← Фикх шафии

Фикх шафии · id 151187

شرح كتاب الحج من نهاية التدريب في نظم غاية التقريب للعمريطي

محمد محيي الدين حمادة

Полный текст (193 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هذا والجعرانة (١) موضع مشهور بين مكة والطائف، وإلى حدود الحرم أقرب، وعن مسجده يبعد ستة فراسخ أي بما يزيد عن خمسة وعشرين كيلومتراً. قال العلامة ابن حجر: سميت باسم امرأة كانت تلقب بالجعرانة من تميم. وقيل: من قريش وهي المشار إليها بقوله تعالى: كالتي نقضت غزلها (٢). وبالجعرانة ماء شديد العذوبة. قال الفاكهي: يقال إنه ﷺ حفر موضعه بيده الشريفة المباركة فانبجس فشرب منه وسقى الناس، أوغرز رمحه فنبع. قال الواقدي كمجاهد: وإحرامه ﷺ بها من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى. قال: وكانت ليلة الأربعاء ثنتي عشرة بقين من ذي القعدة اهـ. ولا يقال: إنما اعتمر بها مجتازاً في رجوعه من الطائف لما صح من أنه ﷺ خرج منها ليلاً معتمراً ثم عاد، وأصبح كبائت» (٣). وميقات التنعيم أمام أدنى الحل قليلاً وليس بطرفه، يقال إنه سمّي بذلك؛

стр. 37

لأنّ على يمينه جبلاً يقال له نعيم، وعلى يساره آخر يقال له ناعم، وهوبواد يقال له نعمان (١). وإنما قدّم على الحديبية لأمره ﷺ عائشة بالاعتمار من هناك، ولما قيل من أنه ﷺ جعله ميقاتاً لأهل مكة (٢)، ولما ذكر من أنه ﷺ غير ثوبي الإحرام هناك حين أتى مكة حاجاً (٣). وميقات الحديبية (٤) وهو على الطريق بين جدة ومكة، من جانب طريق جدة القديم الذي لم يعد يسلكه الحجاج والعمار اليوم، وهي في الأصل اسم لبئر هناك. وتفضيل الحديبية على غيرها من المواقيت سوى ما ذكرنا يعود إلى دخول رسول الله ﷺ منها لعمرته التي أحرم بها من ذي الحليفة، ثم صدّ عنها هناك، ثم لإحرامه في العام القابل منها أيضاً. فهي تمتاز بأنه ﷺ حلَّ بها معتمراً، وصلى فيها، وبايع فوق أرضها أصحابه الكرام، وكتب فيها الصلح المعروف بصلح الحديبية، وقبله البيعة المذكورة في القرآن المشهورة ببيعه الرضوان، حيث جاء هذا كله مقدمة لفتح مكة المكرمة، لاسيما وأن سورة الفتح نزلت بشأن الحديبية،

стр. 38

لذلك قال الإمام القرطبي: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأْن الحديبية من أولها إلى آخرها (١). لهذا الذي سبق ذكره ذهب بعض علماء الشافعية إلى تقديمها على التنعيم. قال العلامة ابن حجر الهيتمي: ومن ثمة قدمها الشيخ أبو حامد على التنعيم، وعليه فأُجيب بأنّ الأمر باعتمار عائشة منه إنما كان لضيق الوقت (٢). ولبالغ الأهمية الذي يتربّع عليه ميقات الحديبية في منعطفٍ بارز من تاريخنا الإسلامي، فإنني أتوقف عند أهم المحطات التي لوّنت تلك البقعة التي شرفت بمزيد من الفضل بحلول النبي الكريم ﷺ بها معتمراً، مستقبلاً وحي ربه، لهذا أقول: صلح الحديبية جرى في شهر ذي القعدة، آخر سنة ست للهجرة. تعود أسبابه إلى شوق المسلمين الذي جاش في قلوبهم إلى مكة المكرمة، ونفحاتها الإيمانية، حتى إذا سنحت الفرصة وأذن الله أعلن رسول الله ﷺ في الملأ أنه متوجه إلى مكة معتمراً، فما لبث أن تبعه جمع غفير من المهاجرين والأنصار، وسائر إخوانهم من المسلمين (٣)، الذين كانوا خيرَ أهل الأرض آنذاك (٤)، وبلغوا

стр. 39

ألفاً وأربعمائة معتمر، خرجوا مع نبيّنا محمد ﷺ من المدينة المنورة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة (١). قافلة المدينة أحرمت بعمرتها من ذي الحليفة في وادي العقيق على مقربة من المدينة المنورة (٢). وقد ساق قائد هذا الركب المبارك ﷺ الهدي معه، لتعلم قريش أنه جاء معتمراً، معظماً للبيت، لا محارباً، فيأمن الناس ويطمئنوا (٣). وفي درس جديد من دروس الخبرة والحكمة والأخذ بالأسباب الدنيوية بعد تمام التوكل على الله تعالى، أرسل رسولنا محمد ﷺ بِسْرَ بن سفيان من خزاعة عيناً له (٤)، يأتيه بأخبار مكة ليدرس أحوالهم، قبل أن يصل إليهم، وسار رسول الله حتى إذا كان بغدير الأشطاط التقى بالعين، الذي قال له: إن قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت

