حجر الهيتمي الشافعي: "قوله والتبسط في ألوان الأطعمة، محله كما هو ظاهر، وعليه يدل سياقه فيما إذا كان يفعل ذلك لنفسه بلا عذر، أما لغيره لعذر فلا بأس به، بل قد يتأكد في حق ضيف وغيره، ولا يبعد كراهة نحو الترفه (١) له بعد الإحرام نظير الصائم" (٢).
فالتواضع في مسيرة الحج إلى بيت الله الحرام عنوان، يتناسب مع الحاج القاصد لوجه ربّه الكريم، في رحاب المعبد الإسلامي التوحيدي الكبير، لكن هل يتعارض ذلك مع ركوب الطائرات من باب أنّ رسول الله ﷺ كانت راحلته زاملتَه؟
ركوب الطائرات، وما توفره من خدمات جليلة لضيوف الرحمن، وفي مقدمتها سهولة الوصول، وسرعة القدوم بما يحفظ الوقت الثمين، أمر طيب ومحبب لاسيما وأن الوقت هو رأس المال النفيس الذي حرص الإسلام على استثماره وتوظيفه في بناء الحضارة الإسلامية فوق هذه الأرض مما يجعلني أجزم أنه لا يمكن العثور على فقيه يختلف معي في أنّ امتطاء صهوة هذا المركب المستحدث لا يعد لوناً من الرفاهية التي تتعارض مع تواضع الوسيلة والغاية في مدرسة هذا البناء الشامخ، لاسيما وأنها تنسجم مع شرط من شروط هذه الرحلة وهو أمن الطريق؛ حيث تعد خطوط السفر الجوي
стр. 492
أكثر الوسائل أمناً وأقلها تعرضاً للخطورة كما أنها تتراجع بصحبتها مظاهر الإذلال التي ترافق معظم المنافذ الحدودية البرية على طول الكرة الأرضية وعرضها.
ثم أليس للطائرات فضيلة تسهيل وصول وفد الله من كل بقاع الأرض إلى حرمه الآمن، أما النفقات الباهظة التي ترافق هذه الوسيلة فإنها تتواضع أمام هذه الثمار اليانعة خصوصاً الأمان والوقت، كما أنها تصب في الجهاد المالي الذي لا تتم مناسك الحج من غيره.
النقطة الأخيرة التي تسجل هنا أن النقل بالجو أصبح سمة العصر وجزءاً لا يتجزأ من التواصل بين مدنه وقاراته في حركة حياتنا اليومية، يقصده الغني والفقير على حدٍّ سواء مما ينفي صفة الترفه التي لا تليق بتواضع هذه الفريضة وغاياتها، أما الإشكال الذي قد يُحدثه كلام النووي من استحباب القَتَبِ والرَّحْل دون الهودج؛ لأن راحلة رسول الله ﷺ كانت زاملته فلا يتعارض مع ما سبق بيانه لماذا؟ ؛ لأن الفقهاء لم يكونوا حرفيين في التعامل مع النصوص فقد راعى اجتهادهم مثلاً عادة المرأة في سفرها الدنيوي فقالوا بمثله في سفر الحج، ومن المعلوم أن ذلك يختلف بين امرأة وأُخرى بتأثير البيئة والتقاليد والثقافة، لذلك قال الإمام العلامة الخطيب الشربيني فيما نقله عن الأذرعي: "وغاية الرفق أن يسلك في العبادة مسلك العادة، فإنّ كثيراً من نساء الأعراب والأكراد والتركمان كالرجال فإنّ الواحدة منهنّ تركب الخيل في السفر الطويل بلا مشقة" (١) اهـ.
أقول: فإذا كان لاختلاف المكان والقوم والظروف الاجتماعية والمناخية أثر في رؤية الفقهاء مع أن الزمان واحد، فكيف لا يكون لزمانين مختلفين، وبيئتين متباعدتين أثر في
стр. 493
ذلك، والحق أن رسول الله ﷺ لو كان بيننا اليوم لما توانى عن ركوب الطائرات، ولكانت طائرته زاملته، لاسيما وأنّ أُمته مجمعة على ذلك، وهو ﷺ مَن علّمنا أن أمة الإسلام لا تجتمع على ضلالة، وأنها معصومة عن الخطأ والزلل إن أجمع فقهاؤها قاطبة على أمرٍ ما (١).
* * *
стр. 494
خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه
قال جابر ﵁: "ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة، فأتى بني عبد المطلب يسقُوْنَ على زمزم، فقال: انْزِعُوْا بني عبد المطلب، فلولا أن يَغْلِبَكُمُ الناسُ على سقايتكم لنَزَعْتُ مَعَكُم، فناولوه دَلْوَاً فَشَرِبَ منه":
هذا النصّ الخاتم من كلام جابر ﵁ سأدع الحديث فيه لإمامنا المتفق على قدوته في العلم والورع والفهم والإحاطة، الذي صاحبنا متفضلاً في هذا البحث المتواضع، منذ بدايته لذلك أحببتُ منشرح الصدر أن يقع بكلام العلامة النووي مسك الختام، لعلّ ربي يكتب لهذا السفر القبول بنفحة إخلاصه، وإخلاص أمثاله من الأئمة الأوفياء الأعلام (١).
