عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "استمتعوا بهذا البيت فقد هدم مرتين، ويرفع في الثالثة" (١).
وعن الحسين بن علي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "إني جبان وإني ضعيف، فقال: هلم إلى جهاد لا شوكة فيه الحج" (٢).
وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "جهاد الكبير والصغير والمرأةِ الحج والعمرة" (٣).
وعن ماعز عن النبي ﷺ أنه سئل: أيُّ الأعمال أفضل قال: "إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها" (٤).
وعن الشفاء قالت: سمعت رسول الله ﷺ وسأله رجل أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله وحج مبرور" (٥).
وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة، قيل: وما بره؟ قال: إطعام الطعام وطيب الكلام" (٦).
وعن جابر بن عبد الله رفعه ﵁ قال: "ما أمْعَرَ (٧) حاجٌّ قط، قيل لجابر: ما الإمعار؟ قال: ما افتقر" (٨).
стр. 72
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة" (١).
وعن عمرو بن عبسة قال: قال رجلٌ يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: أن تُسلم قلبك وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأيُّ الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، قال: فأيُّ الإيمان أفضل؟ قال الهجرة، قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء، قال: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد، قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم، قال: فأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: من عُقر جواده وأُهريق دمه، قال رسول الله ﷺ : "ثم عملان هما أفضل الأعمال إلّا من عمل بمثلها حجة مبرورة أو عمرة" (٢).
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، ليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة" (٣)، وعند الطبراني في الكبير: فإن متابعة ما بينهما تزيد في العمر والرزق ... " (٤).
بعد هذه الدراسة عن فضل فريضة الحج هل يقصر عاقلٌ بأداء ما كلفه الله به تشريفاً لهُ؟ وهل يختلق مؤمن بالله ورسوله، الأعذار لتفويت هذا الركن عليه؟ وإذا ما
стр. 73
أداها فهل يدخل فيها من المخالفات ما يفسدُ عليه جوهرها وفقهها وأسرارها؟ ألا فليتنبه الغافلون، وليحذر المسوّفون، وليعلم المعاندون أن الذي افترض عليهم الحج هو ربّ العزة، وأنهم إليه راجعون، وبين يديه واقفون، فماذا عساهم يقولون؟ ! اللهمّ اجعلنا من الذين يستمعون القولَ فيتبعون أحسنه، ولا تجعلنا ربنا لصنوف الخيرمن الزاهدين.
* * *
стр. 74
الحرام مكة المكرمة
стр. 75
فضيلةُ مكة المكرمة
في وسْط الأرض، وعلى بعد متساوٍ من محيط قاراتها القديمة والجديدة، تقع زهرة المدائن، وعروس البسيطة، وينبوع الرحمة، في وادٍ غير ذي زرع.
مدينة لها حرمتها عند الله وفي قلوب المؤمنين، فهي ساحة للموحدين، وموئل للتائبين، وفضاء خاص بالمسلمين لا يقيم فيه أحدٌ من المشركين، ولايؤْذَن فيه لإطلاق نزوات العصاة والإباحيين، عندها تنتهي رغبات العقلاء، وتسمو نفوسُ الصُلحاء، وترتقي أخلاق الوافدين، وتتغذى أفئدة المغادرين، لاينفَّر فيها صيد، ولا يؤذى مخلوق ولو كان حيواناً ما لم يكن مؤذياً.
الأمان فيها عنوانُ السُّكنى، والسلام في أرضها مدرسة خِصبة. الثأر بين جنباتها ممنوع، والكفر عن وجهها مرفوع، وصور الفسق متآكلة محظورة. يدخل الناس إليها محرمين بطواف الترحاب والسلام والقدوم، ويغادرونها بطواف الوداع والشجون، وعيون قلوبهم تذرفُ بالدموع.
تلكم هي مكة المكرمة (١) أول بيت وضع في الأرض مطلقاً، بدليل ما جاء به بيان
стр. 76
الحق في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ (١) وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَبُرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران ٩٦ و ٩٧].
وفي معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَقَدِ بِبَكَّةَ﴾ يروي لنا البخاري ومسلم عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أيُّ مسجدٍ وُضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلتُ ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلتُ: كم كان بينهما؟ قال: أربعون عاماً" (٢).
وفي الآيات البيِّنات يقول الإمام النووي: هي المناسك، وأمن الخائف، وانمحاق الجمار مع كثرة الرامين في موضع الجمرات على تكرار الأعصار والسنين، وتعجيل العقوبة على مَن انتهك فيه حُرمته، وإهلاك أصحاب الفيل لمّا أرادوا تخريبه (٣). وزاد الإمام ابن حجر الهيتمي: الحجر الأسود، وحفظه في المدة المتطاولة مع تطاول الأعداء له، ووقع هيبة البيت في القلوب وخشوعها عند لقائه وحنين النفوس إليه وإلى الإقامة عنده وإن كان في
стр. 77
ذلك ترك كثير من مألوفاتها (١).
مكة المكرمة هي المدينة المتقدمة على كل مدن الدنيا في الإثابة والحرمة والفضل؛ لأنها عند جمهور المسلمين أفضلُ بقاع الأرض؛ بسبب تحريم الله لها، فهي لم تحرّمْ من قِبَل بشر، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ [النمل: ٩١].
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أنّ النبيّ ﷺ قال يوم فتح مكة: "فإنَّ هذا بلدٌ حرّمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض وهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة" (٢). وفي رواية لمسلم: "إنّ مكّة حرمها الله ولم يحرّمها الناس" (٣).
أما الحديث الذي في الصحيحين عن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ إبراهيم حرم مكة، وإني حرمتُ المدينة" (٤) فإنه يحمل على أنّ إبراهيم أظهرَ حرمتَها بعد أن كان مهجوراً، لا أنّه ابتدأه، وهو ما نصّ عليه الإمام النووي (٥).
ومكة ذاتُ أسماء كثيرة، ومن المعلوم أن كثرة الأسماء تدلُّ على عظم المسمّى،
стр. 78
وهي تصلُ إلى ستة عشر اسماً من أبرزها: مكة، وبكّة، والبلد، والبلدة، وأُمُّ القرى، والبلدُ الأمين، وحرمٌ آمن، وواد غير ذي زرع، ومعاد، وقرية، والمسجد الحرام؛ وأُمُّ رُحم؛ لأنَّ الناس يتراحمون ويتواصلون فيها، وصَلاحُ سميت بذلك لأمنها، والمقدّسة والقادسة من التقديس وهو التطهير، وقد وردت بهذه الأسماء آياتٌ من كتاب الله العزيز، منها قوله تعالى في مكة: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، وفي معنى مكة يقول الإمام الفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط: "ومَكّهُ أهْلَكهُ، ونَقَصَهُ، ومنه مكة للبلد الحرام أو للحرم كلّه؛ لأنها تَنْقُصُ الذنوب أو تُفنيها أو تُهلِكَ من ظلمَ فيها".