стр. 40

ومانعوك»! هناك التفت رسول الله ﷺ إلى أصحابه يخاطبهم باللغة التي اعتاد أن يتبادلها معهم، وهي لغة استطلاع الآراء وسبرها ودراستها، واختيار المناسب منها على طريقة الدول المتحضرة اليوم، وفي سبق واضح عليها، فقال: «أشيروا أيها الناس عليّ». فقال له أبو بكر: يا رسول الله، خرجتَ عامداً لهذا البيت لا تريد قتلَ أحد، ولا حرب أحدٍ، فتوجَّهْ له، فمن صدّنا عنه قاتلناه. حينئذ أخذ رسولنا ﷺ بزمام الناقة وقال للركب الكريم: امضوا على اسم الله (١). وترسيخاً منه ﷺ للعمل بالأساليب الحربية الحكيمة، التي تفاجئ العدو، ولا تريق دماً، وحرصاً منه على رسالة الأمن والسلام، وتجلية لحقيقة القصد الذي من أجله جاء وهو العمرة وثوابها دون أي رغبة أخرى قد تتمخض عن سنيّ الصراع بين الحق والباطل، أو التوحيد والوثنية فقد قال ﷺ لأصحابه بعد أن أُخبر بأنّ خالد بن الوليد في موضع يقال له الغميم (٢)، في خيل لقريش طليعةً (٣) لهم: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم (٤)؟ فأجابه رجل من أسلم (٥):

стр. 41

أنا يا رسول الله، فسلك بهم طريقاً وَعْراً بين الشعاب، فو الله ما شعر بهم خالد بن الوليد حتى رأى من بعيد قَتَرَةَ الجيش (١)، فانطلق يركض نذيراً لقريش، يخبرها بتسلل محمد ﷺ إلى تخوم مكة، أي في الوقت الذي وصل فيه المسلمون فعلاً إلى طريق في الجبل يشرف على الحديبية، ويُهبَط منها عليهم، يدعى ثنية المِرار (٢)، حيث بركت ناقة رسول الله ﷺ ، فزجرها الناس بالقول المعهود عندهم إذا تركت ناقةٌ السير، وهو: حَلْ، حَلْ، طلباً لقيامها فامتنعت، ولم تستجبْ لهم، فظنوا أنه قد أصابها ما يصيب النوق من الأحوال، فقالوا: خَلأتِ القصواء (٣)! فتدخل النبيُّ ﷺ ليذكرهم بسلطان الله على الوجود، وأنّ الناقة التي بركت يوماً في المدينة لتحدد للمسلمين موضع المسجد النبوي الذي تشد إليه الرحال من كل أرض، هي ذاتها التي تبرك اليوم بإلهام من خالقها، لأمر لا يدري عنه المسلمون شيئاً، لذلك قال لهم: ما خَلأتْ القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل (٤).

стр. 42

قال: ثم زجرها فوثبت: أي بعد أن ظنوا أولاً أنها خلأت، وفي هذا تأكيد أنها عندما بركت فإنما فعلت ذلك بأمرِ الله إشارةً منها إلى ما لم تنتبه له العقول، وأنها بمجرد وصول الرسالة عادت تستجيب للزجر فقامت من جديد. بعد الوثوب عدل بها النبي ﷺ ، ومن ورائه قافلة ضيوف الرحمن، حتى نزل بأقصى الحديبية على حُفَيرة فيها ماء مثمود، أي قليل فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه (١). وفي رواية أنهم نزلوا يوم الحديبية على بئر فنزحوها، فأتَوْا رسول الله ﷺ ، فأتى البئر، وقعد على شفيرها، ثم قال: ائتوني بدلومن ما ئها، فأُتيَ به، فبصق، فدعا، ثم قال: دعوها ساعة. فأَرْوَوْا أَنفسهم ورِكابهم حتى ارتحلوا (٢). وفي رواية أن الناس عطشوا يوم الحديبية، وبين رسول الله رَكْوَةٌ، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله ﷺ : مالكم؟ قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به، ولا نشربُ إلّا ما في رَكْوَتك. قال: فوضع النبي ﷺ يده في الرَّكْوَة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوَضَّأنا (٣). هذه الروايات جمع بعض العلماء بينها بأَنَّ ذلك وقع أكثر من مرة (٤)، وبأَنّ حديث نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، والذي يرويه جابر كان حين حضرت صلاة

стр. 43

العصر، عند إرادة الوضوء لها. كما يحتمل أن يكون الماء لما تفجر كم بين أصابعه ويده الشريفة في الرَكوة، حيث توضؤا جميعاً وشربوا، حينئذ أمر ﷺ بصب الماء الذي بقي في الرَكوة في بئر الحديبية، فتكاثر الماء من جديد، بعد أن كان تكاثر يوم ألقى سهمه الشريف فيه. والحق أنها روايات ثابتة نأخذ بها جميعاً. قال: فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر معه، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي (١) نزلوا أعداد مياه الحديبية (٢) ومعهم العُوْذُ والمطافيل (٣)، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ : «إنّا لم نجئ لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين». هذا القول الفصل ينفي من جديد أي احتمال لاجتياح أو نية سوء مبيتة، ثم إنّ الإحرام والعدد الذي صاحب نبينا ﷺ يعضد ذلك.

стр. 44

لكنّ الرسول الخاتم ينطق بالمبادئ الأساسية لأمته، لتتعلم أن لا تفريط في ثوابت الشريعة، ومقدساتها، ومن ذلك البيت ساحة الإسراء، والأقصى فضاء المعراج، والمسجد النبوي أحد المساجد الثلاثة التي تشدّ إليها رحال المسلمين. قال ﷺ ما يقدم لنا الجانب الآخر الذي تتكامل به الشخصية الصحيحة للحاج والمعتمر: وإنّ قريشاً قد أنهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإنْ شاؤوا ما دَدْتُهم مدة ويخلّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظْهَرْ فإنْ شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلَّا فقد جَمُّوْا (استراحوا)، وإن هم أبَوْا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (١)، ولينفذنّ الله أمره». فقال بديل: سأبلغهم ما تقول: فانطلق بديل فحدّث قريشاً بما سمعه من رسول الله ﷺ ، فقام عروة بن مسعود يعرض على المشركين أن يأتي النبي ﷺ فيكلمهم في تفصيل ما جاء به بديل بن ورقاء. فقالوا له: دونك فاذهب. ذهب عروة فكلم رسول الله ﷺ في جولة أخرى بمثل ما كلمه به بديل، لكن قال له عروة: أرأَيْتَ إن استأصلتَ أمرَ قومك، هل سمعتَ بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك».

