← Фикх общий

Фикх общий · id 151185

الركن الخامس

محمد محيي الدين حمادة

Полный текст (520 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عند بيت الله تعالى ما يحلُّ مشكلات المسلمين كلّها، ويحقق لهم الخير أجمع. ولكنْ مشكلات المسلمين لا تزال قائمة، وإنها لتزدادُ تعقداً كل يوم. وبلاؤهم ببعضهم لا يزال مستحكماً، وإنه ليستشري مع كل حين. وأعداؤهم لا يزالون يتربصون بهم الدوائر، وإنهم ليزدادون مع الأيام كثرة ولا ينقصون. إذن ينبغي أن نتجاوز المظاهر والرسوم إلى مضموناتها التي هي مناط الحكمة، ومعين الفائدة للمسلمين كلهم أفراداً وجماعات. وإذا تأملنا في هذه المضمونات وجدنا أكثر المسلمين في غفلةٍ عنها، قد شغلوا عنها بالمظاهر والأشكال، ومن ثمَّ فإنك قلما تجد شيئاً من حِكَمِ الحج وآثاره ينعكسُ بالإصلاح على أيِّ مشكلة من مشكلات المسلمين، وما أكثرها اليوم. إنَّ من أُوْلى الفوائد التي شرع اللهُ لها الحج، أن يتلاقى المسلمون من شتات، ويتعارفوا بعد جهالة، ثم يحققوا في ظلال بيت الله معنى قوله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا مِنْكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، فإذا عادوا إلى بيوتهم جعلوا من أرض الله الواسعة موئلاً لوحدتهم، ودفنوا في باطنها كل حاجز أو سبب للفرقة والشقاق. أجل، فإنَّ الله تعالى قد جعل ـ وهو الحكيم الخبير ـ من شريعة الحج إلى بيته الحرام قمة ثلاثة اجتماعات للمسلمين تتدرج في الأهمية والاتساع. أما أوّلها فاجتماعٌ على مستوى أهل الحيِّ الواحد من البلد، يتكرر في اليوم خمس مرات، وقد شرع اللهُ له صلاة الجماعة، أما ثانيها فاجتماعٌ على مستوى أهل البلدة الواحدة، يتوالى مع كل أُسبوع، وقد شرع له صلاة الجمعة، وأما ثالثها فاجتماع على مستوى العالم الإسلامي أجمع، ويتوالى في كل عام، وقد

стр. 37

شرع له الحجُّ إلى بيت الله الحرام. وحسبُك من أهمية الوحدة في حياة المسلمين أن ترى كيف أقامَ الله تعالى ثلاث عبادات من أهم العبادات الإسلامية، سبيلاً لوحدتهم، ومرقاةً إلى تعاطفهم وتضامنهم. ولكن أفحقق المسلمون من وراء الحج إلى بيت الله الحرام هذا الهدف الأقدس؟ إذا تلاقى المسلمون في هذه الرِّحاب أيامَ الحج، رأيتَ فيهم بحراً لا يمكن أن تنفصل قطراته، وسمعت لهم هديراً لا يمكن ـ على اختلاف اللغات ـ أنْ تتخالف نبراته، وهزَّتك منهم عواطف تذيب مما بينهم كل حاجز، وتجمع كل بعيد! .. حتى إذا انتهت المناسك وانفضَّ الحجيج، رأيت أكثر هؤلاء المسلمين قد عادوا شيعاً وأحزاباً، يُعرضون عن الكليات الجامعة من قواعد الإسلام وهديه، ويعكفون على الجزئيات الخلافية من أحكامه وآدابه، يقطعون ذلك المعتصم العريض من طريقهم، ويثيرون سبلاً ضيقة متخالفة أمام أهوائهم. أو رأيتهم يُعرضون عن الاعتصام بالحبل الإلهيِّ الجامع، ليتنازعوا على مغانم الدنيا المفرقة الفانية، يُنيمون نبضات التعلق بالله في قلوبهم؛ ليوقظوا لواعج الحقد والحسد والتهاريج في نفوسهم! .. وتبحث عن البحر المائج حول بيت الله، فإذا هو قد تبخر رذاذاً، وتبحث عن الهدير الجامع والعواطف الحرى، وإذا هو قد استحال إلى صيحات خلاف ودخان بغي وشقاق! . وإنَّ من أهمِّ حكم الحج إلى بيت الله الحرام أن تنسكب حقائق العبودية لله في نفوس المسلمين من أقرب سبيل فتفيض منها على كياناتهم انصباغاً وسلوكاً. يدور المسلم حول بيتٍ أُقيم من حجارةِ الأرض وترابها، لا يبحث في طوافه حوله عن شيءٍ سوى مرضاة الله تعالى، وهو القائل: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الأنبياء: ٢٩] يناديه ملء قلبه ولسانه: لبيك اللهم حقاً وصدقاً، لبيك اللهم تعبداً ورِقّاً. قد تجرد عن كل شارة تميزه، وعن كل ثوبٍ يجمله، ليعلن لله تعالى بكل كيانه أنه ليس إلّا عبداً فقيراً لله ، لا يعلو

стр. 38

عن سائر عباد الله في شيء، ولا يميزه عنهم ولا يرفعه عليهم قدر. حتى إذا ما انفضَّ الحجيج وطُوي الموسم، رأيتَ عبيد الله قد استحالوا ـ إلّا من رحم ربك ـ إلى عبيدٍ للدنيا ... عبيدٍ للمناصب ... عبيدٍ للمغانم ... عبيدٍ للذةِ ساعة ... عبيدٍ لخدعة كافر ... عبيدٍ لتهديد فاجر ... ! وتعثو هذه الآلة الصغيرة في قلوب المسلمين وحياتهم مسخاً وتمزيقاً، وإنّ أصداء ندائهم لا تزال تتماوج حول بيت الله: لبيك اللهم حقاً وصدقاً، لبيك تعبُّداً ورِقَّاً! ! .. وإنّ من أهم آثار الحج إلى بيت الله الحرام أن تستيقظ مشاعر المسلم لكل مَعْلَمَةٍ من معالم الفتح الإسلامي على يد سيد المجاهدين محمد ﵊ وعلى آله وأصحابه البررة الكرام. هذه مكة، وادٍ غير ذي زرع، حقق الله فيه دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵊. منه انطلقت إلى العالم حضارة قضت على حضارة الفرس واليونان والرومان، وانبسطت في الأرض تجمع إلى القوة العدل، وإلى المادة الروح. وتلك هي البطحاء، تحت شمسها كان يشوى جسدُ بلال؛ ليكفر بالله وبمحمد رسول الله، فما كان ليفتر عن أُنشودته التي يرددها معه السهلُ والجبل: أحدٌ، أحد، لقد ارتفع لواء هذا النشيد فوق ذرى الأرض، وانحسر الطغيان أمام مد الإسلام الصادق والتضحية الخالصة لوجه الله. وذلك هو عُرَنَة، حيث وقف رسول الله ﷺ عند مُنْصَرَفه من عرفات، فألقى في جموع المسلمين ـ وقد ملؤوا من حوله كل ما تمتد إليه العين ـ خطابه المودع الجامع، يناجي فيه تاريخ المسلمين وأجيالهم، بعد أن أدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في سبيل إقامة شرع الله ثلاثة وعشرين عاماً لا يكلُّ ولا يملُّ. إنه اليوم يودع، ويلقي الأمانة في عنق الأجيال: أمانةَ كتاب الله ... أمانةَ الدفاع عن دينِ الله ...

стр. 39

إنَّ هذا الوادي ليشهدُ أنه ﷺ أدى أمانة هذا الدين إلى المسلمين: شريعة بيضاء نقية ظاهرها كباطنها، لا يحيدُ عنها إلّا فاجر. حتى إذا انفض الحجيج، وخلت عرفةُ من جموع الداعين والباكين والمبتهلين، رأيتَ الكثير من أولئك الذين شهدوا تلك المعالم، وورثوا أمانة الحق عملاً به، ودعوةً إليه، معرضين عن كتاب الله وشرعه، يلهثون وراء نظم الشيطان، يُحلُّوْن ما حرَّم الله، ويغيّرون أحكام الله، قد انحط كل منهم في شؤون دنياه ومصالحها، يرى غربة الإسلام بين أهله، وكيد الأعداء لأحكامه، وللمخلصين من دعاته، فلا تهزه الحميَّةُ لِاتّباع رسول الله ﷺ في شيء من الجهد الذي بذل، أو الإيذاء الذي تحمل، ولا يحسّ أن في عنقه أمانةً وأنَّ في ذمته بيعةً، ولم يعد يذكر أنَّ عرفة شهدت على هذه الأمانة، وأنّ العقبة أخضعته لأحكام تلك البيعة. وماتت ألفاظ التلبية لله على الشفاه ... وعادت مجرد صيحات في تجاويف الأفواه! ! . ألا يا عباد الله! أين هذا الواقع المرير من الحج المبرور الذي وصفه رسول الله ﷺ ؟ يا قارئي الكريم. أما الحديث والكلام فقد أُنفق منه لعلاج هذا البلاء الذي وصفته لك، ما لو كان للكلام نهاية لانتهى الكلام منذ حين. لم يبقَ من علاج إلّا صدق الالتجاء إلى رحاب الله. قد لا نملك إصلاح هذا السوء في حياتنا، ولكننا نملك الذلَّ لله في نفوسنا. أقْبِلْ إلى الله وأنت أشعث أغبر ـ فإنما الحاج أشعث أغبر كما قال رسول الله ﷺ ـ وتعلّقْ في كل مشهد من مشاهد الحج بأذيال كرمه ورحمته، ذليلاً متبتلاً. فإن لم تستشعر في نفسك ضراعةَ الذل، فابحث حول بيت الله أو في ربا عرفات عن ذي طمرين باليين،

