كتاب الحج
من نظم
الإمام العمريطي الشافعي
في
«نهاية التدريب في نظم غاية التدريب»
стр. 2
كتاب الحج
من نظم
الإمام العمريطي الشافعي
في
«نهاية التدريب في نظم غاية التدريب»
تصنيف
الباحث الإسلامي
محمّد محيي الدين حمادة الغنيمي الميداني
دار اقرأ
стр. 3
جميع الحقوق محفوظة ... الكتاب: كتاب الحج من نظم الإمام العمريطي الشافعي
في «نهاية التدريب في نظم غاية التدريب».
تصنيف: محمّد محيي الدين حمادة الغنيمي الميداني
قياس الصفحة: ١٧ × ٢٥ سم
الطبعة الأولى
١٤٢٧ هـ ــ ٢٠٠٦ م
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكلِّ طرق الطَّبع والتصوير والنَّقل والتَّرجمة إلَّا بإذنٍ خطِّيِّ من النّاشر
دار اقرأ للطباعة والنشر والتوزيع
E-mail: iqraa@scs-net.org
سورية ــ دمشق ص. ب: ٥٩٥٧
تلفاكس: ٢٢٣٩٠٣١ - ١١ - ٩٦٣++
لبنان ــ بيروت
هاتف: ٦٥١٣٢٧ - ١ - ٩٦١++
стр. 4
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والفضل والطَّول والإنعام، الذي هدانا للإسلام، وعرفنا على الشرائع والأحكام، وجعل منها جسراً لسعادة أصحاب الإيمان، وجعل من ذلك قاعدة مطردة في الدنيا والأُخرى على الدوام، والذي أكرمنا بأركان الإسلام وبسط من التوحيد أساساً متيناً استندت إليه كل الأقسام، ورفع الركن الأول في هذا الصرح العظيم بالصلاة لتكون هاتف الوصل مع ربِّ العالمين من قبل كل الأنام، ورفع الركن الثاني بعبادة مالية تسري بالتراحم والتعاضد بين أبناء الإسلام، ورفع الركن الثالث بالصيام لله تعالى، الذي يجزي به كل من أخلص القصد للديّان، ثم رفع الركن الرابع بالحج إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً فجمع فيه سائر مقاصد القرآن.
لهذا فإن حزم الأمتعة صوب دار الإسلام الأولى، ونحو جذور التوحيد الراسخة ـ حيث أصولها وعبق رجالها هناك ـ هي أحد أركان الدين، ومن أجل القربات لرب العالمين، لأنها دعوة السماء إلى مائدة الرحمن في بيته العتيق الذي أقامه فوق هذه الأرض؛ ولأنها شعار كافة الرسل والأنبياء؛ ولأن نفحات الله في دنيا الناس تنال مكة منها النصيب الوافر، ولربما كانت جميعها تنزل هناك، ومن ثَمّ تقسم أرزاقها على العباد في أنحاء الأرض، تأخذ كل بقعة حصّتها القادمة إليها من بيت العزة والجبروت، بيت الله الحرام.
стр. 5
إنّ الحضارة التي يطمح إليها بنو الإنسان في عدالتها، ورأفتها، ومساواتها، وتكامل أبناء البشر فيها، وتعاضدهم لإنجاز مشروع الرقي فوق كوكبنا الصغير في شتى المرافق الإنسانية: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والرياضية، الإقليمية منها والقطرية والدولية، الآسيوية والإفريقية والغربية، الروحية والمادية، إنما تتجسد وتختزل في مدرسة الحج الكبرى التي تستقدم مندوبين عن كل فعاليّات البشر لتصهر منهم خلقاً آخر يعرف قدر نسبته إلى الإنسانية الأم، في الوقت الذي لا يجهل فيه قدر انتسابه إلى بني جنسه، وقومه، ومهنته، فهما دائرتان لا تطغى إحداهما على أُخرى، كل ذلك برعاية الإسلام الذي هو أرقى دائرة تحيط بكل الدوائر المذكورة، ترعاها، وتنسق فيما بينها، وعلى الخصوص في فريضة الحج التي تنبض بالدروس العملية لسموّ بني البشر (١).
فالذي يقصد مكة المكرمة لا بد وأن تحيا في قلبه وفكره وممارساته اليومية المعاني الحضارية التي لا يعمى عنها إلَّا من فقد نور البصيرة، وغرق في أوحال الجهل، لذلك لم يفرض الباري الحج إلى المسجد الحرام إلا مرة واحدة في العمر إلا إن اضطر الإنسان لقضاء فائتٍ أو أداء نذرٍ فرضه على نفسه بنفسه؛ لأن الرحلة العظيمة في وسائلها وغاياتها تحتاج من المسلم استعداداً تثقيفياً بالمبادئ الحضارية التي ينسجها الإسلام من مقدّمات وموضوعات هذه الرحلة الجهادية، التي هي تكليف شاق بالجهد والمال للارتحال من مواطن الحل إلى أرض الحرم، ومن عموم الأرض إلى خصوصها، ومن مستوى محدد في
стр. 6
الفيوضات الإلهية إلى جرعات عالية ترتقي بالروح والنفس، حيث ينتقل الحاج كالنحلة يرتشف من رحيق الآيات البيّنات في مكة (١) والكعبة (٢) والحجر الأسود (٣) وحجر إسماعيل (٤) والطواف (٥) والسعي (٦) والمقام (٧)
стр. 7
وزمزم (١) وسواها كثير من مواقع الطهر والرحمة.
ومن الوسائل التي مارسها الإسلام في تهيئة المسلم حاجّاً أو معتمراً لدخول مكة، أن أقام له في الطريق المواقيت، وألزمه بالإحرام، وحظّر عليه قائمة من المباحات التي صارت بإحرامه غير جائزة، وذلك على بعدٍ يمتد من عشرات الكيلومترات إلى مئاتٍ منها، حسب الميقات، وفي هذا خطوة رائدة من الركن الخامس لتثقيف المسلم قبل الوصول إلى مكة، من خلال هذه اللَّفتة التي تهز المحرم أن تهيَّأْ واستعدَّ فأنت قادم على مكّة التي لا توجد مدينة في الدنيا مثلها، ولا يَسْتَقبلُ إنسان بقعة في الوجود كله على نحوها، وهو ما يورث تفاعلاً في كيان المسلم يجعله أكثر إحساساً بالمعاني الحضارية التي تبدأ بالتوارد على فكره وقلبه، فيصطبغ بها سلوكه، في حقيقة يتراجع عن رصدها البيان. نعم يستشعر أحدنا منذ إحرامه بالميقات خشيةً بين يدي مولاه، وتسليماً لأمره، واستحضاراً لذكرى الموت والبلى، وتواضعاً لرب العالمين، ولعباده المسالمين، وهو يرتدي ثوب الأكفان الذي يجرده من كل شيء إلا العمل الصالح، في تشبيه بليغ بلحظة يخلد فيها إلى الموت في قبر تتبخر فيه كل الزخارف الدنيوية حين يذهب الأهل والجاه، ولا يؤنس المرء هناك إلَّا ما أخلصه من عملٍ صالح لمن لا تضيع عنده الودائع.
