في منى المحصّب أيضاً.
والمحصَّب هو الشِّعبُ بين الجبلين، وهو ما جاء في القاموس المحيط.
وبالتالي فالمحصَّب هو مسيل الوادي؛ حيث تجتمع فيه بسبب السيول، الحجارةُ الصغيرة. ويطلق عليها الحصباء، والمكان الذي تجتمع فيه يسمّى المحصّب، ويطلق المحصّب على الأبطح؛ لأنه كالمحصَّب مأخوذ من البطحاء وهي الحصى الغار.
قال العلامة ابن حجر العسقلاني: «البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها المحصّب والمقوس، وحدّها ما بين الجبلين إلى المقبرة»، ثم قال: «الثاني ما يشعر بأنه صلى بالأبطح، وهو المحصّب» (١).
وفي المحصَّب خَيْفُ بني كنانة، والخَيْفُ في اللغة: وفق ما جاء في القاموس المحيط للفيروزابادي ما انحدر عن غليظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء (٢)، وبه سُمّي مسجدُ الخَيْف في منى؛ لأنه في سفح الجبل.
ولمّا كانت أرضُ المحصَّب تتبعُ بني كنانة، فإنّ المحصَّب يطلق عليه خَيْفَ بني كنانة، مع أنه في الأصل ـ كما قلتُ لك ـ يختص بما انحدر من الجبل، وهو هنا جبل زرود، وفيه ينشد المداح في مجالسهم:
ألفُ صلّى الله على زين الوجود ... مَن سكنْ طَيْبَةْ، وخيَّم في زرود
أهمية المحصَّب تأتي من أنه المكان الذي تحالفت فيه قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب لمقاطعتهم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم، ولا يؤووهم؛ ولا
стр. 177
يكون بينهم شيء حتى يُسلموا لهم رسول الله ﷺ ، وقد تم حصارهم بالفعل في شعب بني طالب. فالمحصَّب هو الموضع الذي استعلن فيه الكفر في وجه المسلمين، لذلك تعدّدت المواقف النبوية التي تعلن الإيمان وعزّة الإسلام وشعائره في الموقع الذي ارتفع فيه صوت الباطل في وجه الحق الذي نزل به الوحيُ الأمين.
قال لهم ذلك في فتح مكة، وفي يوم النحر من حجة الوداع، وحين أراد حُنَيناً.
روى البخاري في صحيحة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «منزلنا ـ إنْ شاء الله (١)، إذا فتح الله ـ الخَيْفُ (٢) حيث تقاسموا (٣) على الكفر» (٤).
مسجد البيعة:
هو المسجد الذي بني في الموضع الذي تمّت فيه بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية. ذلك أن رسول الله ﷺ كان يعرض نفسه على القبائل التي تتوافد إلى البيت الحرام كل عام في موسم الحج، يتلو عليهم كتاب الله، ويدعوهم إلى التوحيد، ويبشرهم إن هم منعوه حتى يبلغ رسالة ربه أن لهم العزة في الدنيا التي يملكون بها العرب، وتذلّ بها العجم، وأن لهم الجنة في الآخرة، وكان يتّبعهم إلى منازلهم في عكاظ وذي المجاز ومجنة فلا يتبعه منهم أحد؛ لأن أبا لهب كان يمضي وراءه يحذر الناس منه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب، فيردّون على رسول الله ﷺ أقبح الردّ ويؤذونه (٥).
стр. 178
وفي السنة الحادية عشرة للهجرة من البعثة المحمدية، عرض نفسه على القبائل شأنه في كل عام، يتلاطف معهم ويقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلَّا الله تفلحوا وتملكوا .. »، فبينما هو كذلك إذ لقي عند العقبة في منى رهطاً (١) من الخزرج أراد الله بهم الخير، فسألهم:
من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج.
قال: أمن موالي يهود. قالوا: نعم.
قال: أفلا تجلسون أكلمكم، قالوا: بلى، قال: فجلسوا معه فدعاهم إلى الله
وتلا عليهم القرآن فآمنوا.
