لكن إن احتاج المحرمون إلى قتال ليبلغوا مكة فهل يقاتلون؟
إذا كان المانعون كفاراً، وكانت لديهم القدرة على قتالهم، فالأولى لهم ذلك، ليجمع الحاج بين الجهاد ونصرة الإسلام وإتمام النسك (١).
قال الإمام النووي: «وإن احتاجوا إلى قتال فلهم التحلل، ولا يلزمهم القتال سواء كان العدو مسلمين أو كفاراً قليلاً أو كثيراً. لكن إن كان في المسلمين قوة فالأولى أن يقاتلوا الكفار. وإن كان فيهم ضعف فالأولى أن يتحللوا.
ومتى قاتلوا فلهم لبس الدروع والمغافر وعليهم الفدية كمن لبس لحرٍّ أو بَرْد» (٢).
ثم ماذا لولم يمكنهم المضيُّ إلى مكة إلّا بجُعْلٍ من المال يبذلونهم لمن وقف على أذناب الأودية يمنع قوافل الرحمن من الوصول إلى البلدة الحرام إلّا بإلقاء مقدار معلوم؟
هذه المسألة يعود فيها التفصيل السابق:
فإن كان المانع كافراً لم يجب تقديم جُعْلٍ له؛ لما فيه من هوان الإسلام والمسلمين، إلّا أنه جائز مع الكراهة، ولا يحرم كما تحرم الهبة للكفار، وهو المعتمد في فقه السادة الشافعية.
وفي اجتهاد آخرين بذل المال لكافر لا يجب، وهو جائز مع الكراهة.
أما إن كان المانعون مسلمين فلا يبذل المال كذلك وإن قلّ، لكن لا يحرم أيضاً عليهم لو فعلوا. ثم إن القلة هنا ليست على إطلاقها عند متأخري الشافعية،
стр. 142
بل هي بالنسبة لطبيعة النسك، لذلك لا يضر درهم أو درهمان، فهذا مما يتهاون فيه الناس، لاسيما وأن الفريضة هذه طبيعتها الإنفاق فيبذلون هذا ولا يتحللون (١).
قال الإمام النووي: «ولو منعوا ولم يتمكنوا من المضي إلّا ببذل مالٍ، فلهم التحلل، ولا يبذلون المال وإن قلّ، بل يكره البذل إن كان الطالب كافراً؛ لأنّ فيه صغاراً على الإسلام» (٢).
وقال الإمام القرطبي: «ولو سأل الكافر جُعْلاً لم يَجُزْ؛ لأن ذلك وهن في الإسلام» (٣).
وقال الإمام القرطبي في حق المسلم إن كان هو الواقف في طريق مضي الحجاج إلى مكة: «وأما بذل الجعل، فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما، ولأن الحج مما ينفق فيه المال، فيعد هذا من النفقة» (٤).
أي في اجتهاد العلامة القرطبي لابأس ببذل المال للمسلم، وأنه يدخل ضمن نفقة الحج المالية.
والذي نخلص به من كلام الإمامين الكبيرين أنه لا يكره بذلك للمسلم؛ لأن إمامنا النووي نص على الكراهة فيما لو بذل المال لكافر، فدل على أن الكراهة
стр. 143
تخصه وحده، وهو ما صرح به العلامة ابن حجر الهيتمي في تعقبه لكلام النووي (١). وكذلك العلامة الشربيني في قوله: «أما المسلمون فلا يكره بذله لهم» (٢).
والأصل في الإحصار أن يمنع العدو المحرم من المضي في مناسك الحج من كل الطرق، وله حينئذ التحلل سواء كان وقت التحلل واسعاً أو ضيّقاً، لكن في الحالة الأولى، أي إن اتسع الوقت فالأفضل الصبر عن التحلل، لأنه ربما زال الإحصار بزوال سببه، فيدرك المحرم به فضيلة إتمام الحج إلى بيت الله الحرام (٣).