ومع بدء العدّ العكسي لدخول مكّة يخفق القلب، وتصفو المشاعر، وتتبلور الأفكار حين تسكب العبرات فرحاً بالوصول الموفق، حيث تحضر بقوة
стр. 8
هيبة رسول الله ﷺ الذي سبق كل الحجاج والعمار في هذه الأمة إلى البيت الحرام، وها هم أولاء على أثره تترى، يتابعون أدق تفصيلات حجه وعمرته وسائر أعماله.
ثم تبلغ الخشية شَأْواً عظيماً ما إنْ يُكَحِّل العين برؤية البيت، وتجوب في أنحائه بمشاهدة الآيات البيِّنات، ثم يرتفع مؤشر الهيبة والخشية إلى ذروته، ونحن نشتمُّ عبق التوحيد، وعبق الرسل والأنبياء والملائكة المكرمين، التي تفوح في جنبات البيت العتيق.
ومع كل معنى نعايشه في إحدى محطات النسك والبيت ثمة أحكام ترافقه في الزمان، والمكان، وخصوص الفعل، ولزوم المتابعة لهدي الكتاب والسنّة، وما لم يؤدّ المسلم حجه موافقاً للصواب، فهو على خطر عظيم من بطلان أو فساد.
هذه الحاجة التثقيفية في الفكر والروح والأداء هي التي شكلت عندي الحافز للتصنيف في عبادة هي من أجلِّ فرائض وأركان الإسلام في زمن برزت فيه ظاهرة الكتابة في هذا الفن، وبلغت فيه من الكثرة حدّاً يدعو للقلق؛ لأنها في معظمها كتاباتٌ اعتمدت الاختصار والتكرار والنسخ عن بعضها بعضاً دون عَزوٍ، فيما ينسبه كل ناسخ لنفسه، مع إقصاء لغة التحقيق لموضوعاتها، والتخريج لأحاديثها، وهو ما يوحي بطبيعة هذا البعض أنهم ليسوا من أصحاب الاختصاص أو من أنصاف المتعلمين، في ظل غياب للحقوق الفكرية بين بعض رواد هذا المجال الذي يدور حول الإشراف على رحلات الحجاج والعمار إلى الديار المقدسة، والذي لا يرعوي بعض المنتسبين إليه ظلماً وزوراً في ظل رعونات شخصية أن يحرص على وضع مصنف خاص به أمام الناس ولو
стр. 9
بوسيلة النسخ غير المشروع لإضافة المصداقية على شخصه، وهو الذي يفتقد إلى أيّ جهة علمية رسمية أو غير رسمية توثيق لنا علمه (١).
بدأت في هذه المهمة ـ بعد أن استشرت واستخرت الله تعالى ـ فعكفت على الحديث الطويل الذي يروي به جابر ﵁ أحداث حجة رسول الله ﷺ مرحلة إثر مرحلة، ومحطة تلو أُخرى، من المدينة إلى الميقات، إلى مكة، إلى المشاعر، إلى طواف الوداع، وهي دراسة لا تعتمد الأسلوب التقليدي في تقسيم المناسك إلى أركان وواجبات وآداب، فسرتُ على بركة الله أقطف من ثمار جهابذة العلماء الذين تلقتهم الأمة بالقبول قرابة ثلاث سنين، فلما أُنجز العمل بتوفيق ربي وعنايته، فوجئت بأنّ مصنَّف «الركن الخامس» يخلو من أبحاث رئيسة لم يتناولها جابر في روايته من نحو محرمات الإحرام، ومباحث الكفارات، فانشرح الصدر مرة أخرى لمتابعة البحث في كتاب آخر من خلال ما نظمه العلامة العمريطي في نهاية التدريب في نظم غاية التقريب في فقه السادة، فاخترت لك منها نظم كتاب الحج الذي يبدأ بقوله:
(كل أمرى فملزم كما أُمِرْ ... بأن يحج مرة ويعتمرْ)
وانتهى بقوله:
стр. 10
وشربنا من ماءٍ زمزم ندبْ ... للدين والدنيا وكلِّ ما طُلِبْ
كالعلمِ والنكاحِ أيضاً والشِّفا ... وأن نزورَ بعدُ قبرَ المصطفى
صلى عليه ربُّنا وسلّما ... وآله وصحبه وكرَّما
لم أقتصرْ في هذا الكتاب على ما فاتني في سابقه، وإنما جعلت منه سفراً متكاملاً ومستقلاً عن قرينه في كل شيء، غير أني سلكت مسلك الاختصار فيما سبق لي تغطيته مفصلاً هناك، ثم زدتُ هنا فوائد لم يكتبْ لي المولى تدوينها في «الركن الخامس» من نحو المسائل التي بحثَتها المجامع الفقهية وأصدرت فيها قراراتها بعد أن تعددت فيها آراء الناس وتضاربت، فذكرت كل قرار بنصه، ونسبته إلى المكان والتاريخ الذي صدر فيه توثيقاً مني لمادته، مما جعل العمل في هذا الكتاب مكملاً لما فات مع الكثير من التوفيق والخصوصية.
هذا التصنيف لا يلغي الحاجة إلى مؤلفين معاصرين كنت طوال السنوات المنصرمة أعتمد ما دونوه مرجعاً مزدوجاً لشخصي، ولحجاجي، على حد سواء، من أمثال من صرحت بفضلهم في الحاشية، إلا أن الموضوع الذي تناولته في هذين الكتابين، هو قفزة رائدة ـ فيما أعتقد ـ في خطة بحث أكثر شمولية، وذات مقاصد وغايات عديدة، إلى جانب الغوص في الأعماق لسبر أغوار المقاصد الحضارية لرسالة الحج القديمة قدم الإنسان، الباقية مع بقاء نبض الحياة في تاريخ البشر، فهي انعكاس لمعجزة القرآن خاصة، ومعجزة الإسلام عامة، الذي لا يشبع منه العلماء، ولا تنفد كنوزه ولآلئه.