قال الإمام العلامة أبو زكريا يحيى بن شرف النووي:
"قوله: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلّى بمكة الظهر" هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين، وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر، وأفضله بعد رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي والحلق ويكون ذلك ضحوة يوم النحر، ويجوز في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة، ولا آخر لوقته، بل يصح ما دام الإنسان حياً، وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف ليلة
стр. 495
النحر قبل الوقوف، ثم أسرع إلى عرفات فوقف قبل الفجر لم يصح طوافه؛ لأنه قدمه على الوقوف.
واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الإفاضة رمل ولا اضطباع إذا كان قد رمل واضطبع عقب طواف القدوم.
ولو طاف بنية الوداع أو القدوم أو التطوّع وعليه طواف إفاضة وقع عن طواف الإفاضة بلا خلاف عندنا، نصّ عليه الشافعي، واتفق الأصحاب عليه كما لو كان عليه حجة الإسلام فحج بنية قضاء أو نذر أو تطوّع فإنه يقع عن حجة الإسلام، وقال أبو حنيفة وأكثر العلماء: لا يجزي طواف الإفاضة بنية غيره.
واعلم أنّ طواف الإفاضة له أسماء، فيقال أيضاً طواف الزيارة، وطواف الفرض والركن، سماه بعض أصحابنا طواف الصدر، وأنكره الجمهور، قالوا: وإنما طواف الصدر طواف الوداع، والله أعلم.
وفي هذا الحديث استحباب الركوب في الذهاب من منى إلى مكة، ومن مكة إلى منى ونحو ذلك من مناسك الحج، وقد ذكرنا قبل هذا مرات المسألة، وبيَّنّا أنّ الصحيح استحباب الركوب، وأنّ من أصحابنا من استحبّ المشي هناك" (١).
كما قال الشيخ محيي الدين يحيى بن شرف النووي بعد ذلك:
وقوله: "فأفاض إلى البيت فصلى الظهر" فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه، وأما قوله: "فصلى بمكة الظهر" فقد ذكر مسلم بعد هذا في أحاديث طواف الإفاضة من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر فصلى الظهر بمنى ووجهه الجمع بينهما أنه
стр. 496
- ﷺ طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى وهذا كما ثبت في الصحيحين في صلاته ﷺ ببطن نخل أحدُ أنواع صلاة الخوف فإنه ﷺ صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها وسلم بهم ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك الصلاة مرة أُخرى فكانت لهم صلاتان وله صلاة وأما الحديث الوارد عن عائشة وغيرها أن النبي ﷺ أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث وقد بسطت إيضاح هذا الجواب في شرح المهذب والله أعلم" (١).
كمال قال الإمام النووي عقب هذا:
"قوله فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال انْزِعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلواً فشرب منه" أما قوله ﷺ انزِعوا فبكسر الزاي ومعناه استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء (٢). وأما قوله فأتى بني عبد المطلب فمعناه لولا خوفي أن يعتقد الناس أن ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء وفيه فضيلة العمل في هذا الاستقاء، واستحباب شرب ماء زمزم فهي البئر المشهورة في المسسجد الحرام بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعاً (٣) قيل: سميت زمزم لكثرة مائها يقال: ماء زمزم وزمازم إذا كان كثيراً وقيل: لضم هاجر ﵂ لمائها حين
стр. 497
انفجرت وزمها إياه. وقيل: لزمزمة جبريل ﵇ وكلامه عند فجره إياها. وقيل: إنها غير مشتقة ولها أسماء أخر ذكرتها في تهذيب اللغات مع نفائس أخرى تتعلق بها منها أن علياً ﵁ قال: خير بئر في الأرض زمزم وشر بئر في الأرض بَرَهَوْتُ والله أعلم" (١).
وفي ذيل مسك الختام لا أملك إلّا أن أنظر بعمق في هذا الذي ساقه جابر في حديثه في آخر ما رواه عن رسول الله ﷺ مستعرضاً من خلاله ما ورد فيه من أحاديث، وما نقل في فضله من روايات، وما جاء في حكمه من مسائل وأشياء أخرى تدندن حول هذا الموضوع وتصب في مجراه:
أول ما أبدأ مقالتي به ما ورد عن زمزم من كلام جابر عن رسول الله ﷺ حين قال:
"فصلى بمكة الظهر فأتى بني المطلب يسقون على زمزم فقال انزعِوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلواً فشرب منه".
وثاني ما أعرج عليه ما رواه أحمد في مسنده عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: جاء النبي ﷺ إلى زمزم فنزعنا له دلواً فشرب، ثم مجّ فيها، ثم أفرغناها في زمزم، ثم قال: لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي" (٢).
وبهذا نعلم أن ماء زمزم اجتمع فيه ما ورد في فضله من الخير واليمن، وما جاء في هذا الحديث من مخالطة ريق رسول الله ﷺ الشريف لمائه المبارك بعد أن حلّ فيه، وبهذا ينال من يأتي بعده من أمته نصيباً من سؤر المصطفى ﵁، وبركة طهوره.
