← Фикх общий

Фикх общий · id 151185

الركن الخامس

محمد محيي الدين حمادة

Полный текст (520 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

كان حملاً يوم النذر أو حملت به بعده (١). المسألة الثانية: جواز ركوب البدن إن احتاج إلى ذلك، وترك ركوبها إن زالت الحاجة. هذا ما قاله الفقهاء، لذلك جاء لفظ الشافعي الذي نقله عنه ابن المنذر، وترجم له البيهقي: "يركب إذا اضطر ركوباً غير فادح" (٢)، كما أطلق ابن عبد البر كراهة ركوبها لغير حاجة عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء (٣). دليل الفقهاء ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ "رأى رجلاً يسوق بَدَنَهً، فقال: ارْكبها، فقال: إنها بدنة، فقال اركبها. قال: إنها بدنة، قال: اركبها، ويلك، في الثالثة أو في الثانية" (٤). ودليل التقييد ما أورده مسلم في صحيحه عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا أُلجِئْتَ إليها حتى تجد ظهراً" (٥). وكما يجوز الركوب لحاجة فقد أجاز الفقهاء الحمل على البُدْن بشرطه المذكور، ويضمن إن حدث نقص ظاهر. قال الإمام الشوكاني: "وقد وافق أبا حنيفة الشافعيُّ على ضمان النقص في الهدي الواجب" ثم قال في جواز الحمل عليها: "وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح رواه أبو داود في المراسيل عن عطاء قال: كان النبي ﷺ

стр. 457

يأمر بالهدية إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها أو يركبها غير منهكها. واختلف من أجاز الركوب هل يجوز أن يجعل عليها متاعه؟ فمنعه مالك وأجازه الجمهور وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضاً على التفصيل المتقدم ونقل عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها. واختلفوا أيضاً في اللبن إذا احتلب منه شيئاً: "فعند العترة والشافعية والحنفية يتصدق به، فإن أكله تصدق بثمنه، وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يغرمْ" (١). وكذا الأضحية المنذورة فله أن يركبها ويعيرها لمن يركبها دون إجارتها لكن له أن يشرب من لبنها ما فضل عن كفاية ولدها، ولو تصدق به كان أفضل (٢). المسألة الثالثة: هل تذبح البدن على الطريق إن هي عطبت؟ يفرَّق في الهدي بين أن تكون نذراً أو تطوّعاً: فإن كانت نذراً، فقد صار واجباً عليه أن يرعاها ويحفظها حتى تصل إلى بيت الله، وينحرها في منحر منى، أو في أي موضع من الحرم شاء، وبالتالي فإن يده عليها حتى ينحرها لا تُسَلّطُ على نذره بيعاً أو أكلاً، فليس له أن يتصرف فيها إلّا في الأمانة والإشراف كما لو كانت بين يديه وديعة، فهي بالنسبة إليه كالمودَع عنده، فإن فرط فيها ضمن، لذلك قال الفقهاء: إن كلّت البدنة المنذورة، وأعيت ووقفت بحيث نالها العطب في الطريق وجب عليه ذبحها والتصدق بها على المساكين، أو التخلية بينها وبين المساكين على الوجوب، ولا يجوز لصاحب الهدي الأكل من شيء منها مهما كان قليلاً، ولا لرفقته الذين معه في الركب سواء كان الرفيق مخالطاً له أو في جملة الناس من غير

стр. 458

مخالطة (١). قال الإمام النووي في تعليل ذلك: "والسبب في نهيهم قطع الذريعة لئلا يتوصل بعض الناس إلى نحره، أو تعييبه قبل الناس" (٢). كما قال الفقهاء: إنْ ذبحَ الهدي المنذور غمسَ النعلين اللتين قلّد بهما الهدي سابقاً، في دم الهدي الذي نحره أو ذبحه ثم ضرب بهما صفحة السنام، ثم يتركه ليعلم بذلك من مرَّ به أنه هدي فيأكله إن كان فقيراً أو مسكيناً؛ لأنه مستحق المساكين والفقراء من غير رفقة القافلة كما قلت لك (٣). دليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنَّ ذُؤَيْبَاً أبا قُبَيْصَةَ حدّثه أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: "إنْ عَطِبَ منها شيء فَخَشِيْتَ عليه موتاً فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تَطْعَمْها أنت ولا أحد من رُفقتك" (٤). وروى الترمذي في سننه عن ناجية الخُزَاعيّ، صاحب بُدْنِ رسول الله ﷺ قال: "قلت يا رسول الله: كيف أصنع بما عَطِبَ من البُدْنِ؟ قال: انحرها، ثم اغمِسْ نعلها في دمها، ثم خلِّ بين الناس وبينها، فيأكلوها" (٥). أما إذا كان الهدي هدي تطوع أي ليس نذراً فقد قال إمامنا الشافعي: له أن يفعل فيه ما يشاء من بيع وذبح وأكل وإطعام وغير ذلك، وله تركه، ولا شيء عليه في كل ذلك؛ لأنه

стр. 459

مِلكه (١). المسألة الرابعة: متى يدخل وقت النحر والذبح للهدي والأضحية والكفارة؟ لا يجوز النحر لغير دماء الكفارات قبل يوم النحر بالإجماع (٢)، لكن هل يدخل نحر البدن بالفجر أو بطلوع الشمس يوم النحر؟ وهل يشمل ذلك الأضحية أيضاً؟ قال الشافعية: وقت ذبح الأضحية والهدي (٣) المطوّع بهما، والنذر يدخل بعد أن تطلع الشمس ويمضي على طلوعها قدر صلاة العيد بركعتين خفيفتين، وخطبتين خفيفتين بأن يعتبر بأقل ما يجزئ سواء صلى الإمام أم لم يصلِّ، وسواء صلَّى المضحي أم لم يصلِّ (٤). قال الإمام النووي: "والأفضل أن يذبح عقيب رمي جمرة العقبة قبل الحلق" (٥). وعلى هذا نجد أن بداية وقت الذبح أو النحر يدخل بطلوع شمس يوم النحر وفق الضابط المذكور (٦)، أما نهاية الزمن الممتد له فيدخل بغروب شمس آخر يوم من أيام

стр. 460

التشريق، وهنا لا بد من الإشارة إلى أمرين اثنين: الأول: لو فات الوقت بالنسبة للنذر من أضحية أو هدي لزمه ذبحهما قضاء. الثاني: أما لو فات الوقت بالنسبة للأضحية غير المنذورة، أو لهدي التطوع فقد فاتت الأضحية أو الهدي في هذه السنة لخروج الزمن المضروب للفعل في تلك السَّنَة (١). قال الإمام ابن حجر في الأضحية ـ والهدْيُ غير المنذور في معناها عند الشافعية ـ: "ويمتد وقتها ليلاً ونهاراً (إلى آخر أيام التشريق (٢) " الثلاثة بعد يوم النحر فلو ذبح بعد ذلك أو قبله لم تقع أضحية لخبر الصحيحين: أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء" (٣). والخلاصة أن الأظهر عند الشافعية ـ وهو كذلك مذهب الحنبلية والمالكية ـ أنَّ هدي

стр. 461

التطوع يختص بالزمان المذكور كالأضحية تماماً (١). أما الدماء الواجبة في الحج بسبب التمتع أو القران أو الكفارت أو لفعل محظور أو ترك مأمور به فلا تختص بزمان معين تجب فيه، وإن كان الأفضل في الدم الواجب أن يقع في الوقت الذي ضربه الشارع لنحر البدن، وذبح سائر الهدايا والأضاحي والنذور (٢). موجز ما سبق أن الدماء مطلقاً عند جمهورهم تختص بالمكان ـ وهو الحرم ـ أما الزمان فلا يختص به في المذاهب الثلاثة إلّا الأضحية والهدي فقط. لكن لماذا لا يجب في زمن فعل الدماء الواجبة ما يجب في الأضحية مثلاً؟ للإجابة عن ذلك يلزم منا أن نعود إلى سبب الدم الواجب ـ وهو كما تعلم ـ يعود غالباً إلى زمن يسبق يوم النحر بوقت قد يقصر أو يطول. ثم بقيام السبب يجب الدم،

