوى وهو ينادي بأيام العشر أفضل الأيام على الإطلاق (٣). لا بل إنّ أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن صدر ذي الحجة

стр. 8

هو المعني به في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَمَانِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ﴾ [الأعراف: ١٤٢] أما الثلاثون فهي شهر ذي العقدة. وإذا كانت الأشهر الحرم أربعة فإن اثنين منها هي من أشهر الحج (١)، فهل بعد هذا من خصوصية وموسمية. ومن تجليات الركن الخامس على المسلمين ذلك الرابط الذي عمد إليه الإسلام بين كلّ واجب يؤديه الحاج ومرجعه التاريخي الذي سجّل ميلاد الحادثة إلى حيّز الوجود، وهو ما يؤجج في قلوب الحجاج مشاعر إيمانية فياضة حين يؤدون بمتابعة دقيقة ما سبقهم إليه رجالات عظام أقامهم الله في موقع القدوة بعد أن صبروا في سبيل الله، وسموا فوق كل إغراء، وتفانوا في مرضاة ربهم وحده، فاستحقوا بذلك أن يتحولوا إلى مناراتٍ تضيء للبشرية درب الحياة مهما أحلولك الظلام في طريق الشعوب. تعيش فيك هذه المعاني وأنت تطوف حول البيت، وذاكرتك يتردّد فيها صدى البيان الإلهي: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]. وتتأمل ذلك وأنت تصلي إلى مقام إبراهيم وفي أذنيك خطابُ الله للمكلفين: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فتؤدي ركعتي الطواف وأنت

стр. 9

تستحضر صورة رسل الله وأنبيائه قاطبة، وألسنتهم تلهج حول البيت العتيق بأدعية شفافة رقيقة، فتفوح من هذا السَّرد الذي يشبه آلة العرض السينمائي ذكرى رسول الله ﷺ وهو يدخل مكة من ثنيَّة كَدَاء، ويغتسل من بئر ذي طُوى، ويطوف بالبيت في تواضع لله، وخشوع بين يديه وبكاء، وفي إظهار للقوة أمام أعداء الله مهرولاً في الأشواط الثلاثة الأول التي بدأها بتقبيل الحجر الأسود، والتي تلت هدم أصنام الشرك المزعومة في ختام رحلة الجهاد فداءً لدين الله؛ ليؤسس مع بداية الطواف بضوابطه الجديدة قيام مجتمع جديد أساسه التوحيد لله، وعنوان وحدته الكعبة المشرفة، وثمرة بنائه مجتمع سعيد رمزه الفضيلة والستر والروابط الإيجابية بلا كَبْتٍ أو سلبيّة. إنّه المجتمع الذي يقوم فيه الولاء لله تعالى وحده، وليس لآلهة مزيَّفة من أصنام ومادة وشهوات. وفي المسعى تحضر بقوة ذكرى الأم العظيمة هاجر، يوم استجابت لأمر ربها، ورضيت بالإقامة في وادٍ غير ذي زرع لا ساكن فيه ولا ماء، أو أيَّ شيء من مقوّمات الحياة حتى صارت مثلاً يُحتذى لكل من تسوِّل له نفسه أنّ في طاعة الله ضياعَ الأفراد والمجتمعات، فهاهي أُمنّا، وبسبب يقينها وثقتها بالله تعالى لم تنج من براثن موت مؤكد فحسب، وإنما صارت سيدة هذا الوادي الذي أخذ يعج بجموع السكان والزّوار، وصارت إحدى الخالدات اللائي حُفر اسمهنّ بجلاء في جدار التاريخ، وبالسيرة العطرة التي تشرئب لها أعناق روّاد الخلود في الدنيا. وفي عرفة حيث وقف رسول الله ﷺ فألقى في جموع المسلمين خطابه المودِّع الجامع يناشد فيه حاضرهم وأجيالهم أن تحمل الأمانة التي ألقيت على عاتق الأمة في تلك اللحظات المؤثرة من تاريخ الرسول والرسالة.

стр. 10

وفي مزدلفة حيث المشعر الحرام وصلاة الجمع، والتقاط الحصى، إقتداءً بالرسول ﷺ . وفي منى عند الجمرات يستشعر المسلم صورة صادقة من صور الصراع بين الحق والباطل الذي لا ينفك بين البشر حتى يقضي الله بين العباد، والذي يرمز لجانب الشرِّ فيه الشيطان، ولجانب الخير فيه المسلم الذي يُصرّ على توطين نفسه لنبذ دواعي الفتنة من خلال رمي الشاخص بما يعمق عقيدة التولي عن دعوات إبليس المتلاحقة، ومن خلال الإقتداء بمن هو أهلٌ لأن يقتدى به، إنه إبراهيم أبو الأنبياء خليل الرحمن، ومحلُّ إجماع أبناء المجتمعات الإنسانية في كل زمان ومكان؛ حيث عارض الشيطان، وخالف أوامره، وانتصر عليه ورماه بالحصباء امتثالاً لأمر ربه. وفي النَّحر عَوْد على أروع الأمثلة التي وضعت فيها العبودية لله تعالى موضع التنفيذ يوم لم يتردّد إبراهيم في الإقدام على ما أوحاه الله إليه من ذبح ولده الوحيد إسماعيل آنذاك (١)، في أرض غربة وتقشف وحرٍّ شديد، تسليماً لأمر ربه، فإذا بالولد البارِّ يجدّ السير على درب أبيه، يقدم الروح متبسماً في سبيل رضوان ربه، وهو يقول: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ومن تجليات الركن الخامس أنه يحقق في أمتنا ما عاشت البشرية أزمنة طويلة تنادي

стр. 11

له، وتسعى إليه حتى رفعت به الصوت عالياً بالثورة الفرنسية من دعوتها لتحرير الإنسان من رقّ الإقطاعيين والمستغلين والمتنفذين، بينما قدّمته لنا هذه الفريضة بتواضع وسبق واضح، يوم حرّرت المسلم من عبودية أخيه الإنسان، وأخرجت منه خلقاً آخر لا يعرف الضيم، ولا ينام على الظلم من خلال ربطه بعبودية التشريف للإله الحق الذي يدفع الاعتماد على قوته العليا اللطيفة المحيطة بالخلق أجمع، إلى تكسير قيود الاستعباد للشهوات والأهواء، وأرباب النفوذ مهما بلغوا من السطوة والجبروت في صور يعجز عن فكِّ ألغازها الملاحدة ومنكروا الإيمان بالله ، ومن ورائهم طابور المنافقين الذين يُظهِرون غير ما يُبطنون، ويتفوَّهون بغير ما يعتقدون. ومن تجلياته تحقيق مبدأ المساواة الذي يحلم به بنو الإنسان دون أن يلجوا إليه عادة من باب موصل صحيح لكن ها هو الحلم يغدو حقيقة ماثلة للعيان في موسم الحج الذي يدعو من خلاله رب العزة جميع المسلمين لدخول ساحة الآخرة في زمان واحد لا يستثنى منه أحد من حجاج بيت الله، ومكان واحد لا تفاضل في رحابه، وبثوب واحد يتقربون به إلى مولاهم الذي دعاهم، ويتقارب به المدعوون فيما بينهم؛ حيث تتجلّى مظاهر التساوي والتوحد والتواضع والصفاء؛ لأنّ الزيّ الخاص بكل إقليم وقطر ينحسر في هذا الحشد فلا يعود له وجود، بينما يتقدّم زيّ بسيط لا صلة له بعادات الناس، ولا بتقاليدهم، وليس له من معنى اللباس إلّا غايته وهو الإزار الذي يلف القسم السفلي ساتراً العورة، والرداء الذي يغطي الكتفين، وكلاهما بلون أبيض ناصع يجدد في الروح تطهير أرضها من مكدّرات النفس الإنسانية. لباسٌ يستوي فيه السيد والمسود، والأمير والفقير، وتذوب معه سائر الفوارق الطبقية، في مشهد يُضَمُّ إليه التجاء الحجيج بعبودية وانكسارٍ، يذكر أوّل ما يذكر