قال أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: «وكان مما مهد أفئدتهم لقبول الإسلام أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، ومعلوم أنهم أهل كتاب وعلم، فكان إذا وقع بينهم وبين اليهود نفرة أو قتال، قال لهم اليهود: إن نبيَّاً مبعوث الآن قد أطلَّ زمانه، سنتَّبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم!
فلما كلم الرسول هؤلاء النفر، ودعاهم إلى الإسلام، نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: «تعلمون والله إنه للنبيُّ الذي توعَّدَكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه».
فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الإسلام، وقالوا: إنّا تركنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم
стр. 179
الله عليك فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل» (١).
عند هذه المحطة الموفقة بدأ منعطف جديد للدعوة الإسلامية على العموم، وفوق ثرى تراب المدينة المنورة على الخصوص؛ لأن النفر الستة صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، فأخذوا ينشرون مبادئ الدين الحنيف خلال عام كامل هو زمن غيابهم بين موسمي حج متتابعين، فلما طلع العام الثاني عشر من عهد النبوة وافى موسم البيت الحرام من الأنصار اثنا عشر رجلاً بايعوا رسول الله ﷺ بيعة لا جهاد فيها، أي على نمط ما بايع عليه النساء ثاني يوم الفتح على جبل الصفا، أما هذه البيعة فكانت في منى فيما صار يعرف اليوم بمسجد البيعة والذي يبتعد قرابة ثلاثمائة متر عن جمرة العقبة على يمين النازل من منى إلى مكة المكرمة.
نص البيعة: «تعالوا بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه» (٢).
قال عبادة بن الصامت: فبايعناه على ذلك.
فلما أرادوا الانصراف بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير الذي كان قبل الإسلام أنْعَمَ غلام في مكة، فلما دخل الإسلام، وحمل أمانته، طوى كل أسباب الرفاهية، وتصدّى لنشر دعوة الله بين عباد الله.
стр. 180
وفي العام التالي عاد الداعية الإسلامي مصعب بن عمير ومعه ثمرة عام كامل من الدعوة إلى الله تعالى وهو لا يحمل معه إِلَّا القليل من العلم، وهو ما يؤكد أن الدعوة الإسلامية وظيفة كل مسلم لا تختص بما يسمّى خطأ رجال دين، ولا تقتصر على العلماء، الذين لهم إلى جانب هذه الوظيفة العامة مهامٌ أخرى من تبصير الناس بشرائع دينهم، وضبط إيقاع الدعاة على إسقاط الشريعة.
وفي موسم الحج للعام الثالث عشر من بدء الدعوة واعد رسول الله ﷺ أواسط أيام التشريق ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتان، ناموا في رحالهم مع قومهم المشركين الذين استخفوا بهم منذ بدء الرحلة من المدينة، فلما مضى ثلث الليل خرج الجمع الطاهر متسللاً إلى موعد رسول الله ﷺ الذي جاء بصحبة عمه العباس بن عبد المطلب، فتكلم القوم وقالوا بعزيمة وصدق: خذ منا لنفسك ولربك ما أحببت .. فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فقام البراء بن معرور فأخذ بيد رسول الله ﷺ ، ثم قال:
نعم، والذي بعثك بالحق نبيّاً لنمنعنَّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (١) ورثناها كابراً عن كابر.
أثناء هذا الكلام قام أبو الهيثم بن التّيهان مقاطعاً البراء ومستدركاً:
يا رسول الله، إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ .
فأجابه رسول الله ﷺ مبتسماً: بل الدمَ الدمَ والهدمَ الهدمَ، أنا منكم، وأنتم
стр. 181
مني، أحاربُ من حاربتم، وأُسالم من سالمتم.
ومما جاء في هذا اللقاء المصيري أن قال لهم رسول الله ﷺ :
أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرج الخزرج تسعة نقباء منهم، وأخرج الأوس ثلاثة منهم، فقال رسول الله ﷺ للنقباء:
أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي.