ومع كل خطوة خطوتها كنت ولا أزال أعترف بالفضل لأهله من أُمناء هذه الأمة الذين نذروا حياتهم شمعة تذوب ليحيا الإسلام، لم أستثنِ أحداً من
стр. 11
متقدمين أو متأخرين أو معاصرين ناسب ذكر أقوالهم في الكتاب من نحو مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، إلى البخاري ومسلم وأصحاب السنن، إلى النووي والرافعي، إلى ابن حجر الهيثمي وابن حجر العسقلاني إلى الدكتور البوطي والزحيلي ود. عتر وغيرهما من الأئمة والعلماء الثقات الذين وثقت الكثير من موضوعات البحث بنقول عنهم، وزيَّنتُ بها الكتابين، وقاء لهم، وتبركاً بعلمهم وصدقهم، وما أرجوه من المولى أن يجعل جهد المقلِّ هذا حسنة مقبولة في ميزان صحائفهم؛ لأنني أجدُ نفسي بالنسبة لكلِّ من بنى فيَّ لبنة نافعة في البيت أو المدرسة أو المسجد أو الجامعة، صدقة جارية في صحيفته، إنْ قُبلتْ فبفضل الله ورحمته، فبذلك فليفرحوا، وإن رُدَّت ـ لا سمح الله ـ فبتقصيري وغفلتي وخطيئتي، ولا يظلم ربك أحداً، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
محمد محيي الدين حمادة الغنيمي الميداني
دمشق في ١٩/ ٣ /٢٠٠٦ م
الموافق ٢٠/ ٢ (صفر) / ١٤٢٧ هـ
стр. 12
كتاب الحج
من نظم الإمام العمريطي الشافعي
شروط وجوب الحج
قال العلامة العمريطي (١) في نظم نهاية التدريب
(كل أمرى فملزم كما أُمِرْ ... بأن يحج مرة ويعتمرْ)
(إن كان حراً مسلماً مكلفاً ... وأمكن المسير والخوف انتفى)
(وواجداً لزاده والراحلهْ ... زيادة عن كل ما يحتاج له)
стр. 13
الحج إلى بيت الله الحرام فريضة ثابتة من فرائض الإسلام، وليست أمراً مستحدثاً ابتدعه الفقراء. كما يروق لبعض السطحيين أن يزعم! ثم رسوخ هذا الركن الشامخ ليس من المناسك الخاصة بهذه الأمة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].
وبين أبي الأنبياء إبراهيم وخاتم الأنبياء محمد عليهم الصلاة والسلام قرابة ألفي عام.
وقد مر معك من روايات مسلم أسماء الأنبياء الذين ورد ذكرهم أنهم حجوا بيت الله الحرام، ومنهم موسى ﵇، لذلك ورد في الأثر أنه ما من نبي إلّا وحج بيت الله الحرام، وان آدم حج البيت ماشياً، وانه أول من حج من عباد الله ورسله وأنبيائه (١).
ولما للحج من فضيلة عظمى فقد ذهب بعض أهل العلم إلى عده أفضل العبادات، لذلك قال الحليمي:
«الحج يجمع معاني العبادات كلها. فمن حج فكأنما صام وصلى واعتكف وزكى ورابط في سبيل الله وغزا، لأنا دعينا إليه ونحن في أصلاب الآباء كالإيمان الذي هو أفضل العبادات» (٢).
стр. 14
ولقد اختلف العلماء في السنة التي فرض فيها الحج إلى البيت العتيق، بسبب اختلافهم في الزمن الذي خرجت فيه أدلة فرض الحج على هذه الأمة، لذلك آل الأمر إلى الاجتهاد في تحديد عام الوجوب بواسطة القرائن:
بداية: المشهور عند عامة الفقهاء أنه فرض بعد الهجرة، لكن متى؟
القول الأول: أنه فرض في السنة الخامسة من الهجرة، وهو ماجرم به الرافعي في الكلام على أن الحج على التراخي (١).
القول الثاني: أنه في السنة الثانية للهجرة. قال العلامة الشربيني: «وصححاه في كتاب السير، ونقله في المجموع عن الأصحاب، وهذا هو المشهور».
القول الثالث: أنه في السنة الثامنة منه. حكاه في الأحكام السلطانية.
القول الرابع: أن فرضه وقع في السنة التاسعة، كذا حكاه في الروضة، وصححه القاضي عياض.
هذه خلاصة أقوال العلماء في زمن مشروعية الحج (٢) لكن القول الأخير منها هو ما رجحه أُستاذنا االدكتور مصطفى ديب البغا وكذلك أُستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي ـ حفظهما الله تعالى.
قال فضيلة الشيخ د. مصطفى البغا: «لعل أرجح ما قيل في تحديد الزمن الذي شرع فيه الحج والعمرة أنه العام التاسع من هجرة النبي ﷺ ، بدليل قوله
стр. 15
عليه الصلاة والسلام: فيما رواه الشيخان، لوفد عبد القيس الذين قدموا على النبي ﷺ في أول العام التاسع للهجرة، وقد سألوا عن الأوامر التي يجب أن يأتمروا بها: [آمركم بالإيمان بالله، إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخُمسَ من المغنم].
فلوكان الحج مفروضاً قبل ذلك، لعده في جملة الأوامر التي وجهها إليهم» (١).
وقال فضيلة الشيخ د. وهبة الزحيلي: «وتاريخ مشروعيته على الصحيح أن الحج فرض في أواخر سنة تسع من الهجرة، وأن آية فرضه هي قوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع وهو رأي أكثر العلماء، وأنه ﷺ لم يؤخر الحج بعد فرضه عاماً واحداً، وإنما أخره ﵇ للسنة العاشرة لعذر، وهو نزول الآية بعد فوات الوقت، فكان حجه بعد الهجرة حجة واحدة سنة عشر كما روى أحمد ومسلم» (٢).
فأقوال العلماء اختلفت في السنة التي وجب فيها الحج إلى بيت الله الحرام، لكنها اتفقت على أن رسولنا الكريم ﷺ حج مرة واحدة بعد الهجرة، لأجل هذا قال الإمام العمريطي:
كل أمراءٍ فملزم كما أُمِرْ ... بأن يحج مرة ويعتمرْ
стр. 16
فالحج لا يجب في العمر إلّا مرة واحد؛ يشهد لهذا الحديث الذي رواه النسائي ومسلم واللفظ له عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله «فقال: يا أُيّها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل (١): أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، ثم قال: ذروني ما تركتكم، ولو قلتُ نَعَم لوجبت، ولما استطعتم» (٢)، ثم قال: «فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (٣)، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٤).