стр. 12

بالبدايات الأُولى حين خرج النّاس من بطون أُمهاتهم حفاة عراة، وبالمعاد حين يقومون لا أحساب بينهم ولا أنساب، وبالانتقال فيما بين وادي الدنيا والآخرة من نافذة القبر المظلم الصغير، وجميعها صورٌ شاهدة على المساواة بين سائر البشر (١). ومن تجليات هذا الركن العظيم أنه أعظم تظاهرة اقتصادية في التاريخ البشري، وفي الحياة المعاصرة؛ لأن الملايين من المسلمين يحزمون أمتعتهم كلَّ عام صوب المسجد الحرام لأداء مناسك الحج فرضاً أو نافلة، بشتى وسائل النقل البرية والبحرية والجوية، مفعّلين بذلك عجلة هذا المرفق الحيوي الهام، حاملين معهم المال إلى بلدة شهدت ولا تزال تدفق عصارات الأمم في شتى الصناعات، وثمرات الكرة الأرضية على كل المستويات، فإذا بأبناء الأقاليم والقارات يتبادلون في هذا اللقاء الحاشد السلع والحاجيات ضمن أضخم عملية تبادل اقتصادي في الدنيا تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد العالمي وتفعليه نحو الأرقى، في سبقٍ إسلامي لفكرة التجمعات الاقتصادية الكبرى، ومعارضها الإنتاجية، من خلال إعطاء الحج بعداً اقتصادياً، رُسخ فيه من خلال ربط هذه الفريضة بالاستطاعة المالية التي لا يتم نهوض اقتصاديٌّ ما حال

стр. 13

استبعادها. كما أنه دُفع بالقضية برمتها إلى دائرة الضوء بجعل الحج ركناً من أركان الإسلام، وتسمية إحدى سور القرآن الكريم باسم هذا الركن العظيم ـ سورة الحج ـ والتي ضمّنها البيان الإلهي قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٨، ٢٩]، وبذلك قطع البيان القرآني دابر الشك أمام من يتردد من الحجاج في المتاجرة والانتفاع الدنيوي المشروع، في هيئة تظهر تعانق النُسك الشرعي مع البناء الحضاري في هذا الدين، وتثبت من جديد أنّ إسلامنا لم يكن يوماً رهبانية حبيسةَ دور العبادة، ولا صوفيةً لا تَفْقَهُ الدنيا، لكنه دائماً دينٌ سماوي لبناء مكتسبات أرضية، ودنيا لا تقطع صلتك بالله، وسماء تؤكد لك بالصوت والصورة اليومية أنّ الذي أبدع الإنسان في أحسن تقويم، وخلق سبع سماوات طباقاً لا ترى في خلقهن تفاوتاً، هو وحده الخبير بما يضمن سعادة هذا الكائن البشري الذي انطوى فيه العالم الأكبر، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؟ [الملك: ١٤] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾؟ [التين: ٨]. فأين من ينظر بموضوعية مجرّدة عن مؤثرات الأهواء والمصالح الضيّقة؟ ! . الإسلام والدنيا في ميزان شريعتنا لا مقاطعة بينهما ولا هجران، وإنما تعاون على تذليل كل شيء لنيل رضوان الواحد الأحد المنّان، ولذلك وطدت الآية السابقة في كلماتها جانباً اقتصادياً آخر بتقديم كفارات على بعض مخالفات الحجاج، على هيئة ذبائح وصدقات لا يجوز أن تدفع لغير فقراء الحرم، وبهذا عالجت الحكمة الإلهية قدر الله على أهل مكة في واديهم الذي لا يخرج زرعاً، بالوصفة الاقتصادية التي تعوض محصول الأرض الذي لا وجود له بموسم الحج السنوي، والمواسم المتكررة للعمرة على مدار العام.

стр. 14

والحج كذلك تظاهرة رياضية كبرى، يمكنني أن أُطلق عليه: "ماراتون المسلمين"؛ لأن الحاج يقطع في حقيقة الأمر عشرات الكيلو مترات أو أكثر، دون أن يشعر بثقلها، وبأنه فعلاً قطع تلك المسافة، بسبب لواعج الشوق التي تتحرك بين جوانحه للقاء بيت الله، واستغراقه مع الله في العبادة في لقاء ملائكي مهيب، لا يجد فيه المسلم قدرة على منع دموعه من الانهمار بغزارة من عينين تكحلتا أخيراً برؤية البيت، وبمناجاة الله عنده، وفي ربا عرفات والمشاعر. لو أردنا أن نلقي نظرة عابرة على المسيرة الفعلية التي يقطعها كل حاج أثناء هذه الرحلة، فإنها ستتجاوز مسافة الماراتون الفعلية، ففي مدينة الحجَّاج في جُدَّة يتحرك الحاج سيراً على قدميه من صالة الانتظار الأولى، إلى صالة الجوازات، ومنها إلى صالة الأمتعة، ومنها إلى صالة (شيك الخدمات) وأحياناً يكون موقعها في بداية المطار؛ حيث الصالة الأولى، ومنها إلى مركز البعثة التابعة لبلد الحاج، وأحياناً تقع بعد الصالة العاشرة، ومن ثم يتحرك سيراً على الأقدام من موقع البعثة إلى مكان تجمع الباصات، ومن هناك يتحرك إلى مكة بواسطتها. البداية الثانية من ساحات الحرم المكي الخارجية التي لا بد منها للوصول إلى أسوار الحرم ولوجاً إلى الأبنية هناك، وصولاً إلى المطاف، الذي نقطعه من محيطه إلى مركز دائرته؛ حيث الكعبة المشرفة التي تُستقبل بطواف القدوم سبعة أشواط، قد تصل مدة الشوط الواحد من ربع إلى نصف ساعة وربما أكثر في أوقات الذروة والازدحام بسبب اتساع محيط الدائرة التي يسير في إطارها الطائفون. ومن فراغ عبادة الطواف ينتصب الحاج لركعتيه خلف مقام إبراهيم، والمسافة بينهما ليست بالقصيرة وقد تبلغ مئات الأمتار عند الازدحام، ومن ثَمَّ انتقال من موقع

стр. 15

ركعتي الطواف، إلى حيث جبل الصفا لبدء السعي بين الصفا والمروة، وهي مسافة كسابقتها تقريباً. وفي المسعى رياضة متجددة لقطع مسافة (٣٩٥ م) للشوط الواحد يقيناً بين جبلي الصفا والمروة، فضلاً عن المسافة الاحتياطية والأخرى الإلزامية التي يفرضها ازدحام جموع الساعين هناك. هذه المسافة يقطعها الحُجَّاج بين مشي على الأقدام، يبدأ بالنزول الخفيف إلى الوادي المتصل بجبل الصفا، وبين هرولة يؤديها الساعون عند استواء الأرض فيما يعرف بالميلين الأخضرين، ثم يعاودون المشي صعوداً إلى جبل المروة، وبالوصول الموفق يكون أحدهم قد أدّى شوطاً واحداً عليه أن يتبعه بستة أخرى هي على شاكلته، لكن عندما يكون سكن الحجاج في غير جهة المروة، فعليهم أن يعودوا أدراجهم من ذات الطريق، وهو ما يحصل معي دائماً حيث نضطر للتحرك على خطى المسعى من المروة إلى الصفا إلى باب الملك فهد إلى ساحات الحرم الخارجية إلى النفق تحت ساحات الحرم المكي، أو لقطع الشارع المقابل للحرم عرضياً لركوب الباصات، وأحياناً يضطر الحجيج للسير على الأقدام في أوقات الذروة حيث يُوقِف الازدحام بعد صلاة الجمعة والصلوات الخمس مباشرة خطوط المواصلات بصورة جزئية أو كلية تمتد مسيرة الحجاج على أقدامهم من (٥٠٠ م) إلى (١٠٠٠ م) إن لم يؤثر الانتظار في المسجد الحرام. هذه المسيرة تتكرر على نفس الهيئة كلما أراد الحاج أن يؤدي عمرة، وبشاكلة أقلَّ منها كلما أراد أن يؤدي طواف نفل، كما يعود للمسيرة زخمها السابق عندما يتقدّم الحجاج لأداء طواف الإفاضة والسعي بعده. كما تتجدد الصورة بدرجة أقل من سابقاتها عندما يتوجه الحاج لأداء إحدى