стр. 462

وبالتالي فوقت الدماء الواجبة هو زمن الوجوب. مثال ذلك تجاوز الميقات في زمن الحج بنية الحج، من غير ارتداء لباس الإحرام فهذا السبب يجب به الدم ما لم يعد إلى الميقات ليرتدي إزاراً ورداء لا مخيط فيهما ولا زرّ ولا أكمام وهذا السبب قد يتأخر عن يوم النحر زمناً طويلاً، وبالتالي جاز أن يعجل بدم الكفارة لهذه المخالفة مراعاة لزمن الوجوب، ومسارعة في براءة الذمة. هذا فيما له سبب واحد، أما فيما له سببان فلا يشترط وقوع السببين لوجوب الدم كما في التمتع في أشهر الحج، فيجب دم التمتع، بأن يقع أحد سببيه وهو الفراغ من العمرة في أشهر شوال وذي القعدة، وقبل العاشر من ذي الحجة، ولا يحتاج ذلك إلى حصول السبب الآخر وهو الإحرام بالحج بعد ذلك، والحال - كما تعلم - أن أكثر المتمتعين يحرمون بالعمرة إذا جاؤوا إلى مكة قبل يوم عرفة بأيام كثيرة، لذلك يجب الدم بعد الفراغ من العمرة وليس بعد الإحرام بالحج. وفي مثال القران نجد اجتماع السببين في وقت واحد، وهذا موجب لدم القران حيث يحرم المسلم بالحج والعمرة معاً لذلك وجب الدم بعد الإحرام بالقران مباشرة. من أدلتهم أن الأصل عدم التخصيص، ثم إنه لم يرد ما يخالف هذا الأصل، فجرى العمل به (١). أما المكان الذي تذبح فيه دماء الهدي والأضاحي والكفارات (الدماء الواجبة) فقد اتفق الفقهاء على أن هذه الدماء جميعاً ما عدا دم الإحصار يختص موقع إراقتها بالحرم، وأنه لا يجوز ذبح شيء منها خارجه لفعله ﷺ ، وفعل سلف هذه الأمة، وأخذاً

стр. 463

من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ولقوله ﷺ : "نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم" (١)، وقوله ﵊: "كلُّ فجاج مكة طريق ومنحر" (٢). فالأظهر عند الشافعية أن ذلك يختص بأي مكان من الحرم، لما ذكرته لك؛ ولأن الذبح حق يتعلق بالهدي فيختص بالحرم كالتصدق، وهو نص كلام الخطيب الشربيني (٣). لكن أفضل بُقَعَهِ ـ أي: الحرم ـ للحاج نحراً وذبحاً هو منى، حتى ولو كان دم تمتع أو قران؛ لأنها مكان تحلله، ومثله ما لو ساق الحاج أو المعتمر هدي نذر أو كفارة. أما أفضل بقعه للمعتمر الذي ليس قارناً أو متمتعاً، فهو المروة (٤)، وقد مرَّ معك أن ابن عمر كان ينحر بمكة عند المروة، وينحر بمنى عند المنحر (٥). أما الإحصار (٦) فإن صاحبه يذبح شاة مما يجزئ في الأضحية، ثم يحلق، مع اقتران نية التحلل بهما، ولا يختص ذبح شاة الإحصار بالحرم، حتى لو تمكن من بعض الحرم وكان قد أحصر في الحلّ جاز له الذبح في موضعه من الحلّ على الأصح من مذهب الشافعية. هذا يعني أنه لا يحل للمحصر أن ينتقل إلى موضع آخر من الحل لذبح الشاة

стр. 464

غير الموضع الذي أحصر فيه؛ لأن موضع الإحصار قد صار في حقه كنفس الحرم؛ ولأن النبي ﷺ لما أحصر في الحديبية، فنزلت عليه آية الإحصار، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ذبح هناك ما لزمه من دم الإحصار، بل وما معه من هدي التطوع. والحديبية - كما تعلم - من الحل على حدود الحرم. فالتحلل في الحل مع إمكانية الوصول إلى بعض الحرم جائز، والتحلل في بعض الحرم مع الإحصار في الحل جائز أيضاً. أما لو أحصر في الحرم فقد جاز له نقله إلى موضع آخر من الحرم للذبح والتحلل؛ لأن الحرم كله منحر. وقد ألحق الشافعية بمسألة الإحصار ما إذا حاضت المرأة ولم تطف طواف الإفاضة ولم تتمكن من الإقامة في مكة حتى تطهر وتطوف، وجاءت بلدها وهي محرمة، ثم عدمت النفقة التي تمكنها من الوصول إلى البيت، قالوا: هي كالمحصر، فتتحلل بالنية والذبح والتقصير. والخلاصة أن النحر الذي تحدثنا عن بداية ونهاية وقته الممتد إلى غروب شمس آخر يوم من أيام التشريق، ومثله الذبح ضمن التفصيل السابق، هما شيآن لا مدخل لتحلل الحاج فيهما، وإنما يتعلق تحلل الحاج بأشياء أخرى هي رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير والطواف مع السعي بعده إن لم يكن قد سعى قبل، فإن فعل اثنين من ثلاثة، فأي اثنين أتى بهما من هذه المذكورات حصل له التحلل الأول، سواء فعل الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الطواف والحلق. ويحلّ له بذا التحلل جميع محرَّمات الإحرام إلّا الاستمتاع بالنساء سواء بالجماع أو بالمباشرة بغير جماع.

стр. 465

وكذا يظل عقد النكاح حراماً عليه بعد هذا التحلل (١). فإن أتى بالرمي والحلق والطواف (أي: مع السعي إن لم يكن قد سعى كما قلت لك) فقد تحلل التحلل الثاني (٢)، وبهذين التحللين حلَّ له جميع محرَّمات الإحرام وصار حلالاً. ومن المسائل المرتبطة بالتحلل ما قاله جمهور الفقهاء من أنه يسن لمن تحلل التحللين أن لا يطأ حتى يرمي أيام التشريق، لكنَّ المحبّ الطبري اعترض على ذلك بروايةٍ عن أيام منى قال فيها رسول الله ﷺ : "أيام منى أيام أكل وشرب وبعال"، كما استدل على اعتراضه بالحديث الذي مرَّ معنا من أن أمَّ سلمة بعثها رسول الله ﷺ من المزدلفة لتطوف قبل الفجر، وكان يومها فأحبَّ أن توافيه ليواقعها فيه، وقد أجاب الجمهور بأن الحديث لبيان الجواز، وبأن بعثة أمّ سلمة واقعة حال، ووقائع الأحوال يسقطها الاحتمال، وهو إرادة النبي ﷺ بيان جواز ذلك لأمته، ثم لاحتمال أن تكون جملة الحديث: "وكان يومها فأحبَّ أن توافيه ليواقعها فيه" من فهم الراوي. وثمرة البحث أنّ وطء الزوجة في أيام التشريق، بعد التحللين قبل الرمي بتمامه في أيامه جائز بالإجماع بقول الجمهور والمحب الطبري، وسائر العلماء، لكن الخلاف هل يسنّ ترك ذلك؟ الجمهور قالوا: يسن تركه والمحبّ الطبري قال: لا، واستشهد بالحديثين، والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: آداب في ذبح الهدايا والأضاحي: يستحب أن يذبح الحاج هديه أو أضحيته بنفسه اقتداء بفعله ﷺ حيث نحر ثلاثاً