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦].
وفي معنى "بكه" قال الإمام الفيروزآبادي: "بكَّه أخَرَقه وفرَّقه، وفسخه ... وعنقه دقَّها، ومنه بكَّه لمكَّة، أو لما بين جبلها أوْ للمطاف لدقها أعناق الجبابرة، أو لازدحام الناس بها .. وتباكَّ تراكم، والقوم ازدحموا ... ".
ومنها قوله تعالى في أم القرى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢]، والعرب تسمي كلَّ أمرٍ جامع أُمّا، لذلك فإنَّ مكة هي أم القرى؛ لأن غيرها تبع لها؛ ولأنها تتقدم على غيرها، ومنه تسمّى راية الحرب أمّاً لتقدمها واتباع الجيش لها.
стр. 79
ومنها قوله تعالى في البلد: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥].
ومنها قوله تعالى في البلدة: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١].
ومنها قوله تعالى في البلد الآمين: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الطِّينِ (٣)﴾ [التين: ١ ـ ٣].
ومنها قوله تعالى في حرمٍ آمن: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا﴾ [القصص: ٥٧].
ومنها قوله تعالى في وادٍ غير ذي زرع: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
ومنها قوله تعالى في معاد: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥].
ومنها قوله تعالى في قرية: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣].
ومنها قوله تعالى في المسجد الحرام: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَاءَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
والمسجد الحرام يطلق ويراد به جميع مكة كما في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
كما يطلق على جميع الحرم ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا
стр. 80
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
كما يطلق على الكعبة وما حولها قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] ومن الثابت أنه أُسري برسول الله ﷺ من أحد بيوتات مكة.
كما تظهر حرمة الحرم المكي بما رواه الإمام النَّسائي في سننه والترمذي في كتابه المناقب عن عبد الله بن عديِّ بن الحمراء ﵁ أنه سمع النبي ﷺ وهو واقفٌ على راحلته يخاطب مكة: "واللهِ إنك لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجتُ منك ما خرجت" (١).
ومن فضل البيت أن الصلاة تتضاعف في حدود الحرم بما لا مثيل له في أيِّ بقعة أُخرى على الإطلاق، فقد صحّ عن رسول الله ﷺ قوله: "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضلُ من مائة صلاةٍ في هذا" رواه أحمد وزاد ابنُ خزيمة: "يعني مسجد المدينة"، وفي لفظ البزّار "إلا المسجد الحرام فإنه يزيدُ عليه مائة"، وفي رواية: "صلاةٌ في مسجدي أفضلُ من ألف صلاة في غيره إلّا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تعدلُ مائة ألف صلاة" قال ابنُ عبد البر: حديث صحيح.
وروى أحمد والبزار وابنُ حبان في صحيحه من حديث حماد بن زيد وغيره عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألف صلاة من غيره من المساجد إلّا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف
стр. 81
صلاة" قال الإمام العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي: "لا جرم صححه ابن عبد البر وقال: إنه الحجة عند التنازع وأنه نص في موضع الخلاف قاطع عند من ألهم رشده ولم تملْ به عصبية" (١).
هذه الأحاديث وإن كانت في المسجد الحرام إلّا أن مكة يطلق عليها جميعاً لفظ المسجد الحرام بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، ومن الثابت أنه أُسري برسولنا محمد ﷺ من أحد بيوتات مكة.
لا بل إن ربنا جلَّ وعلا أطلق لفظ الكعبة وأراد مكة في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ..
لذلك فإنّ مكة يتضاعف فيها ثواب الصلوات وسائر الطاعات، وهو الراجحُ كما نصّ عليه الإمام الماوردي من فقهاء الشافعية وتبعه الإمام النووي في أن مضاعفة الحسنات لا تخص المسجد الحرام وإنما تعمّ جميع الحرم وهو ما صرح به أيضاً الإمام ابن حجر الهيتمي الذي قال: "قد مرَّ لك أن هذا ظاهر في ترجيح القول بأنّ المضاعفة تعم جميع الحرم وهو ما أفهمه الزركشيّ" (٢).
هذا القول هو الصحيح، والأدلة تعضده، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ
стр. 82
وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]. قال الإمام القرطبي في الجزء الثاني من تفسيره ص ١٣٥: "جعله مباركاً لتضاعف العمل فيه".
وقال الإمام النووي: "تضعيف الأجر في الصلوات بمكة وكذا سائر أنواع الطاعات" (١) ثم قال: قال الحسن البصري: "صومُ يومٍ في مكة بمائة ألف، وصدقة درهم بمائة ألف، وكل حسنة بمائة ألف. فيستحب أن يكثر فيها من الصلاة والصوم والصدقة والقرآن وسائر أنواع الطاعات التي تمكنه" (٢). قال الإمام ابن حجر الهيتمي: "قد سبق أنّ الصلوات يتضاعف الأجرُ فيها في مكة وكذا سائر أنواع الطاعات. وقد ذهب جماعات من العلماء إلى أنه تتضاعف السيآت فيها أيضاً، وممن قال ذلك مجاهد وأحمد بن حنبل" (٣).
إنَّ مذهب الإمام أحمد، ومن وافقه هو ما أميل إليه، وأُرجحه، إن جاز لمن بضاعته في العلم مزجاة مثلي أن يفعل ذلك. مناط الترجيح عندي أن مكة حرم الله الذي ثبتت خصوصيته بالأدلة الصحيحة، وما كان كذلك فالمعصية فيه مزدوجة، فهي منكر ومعصية من حيث هي منهيّ عنها، وهي كذلك ومن حيث إنّها استهتار بقدسية البيت، وبربِّ البيت الذي نهى عنها، وهذا أشبه ـ ولله المثل الأعلى ـ بمعارضة أمرِ السلطان في عرينه الخاص به، فأن يخالف أمر السلطان الذي صدر عنه فهذه جريمة، أما أن يستهين العاصي بأمرِ سيده في بيته الآمن، فهذه جريمة مضاعفة لما فيها من
стр. 83
الاستهزاء والتحدي وكذا يقال في المسجد الحرام الذي حدّ حدوده جبريل ﵇ بأمر من ربّ العزة. وفي اعتقادي أصرح آية في كتاب الله في بيان المراد: هي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، فمجرد الميل إلى الظلم في حرم مكة، ونية المعصية فيه، يترتب عليه العذاب الأليم، لذلك قال الإمام القرطبي: "وهذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي في الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة هذا المكان توعّد الله على نية السيئة فيه. ومن نوى السيئة ولم يعملها لم يحاسبْ عليها إلّا في مكة. هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم" (١).