стр. 16

الصلوات الخمس في المسجد الحرام إذ عليه قطع مسافة الساحات الخارجية، ثم يتجاوز الأروقة المغطاة على قدميه، وصولاً إلى ساحة المطاف، وأحياناً بسبب الازدحام صعوداً إلى الطابق الثاني بامتدادته الواسعة وفي بعض الأوقات لا يجد في كل هذه المساحات الشاسعة ما يمكّنه من الجلوس فيضطر للبحث عن مكان مناسب على سطح الحرم وهو كبير واسع باتساع المسجد الحرام نفسه. ومع انتهاء الصلاة تبدأ رحلة العودة من السطح المترامي الأطراف إلى المخارج الجانبية على محيط دائرته إلى الأبواب الأرضية، ومنها لتخطّي ساحات الحرم الخارجية من جديد إلى مواقع تجمع الحافلات، ومن ثَمَّ إلى موقع الإقامة، لتبدأ جولة أُخرى من الجهاد الرياضي مع صلاة قادمة ليتكرر ذلك خمس مرات بعدد أوقات الصلاة، بالنسبة لمن يحرص على فعلها جميعها في المسجد الحرام. أما في أرض عرفه فالحركة ضمن المخيم الواحد لا تهدأ، وهي تؤدّى على الأقدام، وكذا بين مخيم وآخر بحثاً عن الأهل والأصحاب تواصلاً وصِلة للأرحام. وفي دعاء عرفات يسن أن يناجي الحجيج ربهم واقفين، بارزين، ما لم تكن ثمة مشقة لا تحتمل. وفي طريق النَّفرة من عرفات إلى مزدلفة يتحرك مئات الآلاف من الحجاج سيراً على أقدامهم، ومنها ينفذون إلى منى، وصولاً إلى جمرة العقبة الكبرى، انتهاءً بمكة المكرمة، وأذكر أنّ الله أقدرني على قطع هذه المسافة كاملة في رحلة بدأت قبل غروب شمس اليوم التاسع من ذي الحجة، وانتهت مع اشتداد شمس اليوم الثاني قبل الظهر بطواف الزيارة، والانتقال إلى محل إقامتي مشياً بفضل الله تعالى، وأذكر أنني كنت أرى عن يمينٍ وشمالٍ في الطريق جموع الزاحفين إلى بيت الله سيراً تملأ السهل والجبل. فالحج رسالة متكاملة في وسائلها وأهدافها وغاياتها الجليلة، لم تتركْ معنى حضارياً

стр. 17

إلّا وأتت به، ومهدَّتْ له، وسعت إليه، من خلال ربطه بأحكام تشريعية ترسِّخُه في الذاكرة اليومية للفرد، والشعبية للمجتمع، والثقافية للأمة، لبناء صرح حضاري لا ينهار أمام عوامل الطغيان. الحج محطة تأمُّليَّة يعود فيها الإنسان المسلم إلى حالة الشكر الحقيقي التي أُقصي عنها الكثيرون بسبب ما أغدق الله عليهم من نعم أنستهم فضل المنعم عليهم. لكنَّ فريضة الحج ما تلبث أن توقظ في حجّاج بيت الله الحرام مراكز الحس لما يواكب الحج من شظفٍ للعيش كانوا في مأمن منه قبل شدّ الرحال إلى مكة، فالإحرام ومحظوراته، وضوابط الحج الزمانية والمكانية والتشريعية، وأعدادّ هائلة من البشر المستطيعة إلى بيت الله سبيلاً تتحرك كالبحر في اقتدائها بنبيِّها رسول الله ﷺ . هذه اللوحة المتكاملة يتخرّج من صفوفها جيلّ رحيم بالعباد بعد أن ذاق الحجاج من شظف العيش ألواناً لم يكن لهم بها دراية. والحج حديقة تجد فيها كلَّ صنوف الثمار الطيّبة، تقطف الأمة من ورودها، وتتغذّى على فاكهتها، وتستظل بأشجارها، وتنعم بنصيب وافر من معاني الأمن والسلام اللذين تعمّقهما فريضة الركن الخامس، لذلك عرّفه فضيلة الدكتّور يوسف القرضاوي بقوله: "الحج هو رحلة سلام، في أرض السلام، في زمن السلام". فالعنوان الرئيسي في قصد البيت الحرام هو السلام، لذلك يتخلّى الحاج عن ثياب الصنعة إلى ثيابٍ لا زُرَّ فيها ولا أكمام، مستحضراً معها صورةً لا بد آتية في يوم يلفُّ فيها المسلم بالأكفان، يعجز فيه عن فعلٍ يصدر منه لأحدٍ من خلق الله، ويصبح حينئذٍ فقيراً أكثر إلى إسدال نعمة السلام عليه بالعفو والصفح من الله السلام. أمّا شعار التلبية فهو امتداد لتربية الإسلام؛ لأنه استسلام لتكاليف صاحب الخلق والأمر.

стр. 18

وأمّا تحريم الصيد البري في كل أرض يطؤها الحاج قبل الوصول إلى مكة، وبعده حيث يحرم في حدود الحرم الصيد والتنفير والترويع كذلك، كما يحرم فيه قطع الحشائش والأشجار التي نبتت وحدها دون زرع أو استنبات. كما يحرم مع اللحظة الأولى للإحرام استخدام الآلات الحادة كتلك التي تستخدم في حلق الرأس، وقصّ الشعر، وتقليم الأظافر. كل هذه التعليمات هي ترويض للحاج المسلم لينسجم في رحلة الحج مع عنوانها الرئيسي: "عنوان السَّلام" الذي رفعه الإسلام في حياة المسلمين واقعاً مستقراً لا سبيل للعدول عنه إلّا تحت وطأة ظروف تُفرض على الأمة، تضطرها للخروج عن جادة الموادعة والمسالمة إلى ساحة الجهاد والنزال لتذود عن ذاتها. ثقافة السَّلام جسّدها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الأثر المروي عنه: "لو رأيت في الحج قاتل أبي لما امتدّتْ إليه يدي بسوء". فالحج إلى بيت الله الحرام رحلة ذاتُ وجهين وضيئين: الأول: مكتوب ﵇، والآخر: منقوش على صفحته الأمان. ومن الخطوات الإلهية لتحقيق هذين المقصدين معاً محظورات الإحرام التي سبق ذكرها، ثم اجتماع حرمة الزمان إلى حرمة المكان (١)، تقوية للشعور بحرمة هذا الركن وجلاله، وتأييداً للشعور بالمراقبة والمسؤولية، لجعل المسلم مرهف الحس، حاضر الفكر،

стр. 19

منسجماً مع الجوّ الروحاني الذي أقامته العناية الإلهية فيه (١). من هنا فإنَّ المسلم يقيم هناك علاقة مسالمة وأمان حقيقي يمتد إلى الكون من حوله بَشَرِهِ ونباتِهِ وحيوانه حتى الطير في الهواء، ثم يغادر الحاج أرض السَّلام وفي حقيبته المزيد من المعاني السامية التي تنبض بالحب والأمن والسلام، بما يرتد خيراً على البشرية قاطبة؛ لأن المسلم كالمطر أينما حلّ أينعت الأرض خضرة وثمراً، فإن لم يكن فيرتوي الناس بتوفير مصادر الحياة بها لخلق الله أجمعين. والحج أحد العناصر الرئيسة في بقاء الأمة متماسكة مستعصية أمام كل محاولات التغريب والتبشير المزعوم. والحج هو أحد العوامل القوية في تبديد مشروع التغريب في حق مَن وقعوا في شباكه تحت تأثير حملة المد الغربيّ الخطير. آيةُ ذلك أن قصد بيت الله الحرام، أوَّل بيت وضع للناس، موئل الموحدين، وملاذ الحيارى التائهين، هو من العبادات الفريدة التي يسكب فيها ربُّ العزة على قلوب عباده هذا القدْر الهائل من الروحانيات، والطاقات الإيمانية، فتلمتع حقائق العبودية بين يدي الله ، في رحاب البيت العتيق، حين يعيش العبد حالة من الافتقار إلى رحمة الله، والتذلل إليه، والتقرُّب بشتّى ألوان الطاعة والتبرُّءِ بكل صيغ الانفكاك عن زمن المعصية الغابر، والاعتراف والإقرار بكل ما صدر عن العبد من تقصير، وطلب العفو والصفح في مقام المغفرة والتبييض لصحائف العباد في موسم العطاء الجزيل، والخير العميم، في عرين بيت الله، وعلى مائدة ضيافته.