стр. 466

وستين بدنة بيده الشريفة، وهو ما رواه لنا مسلم من حديث جابر الطويل. ويستدل له أيضاً برواية مسلم عن أنس قال: "ضحّى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمَّى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما" (١)، وفي رواية أخرى عنده: "وانكفأ رسول الله ﷺ إلى كبشين فذبحهما، فقام الناس إلى غُنَيْمة فتوزّعوها، أو قال: فتجزَّعوها" (٢). وربما كانت الحكمة من ذلك بعد الاتباع تهذيب النفس على القوة والشجاعة، والنأي بها عن الجبن والخوف. ويستثنى من هذا الاستحبابِ المرأةُ، فيندب في حقها أن تستنيب رجلاً يذبح عنها (٣)؛ لأنها تضعف عن ذلك غالباً، ولأن تثبيت الشاة بوضع الرِّجل على جانب عنقها لئلا تضطرب قد لا يستقيم فلا يتم الذبح، ولئلا تؤذي نفسها، ولأن مقاومة الذبيحة لها، وتأبيها لفعلها في عملية يقطع فيها الحلقوم والمريء وأحد الودجين (٤)، فيخرج الدم بقوة

стр. 467

متدفقاً فيصيب الإنسان وجهاً وجسداً وثياباً، كل ذلك لا يتناسب مع طبيعة النساء ومقامهن السامي الكريم في الإسلام وبالرغم من جميع ما عللته لك، فإن توازن الإسلام لم يحرّم ذلك على المرأة فيما لو اختارت ذبح هديها أو أضحيتها بنفسها، فهو مباح لها، فانظر إلى الحكمة الإلهية كيف تراعي كافة الجوانب الإنسانية والاجتماعية والذّوقية ضمن مقاييس لا تعرف الجنوح والتأثر بالعاطفة أو المقدمات المزيَّفة التي تتلاعب بالمرأة. يلحق بالمرأة في هذا كل من ضعف عن الذبح لنحو مرض، وإن أمكنه الإتيان به (١). والأفضل أن يكون النائب مسلماً ذكراً فقيهاً بباب الضحايا، وأن يكون من خيار المسلمين، لأنهم أولى بالقيام بالقُرَب كما صرّح به العلامة ابن حجر الهيتمي (٢). هنا لي وِقفة: إذا كان فقهاؤنا اشترطوا أن يكون النائب فقيهاً فلماذا لانتحقق في مسألة علم من نستنيبه اليوم في شأن ضحايانا وهَدَايانا؟ وإذا كانوا حريصين على اختياره من خيارنا فما وجه العذر في تقصيرنا؟ إن بذل شعيرة من شعائرنا الإسلامية للمتسكعين والمتسولين والمتطفلين في هذه الأمة الذين لا يقيمون للأمانة ولا لحرمة الأحكام والأموال عهداً ولا ذمة باسم الإشراف على الحجاج، أو باسم التجارة، أو باسم الأعمال الحرة أو تحت ستار العمل أو بالتترس بدعوى العلم، لهو من المعاصي والآثام التي لا عذر في اكتسابها، ولا بّر في حج مَن هذا ديدنه معها.

стр. 468

وإذا استناب غيره استُحبّ له أن يشهد الذبح لما روى عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها، كلُّ ذنب عَمِلْتِيْهِ، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. قال عمران: يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصَّة، فأَهلُ ذلك أنتم؟ أو للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة" (١). قال إمامنا النووي: "ولو استناب في ذبح هديه وأضحيته جاز، ويستحب أن يحضر صاحبها عند الذبح" (٢). ومن الآداب التسمية عند القيام بأمر ذبح النَّعم أو نحر الإبل وهو ما مرّ معك من رواية مسلم (١٩٦٢/ ١٠) أنه ﷺ سمّى وكبّر، لذلك فإن الصيغة المستحبة في التسمية هي قوله: "بسم الله، والله أكبر". ولم تجب التسمية عند الشافعية؛ لأن الباري أباح لنا ذبائح أهل الكتاب (٣)، ومن المعلوم بداهة أنهم لا يسمّون؛ ولأن البيان الإلهي لم يشترط في ذبائحهم ولا في ذبائح المسلمين سوى التذكية (٤)، فدلَّ على أن التسمية مستحبة، وليست من

стр. 469

الواجبات. وأما قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] الذي فيه الأمر بالتسمية، فإنّ المقصود بذلك التسمية عند الأكل. قال الإمام القرطبي: "وهو الأظهر" (١)، وقد استدل القرطبي بقوله ﷺ : "إن الشيطان يستحلُّ الطعام ألا يذكر اسم الله عليه" (٢). ومن السنة أن يسأل الله القبول أخذاً من الدليل العام على لسان الخليل والذبيح معاً وهما يبنيان البيت ويدعوان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وأخذاً من الدليل الخاص الوارد في صحيح مسلم عن عائشة أنَّ النبي ﷺ أخذ الكبش، ثم ذبحه، ثم قال: "باسم الله، اللهم تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحَّى به" (٣). زاد ابن ماجة: "فقال حين وجّههما (٤): إني وجَّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أوَّل المسلمين. اللهم! لك ومنك (٥)، عن محمد وأمته" (٦). وزاد أبو داود: "باسم الله، والله أكبر، ثم ذبح" (٧).

стр. 470

قال الإمام النووي: "فيه دليل لاستحباب قول المضحّي حال الذبح مع التسمية والتكبير: اللهم! تقبّل مني" (١). ومن أحكام ذلك أنه إذا ذبح أو نحر لم يجز في حقه بيع جلد الهدي أو الأضحية ولا شيء مما يتعلق بهما، ومثله ما لو أعطى شيئاً منها للجزّار بسبب جزارته (٢). فالهدي والأضحية تطوعاً أو واجباً سواء بسواء، والحكم الشرعي فيهما واحد من حيث إنه لا يجوز بيع شيء منها، ولا إعطاء الجلد أُجرة للجزار، بيد أنهما يفترقان من حيث إنَّ التطوع للمهدي أو المضحي أن ينتفع بجلده وغيره لبساً وما شابهه، أما الواجب فلا ينتفع به لا بيعاً ولا لبساً، ولا بأيّ وجه آخر (٣). دليل ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم بلفظه عن علي قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجِلَّتها (٤)، وأن لا أعطي الجزار منها (٥). قال: نحن نعطيه من عندنا" (٦).

стр. 471

وفي رواية للبخاري: "فأمرني فقسمتها، ثم أمرني بجلالها فقسمتها، ثم بجلودها فقسمتها " (١). وزاد ابن خزيمة: "على المساكين" (٢). فالذي عليه السلف الصالح أنه يتصدق بلحمها وجلودها وجلالها، لكن هل يجوز أن يبيع أو يأكل منها؟ تفصيل ذلك على النحو التالي: لا يجوز بيع شيء من الهدي ولا الأضحية سواء كان ذلك واجباً، أو تطوّعاً فيحرم بيع شيء من هذه أو تلك، ولو من جلدها أو شحمها، أو من سائر أجزائها (٣). دليل ذلك الحديث الذي أوردته قبل أسطر عن الصحيحين، وفيه وجوب التصدق بها، والتصدق يتنافى مع البيع لا بل إنّ مبالغة النبي ﷺ في أقل أجزائها قيمةً، وهو الجلد أن لا تقع عليه المعاوضة دليل جازم على حرمة عقد البيع؛ لأنه من عقود المعاوضات. ومن الأدلة الواضحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر أن أبا قتادة أتى