стр. 40

غارق في بحر العبودية، يناجي ربه بلغة الدموع، فتضاءلْ خلف أطماره، وأمِّنْ من وراء دعائه، واستنشق من ظلال بكائه، ثم ابتهل إلى الله أن يصلح المسلمين جماعةً وأفراداً وأن يُذيقهم لذة الرجوع الصادق إليه، ونشوة الاعتزاز بدينه وسعادة الاتحاد تحت ظلال حكمه" (١). هذه كلمات عطرة، في كشف اللثام عن خفايا الأمراض المتغلغلة في فريضةٍ كتب لها في زماننا أن تُقصى عن أداء وظيفتها الحضارية بيننا في وقتٍ نحن بأمسِّ الحاجة فيه إلى ترياق الحج الشافي، لذلك تقصدت أن أتلو الكلمة من غير حذفٍ ولو لحرفٍ واحدٍ منها لما فيها من تسليط الضوء على واقعنا المتردي ونحن نؤدي أجلَّ فرائض الإسلام على طريقة: مكانك راوح! . المعضلة اليوم أنَّ الركن الخامس تسللَّ إليه من الفساد ما أخرج قنواته النظيفة عن جادة الوصول إلى الغايات الشريفة! فصار لا بد من تشخيص المرض، قبل وصف العلاج. إن الخلل الذي يرصده الباحث في الركن الخامس الذي هو عبادة العمر، وختامُ الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين، يستشعره كذلك في باقي الأركان الإسلامية، فالتوحيد الذي هو أساس البناء الإسلامي كله يلزمُ منه ولاءُ المسلم لله ربِّ العالمين، والسمو فوق آلهة مزيفة من المادة والأهواء والشهوات ومصالح الأنا الدونية، وطواغيت الإنس والجن من ظلمة وكفرة ومارقين، بينما نجد المسلم اليوم ـ إلّا من رحم الله ـ يكاد يتمزق بين آلهة متناقضة متكاثرة في سكّة وعرة تتجاذبه الواحدة تلو الأُخرى في ذات الزمان والمكان فكيف يمكننا أن نتصور المصير الذي يؤول إليه حال هذا الإنسان! ؟ .

стр. 41

والصلاة التي هي أول ركن من أركان ديننا الحنيف، وأول ما يسألُ عنه المسلم يوم القيامة فإن صلحت فقد فاز وأفلح، وإنْ فسدت فقد خاب وخسر، كيف لا وهي عماد الدين، والحبل المتين، والهاتف الواصل مع رب العالمين، هي الأُخرى غَدَت عادةً عند الكثير من أبناءِ أُمتنا لا تحلُّ في صاحبها الحلال، ولا تحجزه عن الحرام، يزدادُ بها العبد عن ربه بُعداً، حيث يجتمع أداؤها مع المعاصي والمخالفات في مشاهد تدعوا إلى الغرابة والاستنكار، وتبرز حجم التناقض الذي نعيشه في زماننا المعاصر. والصيام الذي يمسك به العبد المسلم عن المحرمات في تربية إسلامية متطورة يحيا بها المسلمون في ظل وحدة العقيدة وصفاء العبودية، والمظاهر الحضارية النادرة حيث تجتمع الأُمة كل الأُمة على اختلاف ثقافات وأعمار أبنائها على مائدة الفطور والسَّحر في مشهد يحملُ بصمات القدرة الإلهية حين نجد مئات الملايين يتناولون الطعام في وقتٍ واحد، ويمتنعون عنه خلال زمن واحد، فيتعلمون منه كيف ينظمُ المرء المتحضرُ أوقاته ومواعيده، هو أيضاً تم إخراج فريضته عن جادة الصراط المستقيم من خلال الانفتاح على ألوان الآثام التي تسوَّق إلينا بواسطة أقنية تنتمي إلينا، وتهتم برمضانياتنا فتلقي في حياتنا أكثر ما يتنافى مع الشهر الفضيل الذي جعله الله زماناً لفيوضات وروحانيات تكفي لعامٍ كامل، تماماً كالأمطار التي تهطل على الأرض لترويها بما يكفي سنةً كاملة! . أما الزكاة فإنها فقدت مؤسساتها الفاعلة، وتحوَّلت إلى وسيلةٍ لتكريس الفقر في بلاد المسلمين، وهي التي فُرضت على القادرين علاجاً لظاهرة البطالة والعوز في الأمة! . هذا حالُ أركان الإسلام الخمسة التي تنبثق منها ثمراته الأخرى وأحكامه، فماذا عساها أن تفعل أغصان متفرعة عن شجرة يبست جذورها؟ إنها لا تعدو أن تكون

стр. 42

أشبه بشكل صناعي يقدّم لك مظهراً جميلاً يسرُّ الناظرين دون أن يعطيك نفعاً في رائحةٍ أو مأكل، وما تبديه أغصانه من ثمار، فقد انعدمت فيه الحياة، فأُلصق فيه إلصاقاً، بعد أن انقطعت الروافد الإروائية بين الجذور والفروع! إنَّ الحدائق الاصطناعية مهما زينا بها منازلنا فهي أعجز من أن تزوِّدنا بمادة الأُكسجين الأساسية في قيام الحياة، وهكذا هي عباداتُ الإسلام في المسلمين اليوم، وكمثالٍ توضيحي على ما أقول فإنني أُزوِّدك بما نقله لي أحد المقدسيين الثقات في حديثه عن حال المسلمين في فلسطين حين ذكر لي أنَّ البدو الفلسطينيين ينضمون إلى جيش العدو الصهيوني، ويعملون في صفوفه، فإذا ما أدركتهم صلاة العصر مثلاً وهم منتشرون في مناطق المواجهة في الضفة أو القطاع، تنحَّوْا جانباً وأدَّوْا ما افترضه الله عليهم، حتى إذا ما تجاوزوها حملوا سلاحهم من جديد وصوَّبوه إلى صدور إخوتهم الفلسطينيين مطلقين النار عليهم! أيُّ صلاة هذه التي تعقبها أخطر جريمةٍ في تاريخ البشرية، وأكثر جريمة ندَّد بها الإسلام، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من حقوق العباد! ؟ خروج هذه العبادات عن جادتها المرسومة لها من قبل الحكمة الإلهية، حوَّلها إلى طقوس ورسوم هي أشبهُ بالجسد الذي خرجت منه الروح! وأكثر مسلمي اليوم قد حبسوا أنفسهم عند تلك الرسوم والأشكال فوقعوا في غفلةٍ كاملة عن مضمون الأحكام الإلهية، وما لم يُخرجوا أنفسهم من جديد من أُطُرها الخادعة إلى مضموناتها التي هي مناط الفائدة، فإننا لن نشهد بروزاً لثمرات تلك العبادات الجليلة في حياة هذه الأمة وسنبقى واقفين في أمكنتنا، مهما بدا لك من بعيد أن جهداً يبذل، وأنَّ خيراً مقبلاً سيأتي. لقد ذكرتُ لك من خلال كلمة أُستاذنا الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أنّ أُوْلى حكم الحج أن يجسد فيه المسلمون قوله تعالى: ﴿شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:

стр. 43

١٣] فيفعِّلوا انتماءهم الإسلامي من خلال التقاء وفودهم من شتات، وتبادل ما بينهم من ثقافات، مما يوثق معرفة أبناء المسلمين بعضهم مع بعض في أنحاء الأرض، وفي ذلك ترويضٌ لنا لنحيا وحدة الأمة في أرضِ الله الواسعة، بعد أن دفنَّا في مكة ما ورثناه عن عهود المعصية من خلافات. هذه الغاية الجليلة هي ما يجب على المسلمين جميعاً من حجاج ومنظمي أفواج، وهيآت ومنظمات عاملة في حقل الحج أن تتشرَّف في العمل لتحقيقه، أما الدوافع الأُخرى وفي مقدمتها الاقتصادية فهي معتبرة شرعاً كما أسلفنا لكنها تتضاءل صغاراً وانكساراً أمام هذا الهدف السامي. المشكلة أن الهدف من وراء رحلة الحج تنظيماً وأداءً لم يعد يقصد به وجه الله تعالى، وغدا في جانب الكثير منا عملاً له دوافع شتى، بينما ما ذكرناه من معانٍ سامية لا يطرقُ سمع هؤلاء إلى درجة أنّ بعض القائمين على هذا الركن العظيم يؤدون عملهم دون أن يقفوا بين يدي الله ركعة واحدة افترضها الله عليهم، والبعضُ منهم إذا وصل إلى حرم مكة الشريف انشغل بجمع المال وترتيب أسباب الرفاهية للحجاج، دون أن يهتم بمعاني العبودية التي من أجلها شرع ربنا الحج إلى بيته الحرام، فلا الوحدة التي ترمز إلى انتماء المسلم إلى أُمة الإسلام، ولا الحرية والمساواة التي وضع ربنا من خلالها مقاييس أخرى للتفاضل بين العباد محلّ انتباه واهتمام! لا بل إنَّ بعضهم لا يخطر في باله أن يدخل المسجد الآمن، ليغترف من ينابيع الرحمة ويجدد العهد مع ربه في جوٍّ تسكب فيه العبرات، وتقال العثرات، وتستجاب الدعوات! فأيُّ انحدارٍ هذا الذي وصل إليه حجُّ المسلمين في هذا الزمان، حتى بلغ الأمر بآخرين إلى تسميته سياحة دينية إشارةً منهم إلى العمل السياحي المجرَّد من حجز لطائرة، أو إسكانٍ في فندق، أو إطعام لحاج،

стр. 44

أما غيرُ ذلك فلا شيء معتبر، فالأمرُ لا يعدو أن يكون وسيلةً لجمع المال ولا فرق عند بعض الناس أن يكون السبيل رحلةً مباركة إلى مكة المكرمة أو حملة مشبوهةً إلى شاطئ موبوء! فالمال هو المسيِّر وهو الإمام الذي يسبحون بحمده! ويلهجون بذكره! هذا المعنى المناقض لحكمة الله في الحج عرض له حديث شريف قد يكون في سنده مقالة، لكنه يغوص في عمق المسألة بتوصيف دقيق، وكأنه يحكي واقعنا لحظة بلحظة. رُويَ عن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا كان آخرُ الزمان خرج الناس إلى الحج أربعة أصناف: سلاطينهم للنزهة، وأغنياؤهم للتجارة، وفقراؤهم للمسألة، وقراؤهم للسمعة" (١)، فالعملُ مهما كان جليلاً حين يأتي مطيَّة لأهدافٍ أُخرى تقدَّم عليه وهي تعارضه، ويتراجعُ عنها وهي سخرت له، فحينئذ يفقدُ هذا الأمرُ هيبته، وتُهانُ كرامته بالوسائل الدونية التي انحدرت به عن جادة الحق إلى أوْدية الهلاك، فلا الوسيلة أُبقي عليها، ولا الغاية حفظ ماءُ الوجه فيها. المتنفذون من عباد الله عندما يقصدون مكة لأجل الانغماس بمزيدٍ من الترفيه والنزهة ضمن حملة إعلامية صاخبة تصرفُ وجوهَ الناس إليهم، وتستجدي لهم مدح الخلق، وتثبتُ في قلوب العامة تقديسهم لحرمات الإسلام، بينما على الجانب الآخر يتساهل هؤلاء في مسرى رسول الله ﷺ ـ وهو قلب العقيدة الإسلامية، ومحطة الإسراء، ومنطلَق المعراج، ومسرح الصلاة بالأنبياء اقتداء منهم بخاتمهم محمد ﷺ في

стр. 45

مراسيم قُلِّدَ فيها نبيُّنا صلوات الله وسلامه عليه أمانة الرسالة ـ وهم الذين كانوا يطوفون بالبيت تعظيماً له ومنه انطلقت تلك الرحلة الآسرة، فأيُّ ازدواجية يعيش فيها هؤلاء؟ ! . والأغنياء يقعون في ذات المأساة لدى حرصهم على أن لا يصيبَ أحدَهم غبارُ الفريضة المباركة متجاهلين قول رسول الله ﷺ : "الحاجُّ أشعثُ أغبر" (١)، يؤكدون على نجومية الفنادق أكثر من تأكيدهم على الترقي في نجوم جنات الله الخالدة، ويفتشون في فرْش أرض عرفات بالسجاد والمروج الخضراء دون أن يشرئبوا بأعناقهم لما يرتقي بقلوبهم بحالةٍ إيمانية فريدة تصل العبد بمولاه، تقوِّي ثقته، وتشدُّ عزيمته، وتجدد له العهد من جديد! يغضبون إذا تأخرت وجبة الطعام، أو جاءت خدمات الرفاهية دون ما يأملون ولا يهتز لهم قلبٌ إذا قيل لهم: اتركوا منى والرمي فيها والتأسي بعمل رسول الله ﷺ في تلك الأيام وهلمَّ بنا إلى جُدّة عروس البحر الأحمر لنقضي فيها ساعات قال عنها رسول الله ﷺ : "أيّامُ منى أيام أكل وشرب وذكرٍ لله تعالى "! أو ينادى بهم إلى إحياء مولدٍ لرسول الله ﷺ تعويضاً عن إقامتهم في أرض منى! (٢) هذا حال طائفة منهم عايناها وعانينا من تأوّهاتها الدنيوية، مع مراعاة أنَّ طائفة من أولئك الأغنياء لا تحجبهم أموالهم عن الله، ويتجلى فيهم قول الله : ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرُ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].

стр. 46

وتأتي الطبقة الأُخرى، طبقةُ الفقراء ـ وهي الشريحة الأوسع ـ لتزيد الطين بلة، فالإقبال على الحج لم يعد خالصاً لوجه الله بالنسبة لفئاتٍ من حجاج بيت الله الحرام، وصارت له دوافعُ غيرُ مرئية ربما شجعت العديد من أبناء هذه الطائفة لتقديم الرشوة إلى شياطين الإنس المتاجرين بالحج وفريضته من منتسبين لطائفتي المتنفذين والأغنياء. وما إنْ يصلوا إلى تلك الديار حتى يتعرضوا بصورة أو بأُخرى لما يقدمه الأغنياء من صدقاتٍ وكفاراتٍ، ولما يؤدونه من أضاحٍ وذبائح. هذا وإن كان عملهم ليس محظوراً شرعاً لكنه كسابقَيْه يخرج بالحج عن حيّز حج الخصوص الذي منه الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة إلى دائرةٍ أخرى أقلَّ شأناً، وأدْنى أجراً. قال الإمام الغزالي بعد أنْ ساق حديث: "إذا كان آخرُ الزمان ... "، "وفي الخبر إشارة إلى جملة أغراض الدنيا التي يتصور أن تتصل بالحج فكل ذلك مما يمنعُ فضيلة الحج ويخرجه عن حيز حج الخصوص لاسيما إذا كان متجرداً بنفس الحج بأنْ يحجَّ لغيره بأُجرة فيطلب الدنيا بعمل الآخرة وقد كره الورِعون وأرباب القلوب ذلك إلّا أن يكون قصدهُ المقام بمكة ولم يكن له ما يبلغه فلا بأس أن يأخذ ذلك على هذا القصد لا ليتوصَّلَ بالدين إلى الدنيا بل بالدنيا إلى الدين فعند ذلك ينبغي أن يكون قصدُهُ زيارة بيت الله ومعاونة أخيه المسلم بإسقاط الفرض عنه وفي مثله ينزلُ قول رسول الله ﷺ : "يدخل الله سبحانه بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة: الموصي بها والمنفذ لها ومن حج بها عن أخيه" (١) ولست أقول لا تحل الأجرة أو يحرم ذلك بعد أن أسقط فرض الإسلام عن نفسه ولكنّ الأوْلى أن لا يفعل ولا يتخذ ذلك مكسبه ومتجره فإن

стр. 47

الله يعطي الدنيا بالدين ولا يعطي الدين بالدنيا وفي الخبر "مثل الذي يغزو في سبيل الله ويأخذ أجراً مثل أم موسى ﵇ ترضع ولدها وتأخذ أجرها" (١) فمن كان مثاله في أخذ الأجرة على الحج مثال أم موسى فلا بأس بأخذه فإنه يأخذ ليتمكن من الحج والزيارة فيه وليس يحج ليأخذ الأجرة بل يأخذ الأجرة ليحج كما كانت تأخذ أم موسى ليتيسر لها الإرضاع بتلبيس حالها عليهم. الثاني: أن لا يُعاون أعداءَ الله سبحانه بتسليم المكس وهم الصادون عن المسجد الحرام من أمراء مكة والأعراب المترصدين في الطريق فإن تسليم المال إليهم إعانة على الظلم وتيسير لأسبابه عليهم فهو كالإعانة بالنفس فليتلطف في حيلة الخلاص فإن لم يقدر فقد قال بعض العلماء ولا بأس بما قاله: إنَّ ترْكَ التنفل بالحج والرجوع عن الطريق أفضل من إعانة الظلمة فإن هذه بدعة أحدثت وفي الانقياد لها ما يجعلها سنة مطرودة وفيه ذل وصغار على المسلمين ببذل جزية. ولا معنى لقول القائل: إن ذلك يؤخذ مني وأنا مضطر فإنه لو قعد في البيت أو رجع من الطريق لم يؤخذ منه شيء بل ربما يُظهر أسبابَ الترفه فتكثر مطالبته فلو كان في زي الفقراء لم يطالب فهو الذي ساق نفسه إلى حالة الاضطرار. الثالث التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف بل على الاقتصاد وأعني بالإسراف التنعم بأطايب الأطعمة والترفه بشرب أنواعها على عادة المترفين فأما كثرة البذل فلا سرف فيه إذ لا خير في السَّرف ولا سرف في الخير كما قيل، وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله والدرهم بسبعمائة درهم. قال ابنُ عمر:

стр. 48

من كرم الرجل طيب زاده في سفره. وكان يقول: أفضل الحجاج أخلصهم نية وأزكاهم نفقة وأحسنهم يقيناً. وقال ﷺ : "الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة فقيل له يا رسول الله: ما بر الحج؟ فقال: طيبُ الكلام وإطعام الطعام (١) " (٢). الفئة الرابعة هي أخطر الأصناف الأربعة على الإطلاق، فأتباعها هم النخبة من العلماء والفقهاء والمفتين وطلاب العلم وعموم الدعاة إلى الله من واعظين وخطباء ومنشدين وقرّاء، فهؤلاء إذا خرجوا رياء وسمعة وابتغاء صرف وجوه الناس إلى مقاماتهم الرفيعة دون إخلاص القصد لله فقد وقعوا في الضلال المبين! وصاروا قدوة فاسدة لسائر الأصناف الثلاثة من المسلمين، فإن ضلّوا فضلال الناس بهم أولى وإثمهم عند مولاهم مضاعفٌ؛ لأنهم خير من ينبغي أن يعرف الله ويدلَّ الخلق عليه، وإلَّا فكما روي عن رسول الله ﷺ فيهم: "أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه" (٣) ولخطورة هذه الغفلة استعاذ رسول الله ﷺ من علمٍ يمتطيه صاحبه لدنيا فانية مدبرة تضيع بها آخرة باقية مقبلة، وذلك في قوله: "نعوذ بالله من علمٍ لا ينفع" (٤). ورحم الله إمامنا الغزالي الذي صرَّح باستفحال هذا الداء الخطير في مقدمته على كتاب الإحياء حين قال: "ولعمري إنه لا سبب لإصرارك على التكبر إلّا الداء الذي عم

стр. 49

الجمّ الغفير بل شمل الجماهير من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر والجهل بأن الأمر إد والخطب جد والآخرة مقبلة والدنيا مدبرة والأجل قريب والسفر بعيد والزاد طفيف والخطر عظيم والطريق سد وما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد، وسلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكد، فأدلةُ الطريق هم العلماء الذي هم ورثة الأنبياء وقد شغر منهم الزمان ولم يبقَ إلّا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان واستغواهم الطغيان وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفاً فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً، حتى ظلّ علم الدين مندرساً ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمساً ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلّا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام إذْ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام وشبكة للحطام. فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقهاً وحكمة وعلماً وضياء ونوراً وهداية ورشداً فقد أصبح من بين الخلق مطويّاً وصار نسياً منسياً" (١). فالمنعطف الأول في تراجع الحج اليوم عن موقعه الريادي في قمة العبادات الجماعية الفاعلة يعود إلى تسخيره لخدمة دنيانا التي خسرناها على مستوى الأمة مجتمعة بعد أن ضحينا بآخرتنا في سبيل عرضٍ زائل لا يدوم. بيد أنّ أسباباً أُخرى في رأيي عملت مجتمعة مع هذا الذي سبق ذكره على إفساد ما

стр. 50

سعى الشرع المطهر إلى تقعيده في مجتمعاتنا من خلال فريضة الحج وأخواتها في أُسرة فرائض الإسلام. من تلك الأسباب بروز مشاعر جاهلية عند بعض أبناء المسلمين على خلفية قيمٍ جديدة وافدة تعارضُ قيماً إسلامية ثابتة بنصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك تصور التفضيل وفق مقاييس دنيوية تعود إلى رقعة جغرافية أو نفوذ مادي أو اجتماعي، وهو ما ترتب عليه أحياناً احتقار ما يجب إجلاله، وتهميش ما ينبغي وقاره، وكل هذا معارضٌ لقول الله : ﴿شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] إذ لم يقل "لتباينوا فلكل بلدٍ تميزه الذي يسهم من خلاله في إغناء ثقافة الآخر"، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣] ولم يقل أغناكم ولا المنتسب منكم إلى مكان كذا أو فئة كذا، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١] ويا لله للمسلمين وهم يعودون القهقرى إلى الجاهلية الأُوْلى التي أبغضها رسول الله ﷺ حين قال لأبي ذر ﵁: "إنك أمرءٌ فيك جاهلية". ومنها اجتهاداتٌ في الأساليب الناجحة لخدمة حجاج بيت الله الحرام حرص أصحابها على تقديم وسائل تجريبية ترتقي بكل من الحاج والفريضة إلى حيث المكان اللائق بهما لكنها بسبب أنها تجريبية لم تؤت ثمرتها المنشودة وصارت محل انتقاد من قبل الغيورين في سائر بقاع المسلمين في نصائح أعتقدُ أنها ستسهم لاحقاً بشكل فعالٍ في تطوير ما يقدم لهذا الركن الجليل من خبراتٍ وافدة. ومنها الإعراض عن الكليات الجامعة من قواعد الإسلام وهديه، عكوفاً على

стр. 51

جزئيات ثانوية في فقهياته وآدابه تكريساً لحال التجزئة التي يحياها المسلمون اليوم، واكتفاءً منّا بالقشور عن اللب، وبالشكل عن المضمون، وبالخلاف عن الوفاق، بينما رسم لنا رسول الله ﷺ في حجة الوداع طريق السلامة حين كان يقول يوم النحر لكل من استفتاه: "افعل ولا حرج". ومنها أن بعض المسلمين لم يعودوا يتورَّعون عن الحج بمالٍ حرام (١)، وصدق الشاعر إذ يقول: إذا حججت بمالٍ أصلهُ دَنِسٌ ... فما حججت ولكن حجَّت الإبلُ لا بل إنَّ من المسلمين اليوم من يشد الرحال إلى تلك البلاد ليجمع هناك المال الحرام وهو يعلم أن الله يضاعفُ السيئة بمكة كما يضاعف الحسنة. ومنها أن من المسلمين مَن لم يعد يستشعر ذلك المعنى اللطيف من انتمائه إلى أُمة إسلامية واسعة الانتشار فوق هذه البسيطة خاصة إذا كان قدومه عن طريق البر، فكم بلدٍ سيقطعه الحاج من خلال طريق تصل إلى آلاف الكيلومترات يقضي منها على المنافذ الحدودية للبلاد الإسلامية أكثر مما يقضيه في جد السير الحثيث إلى مكة. ومنها أن الحج أصبح مشروعاً مادياً بحتاً تظلم فيه الطبقات المتوسطة القادرة أو تقدَّم على أنها من درجات متأخرة، فلم يعد الحاج يشعر بالرحمة التي ربَّانا عليها الإسلام، ورسخها فينا الحج إلى بيت الله الحرام، وإنْ هي إلّا أرقامٌ هائلة تحدد مستوى

стр. 52

التعامل مع الآخر وليس الأخوة الإسلامية. ومنها أن الحاج في أكثر بلاد الإسلام لا تتم تهيئته لهذه الرحلة العامرة في أركانها وواجباتها وآدابها وغاياتها، ولما سيعترضه من مصاعب في سبيل تحقيقها، وما يحتاجه من زادٍ مادي وديني في سبيل تحصيلها على أتم وجهٍ يرضى به الله عنه، وهو ما أفسح المجال لتسلل الخفافيش التي تعمل في الظلام فإذا بها تتصدّى للدعوة إلى الله! وقيادة ضيوف الله في بيوت الله! وكم رأيت أثناء تجربتي المتواضعة مَنْ لا يجيد القراءة والكتابة، ولا يحمل أدنى شهادة تحصيل علمي لا في مجال الشريعة ولا على المستوى المدرسي ثم يتصدى للعمل في هذه المؤسسة الإسلامية الكبرى مؤسسة الحج مفتياً وواعظاً ومربياً! فكيف استطاع أمثال هذا خداع الناس وفيهم المثقفون في شتى المجالات؟ وأين هم الرقباء الغيورون على مصلحة أُمتنا؟ وكم أحدثت أمثال هذه الثغرات من فتنٍ زلزالية بين الحجاج دفعت بالحجيج إلى نقيض ما دعانا ربنا إليه! . هذا هو الداء في وصف أمين دقيق، وهذه هي المعضلة المستشرية في جسد الأمة المريض، أسطر فيها الكلمات وقلبي يعتصره الأسى على ما وصلنا إليه، وهنا لا بد لك أن تسأل: ما هو العلاج؟ في الجواب المختصر أقول: أعتقد أنّ كل كلمة سطرتها في هذه المقدمة هي خطوة صحيحة في تحديد العلاج النافع، الذي يمكنني أن أختصره في كلمة واحدة عنوانها "عَوْدٌ على بدء": أن نعود من حيث بدأ سلفنا الصالح، أن نعرف الله رغبة ورهبة كما عرفوه، أن نضع الدنيا في موقعها الصحيح فلا نضيّع ديننا في سبيلها فنخسر الآخرة والدنيا، ولا نعرض عنها فنعطل حكمَ الله فيها، وأن نكون في الدنيا كما علمنا رسول الله ﷺ عابري سبيل، وهل من العقل أن يقف عابر السبيل عند استراحةٍ ما لأجل حاجيات ضرورية له