ودليل آخر نقرؤه في صحيحي البخاري ومسلم واللفظ المسلم عن قتادة أن أنساً ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ أعتمر أربع عُمر كلهن في ذي العقدة، إلَّا التي مع حجته (٥):
стр. 17
عمرة من الحديبية، وعمرة من العام المقبل في ذي العقدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حُنَين في ذي القَعْدة، وعمرة مع حجته (١)» (٢).
وفي رواية عند مسلم قال: حجةً واحدة، واعتمر أربع عمر .. (٣)
وفي رواية عن مسلم بن زيد بن أرقم: ... وأنه حجّ بعد ما هاجر حجة واحدة (٤)
وهل حجّ رسول الله ﷺ غير هذه الحجة؟
يجيب عن هذا التساؤل أستاذنا العلامة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي بقوله: «اختلف العلماء: هل حجّ رسول الله ﷺ غير هذه الحجة في الإسلام؟ فقد روى الترمذي وابن ماجة أنه ﷺ حجّ ثلاث حجج قبل هجرته إلى المدينة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج. فإنهم قدموا أولاً فتواعدوا، ثم قدموا ثانياً فبايعوا
стр. 18
البيعة الأولى، ثم قدموا ثالثاً فبايعوا البيعة الثانية. اهـ.
ومنهم من روى أنه ﵊ كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر، وأياً ما كان الأمر، فإن مما لا شك فيه أن وجوب الحج إنما شرع في العام العاشر من الهجرة، فلم يكن واجباً قبل ذلك، ولم يحج النبي ﷺ بعدها غير هذه الحجة» (١).
قال مسلم: قال أبو إسحاق: وبمكة أُخرى أي حجة قبل الهجرة (٢).
وقد يجب الحج أكثر من مرة لعارض كما لو نذر أن يحج، وكذا فيما لو أفسد حج التطوّع فيلزمه القضاء وجوباً (٣).
وقد يحرم الحج إلى بيت الله كما لو حج بمالٍ حرام، لكنه لا يبطل بذلك فيما لو أتى به صاحبه صحيحاً بلا مفسد، إلّا أنه لا يبلغ به رتبة الحج المبرور، ولا يعفى فيه من الإثم والحرمة، فهو نظير الصلاة فوق أرض مغصوبة، أو الوضوء بماء مغصوب (٤).
ومن صور الحج الذي تلازمه صفة الحرمة إحرام الزوجة بحج النفل، فللزوج منعها، وله تحليلها أيضاً لفوات حقه؛ لأنه على الفور، والنسك على التراخي، ويلحق بها الولد إذا أحرم بحج التطوع من غير رضى والده، فقد أثم
стр. 19
بذلك، وللأب تحليله أيضاً (١).
وقد يكره الحج فيما لو منع الوالد ولده من حجة الإسلام، فلا يلزمه طاعته في هذا (٢).
والحج الذي يلزم المرء المسلم مرة واحدة في عمره لا يجب على الفور عند الشافعية ومن وافقهم (٣)، لأن العمر كله منذ الاستطاعة وقت للأداء، لكن بشرط العزم على الفعل في المستقبل. قال العلامة الشربيني: وإنّ أخَّر بعد التمكن، وفَعَلهُ قبل أن يموت لم يأْثَمْ لأنه ﷺ أخره إلى السنة العاشرة بلا مانع، وقيس به العمرة (٤)، لكن التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الفعل في المستقبل كما مر بيانه في الصلاة، وأن لا يتضيق بنذر أو قضاء أو خوف عضب (٥) فلو خشي من وجب عليه الحج أو العمرة العضب حرم عليه التأخير، لأن الواجب الموسع إنما يجوز تأخيره بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله. قال في المجموع: قال المتولي: ومثله من خشي هلاك ماله (٦).
ولا يتنافى الوجوب على التراخي مع الندب بأداء الحج أو العمرة عقب
стр. 20
الوجوب فوراً (١)؛ لأن السنة أن لا يؤخر الفعل عن عام الإمكان مبادرة منه إلى براءة ذمته، ومسارعة إلى التلبس بالطاعة، وامتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، لأن التأخير ربما عرّض الحج إلى الفوات، بسبب ما يفاجئ الإنسان من حوادث الزمان، وربما انتهى به الأمر إلى الإثم العظيم، بتركه إن مات قبل أن يتمكن من القيام بالنسك (٢) ولقد رجح أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي مذهب الشافعية في هذه المسألة بقوله: وهذا الرأي أولى ليسره على الناس، وعدم الحكم بالتأثيم؛ ولأن الأحاديث التي احتج بها الجمهور كلها ضعيفة، والحج فرض سنة ست عند نزول آل عمران كما حقق الشافعية، ومن قال إنه فرض سنة عشر فقد أخطأ؛ لأن السورة نزلت قبلها قطعاً، لكن تعجيل الحج ضروري للاحتياط (٣)
والحج لا يجب على كل فرد مسلم على إطلاقه إلّا إن كان بالغاً، واستطاع إلى ذلك سبيلاً؛ لأنه عبادة مالية؛ مرتبط بالقدرة على تحصيل المال الكافي لذلك. من هنا قال الإمام العمريطي:
(إن كان حراً مسلماً مكلفاً ... وأمكن المسير والخوف انتفى)
(وواجداً لزاده والراحلة ... زيادة عن كل ما يحتاج له)
стр. 21
فلا يجب الحج على الكافر الأصلي وجوب مطالبة في الدنيا؛ لأنه لا إكراه في الدين. وكذلك لا يصح منه لو فعله.
ولا يجب على غير البالغ (أي الصبي) ولا مجنون لعدم تكليفهما به كسائر العبادات، لحديث: رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يبرأ (١)، لكن يصح من الصبي المميز إن باشره بإذن الولي، وأمّا الصبي غير المميز فيشترط فيه أن يحرم عنه الولي ومثله المجنون (٢). والدليل ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس عن النبي ﷺ لقي ركْباً بالرَّوْحاء، فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون. فقالوا: مَن أنت؟ قال: رسول الله. فرفعتْ إليه امرأةٌ صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر (٣).
قال الإمام النووي: «فيه حجة للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء أن حجّ الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزيه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعاً، وهذا الحديث صريح فيه. وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه. قال أصحابه: وإنما فعلوه تمريناً له ليعتاده فيفعله إذا بلغ، وهذا الحديث يردّ عليهم».