стр. 472

أهله، فوجد قصعة ثريد من قديد الأضحى، فأبى أن يأكله، فأتى قتادةَ بن النعمان فأخبره أن النبي ﷺ قام في حج فقال: "إني كنت أمرتكم أن لا تأكلوا الأضاحي فوق ثلاثة أيام لتسعكم، وإنّي أحله لكم، فكلوا منه ما شئتم" (١)، قال: "ولا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي، فكلوا، وتصدقوا واستمتعوا بجلودها، وإن أطعمتم من لحومها شيئاً فكلوه إن شئتم" (٢). ويؤيده الحديث الآخر عن أبي سعيد الخدري عن أبيه وقتادة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "كلوا لحوم الأضاحي، وادخروا" (٣). كما يؤيده الحديث الثالث عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ قد نهانا أن نأكل لحوم نُسُكنا فوق ثلاث، قال: فخرجت في سفر، ثم قَدِمْتُ على أهلي، وذلك بعد الأضحى بأيام، قال: فأتتني صاحبتي بِسِلْقٍ قد جَعَلَتْ فيه قديداً، فقلت لها: أوَ لم ينهنا رسول الله ﷺ عن أن نأكلها فوق ثلاث؟ قال: فقالت: إنه قد رخص للناس بعد ذلك. قال: فلم أصدقها حتى بعثتُ إلى أخي قتادة بن النعمان ـ وكان بدرياً ـ أسأله عن ذلك، قال: "فبعث إليَّ أن كُلْ طعامك فقد صَدَقَتْ، قد أرخص رسول الله ﷺ للمسلمين في

стр. 473

ذلك" (١). ومن الأدلة التي ما ينبغي لأحدنا أن يغفل عنها وهو يستظل بالرواق الممتد لحجة النبي ﷺ في أدق تفصيلاتها ذلك النص الذي أورده جابر، ورواه عنه مسلم من أنه ﷺ "أمر ببَضعة ـ بقطعة ـ أُخذت من كل بدنة من بُدُنه فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها"، لذلك قال العلماء: لما كان الأكل من كلّ واحدة سنة، وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة، جعلت في قدر ليكون آكلاً من مرق الجميع الذي فيه جزء من كل واحدة، ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسَّر (٢). وقال الإمام النووي: "وأجمع العلماء على أنَّ الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة ليس بواجب" (٣) فالأكل منها خاص بهدي وأضحية التطوع كما سيأتي. فالهدي قسمان: الأول: هدي التطوع وهو الذي يتقرب به الحاج أو المعتمر إلى الله دون وجود سبب يلزمه بذلك. وهذا مستحب لكل حاج أو معتمر اقتداء به ﷺ في حجة الوداع فقد أهدى مائة بدنة كما هو متفق عليه من روايتي البخاري ومسلم، وهذا الهدي يستحب أن يأكل منه كالأضحية، ويجب عليه عند الشافعية والحنبلية أن يتصدق بقدر يقع عليه اسم الصدقة ولو كان قليلاً ما لم يكن تافهاً. نفهم هذا من خلال الأدلة السابقة، ومن قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا شَهْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ

стр. 474

فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. فالأمر بالأكل على الندب، وهو محل إجماع العلماء كما مرَّ من كلام النووي، والأمر بالإطعام على سبيل الوجوب لشيء يطلق عليه اسم الصدقة (١) منها وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. وذكر الشافعية أن السنة في الأكل والتصدق أن يقتصر على أكل لقم، ويتصدق بالباقي، فإن لم يفعل انتقل إلى الرتبة التالية لها في الفضل، وهي أن يأكل الثلث ويتصدق بالباقي، فإن لم يفعل انتقل إلى الرتبة الثالثة في الفضل -وهي دونهما- وهي أن يأكل ثلث

стр. 475

الأضحية ويتصدق بثلثها، ويهدي الثلث الباقي إلى الأغنياء، وفي هذه الصورة يثاب على التضحية بالكل، وعلى التصدق بالبعض (١). وعندهم لا تصح الأضحية عن الميت إلّا إن أوصى بذلك، أو أمر به (٢)، بخلاف الصدقة عن الميت فتقع وإن لم يوص بها؛ لأن الأضحية فداء عن النفس فلم تقبل النيابة إلّا بالنص الشرعي عليها كالحج، بخلاف مطلق الصدقة (٣). الهدي الثاني: هدي النذر وهو ما ينذره الحاج للبيت الحرام، ومنه الأضحية المنذورة أو المعينة بنحو: هذه أضحيتي، أو الملتزمة بالذمة، فهذا كله يدخل في إطار الواجب لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. والواجب أن ليس له أكل شيء منه؛ لأنه أخرج نفسه عن هذا بما أوجبه عليها من جعل الهدي أو الأضحية كلها لله تعالى، وما كان كذلك لا ينال الله منه لحماً ولا دماً، لكن يناله التقوى من الناذر المتصدق وذلك بصرف المنذور إلى عباد الله المسلمين من الفقراء. وبهذا لم يعد جائزاً صرف شيء من النذر إلى نفسه، فإن أكل منها غرم بقيمته (٤). فالهدي والأضحية نذراً أو تطوعاً يجتمعان في حرمة بيع شيء من أجزائهما، وحرمة دفع الجلد للجزار ثمناً لذبح الحيوان أو سلخه.

стр. 476

والهدي والأضحية يفترقان بين التطوع والنذر فيما سوى ذلك: فإن كانت واجبة لزم التصدق بجلدها وغيره من سائر أجزائها فرضاً وحرم الانتفاع به بأي وجه من وجوه الانتفاع وكذا حرم الأكل منها؛ لأنها خرجت عن ملكه فلم يعد له من سلطان عليها (١). وإن كانت تطوعاً جاز الانتفاع بجلدها دون بيعه، كما لو لبسه، أو جلس عليه بعد أن يطهره بالدباغ، وجاز الانتفاع بادّخار شحمها، وبعض لحمها للأكل والهدية (٢). ومن المسائل ذات الصلة الوثيقة بهذا أنه لو كان معه هدي واجب، وهدي تطوع فالأفضل أن يبدأ بالواجب؛ لأنه الأهم والثواب فيه أكثر (٣). ومنها أن له أن يشترك مع غيره في الهدي سواء كان واجباً أو تطوعاً، وسواء كانوا متقرِّبين أم لا (٤). ومنها أن الفقير إذا ملك من الواجبة أو التطوع شيئاً جاز له التصرف فيه بيعاً أو

стр. 477

أكلاً أو إهداء، أما إذا ملك الغني من التطوع (١) شيئاً فإنه يجوز له الأكل أو الإهداء، وليس له نحو بيع (٢). وإذا كان الكلام في دم الهدي والأضحية تطوعاً ونذراً، فيلزم معه التعريج على لازمه في كتاب الحج وهو دم التمتع والقران، أو ما يطلق عليه العلماء الهدي الواجب. فهدي التمتع هو شاة تذبح عندما يؤدي الحاج العمرة في أشهر الحج قبل الحج، ثم يتحلل ويتمتع بالتحلل من محرمات الإحرام حتى إحرامه بالحج. دليله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. هدي التمتع هو دم جبر عند الشافعية؛ لأنه شرع جبراً للخلل الحاصل في مخالفة أصل الإحرام، وميقاته، فأصل الإحرام عندنا هو الإفراد، ومواقيت الإحرام عند الأمة قاطبة مشهورة معروفة، ومن تمتع بالعمرة إلى الحج في أشهر الحج فقد أحرم بالحج من مكة لامن الميقات لذلك شرع الهدي جبراً لهذا الخلل. وهدي القران هو دم جبر أيضاً؛ لأن القارن يأتي بالحج والعمرة بإحرام واحد، وليس بإحرامين، فشرع الهدي سداً لهذا الخلل (٣). وما دام هدي التمتع والقران واجباً فقد أخذ حكم الهدي المنذور والأضحية المنذورة فلا يؤكل منه شيء (٤).