فبدأت البيعة، وكان أول من ضرب على رسول الله ﷺ البراء بن معرور ثم بايع القوم كلهم بعد ذلك (١).
هذه البيعة ـ كما ترى ـ لم تكن بلا جهاد على شاكلة البيعة الأولى، لذلك تمَّت، وقال لهم رسول الله ﷺ «ارفضوا إلى رحالكم» قال له العباس بن عبادة بن نفلة، وقد امتلأ حماساً وإخلاصاً:
والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنملينّ على أهل منى غداً بأسيافنا؟ فأجابه رسول الله ﷺ بقوله: لم نؤمر بذلك (٢).
وصل الخبر إلى قريش فسألت فأقسم المشركون من الخزرج أنّ شيئاً من ذلك لم يحصل ثم تبين لهم بعد ذلك أنه حصل.
وللكلام تتمة تعود إليه في مظانها من كتب السيرة، وفي هذا القدر كفاية لذوي العناية، والمقصود أن ندرك سيرة المصطفى ﷺ في كل موقع ننزل فيه لنتعلم، ونقتدي ونعلِّم، إذ لا أجمل من فهم السيرة وأنت تتصور رسول الله ﷺ وصحبه في
стр. 182
المكان الذي تقف فيه قدماك، فأيُّ تيه وفخار مثل هذا.
هذا المسجد كان موضع اهتمام المسلمين والخلفاء في شتى العصور، لذلك فإن بناءه الحالي عثماني فيما يبدو، وكان قبلُ قد بنى المسجد أبو جعفر المنصور سنة ١٤٤ هـ/٧٦١ م، وهو ما تصرح به لوحة مثبتة في جدار القبلة للمسجد، وهو يتكوّن اليوم من فناء مكشوف تتقدّمه مظلة (١).
مسجد الراية:
مسجد الراية هو المسجد الذي بناه عبد الله بن عبّاس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ﵃ في الموضع الذي ركز فيه رسول الله ﷺ رايته بالحجون (٢)، وهو الخبر الذي ساقه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي من حديث طويل يحكي أسر أبي سفيان في مرّ الظهران (٣)، وإسلامه، واستعراض كتائب جيش الفتح أمامه كتيبة كتيبة، قال: «وأمرَ رسول الله ﷺ أن تُرْكَز رايته بالحَجون (٤)» (٥).
ولقد انتهى الدكتور محمد إلياس عبد الغني من تحقيقه في الموضع الذي رَكَز فيه رسول الله ﷺ رايته، ومن ثَمَّ بُني مسجد الراية في موضعه، إلى أنه اليوم يعرف بمسجد الجودرية، على شارع غزة، وسمّي بذلك لوقوعه بالجودرية، وقد جدّد بناءه الملك عبد العزيز ﵀ سنة ١٣٦١ هـ/١٩٤٢ م، ثم أُعيد بناؤه في عهد
стр. 183
الملك فهد ﵀ (١).
مسجد خالد بن الوليد:
دخل النبيُّ ﷺ من أعلى مكة، وهو ما يعرف بكَداء بفتح الكاف، وهو ما رواه البخاري في صحيحه (٢)، وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد أن يدخل من أدنى مكة، وهو ما يعرف بكُدَا بضمّ الكاف، على رأس كتيبة تضم قبائل قضاعة وسليم وغيرهم، وأن يغرز رايته في أدنى البيوت (٣).
ومسجد خالد بن الوليد اليوم معروف في حارة الباب، في الشارع الذي يحمل اسم خالد بن الوليد وينتهي عند باب الشبيكة للحرم المكي، وقد بني في الموضع الذي ركز فيه خالد بن الوليد رايته، وقد أُعيد بناؤه مع إضافة منارة له سنة ١٣٧٧ هـ/١٩٥٧ م (٤).
مقبرة المعلاة:
هي من مقابر مكة الأثرية، وتقع في الجهة الشرقية من المسجد الحرام.