стр. 20

أجواء يتجسد فيها نداء كل مسلم إلى ربه بالدعاء المشهور: "اللَّهم أنت ربي لا إله إلّا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء (أقُرُّ) لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنَّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت". عند كعبة الله في مكة المكرّمة لا تحتاج - كما في كل مكان - إلى توسيط أحد بينك وبين الله ، فالذي عصيت أوامره، وأوْقَعتَ نفسك في قوس غضبه، هو من دعاكَ إليه، وفتح لك أبواب السور العظيم، لتدخل مدينة النور الحقيقي، وتقرَّ عنده دون وساطة سمسارٍ أو شفيع بما سبق به قضاؤه عليك، وتسأله بلغة الصدق والتواضع والدموع أن يتجاوز عما زلّ به القلم واللسان، وزلَّت به الجوارح والأقدام، لتبدأ مع مالك الأمر كله صفحة من عهدٍ جديد مع الله. هذه العبارات التي سقتها هي وميض من ضياء كاشف، تعجز الكلمات عن رصده وتسطيره؛ لأن الذي يجوب ببصره في بيت الله الحرام يرى عصاة الأمس، وفساق الماضي استحالوا في حضرة ملك الملوك إلى عُبَّاد نادمين، يندفعون بين جموع الطائفين لا همَّ لأحدهم إلّا أن يملأ قلبه من حسراتٍ على ما فات، فتتسابق كلماتُ الإدانة والتوبة والمناجاة على شفتي لسانه، ودموع الندم على عيني رأسه، بعد أن بكى القلب مراراً من سنوات الشرود والضياع، وبعد أن بكى من فرحته وهو يرى ذاته في حضرة قيُّوْم الأرض والسموات. وكم رأيت من أصحاب الفن والمراكز، والشهرة وعامة الناس من يلصق بطنه بالبيت عند الملتزم أو في حجر إسماعيل ويضع خدّه عليه، ويتعلّق بأستاره، ويبسط عليه كفَّيه، ويقول ـ كلٌ بلغته ولهجته وطريقته ـ: "اللهم يا ربَّ البيت العتيق أعتِقْ رقبتي من النار، وأعذني من شر براثن الشيطان، اللهم إنَّ البيت بيتك، والحرمَ حرمك، والعبدَ

стр. 21

عبدُك، والأمنَ أمنُكَ، والعذاب عذابُك، وهذا مقامُ العائذ بكَ من النار، جئتكَ من بلادٍ بعيدة، بذنوب كثيرة، أسألك مسألة المضطرين إليكَ، المشفقين من عذابك، أن تدخلني برحمتك بمحض عفوك، وأن تجعلني من أكرمِ وفْدكَ عليك". وكم من قاصدٍ بيتَ الله وحاله مع ربه تترجمه هذه الأبيات: يااا رب: ... حاسبت نفسي لم أجِدْ لي صالحاً ... إلَاّ رجائي رحمةَ الرَّحمان ووزنْتُ أعمالي عليَّ فلم أجدْ ... في الأمرِ إلّا خِفَّة الميزان وظلمْتُ نفسي في أموري كلّها ... ويحي إذن من وقفة الديَّان يا أيُّها الإخوانُ إنّي راحلٌ ... مهما يطلْ عمري فإنيَ فَاني مظاهر العبودية وحقائقها ترتسم هناك في ملامح وأعماق الشخصية المسلمة للحاج، لما في تلك البقاع من طاقات روحانية وإنسانية هائلة تفجر الإيمان في جنبات قلوب كانت إلى وقت قريبٍ غارقةً في ظلمات الغفلة عن الله، فإذا ببذورها تتجدّد شباباً، وإذا بها ترتقي بأصحابها في مدارج السالكين في زمن قياسي، لا يتجاوز في بعض النماذج اللحظات؛ حيث يشكل انقلاباً حقيقياً في واقع هؤلاء الناس: قلوبٌ حاضرة، ودموع شاهدة، ونحيب قويّ، ودعاء شجي، وعبارات صادقة، وتجليَّات متدفقة في مشهد ينتابك شعور للوهلة الأولى أنّ هذا الذي يمرغ الخد على أعتاب الملتزم هو أحدُ الواصلين إلى الله منذ زمن بعيد. نعم، إنه الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، الذي يتقدَّم مقاصده كلها تطهيرُ العباد من الذنوب والآثام التي لحقت بهم في سنيِّ عمرهم المنصرمة، بالاغتسال في بحر الله العظيم هذا الذي تُمِدُّ شواطئُه عصاةَ الإسلام بالطمأنينة والسَّلام، في خضم بيتٍ فسيحٍ آمنٍ يتقبل فيه المولى الكريم توبة العائدين، ولا يخيِّبُ أنَّات الحيارى النادمين (شرط أن يعزم المنيب إلى الله أن لا يعود إلى مقارفة المعصية من جديد عزماً أكيداً نظير أن لا يعود اللبن إلى

стр. 22

الضرع، وأن يردّ الحقوق إلى أصحابها إنْ كان ثمة حقوق)، وبهذا يُهيّئ مناخ الحج لولادة جديدة لحجَّاج بيت الله الحرام، يفتحون بها مع خالقهم صفحة بيضاء ناصعة مصداقاً لقول نبيِّ الإسلام محمد ﷺ : "مَن حجَّ فلمْ يرفُثْ ولم يفسقْ رجع كيوم ولدته أُمُّه" (١). هذا المعنى النبوي هو عين ما يتردّد على ألسنة الناس اليوم صداه لما يعتقدونه في قرارة نفوسهم من أنّ الحج هو خاتمة اللهوِ والإسراف، وفاتحة العهد الجديد مع الله، لذلك وجدنا من عامة المسلمين من يربط بين المعصية والإقلاع عن مقارفتها بوشاج الحج وأداء مناسكه؛ لأنه يعتقد أنّ تتويج الحياة الحقيقي إنما يكون بفريضة الحج، لهذا لا غرابة أن يعرِّفه حُجة الإسلام الغزالي بعبادة العمر، وختام الأمر. بهذا الذي وضعتُ خطوطه الرئيسية يعود الحجَّاج ـ مَن تُقبِّلَ منهم ـ بولادة جديدة، متواضعين لله، متعاونين على البر والتقوى، آمرين بالمعروف، معلنين انضمامهم إلى قافلة أُمتهم مرة أخرى بعد أن هجروها حيناً من الدهر، وبعد أن أنستهم الملذات الشخصية، والمصالح الآنية، وأيام الترف، والسَّرَف واجبهم نحو الأمة الأُم التي تنتظر من صحوتهم الراشدة الكثير. إنَّ الحج بالنسبة لمن أخلص العمل لربه، وانسجم بصدق مع شعائره ومناسكه، هو نقلة نوعية رائدة من حضيض حياة المعصية والأنانية إلى سمو حياة الطاعة والإيثار. هذا الشيء الجوهري في مسيرة الحج إلى بيت الله الحرام هو ما انتبهتْ له الحملة التبشيرية الضخمة التي اجتاحت الديار المصرية مطلع القرن العشرين بإمكانيات هائلة، جُنّدَتْ لها الجنود، وبُذلتْ فيها الجهود، وضوعف فيها إنفاق النقود، لكن ما لبثت أن أخفقت إخفاقاً شبه تام مُكلَّلة بالخيبة والخسران، بعد أن وجد قادتها في حصون الإسلام