стр. 45

هذا هو الاحتمال الأول للصورة التي ستؤول إليها الأمور، أما الاحتمال الآخر فقد عرضه بطريقة فيها شيء من التأدب، مع مكرٍ وخبث ودهاء في طبيعة ما ألقاه على مسامع المسلمين: «وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفرُّوا ويدَعوك! ». فلم يصرح له بالأخرى وهي أن تكون الغلبة لقريش، لكنه صرّح بشيء مسموم دسه في فؤاد هذا الكلام، وهو أنه لا يأمن على محمد ﷺ من نكران أصحابه له إنْ غُلب؛ لأنهم حسب وصفه ليسوا بالوجوه التي تحفظ حق الصحبة، وتعرف قدر المتبوع! كلهم أشواب أي من أخلاط شتى (١)، حقيقاً (٢) أن يسلّموك إلى قدرك المحتوم حينئذ وينفضوا عنك. وربما أشار هذا الكلام إلى العادة التي جرت في الجيوش في عرف تلك الأيام أن القوات المجمَّعة من قبائل وأصقاع شتى لا يؤمن عليها الفرار يوم الزحف، بخلاف المقاتلين المنتسبين إلى قبيلة واحدة؛ لأن التقاليد القبلية إنّ التقاليد تجعلهم يأنفون مثل هذا الخُلُقِ الذميم. لمز عروة لهذا، دون أن ينتبه إلى أن الإسلام الذي خرج ضياء ينير الطريق في ظلام الجزيرة العربية وسائر أنحاء العالم، إنما جمع أتباعه من عرب وعجم، سادة وموالٍ، فقراء وأغنياء بداوةٍ وحضر، خلف محور جامع هو العقيدة

стр. 46

الإسلامية التي رمزت لها كعبة الله المشرفة في قلب المسجد الحرام، الذي يقف المسلمون اليوم على أبوابه. هذا الكلام الاستفزازي الذي يطلقه لسان كافر حاقد جاحد بالله ورسوله والكتاب المبين، جاهل بالركائز التي يقوم عليها هذا الدين، لم يتركه الصحابة ليمرّ دون محاسبة، فانبرى أبو بكر الصديق ﵁ صاحب المواقف الرجولية الحاسمة، فردّ هراءه باسم الصحب الكرام جميعاً بالقول الذي لم يكن ينتظره أو يتوقعه: امصَصْ بظْرَ اللات، أنحن نفر عنه وندعه (١)؟ ! فالتفت عروة قائلاً وقد أدهشه الردّ الجرئء: من ذا؟ قالوا: أبو بكر (٢). قال عروة: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي (٣) لم أجزك بها، لأجبْتُك (٤).

стр. 47

بعد هذا الحوار الاعتراضي عاد الكلام بين الرسول ﷺ وعروة مندوب قريش، الذي جعل يكلّم النبي ﷺ ، ويأخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ، ومعه السيف، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية نبيّنا ﵇، ضرب المغيرة يده بنَعْل السيف (١)، وقال له: أَخِّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . وهناك رفع عروة رأسه ليتساءل عن هذا الذي آذاه مراراً، وأغضبه (٢)، فقال: من هذا يا محمد؟ فأجابه رسول الله ﷺ : هذا ابنُ أخيك المغيرة بن شعبة (٣) فقال عروة: أيْ غُدَر، ألستُ أسعى في غَدْرتِك (٤)؟ وكان المغيرة صحب قوماً (٥) في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم بعد ذلك أسلم. هذا وقد علّق رسولنا محمد ﷺ على القصة يومها بقوله: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلستُ منه في شيء (٦). قال: ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه. قال: فو الله ما تنخَّم رسول الله ﷺ نُخامة إلّا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم، فدلك بها وجهه وجلده.

стр. 48

وإذا أمرهم ابتدروا أمره. وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه. وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده. وما يُحدُّون إليه النظر تعظيماً له (١).

стр. 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 51

قال فرجع عروة إلى أصحابه، فقال أي قوم والله لقد وفَدْتُ على الملوك ووفَدْتُ على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيت مليكاً قط يعظمه أصحابه ما يعِّظمُ أصحاب محمد ﷺ محمداً. ثم ساق ما سبق ذكره ثم قال لهم: وإنه قد عرض عليكم خطة رُشدٍ فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة (١): دعوني آتيه، فقالوا: ائْته. فلما أشرف على النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدنَ فابعثوها له (٢)، فَبُعِثَتْ له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدنَ وقد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، فما أرى أن يصدوْا عن البيت (٣). قال: فقام رجل منهم يقال له مِكْرَزُ بن حَفصْ، فقال: دعوني آته، فقالوا ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : هذا مِكْرَزٌ، وهو رجل فاجر (٤).