أما الفقير لو حج فإنه يصح منه، ويجزئ عنه، ولو لم يجب عليه أصلاً (٤).
وبهذا نعلم للاستطاعة شروطاً:
منها وجود الراحلة التي هي وسيلة نقله من بلده إلى البيت الحرام؛ لأنها
стр. 22
هي التي سترحل به إلى هناك، وتعرف اليوم بالطائرة أو الحافلة أو السفينة.
ويشترط في هذه الراحلة أن تكون فاضلة عن دينه ومؤنة من تلزمه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه. قال الشافعية: والأصح اشتراط كونه فاضلاً عن مسكنه وعبدٍ يحتاج إليه لخدمته (١).
وذهب الشافعية أيضاً إلى أنّ مَن له مال تجارة، أو مستغلات يحصّل منها نفقته وجب عليه بيعها وصرفها للزاد والراحلة لأجل الحج في الأصح؛ لأنّ الفريضة دين عليه وهو يملك المال الكافي لأدائه فأشبه من عليه دين لأجنبي حيث يلزمه صرفُ مال تجارته لقضاء دينه (٢).
واشتراط الراحلة لمن بينه وبين مكة أكثر من مرحلتين. أما مَن كان بينه وبين مكة المكرمة أقل من مرحلتين، وكان قادراً على المشي لزمه الحج ماشياً، ولو لم يملك أُجرة الراحلة استئجاراً، أو ثمنها شراء، ولا يعتبر في حقه وجود الراحلة (٣) ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة كما ذهب إليه الإمام الرافعي (٤).
ومن كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر، وكان قادراً على المشي، ولا يملك الراحلة، لم يلزمه الحج وجوباً، لكن يندب في حقه ذلك خروجاً من خلاف من أو جبه (٥).
стр. 23
ومن شروط الاستطاعة أن يثبت الحاج على الراحلة بلا مشقة شديدة.
دليل ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس أنه قال: كان الفَضلُ بن عباسٍ رديف رسول ﷺ ، فجاءته امرأة من خَثْعَم تستفتيه، فجعل الَفضلُ ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الأخر. قالت يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع. (١) وفي رواية أخرى عند مسلم: إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقال النبي ﷺ فحجي عنه (٢).
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث العظيم المنافع:
هذا الحديث فيه فوائد:
منها جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة.
وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك.
ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية.
ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه.
ومنها جواز النيابة في الحج عن العاجز الميؤوس منه بهرم أو زمانه أو موت.
ومنها جواز حج المرأة عن الرجل.
стр. 24
ومنها بر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة وحج عنهما وغير ذلك.
ومنها وجوب الحج على من هو عاجز بنفسه مستطيع بغيره كولده، وهذا مذهبنا؛ لأنها قالت: أدركته فريضة الحج كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة (١).
ومنها جواز قول حجة الوداع، وأنه لا يكره ذلك، وسبق بيان هذه مرات.
ومنها جواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها وهو مذهبنا» (٢).
ومن شروط الاستطاعة أن يجد كل ما يحتاج إليه من مأكل ومشرب وملبس، حتى السُّفْرة (٣) التي يأكل عليها في ذهابه إلى رجوعه إلى بلده (٤).
كل هذا؛ لأن الغربة في السفر تورث صاحبها وحشة، حيث يتنازعه الشوق والحنين إلى الأهل والأوطان، فكان لا بد من مال يغطي نفقات الرحلة، يغدو به الحاج عزيزاً كريماً، لا يجمع إلى غربة الوطن ووحشته، هلاك النفس في الطريق، وهلاك الأهل في محل الإقامة، وكل هذا من اعتدال الإسلام الذي ربط الحج
стр. 25
بالاستطاعة المالية التي لا يتحقق الركن الخامس بغيابها. لا بل بلغ بالعمق الحضاري بديننا الحنيف أن ربط الراحلة التي اشترطها بهذه الرحلة المباركة بما يصلح لمثل الحاج في مكانته وهيئته. فلم يشترط أي راحلة يستطيعها الناس بإمكانياتهم المادية المحدودة، ولهم مقام ونظرة احترام خاصة في مجتمعاتهم، لذلك قال العلامة الشربيني: من شرط الاستطاعة وجود الراحلة الصالحة لمثله .. (١).
ولم يشترطوا فيها الشراء كما ذكرتُ لك، كما لم ينحوا في ذلك المنحى المادي الضيق الذي يجعل مقامات الناس حسب أرصدتهم المالية في البنوك، وإنما جعل الصالح لمثل هذا الشخص الذي لا تهتك به حرمة كرامته ولو كان فقيراً ليس بحوزته شيء، كما لو كان من أهل العلم والجاه أو الصلاح أو الجهاد والفتوحات.
ومن الاستطاعة أمن الطريق جواُ أو بحراً أوبراً. فلو خاف على نفسه أو ماله سَبُعاً من سباع الأرض، أوعدوّاً يتربص به، أو رَصَدياً يقطع عليه الطريق، ولا طريق له سواه لم يجب الحج (٢).
ويشترط في المرأة أن يخرج معها زوج أو محرم أو نسوة ثقات، كما يلزمها أجرة المحرم إذا لم يخرج إلّا بها (٣).
والأعمى يجب عليه الحج والعمرة إن وجد قائداً يقوده ويهديه عند نزوله ويركبه عند ركوبه (٤).
стр. 26
أركان الحج
قال الإمام العمريطي:
(أركانه الإحرام والوقوف معْ ... حلق وسعي والطواف إذْ رجعْ)
(وكلها غير الوقوف تعتبرْ ... أركان كلِّ عمرة بها اعتمر)
الركن الأول من أركان الحج هو الإحرام بأن ينوي الدخول في الحج لخبر البخاري: إنما الأعمال بالنيات، وهو العزم على الدخول في الحج أو العمرة، أوكليهما، أو بإطلاق النسك دون تعيين أحد الأنواع الثلاثة، والتعيين أفضل (١). ولو نوى حجتين أو نصف حجة انعقد حجة واحدة، وكذا نقول في إحرامه بالعمرة. كل ذلك قياساً على الطلاق في مسألة النصف، ومثله ما لو نوى بتيمم فريضتين لا يستبيح به إلّا فريضة واحدة (٢).
والمحرم ينوي ويلبي، فإن لبى بلانية لم ينعقد إحرامه، وإن نوى ولم يلبِّ انعقد على الصحيح (٣).