ومما يؤيد هذا أنّ ابن عمر كان يقول: "كنا نتحدث أنّ الإلحاد فيه أن يقول الإنسان: لا والله! وبلى والله! وكلا والله! لذلك كان له فسطاطان، أحدهما في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، وإذا أراد أن يصلي صلّى في الحرم، فقيل له ذلك فقال: "إن كنّا لنتحدث أنّ من الإلحاد في الحرم، أن يقول: كلا والله، وبلى والله". قال الإمام القرطبي بعد أن ساق كلام ابن عمر: "والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، فتكون المعصية معصيتين، إحداهما بنفس المخالفة، والثانية بإسقاط البلد الحرام، وهكذا الأشهر الحرم سواء" (٢).
стр. 84
قال سعيد بن المسيب: بلغني أنّ أهل مكة لن يهلكوا حتى يكون الحرم عندهم بمنزلة الحلّ (١).
حرم مكة بحدوده التي يعرف ما يجاورها بأدنى الحل له أحكام تسمو به فوق سائر البلاد أُوجزها لك وأخصُّ منها ما يلي:
أولاً: لا يدخل إليها أحدٌ إلّا بإحرام على خلاف في وجوبِ ذلك واستحبابهِ في حق من لم ينو حجاً أو عمرة، ما لم يكن من أصحاب المهن الذين يعملون من وإلى مكة ذاهبين آيبين كالحطابين والحشاشين والسائقين فلا يلزمهم الإحرام لا وجوباً ولا استحباباً. ومن الأدلة التي ذهب إليها إمامنا الشافعي في جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم ينو النسك ما رواه لنا مسلمٌ في صحيحه ـ ١٣٥٧ ـ وفيه أن النبيَّ ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه مغفر، وهو ما عنون له مسلمٌ بقوله: باب جواز دخول مكة بغير إحرام، كما عنون الإمام البخاري بقوله: "دخول الحرم ومكة بغير إحرام" (١٧٤٩).
ويلحق بهذه الفقرة وجود مواقيت لمكة خارج مكة لمن أراد حجاً أو عمرة، وكان آفاقياً، فلا يتجاوز أحد تلك المواقيت بنية النسك إلّا محرماً، وسنعرض لهذا لاحقاً بعون الله.
ثانياً: يحرم الصيد فيه على جميع الناس سواء أهلُ الحرم أو المحرمين أو المحلين، ما لم يكن إنسياً مأكولاً كالنَّعَمِ والدجاج وإن استوحش، كما يحرم تنفير الصيد أي إزعاجه وتنحيته عن موضعه، فإن فعل فقد عصى ولو لم يتلفه.
ثالثاً: يحرم قطع شجره وحشيشه إلّا الإذْخِرْ (٢).
رابعاً: لا يدخل بيتَ الله مُشرك لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا
стр. 85
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨] والنجاسة هنا للعقيدة وليس للإنسان بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [الإسراء ٧٠]، وبدليل أن النبي ﷺ قد ربط ثُمامة في مسجده الشريف وهو مشرك فلو كان نجس العين لما فعله، فالمشركون حين اعتدوا على صفاء التوحيد وأمانة العقيدة بالهبوط بهما إلى أوحال الوثنية ودجلها كان ذلك تنجيساً معنوياً لهما تماماً كما ينجسُ الثوب الرفيع إذا ما دُنِّس بوحل الطريق وروثه. لكن هل يلحق اليهود والنصارى بالمشركين في هذا المنع؟ كلام الشافعية صريح في ذلك فقد قال الإمام النووي في الأحكام التي يخالف فيها الحرم غيره من البلاد: " (الرابع) أنه يمنعُ جميعُ من خالف دين الإسلام من دخوله مقيماً كان أو مارّاً. هذا مذهبُ الشافعي وجماهير الفقهاء، وجوّزه أبو حنيفة مالم يستوطنوه" (١). وقال الإمام ابن حجر في تعليقه على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان: "أي للذمِّي لا للحربي" (٢). وبهذا المعنى جاءت عبارة الإمام القرطبي: "وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره، ولا يمنع من دخول المسجد الحرام إلّا المشركون وأهلُ الأوثان" (٣).
ثم قال القرطبي: "قال الكِيَا الطبريّ: ويجوز للذميِّ دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة. وقال الشافعي: تعتبر الحاجة، ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد
стр. 86
الحرام" (١).
ثم قال: "وقال عطاء بن أبي رباح: الحرم كله قبلة ومسجد، فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم، لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١] وإنما رُفع من بيت أُمِّ هانئ".
لكنَّ الإمام القرطبي الذي ساق مذهب أبي حنيفة لم يأخذ به بدليل تعليقه عليه بالعبارة التالية: "وهذا قولٌ يرده كل ما ذكرناه من الآية وغيرها" (١).
هذه هي خلاصة أبرز أقوال الفقهاء في المسألة، فالجمهور ألحقوا أهل الكتاب بالمشركين فمنعوهم من دخول مكة ولو لحاجة، واستدلوا على ذلك بالآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨]، فقال الشافعيُّ ﵀: الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام، فلا يمنعون من دخول غيره؛ فأباح دخول اليهودي والنصراني سائر المساجد (٢)، بينما قال أهل المدينة المنورة: الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد، وبهذا كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمّاله ونزع في كتابه بهذه الآية، وقد أيده من أيده بقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور ٣٦] فقالوا: دخول الكفار مناقض لترفيعها، كما أيدوه بقوله ﷺ : "لا أُحلُّ المسجد لحائض ولا لجُنُب" (٣) قالوا: والكافرُ جنب، فالعلة موجودة فيه وهي الجنابة،
стр. 87
والحرمة موجودة في المسجد أيِّ مسجد (١).