стр. 52

قال: فجعل يكلم النبي ﷺ ، فينما هو يكلمه إذْ جاء سهيل بن عمرو، فلما جاء قال النبي ﷺ : قد سَهُلَ لكم من أمركم (١). قال: فجاء سُهيْل بن عمرو فقال: هاتِ اكتُبْ بيننا وبينكم كتاباً. فدعا النبي ﷺ الكاتبَ (٢). قال النبي ﷺ لسيدنا علي: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سُهيْل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهمّ كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ : اكتب باسمك: «باسمك اللهمّ». ثم قال رسول الله ﷺ للكاتب: هذا ما قضى عليه محمد رسول الله. فقال سُهيْل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ﷺ ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ : «والله إني لرسول الله وإن كذَّبتموني. اكتبْ: محمد بن عبد الله». وهذا كما ترى ـ أخي القارئ ـ تساهل يهدف إلى حقن الدماء، وحفظ السلام في ربوع مكة، وجنبات البيت الحرام، وسائر بقاع جزيرة العرب التي يسعى الصحابة المجاهدون إلى جعلها داراً للإسلام بوسائل السلم إن أمكنهم ذلك. وهذا كله انعكاس لما كان قد أقسم به رسول الله ﷺ : «والله لا يسألونني

стр. 53

خطة يعظمون فيها حرماتِ الله إلّا أعطيتهم إياها» (١). قال النبي ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به. فقل سُهَيْلٌ: والله لا تتحدث العرب أنّا أُخِذْنا ضُغْطةً (٢)، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب. فقال سُهَيْلٌ: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل ـ وإن كان على دينك ـ إلّا رددته إلينا (٣). قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُردُّ إلى المشركين، وقد جاء مسلماً (٤)؟ . فبينما هم كذلك إذْ دخل أبو جندل (٥) بن سُهَيْل بن عَمْروٍ يَرْسُفُ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سُهَيْل: هذا يا محمد أول من أقاضيكَ عليه أن تردّه إلي.

стр. 54

فقال النبي ﷺ : أنا لم نقضِ الكتابَ بعد. قال سُهَيْل: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً. قال النبي ﷺ : فأجزه لي (١). قال: ما أنا بمجيزهِ لكَ. قال النبي ﷺ : بلى فافعلْ. قال سُهيْل: ما أنا بفاعل. قال مِكْرز: بل قد أحزناه لك (٢). قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت (٣)؟ . وكان قد عُذِّب عذاباً شديداً في الله. قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقاً (٤)؟ قال رسول ﷺ : بلى.

стр. 55

قلت: ـ أي عمر: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ (١) قال: بلى. قلت فلم نعطي الدنيَّة في ديننا إذاً. قال: إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري (٢). قلتُ: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به (٣). قال: بلى، فأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ (٤). قال عمر: قلت: لا. قال رسول الله ﷺ : فإنّكَ آتيه، ومطوّف به (٥). قال عمر: فأتيت أبا بكر (٦) فقلتُ: يا أبا بكر، أوليس هذا نبيَّ الله حقاً.

стр. 56

قال: بلى. قلتُ: ألسنا على الحق، وعدوُّنا على الباطل؟ قال أبو بكر: بلى. قلتُ: فلم نعطي الدنيَّة في ديننا إذاً. قال أبو بكر: أيها الرجل، إنه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسكْ بغَرزه (١) فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدّثنا أنا سنأتي البيت، ونطوف به؟ . قال: بلى، أفاخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهريُ: : قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالاً (٢).

стр. 57

قال: فلما فرغ من قضية الكتاب (١) قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات (٢) فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا نبي الله: أتحبُّ ذلك؟ اخرُجْ، ثم لا تكلمْ أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدْنَك، وتدعو حالِقكَ فيحلقَكَ (٣). قال: فخرج، فلم يُكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه (٤) ودعا حالقَهُ فحلقه فلما رأَوْا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد

стр. 58

بعضهم يقتل بعضاً غّماً. هذا ما دار من أحداث على ثرى الحديبية والتي كان أبرزها الصلح الشهير الذي ينتسب إلى تلك البقعة الطيبة، والذي يحمل اسمها، إنه صلح الحديبية. والصلح ـ بحد ذاته كان فتحاً عظيماً للمسلمين جميعاً، وصورة تحكي للأجيال المسلمة الفرق الواضح يبن خطي النبوة وتدبيرها، وترتيب الجهد الإنساني وحدوده، كما كان زلزالاً قوياً بالنسبة لمن حضر من المسلمين التوقيع على تلك المعاهدة التاريخية. أما الفتح العظيم فقد جاء تجلياً واضحاً لتدبير الله في هذا الكون، وترتيبه بيت هذا الصلح، في إظهار لعمل النبوة التي برزت خطواتها كما لم تبرز في أي مظهر آخر من قبل، حتى إنه كان مقدمة لكل ما جاء بعده من فتوحات، رغم ما كان يظهر على معالمه من سمات الذل والاستكانة والتقهقر والهوان، في صورة ظاهرة خفيت تدابيرها الإلهية اللطيفة على عامة المسلمين، وظهرت للبعض منهم فقط، لذلك قال الزهري: «فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس، ولما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضاً، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكن أحد بالإسلام يعقل شيئاً في تلك المدة إلّا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك، أو أكثر، يعني من صناديد قريش». ولقد قال العلامة ابن حجر العسقلاني بعد أن ساق كلام الزهري هذا: «ومما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكره الزهري أنه مقدمة بين يدي

стр. 59

الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجاً، وكانت الهدنة مفتاحاً لذلك ... ». كما قال: «ولما كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح سميت فتحاً كما سيأتي في المغازي فإن الفتح في اللغة فتح المغلق، والصلح كان مغلقاً حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صدُّ المسلمين عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيم للمسلمين، وفي الصورة الباطنة عِزٌّ لهم، فإنّ الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرةً آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم إلّا خفية، وظهر من كان يخفي إسلامه، فذُلَّ المشركون من حيث أرادوا العزة، وأُقهروا من حيث أرادوا الغلبة» (١). لذلك لا غرابة أن يسمي الله ما جرى من صلح الحديبية فتحاً، وأن ينزّل على قلب نبيه ﷺ سورة في طريق العودة من مكة إلى المدينة، تحمل اسم الفتح، صدَّرها بقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١]. عمل النبوة في مكنونها الخفي، وغيبها المطوي في علم الله وحده، هو الذي كان يقود تلك المسيرة آنذاك منذ أن قال رسول الله ﷺ : لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها. فالوحي الإلهي هو الذي دعاه إلى تلك الخطة، وأخبره بها، ورسم محطاتها خطوة بعد خطوة.