فالتحلل من الإحرام على الجواز لا على الوجوب، اللهمّ إلّا إن لزم عليه مصابرة الإحرام في غير وقته فيجب عليه التحلل حينئذ لما في المصابرة على الإحرام زمناً طويلاً انتظاراً لقدوم الحج الذي تعجل بالإحرام فيه، مشقة وحرجاً شديداً لا يحتمل عادة.
أما إن ضاق الوقت فالأفضل أن يعجّل بتحلّله، لئلا يفوت الحج.
يستثنى من هذا ما لو يتقّن (٤) المحصر زوال الإحصار عن قرب في مدة يمكن إدراك الحج بعدها، وهي ثلاثة أيام، فإنه يمتنع تحلله في هذه الصورة.
ومثله المعتمر الذي أيقن أو غلب على ظنه أنه إن انتظر زال مانع الحصر
стр. 144
لوقت قريب قدره العلماء أيضاً بثلاثة أيام، فكذلك يمتنع تحلله (١).
ولا خلاف في جواز التحلل بالإحصار ما لو أحاط العدو بالمحرم من جميع الجوانب وكانوا فرقة واحدة يعضد بعضها بعضاً، أو فرقاً متميزة لا تشد إحداها عضد الأخرى (٢) وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٣).
ومن الإحصار ما لو صُدّ عن البيت من طريق، ثم وجد طريقاً آخر آمناً أطول منه، وكانت لديه نفقة تكفيه، ووجدت في شخصه شروط الاستطاعة، لزمه المضيُّ فيه، سواء أطال الزمن أم قصر، حتى وإن تيقّن فوت الحج في ذلك العام، وحينئذ يتحلل بعمرة، كما نصّ عليه الشافعي ﵀، ولا يجب عليه القضاء.
أما إذا وجد الطريق الآمن الأطول دون أن تتوفر في شخصه شروط الزاد والراحلة، وسائر ما يتعلق بها من شروط الاستطاعة، فله التحلل وقتئذ في الطريق الذي أُحصر فيه (٤).
ومن مسائل الإحصار أنه إما أن يقع عن الوقوف دون البيت، أو عن البيت دون الوقوف بعرفة، أو عن المبيت والرمي، أو عن هذا كله: فإن أُحصر الحاج عن الوقوف بعرفة دون أن يحصر من دخول مكة، فلا يتحلل حتى يدخل
стр. 145
مكة المكرمة، ثم يؤدي عمرة يتحلل من إحرامه بها.
وإن أُحصر عن البيت، ولم يمنع من الوقوف بعرفة، لزمه الوقوف فيها، ثم يتحلل، وهو الحكم الفقهي الذي نقله النووي في المجموع عن الماوردي وأيده.
إما إن أُحصر من المبيت والرمي فلا يتحلل بالإحصار؛ لأنه يمكنه التحلل بالطواف والسعي والحلق.
أما إن أُحصر من هذا كله، فإنه يتحلل حيث أُحصر، على التفصيل الذي مر معك.
هذا الذي سطرته لك هو ما يعرف عند فقهاء الشافعية بالإحصار العام، لكن يلحق به صور أخرى تندرج تحت ما اصطلح عليه بالإحصار الخاص (١)، من نحو المانع الثاني من موانع الحج، ومفاده أنه إذا حبس ظلماً كأن حبس بدين وهو معسر به جاز له التحلل كما مر في الحصر العام، ومثله ما لو كان موسراً وله وكيل يقضي عنه ما عليه من التزامات مالية، لكن لم يقبل منه ذلك، وسيق إلى الحبس بسائق الظلم (٢).
أما إذا حبس بحق كأن أُدخل السجن بدين، وهو يتمكن من أدائه، لم يجز له التحلل؛ لأنه يقدر على الخروج من حبسه بدفع ما عليه، ويمضي في نسكه،
стр. 146
وهو الواجب، فإن فاته الحج في الحبس لزمه المسير إلى مكة، ويتحلل بعمل عمرة، ويلزمه القضاء (١).