قال الفاكهي: لا يعلم بمكة شعب يستقبل القبلة ليس فيه انحراف عنها إلَّا شعب مقبرة أهل مكة فإنه يستقبل وجه الكعبة كله مستقيماً. وقد وردت أحاديث لم تصح في فضل هذه المقبرة (٥).
من أبرز ما يميز هذه المقبرة وجود قبر أم المؤمنين خديجة ﵂.
стр. 184
سَرِف:
يقع بعد مرّ الظهران، بعد الحاجز الثابت عند مدخل مكة المعروف بحاجز النورانية، على يمين طريق الهجرة، وأنت قادم من مكة إلى المدينة.
شرف هذا الموقع يأتي من أن رسول الله ﷺ بنى بن على أم المؤمنين ميمونة الهلالية، وبه توفيت، حيث دفنت ﵂ في المكان الذي بنى بها رسول الله ﷺ ، وقبرها هناك على الطريق واضح معروف.
مسجد الفتح بالجموم:
الجموم قاعدة وادي مرّ الظهران، وهي تقع على بعد ٢٥ كم شمال مكة المكرمة على طريق المدينة المنورة، و ١٨ كم من مسجد التنعيم.
أرسل إليهم رسول الله ﷺ سرية سنة ٦ هـ (١).
وفي سنة ٨ هـ نزل بها النبيُّ ﷺ قبل فتح مكة، ومعه عشرة آلاف من أصحابه، يعاونه عدد من رجال بني سُلَيم الذين يقيمون في الجموم، وبها أسلم سفيان بن حرب ﵁ (٢). وبها أسلم أبو سفيان بن حرب ﵁.
غار حراء:
يقع غار حراء شمال شرقيّ المسجد الحرام، في قمة جبل النور، الذي يقال له أيضاً نسبة إلى اسم الغار، جبل حراء.
ارتفاعه عن سفح الجبل نحو ٢٨١ متراً، وعن سطح البحر ٦٢١ متراً، وهو صعب المرتقى يستغرق الصعود إليه نحو ساعة من زمن.
стр. 185
الغار عبارة عن فجوة بابها نحو الشمال، يتوصل إليه بعد المرور من مدخل بين الحجرين يتسع بطول ٦٠ سنتيمتراً، بينما طول الغار نحو ٣ أمتار، أما عرضه فمتفاوت بين ١.٣٠ سنتيمتراً في أقصى ما يصل إليه، في ارتفاع لا يحتاج ٢ متراً، وبالتالي فلا يتسع لأكثر من شخصين يصليان أحدهما إمام والآخر مأموم، بينما نجد على اليمين مصطبة تتسع لشخص واحد يصلي جالساً (١).
كان النبيُّ ﷺ يتعبَّد الله فيه قبل البعثة، حيث حُبِّبَ إليه الخلاء، حتى صار يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد، فيرجع إلى أهله يزور خديجة، ويتزوّد لرحلة أخرى، إلى أن جاء المَلَكُ جبريل في الغار لأول مرة في تاريخ بعثته، وجرى بينهما سؤال وجواب، فأصاب المصطفى ﷺ من ذلك هلعٌ وذعرٌ شديد من هذا الذي ظهر له في قمة الجبل يسأله ويضمه ثم يرسله ثم يسأله، وهكذا.
فالقيمة الدينية للغار تأتي من أنه مكان أقام فيه سيد الخلق محمد ﷺ زماناً في فترات متقطعة لم تتوقف، ومن حيث إنّ الوحي جبريل بدأ أول ما بدأ في هذا الغار، وأنّ القرآن الكريم نزل أو ما نزل فيه أيضاً (٢)، وأنه بهذا كله أحدث انعطافة قوية في حياة رسول الله ﷺ ، لأن بريد الوحي الإلهي جبريل منذ تلك اللحظة صار المؤنس لرسول الله ﷺ والعاضد له بأمر الله صاعداً ونازلاً من السماء إلى الأرض، يتلو كتاب الله منجماً خلال ثلاثٍ وعشرين سنة بدأت بالغار في جبل النور، وانتهت بالوفاة في حجرة السيدة عائشة.