وفي قصة إسلام أبي ذر الغفاري أكثر من شاهد صحيح على فضل ماء زمزم فقد
стр. 498
روى الإمام مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة عن أبي ذر أنه دخل مكة وجلس فيها زمناً طويلاً حتى قدم رسول الله ﷺ فكان أول من استلمه وحياه، وهاكَ الحديث ابتداء من هذا الجزء منه " ... وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه (١)، ثم صلّى، فلما قضى صلاته قال أبو ذر: فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام قال: فقلت: السلام عليك يارسول الله فقال: وعليك رحمة الله: ثم قال: من أنت؟ قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت: في نفسي كره أن انتميتُ إلى غفار فذهبتُ آخذُ بيده فَقَدعَني صاحبه (٢) وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه ثم قال: متى كنت ههنا؟ قال: قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين ليلةٍ ويومٍ قال: فمن كان يطعمك قال: ما كان لي طعام إلّا ماء زمزم فسمنت حتى تكَسَّرَتْ عُكَنُ بطني (٣) وما أجد على كبدي سُخْفَةَ جوع (٤). قال: "إنها مباركة إنها طعام طعم (٥) " (٦)
فقال رسول الله: يارسول الله ائذن لي في طعامه الليلة ... " (٧)
إذن ظلَّ الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة ﵁ في مكة المكرمة ثلاثين يوماً وليلة وليس في حوزته طعام ولا شراب إلّا ماء زمزم ومع ذلك فقد سمن
стр. 499
حتى بدت تثنياتُ بطنه فهل فوق هذا من فضل وخصوصية لهذا الماء في حق شاربيه.
أما سيدنا رسول الله ﷺ فقد أجاب بما يوافق كلام أبي ذر حين صرح في حديثه الشريف بأن ماء زمزم بالفعل بمنزلة الطعام لمن لم يطعم سواه ورديف للطعام في حق من جمع بينهما.
هذا المعنى النبوي توثيق لما كان اشتهر بين أهل مكة قبل الإسلام من إطلاق لقب الشَّبَّاعة على بئر زمزم وفي هذا أنشد العلامة الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الله الشهير بابن ناصر الدين الدمشقي المتوفى سنة ٨٤٢ هـ رحمه الله تعالى:
بيرٌ مباركةٌ وبيرٌ طيْبَةٌ ... شَبّاعةُ أُمِّ العيال وزمزمُ (١)
أي تسمى زمزماً وشَّباعة وبئراً طيبة وهكذا.
وبهذا المعنى روى الطبراني عن أبي الطفيل عن ابن عباس ﵄ قال سمعته يقول: "كنا نسميها شبَّاعةً ـ يعني زمزم ـ وكنا نجدها نعم العون على العيال" (٢).
فالسقاية من زمزم سنه ثابتة عن رسول الله ﷺ وهي لبني المطلب حق وشرف لاينزعها منهم إلّا ظالم وهو ما دفع أبا السائب ليقول "اشربوا من سقاية العباس فإنه من السنة" (٣).
إن ماء زمزم هو خير ماء على وجه الأرض على الإطلاق بالنص الصحيح على ذلك من جهة الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى علمه شديد القوى. روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "خير ماء على وجه الارض ماء زمزم فيه طعام الطعم وشفاء السقم ... " (٤).
стр. 500
ثم ألا يكفي أن ندرك فضل ماء زمزم من كونها نبعت في أقدس بقعة على وجه الدنيا أرض التوحيد أرض الإيمان أرض المعبد الإسلامي الكبير الذي اتخذه ربّ العالمين له بيتاً يؤمه ضيوف الرحمن من سائر أرض الدنيا.
ألا يعني لنا الكثير أنها ظهرت بواسطة الأمين جبريل ﵇ وهو ما يجليه لنا الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه أن هاجر ﵍ وهي تبحث عن ماء مترددة بين الصفا والمروة حتى أتمت سبعة أشواط سمعت عندها صوتاً من ناحية الكعبة (ولم تكن قد بنيت يومئذ وفي تلك الجهة كانت قد تركت الرضيع إسماعيل) (١) فقالت "أغث إن كان عندك غواث" (٢).
وفي رواية عنده "إن كان عندك خير"، فإذا جبريل فقال بعقبه هكذا وغمز عقبه على الأرض قال: فانبثق الماء فَدَهَشَتْ أم إسماعيل فجعلت تحفر قال فقال أبو القاسم: "لو تركته كان الماء ظاهراً" وفي رواية عنده "قال النبي ﷺ رحم الله أمّ إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً" (٣)
стр. 501
ومن تمام الخصوصية أنها على قولٍ من الآيات البينات (١) التي وردت في قوله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ٩٦ ـ ٩٧].
من كمال المزية التي لا يشاركها فيها ماء آخر، أنها شراب الأبرار بتصريح روايتين إحداهما عن ابن عباس، والأخرى قرئت عند أهل الكتاب. جاء في أخبار مكة للأزرقي عن ابن عباس ﵄ قال: "صلّوا في مصلّى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار. قيل لابن عباس: وما مصلّى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب. قيل: وما شراب الأبرار؟ قال: ماء زمزم" (٢).