стр. 478

وقد مرَّ معك من كلام إمامنا النووي أن صفة إحرام رسول الله ﷺ كانت الإفراد، فلم يكن قارناً ولا متمتعاً لذلك حمل الشافعية أحاديث الأكل من هديه ﷺ وأكل غيره من هدي نفسه أو من هدي غيره، على أنها أكل من هدي التطوع؛ لأن الإفراد لا دم عليه، والرسول ﷺ كان مفرداً، فالأكل من هديه ليس له إلّا هذا الوجه. القسم الأخير هو الذي يطلق عليه الفقهاء هدي الجبران وهو الذي يقع جبراً لخلل حادثٍ في الحج أو العمرة كالإحصار أو ما يلحق به من الجنايات كارتداء المحيط أو ستر الرأس، أو حلق الشعر قبل وقت التحلل. هذا الهدي باتفاق الحنفية والشافعية والحنبلية لا يؤكل منه (١)؛ لأنه دم واجب باتفاقهم؛ لأنه دم كفارة وجزاء على جناية فلا يطعم منه، ويجب التصدق بجميعه لفقراء ومساكين الحرم (٢). والخلاصة: أن الدماء الواجبة لا يطعمها ولا يبيعها وعليه أن يتصدق بها جميعاً، وأن هذه الدماء هي الهدي النذر، والأضحية النذر، ودماء الكفارات ودم التمتع

стр. 479

والقران، واستثنى الحنفية حين رأوا في هذين الأخيرين دماء شكر لله تعالى فأجازوا الأكل من لحمها. ولا خلاف بين فقهاء المذاهب جميعاً أن دم التطوع يجوز الأكل منه وهو هدي التطوع، وأضحية التطوع. إن الجزء الذي درسته وإياك من كلام جابر الأخير يتضمن العديد من المسائل النفيسة التي تفوت معظم حجاج اليوم، وقد عملت بتوفيق الله على تناول أبرزها ولم أتعمد الاستقصاء وفي ختام الارتحال بين محطاتها أحط رحلي عند آخر ما يمكنني رؤيته هاماً فيها، وهي الملاحظة التي لم أقرأها في كتاب، لكنني أعتصرها من وحي تجربتي السنوية في إطار هذا الركن العظيم. إن هذا العدد الهائل من البدن التي نحرها رسول الله ﷺ ، والتي بلغت المائة، فعل ذلك بيده لثلاث وستين منها، واستناب علياً فيما غبر من تمام المائة، يشكل محطة ما ينبغي أن نتجاوزها دون أن نقف عندها ملياً: ففي هذا المشهد استحباب تكثير الهدي واستحباب أن يباشر الحاج نسك ذبح الهدي بنفسه، مجسداً في عمله ذاك روح الإقبال على الطاعة، ومتعة تنفيذها استجابة لأمر الله. بيد أنّ هذا المشهد فيه معنى آخر هو غير ما ذكره الفقهاء نستخلصه من معرفتنا للثمن الباهظ الذي يبذل في جانب كل بدنة، ثم في مضاعفة البذل إلى مائة مرة مع تضاعف عدد الإبل إلى هذا الرقم، الذي يصل معه الثمن النهائي إلى حد بالغ العلو في الأداء، بما يشير إلى الجانب المادي في رحلة الركن الخامس، حيث يتوازى الجهاد بمشقة النفس مع الجهاد ببذل المال في عبادة يتعانق فيها الجهادان في طريق واحد، وصوب غاية واحدة. وقفة تعيدنا إلى الأصل الذي استند إليه فقهاؤنا في وجوب الحج، وهو في القرآن

стр. 480

الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وفي الحديث الشريف في قوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس ... " وآخرها "وحج البيت من استطاع إليه سبيلا". مصدران يؤصلان في هذا الواجب روح الاستطاعة البدنية والمالية، ويلقيان مع حديث جابر في نحر بدن رسول الله ﷺ الضوء كثيفاً على طبيعة الإنفاق المرافق لهذا الركن من البدء حتى المنتهى، وكيف أنه ليس بذلاً بسيطاً ولا رمزياً لكنه حقيقي وباهظ، يرمز إلى صدق العبد في ولائه لسيد الأرض والسماء والوجود كله ألا وهو الله . نفقات الحج لم تكن يوماً إلّا برهاناً على إيمان صاحبها، في إقباله على ربّ العزة في بيت الجلال والجمال البيت العتيق، بقلب متواضع، وتوبة صادقة، وندمٍ أكيد على ما فات من اجتراح المعاصي والآثام في إقبال ممهور بالأمارات الصادقة والعلامات الفارقة على هذا السعي الحثيث لينال رضوان الله في حجٍ يعمل فيه بكل ما في وسعه ليكون الجزاء عليه هو الجنة. من زاوية أخرى فإن نحر هذا العدد الهائل من الإبل مضافاً إليه طول المدة التي قضاها رسول الله ﷺ منذ خروجه من المدينة حتى عودته إليها في حجة الوداع، مع ما يعنيه ذلك من نفقات سفر وإقامة وطعام، كل هذا يرد على أولئك اللاهثين خلف مناسك لا إنفاق فيها فإن تيسر لهم ذلك أدَّوها، وإلّا فلا مصلحة لهم فيها! والأفظع من هذا عندما يشترطون في رحلتهم أن ينالهم نصيب من حطام هذه الدنيا، ويجادلون في تحديد نسبته وإمكانية الزيادة فيه وإلّا فلا حاجة عندهم في تلك الرحلة المباركة! وأحياناً يجري ما هو أشدّ سوءاً، وأكثر إيلاماً عندما يذهبون إلى مكة بقصد التكسب بشتى الوسائل المتاحة، منتقلين مع حجاج بيت الله الحرام من مكة إلى عرفات فمزدلفة فمنى فمكة، ثم العودة إلى

стр. 481

منى لأجل الإقامة فيها الليالي المعدودة المعهودة، ثم لا يؤدون مناسك الحج بزعم انشغالهم عن الله وتجلياته في مواطن رحمته بما بين أيديهم من أعمال زهّدتهم بالآخرة، وكان حقهم أن يزهدوا بدنياهم في مواقف العبرات واستمطار البركات! رأيت هذا بين السائقين! رأيته بين المطعمين! ورأيته بين المطوفين ومن يدور في فلكهم من أدلاء الحج ومن نحا نحوهم من موظفين! ورأيته بين سائر شرائح العاملين المنغمسين في تحصيل دنيوي قليل رغم ما يحيط بهم من منافذ الخير العميم! يزهدون بهذا الحصن الحصين مع أنهم يصعدون إلى موقف عرفات، وينفرون إلى ربا مزدلفة، ويبيتون في أرض منى، لكنهم عن الحج الذي قصدوا رياضه محرومون! وما كان يفصلهم عن التمسك بأستاره سوى نية صادقة، وعزم أكيد لا يتعارض مع خدمة ضيوف الرحمن بالأجر الذي يبتغونه من فضل الله! إذن هناك فريق من الحجاج يبحث عن تجريد مناسك الركن الخامس من قسيمها المالي! وهو بهذا إنما يخالف الحكمة التي من أجلها شرع ربنا الحكمة إلى بيت الله الحرام، وهي الجهاد بالمشقة البدنية والمالية معاً، وسواء بسواء. وهناك شريحة أخرى تزهد بكل ما في رحاب المناسك من تجليات حين تقزّم قصدها إلى عرض من الدنيا قليل! لا همّ لها إلّا أن تنال أيّ شيء دون أن تبذل في سبيل مرضاة الله تعالى أيَّ شيء! . إنهم بمحاولتهم الالتفاف حول هذه الحكمة إنما يضادون العلة التي أقيمت حولها حياض الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة، والذي لا يدانيه برهان على صدق ولاء العبد لسلطان المولى العظيم، اللهم إلّا الجهاد القتالي في حربٍ يخوضها بسيفه، لا يرجع منها بشيء من نفس أو مال، بعد أن صعدت روحه فيها إلى بارئها. نعم في كلا