стр. 60

ثم أخذت ملامح الأمر تتبدّى منذ أن قال رسول الله ﷺ وقد انتصب في الطريق شخص سهيل بن عَمروـ: قد سَهُلَ الأمر عليكم وقد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا. وفي تغاضي رسول الله ﷺ عن تمسكه في تلك المعاهدة، عن بعض الأمور، أمام إصرار الطرف الآخر لوحةٌ أُخرى تنعكس عليها هذه الحقيقة؛ لأن وحي السماء كان يواكب رحلة الصلح منذ اللبنة الأولى لها، يزيل أي صعوبة تعرقل إتمام الوثيقة، لذلك لما طلب رسول الله ﷺ أن توضع الحرب بين الفريقين، وأن تخلّيَ قريش بين المسلمين والبيت الحرام، ولما أبي سهيل ذلك، واعتذر بأنه لا يرضى أن تقول العرب: أنّا أُخذنا ضُغْطة أي قهراً فإذا برسول الله ﷺ يتنازل عن هذا الشرط، ويرضي بقول سهيل، رغم أن أصحابه خرجوا معه من المدينة المنورة لأداء العمرة عامهم ذاك، وهم الذين تحمَّلوا لأجلها مشاقَّ السفر، وألم الغربة، ومصاعب الإحرام، ثم ها هو البيت على مرمى نظرهم، أو يزيد، وهاهم يقبلون الهدنة، وتضع الحرب أوزارها سنين عديدة، فعلاً تم التأجيل؟ هذا ما لم يدركه فهم الصحابة الكرام؛ لأنه مما يخفي على كل إنسان إلّا إن نظر بعين النبوة، لأنها تبصر بيد العناية الإلهية التي ترى ما لا يراه الناس، فهي التي كانت تضع اللمسات الأخيرة لكل فقرة من فقرات الصلح، ليرى المسلمون، وتدرك أجيالهم الفرق الشاسع بين الوحي وتعليماته، والمسيرة البشرية ومعطياتها. قبل هذا الموقف المؤثر كان رسولنا محمد ﵊ قد استجاب لامتناع سهيل هذا عن كتابة بسم الله الرحمن الرحيم، إلى تصدير الوثيقة بالعبارة التي كانت سائدة آنذاك: باسمك اللهمّ.

стр. 61

ثم تلقّى المسلمون ما هو أشدّ، حين انتبهت أعصابهم المشدودة من هول مايشاهدونه، إلى فقرة هي في ظاهرها أكثر إيلاماً من سابقها، أقرّ فيها رسول الله ﷺ على اشتراطه الذي انتهى الأمر بالتنازل عنه، وهو أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليّه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن يتبع محمداً لم يردّوه عليه! هنا تألم المؤمنون، وتعجبوا، وقالوا: سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً. في خضم هذا الموقف الذي تأثر منه المسلمون كثيراً نزل فيهم ما هو أشدّ منه وقعاً وتأثيراً بما يشبه الزلزال العظيم في كيان كل منهم، حين هبط على ساحة الحديبية التي فيها يجتمعون مسلم أسيرٌ عند قريش، حبس بداخل مكة، فاستنجد بالله والحيلة والجهد، وفرّ بدينه، يركب الجبال، يتنكب الطريق، قاصداً الملجأ الوحيد الذي يمكنه أن يحتضنه، وهو هذا الجمع المبارك بقيادة الرسول محمد ﷺ ، لكن والده المفاوض سهيل بن عمرو، يشترط أن يكون ولده أبو جندل أوّل ما يقاضي به رسول الله ﷺ في هذه المعاهدة، ويأبى إلّا أن يستردّه، ويمتنع عن إجازته للمسلمين مع تكرار الطلب بذلك من قبل رسول الله ﷺ . وإذا بالمسلمين تلفّهم دهشة أخرى، وإذا بالمشاهد المؤثرة تتقاذفهم بعد أن سمعوا نبيَّهم الكريم ﷺ يترك إجازة أبي جندل أمام عناد أبيه، فلا يلمحون في اللوحة التي ترتسم أمامهم سوى صغار وهوان المسلمين أمام استكبار وزهو المشركين بالانتصار في هذه المعاهدة التي تحكي ألفاظها الظاهرة هذه النتيجة. لذلك قالوا: أنكتب هذا يا رسول الله؟ ويجيب ﷺ بلسان الوحي والنبوة التي غفوا عنها لبرهة وجيزة بسبب الوطء الشديد للمعاهدة: إنه مَن ذهب منّا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً. لهذا كان عمر في