المانع الثالث (الخاص أيضاً) الأَبَوَان، ويسمى «الأصالة»، إذ ليس للولد الإحرام بغير إذن أصله وإن علا هذا الأصل كالجد أو جدّ الأب، فله أي للأصل من أبٍ ونحوه منع الولد غير المكي من الإحرام بتطوّع حج أو عمرة دون الفرض، وله تحليله إن أحرم بغير إذنه.
المانع الرابع (الخاص أيضاً) الزوجية:
للزوج منع زوجته من الحج المفروض والمسنون ابتداء، وإذا ما أحرمت به فله تحليلها منه إن وقع إحرامها بغير إذنه؛ لأنّ حقه على الفور، أما فرض نسك الحج أو العمرة فعلى التراخي (٢).
ولا يقاس الحج على الصلاة والصوم؛ لأن مدة الإحرام مع ما يسبقها ويتبعها من أعمال هذه الرحلة طويلة مما يجعل كثير ضرر يلحق به، لذلك ذكر العلامة الباجوري بأنه يجب عليها التحلل بأمره. ولو جامعها قبل أن تتحلل بعد أن أمرها، فالإثم عليها (٣).
أذكر هذا في الوقت الذي أستحضر فيه السنّة النبوية التي شرعها لنا المصطفى ﷺ في دعوة الزوج القادر إلى الخروج بزوجته إلى الحج، إشارة للأمر الوارد في الصحيحين من أنّ رجلاً قال: يا رسول الله: إني أريد أن أخرج في
стр. 147
جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، قال: اخرج معها.
ومن الإحصار الخاص ما يعرف بالدين إذْ لصاحب الدين الحال منع غريمه الموسر من الخروج حتى يوفيه حقه ولكن إذا أحرم بالنسك فليس له أن يحلله إذ لا ضرر عليه في إحرامه.
أما الدين الحال أو المؤجل، والمدين معسر (١)، فليس له منعه من الإحرام؛ لأنه لا يلزمه أداؤه حينئذ.
ويستحب للمدين في الدين المؤجل إذا كان الدين يحل في غيبته أن يوكل من يقضيه له عند حلول الأجل (٢).
وعلى هذا فالإحضار عند الشافعية والجمهور هو منع المحرمين عن المضي من جميع الطرق من إتمام الحج والعمرة، وحينئذ يجوز أن يتحلل من إحرامه، ولا يجب عليه ذلك سواء كان مفرداً أو متمتعاً أو قارناً، وسواء كان المنع بقطع الطريق أو غيره، وسواء كان المانع مسلماً أو كافراً، وسواء أمكن المضيُ بقتال أم ببذل مال أم لم يمكن، بدليل إطلاق الآية لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٦٩]، والتقدير: فإن أحصرتم فأردتم التحلل من إحصار العدو، فعليكم ما استيسر من الهدي، بدليل نزول الآية يوم صدَّ مشركوا مكة أصحاب محمد ﷺ عن البيت في الحديبية، فقام رسولنا الأعظم ﷺ فنحر ثم حلق، وقال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا.
стр. 148
فعل ﷺ ذلك حين تحقق الإحصار، وعلم أنه ممنوع، لا سبيل لدخول الحرم، بدليل الصلح الذي أبرمه ﷺ في الحديبية، وحمل اسم تلك الأرض، وتعهدت فيه قريش بالإذن للمسلمين بدخول الحرم في العام القادم.
لذلك فإن المحرم إذا تحقق الإحصار لديه فإن التحلل الذي يخرج به من نسكه يحصل بثلاثة أشياء:
أولها: ذبح شاة أو ما يقوم مقامها من سُبُعِ بدنة أو سُبُعِ بقرة، للآية المذكورة. (١)
ثانيها: نية التحلل عند ذبح تللك الشاة لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات ... » (٢) لأن الشاة تذبح عادة لأكثر من غرض فكان لا بد من تحديد نية الذبح للتحلل وهي النية التي لا بد من مقارنتها لذبح الشاة (٣).