وعن وهب بن منبّه قال في زمزم: "وإنها لفي كتاب الله سبحانه شراب الأبرار" (٣) أي في كتب الله السماوية السابقة.
وأياً ما كانت صحة هذه الروايات، فإنها في معنى لا يختلف عليه من أصحاب الإيمان اثنان؛ لأن مكة بلد الله الآمن الذي اختصّ باستقبال الأبرار في رحابه؛ ولأن رسول الله ﷺ شرب منه وهوإمام الأبرار المتقدمين منهم والمتأخرين، ثم هل خلق الله ماء زمزم أول ما أجراه إلّا لاثنين من خواص القوم الكرام البررة، وهما هاجر ﵍ وولدها رسول الله إسماعيل ﷺ .
ثم أليس يَقصد زمزمَ اليوم المؤمنون بالله وبرسوله وبسائر الرسالات السماوية
стр. 502
فقط من سائر البشر؟
ألا يُحمل الماء المبارك من مكة إلى الأبرار من هذه الأمة في شتى بقاع الأرض، ممّن لم يكتب لهم معاينته في أرضه التي منها نبع؟
ألا يعني لنا الكثير أن زمزم هوسقيا ضيوف الرحمن ووفده من الحجاج والعمار، وفيهم العارفون المحبون من أبرّ الأبرار؟ لا بل هكذا جرت سنة أهل مكة في سلف هذه الأمة فعن مجاهد قال: ما رأيت ابن عباس ﵄ أطعم ناساً قط، إلّا سقاهم من ماء زمزم (١). وروي موقوفاً على ابن عباس ﵄، أنه كان إذا نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم (٢). لا بل ورد عن ابن عباس ﵄ نسبة ذلك إلى رسول الله ﷺ في حديث وإن كان فيه مقالة، لكن يعضده عموم وخصوص ما ذكر قبل (٣).
ومن أكثر ما يدفع المسلم إلى بركة ماء زمزم بعد قول وفعل رسول الله ﷺ السابق ما أورده الإمام أحمد في مسنده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ماء زمزم لما شُرِبَ له (٤)، وهوالحديث الذي روي في سنن ابن ماجة (٥) أيضاً وغيره، وتلقّته
стр. 503
الأمة بالقبول، ويرتقي إلى درجة الحسن، باجتماع طرقه، وبالمتابعات التي تعضده، وبالآثار الصحيحة؛ لأنّ مثل هذا الكلام لا يقال من قبيل الرأي.
ومن تلقي الأمة لهذا المتن النبوي الشريف بالقبول العمل به من فقهاء الأمصار، وعامة الأمة في كل العصور، وعلى مدار الوقت دون انقطاع عن ذلك في ليل أونهار، وهوما يجعل مسألة الإجماع واردة الوقوع في هذا، والأمة كما تعلم لا تجتمع على ضلالة.
ومن توثيق علمائنا لحديث تحسَّنت طرقه فاحتضنوه، أنهم جرَّبوا العمل به كما نقلتُ لك عن السندي في الحاشية فوجدوه كما دلَّ عليه لفظه. ومن هؤلاء ترجمان القرآن وحبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ﵄ الذي كان إذا شرب قال: اللهم! إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء (١).
ومنهم الإمام الأعظم أبوحنيفة النعمان، الذي شرب ماء زمزم على نية أن يوفقه ربه ليتقدم علماء زمانه في الفقه، فكان كذلك.
стр. 504
ومنهم العارف بالله، الإمام الحافظ عبد الله بن المبارك، شيخ الإسلام وأحد أعلام السلف الصالح، حيث أتي زمزم فاستقى منها شربة، ثم استقبل القبلة، ثم يقول: "إن عبد الله بن المؤمل حدّثني عن ابن الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "ماء زمزم لما شرب له، اللهم! إني أشربه لعطش يوم القيامة". قال: ثم شرب ما شاء الله له أن يشرب" (١).
ورُوي عن الإمام الحافظ الحجة ابن خزيمة محمد بن إسحاق صاحب الصحيح، أنه سئل من أين أُوْتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : ماء زمزم لما شُرِبَ له وإني لما شربتُ، سألتُ الله علماً نافعاً.
وذكر عن الإمام الحافظ المحدّث أبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله المتوفى سنة ٤٠٥ هـ أنه شرب ماء زمزم لحسن التصنيف، ولغير ذلك، فصار أحسن أهل عصره تصنيفاً.
أما الإمام الخطيب البغدادي أبوبكر أحمد بن علي محدّث الشام والعراق، المتوفى سنة ٤٦٣، رحمه الله تعالى، فذكر أنه لما حجّ شرب من ماء زمزم ثلاث شُرْبات، وسأل الله ثلاثَ حاجات، أخذاً بالحديث، فقضى الله له ما نوى.
نوى بشربه أن يحدّث بتاريخ بغداد بها، ونوى أن يُملي الحديث بجامع المنصور، ونوى أن يُدْفن عند قبر بشرٍ الحافي المتوفى سنة ٢٢٧، فكان له ما نوى بفضل الله.