стр. 62

سؤاله ومجيئه وذهابه كأنه الناطق باسمهم لما عرف عنه من الغيرة والطرجة ويتوجه لسان النبوة إلى أبي جندل بالتوجيه الدقيق التالي: يا أبا جندل، اصبر واحتسبْ، فإنّا لا نغدر، وإن الله جاعلٌ لك فرجاً ومخرجاً. وفي تعقيبه على هذه القصة يقول أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: «إن أمر هذا الصلح كان مظهراً لتدبير إلهي محض تجلى فيه عمل النبوة وأثرها كما لم يتجلى في أي عمل أو تدبير آخر. فقد كان نجاحه سراً مرتبطاً بمكنون الغيب المطوي في علم الله وحده ولذلك انتزع كما ـ قد رأيت ـ دهشة المسلمين أكثر مما اعتمد على فكرهم وتدبيرهم، ومن هنا فإنّا نعتبر أمر هذا الصلح بمقدماته ومضمونه ونتائجه من الأسس الهامة في تقويم العقيدة الإسلامية وتثبيتها. ولنتحدث أولاً عن طرف من الحكم الإلهية العظيمة التي تضمنها هذا الصلح والتي تجلت للعيان فيما بعد، حتى أضحت آيةً من آيات الله الباهرة، ثم نتحدث بعد ذلك عن الأحكام الشرعية التي تضمنتها وقائع هذا الصلح. فمن الحكم الباهرة أن صلح الحديبية كانت مقدمة بين يدي فتح مكة فقد كانت هذه الهدنة كما يقول ابن القيم باباً له ومفتاحاً. وتلك هي عادة الله ، يوطئ بين يدي الأمور التي تعلقت إرادته بإنجازها، مقدمات تؤذن بها وتدلُّ عليها. ولئن لم يكن المسلمون قد تنبهوا لهذا في حينه، فذلك لأن المستقبل غائبٌ عنهم، فآن لهم أن يفهموا علاقة الواقع الذي رأوه بالغيب الذي لم يتصوروه بعد؟

стр. 63

ولكن ما إن مضت فترة من الزمن، حتى أخذ المسلمون يستشفّون أهمية هذه الهدنة وعظيم ما قد انطوت عليه من خير. فإن الناس أمن بعضهم بعضاً، واختلط المسلمون بالكفار ونادوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان متخفياً بالإسلام ... ». ثم قال: «ومن الحكم الجليلة، أن الله ﷻ أراد بذلك أن يبرز الفرق واضحاً بين وحي النبوة وتدبير الفكر البشري، بين توفيق النبي المرسل وتصرف العبقري المفكر، بين الإلهام الإلهي الذي يأتي من فوق دنيا الأسباب ومظاهرها، والانسياق وراء إشارة هذه الأسباب وحكمها. أراد الله أن ينصر نبوة نبيه محمد ﷺ أمام بصيرة كل متأمل عاقل ولعل هذا من بعض تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾، أي نصراً فريداً في بابه، من شأنه أن ينبه الأفكار السادرة والعقول الغافلة (١). فلا غرابة أن يدهش المسلمون من موقف رسول الله ﷺ إزاء هذه المعاهدة، وهم يرونه يعطي المشركين كل ما سألوه، ولا عجب أن يستبد الضيق بعمر بن الخطاب؛ لأنهم كانوا يقفون على أرض من بشريتهم، فلا يتبصرون إلّا بمقدارٍ دون أن تتجاوز أبصارهم ما ينتصب حولهم من حواجز الزمان والمكان والأسباب، أما رسول الله ﷺ فقد كان يقف في تصرفاته على أرض من حقيقة النبوة التي تتحكم بها عناية السماء بواسطة الوحي الإلهي جبريل، فهو يدرك بها فوق ما يفهمه البشر

стр. 64

في عقولهم، ويرمي إلى أبعد ما تدركه خبراتهم. إذن، لا مطعن فيما أصابهم، وهم الذين تمتزج بكينونتهم طبيعة البشر، أمام مشهد لا مطمع فيه ليد واحدٍ منهم أن تمتد إليه بفعل من زيادة أو حذف، وهو ما حدا بعمر بن الخطاب أن يتساءل أمام رسول الله ﷺ : فلمَ نرضى الدنيَّة في ديننا؟ لكنّ الإيمان الراسخ بداخلهم أقوى من سائر الزلازل التي تمتد إليه لتميد به، لذلك ما إن شاهدوا نبيَّهم ﷺ ينحر إبله، ويدعو حالقه فيحلق له، حتى قاموا ينحرون الإبل، ويتحللون بالحلق، يحلق بعضهم لبعض، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً لحرصهم ومسارعتهم في تنفيذ أمر رسول الله ﷺ . وهكذا صحا أصحاب محمد ﷺ من الوجوم الذي خيم عليهم في الحديبية، على مزيد من الإيمان بالحكمة الإلهية، ونبوة محمد ﷺ ، حتى إنَّ عمر ﵁ يذكر أنه ما يزال يصلي ويصوم ويتصدق ويعتق خشية أن يناله شيء من الذي استدرجه إليه ظاهر صلح الحديبية. لقد ترسخ عندهم أن الحق ما جاء به الشرع وإنْ بدا للوهلة الأولى غير ذلك، وهو ما أورثهم يقيناً بالله وبرسوله وبكمال الشرع المطهر وصواب أحكامه وذلك فوق ما لديهم من يقين وإيمان حتى إنهم صاروا يتهمون رأيهم متحررين من غرور العقل حين يعمل على استعباد صاحبه في غفلة عن سلطان الله خالق الكون والإنسان ووسيلة الإدراك فيه هي العقل لا غير. جاء في الصحيح أن سُهَيْلَ بنَ سعيد ﵁ قال يوم صفين: «أيها الناس اتهموا

стр. 65

رأيكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته (١). وقال عمر: اتهموا الرأيَ على الدين، فلقد رأيتني أردّ أمر رسول الله ﷺ برأي (٢).