стр. 23

متاريس قوية استعصت على هجماتهم الشرسة المتلاحقة، رغم الدعم الغربي السخيِّ لها، فلم تُفلح بتاتاً في سلخ القطر العربي المصري عن جذوره وثقافته الإسلامية، حتى رفع قائد تلك الحملة الراية البيضاء من خلال تقريرٍ له إلى مسؤولية يشخص فيه المعضلة ختمه بالإفادة التالية: "سيظلُّ الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها محاولات التبشير المسيحي ما دام للإسلام في مصر هذه الدعائم الأربع: القرآن ـ الأزهر ـ الاجتماع الأسبوعي ـ المؤتمر الإسلامي السنوي". ولقد علَّق فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي على قول هذا القائد التبشيري بعد أن ساق الخبر: "أي ما دام هناك قرآن يتلى صباح مساء، وما دام هناك أزهر بعلمائه الصادقين يعلمون الناس إذا جهلوا، ويذكرونهم إذا نسوا، وينبهونهم إذا غفلوا، ويقوّونهم إذا ضعفوا، وما دام هناك اجتماعٌ أُسبوعي يربط بين المسلمين في البلد الواحد، وما دام هناك مؤتمر سنوي يذهب إليه المسلم فيعود خيراً مما كان" (١). هذه الحقيقة الناصعة تلهبُ على الدوام عوامل الحقد في قلوب الأعداء التقليديين للأمة، الذي تكاد أكبادهم تتفطر غيظاً أمام عظمة هذه الفريضة الشامخة، والعتيقة المتجددة، التي تهزأ بسلطانهم الممتد، حين تفسد عليهم أحلام مشاريعهم الوردية، وهم الذين يشاهدون بأُمِّ أعينهم مَنْ بذلوا في سبيل غوايته أموالاً طائلة (٢) حتى وقع في الشباك، وظنوا أنه خرج من دائرة الحق لصالح الباطل الذي غذّوْه، فإذا به اليوم بعد أن

стр. 24

انغمس بجوارحه وعواطفه في أكبر المغتسلات الإسلامية تطهيراً (١) يركل بقدميه كل الإغراءات التي بُسطت بسخاء بين يديه، وهو الذي ذاق في رحلة الحج طعم الإيمان الحقيقي، فرضي بالله ربَّاً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن الكريم إماماً، وبمحمد ﷺ قدوة ونبياً ورسولاً. وبهذا أتاح الإسلام لأبنائه منافذ لتطهير أنفسهم مما علق بها من رواسب الذنوب، وفي مقدمة ذلك ما فتحه على المسلمين من أبواب الخير تحت سقف الرحمة الإلهية المسدلة عليهم فوق جنبات بيت الله الحرام بما يتجاوز التقصير، ويعفو عن الرذائل، إيذاناً بولادة جديدة لضيوف الرحمن، لا عهد لهم بها من قبل. هذه النعمة تستبطن رحمةً أخرى تهدف إليها الحكمة الإلهية، من خلال جعل فريضة الحج، وسائر المغتسلات الإسلامية تقاوم رصيد السيئات في سجل العبد المؤمن، الذي ينزلق إليها بدافع الضعف الذي جبلت عليه بشريته، فتراه ينساق في بعض الظروف لحاجات مادة الطين التي منها خلق، والتي لا تخلو من كدر، فيلبي شهوات جسدية محرَّمة تدعوه إليها شهوتا الفرج والبطن على الخصوص، فيسيل لعاب جوارح هذا الكائن الإنساني الضعيف، التي تستجيب لصدى تلك الدعوات التي يشتهي القلب بريقها ويتمنى فتركن الأُذن لسماع ما لم يأذن به الله، وتمدّ العين بصرها إلى حق غيرها من زهرة

стр. 25

الحياة الدنيا، وتتلمس اليد حرمات لم تُبَحْ لها، وتزلُّ القدم فتمشي يقودها قلبُ صاحبها الأسير إلى حيث يستغرق في التيه والغفلة، كل هذا يرفع رصيد السيئات عند هؤلاء الغافلين، لكنْ الله الرحيم بعباده يُنزل على العصاة سياطَ اليقظة، التي ظاهرها ابتلاء وباطنها فيه الرحمة، فيذكرهم بالمنبهات القوية إلى أن تحيي واحدةٌ منها جذوة الإيمان في القلب من جديد، ثم ما تلبث مواسم الإيمان أن تجدّد الصلة بين العبد وربه من خلال خصوصيتها وموسميتها وفيوضات الرحمة النازلة فيها، ثم يأتي تتويج تلك المواسم بما سميناه ميزان العمر فتملأ مناسك الركن الخامس الرَّحبَ بأنوارها كعروس تطلُّ على المدعوّين بأبهى حلة. في قمة هرم العبادات في الإسلام يعوّض الله العصاة الذين كانوا إلى وقت قريب تائهين فيمحو عنهم آثامهم، ويزيد في رصيد حسناتهم، بعد أن اغتسل الجميع في بحر التطهير الإلهي هذا. ومن هناك تبدأ رحلة العودة مع الله، فهل بعد الحج من ساحة تنتهز فيها فرص النجاة بعقد العزم على إبرام صلح صادق تزول فيه الجفوة بين العبد ومولاه؟ وهل يليق بالمسلم أن يتباطأ في الأخذ بنداء الله العلوي في أمثال هذه المواسم: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (١) [المائدة: ٤٨]. والحج الذي تقف فريضته في المستوى الرابع في ترتيب شعائر الإسلام الكبرى هو رحلة جهاد حقيقي في سبيل الله ، يودّع فيها المسلم أحبابه في وطنه مهاجراً إلى ربه صوب وادٍ غير ذي زرع، شديد الحرارة، قليل الماء، كثير الجبال الجرداء، شديد

стр. 26

الحياة على ساكنيه، شاق على أصحاب العيش المرفّه مهما استقدم إليه من وسائل الراحة والترفيه، ثم إنه يزداد صعوبة عندما تقترن هذه الأجواء بموسم الفريضة المباركة التي تمتاز بانتظام خطواتها، وبمحدودية زمانها ومكانها، وبالصبغة الجماعية التي تقارن أداءها، وبحرص الأمة الإسلامية على التحرك جماعاتٍ ووحداناً بعد دخول أشهر الحج، صوب الكعبة المشرّفة، مما يساعد في إضافة عاملٍ جديد يمضي إلى جانب سائر الصعوبات التي تعترض الحاج في طريق قيامه بأعمال هذه الفريضة في إطار مكة المكرمة، ألا وهو الازدحام الشديد بما لا مثيل له في أيّ عبادة أخرى في الإسلام. ومما يضاعف معاناة الحجّاج ما تفرضه طبيعة الحج من اضطرار ضيوف الرحمن؛ لأن يقضوا أيام ذي الحجة من اليوم الثامن حتى الثالث عشر منه مجيئاً وذهاباً بين مكة والمشاعر، أو يقيموا في خيام بما يشبه حياة الكشافة في رحلاتهم، أو يعيشوا في طبيعة هي أصعب من حياة الكشافة نفسها كما في مزدلفة؛ حيث لا خيام (١).