وعن الإمام المالكي ابن العربي أبي بكر محمد بن عبد الله الأندلسي، صاحب أحكام القرآن، المتوفى سنة (٥٤٣) رحمه الله تعالى أنه قال:
كنت بمكة مقيماً سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وكنتُ أشربُ ماءَ زمزم كثيراً، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان، حتى فتح الله لي ببركته في المقدار الذي يسّره لي من العلم،
стр. 505
ونسيتُ أن أشربه للعمل، وياليتني شربته لهما، حتى يفتح الله عليَّ فيهما، ولم يقدّرْ، فكان صفوي إلى العلم أكثر منه إلى العمل، ونسأل الله الحفظ والتوفيق برحمته.
وعن الإمام الحافظ المقرئ محمد بن محمد الجزري المتوفى سنة ٨٣٣ هـ جاء في كتابه جامع الأسانيد وهو يعدد شيوخه ما نصه عن والده وهوأحد شيوخه قال: أخبرني أنه ولد سنة ٧٢٥، وحج سنة ٧٤٨، وقال لي: شربتُ ماء زمزم لأن يرزقني الله ولداً ذكراً يكون من أهل القرآن، وتزوجتُ بوالدتك سنة (٧٥٠)، فوُلِدْتَ لي في ٢٥ رمضان سنة ٧٥١.
ثم نظير هذه الأمثلة عن الإمام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، والإمام الكمال ابن الهمام المتوفى سنة ٨٦١ هـ، والإمام السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ وغيرهم كثير، وهومايمكنك قراءته بالتفصيل في كتاب فضل ماء زمزم فعد إليه فإنه مفيد (١).
بئر زمزم معجزة إلهية خالدة (٢)،
لم نتعلّم بعد كيف نوظّفها في خدمة الدعوة
стр. 506
الإسلامية؛ لأن الغرب، وشرائح من أتباعه ومقلّديه، لم يعد يؤمن بالغيب، بسبب سيطرة الرؤية المادية على الحياة هناك! بيد أن هذا الرجل الغربي نفسه كثيراً ما يسجد لله رب العالمين، وينطق بالشهادة طَلْقاً بها لسانه، أمارةً على إيمان جديد بالله والغيب، وذلك عندما تطالعه آية قرآنية ناطقة، أوحديث نبوي شريف، في إثبات حقيقة علمية وصل إليها العلم الحديث بعد رحلة طويلة شاقة جُنّدت فيها كل إمكانيات العصر وعلومه المتطورة الضخمة، فإذا ما خرج علماؤه فرحين بسبق علمي حققوه فاجأهم الإسلام بالتصريح بذلك قبل ألف وأربعمائة عام في زمن كانت الوسائل العلمية فيه بدائية جداً، لكن زمن الوحي مع ذلك كان الأسبق إلى هذا السبق العلمي الذي يتفاخر به جهابذة المتخصصين فيه. فهل يسعُ الموضوعي منهم حينئذ إلّا أن يرى فيها دلالة كافية على أن دين الله الإسلام ليس منتجاً بشرياً صاغته أيدٍ متمرسة ثم نسبته إلى السماء وإنما هو خطاب إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود إلى ما فيه الخير في الحال، والفلاح في المآل، وأنّ يد البشر أعجز وأضعف من أن تصيغ في جزيرة
стр. 507
البداوة، ما يعد فتحاً في عصر العلوم ووسائلها؟
أمام هذه اللوحة المتماسكة تتوارى الشكوك حول الإسلام والوحي والرسالة خلف قاعدة اليقين التي تحكيها إعجازات الكتاب والسنة، بما يفصح بجلاء عن صلاحية دين السماء هذا لكل زمان ومكان.
هذا ما تكرر ويتكرر يومياً (١)، وهوالشيء الذي بالإمكان أن تتضاعف نسبته بشكل ملحوظ فيما لوأحسنّا تقديم ديننا الإسلامي لغيرنا تعريفاً وسلوكاً في عصرٍ يعلم كل مطلع حر أن المسلمين يملكون فيه المادة الأفضل لفكر إنساني خلّاق يقيم حضارة الاستقرار والطمأنينة والرخاء لبني البشر على دعائم قرآنية متوازنة تأخذ بالغيب وتتعامل مع قوانين المادة، تؤمن بالروح ولا تغفل حاجات الجسد. لكنّ الخلل الحقيقي هومن نصيب شرائح واسعة من المسوّقين للدين الإسلامي وشرائعه من الدعاة والشيوخ والعلماء الذين يعانون من جهلٍ واضح بوسائل العرض والنشر والتعريف، ومن تراجع في مضمار الإخلاص لله، واعتماد على توفيقه في وظيفة دينية لا تقوم إلّا بالارتكاز على العون الإلهي للعبد في مهمته.