стр. 53

فيعجب من فن صناعتها، وتنوع تصاميمها، وينشغل بذلك عن رحلته البعيدة؟ هل من المنطق أن يتعامل معها تعامل المقيم وهو يعلم أنه مهما بقي في ظلها فإنها ليست أرضه الباقية، بل محطته العابرة، وأنه لا بد في يومٍ ما مرتحلٌ عنها؟ هكذا هي الدنيا نصيبنا الشرعيُّ منها بمقدار ما نقيم فوق أرضها من حضاراتٍ لحاضرنا وأجيالنا، وهي محطات مهما طالت سنوليها الدُّبر، فهل نبيعُ العين الصحيحة بالعَوَر؟ بيد أنَّ هذا الكلام ذاته هو محضُ مشكلة تتطلبُ منَّا حلاً، إذ كيف نعود بالأُمة إلى الله وهي التي مزقت إرباً إرْباً، ثم استفرد بكل قطعة لحم منها أكلةٌ شرهون، في الوقت الذي فتحت فيه أبوابُ الشهوات على مصراعيها في ظل عَوْلمة الرذائل، وأمركة الثقافات، وتراجع أصحاب القدوةِ عن تحمل المسؤوليات! لذلك أعود أدراجي مرة أُخرى إلى كلام أُستاذنا الجليل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حين قال: "يا قارئي الكريم. أما الحديث والكلام فقد أُنفق منه لعلاج هذا البلاء الذي وصفته لك، ما لو كان للكلام نهاية لانتهى الكلام منذ حين. لم يبقَ من علاج إلّا صدق الالتجاء إلى رحاب الله. قد لا نملك إصلاح هذا السوء في حياتنا، ولكننا نملك الذلَّ لله في نفوسنا ... ". ونِعْمَ ما قلتَه يا شيخنا الجليل: فما لم ندخل إلى الله من باب التضرع والعبودية، وما لم نستشعر بين يدي مولانا شرف التذلل بين يديه، وصِدْق الالتجاء إليه، فإنَّ شيئاً مما نصبوا إليه لن يتحقق، وإننا ومع ابتهالاتنا المتكررة في الأزمنة والأمكنة المباركة وخلف رجالٍ خصهم الله بصفاء المعرفة لا نملك أكثر من أَن نعذر أنفسنا أمام الله بالبكاء والتبتل إليه والالتجاء، بعد أن أخذنا بأسباب النهوض، واعتمدنا على العلي المتعال علام الغيوب، فإليه وحده يرجع الأمرُ كله، وهو القادرُ على ذلك في موعدٍ قدره الله وقضاه، ولقد بلغت هذه الأمة قبل نبيِّنا محمد صلوات الله وسلامه عليه كل

стр. 54

مبلغ من السوء، فتحولت مكة أرض التوحيد إلى معبد للأوثان، وصار الطواف حول البيت تلازمه صفة العُري بسبب جهل استشرى كانوا معه يقولون: كيف نطوف بثياب عصينا الله فيها، حتى ضاعت معالم الحج الإبراهيمي في مستنقعات الجهل والضلال، ثم ما لبث الفجر أن انبلج، وما لبثت الغيوم أن انقشعت في تجديدٍ لصرح هذا الركن العظيم على يدِ محمد الأمين، عليه أفضلُ الصلاة وأتم التسليم. وإذا كانت الرِّسالات قد ختمت بالإسلام، فإن في رجالات الإسلام المخلصين من ينهض في كل عصرٍ لتجديد هذا الدين من خلال ربط القلوب بالله رب العالمين، وربط المسلمين بنهج السلف الصالح أصحاب الخيرية في هذه الأُمة، وما جهدي المقل، إلّا على خطا هؤلاء الذين لا نشك أن الله سيصلح بأحدهم أو بهم جميعاً صرحَ هذه الفريضة الشامخة شموخ الكعبة في كل حين. وأخيراً فإنني في هذا البحث المتواضع لم أعتمد أسلوب من سبقني في تأليف كتبٍ عن مناسك العمرة والحج، وإلّا لأغنى ما كتبوه عن بذل جهد فيه، وهو ما يجعل عملي سفراً لا طائل منه، لذلك تعمدت التميز في هذه الكتابة بهدف إضافة جديد في مكتبتنا الإسلامية التي نباهي الدنيا بعليائها. التميز بدأ في عنونة الكتاب إذ سميته: "الركن الخامس"، ثم في طريقة الكتابة، فلم أُقسمه على غرار الآخرين إلى أركان للحج وواجبات وسنن، وإنما شرعتُ في تدوينه من خلال حجة الوداع، حسب التسلسل المعروف لحجته ﷺ أخذاً من رواية جابر التي أخرجها مسلم في صحيحه، وهي أدق وأوسع رواية على الإطلاق، حرصاً مني على تعريف المسلمين بأهم تفصيلات تلك الحجة المباركة التي يجهلها ـ للأسف ـ الكثير من المسلمين، وبهذا يسهل الاقتداءُ بإمام الأولين والآخرين محمد ﷺ ، وتعم الفائدة. لكنني في حقيقة الأمر لم أكتف برواية جابر، ولم أحبس دراستي عندها، فثمة

стр. 55

نصوص أخرى في جزئيات من الحج رويت بزيادات عن جابر سواء عند مسلم أو غيره فأتيت بها واستفدت منها، كما استفدت من الأحاديث الأخرى في فريضة الركن الخامس عن علي وعائشة وسائر الصحابة اقتبست منها ما يعود بالخير على البحث وقرائه. ومع كل خطوة أخطوها أقف مليّاً باحثاً في قضايا تاريخية ودينية أغوص فيها لاستخراج فوائد في شتى الفنون تكسو الكتاب حلة جديدة تعطيه مزيداً من التفرد والخصوصية، فمثلاً عندما أتحدث عن مقام إبراهيم فإنني لا أقتصر على ذكر الأحكام الإسلامية الخاصة بهذا الموضع وإنما أتناول تاريخه وأبرز المعالم التي مرت به منذ عهد إبراهيم ﵇، وما تميز به والحجر الأسود عن سائر حجارة مكة من أنه لم يعبد مثلاً رغم تعظيم قريش والعرب للحجارة آنذاك، وفوائد أخرى أُعرّج عليها من هذا القبيل. وعندما أتحدّث عن الصفا لا أنظر إليه من خلال الأوراد والأذكار التي تواكب السعي بين الصفا والمروة فحسب، وإنما أتعدى ذلك إلى أبرز الأحداث التاريخية التي جرت عنده في عهد النبوة، وكذا عندما تناولت ميقات الحديبية في الحج، والتنعيمَ في العمرة. وفي الكلام حول البيت موضوعات ثمينة من نحو ضرورة رسم خرائط جديدة للقارات الخمس تُمسح فيها الكرة الأرضية من جديد على أن الخط الرئيسي الذي يشكل محور تلك الخرائط هو الذي يمر من الكعبة المشرّفة وليس من قرية غرينتش قرب لندن. أما الحديث عن ماء زمزم ففيه من الأبحاث العلمية ما يفي بغرض هذه المعجزة الخالدة التي يجهل الكثير من المسلمين قدرها، كما يجهلون العظمة الحقيقية لكثير من كليات وجزئيات هذا الدين السماوي المتجدد في معجزته وعطائه. ومع كل مَعْلَم نزوره في "الركن الخامس" أرقام صحيحة عن الأبعاد الرئيسية