ثالثها: الحلق؛ لأن الأصح أنه نسك عن الشافعية:
ويجب تأخير الحلق إلى ما بعد الذبح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ شَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
إن اجتماع هذه الثلاثة ضمن تقديم الذبح، وتأخير الحلق وهو شرط التحلل عند الشافعية (٤).
стр. 149
دليل الشافعية قوله تعالى في الآية السابقة ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ (١) مَحِلَّهُ (٢)﴾، قالوا والخطاب لجميع الأمة، من مُخَلّى ومُحْصَر، لكن للمُخَلّى موضعه وهو الحرم وللمحصر مَحِلّه وهو المكان الذي أحصر فيه المحرم، إقتداء فعلياً برسول الله ﷺ الذي نحر وأصحابه حيث أُحصروا، وتحللوا في الحديبية في الحل وهي المنطقة المحاذية لأرض الحرم، لذلك قالها الفقهاء: لا يكفي الذبح بأرض من الحل غير موضع الإحصار (٣)، إشارة إلى أن الذبح يختص به الحرم إلّا في هذه المسألة، كما ذكر وأنه لا حاجة إلى إرسال الهدي إلى الحرم من موضع إحصار المحرم بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، والمعنى: محبوساً ممنوعاً من الوصول إلى البيت العتيق (٤)
الدليل الآخر هو عمل رسول الله ﷺ حيث نحر الهدي، وأكمل تحلله بالحلق، دون أن يطلب بعث هديه إلى الحرم (٥)، فدل على وجوب الأمرين معاً.
стр. 150
بعد أن تكتمل حلقة التحلل بخطواتها الثلاث لنا أن نسال:
هل يقضي المحصر في عام قابل، ما منع من أدائه اليوم؟
الأصل في هذه المسألة أنه لا قضاء على المحصر في حج أو عمرةِ التطوع إن تحلل في الإحصار العام أو الخاص، لأن النبي ﷺ أُحصر وأصحابه يوم الحديبية، وقد بلغوا ألفاً وأربعمائة نفس، ثم لم يعتمر منهم في العام التالي إلّا نفر يسير.
كما أن المصطفى صلوات الله عليه لم يأمرْ أحداً من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئاً ولا حفظ عنه ذلك بوجه من الوجوه، ولا قال في العام المقبل الذي أدى فيه عمرته:
إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حُصِرْت فيها، ولم يُنْقل ذلك عنه.
أما عن سبب تسمية العمرة هذه بعمرة القضاء فليس لأنها وقعت على جهة القضاء؛ لأن تسميتها الأخرى هي عمرة القضيَّة، وهما سواء، وما ذلك إلّا لأن رسول الله ﷺ قاضى قريشاً وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل (١).
стр. 151
أما إن لم يكن حجه تطوعاً فلدينا حالتان:
الأولى: إذا كان حجه مستقراً في ذمته كحج الإسلام أو حج القضاء أو حج النذر لزمه قضاؤه إذا أُحصر، وتبقى الفريضة في ذمته، لكن يشترط في حج الإسلام أن تقع بعد السنة الأولى من سني الإمكان، وهذا معنى أن تستقر في ذمته.
الثانية: فإذا وقعت حجة الإسلام في السنة الأولى من سنيّ الإمكان فلا يعد الحج مستقراً في ذمته بعد فواته بالإحصار، ولا يجب فيه القضاء، ولا يتعين إلّا باستطاعة جديدة فحينئذ يجب عليه الحج من جديد بالاستطاعة لا بالقضاء (٢).
ومن الصور التي أتى على ذكرها الشافعية في وجوب القضاء ما لوصابر الإحرام عند نقطة الإحصار مع أنه لا يتوقع زوال الإحصار، ثم فاته الوقوف بعرفة، فهنا عليه القضا. أما إذا صابر الإحرام وهو يتوقع زوال الإحصار، ثم فاته الوقوف فلا قضاء عليه (١).
وكذا قالوا يلزمه القضاء إن أفسد نسكه قبل الإحرام ثم أُحصر، لكن يلزمه في هذه الحالة القضاء بسبب الإفساد، لا بسبب الإحصار، فليُعلمْ (٢).