وفي مقابل هذا فإن الغرب الذي يملك أسوأ منتج في عصرنا على صعيد الحضارة الإنسانية ونظريات تحقيق السعادة والرخاء والأمن لبني الإنسان (٢)، حين لم يجرَّ على
стр. 508
البشرية إلّا مزيداً من الخراب والدمار والإرهاب والتناقض النفسي والفكري والاجتماعي، وهوما جسدته حروب عالمية قامت بين الغربيين أنفسهم، وحروب صليبية جشعة قامت من قبلهم نحوبلاد الرافدين ومصر والشام، والمغرب، وغيرها من بلاد الإسلام، وما زالت فصولها تتوالى. الشئ الذي يمتاز به الغرب عن مجتمعاتنا الإسلامية هوامتلاكه لمسوّقين متخصصين من الطراز الأول، ذوي خبرة وكفاءة وقدرة على تلميع المنتج، وجذب الآخر إليه، وجَعْله يتبناه حتى ولولم يكن بداية من اهتماماته، وفي طور اللامبالاة.
بئر زمزم من الآيات البيّنات التي لا تزال باقية منذ قرابة خمسة آلاف سنة. ومن يدري فلعلها أقدم من ذلك. وهي اليوم تُفيض أكثر من ستين ألف ليتر في الساعة (١) ويشرب منها عشرات الآلاف في الثانية الواحدة، وأحياناً الملايين وتحمل إلى الموحدين وغيرهم في أنحاء الأرض، ضمن سنة منقولة عن السلف الصالح (٢).
стр. 509
بئر زمزم بالبرهان الحسي المشاهد لا يتبدل مستوى الماء فيه ولا يتغير زيادة أونقصاناً إلّا شيئاً يسيراً بما لا يؤثر في قيمة البحث في ميزان الدراسات العلمية، وقراءة العين تؤيد ذلك (١). فالمحافظة على منسوب ثابت تقريباً يتم رغم ما نعلمه من تدفق الملايين على مكة في وقت واحد غالباً، وبأعداد لا تقل عن مئات الألوف في الأيام التي يضعف فيها القدوم بسبب الحر أوالبرد أوغيرهما، هذا إلى جانب أهل مكة الذين يعدون أكثر من مليون، وفوق ذلك هناك الحركة اليومية من وإلى مكة من كل من جدة والطائف وسائر المحافظات القريبة والبعيدة، ومعظم هؤلاء يقصدون الحرم المكي الشريف، ويصلّون خلف إمامه، ويشربون من ماء زمزم المبرّد اليوم، قبل وبعد الصلاة، بكميات وافرة يدفع إليها ارتفاع حرارة الطقس غالباً في تلك الأرض المباركة. يرافق ذلك سَحْبُ كميات كبيرة من الماء بالمضخات إلى سِجال سعة أحدها عشرين ليتراً في الغالب، تحمل إلى أنحاء الأرض بوسائل مختلفة! فهلا توقفنا عند تلك الظاهرة، وأطلقنا النظر فيها على ضوء المشاهدة المادية هذه، حيث نرى أن كميات المياه المتدفقة في البئر لا تزداد إلى درجة يرتفع فيها منسوب الماء حتى يسيل على وجه الأرض، ولا تتراجع فيحبس الماء في البئر عن الناس، وإنما هي نسب تتدفق بمنسوب ثابت تقريباً، يتفق مع المقدار الذي يضخ من البئر للشرب والحمل إلى أصقاع الأرض، وكأن في جوف الأرض ساعة قياس تسمح بمرور ما يحتاجه البئر من ألتار المياه المفقودة ضمن معادلة المحافظة على منسوب معين.
стр. 510
إن هذه المياه ما زالت في البئر المعهود لا تُنْزَفُ (١) ولا تُذَمُّ (٢) منذ أن نبع الماء هناك بركضة جناح جبريل ﵇ (٣)، بإذن صاحب الأمر والعزة والحكمة والجبروت جلّ في عليائه.
وتوسعاً مني في تبيان الكلام عن زمزم أنقل لك ما سطره المهندس الأستاذ يحيى كوشك في معرض حديثه عن ضخ مياه زمزم ونزحها بهدف تنظيف البئر عام (١٤٠٠) هـ وذلك بعد تركيب أربع مضخات قوية جداً، كانت تعمل ٢٤ ساعة متواصلة، وبمعدل (٨٠٠٠) ثمانية آلاف ليتر تضخها في الدقيقة:
"وكان منسوب المياه من الفوهة (٣.٢٣) متراً، وكانت القراءة تتم كل نصف دقيقة، حتى وصل منسوب المياه في داخل البئر إلى (١٢.٧٢) متراً، ثم وصل إلى ١٣.٣٩ متراً، وفي هذا العمق توقف هبوط الماء في البئر حيث هومكان عيون البئر ولما
стр. 511
تم توقيف المضخات، بدأ الماء يرتفع في البئر حتى وصل إلى (٣.٩٠) متراً خلال إحدى عشرة دقيقة".
كما قال:
"ولن أنسى ما حييتُ هذا المنظر الرهيب: كانت المياه تتدفق من هذه المصادر بكميات لم يكن يتخيَّلها أحد، وكان صوت المياه وهي تتدفق بقوة يُصِمُّ الآذان" (١).