стр. 482

الجهادين لا يعود على المسلم نفع مادي مشاهد في الوقت الذي يبذل فيه مشقة النفس والمنافع المادية، بيد أنه في الأخرى منهما تزهق روحه دون الأولى فقدّمت عليها. وهل المال إلّا شقيق الروح؟ فإذا استرخص الحاج كلفة الجسد (١) في سبيل يرضى بها عنه رب العزّة، وقرن ذلك ببذل الروح الذي يعادل النفس، وكان ذلك بحيث لا يكون إنفاقاً من حيث الشكل فقط، في أرض تجمع غبار الجهاد، إلى شظف العيش، إلى الظلّ بعيداً عن الدعاية والإعلام، فإنه بهذا يقدم البرهان الأكيد، والعلامة الفارقة على إخلاص قصده بين يدي مولاه الكريم العلي المتعال (٢). نعم لقد قدّم رسول الله ﷺ في بذله يوم النحر أروع صورة تحكي لنا كرم النبوة، وسخاء المسلم، واحتساب المؤمن في معاملته مع الله، وصدق الادّعاء بين يديه، إذ لكل ما يدعيه الإنسان شاهد ودليل، وهل مثل عطاءِ من لا يخشى الفقر ناطق بالشاهد والدليل؟ لاسيما وأنه ﷺ مات لوقت قريب، وليس عنده مال يورثه، حتى إن درعه يوم التحاقه بالرفيق الأعلى كانت مرهونة عند رجل من اليهود. إن طائفة من المسلمين اليوم تظل تحدثك عن ضخامة النفقات، وتتهمك بالإسراف في رصدك للّائق من الخدمات، في محاولة منها لسحب البساط عن عملية الإنفاق في هذه الرحلة المباركة، وكأن الحج صلاة والتكليف فيها بدني!

стр. 483

ذريعتهم في ذلك أنك في عبادة، والعبادة تلازمها صفة الزهد، وهو ما يتنافى مع صرف المال في سائر الوجوه! المشكلة التي يعانيها الإخوة أنهم لا يملكون خريطة لتحديد ما هو إسراف مذموم فعله، وما هو بذل محمود شأنه! يتفوهون بهذا متجاهلين أن جميع ما ينفقه متوسط الحاج السوري في كامل رحلته لا يبلغ عشر معشار ما أنفقه رسول الله ﷺ يوم النحر وحده! كما يتغافلون عن اشتراط الفقهاء لراحلة (١) تليق بالمسافر، وتليق بوضعه في مجتمعه الذي ارتحل منه، لذلك لم نجدهم يشترطون وجود راحلة فحسب وإنما يراعون الشرط المذكور، لا بل وجدت فقهاءنا يقولون: إن لحقه بالراحلة مشقة شديدة اشترط وجود مَحْمِل (٢) فوق الراحلة، فإن لحقه في ركوبه مشقة شديدة مع وجود المَحْمِل اعتبر في حقه الكنيسة (٣)، وهي أعواد مرتفعة في جوانب المحمل يكون عليها ستر دافع للحر والبرد (٤). ولا بد أن هذا يتطلب نفقات كبيرة تتناسب مع عظمة هذا الركن وغاياته والزمن الطويل لأدائه نسبياً. في خضم هذا الاختلاف أجد من الخير أن أعود إلى ضابط الإسراف والبذل

стр. 484

المحمود لئلا تتداخل الشواهد، فتختلط المفاهيم ولئلا نسيء الظن في الذي ينهانا عن السَّرف، ولا نقع ضحية لشباك من يستدرجنا إلى الإنفاق المذموم، لاسيما وأن هذه الرحلة مدرسة كبرى تروض نفوس المنتسبين إليها إلى الطواعية لأمر الله، ومجاهدة الأهواء والشهوات، وإحكام السيطرة على مقود النفس البشرية، لتسمو نفوس أبنائها في مدارج الرجال الذين تنتظر منهم أمتهم الكثير في حمل آمالها وآلامها. الحق الذي أتى على ذكره الفقهاء أن طيب الزاد ليس من الإسراف وهذه هي القاعدة الأولى في هذا الموضوع؛ لأن زاد الرجل دليل كرمه، بدليل قول ابن عمر ﵄: "من كرم الرجل طيب زاده في سفره". القاعدة الثانية: أن التوسع في الزاد الطيب مطلوب ما لم يتجاوز حد الاعتدال، وإلا بلغ بصاحبه رتبة السَّرف. القاعدة الثالثة: يقاس على المطعم كل من المشرب والملبس والمسكن فننحو بها ذات النحو في أمر الطعام. القاعدة الرابعة: البذل في سبيل الله إطعاماً أو إسقاء أو إسكاناً أو رعاية، أو هدياً أو غير ذلك من المكارم التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم في طباعه اليومية، فضلاً عن عباداته تحت سقف هذا الحصن الجليل، لا يعد من السَّرَف في شيء. القاعدة الخامسة: لا حدود في ضابط الاعتدال في البذل ما دام ذلك وفق طاقة المعطي المادية؛ لأنه لا سرف في كثرة البذل مهما بلغ، بدليل ما وجدنا من رسول الله ﷺ يوم النحر، وبعد أشهر لقي ربه، ولا مال عنده. كيف لا، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، كما قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا

стр. 485

وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الدهر: ٨]. وفي جعل الإطعام من البر قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخَرُ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. كيف لا، والبذل في وجوه الخير تضحية للغير؛ لإقامة الحضارة في هذه الدنيا الفانية، رجاء ما يدخره الله لنا من الأجر من حصاد مضمون في الآخرة الباقية. كيف لا وقد ربط لنا رسول الله ﷺ الحج المبرور بوجوه الإنفاق في الخير، عندما قال صلوات الله عليه وسلامه: "الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة، فقيل يا رسول الله ما برّ الحج؟ فقال: طيب الكلام، وإطعام الطعام"، فجعل بذل الطعام لمن يحتاجه أمارة على الحج الخاص الذي ينال به صاحبه أعلى الرتب. كيف لا والصدقة هناك يضاعفها ربنا للمحسنين. قال الإمام حجة الإسلام الغزالي وهو يتعرض لدقائق أسرار الحج: "الثالث: التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل، والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف، بل على الاقتصاد، وأعني بالإسراف التنعم بأطايب الأطعمة، والترفه بشرب أنواعها على عادة المترفين" (١). فالإنفاق على وجوه الخير المختلفة مهما بلغ هو سنة مستحبة عن رسول الله ﷺ ما دامت في حدود الحاج وإمكاناته. والإنفاق على ألوان الأطعمة والأشربة على عادة المترفين هو إسراف يتنافى مع الحكمة التي يدور حول محورها الحج إلى بيت الله الحرام. وطيب الزاد مع التوسع فيه من غير إسراف في ذلك علامة الكرم الذي شجع

стр. 486

عليه الإسلام، ودعا إليه رسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرِجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ويؤخذ من كلام النووي وابن حجر الهيتمي خاصّة، وسائر الفقهاء عامَّة، أن التواضع في الوسيلة والغاية والهيئة هو الأليق بهذه الفريضة، وهو الأقرب إلى هيئة رسول الله ﷺ الذي لا يتقدم عليه أحد في الفضل، لذلك قال إمامنا النووي: "وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ حجَّ راكباً وكانت راحلته زاملتَه" (١). والزاملة بعير يحمل عليه المتاع والطعام، لكنَّ رسول الله ﷺ كانت حاجاته محمولة معه تصحبه على البعير الذي يركبه (٢). كما قال إمامنا النووي: "فإنْ كان يَشقُّ عليه الرَّحْل لعذر كضعفٍ أو علةٍ في بدنه أو نحو ذلك فلا بأسَ بالمَحْمِل"، بل هو في هذه الحالة مستحب. وإن كان يشق عليه الرَّحْلُ والقَتَبُ (٣) لرياسته وارتفاع منزلته أو نسبه، أو عمله، أو شرفه، أو جاهه، أو ثروته، أو مروءتِهِ، أو نحو ذلك من مقاصد أهل الدنيا لم يكن ذلك عذراً في ترك السنة في اختيار الرَّحل والقَتَب (٤)، فإنّ رسول الله ﷺ خيرٌ من هذا الجاهل