стр. 152
فالإحصار فيما ذهب إليه المالكية والشافعية والحنبلية لا يكون إلّا بالعدوّ أو الفتنة أو الحبس ظلماً أو ما يلحق ذلك من صور ذكرها الفقهاء في مبسوطات كتبهم لا تخرج عن واحدة من الثلاثة التي ذكرت.
أما المرض فلم يدخلوا إحصاره في حصر العدو، ولم يجعلوه منه بسبب الآية أولاً؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ لا يكون إلّا من الأمن من العدو، ولو كان ذلك مراداً لقال تعالى فإذا برأتم؛ ولأن السنة النبوية في موقع الحديبية وحادثتها التي أنزلت فيها الآية تؤيد ذلك، هو ما يتضافر مع المتمسَّك الذي يرويه الشافعي في مسنده عن أبن عباس ﵁ حين قال: لا حصر إلّا حصر العدو (١).
وخالف الحنفية في هذه المسألة فأخذوا بظاهر اللغة وهو المنع، وأن الإحصار لغة هو المنع بالمرض، لذلك ذهبوا على أنه يتحقق بالمرض وبالعدوِّ، وبكل ما نع من الوقوف والطواف كفقد النفقة وعدم المحرم بالنسبة للمرأة.
كما استدلوا لمذهبهم بالحديث الذي رواه الخمسة ومنهم أحمد في مسنده بأسنايد صحيحة عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كُسِرَ أو عَرَج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى». قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: «صدق» (٢).
стр. 153
أجاب الشافعية عن هذا الحديث بأنه محمول على ما إذا ما شرط التحلل بالمرض، فإذا وجد الشرط صار حلالاً، كأن يقول: نويت الحج، وأحرمت به لله تعالى، اللهمّ إن مرضت (أو نحو ذلك من الأعذار) ـ فأنا حلال، فإن وجد العذر، فإنه يصير به حلالاً من غير نية (١). أما الدم فيتبع الشرط، فإن اشترط التحلل بالهدي اشترط، وإن اشترط التحلل بلا هدي لم يلزمه، لهذا جاءت عبارة النووي في كتابه المنهاج (٢): «ولا تحلل بالمرض» (٣).
* * *
стр. 154
شرب زمزمٍ ندبٌ
قال الإمام العمريطي:
وشربنا من ماءِ زمزمٍ نُدبٌ ... للدين والدنيا وكلِّ ما طُلِبْ
كالعلمِ والنكاحِ أيضاً والشِّفَا ... ... ... ... ... ... ... ...
ماء زمزم هو ماء الإبرار وهو شراب الأخيار، دلّ على فضله تعدد الأحاديث في خصائصه وارتقاء شأن ساقيه (١) وتنوع أسمائه وكثرتها إلى حد يسمو بشأوه فوق كل ماء في الدنيا ومن ذلك قولهم في تسميته:
زمزم (٢) - هزمة جبريل - سُقيا إسماعيل- بركة - سيدة - نافعة- عونة -
стр. 155
بشرى - صافية - برّة - عصمة - سالمة - ميمونة - مباركة - كافية - عافية - مغذية- طاهرة - حرمة - وغير ذلك.
قال الإمام الشوكاني: قوله (أي في الحديث الذي رواه الدارقطني) (هزمة) بالزاي أي حفرة جبريل، لأنه ضرب بها برجله فنبع الماء ...
وقال سقيا إسماعيل: أي أظهر الله ليسقي به إسماعيل في أول الأمر (١).
لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤].
وتتأكد الزيارة للحاج والمعتمر أكثر من غيره لأمرين:
أحدهما: أن الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة، فإذا قربوا من المدينة يقبح تركهم الزيارة.
والثاني لحديث ابن عمر: «من حجَّ ولم يزرني فقد جفاني (٢)» (٣).