وعن المصادر غير المباشرة التي تغذي العيون الرئيسية والفرعية التي تغذي بدورها بئر زمزم تبين للعلماء بالبحث العلمي الطويل أن ثمة شقوقاً وخيوطاً شعرية دقيقة تسري فيها المياه كما يسري الدم في العروق، تمضي في مسيرتها آلاف الكيلومترات، لتصب في آخر المطاف في تغذية العيون التي ترفد البئر المبارك. والدليل الذي استند إليه العلماء أنه لدى تحليلهم للماء الذي يمر من خلال تلك الشقوق ثبت أنها تحتوي على ذات الأملاح التي يحتويها ماء زمزم، مما يؤكد أن روافد البئر تمضي ضمن أقنية شعرية، وتلتف في أعماق الأرض لآلاف الكيلومترات (٢)، وكأن البئر الزمزمي هوالقلب الذي تضخ إليه الدماء، فيقذف من جديد من الفتحة الخاصة به، فسبحان الله صاحب الخلق والأمر والإبداع الذي جعل مكة المكرمة مركز العالم كله، توزع منها سحائب الرحمة والرضوان، وترتحل من أرضها مياه البركة والشفاء والإطعام، وتختزن أرضها كميات المياه الاحتياطية التي تقدّم الحياة للبشرية كافة، فالحمد لله أولاً وآخراً، والسجود لعظمته في كل حادثة وبارقة.
стр. 512
ومياه زمزم كما أثبتت الدراسات غنية بالأملاح التي يحتاجها الإنسان في رحلة الحياة اليومية ومن ذلك أنه غني بمادة الكالسيوم، ذلك أن المياه المعدنية حتى تدخل في عداد المياه الغازية الهاضمة يجب أن تكون نسبة البيكربونات ٢٥٠ ملغ في المتر المكعب، بينما نسبة البيكربونات في المتر الواحد من ماء زمزم ٣٥٠ ملغ، أما نسبة المعادن في المياه المعدنية فهي تصل إلى ١٥٠ ملغ في المتر المكعب بينما نسبتها في زمزم ٢٠٠٠ ملغ في المترالمكعب الواحد. ولقد أثبتت الدراسات الطبية اليوم أن أمراض القلب التاجية أقل حدوثاً عند من يشربون ماء زمزم. كما تذكر الدراسات أن المياه المعدنية تزيد في معالجة أمراض الروماتيزم والحموضة وترميم العظام فكيف بماء زمزم.
بهذه الثمار العلمية نسلط الضوء بقوة على ما صرحت به الأحاديث الشريفة من أن زمزم ماءٌ مبارك، وأنه طعام طُعم، وشفاء سُقم، وأنه يسنّ التضلع (١) به عند الفراغ من المناسك، وتوديع البيت بالنسبة للحاجّ والمعتمر.
هذا الكلام يعدّ مقدمة لأبحاث أكثر تطوراً، ستثبت لاحقاً مزيداً من الحقائق العلمية التي سيسجد لجلائها وإعجازها عقل الإنسان الحر، في جادة استسلامه
ومع طي صفحة هذا الفصل في ماء زمزم لا يسعني إلّا أن أقف على آداب الشرب لهذا الماء المبارك، وما يترتبط بالمسألة من أبرز الأحكام:
أولى هذه الآداب يقدمها لنا حديث رواه ابن ماجة في سننه عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت عند ابن عباس جالساً، فجاءه رجل، قال من أين جئتَ؟ قال: من زمزم. قال: فشربتَ منها كما ينبغي؟ قال: وكيف؟ قال: إذا شربتَ منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله، وتنفسْ ثلاثاً (١)، وتضلّعْ منها (٢)، فإذا فرغت فاحمد الله ، فإن رسول الله قال: "إن آية ما بيننا وبين المنافقين، أنهم لا يتضلعون من زمزم" (٣).
ويسن عند الشافعية أن يشرب ماء زمزم قاعداً (٤). قال العلامة ابن حجر الهيتمي:
стр. 515
وإنه يشرب منها جالساً ولا يعارضه شربه منها قائماً؛ لأنه كان لازدحام الناس (١).
كما يسن أن يصب من ماء زمزم على رأسه. قال العلامة ابن حجر: "ويسن أن يصب على رأسه منها، ويغسل وجهه وصدره، قاله الماوردي" (٢).
دليل ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من أنه ﷺ رمل ثلاثة أطواف، من الحجر إلى الحجر وصلى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم، فشرب منها، وصب على رأسه، ثم رجع فاستلم الركنَ، ثم رجع إلى الصفا، فقال: أبدأ بما بدأ الله به (٣). قال في الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد: إسناده صحيح على شرط مسلم.
ومن السنة استحباب الوضوء بماء زمزم. نقل العلامة الزركشي عن الإمام أحمد حديثاً في هذا فقال: وقد روى هوفي مسنده عن علي في حديث له: ثم أفاض رسول الله ﷺ فدعا بسَجل (٤) من ماء زمزم، فشرب منه، وتوضأ (٥).