стр. 66

واجبات الإحرام قال الإمام العمريطي: (والواجب الإحرام من ميقاته ... والرمي للجمار في أوقاته) (وأن يبيت الشخص في المزدلفهْ ... وفي منى الليالي المشرّفة) وترك ما يُسْمى مخيطاً ساترا ... وأن يطوف للوداع آخِرَا الأركان بالتعريف هي التي يتوقف وجود النسك عليها، ولا تُجبر بدم. أما الواجبات، فهي التي لا يتوقف وجود النسك عليها، وتجبر بدم (١). الواجب الأول: الإحرام من الميقات . وقد مر معك أن الإحرام بمعنى النية هو الركن الأول من أركان الحج، أما وقوع هذا الإحرام في الميقات لا بعده فهو الواجب الذي نتحدث عنه، لذلك لو جاوز الميقات بلا إحرام، وهو مريد للنسك لزمه العود ما لم يتلبس بنسك كطواف القدوم مثلاً، فإن لم يعد إلى الميقات أصلاً، أو عاد لكن بعد أن تلبَّس بنسك لزمه دم، ولو كان ناسياً أو جاهلاً. قال العلامة الباجوري: «ولا إثم على الناسي والجاهل، والأفضل أن يحرم من أول الميقات ليقطع باقيه محرماً إلّا في ذي الحليفة فالأفضل فيه أن يحرم من

стр. 67

المسجد الذي أحرم منه النبي ﷺ » (١). والميقات في الأصل مأخوذ من الوقت، لكنه في اصطلاح الفقهاء زمان العبادة ومكانها، ولا يختص بوقتها فقط؛ لأن كلاً منهما حدٌّ للعبادة، والميقات لغة الحد. فالميقات على هذا مكاني وزماني: للآفاقي حجاً أو عمرة هي مواضع معينة حدّها لنا الشرع المطهر وهي بالنسبة للمدينة المنورة ومن أتى من قبلها ذا الحليفة (أبيار علي). وبالنسبة لأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل العراق ذات عرق. والميقات الزماني شوال من أوله، وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، فلو أحرم بالحج قبل ذلك انعقد عمرة؛ لأن جميع السنة كما قلت زمن للعمرة (٢)؛ ولأنَّ الإحرام شديد التعلق بالوقت المرتبط به، فإذا لم يقبل الوقت إحرام المحرم بالحج انصرف إلى ما يقبله إحرامه وهو العمرة. وتنتهي عشر ذي الحجة مع بزوغ فجر يوم النحر. الواجب الثاني: الرمي ويشمل رمي جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات فقط، والتي يدخل وقتها بنصف ليلة النحر، أما زمن فضيلته فما بين ارتفاع شمس ذلك اليوم وزوالها. وله وقت اختيار إلى غروب الشمس يوم النحر. كما له وقت جواز إلى آخر أيام التشريق الثلاثة بعدُ.

стр. 68

كما يشمل الرمي الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر، ويرميها كل يوم بإحدى وعشرين حصاة، لكل جمرة سبع حصيات يومياً. فجملة الحصى لمن لم ينفر النفر الأول سبعون حصاة. قال العلامة الشيخ إبراهيم الباجوري من الشافعية: «ولوترك رمياً من رمي أيام النحر وأيام التشريق تداركه في باقي أيام التشريق أداء؛ لأنه يدخل رمي كلِّ يوم من أيام التشريق بزوال شمسه، ويبقى وقت اختياره إلى آخر ذلك اليوم، ويبقى وقت جوازه إلى آخر أيام التشريق. ويجوز رمي ما فاته ليلاً أو نهاره، ولا يصح الرمي بعد أيام التشريق أصلاً بل يلزمه دم بترك ثلاث رَمياتٍ فأكثر» (١). وليس للمرمى حد معلوم، غير أنَّ بعض المتأخرين حده بثلاثة أذرع من كافة جوانب العمود المنصوب في كل جمرة، باستثناء جمرة العقبة فليس لها إلّا جانب واحد؛ لأنها في الأصل بجنب جبل. ولا يكفي رمي العمود المعروف في مركز كل جمرة هناك، اللهمّ، إلّا إن وقع المرميُّ في المرمى. هذان الواجبان متفق عليهما: أي إنشاء الإحرام من الميقات، والرمي. أما سائر الواجبات، فليست موضع إجماع، كما ذكر إمامنا النووي، والأصح وجوبُ ذلك (٢).

стр. 69

الواجب الثالث (١): المبيت بالمزدلفة (٢)، أي وجوده فيها لحظة من النصف الثاني من ليلة النحر (العيد)، ويسن أن يأخذ منها سبع حصيات لرمي جمرة العقبة فقط، فالمأخوذ من المزدلفة سبع لا سبعون. الواجب الرابع: المبيت بمنى (٣) ليالي أيام التشريق الثلاثة، وواجب المبيت في كل ليلة وجوده فيها معظم الليل (٤). لكن يسقط مبيت الليلة الثالثة إن نفر النَّفرْ الأول، كما يسقط عنه رمي يومها أيضاً. وقد سُمّيت مِنى بهذا الاسم لكثرة ما يمنى فيها أي يراق من دماء الأضاحي والكفارات. الواجب الخامس: التحذير من الوقوع في محرمات الإحرام ، وهو ما أشار إليه العمريطي بقوله: (وتركُ ما يُسْمَى مخيطاً ساتراً)، ومعناه أن يتجرّد المحرم

стр. 70

الذّكَر ولو صبياً عن المحيط على أي عضو من أعضاء البدن كالقميص والثياب ذات الأكمام، والخف الذي يحيط بالأصابع وسائر القدمين، وما إلى ذلك مما سيأتي بيانه (١). ويستثنى في تجرده من ذلك إزار يستر به عورته، ورداء يلقيه على كتفه، وهو ما سنفيض بإلقاء الضوء عليه بإذن الله. الواجب السادس: طواف الوداع: قال العلامة الباجوري في حاشيته: «وأما طواف الوداع فهو واجب مستقل ليس من المناسك على المعتمد، فيجب على مَنْ فارق مكة ولو مكياً أو غير حاجٍ ومعتمر غير حائض ونفساء. ويجبر تركه بدمٍ، فإن عاد بعد فراقه قبل مسافة قصر وطاف سقط عنه الدم. وإن مكث بعد الطواف أعاده إلّا إذا مكث لصلاة أُقيمت، أو شغلِ سفرٍ كشراء زادٍ لم يطُلْ زمنه، وشدّ حمول لم يطلْ زمنه، وشرب ماء زمزمٍ، وانتظار رفقةٍ، وإغماءٍ، وإكراهٍ وإن طال زمنها. ولا وداع على مَنْ خرج لغير منزله بقصد الرجوع وكان سفره قصيراً، ولا على محرم خرج إلى منى. أما الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، لكن إن طهرتا قبل مفارقة مكة لزمهما الطواف» (٢).