أما الإمام أبو حنيفة وأصحابه فأجازوا دخول اليهوديِّ والنصراني إلى مكة المكرمة فحافظو بهذا على ظاهرية لفظ: المشركين، في الآية، وظاهرية لفظ: المسجد الحرام، لكن استثنى الحنفية من ذلك مسألتي الاستيطان وأن لا يكون الكتابيُّ حربيَّاً.
قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: "والمراد بالمسجد الحرام ههنا (٢) الحرم كله، فلا يمكّن مشرك من دخول الحرم حتى لو جاء في رسالةٍ أو أمرٍ لا يمكَّن من الدخول، بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به" (٣).
خامساً: لا تحلُّ لقطة الحرم للتملك مهما كانت ضئيلة الثمن، فلا يحلُّ لأحدٍ ولو كان مُنشداً أن يتملكها بعد عام كما في سائر البلاد. قال الإمامُ النووي: "المنشدُ هو المعرِّف، وأمّا طالبها فيقالُ له: ناشد، وأصل النشد والإنشاد رفع الصوت" (٤).
وقال الإمام مالك: يجوز تملكها بعد تعرفها سنة كما في سائر البلاد، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. قال الإمام النووي بعد أن ساق ذلك: "ويتأولون الحديث تأويلات ضعيفة" (٥).
سادساً: تغليظ الدية بالقتل الخطأ فيه، بأن تصير مثلثة بعد أن كانت مخمسة (٦).
стр. 88
سابعاً: يحرم إخراج أحجاره وترابه إلى الحلّ، وإذا أُخرجت منه حَرُمَ الاستنجاء فيها، أما الاستنجاء بأحجار مكة فلا شيء فيه، كما يكرهُ إدخال أحجارِ الحلِّ إليه (١).
ثامناً: لا يصح ذبح الأنعام كفارات وهدايا إلّا به.
تاسعاً: ليس في مكة ومسجدها وقت كراهة لصلاة النافلة.
عاشراً: قال الإمام النووي: "إذا نذر قصْدَهُ لزمهُ الذهابُ إليه بحج أوْ عمرة بخلاف غيره من المساجد فإنه لا يجب الذهابُ إليه إذا نذره إلّا مسجد رسول الله ﷺ والمسجدَ الأقصى على أحد القولين فيهما" (٢).
وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في شرحه على كلام النووي: " (قوله على أحد القولين فيهما) المعتمد أنه لو نذر إتيان البيت الحرام أو الحرم أو بقعة منه أو بيت الله ونوى البيت الحرام لزمه الإتيانُ بحج أو بعمرة أو أن يأتي مسجد المدينة أو الأقصى أو غيرهما لم يلزمه" (٣).
الحادي عشر: تضاعف الأجر في الصلوات بمكة، وكذا سائر أنواع الطاعات، وفي المقابل بأنَّ السيآت تتضاعف أيضاً، لذلك كان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﷺ يقول: "ما مِنْ بَلدٍ يؤاخذ فيه العبدُ بالنية قبل العمل إلّا مكة، وكان يتلو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ
стр. 89
يُرِدِ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]. وقد علق الإمام الغزالي بقوله بعد أن ساق الخبر: "أي أنه على مجرد الإرادة" (١). وكان ابن عباس ﵁ يقول: الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم" (٢) وقيل: الكذب أيضاً (٣).
وقال ابن عباس أيضاً: "لأَن أُذنب سبعين ذنباً بركيّة أحب إليَّ من أن أذنب ذنباً واحداً بمكة" (٤) وركيَّة منزل بين الطائف ومكة. لهذا كرَّهَ بعض العلماء الإقامة بمكة، وهي كراهةٌ لا تتنافى مع فضل تلك البقعة؛ لأنَّ علتها القصور عن القيام بحق الموضع، فالمقام مع التبرم فيه تركه أوْلى، لذلك كان عمر بن الخطاب ﵁ يدفع الحجاج عن مكة إذا حجوا بقوله: يا أهل اليمن يمنكم، ويا أهل الشام شامكم، ويا أهل العراق عراقكم، كي لا تؤدي إلفة البيت إلى تسكين حرقة القلب في التعظيم له، ولإحياء باعث الشوق بالمفارقة، لما فيه من داعية العود تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]. أما من يؤدي في أرض الله الحرام حق المقام فلا كراهة في جانبه كما أفاده تحقيق إمامنا الغزاليّ في هذه المسألة (٥).
الثاني عشر: هناك خصوصية لمكة في قضية الحدود، فقد قال الإمام أبو حنيفة ﵁ وآخرون: إنْ كانت جناية القتل في الحرم استوفيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحلِّ ثم التجأ إلى الحرم لم يستوفَ منه فيه، ويلجأ إلى الخروج منه، فإذا خرج أُقيمت. هذا في
стр. 90
جناية قتل النفس كما أسلفنا، أما إنْ كانت دون النفس فإنه يقتص منه في مكة وإنْ دخل إليها.
وقال إمامنا الشافعي ﵁ وآخرون: حكم الحرم في هذا حكمُ غيره، فتقام فيه الحدود، ويستوفى فيه القصاص سواء كانت الجناية في الحرم أو في الحل ثم التجأ إلى الحرم (١). من أدلة الشافعية الأحاديث التي وردت في الصحاح في قتل الدواب الفواسق ومنها كل سبع يعقر، ومنها العقارب والأفاعي.
قال الإمام النووي: "وحجتنا عليهم هذه الأحاديث لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدواب في اسم الفسق، بل فسقه أفحش لكونه مكلفاً؛ ولأن التضييق الذي ذكروه لا يبقى لصاحبه أمان فقد خالفوا ظاهر ما فسروا به الآية" (٢).
الثالث عشر: يكره حمل السلاح بمكة لغير حاجة، فقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يحلُّ لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة" (٣). قال الإمام النووي: "هذا النهي إذا لم تكن حاجة فإن كانت جاز. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير. قال القاضي عياض: هذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كانت جاز" ثم قال: "وحجة الجمهور دخول النبي ﷺ عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب. ودخوله ﷺ عام الفتح متأهباً للقتال" (٤).
هذه هي مكة، الفضل فيها لا ينتهي، والقلم يعوزه المداد، كيف لا، وفيها بيت الله
стр. 91
في الأرض الذي يقال إنَّ موضعه خلق قبل خلق السموات والأرض (١).
كيف لا والنظر إليه عبادة، والطواف حوله تكليف، والاعتكاف في أرض مسجده تشريف.
كيف لا ورواية مجاهد تقول لنا إنه أحدُ أربعةَ عشر بيتاً في كل سماءٍ بيت، وفي كل أرض بيت بعضهنَّ مقابل بعض (٢).