الركن الثاني الوقوف بعرفة (٤): ويبدأ الوقوف من زوال شمس اليوم
стр. 27
التاسع، والأفضل أن يقفوا هناك إلى ما بعد الغروب قليلاً. ولا يدخلونها قبل الزوال ويكثر الحاج من الدعاء هناك، ويستغفر للمؤمنين في دعائه لقوله ﷺ : اللهمّ اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج. رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد (١)، ويكثر من ذكر الله تعالى والتكبير والتهليل.
ويجري في الموقف الاستماع لخطبتي الإمام أو نائبه، ويصلون خلفه الظهر والعصر جمع تقديم قصراً للاتباع.
قال العلامة الخطيب الشربيني: «وليحذر من التقصير في هذا اليوم فإنه أعظم الأيام، والموقف أعظم المجامع يجتمع فيه الأولياء والخواص، ويكثر البكاء مع ذلك، فهناك تسكب العبرات، وتقال العثرات» (٢).
الركن الثالث: الحلق أو التقصير ؛ وهو ركن لتوقُّف التحلل عليه؛ ولأنه لا يجبر بالدم كالطواف وهو نسك على المشهور، فيثاب عليه؛ لأن الحلق أفضل من التقصير؛ ولأن التفضيل كما تعلم يقع في العبادات دون المباحات. قال العلامة الشربيني: وروى ابن حيان في صحيحه أنه ﷺ قال: لكل من حلق رأسه بكل شعرة سقطت نور يوم القيامة (٣).
стр. 28
وأقل التقصير ثلاث شعرات بأي وسيلة كانت، لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] والتقدير محلقي شعور رؤوسكم؛ لأن الرأس لا يحلق، وإنما شعوره هي التي تحلق، وفي تقصيره تكرر ذات المسألة، لذلك فإنّ أقل التقصير ما يقع عليه مسمّى الجمع وهو الثلاث، ثم إن فعله (يدل عليه).
قال الخطيب الشربيني: ولو لم يكن هناك إلّا شعرة وجب إزالتها (١).
ولا بد أن يكون من شعر الرأس، ومن لا شعر برأسه فلا يقوم مقامه شيء من شعر اللحية أو غيرها من شعر البدن. ويستحب إمرار الموسى عليه.
ويجزي في الحلق أو التقصير الشعر الذي يحاذي الرأس قطعاً، كالمسترسل النازل عن حد الرأس.
الركن الرابع: السَّعي ، ويفعله بعد طواف صحيح من قدوم أو إفاضة، ونقل الماوردي الإجماع على ذلك.
ويخرج إلى السعي من باب الصفا ندباً، وهو الباب المقابل لما بين الركنين اليمانيين، وشرطه أن يبدأ بالصفا، وأن يختم بالمروة، وأن يسعى بينهما سبعاً، ويشترط الترتيب بينهما، لكن لا تشترط الموالاة بين مراته كالطواف، لا بل ذلك فيه أولى.
ومن سعى بعد طواف قدوم لم تسن له إعادة السعي بعد طواف الإفاضة؛ لأنه لم يرد في ذلك شيء من السنة؛ ولأنه ليس قربة في نفسه فهو كالوقوف بعرفة (٢) هذه الإعادة تجب في صورة واحدة، وهي فيما لو بلغ الصبي بعرفة (٢)،
стр. 29
فحينئذ يخرج حجه من دائرة التطوع إلى عنوان الوجوب.
ويسن التحميد والتهليل للإتباع؛ لأنه من لون الذكر الذي يسن في هذا الموضوع.
قال العلامة الفَشْني: وإنما جعل التحميد والتهليل دعاء؛ لأنه ثناء على الله ﵎، وقد قال ﷺ حكاية عن الله تعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين. وقد قال الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء (١)
الركن الخامس الطواف:
الطواف حول البيت بأنواعه (٢) هو انسجام الإنسان في دورانه حول البيت العتيق مع دوران الكواكب والأفلاك والوجود كله حيث يطوف الكون بأسره امتثالاً لأمر الله تعالى عكس عقارب الساعة، تماماً كما يطوف المسلم، بدءاً من الحجر الأسود حيث يجعله عن يساره، في خطورة رائدة لا يفعلها المسلمون إلّا في المسجد الحرام؛ لأنهم دائماً يبدؤون بميامينهم في تنعلهم وترجلهم وطهورهم وفي شأنهم كلهم. وإذا كان الاتّباع هو الباعث الحثيث لطواف الصحابة حول الكعبة المشرفة إقتداء منهم بالنبي ﷺ الذي فعل ذلك بأمر من ربّ العزة، ذهاباً منه على جادة إبراهيم ﵇، فإن الأمة الإسلامية اليوم بوسعها أن تتلمس وجهاً
стр. 30
إعجازياً جديداً لهذا الدين من خلال يقين الجميع بان الذي فعله الأنبياء والرسل وأتباعهم يوافق حركة الوجود الكوني قاطبة في جريانه المستقر المرسوم دوراناً من جهة اليسار الأيمن.
فهل من دليل أوضح من هذا يظهر أن بصمة مبدع الحياة بمجراتها ومخلوقاتها، وبصمة منزل الكتاب والأحكام تكليفاً وتشريفاً واحدة، وأنها تحكي العبودية والولاء لله رب لعالمين؟ .
وهل من بيان أوفى من هذه اللوحة الإعجازية التي تشير إلى أن الوجود المترامي الأطراف يتحرك وفق الخطى المرسومة له خضوعاً قسرياً لسلطان ذي العزة المتعال، بينما الكائن البشري الذي زوده الله بالنظر والإرادة شُرف بالانصياع والاختيار لصاحب الإيجاد والإمداد، لكن بدافع العقل وضيائه، والفطرة وصفائها.
وكأني بهذا الوجود الكوني يطوف حول الكعبة المشرفة كل ضمن مساره، مسبحاً لله تعالى، بدءاً من إلكترونات الذرة وبروتونات النواة، ومروراً بالكواكب، وانتهاء بالمجرات والدروب الكونية، في الاتجاه الذي يطوف وفقه المسلم حول بيت الله، في تجل جديد لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
فلا عجب بعد هذا أن يصرح الأصحاب في مذهب الشافعية بأن الطواف أفضل الأركان؛ لأنه قربة في نفسه (١)؛ ولأنه يتكرر في كل وقت من ليل أو نهار؛
стр. 31
ولأن ستين رحمة من أصل مائة رحمة تنزل على البيت تختص بالطائفين، بينما المصلون هناك ينالهم منها عشرون رحمة ومثلها من نصيب الناظرين.