стр. 487

بمقدار نفسه، والله أعلم" (١). فالتواضع هو الوصف الذي لا يليق غيره برحلة القصد إلى حمى البيت العتيق، أما الإسراف والترفه فهو مما يتنافى مع مقاصدها، وأهدافها وغبار الجهاد الذي يتخرَّج من تحت طبقاته رجال الأمل، وصنَّاع المستقبل، لذلك فالأجدر بخصال المسرفين المترفين أن تقصى عن حياض الزمان والمكان الذي يقام على إحداثياته مناسك الترويض والبناء الحقيقي لمنتسبي هذه الجامعة الحقيقية. ومن لازم هذا الكلام أن الموائد العامرة التي تقيمها فنادق النجوم الخمسة، ذات الدرجة الأولى، في مكة المكرمة، للمحرمين من حجاج المسجد الحرام في مطاعم تنتصب فيها العشرات من ألوان الأطعمة والأشربة الفارهة، في أجواء بزخ وترف، تنسي الفقر وأهله والفقير وآلامه، والحاجة وبواعثها، والتربية ووسائلها، والهدف وسمّوه (٢) لا بل تنسي أن لهذا المسجد شقيقاً أسيراً يسام وأهله صنوف الخسف والعذاب في قدس فلسطين قدس الأمة المسلمة المرابطة الثَّكلى، وفي جنباتها لا يجد

стр. 488

أبناؤه سوى الحصير، والبسط القديمة البالية للصلاة والجلوس عليها، ولا وسائل التهوية البدائية لتخفيف وطأة الحر الشديد، ولا اللقمة المشبعة المحرّرة من ذل القيد والهوان ولا غير هذا من الحاجيات أو الضروريات فضلاً عن أنواع السجاد النادر، والتكييف المركزي وأصناف الألبسة المميزة، وموائد الطعام الممتدة، التي يتمتع بها بفضل الله هذا النوع من فنادق مكة المكرمة فأين نحن من الوسيلة الرفيعة، والغاية النبيلة والشعور الدافئ الذي من المفترض أنه يسري من أجواء الإحرام في النية واللباس والمحظورات، وهيئة الأداء والموقع والارتحال؟ أي ما نحن فيه اليوم من رحلة غدت ترفيهية دنيوية، أكثر منها جهادية إنسانية وتربوية أخروية؟ أين حسن الصلة بالله من صبغة الغفلة عن الله التي لفّت شرائح من حجاج هذه الأيام، وهي الرحلة التي عُبِّدَت لتكون طريقاً واضحاً يتعرف فيه عباد الله على سلطان الله، ويتذوقون بين يديه معاني التذلل والتضرع والإنابة إليه؟ أنبه على هذا واعتقادي الجازم أنّ من بين من اعتادوا على حياة الرفاهية هذه أصحاب قلوب واصلة، ومشاعر دافئة، وإيمان صاف زلال، فلا تحجبهم عن ربهم كل موائد الدنيا، وأسباب المظاهر فيها؛ لأن لهم قلوباً تعاهدوها، وأوراداً سقت بِوَارِدها غراس الإيمان في قلوبهم لكنّ الذي يظل مأخذاً عليهم أن هذا الذي لم يُحرّمه الشرع بحال، هو مما كرهته آداب الإسلام بعد أن تعارض مع الانتساب لهذه الفريضة في الوسيلة والقصد. أين نحن من حج رسول الله ﷺ ، في حين غدا اليوم مباهاة بين شريحة من الحجيج على عَرَضٍ من الدنيا قليل، وقد كان في زمن السلف الصالح ترويضاً جاداً للتحرر من قيودها، والعلوّ فوق شهواتها، امتلاكاً من العبد الصادق لدفة رُبّانها. قال العلامة

стр. 489

النووي في وصاياه: "التاسعة عشرة: أن يتجنَّب الشِّبَعَ المفرط، والزينة، والترفّه، والتبسط في ألوان الأطعمة فإنّ الحاجّ أشعث أغبر" (١). بعد هذه التغطية الفقهية لمسألة هي من أكثر ما ينتصب في طريق الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة، ثمة ما يخفف كراهتها، وهي أن أكثر هؤلاء الإخوة إن لم نقل جميعهم، إنما يدخلون مكة المكرمة متمتعين، وبالتالي فإنّ التقشف، والابتعاد عن عادات المترفين بالإمكان حصره زمن الإحرام، وهو ما يبدأ لحظة الإحرام في الطائرة عند ما تحاذي الميقات أو تكاد، وتستمر إلى أن يصل الحاج مدينة الحجاج بجدة، متوجهاً إلى المسجد الحرام ليطوف طواف العمرة، ويسعى سعيها - وهما ركنان فيها - ثم يؤدي ركن التحلل وهو الحلق أو التقصير وهناك يغدو حلالاً كواحد من أهل مكة، يمارس مثلهم جميع ما كان محظوراً عليه وقت إحرامه، وهكذا يمضي في حله في فندقه من أرض الحرم إلى أن تطلع شمس اليوم الثامن من ذي الحجة، حيث يحرم من مكان إقامته، ويبدأ لتوّه برحلة إحرام جديدة من قائمة المحظورات المعهودة، التي تتنافى مع موائد الملوك والرفاهية، وبذلك يعود المعنى الذي واكب الحاج في إحرام العمرة ليصاحبه هنا في إحرام الحج، لا سيما في خيمة عرفات التي لا يتفق تعدد الطعام ألواناً والشراب أصنافاً كثيرة، مع وظيفتها الجليلة، وهي التي تؤدى في وقت خطير جداً لا يمكن تداركه إذا فات، بخلاف غيره، لذلك حذّر العلماء العاملون من التقصير فيه، بينما يأتي مثل هذا السَّرَف مشغلة للقلب، مضيعة للوقت، وهو ما يثبط الهمة العالية التي لا يجوز أن تصرف لغير الاجتهاد في العبادة، وهو ما لا يليق في هذا الظرف

стр. 490

الاستثنائي من عمر الركن الخامس فإذا نفر الحاج من عرفة، وبات بالمزدلفة، ورمى جمرة العقبة، ثم حلق أو قصّر، فإنه يعود من هناك إلى وضعه الذي كان فيه قبل إحرامه في بلده أو بين الإحرامين في مكة المكرمة وبهذا لا يعود وجود للمعنى الذي ذكرت. حين يتحلل الحاج من إحرام الحج لا يبقى أمامه من مناسكه سوى واجبِ المبيت بمنى، وواجب الرمي أيام منى، ثم واجب طواف الوداع عقب ذلك، يوم يقرر مغادرة البيت العتيق. في هذه الأيام تتراجع الكثير من المعاني التي كان عليها عهد الحاج قبل تحلله، بدليل قول رسول الله ﷺ : "أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى" فهي أيام تجمع التمتع باللذائذ المباحة جنباً إلى جنب مع القيام بواجب العبودية بين يدي مالك الملك، يتجلى هذا المعنى أكثر في الرواية الأخرى التي يرويها الدارقطني عن عبد الله بن حذافة السهمي بلفظ: "أيام منى أيام أكل وشرب وبعال" (١)، والبعال ملاعبة الرجل أهله. هذه هي الصورة كما ترسمها القواعد المذكورة، وإن كنت أرى أن زمن هذه الرحلة بشقيها الإحرام والتحلل هو ظرف لا ينبغي في مثله الإسراف - لاسيما وأن الإسراف مذموم مطلقاً - تماماً كاستراحة المجاهد، أو كفرصة الطالب بين الحصص المقررة لدروسه، وفيهما لايجوز أن يأتي صاحبها بما يتناقض والوظيفة المناطة به، لذلك فإنّ التنعم بأصناف الملاذ المباحة ترفهاً وتبسطاً، ولو بالنسبة للقادر عليها، ولو في غير وقت الإحرام، فإنه مكروه لغير معنى شرعي أو عذر مقبول. لاسيما وأنّ الإسراف لايقتصر النهي عنه على دائرة الحج، بل هو عام في كل وقت. قال الإمام العلامة ابن