كيف لا، وهو حرام بحرمة الله، وأحبُّ بلاد الله إلى الله، وأحبُّ البقاع إلى قلب رسول الله ﷺ .
كيف لا، والشيطان قد يئس أن يعبد في جنبات تلك الأرض المطهرة (٣).
كيف لا، ويقال إنه ما من نبي إلّا وحج بيت الله.
كيف لا، وفيه تسكب العبرات وتستجاب الدعوات كما في خطاب رسول الله ﷺ لسيدنا عليِّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، من روايةٍ من زيادة الحاكم، وهو ما يوثقه الواقع المشاهد في كل لحظة.
كيف لا، وقد اختارها الله لبناء بيته، ومولد خاتم أنبيائه، ومبعثه ﷺ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] فهي اختياره من البلاد (٤) تشريفاً لها وتكريماً،
стр. 92
ومحمد ﷺ اختياره من البشر تشريفاً له وتكريماً، وقد جعله فيها، وأنزل عليه خاتمة الرسالات فيها، وجعل شعاع النور يشع على الكون كله منها، وأوْجب على القادرين من عباده السعي إليها، من كل فج عميق، القريب منهم والبعيد عُرْبهم وعجمهم، وأن يدخلوها خاشعين متواضعين، كاشفي رؤوسهم متجردين من لباس أهل الدنيا، وما من بلد يجب على القادر السعي إليه إلّا مكة، فهي روضة المحبين، ومنسَك العابدين، ومهبط الرحمة والوحي والملائكة المكرَّمين، ومصعد الدعوات والحاجات والملائكة المطهرين، وهي مقدسة إلى حدّ أن المسلم منهي عن استقبالها واستدبارها وهو يقضي حاجته، ولو كان في أقصى الأرض.
مكة هذه حرم كبير للمسلمين خاصٌّ بعبادتهم وتوحيدهم ولقائهم تحت ظلال الرحمن فلا يجوز أن يشيد في جنباته معبد لغير المسلمين كما يروق لغلاة العلمانيين اليوم أن يطالب به؛ لأنها بمثابة مسجد واسع يضم وفود الأمة كلها في عبادة هي ركنٌ إسلامي لا يؤدّى إلّا على وجهٍ جماعي، وليت هؤلاء احتكموا إلى موازين الذوق والعقل معاً لما تجرّؤوا حينئذ على إطلاق هذا الهراء، فالعقل والذوق يقولان: كل مكان له خصوصيةٌ تلازمه لا يجوز لأحدٍ أن يخدش تلك الخصوصية، وإلا كان ذلك استفزازاً يدعو إلى فتنة نائمة لعناتُ الله تنصب على من يوقظها. وبوسعي أن أسأل هذا الذي استباح لنفسه هذا المطلب على قناة فضائية عربية تحمل اسم جزيرة العرب التي نسبة المسلمين فيها ١٠٠%: ما فائدة أن يبنى في مكة معبد لغير المسلمين وليس في المكان فردٌ واحد غير مسلم؟
وهل يجيز عرف العقلاء، وذوق الصلحاء إصرار زيدٍ من الناس على بناء معبد في
стр. 93
الفاتيكان أو آخر في مراكز طقوس بوذا، أو ثالث في كنيس يهودي (١)، وفيه ما يناقض اعتقاد هذا أو ذاك أو ذاك؟ لا نرضى ولا يرضى معنا كل موضوعيِّ الدنيا، وليس في رفضنا ما يُعارض حرية الأديان، وإنما يتماشى مع سلامة التعايش السلمي بين أتباع الديانات فوق هذه الأرض، وحفاظاً على أمن وقدسية المكان الذي نعتقد جازمين تلك القدسية والرفعة المرموقة فيه، لهذا لا نفتأ نقول: اللهمّ زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وبرّاً، وزد مَن شرَّفه وعظَّمه ممَّن حجه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً وبرَّاً (٢).
اللهمّ! لا تجعلنا لقَدْر بيتك من الزاهدين، ولا عن قدسية بقعته من الغافلين، وأعطنا شهادة تلك البقاع الطاهرة لنا بالخير والطاعة، وأعنَّا لننأى فيها عن الجدال والخصام وسائر الآثام.
اللهمّ! احشرنا مع المؤمنين يوم تُزفّ الكعبة كالعروس، لنتعلق بأستارها، ونسعى حولها حتى تدخل بنا جنة عرضها السمواتُ والأرض أُعدَّت للمتّقين (٣).
إنّ أصحابَ الدعوات الحاقدة إذا كانوا يظنون أنهم بما تتفوّه به ألسنتهم سينالون من هذا البيت وقدسيته، فإنني أردُّهم هنا إلى كلامٍ صاغه في يومه شيخ الإسلام ابنُ تيميه في بيان رفعة هذا البيت وتعظيمه من قوله: "كذلك ما خصَّ به البيت الحرام من حين بناه إبراهيم إلى هذا
стр. 94
الوقت من تعظيمه وتوقيره وإنجذاب القلوب إليه، ومن المعلوم أنّ الملوك وغيرهم يبنون الحصون والمدائن، والقصور بالآلات العظيمةِ البناءَ المحكم، ثم لا يلبث أن ينهدم ويُهان، والكعبة بيت مبني من حجارة سود بواد غير ذي زرع، ليس عنده ما تشتهيه النفوس من البساتين والمياه وغيرها، ولا عنده عسكر يحميه من الأعداء، ولا في طريقه من الشهوات ما تشتهيه الأنفس، بل كثيراً ما يكون في طريقه من الخوف والتعب والعطش والجوع ما لا يعلمه إلّا الله، ومع هذا فقد جعل الله من أفئدة الناس التي تهوي إليه ما لا يعلمه إلّا الله.
وقد جعل للبيت من العزّ والشرف والعظمة ما أذلَّ به رقاب أهل الأرض حتى تقصده عظماء الملوك ورؤساء الجبابرة، ومن ثم نجدهم هناك في الذلِّ والمسكنة كآحاد الناس!
وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه خارج عن قدرة البشر، وقِوى نفوسهم، وأبدانهم والذي بناه قد مات من آلاف السنين (١).