стр. 56

ضمن ذلك المعلم كما في بناء الكعبة المشرّفة، ومقام إبراهيم، أو بالنسبة إلى مدينة مكة، مع ذكر أبرز التحولات التي جرت هناك كما في ميقات قرن المنازل، وسائر المواقيت. فالكتاب نقلة رائدة ـ بإذن الله وتوفيقه ـ في الخروج عن الأسلوب التقليدي في أبحاث هذه الفريضة الجامعة المانعة، مع الحفاظ على المضمون الفقهي بدقة وأمانة، والعودة إلى مصادر تلك الأحكام المباركة وهي الكتاب الكريم، ثم السنة المشرّفة التي فصَّلت أحاديثها النبوية كليات وجزئيات رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، وإنها لمتعة وعبادة وفائدة وتربية في آنٍ واحدٍ أن تستقي من جديد تفصيلات حياتك اليومية من ينابيع النبوة، وهي تتلى عليك من فم رسول الله ﷺ ، بعيداً عن الحكم الفقهي المجرد عن الرابط المشاهد الذي يضفي على أقوال الفقهاء نوراً وضياءً يستقر في قلوب المؤمنين على أنّ تلك الأحكام الفقهية هي في واقع الحال مقتبسة من ذلك الضياء الخالد. في هذه الدراسة أُثبتُ بين قوسين كلام جابر، ومن ثَمَّ أبدأ بالنظر والبحث على ضوء كتب جهابذة علماء المسلمين، وفي مقدمتهم الإمام النووي في كتابه الجامع المانع: "شرح صحيح مسلم" وكتابه: "الإيضاح في مناسك الحج"، والإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح، وحاشيته الأخرى على "المقدمة الحضرمية" المعروفة باسم: "المنهاج القويم"، والإمام حجة الإسلام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" وغيرهما من الفقهاء المعتمدين، ضمن منهج الإكثار من النقول الموثقة عنهم ترويضاً مني للقارئ على الإبحار في أمثال هذه الكتب التي لا يقرؤها عادة إلّا المتخصصون، وتبركاً مني بعباراتهم وهم نجومُ هذه الأمة، وتوثيقاً لما أُسطره في كتابي من أحكام. إذن تحت كل فقرة من كلام جابر بيانٌ وتفصيلٌ لما جرى في حجته ﷺ من أحكام وأحداث، وإبراز لأشهر أقوال الأئمة الأربعة، مع مراعاة أنني إذا لم أنسب القول إلى

стр. 57

مذهب معين، فالقولُ يصرف إلى السادة الشافعية الذين جعلت ما ذهبوا إليه محور كتابي بسبب تتلمذي على مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي الغزِّي المكي؛ ولأن الذين صدَّرت الحديث عنهم: النووي ـ الهيتمي ـ الغزالي ـ كلهم شافعية. الأقوال المشتهرة عن الأئمة الأعلام يحتاج إليها علماء الأمة وطلاب العلم وعامة الحجاج على حد سواء دفعاً منهم لحرج يصيبهم إن أحاطوا بها علماً؛ لذلك أثبتُّها، وأكثرتُ منها، لكنني دوَّنت العديد من نصوصها في الحاشية، كي يبقى متن الكتاب صالحاً لجميع شرائح المجتمع أما حاشيته فيمكن لمعظم ما كتب فيها أن يخص طائفة العلماء فيهم. وفي كل مناسبة من ركن أو واجب أو أدبٍ نبوي لا أنسى التعريج على الحكمة المرجوة منه ما سنحت إلى ذلك فرصة، ضمن دراسة فكرية تقتنص الفائدة، وتغوص في العمق لإدراكها، ولا تتجمد عند حدودها. ومع كل ذريعة أو مفسدة أو فكرة هدامة وافدة يصنعها لأبنائنا محترفوا الغزو الفكري لي وقفة تأمل ونظر ورد علمي مفحم، بما يلهمني مولاي من رشاد وسداد. فالكتاب يحتوي على اللغة ومدلولاتها، وعلى الفقه المقارن، وعلى الاستدلالات الفقهية، وعلى العلة والحكمة لكثير من الأحكام الفقهية، وكذلك على تخريج ودراسة وافية للأحاديث النبوية التي تحتاج ذلك، ثم على الأبحاث الفكرية، وعلى مسائل العقيدة، وعلى ما يدخل في إطار التنوع والفائدة بما تقتضيه المناسبة، يردفني في ذلك خبرتي المتواضعة في إدارة الأفواج، ومتابعة شؤون الحجاج. قمت بهذا مستعيناً بالله، معتمداً على هديه وتوفيقه، متبرئاً من كل حولٍ مني وقوة إلى حول الله وقوته المطلقة التي أولتني من العناية والرعاية ما قدرتُ به على تنفيذ ما

стр. 58

شرفني الله به من خدمة ضيوف الرحمن بكتابٍ يطلّون منه على حجة نبيِّهم محمد ﷺ . واللهَ أسأل أن يتقبلني في الصالحين، وأن يمن عليَّ بالثواب والأجر العميم، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وسبباً للفوز بجنات النعيم آمين آمين آمين، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين. كتبه: محمد محيي الدّين حمادة الغنيمي الميداني خادم القرآن والسنة وأمين فوج اليمان لخدمة ضيوف الرحمن في حيّ الميدان من دمشق الشام في ١٩ صفر ١٤٢٥ هـ الموافق ٩ نيسان ٢٠٠٤ م. * * *

стр. 59

بين يدي الركن الخامس المدخل إلى هذا الركن يستلزم المرور من قنطرتين: الأولى: فضيلة الحج. والثانية: فضيلة الأرض التي تؤدى فيها مناسك الحج. لكن لما كانت المدينة المنورة المكان الذي انطلقت منه جموع الحجاج من الصحابة الكرام تحت راية قائدهم محمد ﷺ ، ولما تضمه بين جنباتها من مسجد نبوي، وروضة مشرفة ومواقع إيمانية جهادية داخل حدودها التي اختطها لنا رسول الله ﷺ ، فقد أتبعتُ الحديث عن فضيلة الحج ومكة بالحديث عن مكانة المدينة المنورة وساكنها ﵇، لكن في كتاب مستقل يحمل عنوان: "حرمُ الحبّ والسلام". فضيلةُ الحج إلى بيت الله الحرام: شدُّ الرحال إلى المسجد الحرام بنية أداء الفريضة من أركان الإسلام ومبانيه، فهو كما قلنا سابقاً ـ عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام، فيه أَنزل الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وهي آيةٌ عظيمة صرَّحت بكمال وتمام الدين الخاتم، لذلك قال أحدُ اليهود لعمر بن الخطاب: "يا أمير المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تقرؤونها لو علينا أُنزلت معشر اليهود لاتَّخذنا ذلك اليوم عيداً؛ قال: وأيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر: "إني لأعلمُ اليوم الذي أُنزلت فيه والمكان الذي أُنزلت فيه؛ نزلت على رسول الله ﷺ بعَرَفة

стр. 60

في يوم جُمعة" (١) وفي رواية للنَّسائي: "ليلة جمعة" (٢). وكأني بالفاروق الشهيد عمر بن الخطاب يتوجه بهذا إلى جموع الواقفين في ربا عرفات في كل عام، يذكرهم بحقيقة كمال الدين الخاتم، وصلاحيته لكل زمان ومكان، وقدرته الثابتة على تحقيق الرقي والسعادة لبني الإنسان محذراً أمة الإسلام أن تصرفها الأهواء أو تتلاعب بها الأفكار الجانحة عن أداء التزامات البيعة التي أخذها رسول الله ﷺ على المسلمين وأجيالهم في حجة الوداع. وفي وجوب فرضيَّته يقول المولى جلَّ شَأنه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ! ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي أدُّوْهما وائتوا بهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] أي: أدَّاهنّ، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، أي: أدُّوْا الصيام إلى الليل، والأمرُ بالأداء دليلُ الوجوب؛ لأنَّ مقتضى الأمرِ الوجوب. وفي هذا المعنى نزل وحيُ الباري: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَبُرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فاللام في قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ﴾ للوجوب والإلزام، وهي مؤكَّدة بلفظ ﴿عَلَى﴾ وهذا من الأُسلوب البليغ عند العرب، بل هو من أوْكدِ ألفاظ الوجوب عندهم، فالعربيّ إذا قال لآخر: "لزيدٍ عليَّ كذا" فقد أوجبه ووكّده، وهذا يعني أن الحج مذكور في القرآن الكريم بأبلغ ألفاظ الوجوب تعظيماً

стр. 61

لحرمته، وتثبيتاً لحقه (١). ويأتي البيانُ الإلهي على تاريخ بناء البيت لأداء فريضة الحج من خلال قوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]. المخاطَبُ رسولُ الله ﷺ ، أي: اذكر يا محمد حين مكّنّا لإبراهيم مكان البيت وأريناه أصله ليبنيه بعد أن دُرس بالطوفان، أو بعد ذلك لأسبابٍ أُخرى. وتذكر الروايات أن إبراهيم جعل يطلب أثر البيت في بطن مكة يوم كانت دارسة فبعث الله ريحاً كشفت عن أساس البيت، فما كان من إبراهيم إلّا أن رتب القواعد عليه، ثم رفع البنيان فوقها، ومن ثَمَّ عمل على تطهيره من كلِّ ما يُنافي التوحيد من نجاسة حسية أو معنوية، لهذا قال الإمام القرطبي: "وتطهيرُ البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء" (٢). وتعرضُ الآيةُ الأُخرى من سورة الحج لبداية جديدة في ارتباط فريضة الحج بالعهد الإبراهيمي (٣): ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُونَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨].