стр. 491

حجر الهيتمي الشافعي: "قوله والتبسط في ألوان الأطعمة، محله كما هو ظاهر، وعليه يدل سياقه فيما إذا كان يفعل ذلك لنفسه بلا عذر، أما لغيره لعذر فلا بأس به، بل قد يتأكد في حق ضيف وغيره، ولا يبعد كراهة نحو الترفه (١) له بعد الإحرام نظير الصائم" (٢). فالتواضع في مسيرة الحج إلى بيت الله الحرام عنوان، يتناسب مع الحاج القاصد لوجه ربّه الكريم، في رحاب المعبد الإسلامي التوحيدي الكبير، لكن هل يتعارض ذلك مع ركوب الطائرات من باب أنّ رسول الله ﷺ كانت راحلته زاملتَه؟ ركوب الطائرات، وما توفره من خدمات جليلة لضيوف الرحمن، وفي مقدمتها سهولة الوصول، وسرعة القدوم بما يحفظ الوقت الثمين، أمر طيب ومحبب لاسيما وأن الوقت هو رأس المال النفيس الذي حرص الإسلام على استثماره وتوظيفه في بناء الحضارة الإسلامية فوق هذه الأرض مما يجعلني أجزم أنه لا يمكن العثور على فقيه يختلف معي في أنّ امتطاء صهوة هذا المركب المستحدث لا يعد لوناً من الرفاهية التي تتعارض مع تواضع الوسيلة والغاية في مدرسة هذا البناء الشامخ، لاسيما وأنها تنسجم مع شرط من شروط هذه الرحلة وهو أمن الطريق؛ حيث تعد خطوط السفر الجوي

стр. 492

أكثر الوسائل أمناً وأقلها تعرضاً للخطورة كما أنها تتراجع بصحبتها مظاهر الإذلال التي ترافق معظم المنافذ الحدودية البرية على طول الكرة الأرضية وعرضها. ثم أليس للطائرات فضيلة تسهيل وصول وفد الله من كل بقاع الأرض إلى حرمه الآمن، أما النفقات الباهظة التي ترافق هذه الوسيلة فإنها تتواضع أمام هذه الثمار اليانعة خصوصاً الأمان والوقت، كما أنها تصب في الجهاد المالي الذي لا تتم مناسك الحج من غيره. النقطة الأخيرة التي تسجل هنا أن النقل بالجو أصبح سمة العصر وجزءاً لا يتجزأ من التواصل بين مدنه وقاراته في حركة حياتنا اليومية، يقصده الغني والفقير على حدٍّ سواء مما ينفي صفة الترفه التي لا تليق بتواضع هذه الفريضة وغاياتها، أما الإشكال الذي قد يُحدثه كلام النووي من استحباب القَتَبِ والرَّحْل دون الهودج؛ لأن راحلة رسول الله ﷺ كانت زاملته فلا يتعارض مع ما سبق بيانه لماذا؟ ؛ لأن الفقهاء لم يكونوا حرفيين في التعامل مع النصوص فقد راعى اجتهادهم مثلاً عادة المرأة في سفرها الدنيوي فقالوا بمثله في سفر الحج، ومن المعلوم أن ذلك يختلف بين امرأة وأُخرى بتأثير البيئة والتقاليد والثقافة، لذلك قال الإمام العلامة الخطيب الشربيني فيما نقله عن الأذرعي: "وغاية الرفق أن يسلك في العبادة مسلك العادة، فإنّ كثيراً من نساء الأعراب والأكراد والتركمان كالرجال فإنّ الواحدة منهنّ تركب الخيل في السفر الطويل بلا مشقة" (١) اهـ. أقول: فإذا كان لاختلاف المكان والقوم والظروف الاجتماعية والمناخية أثر في رؤية الفقهاء مع أن الزمان واحد، فكيف لا يكون لزمانين مختلفين، وبيئتين متباعدتين أثر في

стр. 493

ذلك، والحق أن رسول الله ﷺ لو كان بيننا اليوم لما توانى عن ركوب الطائرات، ولكانت طائرته زاملته، لاسيما وأنّ أُمته مجمعة على ذلك، وهو ﷺ مَن علّمنا أن أمة الإسلام لا تجتمع على ضلالة، وأنها معصومة عن الخطأ والزلل إن أجمع فقهاؤها قاطبة على أمرٍ ما (١). * * *

стр. 494

خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه قال جابر ﵁: "ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة، فأتى بني عبد المطلب يسقُوْنَ على زمزم، فقال: انْزِعُوْا بني عبد المطلب، فلولا أن يَغْلِبَكُمُ الناسُ على سقايتكم لنَزَعْتُ مَعَكُم، فناولوه دَلْوَاً فَشَرِبَ منه": هذا النصّ الخاتم من كلام جابر ﵁ سأدع الحديث فيه لإمامنا المتفق على قدوته في العلم والورع والفهم والإحاطة، الذي صاحبنا متفضلاً في هذا البحث المتواضع، منذ بدايته لذلك أحببتُ منشرح الصدر أن يقع بكلام العلامة النووي مسك الختام، لعلّ ربي يكتب لهذا السفر القبول بنفحة إخلاصه، وإخلاص أمثاله من الأئمة الأوفياء الأعلام (١). قال الإمام العلامة أبو زكريا يحيى بن شرف النووي: "قوله: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلّى بمكة الظهر" هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين، وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر، وأفضله بعد رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي والحلق ويكون ذلك ضحوة يوم النحر، ويجوز في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة، ولا آخر لوقته، بل يصح ما دام الإنسان حياً، وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف ليلة

стр. 495

النحر قبل الوقوف، ثم أسرع إلى عرفات فوقف قبل الفجر لم يصح طوافه؛ لأنه قدمه على الوقوف. واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الإفاضة رمل ولا اضطباع إذا كان قد رمل واضطبع عقب طواف القدوم. ولو طاف بنية الوداع أو القدوم أو التطوّع وعليه طواف إفاضة وقع عن طواف الإفاضة بلا خلاف عندنا، نصّ عليه الشافعي، واتفق الأصحاب عليه كما لو كان عليه حجة الإسلام فحج بنية قضاء أو نذر أو تطوّع فإنه يقع عن حجة الإسلام، وقال أبو حنيفة وأكثر العلماء: لا يجزي طواف الإفاضة بنية غيره. واعلم أنّ طواف الإفاضة له أسماء، فيقال أيضاً طواف الزيارة، وطواف الفرض والركن، سماه بعض أصحابنا طواف الصدر، وأنكره الجمهور، قالوا: وإنما طواف الصدر طواف الوداع، والله أعلم. وفي هذا الحديث استحباب الركوب في الذهاب من منى إلى مكة، ومن مكة إلى منى ونحو ذلك من مناسك الحج، وقد ذكرنا قبل هذا مرات المسألة، وبيَّنّا أنّ الصحيح استحباب الركوب، وأنّ من أصحابنا من استحبّ المشي هناك" (١). كما قال الشيخ محيي الدين يحيى بن شرف النووي بعد ذلك: وقوله: "فأفاض إلى البيت فصلى الظهر" فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه، وأما قوله: "فصلى بمكة الظهر" فقد ذكر مسلم بعد هذا في أحاديث طواف الإفاضة من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر فصلى الظهر بمنى ووجهه الجمع بينهما أنه
следующие страницы →