* * *
стр. 95
حجّةِ الوداع
نصُّ حجّةِ الوداع كما رواها الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁
قال الإمام مسلم في صحيحه: "حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن حاتِمٍ قال أبو بكر: حدثنا حاتِمُ بنُ إسماعيل المدنيُّ عن
جعفرِ بن محمدٍ عن أبيه قال:
دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ: فقلتُ: ... ":
من أبرز ما يميز عصر السلف الصالح حرصهم على طلب العلم والتثبت منه، وهو ما يظهر جلياً من اللوحة التي يرسمها لنا هذا النص المثبت في صحيح الإمام مسلم عليه رحماتُ الله، في حكايته لنا عن طائفة دخلت على مجلس جابر بن عبد الله الصحابي الجليل الذي شهد حجة الوداع مع من شهدها من الصحب الكرام، وها هو يقصده الناس من كل صوب لمعرفة كل تفصيلاتها، والاستفسار عن أحداثها ومواقعها وأزمنة أدائها وما إلى ذلك من دقائق.
إنَّ العلم هو أول محطة في طريق الوصول إلى الله؛ لأنّ الذي لا يملك خريطة عن إحداثيات الخط الذي يسير فيه إلى هدفه، يخطئ القصد، ويضل السبيل، فيقع في المحظور بسبب جهله وهو لا يدري.
هذا هو الدرس الأول الذي نستفيده من هذا الحديث الجليل، وهذه هي الوصية الأُولى التي أتوجّه بها إلى كلّ من يَقصدُ الحج إلى بيت الله الحرام، فكم من مسلمٍ يستعدُّ
стр. 96
لهذه الفريضة من خلال البحث فقط عن الأوراق الرسمية! والسؤال عن وسيلة النقل! وموقع السكن! ونوعية الخدمات! في الوقت الذي ينشغل فيه تماماً عن تلقي الدروس العلمية في محيط هذه الفريضة، ويقصر في الاستفسار عن توثقه من علم وورع أمير القافلة التي هي محلّ اختيار هذا المسلم الغافل! ثم إذا أحسن الاختيار فإنه يُقدِّم الأعذار الواهية والمتتالية ليتخلف عن الدروس التمهيدية بين يدي هذه الفريضة! وكم يؤلمني عندما يصادفني أمثال هذا من المخلَّفين عن أهم حلْقة في هذه الرحلة العظيمة، وكم يزدادُ غضبي عندما يتقدم إليّ أحدهم بطلب تقرير عن كافة أفكار اللقاءات المتكررة معتذراً عن متابعة الدروس التحضيرية بنفسه! ! .
الحج إلى بيت الله الحرام ركنٌ أساسٌ في البناء الإسلامي الشاهق، يؤديه المسلم في زمانٍ مخصوص، ومكانٍ مخصوص، وعلى وجهٍ مخصوص، ضمن خطوطٍ محكمة تتفرع عنها جداول ثابتة تلتقي معها على تجسيد هذه الفريضة في كل عام، فهل يمكن الدخول في خضم هذا الركن القائم على الخصوصية في زمانه ومكانه وأدائه دون إدراك ما يقوم عليه الحج من أركان وواجبات وآداب؟
هذا هو المعنى الذي ترسخ في أذهان ووجدان سلفنا الصالح في حين غفلت عنه أُمتنا اليوم، ولو لم يكن ذلك صحيحاً لما قال لنا رسول الله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (١)، ولما أجهد صحابة رسول الله ﷺ أنفسهم في البحث عمّن شهد الحج مع رسول الله ﷺ ، ولما تكلفوا مشقة السؤال عن طريقة فعل رسول الله ﷺ لفريضة الركن الخامس، بل لو لم يكن ذلك كذلك لما انكبَّ العلماء على هذا الحديث - الذي تفرد
стр. 97
مسلم بروايته دون البخاري - قراءة وبحثاً واجتهاداً وتأليفاً، حتى صنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءاً كبيراً خرج منه بمائة ونيف وخمسين نوعاً من الأحكام الفقهية، ناهيك عن تصنيف النووي في شرحه على صحيح مسلم، ومصنفات أخرى في هذه الفريضة على مذاهب الأئمة الأجلاّء بين مختصر وموسع ومتوسّع تعد بالآلاف (١).
وبهذه المناسبة فإنني أستحضر من تاريخنا المعاصر صورة توضيحية عن رجل اشتهر بالعلم والعمل والإخلاص، ذلكم هو العلامة مُلاّ رمضان البوطي الفقيه الشافعي، الذي لم يحجزه علمه عن الاستعداد للحج بطلب أحكامه من مصادرها الموثوقة قبل الرحلة إليه بأربعة أشهر! فما قولك فيمن لا علم له بشيء من أحكام هذه الفريضة الجماعية ثم يعتذر بسبب دنياه؟ ! .
قال الإمام النووي في كتابه "الإيضاح في مناسك الحج": "يجب عليه إذا أراد الحج أن يتعلم كيفيته، وهذا فرض عين، إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها، ويستحب أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في المناسك جامعاً لمقاصدها وأن يديم مطالعته ويكرِّرها في جميع طريقه لتصير محقَّقَة عنده، ومَن أخلَّ بهذا خِفْنَا عليه أن يرجع بغير حجٍّ لإخلاله بشرط من شروطه أو ركن من أركانه أو نحو ذلك، وربّما قلّد كثير من الناس
стр. 98
بعض عوامِّ مكة وتوهّم أنهم يعرفون المناسك فاغترّ بهم وذلك خطأ فاحش" (١).
ثم قال في الفقرة التالية كلاماً يدخل في هذا السياق وإن كان مقصوده شيئاً آخر:
"ينبغي أن يطلب له رفيقاً موافقاً راغباً في الخير كارهاً للشرِّ إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإنْ تيسَّر مع هذا كونه من العلماء العاملين فليتمسكْ به فإنه يعينه على مبارِّ الحج ومكارم الأخلاق ... " (٢).
* * *
стр. 99
في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة
قال الإمام مسلم قال جابر: "فقلتُ: أنا محمدُ بنُ عليّ بنِ حُسينٍ، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زِرِّي الأعلى، ثم نزع زِرِّي الأسفل، ثم وضع كفّه بين ثَدْييّ، وأنا يومئذٍ غلامٌ شاب، فقال: مرحباً بك يا ابن أخي سلْ عمّا شئت، فسألته وهو أعمى، وحضر وقتُ الصلاة، فقام في نِساجةٍ (١) ملتحفاً بها، كلّما وضعها على مَنْكِبِهِ رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المِشْجَب، فصلّى بنا فقلتُ: أخبرني عن حِجة رسول الله ﷺ ... " (٢).