* * *
стр. 156
وفي خاتمة المسك قال الإمام العمريطي:
صلّى عليه ربّنا وسلّما ... وآله وصحبه وكرَّما
جمع المصنف بين الصلاة والسلام امتثالاً لقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وخروجاً من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر كما ذكره النووي رحمه الله تعالى في أذكاره (١).
والصلاة من الله رحمة.
ومن الملائكة استغفار.
وفي غير ذلك تضرّع ودعاء بخير.
والسلام بمعنى التسليم.
أما الآل فهم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب.
وأما الصحب فهو جمع صحابي وهو كل من التقى بالنبي محمد ﷺ وآمن به، ومات على ذلك، وعلى هذا فأبو لهب عمه ليس صحابياً؛ لأنه لم يؤمن به، والمرتدون ليسوا صحابة، لأنهم لم يموتوا على ذلك.
اللَّهمّ صلِّ وسلّم على محمد النبي الأُمّي الطاهر الزكي، واجعلنا ممن يعيشون لحفظ سنته، ونشر آدابه، والذود عن حياض شريعته التي شَرُفَ الوجود كلّه بها، يا خير من سُئل، ويا أكرم من أعطى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 157
ملحق هام في أبرز مزارات مكة
مزارات مكة تطلق ويراد بها المواطن التي صلّى أو نزل فيها رسول الله ﷺ ، وربما نزلت فيها آيات، أو حدثت معه فيها أحداث، لذلك استحب العلماء متابعة رسول الله ﷺ في الأرض التي يعرّج عليها، أو الفعل الذي يؤديه عندها رجاء البركة، وابتغاء المتابعة والأدلة على ذلك كثيرة استقصيتها في كتاب «حَرَمُ الحبِّ والسَّلام .. » فعد إليه فإنه مفيد. وفي هذه الدراسة المتواضعة ستحصل معرفة موثقة بالسيرة النبوية وفق كل مزار، وما يدور حول هذه المزارات من آيات وأبحاث، حتى نتمكن من قراءة سيرة كل موضع ونحن نرسم لها في مخيلتنا صورة حقيقية، مستفيدين من عبرها.
ومن أبرز مزارات مكة غار ثور ، وغار حراء، وشعب علي، ودار الأرقم وغير ذلك.
غار ثور:
يقع في جبل ثور، وهو في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام على بعد (٤) كم منه، وعلى ارتفاع (٧٤٨) متراً عن سطح البحر، و (٤٥٨) متراً من سفح الجبل.
والغار في اللغة ثقب في الجبل، وهو كذلك إذ نراه صخرة مجوفة أشبه بسفينة صغيرة ظهرها إلى أعلى، في ارتفاع أقصاه ١.٢٥ م، وأقصى طوله وعرضه ٣.٥×٣.٥.
للغار فتحتان: فتحة في ناحية الغرب وهي التي دخل منها النبيّ ﷺ . قبل القرن التاسع الهجري كان الشخص يدخل منها زاحفاً، لكن بعد التاريخ المذكور
стр. 158
تمت توسعة الفتحة، ثم تلتها توسعة أخرى في نهاية القرن الثالث عشر الهجري وأقصى ما وصل إليه ارتفاعها متر واحد مع الدرج المنحوت بأسفلها.
أما الفتحة الأخرى فهي في جهة الشرق، وهي أوسع من الأولى. يقال: إنها مستحدثة ليسهل على الناس الدخول إلى الغار من باب، والخروج من باب آخر؛ لأن المسافة بين الفتحتين قصيرة جداً لا تتجاوز ثلاثة أمتار وخمسين سنتيمتراً.
الصعود إلى الغار يستغرق قرابة ساعة ونصف، مما يدل على أنه كما قال من صعده وكتب عنه صعب المرتقى (١).
غار ثور ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].
والآية هذه تلقي الضوء على حادثة هامة في تاريخ النبوة، رصدها البيان الإلهي، وفصَّلتها السنّة المشرّفة، ألا وهي حادثة الهجرة من مكة إلى المدينة، في ظل طلب مسعور من المشركين لشخص النبي محمد ﷺ حيَّاً أو ميتاً.