стр. 71

وقال العلامة الفَشني في قول العمريطي: (وأن يطوف للوداع آخرا): «أي إذا أراد الخروج من مكة، سواء كان حجاً أم لا آفاقياً يقصد الرجوع إلى وطنه أم مكياً يسافر لحاجة ثم يعود، وسواء كان سفره طويلاً أم قصيراً، لثبوته عن رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً ... » (١). وقال الإمام النووي: «ينبغي أن يقع طواف الوداع بعد الفراغ من جميع أشغاله ويعقبه الخروج من غير مكثٍ، فإن مكث بعده لغير عذر أو لشغل غير أسباب الخروج كشراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض ونحو ذلك فعليه إعادة الطواف. وإن اشتغل بأسباب الخروج كشراء الزاد بلا مكث وشدّ الرحل ونحوهما لم يُعِدْ الطواف، وكذا لو أُقيمت الصلاة فصلّاها معهم لم يُعد الطواف». قال الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح لكلام النووي هذا: (قوله فإن مكث بعده لغير عذر ... الخ) عبر بنحوه في أصل الروضة ومقتضاه أن المكث مكروهاً أو للخوف على نحو مال لا يوجب الإعادة لعذره وهو كذلك كما رجحه الزركشي في الإكراه قالوا: وإن طال مكثه، وهو يؤيد ما رجحته فيما يأتي، وكالإكراه ما بعده، وألحق به الأذرعي من أُغمي عليه أو جُنّ قبل طوافه». (٢) وبناء على وضعه بين يديك من نقول استطيع أن أذهب إلى أن ما يجري

стр. 72

اليوم من انتظار المطوّف السعودي ريثما يأتي بالحافلات التي لايسمح بامتطاء غيرها للوصول إلى مدينة رسول الله ﷺ هو عذر في المكث بعد طواف الوداع والله أعلم. هذه الأحكام استقاها الفقهاء من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ وما دار من اجتهاد واستنباط حولها، فقد روى الإمام البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «أُمِرَ الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلّا أنه خُفِّفَ عن الحائض» (١). وفي رواية عند مسلم عن ابن عباس ﵄ أيضاً قال: «كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت» (٢). وعن ابن عباس قال: «رُخِّص للحائض أن تنفرد إذا أفاضت» (٣) وقال طاوُس: سمعتُ ابن عمر يقول: إنها (٤) لا تنفر، ثم سمعته يقولُ بعدُ: إن النبي ﷺ رخَّص لهنّ» (٥). فهذه الأحاديث فيها دلالة على وجوب طواف الوداع للأمر في رواية البخاري الاولى، وللنهي عن تركه في الرواية الثانية من طريق مسلم، وللتعبير في

стр. 73

حق الحائض بالتخفيف، والتخفيف لا يكون إلّا من أمر مؤكد وهو ما صرّح به الإمام ابن حجر العسقلاني (١). فالوجوب قال به أكثر العلماء، وأنه لزمه إن تركه دم، وهو الصحيح في مذهب الشافعية وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والحسن البصري والحكم وحماد والثوري (٢). وقال مالك وداوُد وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، زيبدو أنهم حملوا الأمر على الاستحاب وربما استدلوا بتخفيفه عن الحائض بلا دم عليها، لا بل قالوا: إنه لو كان واجباً لوجب عليهما كطواف الزيارة (٣). وسواء قلنا هو واجب وهو قول الأكثر، أو هو سنة في قول البعض، فليس بركن بلا خلاف. ويشترط في طواف الوداع النية (٤)؛ لأنه نسك مستقل (وليس من جملة مناسك الحج عند الشافعية لذلك فهو يشمل العمرة)، وأن يقع بعد طواف

стр. 74

الإفاضة (١) وسائر أعمال الحج وعند إرادة الخروج من مكة. ولا يجب في المذهب الحنفي على أهل مكة (٢). ومن الذي نستفيده في هذه الفقرة أنه يسن لمن فرغ من طواف الوداع أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام، وأن يأتي زمزم فيشرب من مائها لذلك فإن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: إنه يسنُّ لمن فرغ من طواف الوداع أن يأتي الملتزم، فيلصق بطنه بحائط البيت، ويبسط يديه على الجدار، فيجعل اليمنى مما يلي الباب، واليسرى مما يلي الحجر الأسود ويدعوبما أحب، وأنّ المأثور منه أفضل، وهو قولك هناك: اللهمّ البيتُ بيتُك، والعبد عبدك، وابنُ أمتك. حملتَني على ما سخَّرتَ لي من خلقك حتى صيَّرتني في بلادك، وبلَّغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت عني راضياً فازدَدْ عني رضاً، وإلا فمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتكَ داري، ويبعد عنك مزاري. هذا أوانُ انصرافي إن أذِنْتَ لي، غير مستبدل بك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك.

стр. 75

اللهمّ فاصحبني العافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارْزُقني العمل بطاعتكَ ما أبقيتني، واجمع لي خيري الدنيا والآخرة، إنَّك على كل شيء قدير قادر على ذلك». قال: «ثم يصلي على النبي ﷺ » (١).
следующие страницы →