قال الإمام النووي في شرحه على هذا الحديث:
"هذه القطعة فيها فوائد: منها أنه يستحب لمن ورد عليه زائرون أو ضيفان ونحوهم أن يسأل عنهم لينزلهم، كما جاء في حديث عائشة ﵂: أمرنا رسول الله ﷺ أنْ نُنْزل الناس منازلهم، وفيه إكرامُ أهل بيت رسول الله ﷺ كما فعل جابرُ بمحمد بن علي، ومنها استحبابُ قوله للزائر والضيف ونحوهما: مرحباً، ومنها ملاطفة الزائر بما يليقُ به وتأنيسه، وهذا سببُ حلِّ زِرَّي محمد بن عليّ ووضع يده على
стр. 100
ثدييه. وقوله: وأنا يومئذ غلامٌ شاب فيه تنبيه على أنّ سببَ فعل جابر ذلك التأنيس لكونه صغيراً، وأمّا الرجل فلا يحسن إدخال اليد في جيبه والمسح بين ثدييه، ومنها جوازُ إمامة الأعمى البصراء، ولا خلاف في جواز ذلك، لكن اختلفوا في الأفضل على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوْجهٍ لأصحابنا: أحدها إمامةُ الأعمى أفضل من إمامة البصير لأنّ الأعمى أكمل خشوعاً لعدم نظره إلى الملهيات، والثاني البصير أفضل لأنه أكثر احترازاً من النجاسات، والثالث هما سواء لتعادل فضيلتهما، وهذا الثالث هو الأصح عند أصحابنا، وهو نصُّ الشافعي. ومنها أنّ صاحب البيت أحقُّ بالإمامة من غيره، ومنها جواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن من الزيادة عليه، ومنها جواز تسمية الثدي للرجل، وفيه خلافٌ لأهل اللغة ... " (١).
* * *
стр. 101
متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام ؟
قال الإمام مسلم قال جابر: "فقال بيده فعقد تسعاً فقال: إنّ رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة أنّ رسول الله ﷺ حاجّ ... ":
الصحيح الذي عليه أكثر العلماء أنّ الحج فرض في أواخر سنة تسع من الهجرة (١)، وأنّ آية فرضه هي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧]، نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع، وأنّ رسول الله ﷺ لم يؤخره بعد أن فرضه ربه عليه ولو عاماً واحداً، وما تأخير أداء فريضة الحج إلى السنة العاشرة من الهجرة إلّا بسبب نزول الآية الآنفة الذكر بعد انقضاء الزمن المضروب للحج، وبهذا يكون صلوات الله وسلامه عليه قد حجّ مرة واحدة بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة، سنة عشر للهجرة كما روى الإمام أحمد والإمام مسلم (٢).
وفي إعلام رسول الله ﷺ أصحابه أنه قاصدٌ بيت الله الحرام تأكيد جديد على ما تقدمت به في وصيتي الأُولى، وهي التأهُّبُ لأداء هذه الفريضة وفق سنن النبي ﷺ في أقواله وأفعاله، فها هو يؤذن بينهم بالحج ليبلغ الشاهد الغائب فتشيع دعوة أكبر تجمع إسلامي يضم ألوان الطيف المتعددة في هذه الأمة.
стр. 102
طاعة المحبين
قال مسلم: قال جابر: "فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أنْ يأْتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله":
هذه الفقرة تعكس لنا استجابة صحابة رسول الله ﷺ لتعليماته الصادرة في أمرِ الحج: "خذوا عني مناسككم"، فالجميع يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، والكل حريص أن يعملَ مثل عمله صلوات الله وسلامه عليه.
* * *
стр. 103
النظافة من أصول حضارة الإسلام
قال مسلم: قال جابر: "فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولَدت أسماء بنتُ عُمَيس محمدَ بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري (١) بثوب وأحرمي":
الإسلام دين يأخذ على عاتقه أُصول الحضارة والمدنية، ومن ذلك تبنيه لمبدأ النظافة خاصة عند اجتماع القوم، لهذا شرّع رسول الله ﷺ لتلك المرأة النفساء غسل الإحرام مع ما ينافيه دم النفاس من صحة الطواف، والحكمة هي تأكيد هذا المعنى استعداداً لعبادة الحج. من هنا أخذ الفقهاء استحباب غسل الإحرام للنفساء، وصحة إحرام النفساء أيضاً. وهذا من المسائل المجمع عليها.
* * *
стр. 104
مخطط مواقيت الإحرام وبداخلها منطقة الحرم مع الطرق المؤدية لهما
стр. 105
مواقيت الإحرام
قال مسلم: قال جابر: "فصلّى رسول الله ﷺ في المسجد":
المسلم الذي يريدُ حجاً أو عمرة عليه أن يتوجّه إلى أحد المواقيت التي حدَّدها لنا رسول الله ﷺ في طريقنا إلى مكة، فقد روى الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يلملم. وقال: هُنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غيرهنّ ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهلُ مكة من مكّة" (١).
فالجحفة تقع قرب ساحل البحر الأحمر وسط الطريق بين مكة والمدينة على بعد ١٨٧ كم عن مكة وقد خربت الآن واندثرت وحجاج الشام ومصر والمغرب وتركيا عندما يسلكون هذه الجهة يحرمون اليوم من مكان قريب منها يقال له: رابغ يبعد عن مكة ٢٢٠ كم.
وميقات أهل نجد قرن المنازل: هذا الميقات يشمل كذلك بلاد الخليج العربي، وغيرهم من القادمين من طريق الرياض الطائف، إلى مكة المكرمة. ونظراً إلى وجود طريقين رئيسيين اليوم تربطان الرياض بأرض الحرم، فقد تم تحديد نقطتين للإحرام هناك، لا نقطة واحدة، وذلك ببناء مسجدين: أحدهما يعرف بمسجد ميقات السيل الكبير، ويقع على بعد ٨٠ كم عن المسجد الحرام، إلى الجهة الشمالية من بلدة السيل
стр. 106
الكبير وعلى بعد ٤٠ كم شمالي مدينة الطائف.
والآخر يدعى مسجد وادي محرم، ويعرف أيضاً بميقات قرن المنازل، ويقع إلى الجهة الجنوبية من مسجد السيل الكبير على بعد ٧٦ كم عن المسجد الحرام، من طريق الهدا، ومسافة ١٠ كم من مدينة الطائف وبين الميقاتين حوالي ٣٣ كم (١).