روى البخاريُّ في صحيحه من حديث عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت:
«(٢) .. .. فقال النبي ﷺ للمسلمين:
إني أُريتُ دار هجرتكم ذاتَ نخلٍ بين لابتين، وهما الحرَّتان. فهاجر من هاجر
стр. 159
قِبَلَ المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهّز أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : على رِسْلِك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورقَ السَّمُر (١) ـ وهو الخَبَط (٢) ـ أربعة أشهر.
قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جلوسٌ في بيت أبي بكر في نَحْرِ الظهيرة (٣) قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله ﷺ متقنّعاً (٤) ـ في ساعة لم يكن يأتينا فيها ـ فقال أبو بكر: فداءٌ له أبي وأمي، واللهِ ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأُذن له، فدخل فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخْرِجْ مَن عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك (٥) بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : نعم (٦)، قال أبو بكر: فَخُذ بأبي أنتَ إحدى راحلتيَّ هاتين. قال رسول الله ﷺ : بالثمن (٧)، قالت عائشة: فجهَّزْناها أحثَّ الجهاز (٨)، وصنَعْنا لهما سُفرة في جرابٍ (٩)، فقطعتْ أسماءُ بنتُ أبي بكر قطعةً من نطاقها فربطت به على فم
стр. 160
الجراب فبذلك سمّيت ذات النطاقين (١).
قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور (٢)، فكَمنا (٣) فيه ثلاث ليالٍ، يبيت عندهما عبدُ الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثَقِفٌ (٤) لَقِنٌ (٥)، فيَدَّلج (٦) من عندهما بسحر (٧)، فيصبح مع قريش بمكة كبائت (٨)، فلا يسمع أمراً يُكتادان (٩) به إلَّا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حتى يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامرُ بنُ فُهَرِة (١٠) مولى أبي بكر مِنحة (١١) من غنم فيُريحهما (١٢) عليهما حين تذهب ساعةٌ
стр. 161
من العشاء فيبيتان في رِسلٍ ـ وهو لبن مِنحتهما ورضيفهما (١) ـ حتى ينعق (٢) بها عامرُ بنَ فُهرِة بغَلَس (٣)، يفعل ذلك في كلِّ ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من الدِّيل (٤)، وهو من بني عبد بن عدي هادياً خِرِّيتاً (٥) ـ والخِرِّيتُ الماهر بالهداية (٦) ـ وقد غمس حِلفاً في آل العاص بن وائل السهميّ (٧)، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحِلَتَيْهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتَيْهما صُبْحَ ثلاث، وانطلق معهما عامرُ بنُ فُهرِة والدَّليل، فأخذ بهم طريق السواحل (٨)» (٩).
إنّ منزلة هذا الغار تأتي من حيث إن القرآن الكريم ذكره بالقصة واللفظ، والسنة الشريفة فصّلته تفصيلاً، وما نخلص إليه من ذلك أن البيان الإلهي يخاطب من
стр. 162
تخلّف عن غزوة تبوك معاتباً بعد انصراف رسول الله ﷺ من تبوك (١): إلَّا تنصروه بالنَفْر معه، فإنّ الله ناصره ومؤيده حتى ولو كانت الملحمة مع إمبراطورية الروم، والمسلمون من قلة، والأيام من أشدّ الأوقات حرّاً في الصيف. لقد نصره ربه من قبل في أحلك الأوقات يوم خرج وحده فقيراً، شريداً، مطلوباً رأسه بعد أمرٍ دُبِّرَ بليل، فنصره الله، وصاحبَهُ رجل الصدق والوفاء أبا بكر، فأين كنتم يومئذ؟ ثم أين استجممتم أيُّها المتخلفون يوم تبوك؟ ألم آخذ بيده إلى برّ الأمان. يقول العلماء: هذه الآية في فضائل الصدّيق ﵁ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ذلك أنهما بعد أن خرجا من فتحة في ظهر بيت أبي بكر، توجَّها إلى الغار دونما إبطاء، فكان أبو بكر يمشي بين يديه ساعة، ومن خلفه ساعة، فسأله ﷺ عن ذلك فأجابه:
أذكرُ الطلب فأمشي خلفك، وأذكر الرصد فأمشي أمامك.