стр. 62

قال الإمام القرطبي: "لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، وقيل له: أذِّنْ في الناس بالحج، قال: يا رب! وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّنْ وعليَّ الإبلاغ، فَصَعِدَ إبراهيم خليل الله جبل أبي قُبَيْس وصاح: يا أيها الناس إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليُثيبكم به الجنة، ويُجيرَكم من عذاب النار، فحجُّوا فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء لبيك اللهمّ لبيك! فمن أجاب يؤمئذ حجّ على قدر الإجابة، إنْ أجاب مرّة فمرة، وإنْ أجاب مرتين فمرتين، وجرتِ التلبيةُ على ذلك؛ قاله ابن عباس وابن جبير" (١). الآية تتضمن مؤكدات على تبليغ الله لنداء إبراهيم: أحدها: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، وفيه تأكيد على إيصال الأذان للناس، وفيه نسبة الإتيان إلى إبراهيم ﴿يَأْتُوكَ﴾ مع أنهم يأتون الكعبة وهذا للتشريف من حيث إنه المؤذن بالحج. ورجالاً جمع راجل، كتجار جمع تاجر. الثاني: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ﴾، والضامرُ معناه الضوامر، وهي النوقُ الهزيلة التي أتعبها السفر، فهي نوقٌ قوية، لكنّ أمرها آل إلى الضمور بعد أن انتهت إلى مكة في رحلة شاقة وطويلة أثَّرَت فيها، بدليل ما ختمت به الآية: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، والفجُّ هو الطريق الواسعة، والجمع فجاج، وهذا يدخل في توكيد ما بدأته الآية، فشتى فجاج الأرض ستسلكها قوافلُ الحجاج التي تشق طريقها راجلة ـ إنْ لم يجد أصحابها مركوباً أو أُجرته، أو راكبة إن وجدوا إلى ذلك

стр. 63

سبيلا، من أبعد المسافات بدليل اللفظ القرآني: ﴿عَمِيقٍ﴾، وصولاً إلى بيت الله الحرام في رحلةٍ كرم الله فيها كل من يدور في فلكها حتى وسيلة النقل التي تحمل ضيوف الرحمن؛ لأنها سعت بهم إلى بيته، فأعاد البيانُ الإلهيُّ الضمير إلى النوق وقال: ﴿يَأْتِينَ﴾، تشريفاً لها. النوق التي يختارها أصحابها من أفضل ما لديهم قوة وجلداً، عندما تنعتها الآية الكريمة بالضامر فإن في هذا إشارة إلى المشقة البالغة التي تصاحب هذه الفريضة وتجعل منها رحلة جهاد حقيقي لبناء جيل صالح يحمل أعباء الأمة على كاهله، وهو ما ينبغي أن يدركه كل قاصد للحج إلى بيت الله الحرام، فكم من هؤلاء مَن لا علم له بهذا، ولا استعداد عنده لأجل البذل والعطاء، وإن هي إلّا رسوم اجتماعية خادعة تدفع بالبعض إلى اقتحام غمار الركن الخامس حتى إذا وجد نفسه في قلب الزحام نقض غزله، وخرج دون ما جاء به. وفي سورة الحج، وبعد آيتين من هذه الآية يقول مولانا العظيم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ شَهْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]. الخطاب القرآني في الآية يلتفت إلينا بالقول: إنَّ الفرض الذي أوجبه الله عليكم في الحج إلى حرمه الآمن لهو من حرمات الله المعظمة التي لا يجوز التساهل فيها، ولا في قدسية الأرض التي تؤدى عليها. قال الإمام القرطبي: "ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، قاله ابن زيد وغيره. ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات امتثال الأمر في فرائضه وسننه" (١).

стр. 64

فمن امتثل أمر ربه فقد نأى بنفسه عن التهاون، ومن خالف الله في أمره فقد هتك حرمة البيت. وفي بستان الحديث النبوي الشريف تفوح رائحةُ أزهار تسير على خط متوازن مع البيان الإلهي في ترسيخ فضيلة الركن الخامس: ندخل بادئ ذي بدء إلى حديقة الإمام مسلم في صحيحه الجامع، ونضع فيها اليد على وردة نبوية نفتح أوراقها فإذا بداخلها: "العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة" (١). رواية صحيحة ظاهرة في فضيلة العمرة والحج: أما العمرة فهي مكفرة للخطايا الواقعة بين العمرتين، والحديث موضعُ احتجاج لمن نصر مذهب إمامنا الشافعي في استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مراراً خلافاً لمذهب مالك وأكثر أصحابه في كراهة أن يعتمر في العام أكثر من مرة. وأما الحج فيأتي على ضابطه الإمام النووي بقوله: "الأصح الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثمٌ، مأخوذ من البر وهو الطاعة، وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيراً مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: هو الذي لا رياء فيه. وقيل الذي لا يعقبه معصية (٢)، وهما داخلان فيما قبلهما. ومعنى ليس له جزاء إلّا الجنة أنه لايقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لابد أن يدخل الجنة" (٣).

стр. 65

ومن حديقة مسلم إلى روضة الشيخين حيث نَشتَمُّ لدى دخولنا إلى ركن الحج فيها رائحة حديث شريف يملأ المكان بعبق بُشراه، يقول لنا فيه رسول الله ﷺ : "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أُمه" (١). ونقصد زهرة أُخرى فإذا فيها: "بني الإسلام على خمس: شهادة أنْ لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً" (٢). وننتقل إلى رحيق ابن حبان في صحيحه فنقرأ بين سطوره قول رسول الله ﷺ : "الحجّاج والعمّار وفدُ الله، إنْ دعاهم أجابوه، وإنْ سألوه أعطاهم" (٣) ومنه إلى باقة الحاكم فيما يرويه لنا على شرط مسلم: "اللهمّ اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج" (٤). فالحج من مزاياه أنه يكفر الذنوب ليرتقي بصاحبه البارِّ بأدائه إلى مقام الخالدين في جنة عرضها السموات والأرض أُعدتْ للمتقين، ومن ذلك ما جاء عن ابن شماسة قال: حضرْنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلاً، وقال: فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيتُ النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أُبسطْ يمينك لأُبايعك، فبسط يده، فقبضت يدي. فقال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يُغفر لي، قال:

стр. 66

"أما علمت يا عمرو أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحج يهدم ما كان قبله" (١). الحج الذي يُكفِّر به ربنا ذنوب الحجاج هو المبرور الذي لم يخالطه إثمٌ من الإحرام إلى التحلل، وصاحبه ينالُ في الآخرة عفواً شاملاً للصغائر والكبائر من ذنوبه التي ارتكبها حتى التبعات على المعتمد من فقه السادة الشافعية، وذلك إنْ مات قبل أن يتمكن من أداء ما عليه، أما إنْ عاش بعد تمكنه من أداء التزاماته الدينية مثلاً كالصلاة التي قصّر فيها، ولم يقضها بعد، فلا تسقط عنه بالحج، أو الدنيوية مثلاً كالدين الذي ثبت في ذمته، وتمكَّن من أدائه ولم يفعل، فلا يسقط كذلك (٢). ومن فضائل الحج أن البشرية برمتها تشهد منافعه خاصة الحجاج وأهل مكة: أما الحجاج فما يتنزل عليهم من وارداتٍ إلهية، وما يتم بينهم من تبادلات ثقافية، وتعارف بعد جهالة، وخبرة في العلاقات الاجتماعية ناهيك عمّا يأتيهم من أرزاقٍ وخيرات، تعد منافع لهم. وأما أهل مكة فما هم بصدده من صدقات وكفارات وألوان البيوع والتجارات لا يخفى على ذي بصيرة ولب. وفي هذا المعنى يقول الباري : ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].قال الإمام القرطبي: ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أي المناسك؛ كعرفات والمشعر الحرام. وقيل المغفرة. وقيل التجارة. وقيل هو عموم؛ أي ليحضروا منافع لهم،

стр. 67

أي ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة؛ قاله مجاهد وعطاء واختاره ابن العربي فإنه يجمع ذلك كله من نسك وتجارة ومغفرة ومنفعة دنيا وأُخرى. ولا خلاف في أنّ المراد بقوله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٩] التجارة (١). ومما جاء في فضيلته أنّ رسول الله محمداً ﷺ عدَّه من صنوف الجهاد حين سألته السيدة عائشة: "هل على النساء جهاد؟ قال: نعم جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" (٢) وفي رواية أُخرى للبيهقي: (٢٩٠٢) عن أُم سلمة؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الحج جهادُ كل ضعيف". وفي صحيح البخاري: (١٤٤٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبيُّ ﷺ : أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: جهادٌ في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌّ مبرور". وفي البخاري كذلك من حديث السيدة عائشة أُمِّ المؤمنين ﵂ أنها قالت: "يا رسولَ الله: نرى الجهاد أفضلَ العمل أفلا نجاهد؟ قال: لا، لكنّ أفضلَ الجهاد الحج" (٣). إنَّ الجهاد الذي تناول به رسولنا محمد ﷺ موضوع الحج لهو أصدقُ وصفٍ وأدقُّه؛ لأنَّ طبيعة البلدة الحرام وإلى جانبها طبيعة الأحكام التي انضبطت بها فريضة الحج من الزمان المخصوص، إلى المكان المخصوص، إلى الفعل المخصوص في أرضٍ قال الله عنها:

стр. 68

﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] كل هذا الوصف يعطيك صورة صادقة عن طبيعة الرحلة إلى مكة ضمن إطار الركن الخامس، فالآية تصف مكة بالوادي وهذا تصوير دقيق؛ لأن مكة في واد تحيط به الجبال من كل جانب والآية تصف الوادي بغير ذي زرع، وهذا تعميق لذاك التصوير، وبوسعه أن يعطينا فكرة جادة عن الطبيعة المادية الشحيحة للماء، وما يلحق به من أشجار تكاد تكون معدومة في ظل انعدام سببها الرئيسي الذي جعله الله حياة لكل شيء، وبوسع هذا أن يعبر لك عن قسوة الأرض وصلابتها وجدوبتها، ويفي بغرض معرفتك عن الجو المحيط بها من حرارة عالية تلفح الناس، يزيد في شدتها رطوبة الأجواء بسبب قرب المدينة المقدسة من شواطئ البحر الأحمر. هذه الظروف القاسية التي تقطع عن هذه المدينة أيّ سبب من وسائل العيش شظفه ورغده ما كانت لتنقلب مكة معها إلى سيدة مدن الدنيا لولا الكعبة المشرفة، وتحريم الله لأرضها، وإمدادها بالعناية والرحمة التي لا تنقطع عنها، وهنا تتجلى المعجزة، فالمقدمات الصحيحة ظاهرها تعني استحالة الحياة بمكة المكرمة، والواقع المشاهد أنها وحتى قبل المدنيّة الحديثة التي زحفت إليها كانت ولاتزال قبلة الزوار، ومهوى أفئدتهم، وملتقى التجار والثقافات، وهنا ننتقل إلى ما بدأنا الحديث به، وهي أنّ الذي يقصد مكة، يقصدها لأجل الله؛ لأنها بيته، ويسعى إليها وهو يعلم ما في أرضها وأجوائها وفريضتها من شدة يمتحن الله بها الحجاج والعمّار. كل من لم يوطن نفسه لهذا النوع من الجهاد فإنه لم يعرف الحج، ولم يفهمه بعد! . ومن فضائله أنه جمع بين عموم أحكام الإسلام: فالحج نطلّ من نافذته على الصلاة وما فيها من حكم وأسرار وهي الركن الأول في الإسلام.

стр. 69

ونلمس في الحج الزكاة وأهدافها الإنسانية النبيلة وهي الركن الثاني في بناء الإسلام. أما الصيام فيحضر بقوة في العديد من الكفارات. وفي الحج يترسخ التوحيد باللسان والجنان مع كل خطوة يطوي بها الحاج شوطاً من هذه الفريضة الجليلة. وفي الحج تكتحلُ العين بالنظر إلى الكعبة المشرفة التي ترمز إلى وحدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وفي الحج المواقع المقدسة التي سبق لإبراهيم وإسماعيل وربما لسائر أنبياء الله ـ كما جاء في الأثر (١) ـ أنْ أدَّوْا فيها المنسك وفي هذا تجذيرٌ لفكرة امتداد الدين الإسلامي لكل

стр. 70

رسالات السماء. وفي الحج إبرازٌ لرجال القدوة الأجِلاّء في تاريخ البشر. وفي الحج تنسكب حقائق العبودية على قلب العبد المؤمن بما يُفيضه المولى عليه من واراداتٍ ومنح. وفي الحج ارتباط الأرض بالسماء من خلال الدعاء والالتجاء، والانقياد والإتباع. ومن فضيلته أن المسلم يدخل إليه بلباسٍ مخصوص ليس له عنه بديل ما لم يكن ثمة عذر. ومن فضيلته أن من كان للحج مستطيعاً قادراً ولم يحج فإن الحبيب الأعظم محمداً ﷺ يهدده بأن يختار بين ميتة هذا الصنف أو ذاك ممَّن ضلّوا عن صراط الأنبياء المستقيم، لذلك قال الإمام الغزالي: "فأعظِمْ بعبادة يعدم الدين بفقدها" (١). ومن فضيلته أنَّ المسلم إذا وجد إلى الحج سبيلاً ولم يفعل فمات ولم يحج سأل الرجعة إلى الدنيا، ولم يعطها، على ما ذهب إليه حبرُ هذه الأُمة ابنُ عباس الذي فسَّر بذلك قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] وكان يقول فيها: "هذه الآيةُ من أشدّ شيءٍ على أهل التوحيد" (٢). هذا وثمة أحاديث في فضل الحج يستحسن أن نأتي على ذكرها لعل الله يجري فيها الخير على لسان كتاب "الركن الخامس" وينفع به أقواماً ما زالوا يترددون في أداء هذه الفريضة:

стр. 71

عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "استمتعوا بهذا البيت فقد هدم مرتين، ويرفع في الثالثة" (١). وعن الحسين بن علي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "إني جبان وإني ضعيف، فقال: هلم إلى جهاد لا شوكة فيه الحج" (٢). وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "جهاد الكبير والصغير والمرأةِ الحج والعمرة" (٣). وعن ماعز عن النبي ﷺ أنه سئل: أيُّ الأعمال أفضل قال: "إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها" (٤). وعن الشفاء قالت: سمعت رسول الله ﷺ وسأله رجل أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله وحج مبرور" (٥). وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة، قيل: وما بره؟ قال: إطعام الطعام وطيب الكلام" (٦). وعن جابر بن عبد الله رفعه ﵁ قال: "ما أمْعَرَ (٧) حاجٌّ قط، قيل لجابر: ما الإمعار؟ قال: ما افتقر" (٨).

стр. 72

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة" (١). وعن عمرو بن عبسة قال: قال رجلٌ يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: أن تُسلم قلبك وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأيُّ الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، قال: فأيُّ الإيمان أفضل؟ قال الهجرة، قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء، قال: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد، قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم، قال: فأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: من عُقر جواده وأُهريق دمه، قال رسول الله ﷺ : "ثم عملان هما أفضل الأعمال إلّا من عمل بمثلها حجة مبرورة أو عمرة" (٢). وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، ليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة" (٣)، وعند الطبراني في الكبير: فإن متابعة ما بينهما تزيد في العمر والرزق ... " (٤). بعد هذه الدراسة عن فضل فريضة الحج هل يقصر عاقلٌ بأداء ما كلفه الله به تشريفاً لهُ؟ وهل يختلق مؤمن بالله ورسوله، الأعذار لتفويت هذا الركن عليه؟ وإذا ما

стр. 73

أداها فهل يدخل فيها من المخالفات ما يفسدُ عليه جوهرها وفقهها وأسرارها؟ ألا فليتنبه الغافلون، وليحذر المسوّفون، وليعلم المعاندون أن الذي افترض عليهم الحج هو ربّ العزة، وأنهم إليه راجعون، وبين يديه واقفون، فماذا عساهم يقولون؟ ! اللهمّ اجعلنا من الذين يستمعون القولَ فيتبعون أحسنه، ولا تجعلنا ربنا لصنوف الخيرمن الزاهدين. * * *

стр. 74

الحرام مكة المكرمة

стр. 75

فضيلةُ مكة المكرمة في وسْط الأرض، وعلى بعد متساوٍ من محيط قاراتها القديمة والجديدة، تقع زهرة المدائن، وعروس البسيطة، وينبوع الرحمة، في وادٍ غير ذي زرع. مدينة لها حرمتها عند الله وفي قلوب المؤمنين، فهي ساحة للموحدين، وموئل للتائبين، وفضاء خاص بالمسلمين لا يقيم فيه أحدٌ من المشركين، ولايؤْذَن فيه لإطلاق نزوات العصاة والإباحيين، عندها تنتهي رغبات العقلاء، وتسمو نفوسُ الصُلحاء، وترتقي أخلاق الوافدين، وتتغذى أفئدة المغادرين، لاينفَّر فيها صيد، ولا يؤذى مخلوق ولو كان حيواناً ما لم يكن مؤذياً. الأمان فيها عنوانُ السُّكنى، والسلام في أرضها مدرسة خِصبة. الثأر بين جنباتها ممنوع، والكفر عن وجهها مرفوع، وصور الفسق متآكلة محظورة. يدخل الناس إليها محرمين بطواف الترحاب والسلام والقدوم، ويغادرونها بطواف الوداع والشجون، وعيون قلوبهم تذرفُ بالدموع. تلكم هي مكة المكرمة (١) أول بيت وضع في الأرض مطلقاً، بدليل ما جاء به بيان
следующие страницы →