стр. 186
روى البخاريُّ في صحيحه عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت (١):
كان أوّلُ ما بُدِئَ به رسولُ الله ﷺ (٢) الرؤيا الصادقة في النوم (٣)، فكان لا يرى رؤيا إلَّا جاءت مثل فَلَق (٤) الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء (٥)، (٦) فكان يلحقُ بغار حراءٍ فيتحنَّثُ فيه ـ قال: والتحنُّث: التعبُّد ـ الليالي ذواتِ العدد (٧)، قبل أن يرجع إلى أهله (٨)،
стр. 187
ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجةَ، فيتزوَّدُ بمثلها (١)، حتى فَجِئَهُ الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه المَلَكُ (٢) فقال: اقرأ، فقال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئٍ (٣). قال: فأخذني فغطّني (٤) حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلتُ: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلتُ: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ عَمِلَتْ (٥)﴾ (٥) [العلق: ١ - ٥].
قالت عائشة ﵂:
«فرجع بها رسول الله ﷺ تَرْجُفُ بوادرُهُ (٦)، حتى دخل على خديجة فقال: زمّلوني، زمّلوني (٧)، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْعُ (٨).
قال لخديجةَ: أيْ خديجةُ، ما لي لقد خَشِيْتُ على نفسي؟ فأخبرها الخبر.
стр. 188
قالت خديجة: كلا أبْشِرْ (١)، فوالله لا يُخْزِيكَ (٢) الله أبداً، فوالله إنّك لتصلُ الرَّحِمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، وتحملُ الكُلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِيْ الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحق.
فانطلَقت به خديجةُ حتى أتَتْ به ورقةَ بن نَوْفل، وهو ابنُ عَمِّ خديجة أخي أبيها، وكان امرءاً تنصَّرَ في الجاهلية، وكان يكتبُ الكتاب العربيَّ، ويكتبُ من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتبَ، وكان شيخاً كبيراً قد عَمِيَ، فقالت خديجة: يا عَم، اسمع من ابن أخيك، قال ورقةُ: يا ابنَ أخي ماذا ترى؟ فأخبرهُ النبيُّ ﷺ خبرَ ما رأى، فقال ورقةُ، هذا الناموس الذي أنزل على موسى (٣)، ليتني فيها (٤) جَذَعاً (٥)، ليتني أكون حياً ـ ذكر حرفاً (٦) ـ قال رسول الله ﷺ : أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قال ورقة: نعم، لم يأتِ رجلٌ بما جئتَ إلا أوْذيَ، وإنْ يُدْركني يومُكَ حياً أنْصُرْك نَصْرَاً مؤزَّراً.
ثم لم يَنْشَبْ ورقةُ أن تُوفّيَ وفتر الوحيُ فترة حتى حَزن رسول الله ﷺ » (٧).
стр. 189
حادثة بدء الوحي في غار حراء هي من أهم الفصول التي ترتبط بعقيدة الإنسان المسلم؛ لأنها الأساس الذي يترتب على فهمه والإيمان به جميع الحقائق الإسلامية؛ لأنه ما من مسألة في هذا الدين تدخل في صلب العقيدة أو التشريع، من مصدر القرآن أو السنة إلَّا وهي آتية إلى رسول الله ﷺ بواسطة أمين الوحي الإلهي جبريل، ومن ثَمَّ يتمُّ تبليغها إلى الأمة.