الركن السادس: ترتيب معظم الأركان بأن يقدم الإحرام على الجميع، ويقدّمَ الوقوف على طواف الإفاضة، وركنِ الحلقِ والتقصيرِ. ولا بد من تقديم الطواف على السعي إن لم يكن قد سعى بعد طواف القدوم.
دليل هذا اتّباع رسول الله ﷺ في خطواته المباركة في حجة الوداع.
فهذه هي الأركان التي يقوم عليها بنيان الحج الشامخ، وهي ذاتها
ـ باستثناء الوقوف بعرفة (١) ـ أركان العمرة التي يدخل بها المسلم محرماً إلى مكة لشموله الأدلة السابقة لها، لذلك قال العلامة العمريطي:
وكلّها غير الوقوف تعتبرْ ... أركان كلَّ عمرة بها عتمرْ
فالعمرة لها أركان خمسة هي عين ما ذكر في الحج، نذكر منها الإحرام (٢)، وهو نية الدخول في نُسكها، وصفته فيها كصفته في الحج من حيث استحباب الغسل للإحرام، والتطيُّب، والتنظيف، والتلبية.
стр. 32
وللعمرة إلى جانب هذه الأركان واجبان اثنان (١).
أحدهما: الإحرام من الميقات.
الثاني: اجتناب محرمات الإحرام.
ثم الإحرام بالعمرة المفردة عن الحج له ميقاتان: ميقات زماني، وآخر مكاني.
أما الزماني فجميع السنة وقت لأداء العمرة فيه. قال إمامنا النووي: «فيجوز الإحرام بها في كل وقت من غير كراهة، وفي يوم النحر، وأيام التشريق لغير الحاج (٢)، وأما الحاج فلا يصح إحرامه بالعمرة ما دام محرماً بالحج، وكذلك
стр. 33
لا يصح إحرامه بها بعد التحلّلين ما دام مقيماً بمنى للرمي، فإذا نفر من منى النَّفْر الثاني، أو الأول، جاز أن يعتمر فيما بقي من أيام التشريق (١)، لكن الأفضل أن لا يعتمر حتى تنقضي أيام التشريق (٢)» (٣).
وأما الميقات المكاني للعمرة فهو بالنسبة لمن هو خارج مكة كالحج تماماً، فمن كان آفاقياً قادماً من وراء المواقيت المكانية كأبيار علي، أو ذات عرق أو يلملم أو الجحفة أو غيرها فهذه المواقيت هي المواضع التي لا يجوز لمن أراد عمرة أن يتجاوزها إلّا بعد أن يُهل منها بعمرة وهي ذات المسألة التي عالجناها في ميقات الحج لمن أراد حجاً وقد قدم من الآفاق ماراً بأحد مواقيت الحج المذكورة.
ومن كان يقيم بين حدود الحرم المكي وأحد المواقيت المذكورة، كمن يقيم بين مكة وذي الحليفة مثلاً وهي مسافة تتجاوز بطولها، الأربعمائة كيلومتر، فهذا حكمه في العمرة حكم الحج بالضبط فيحرم من حيث أنشأ من القرية التي يسكنها لا يجاوزها بغير إحرام إن قصد من توجهه إلى مكة المكرمة حجاً أو
стр. 34
عمرة، وذلك في مذهب الشافعية والحنبلية.
وقال المالكية: يُحرم من دارة أو مسجده لا غير. أي إنّ موقع الإحرام عندهم أضيق من القرية التي يقطنها وفق ما ذكر الشافعية.
وقال الحنفية: ميقاته الحل كله فيحرم من أي موضع شاء من الحلّ وبهذا يكون مذهبهم أوسع المذاهب الإسلامية في إحرام القاطن في أرض المواقيت بينها وبين مكة (١).
أما بالنسبة لمن هو في منطقة مكة، سواء كان من أهلها أو غريباً عنها فميقاته في العمرة أدنى الحل، فيلزم المسلم هناك إذا أراد العمرة أن يخرج إلى جهة الحل، ولو بخطوة منه على حدود الحرم المكي، أو بأقل منها، ولو بأن يضع قدماً داخلها وأخرى خارجها. ويصح ذلك من أي جانب شاء من الحرم (٢).
وفي هذا تفترق العمرة عن الحج، فمن كان في مكة مقيماً أو مستوطناً وأراد الحج فإنه يحرم من داره لكن من أراد عمرة فإنه يحرم من أدنى الحل. ويذكر بعض الفقهاء الحكمة من هذا أنّ الحج يؤدّى من خارج مكة وهو عرفة فأبيح الإحرام به لمن هو في مكة من مكة نفسها، أما العمرة فيبدأ العمل بها بالنسبة لأهل الحرم وينتهي في المسجد الحرام، فلم يَجُزْ أن يحرم به من مكة، وإنما من أدنى الحل. ويذكر الشافعية أنه إنْ أحرم بالعمرة من الحرم، ثم أدى أركانها دون أن يخرج إلى الحل، فقد أجزأته، وصحت منه، لكن يلزمه دم (٣) في أصحّ قولي
стр. 35
الشافعي ﵀ (١) وبالتالي، فإنْ أحرم بالعمرة داخل حدود الحرم المكي، فقد انعقد إحرامه، (وهذا هو الركن الأول من أركان العمرة) ويلزمه الخروج إلى يدخل الحل محرماً، ثم يدخل لحرم، فيطوف طواف العمرة (الركن الثاني فيها)، ثم يسعى بين الصفا والمروة (الركن الثالث فيها)، ثم يحلق أو تقصير متحللاً بذلك (الركن الرابع) وبذا تكون قد تمّت عمرته، مع مراعاة الترتيب بين الأركان، ولا دم عليه، لكن الأفضل أن يؤخر الإحرام بعمرته إلى الحل.
وأما ميقات التنعيم فقد أمر النبي محمد ﷺ زوجه المبجلة فلأمره ﷺ عائشة بالاعتمار من هناك في الحديث المتفق عليه الذي أُمر فيه عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر أُخته عائشة ﵃ جميعاً من التنعيم، وهو الموضع الذي صار يعرف اليوم بمساجد عائشة، والذي هو أقرب الحلّ إلى مكة (٢).
وأما الحديبية، فلأنه ﷺ اعتمر منها عمرته الأولى حين صده المشركون سنة ست للهجرة، ثم اعتمر ﷺ عمرته الثانية في العام القابل سنة سبع من الحديبية أيضاً (٣)، فيما يعرف بعمرة القضاء أو القضية (٤).