هذا وقد نقل الباحث سائد السمان عن المذاهب الأربعة في حكم الوضوء بزمزم التردد بين الجواز والاستحباب، وذلك في الكلام التالي:
"وقد نص على استحباب الوضوء من زمزم المالكية، وابن الزاغوني من الحنابلة،
стр. 516
ونص الحنفية الشافعية والحنابلة على جواز الوضوء به، حيث قالوا بعدم كراهة الوضوء بماء زمزم" (١).
"أما الاغتسال بماء زمزم فالأئمة الأربعة على جواز الاغتسال به إزالةً للحدث (٢). لكن كره بعض المتأخرين ذلك في صورة التفريق عندهم بين الوضوء والغسل، حيث رأوا الاغتسال يجري مجرى إزالة النجاسة من وجه، لذلك عم البدن كله لما صار جنباً. كما أن حدث الجنابة أكبر وأغلظ من حدث الوضوء" (٣).
"كما استدلوا بالرواية التي أوردها الأزرقي في تاريخ مكة، عن العباس بن عبد المطلب حين حجر زمزم عن المغتسل بقوله: لا أحلها لمغتسل، وهي لمتوضئ وشارب حل وبل (٤) " (٥).
وأما إزالة النجاسة بماء زمزم فهي خلاف الأولى، لعدم ورود نص في التحريم، وربما خروجاً من خلاف العلماء الذين قالوا بالكراهة، أو أوْلئك الذين ذهبوا إلى التحريم. وقد نص إمامنا النووي على أن غيره أولى بالاستنجاء منه كما سيأتي.
قال العلامة الزركشي: وأما الاستنجاء به فحرام صرح به الماوردي في باب
стр. 517
الاستطابة من الحاوي فقال: ولماء زمزم حرمة تمنع من الاستنجاء به انتهى (١). وكذلك من استعماله إلّا فيما وردت فيه الرخصة، وقد صح أنه ﷺ توضأ به، وأمر أن تبرد به الحمى فلا يتعدّى به ما ورد. قال: لكن إن استنجى به أجزأ بالإجماع. وجزم المحب الطبري أيضاً بتحريم إزالة النجاسة به وقال: إن بعض الناس استنجى به فحدث به البواسير. وقال الروياني: تكره إزالة النجاسة به لحرمته. وقال العجلي: الأولى أن لا يتطهر به لكرامته، وفي شرح المهذب المسمى بالاستقصاء عن الصيمري: إن غيره من الماء أولى منه" (٢).
وفي ختام البحث قال الإمام الزركشي: وقضية إطلاق الجمهور أنه كغيره (٣)
ومن أحكام ماء زمزم جواز إخراجه وغيره من مياه الحرم، ونقله إلى جميع البلدان، بدليل أن السيدة عائشة ﵂ كانت تحمل ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله (٤).
كما صرح الإمام النووي في شرح المهذب بقوله: ويستحب نقله للتبرك (٥).
ومن المسائل الهامة أن ما يجري من بعض المسافرين حين ينفد الماء من بين أيديهم بينما زمزم في حوزتهم، فيعرضون عنه حفاظاً على نقله إلى بلدانهم، فيتيممون ولا
стр. 518
يتوضؤون به، فهذا حرام لا يصح؛ لأن زمزم يجب المصير إليه للشرب دفعاً للعطش إن تعين، ولا عبرة بالعادات الاجتماعية ولا بفضل ماء زمزم في إباحة التيمم مع وجوده.
ومن أحكامه جواز بيعه، أوإهدائه لغيره بعد حيازته من بئر زمزم.
стр. 519
الخاتمة:
بهذا البيان تكون عناية الباري قد حملتنا إلى منتهى محطات حديث جابر في حجة رسول ﷺ ، لكن البحث لا يمكنه أن يتوقف هناك؛ لأن ما ساقه لنا جابر في حديثه وإن كان هوأجمع ما قيل في سياق واحد في بنيان الركن الخامس إلّا أنه لم يأت على بعض المسائل التي تناولتها أحاديث أخرى أوردها مسلم في صحيحه وغيره من رجال السنة والحديث، ومن أبرز تلك المسائل ما يتعلق بمحرمات الإحرام التي لا يجوز للحاج أن يقترب منها زمن إحرامه، لذلك آثرت أن أحيط بالقضية من سائر جوانبها فأعرج بتوفيق ربّي على ما يتم البحث، وينطلق به في سماء المعرفة التي تضيء لسالكي شتى الطرق إلى بيت الله الحرام، وتفتح أمامهم ما أغلق عليهم في رحلة الركن المبارك. ومما ألهمني المولى إليه لتغطية ما ذكرته لك، تلك الأبيات الرائعة التي اختصر لنا بها الإمام العمريطي (١) الشافعي أحكام الحج أركاناً وواجبات وسنناً ومحرمات
стр. 520
وكفارات، لذلك عقدتُ العزم مستعيناً بالباري على تقديم شرح مختصر لهاتيك الأبيات يفي بغرض الإحاطة والإتمام لهذا البحث الذي لم آلُ جهداً لبذله رجاء أن يخرج بحلة تليق بشرف الرحلة، وسمو المقصد، لكن ذلك سيكون في كتاب مستقل قد أتممت إعداده - بفضل الله تعالى - وهو في طريقه إلى الظهور، والله وليُّ التوفيق.
* * *