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 29

الهدف المنشود من جهاد الحجاج في مسيرة الحج كل عام، هو ترويض جيلٍ من المسلمين على الخشونة وركوب الصعاب والصبر على المكاره، وألوان المشاق، في دورة تدريبية من نوع خاص تسمى الركن الخامس، لها خصوصيتها الزمانية والمكانية والتنفيذية؛ لاكتساب قدرات جديدة تمكّن المسلم المتدرّب هناك من مواجهة التحديات التي تعترض مستقبل دينه وأمته، يوم يقبل بوجهه على أهله في أرض الوطن، وقد نال حظاً من الانتماء لأُمة التوحيد، ونصيباً من الجرعات الإيمانية، وثقةً بالله، ويقيناً بوعده واطمئناناً إلى سلامة الطريق الذي بدأه رسول الله ﷺ مبلغاً عن ربه، والذي ما يزال يشق طريقه إلى اليوم، رغم التحديات، ورغم الجبال الاصطناعية التي تنتصب عند مفترق

стр. 30

كل واد، فهل بعد الركن الخامس من جامعة (١) تخرّج رجالاً يلدُ على أيديهم مستقبل الأمة المشرق بعد أنْ وُلدوا هم من رحم الفريضة الطاهر. وهل مثل الحج مركز تدريب لترويض النفوس على التواضع والتراحم وحسن البذل، والتضحية في سبيل الله؟ وهل مثل الحج مرآة للحياة الإسلامية، والدعوة الإسلامية، والأهداف الإسلامية الكبرى (٢)؟ لذلك كان الحج اختزالاً لمقاصد الإسلام وأحكامه. ولذلك ارتقى ركنه إلى مؤتمر سنوي لتدارس قضايا الأمة الكبرى. ولذلك تطلَّب أن يعمل المخلصون والمختصون في رحاب هذه الرحلة، وأن لا يترك الأمر لأولئك اللاهثين وراء الربح السريع والوفير، الذين لايدغدغ أحلامهم إلّا بريق الدرهم والدينار، دون أن تطرق معاني الحج السامية أبوابهم، أو أن يكون لهم أدنى صلة بها (٣).

стр. 31

من هنا فإنَّ فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي يشير إلى أن استثمار الحج، وتوظيفه في خدمة قضايا الأمة التي من أجلها شُرعت هذه الفريضة، هو رهنٌ بوعي المسلمين بعظمة الإسلام، ورفعة مقاصده. إنّ الحج بعد ما سبق به البيان هو السهم الأخير في جعبة أمتنا لتعود من حيث أحبّ الله متماسكة، بعد أن تمزق جسدها، وتفتّت كلمتها، وصارت دولتها القوية أقطاراً يقاتل بعضها بعضاً، يستعدي فيها الصديق أخاه ويستنصر بالعدوّ عليه. فماذا عسانا أن نفعل في حَمْأَة هذا الليل المُدْلَهِمِّ، ووطأة الصراع المستشري في الجسد الإسلامي الكبير؟ ليس لنا بعد الله إلّا ما أقامه المولى فينا من فرائض الإسلام الهادفة التي يتربع هذا الركن فوق قمة هرمها بما يحييه بيننا من أُخوة إسلاميّة فوق جنبات البلدة الآمنة مكة، وحول محور الوحدة الثابتة للمسلمين الكعبة المشرّفة، وتحت ظلال العقيدة الراسخة التي يسوّرها الحج من خلال مناسكه الجماعية التي تمارسها وفود الحجاج الذي يمثلون كل موقع في قارات الدنيا، وكلًّ مهنة عرفها البشر، وكلًّ لغة نُطق بها بينهم، وكلّ لون ميَّز البعض منهم عن الآخر. فالحج ضمن أجواء راقية ينقل المسلم من القطرية إلى العالمية ليقام للمسلم عرس مع أُمته الممتدة فوق كل هضبة وسهل ووادٍ، يذوب فيه ما نسجه الاستعمار من حدود كاذبة، وخطوط فاصلة مصطنعة، وما ضخّه فينا من دعاوى عريضة قُدّمت فيها

стр. 32

الدوائر الصغرى على الدائرة الكبرى دائرة الانتماء للأمة المسلمة، فصارت تلك الدوائر عوامل هدم ونقض، وهي التي سنّها الله في المجتمعات عوامل تنوّع وتكامل. كل هذا ينصهر في وجدان وعقل المسلم فتتبخر تحت أشعة الحج الرّبّانية كل الفوارق والحواجز في جسد إسلامي واحد يلهج بذكر الله، وبنداء العبودية، ونداء التوحيد الخالد: لبَّيك اللهم لبَّيْك. جاء في كتاب "الكعبة مركز العالم": "والحج انتصار للقومية الإسلامية على القوميات الوطنية والعنصرية واللسانية التي قد يصبح بعض الشعوب الإسلامية فريستها تحت ضغط عوامل كثيرة. وهو إظهار لشعار هذه القومية الإسلامية، فتتجرد جميع الشعوب الإسلامية عن جميع ملابسها وأزيائها الأقليمية التي تميز بعضها عن بعض، ويتعصّب لها أقوام، وتظهر كلّها في مظهر واحد هو الإحرام، في لغة الدين والفقه، وفي مصطلح الحج والعمرة، حاسرة رؤوسها، ما بين رئيس ومرؤوس، وصغير وكبير، وغني وفقير، وتهتف كلها في لغة واحدة تلبيةَ رسول الله ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن تلبية رسول الله ﷺ : "لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". وهكذا تتجلى القومية الإسلامية في اللباس والهتاف وهما من أوضح ماتجلّتْ فيه قومية، وفي وحدة المناسك والغايات التي يقوم بها جميع الأفراد والشعوب، ويسعى إليها العرب والعجم، ويلتقي عليها القاصي والداني، فكلهم يطوفون حول بيت واحد، ويسعون بين غايتين مشتركتين: "الصفا والمروة" وكلهم يقصدون مِنى، وكلهم يؤمون عرفات، ويقفون في موقف واحد، وكلهم يبيتون في مبيت واحد، ويفيضون إفاضة واحدة: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ

стр. 33

وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] (١) ". "وما دام الحج فريضة باقية إلى يوم القيامة، وركناً خالداً خلود هذه الأمة، فالمسلمون لا تبتلعهم القوميّات كما ابتلعت غيرهم من أمم كثيرة، ولا يصبحون ضحيتها، ولا تكون بلادُهم التي يحبونها بالفطرة والعاطفة، والعصبية قبلة يتوجهون إليها، وكعبة يحجون إليها، إنما هي قبلة واحدة يتوجه إليها الشرقيُّ والغربيّ والعربي والعجمي" (٢). إنَّ هذه المعاني الحضارية الراقية يعيشها المسلمون كل عام في مواسم الحج المتكررة، يصطبغ بها كل مسلمي الأرض من أفارقةٍ وغربيين وآسيويين، بسحناتهم السوداء والبيضاء والصفراء، وتعدد الأقطار وتباعد البلدان، فينغمسون في هذا اللقاء الحاشد بالوحدة الإسلامية التي طالما تاقت لها قلوبهم، ومُنعوا منها في واقعهم لكنها هنا، في بيت الله الحرام حقيقةٌ ماثلةٌ للعِيان، يكرسونها في عملٍ مشترك يؤدونه في زمانه ومكانه وأهدافه وكأنَّ الجميع رجلٌ واحدٌ وقلبٌ واحد، يتروَّضون بهذا على أن يتميزوا بالوحدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على خلفية الوحدة الدينية في عمل مشترك تنال به أُمتنا من جديد سدّة الريادة في عالمٍ فاضت فيه المظالم على كل البشر يوم تراجع المسلمون عن واجبهم الحضاري واجب الأمانة التي حمَّلها الرسول ﵇ للأجيال المعاصرة واللاحقة من أُمّته في خطبة الوداع. وحدة العقيدة، ووحدة المناسك، ووحدة القبلة، في اصطباغ كامل بوحدة العبودية لله ربِّ العالمين تقدم لنا مشهداً إنسانياً لا تضعه إلّا ريشةُ الخالق العظيم جلَّ