لأجل هذا عمد من احترف غزوَ الإسلام إلى التشكيك في ظاهرة الوحي حتى يسهل عليهم نقض ما ينبني على أساسها من حقائق، ضمن تخيّلات جانحة لا توجد إلا في أوهام من ابتدعها بلا رصيد علمي، أو توثيق تاريخي فمن قائل إنّها عملية كشف تدريجي أثمرته ليالي التفكّر في حراء! ومن قائل: إنها شيء من الإلهام أو حديث النفس، أو الإشراق الروحي، أو التأملات ومن قائل غير ذلك. والنتيجة أن هناك تمحلاً عجيباً يريد صرف الأنظار إلى أيّ شيء باستثناء أن ذلك من قبيل الإخبار الإلهي بواسطة بريد أمين هو وحي السماء جبريل لماذا؟ لأنهم ببساطة منكرون للرسول والرسالة، محترفون لغزو أمتنا في أفكارها وعقيدتها، لا يروق لهم تلاحم الأمة اليوم على عقيدة الإيمان، وإنما يبهجهم أن تنفضّ الأمة عن كتابها وسنة نبيها، ضمن ردّة تسهّل عليهم قضمها وتغيير هويتها، والإجهاز على ما تبقى من روح فيها. لكن لا، فلتعلم الدنيا أن أمّة الإسلام قد يتأثر بعض أفرادها بسيل جارف من الأفكار الوافدة الهدّامة، لكن الأمة تبقى لا ترتدُّ، ولا تنهار فهي مستعصية على الذوبان. قال ﵊: «لا أخشى عليكم أن تعودوا بعدي كفاراً فإنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا .. ».
ولما لهذا البحث من أهمية بالغة، فإني أُحيل الإجابة عليه من خلال الحديث السابق إلى أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الذي يقول:
стр. 190
«ذلك أن حقيقة (الوحي) هي الفيصل الوحيد بين الإنسان الذي يفكّر من عنده، ويشرّع بواسطة رأيه وعقله، والإنسان الذي يبلّغ عن ربه دون أن يغيّر أو ينقص أو يزيد».
«ومن أجل هذه الغاية، أخذ محترفوا الغزو الفكري، يحاولون تأويل ظاهرة الوحي، وتحريفها عما يرويه لنا المؤرخون، وتحدّث به صحاح السنة الشريفة .. ».
«ونحن حينما ننظر إلى مثل هذه التمحّلات العجيبة التي لا يرى العاقل مسوِّغاً لها إلا التهرّب من الإقرار بنبوّته ﵊، ندرك في جلاء ووضوح الحكمة الإلهية الباهرة من بدء نزول الوحي عليه ﷺ بهذه الطريقة التي استعرضناها الآن في حديث الإمام البخاري.
لماذا رأى رسول الله ﷺ جبريل بعيني رأسه لأوّل مرة، وقد كان بالإمكان أن يكون الوحيُ من وراء حجاب؟
لماذا قذف الله في قلبه ﵊ الرعبَ منه والحيرة في فهم حقيقته، وقد كان ظاهر محبة الله لرسوله وحفظه له يقتضي أن يلقي السكينة في قلبه، ويربط على فؤاده فلا يخاف ولا يرتعد؟
لماذا خشي على نفسه أن يكون هذا الذي تمثّل له في الغار آتياً من الجن، ولم يرجح على ذلك أن يكون ملكاً أميناً من عند الله؟
لماذا انفصل الوحي عنه بعد ذلك مدة طويلة، وجزع النبي ﷺ بسبب ذلك جزعاً عظيماً حتى إنه كان يحاول ـ كما يروي الإمام البخاري ـ أن يتردى من شواهق الجبال؟
هذه أسئلة طبيعية بالنسبة للشكل الذي ابتدأ به الوحي، ولدى التفكير في
стр. 191
أجوبتها نجدها تنطوي على حكمة باهرة، ألا وهي أن يجد المفكر الحر فيها الحقيقة الناصعة الواقية عن الوقوع في شرك محترفي الغزو الفكري والتأثر بأخيلتهم المتكلفة الباطلة.
لقد فوجئ محمد ﵊ وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه، وهو يقول له اقرأ، حتى يتبيَّن أن ظاهرة الوحي ليست أمراً ذاتياً داخلياً مردّه إلى حديث النفس المجرّد، وإنما هي استقبال وتلقٍّ لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات.