стр. 36
هذا والجعرانة (١) موضع مشهور بين مكة والطائف، وإلى حدود الحرم أقرب، وعن مسجده يبعد ستة فراسخ أي بما يزيد عن خمسة وعشرين كيلومتراً.
قال العلامة ابن حجر: سميت باسم امرأة كانت تلقب بالجعرانة من تميم. وقيل: من قريش وهي المشار إليها بقوله تعالى: كالتي نقضت غزلها (٢).
وبالجعرانة ماء شديد العذوبة. قال الفاكهي: يقال إنه ﷺ حفر موضعه بيده الشريفة المباركة فانبجس فشرب منه وسقى الناس، أوغرز رمحه فنبع.
قال الواقدي كمجاهد: وإحرامه ﷺ بها من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى. قال: وكانت ليلة الأربعاء ثنتي عشرة بقين من ذي القعدة اهـ. ولا يقال: إنما اعتمر بها مجتازاً في رجوعه من الطائف لما صح من أنه ﷺ خرج منها ليلاً معتمراً ثم عاد، وأصبح كبائت» (٣).
وميقات التنعيم أمام أدنى الحل قليلاً وليس بطرفه، يقال إنه سمّي بذلك؛
стр. 37
لأنّ على يمينه جبلاً يقال له نعيم، وعلى يساره آخر يقال له ناعم، وهوبواد يقال له نعمان (١).
وإنما قدّم على الحديبية لأمره ﷺ عائشة بالاعتمار من هناك، ولما قيل من أنه ﷺ جعله ميقاتاً لأهل مكة (٢)، ولما ذكر من أنه ﷺ غير ثوبي الإحرام هناك حين أتى مكة حاجاً (٣).
وميقات الحديبية (٤) وهو على الطريق بين جدة ومكة، من جانب طريق جدة القديم الذي لم يعد يسلكه الحجاج والعمار اليوم، وهي في الأصل اسم لبئر هناك.
وتفضيل الحديبية على غيرها من المواقيت سوى ما ذكرنا يعود إلى دخول رسول الله ﷺ منها لعمرته التي أحرم بها من ذي الحليفة، ثم صدّ عنها هناك، ثم لإحرامه في العام القابل منها أيضاً. فهي تمتاز بأنه ﷺ حلَّ بها معتمراً، وصلى فيها، وبايع فوق أرضها أصحابه الكرام، وكتب فيها الصلح المعروف بصلح الحديبية، وقبله البيعة المذكورة في القرآن المشهورة ببيعه الرضوان، حيث جاء هذا كله مقدمة لفتح مكة المكرمة، لاسيما وأن سورة الفتح نزلت بشأن الحديبية،
стр. 38
لذلك قال الإمام القرطبي: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأْن الحديبية من أولها إلى آخرها (١).
لهذا الذي سبق ذكره ذهب بعض علماء الشافعية إلى تقديمها على التنعيم. قال العلامة ابن حجر الهيتمي: ومن ثمة قدمها الشيخ أبو حامد على التنعيم، وعليه فأُجيب بأنّ الأمر باعتمار عائشة منه إنما كان لضيق الوقت (٢).
ولبالغ الأهمية الذي يتربّع عليه ميقات الحديبية في منعطفٍ بارز من تاريخنا الإسلامي، فإنني أتوقف عند أهم المحطات التي لوّنت تلك البقعة التي شرفت بمزيد من الفضل بحلول النبي الكريم ﷺ بها معتمراً، مستقبلاً وحي ربه، لهذا أقول:
صلح الحديبية جرى في شهر ذي القعدة، آخر سنة ست للهجرة. تعود أسبابه إلى شوق المسلمين الذي جاش في قلوبهم إلى مكة المكرمة، ونفحاتها الإيمانية، حتى إذا سنحت الفرصة وأذن الله أعلن رسول الله ﷺ في الملأ أنه متوجه إلى مكة معتمراً، فما لبث أن تبعه جمع غفير من المهاجرين والأنصار، وسائر إخوانهم من المسلمين (٣)، الذين كانوا خيرَ أهل الأرض آنذاك (٤)، وبلغوا
стр. 39
ألفاً وأربعمائة معتمر، خرجوا مع نبيّنا محمد ﷺ من المدينة المنورة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة (١).
قافلة المدينة أحرمت بعمرتها من ذي الحليفة في وادي العقيق على مقربة من المدينة المنورة (٢).
وقد ساق قائد هذا الركب المبارك ﷺ الهدي معه، لتعلم قريش أنه جاء معتمراً، معظماً للبيت، لا محارباً، فيأمن الناس ويطمئنوا (٣).
وفي درس جديد من دروس الخبرة والحكمة والأخذ بالأسباب الدنيوية بعد تمام التوكل على الله تعالى، أرسل رسولنا محمد ﷺ بِسْرَ بن سفيان من خزاعة عيناً له (٤)، يأتيه بأخبار مكة ليدرس أحوالهم، قبل أن يصل إليهم، وسار رسول الله حتى إذا كان بغدير الأشطاط التقى بالعين، الذي قال له: إن قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت
стр. 40
ومانعوك»! هناك التفت رسول الله ﷺ إلى أصحابه يخاطبهم باللغة التي اعتاد أن يتبادلها معهم، وهي لغة استطلاع الآراء وسبرها ودراستها، واختيار المناسب منها على طريقة الدول المتحضرة اليوم، وفي سبق واضح عليها، فقال:
«أشيروا أيها الناس عليّ».
فقال له أبو بكر: يا رسول الله، خرجتَ عامداً لهذا البيت لا تريد قتلَ أحد، ولا حرب أحدٍ، فتوجَّهْ له، فمن صدّنا عنه قاتلناه.
حينئذ أخذ رسولنا ﷺ بزمام الناقة وقال للركب الكريم: امضوا على اسم الله (١).
وترسيخاً منه ﷺ للعمل بالأساليب الحربية الحكيمة، التي تفاجئ العدو، ولا تريق دماً، وحرصاً منه على رسالة الأمن والسلام، وتجلية لحقيقة القصد الذي من أجله جاء وهو العمرة وثوابها دون أي رغبة أخرى قد تتمخض عن سنيّ الصراع بين الحق والباطل، أو التوحيد والوثنية فقد قال ﷺ لأصحابه بعد أن أُخبر بأنّ خالد بن الوليد في موضع يقال له الغميم (٢)، في خيل لقريش طليعةً (٣) لهم: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم (٤)؟ فأجابه رجل من أسلم (٥):