стр. 34

جلاله، فبوسع من ينظر إليهم وهم طائفون حول البيت في ساحات الحرم المكيِّ الشريف يلهجون بالتلبية والدعاء بصوتٍ واحد يَتراجع به اختلاف الألسنة، وتبدل الألوان والثقافات، أن يدرك دقة ما أرمي إليه. إنهم يتحركون في ساحة الطواف وكأنَّ الجميع يقفون على قُرْصٍ متحرك يطوف بهم جميعاً طواف جسدٍ واحد، وكم مرة أخذتني النشوةُ فتفاءلتُ بالمستقبل من وقع جمالية هذا المشهد العجيب بما يحمله من بذور الوحدة والسلام والحرية والمساواة وسائر المعاني التي تنادي بها النخبة المتحضرة من بني البشر. إلى هنا الصورة مضيئة، والهيئة العامة للحج والحجاج تمهدُ لقادمٍ مشرقٍ ننتظره من رحلة السلام هذه، وتنتظره البشرية من أُمة الإسلام، لكنَّ الذي يتم بعد ذلك هو نقيض ما حدَّثتك عنه، حيث لا تثبت على مرآة واقع الكثير تلك الصور التي انعكست لك أثناء أداء المناسك عن حجاج بيت الله الحرام، ذلك أنه ما إن ينفضَّ الحجيج عن تلك الديار، بتتابع قوافلهم إلى شتى البلاد حتى ترى العديد ممن شهد تلك الوقائع معرِضاً عن دواعي الكتاب والسنة، مقبلاً على شياطين الإنس والجن، يستلهم من إيحاءاتهم ثقافته وأُسلوب حياته، ينحط معهم إلى حضيض الحرام الذي يتنافى مع شعار"لبيك" ومضمون "لبيك"! متجاهلاً أفعال الحج التي تهذبُ المسلم ليكون عبداً خالصاً لوجه ربه المتعال! . يتناسى هذا المسلم معاني البيت وعرفة والجمع ورمزية الجمرات في منى، والأجواء الروحانية في مكة والحرم في سبيل تحقيق شهوة شخصية كان من الضروري أنه تحرر من قيدها الأسود الغليظ في رحلة الحرية رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، فتراه يقيم لحساب نزواته وأنانياته أحلافاً محرَّمة مع أعداء الله والعقيدة والبيت في وجه مَن كان يقف معهم صفاً متراصَّاً خلف إمام الحرم متوجهاً إلى كعبة الله الماثلة أمامه رمز العبودية والتوحيد والوحدة

стр. 35

الإسلامية! يصافحُ من اغتصب القدس والأقصى وما حَوْلهما من أرضٍ مباركة، وهو الذي لبى وطاف وبكى في أرض الحرم مكة الذي انطلقت منه رحلة الإسراء إلى أُوْلى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين دون أن يهتز له قلب وهو يبتسم للقتلة الذين يستهدفون الدين والعِرْض بعد الأرض وليس لمطامعهم حدود، ولا لشهيَّتهم مدى محدود! ومن يدري فلعلهم يقصدون الحرم المكيّ والمدني بعد أن يستتبَّ لهم الأمر ـ لا سمح الله ـ في المسجد القدسي، لا بل هو عين ما صرَّحوا به قديماً وحديثاً. إنه يفعل هذا يصافح يبتسم يضم إلى صدره القتلة من أعداء أُمته في الوقت الذي يُكشِّرُ لإخوته من أبناء الوطن والدين والعروبة والقبيلة والتاريخ والمستقبل المشترك عن أنيابه! ! ! . فأين تبخرت الوحدة التي أرساها الحج في أبناء الأمة الواحدة من الحجاج والعمَّار؟ وأين هي التلبية التي ضاعت بين أصوات المتخاصمين؟ وأين هي الأمانة التي أشهد عليها رسول الله ﷺ أُمته في خطبة جامعة مانعة حاشدة؟ أين تقف هذه الصور المؤلمة من الحج المبرور الذي ليس له جزاءٌ إلّا الجنة؟ قبل أن أنفتل للإجابة عن هذه التساؤلات أودُّ أنْ أضع بين يَدَيْ القارئ الكريم نقلاً موثقاً لأُستاذنا الكبير العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي يزيد المسألة جلاءً، حيث جاء عنه: "أُريدُ أن نلتقي معاً على سؤالٍ نطرحه، هو: هل يحقق حج المسلمين اليوم إلى بيت الله الحرام جزءاً من الحكمة التي شرع اللهُ الحجَّ من أجلها؟ ". لو كانت العبرةُ في العبادة رسمها ومظهرها، لكان في هذا اللقاء الحاشد كل عام

стр. 36

عند بيت الله تعالى ما يحلُّ مشكلات المسلمين كلّها، ويحقق لهم الخير أجمع. ولكنْ مشكلات المسلمين لا تزال قائمة، وإنها لتزدادُ تعقداً كل يوم. وبلاؤهم ببعضهم لا يزال مستحكماً، وإنه ليستشري مع كل حين. وأعداؤهم لا يزالون يتربصون بهم الدوائر، وإنهم ليزدادون مع الأيام كثرة ولا ينقصون. إذن ينبغي أن نتجاوز المظاهر والرسوم إلى مضموناتها التي هي مناط الحكمة، ومعين الفائدة للمسلمين كلهم أفراداً وجماعات. وإذا تأملنا في هذه المضمونات وجدنا أكثر المسلمين في غفلةٍ عنها، قد شغلوا عنها بالمظاهر والأشكال، ومن ثمَّ فإنك قلما تجد شيئاً من حِكَمِ الحج وآثاره ينعكسُ بالإصلاح على أيِّ مشكلة من مشكلات المسلمين، وما أكثرها اليوم. إنَّ من أُوْلى الفوائد التي شرع اللهُ لها الحج، أن يتلاقى المسلمون من شتات، ويتعارفوا بعد جهالة، ثم يحققوا في ظلال بيت الله معنى قوله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا مِنْكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، فإذا عادوا إلى بيوتهم جعلوا من أرض الله الواسعة موئلاً لوحدتهم، ودفنوا في باطنها كل حاجز أو سبب للفرقة والشقاق. أجل، فإنَّ الله تعالى قد جعل ـ وهو الحكيم الخبير ـ من شريعة الحج إلى بيته الحرام قمة ثلاثة اجتماعات للمسلمين تتدرج في الأهمية والاتساع. أما أوّلها فاجتماعٌ على مستوى أهل الحيِّ الواحد من البلد، يتكرر في اليوم خمس مرات، وقد شرع اللهُ له صلاة الجماعة، أما ثانيها فاجتماعٌ على مستوى أهل البلدة الواحدة، يتوالى مع كل أُسبوع، وقد شرع له صلاة الجمعة، وأما ثالثها فاجتماع على مستوى العالم الإسلامي أجمع، ويتوالى في كل عام، وقد

стр. 37

شرع له الحجُّ إلى بيت الله الحرام. وحسبُك من أهمية الوحدة في حياة المسلمين أن ترى كيف أقامَ الله تعالى ثلاث عبادات من أهم العبادات الإسلامية، سبيلاً لوحدتهم، ومرقاةً إلى تعاطفهم وتضامنهم. ولكن أفحقق المسلمون من وراء الحج إلى بيت الله الحرام هذا الهدف الأقدس؟ إذا تلاقى المسلمون في هذه الرِّحاب أيامَ الحج، رأيتَ فيهم بحراً لا يمكن أن تنفصل قطراته، وسمعت لهم هديراً لا يمكن ـ على اختلاف اللغات ـ أنْ تتخالف نبراته، وهزَّتك منهم عواطف تذيب مما بينهم كل حاجز، وتجمع كل بعيد! .. حتى إذا انتهت المناسك وانفضَّ الحجيج، رأيت أكثر هؤلاء المسلمين قد عادوا شيعاً وأحزاباً، يُعرضون عن الكليات الجامعة من قواعد الإسلام وهديه، ويعكفون على الجزئيات الخلافية من أحكامه وآدابه، يقطعون ذلك المعتصم العريض من طريقهم، ويثيرون سبلاً ضيقة متخالفة أمام أهوائهم. أو رأيتهم يُعرضون عن الاعتصام بالحبل الإلهيِّ الجامع، ليتنازعوا على مغانم الدنيا المفرقة الفانية، يُنيمون نبضات التعلق بالله في قلوبهم؛ ليوقظوا لواعج الحقد والحسد والتهاريج في نفوسهم! .. وتبحث عن البحر المائج حول بيت الله، فإذا هو قد تبخر رذاذاً، وتبحث عن الهدير الجامع والعواطف الحرى، وإذا هو قد استحال إلى صيحات خلاف ودخان بغي وشقاق! . وإنَّ من أهمِّ حكم الحج إلى بيت الله الحرام أن تنسكب حقائق العبودية لله في نفوس المسلمين من أقرب سبيل فتفيض منها على كياناتهم انصباغاً وسلوكاً. يدور المسلم حول بيتٍ أُقيم من حجارةِ الأرض وترابها، لا يبحث في طوافه حوله عن شيءٍ سوى مرضاة الله تعالى، وهو القائل: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الأنبياء: ٢٩] يناديه ملء قلبه ولسانه: لبيك اللهم حقاً وصدقاً، لبيك اللهم تعبداً ورِقّاً. قد تجرد عن كل شارة تميزه، وعن كل ثوبٍ يجمله، ليعلن لله تعالى بكل كيانه أنه ليس إلّا عبداً فقيراً لله ، لا يعلو