وضَمُّ المَلَكِ إيّاه ثم إرساله ثلاث مرّات قائلاً في كل مرة: اقرأ، يعتبر تأكيداً لهذا التلقّي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصوّر، من أن الأمر لا يعدو كونه خيالاً داخلياً فقط.
ولقد داخله الخوف والرعب مما سمع ورأى، حتى إنه قطع خلوته في الغار وأسرع عائداً إلى البيت يرجف فؤاده، لكي يتضح لكل مفكّر عاقل أن رسول الله ﷺ لم يكن متشوّفاً للرسالة التي سيُدعى إلى حملها وبثّها في العالم، وأن ظاهرة الوحي هذه لم تأتِ منسجمة أو متممة لشيء مما قد يتصوّره أو يخطر في باله، وإنما طرأتْ طروءاً مثيراً على حياته، وفوجئ بها دون أي توقّع سابق.
ولاشك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكوّن في نفسه ـ بطريقة الكشف التدريجي المستمر ـ عقيدة يؤمن بالدعوة إليها! ..
ثم إنّ شيئاً من حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي أو التأملات العلوية، لا يستدعي الخوف والرعب وامتقاع اللون. وليس ثمة أي انسجام بين التدرج في التفكير والتأمل من ناحية، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحية أخرى. وإلَّا لاقتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين نهباً لدفعات
стр. 192
من الرعب والخوف والمفاجئة المتلاحقة».
«أما انقطاع الوحي بعد ذلك، وتلبُّثه ستة أشهر أو أكثر، على الخلاف المعروف فيه، فينطوي على مثل المعجزة الإلهية الرائعة. إذ في ذلك أبلغ الردّ على ما يفسّر به محترفو الغزو الفكري الوحي النبوي من أنه الإشراق النفسي المنبعث لديه من طول التأمل والتكرار، وأنه أمرٌ داخلي منبعث من ذاته نفسها».
«إن هذه الحالة التي مرّ بها رسول الله ﷺ تجعل مجرّد التفكير في كون الوحي إلهاماً نفسياً، ضرباً من الجنون، إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمّله بمثل هذه الأحوال.
إذن فإن حديث بدء الوحي على النحو الذي ورد في الحديث الثابت الصحيح، ينطوي على تهديم كل ما يحاول المشكّكون تخييله إلى الناس في أمر الوحي والنبوة التي أكرم الله بها محمداً ﵊.
وإذا تبيّن لك ذلك أدركت مدى الحكمة الإلهية العظيمة في أن تكون بداءة الوحي على النحو الذي أراده الله » (١).
بهذه الكلمات النيّرة التي انساب بها حبر أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ذَوْداً عن الأساس الذي ينبثق منه الإيمان بكل مبادئ الإسلام أصوله وفروعه، على خلفية ظاهرة الوحي التي بدأت في غار حراء، أختم فصول هذا الكتاب ولساني يلهج بحمد الله وشكره على توفيقي في البحث والتصنيف لما أمدتني العناية الإلهية بإبرازه من شرائع هذه الفريضة الشامخة شموخ الإسلام في كل حين.
стр. 193
أتضرّع إليه سبحانه أن يرزقني حسن التمسك بآيات كتابه الجليل، وسنّة حبيبه المصطفى ﵊ في كل جزئية من جزئيات الركن الخامس ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. وأسأله سبحانه أن يغفر لي ذنبي، ويصفح عن زلاتي، وأن يتجاوز عن أيّ خطأ قد أكون تلبَّست به في هذا الكتاب، فالكمال لله وحده، والتوفيق والقبول محض فضله، وعذري أنّي عزوْتُ كل مسألة إلى مصدرها وأهلها في معظم ما دوّنته بين يدي القرّاء الكرام أمانة مني تلقيتها عن شيوخ ثقات، لا تفارقني بركة أنفاسهم ونصائحهم، لعلّ هذا وسلامة القصد يشفع لي في تقصيري، وصلى الله على سيدنا محمد ﷺ ، والحمدُ لله ربّ العالمين.
* * *