ومن الأحداث الهامة التي وقعت في قرن المنازل، ما رواه الشيخان عن عروة بن الزبير أنّ عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حدَّثته أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليكَ يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومكِ ما لقيتُ، وكان أشدُّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذْ عرضتُ نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كَلال فلم يجبني إلى ما أرَدْت، فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفقْ إلّا وأنا بقرن الثعالب (٢)، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرْتُ فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث الله إليكَ ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملكُ الجبال، وسلّم عليَّ ثم قال: يا محمد إنَّ الله قد سمع قول قومكَ لكَ، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثني ربُّكَ إليكَ لتأمُرَني بأمركَ فيما شئت. إنْ شئت أن أُطْبِقَ
стр. 107
عليهم الأَخْشَبين" (١)، فقال له رسول الله ﷺ : "بل أرْجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم من يعبد الله وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئاً" (٢).
ويلملم (السعدية) جبل من بلاد تهامة أيضاً قريب من مكة يبعد عنها ١٠٠ كم.
وذات عِرْق ميقات منسوب إلى جبل يعلوه عِرْق أسود، وقمته هي الأعلى في منطقته وهو الآن يعرف بالضريبة (٣)، وهو يبعد عن مكة ٩٠ كم.
أوّل من خط ميقات العراقيين هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، بدليل ما أخرجه البخاريّ في صحيحه عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "لما فُتِحَ هذانِ المِصرانِ (٤) أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنّ رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قَرْناً، وهو جَوْرٌ عن طريقنا (٥)، وإنّا إنْ أرَدْنا قرْناً شقَّ علينا، قال: فانظروا حَذْوَها من طريقكم، فحدّ لهم ذاتَ عِرْق" (٦).
أما ذو الحليفة فإنها تبعد عن المدينة المنورة ٧ كم وتبعد عن مكة زهاء ٤٤٠ كم وهي تُعرف اليوم بأبيار علي، وقد اتخذ رسول الله ﷺ من موقفه فيها مسجداً يعرف إلى اليوم بمسجد ذي الحليفة، لذلك جاء في متن حديث جابر: "فصلَّى رسول الله ﷺ في
стр. 108
المسجد" أي في ميقات ذي الحليفة الذي اتُّخذ فيه منذ ذلك الحين مسجدٌ لأداء صلاة الإحرام، وسائر الصلوات.
ولقد روى لنا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ أناخ بعيره بالبطحاء بذي الحليفة، فصلّى بها، وكان عبد الله بن عمر ﵄ يفعل ذلك ... " (١).
كما روى الشيخان عن ابن عمر ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة (٢)، ويدخل من طريق المعرَّس (٣)، وأنَّ رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة يصلّي في مسجد الشَّجرة (٤)، وإذا رجع صلّى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح" (٥).
كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الإحرام بذي الحليفة إذا أراد حجاً أو عمرةً لما روى البخاري عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج" (٦). قال الشافعية: ويجزئ عنهما الفريضة والنافلة، لكن إن نواهما أي من المذكور حصل له الثواب فإن لم ينوهما سقط عنه الطلب بهما (٧).
والسنة أن يحرم بعد ركعتي الإحرام حيث تنبعث به راحلته أو حافلته للتوجه إلى
стр. 109
مكة وهو ما يزال في الميقات، وذلك عملاً بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه برقم (١١٨٧/ ٢٧)، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة: يحرم المسلم عقب صلاة الإحرام، وهو جالس في المسجد قبل ركوب دابته، وقبل قيامه. قال الإمام النووي: "وهو قولٌ ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف" (١).
وفي هذا دلالة واضحة على استحباب ركعتي الإحرام لمن أراد حجاً أو عمرة، وأن تصليا في الميقات، كما يُظهر لنا النص فضيلة الإحرام من الميقات وأنّه مقدَّم على الإحرام من دُوَيْرة أهله، بدليل أنّ نبيَّنا محمداً ﵊ ترك الإحرام من مسجده مع كمال شرفه، وشرف الصلاة فيه، وآثر عليه مسجد ذي الحليفة فدلَّ على الفضيلة كما نصّ على ذلك الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (٢).
في جانب الإحرام ترتبط مسألة أُخرى هي غاية في الأهمية ألا وهي تحريم الإحرام بعد جواز الميقات، فمن أراد النسك لم يجز له أن يحرم بعد مجاوزة الميقات الذي ضربه لنا رسول الله ﷺ ، فإنْ فعل فأحرم بعد أن تجاوزه فيلزمه العود ليحرم منه، وتصح عودته ما لم يصل الحرم ويتلبس بنسك فإنْ عاد قبل تلبسه وأحرم من جديد، سقط عنه الدم (٣).
روى لنا مسلم في صحيحه عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه ﵁ يقول: "بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها. ما أهلّ رسول الله ﷺ إلّا من عند المسجد
стр. 110
يعني ذا الحليفة" (١) وفي رواية: "إلّا من عند الشجرة حين قام بعيره" (٢). قال الإمام النووي: "هذه البيداء هي الشَّرَفَ الذي قُدَّام ذي الحليفة إلى جهة مكة، وهي بقرب ذي الحليفة، وسميت بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر، وكلُّ مفازة تسمى بيداء، وأما ها هنا فالمراد بالبيداء ما ذكرناه. وقوله تكذبون فيها أي تقولون إنه ﷺ أحرم منها، ولم يحرم منها، وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذي الحليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك، وكانت عند المسجد، وسمّاهم ابن عمر كاذبين لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو" (٣).
فالقول الذي اعتمده جمهور الفقهاء خلافاً للحنفية، هو أنّ الإحرام من الميقات أفضلُ من أيِّ موضعٍ قبلَه ولو كان المسجد النبوي أو الأقصى؛ لأن هذا هو الموافق للأحاديث الصحيحة، ولفعل النبي ﷺ وأصحابه، فقد أحرموا من الميقات بالإجماع، وكذا في عمرة الحديبية أحرم من الميقات أيضاً كما رواه البخاري في المغازي؛ ولأن في مصابرة الإحرام بالتقدم عن الميقات تعسيراً وتغريراً بالعبادة، وإن كان ذلك جائزاً بالاتفاق. أما الحديث الذي رواه ابن ماجة: "من أهلّ بعمرة من بيت المقدس غفر له" والذي رواه أحمد وأبو داود عن أم سلمة، وذكره الإمام محمد بن عليّ الشوكاني في نيل الأوطار، فإنه ضعيف (٤).