стр. 38

عن سائر عباد الله في شيء، ولا يميزه عنهم ولا يرفعه عليهم قدر. حتى إذا ما انفضَّ الحجيج وطُوي الموسم، رأيتَ عبيد الله قد استحالوا ـ إلّا من رحم ربك ـ إلى عبيدٍ للدنيا ... عبيدٍ للمناصب ... عبيدٍ للمغانم ... عبيدٍ للذةِ ساعة ... عبيدٍ لخدعة كافر ... عبيدٍ لتهديد فاجر ... ! وتعثو هذه الآلة الصغيرة في قلوب المسلمين وحياتهم مسخاً وتمزيقاً، وإنّ أصداء ندائهم لا تزال تتماوج حول بيت الله: لبيك اللهم حقاً وصدقاً، لبيك تعبُّداً ورِقَّاً! ! .. وإنّ من أهم آثار الحج إلى بيت الله الحرام أن تستيقظ مشاعر المسلم لكل مَعْلَمَةٍ من معالم الفتح الإسلامي على يد سيد المجاهدين محمد ﵊ وعلى آله وأصحابه البررة الكرام. هذه مكة، وادٍ غير ذي زرع، حقق الله فيه دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵊. منه انطلقت إلى العالم حضارة قضت على حضارة الفرس واليونان والرومان، وانبسطت في الأرض تجمع إلى القوة العدل، وإلى المادة الروح. وتلك هي البطحاء، تحت شمسها كان يشوى جسدُ بلال؛ ليكفر بالله وبمحمد رسول الله، فما كان ليفتر عن أُنشودته التي يرددها معه السهلُ والجبل: أحدٌ، أحد، لقد ارتفع لواء هذا النشيد فوق ذرى الأرض، وانحسر الطغيان أمام مد الإسلام الصادق والتضحية الخالصة لوجه الله. وذلك هو عُرَنَة، حيث وقف رسول الله ﷺ عند مُنْصَرَفه من عرفات، فألقى في جموع المسلمين ـ وقد ملؤوا من حوله كل ما تمتد إليه العين ـ خطابه المودع الجامع، يناجي فيه تاريخ المسلمين وأجيالهم، بعد أن أدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في سبيل إقامة شرع الله ثلاثة وعشرين عاماً لا يكلُّ ولا يملُّ. إنه اليوم يودع، ويلقي الأمانة في عنق الأجيال: أمانةَ كتاب الله ... أمانةَ الدفاع عن دينِ الله ...

стр. 39

إنَّ هذا الوادي ليشهدُ أنه ﷺ أدى أمانة هذا الدين إلى المسلمين: شريعة بيضاء نقية ظاهرها كباطنها، لا يحيدُ عنها إلّا فاجر. حتى إذا انفض الحجيج، وخلت عرفةُ من جموع الداعين والباكين والمبتهلين، رأيتَ الكثير من أولئك الذين شهدوا تلك المعالم، وورثوا أمانة الحق عملاً به، ودعوةً إليه، معرضين عن كتاب الله وشرعه، يلهثون وراء نظم الشيطان، يُحلُّوْن ما حرَّم الله، ويغيّرون أحكام الله، قد انحط كل منهم في شؤون دنياه ومصالحها، يرى غربة الإسلام بين أهله، وكيد الأعداء لأحكامه، وللمخلصين من دعاته، فلا تهزه الحميَّةُ لِاتّباع رسول الله ﷺ في شيء من الجهد الذي بذل، أو الإيذاء الذي تحمل، ولا يحسّ أن في عنقه أمانةً وأنَّ في ذمته بيعةً، ولم يعد يذكر أنَّ عرفة شهدت على هذه الأمانة، وأنّ العقبة أخضعته لأحكام تلك البيعة. وماتت ألفاظ التلبية لله على الشفاه ... وعادت مجرد صيحات في تجاويف الأفواه! ! . ألا يا عباد الله! أين هذا الواقع المرير من الحج المبرور الذي وصفه رسول الله ﷺ ؟ يا قارئي الكريم. أما الحديث والكلام فقد أُنفق منه لعلاج هذا البلاء الذي وصفته لك، ما لو كان للكلام نهاية لانتهى الكلام منذ حين. لم يبقَ من علاج إلّا صدق الالتجاء إلى رحاب الله. قد لا نملك إصلاح هذا السوء في حياتنا، ولكننا نملك الذلَّ لله في نفوسنا. أقْبِلْ إلى الله وأنت أشعث أغبر ـ فإنما الحاج أشعث أغبر كما قال رسول الله ﷺ ـ وتعلّقْ في كل مشهد من مشاهد الحج بأذيال كرمه ورحمته، ذليلاً متبتلاً. فإن لم تستشعر في نفسك ضراعةَ الذل، فابحث حول بيت الله أو في ربا عرفات عن ذي طمرين باليين،

стр. 40

غارق في بحر العبودية، يناجي ربه بلغة الدموع، فتضاءلْ خلف أطماره، وأمِّنْ من وراء دعائه، واستنشق من ظلال بكائه، ثم ابتهل إلى الله أن يصلح المسلمين جماعةً وأفراداً وأن يُذيقهم لذة الرجوع الصادق إليه، ونشوة الاعتزاز بدينه وسعادة الاتحاد تحت ظلال حكمه" (١). هذه كلمات عطرة، في كشف اللثام عن خفايا الأمراض المتغلغلة في فريضةٍ كتب لها في زماننا أن تُقصى عن أداء وظيفتها الحضارية بيننا في وقتٍ نحن بأمسِّ الحاجة فيه إلى ترياق الحج الشافي، لذلك تقصدت أن أتلو الكلمة من غير حذفٍ ولو لحرفٍ واحدٍ منها لما فيها من تسليط الضوء على واقعنا المتردي ونحن نؤدي أجلَّ فرائض الإسلام على طريقة: مكانك راوح! . المعضلة اليوم أنَّ الركن الخامس تسللَّ إليه من الفساد ما أخرج قنواته النظيفة عن جادة الوصول إلى الغايات الشريفة! فصار لا بد من تشخيص المرض، قبل وصف العلاج. إن الخلل الذي يرصده الباحث في الركن الخامس الذي هو عبادة العمر، وختامُ الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين، يستشعره كذلك في باقي الأركان الإسلامية، فالتوحيد الذي هو أساس البناء الإسلامي كله يلزمُ منه ولاءُ المسلم لله ربِّ العالمين، والسمو فوق آلهة مزيفة من المادة والأهواء والشهوات ومصالح الأنا الدونية، وطواغيت الإنس والجن من ظلمة وكفرة ومارقين، بينما نجد المسلم اليوم ـ إلّا من رحم الله ـ يكاد يتمزق بين آلهة متناقضة متكاثرة في سكّة وعرة تتجاذبه الواحدة تلو الأُخرى في ذات الزمان والمكان فكيف يمكننا أن نتصور المصير الذي يؤول إليه حال هذا الإنسان! ؟ .
следующие страницы →