فقال رسول الله ﷺ مستفهماً: لو كان شيءٌ أَحبَبْتَ أن تُقْتَلَ دوني؟
فأجابه بلا تردّد: إي والذي بعثك بالحق.
لقد كان أبو بكر ﵁ في ذروة الإخلاص والفداء، وما كان لرسول الله ﷺ ليصحب معه غير هذا الصنف من الرجال في هجرة يترتب على نجاحها المضيُّ في أمانة الدعوة الإسلامية إلى غايتها، وعلى إخناقها خنق حقيقة الإسلام إلى يوم الدين.
ولقد توّج الصدّيق وفاءه الاستبساليَّ لحظة أن انتهيا إلى الغار حيث وقف على بابه يخاطب رسول الله ﷺ بلغة الحرص: مكانَكَ يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار. قال: فاستبرأه (٢).
стр. 163
إن مغامرة الاستكشاف والتطهير لغار ثور هي عملية استشهادية بكل المقاييس، لأن الدخول إلى الغار يومها كان زحفاً ـ كما مر ـ فالولوج إليه مع انخفاض بابه وضيقه (١)، واحتمال وجود حيوان يؤذي من نحو حية وعقرب في منطقة نائية صعبة المرتقى في أعلى جبلٍ من جبال مكة الجرداء، قد يؤدي الاستبراء فيه إلى الذهاب بحياة أبي بكر ﵁ في أية لحظة، ومع ذلك فقد أصرَّ وصدق وفعل المهمة التي لا يُقبل عليها إلا الخُلَّص من الرجال.
نعم، إنّ رسول الله ﷺ أُحيط بثلة من الرجال الصادقين لن تجد لهم في الدنيا نظيراً، من هؤلاء سيدنا عليُّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه الذي اختارته يد العناية الإلهية لمهمة أخرى متممة لمهمة أبي بكر في الإخلاص والاستبسال حين أمر جبريل رسول الله ﷺ أن لا يبيت في فراشه تلك الليلة فدعا علياً وأمره أن يبيت في الفراش، ويُسجِّي نفسه ببُرْد رسول الله ﷺ الأخضر حتى يورّي عنه عيون المشركين الذين وقفوا على بابه يحرسونه يحسبونه رسول الله ﷺ (٢).
رقد عليٌ في الفراش وخرج رسول الله ﷺ من بين الشباب المندَبين لجريمة اغتياله رجاء أن يضيع دمه الشريف بين القبائل.
خرج رسول الله ﷺ ومعه حفنة من تراب، فجعل ينثرها على رؤوس رجال الكتيبة المسلحة التي وقفت ترصده بعد أن طمس الله على أبصارهم، وغَشيَهم النوم، وهو يقرأ عليهم من صدر سورة يس إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس: ٩] (٣).
стр. 164
ويكون قد اجتمع لرسول الله ﷺ في هذا الخروج معجزتان ليستيقنوا صدق النبوة، وضآلة من يقف في وجه أمرٍ قدّره الله وقضاه:
المعجزة الأولى استغراقهم في نوم غلب عليهم جميعاً دون استثناء واحد منهم.
المعجزة الثانية وضع رسول الله ﷺ التراب على رؤوس المشركين ونثره نثراً ليتأكدوا أنه مرَّ من هنا، ولولا أنه نبي ما كان له ذلك وهم الذين أحكموا القبضة على مداخل داره، بقوة السلام.
إنهما بطلان مستبسلان كل منهما يذود عن النبي والنبوة ابتغاء مرضاة الله، ولو ذهبت روحه فداء ذلك (١).
في المشهد الأول قتلةٌ وظفتهم العادات والتقاليد البالية، والعقائد الفاسدة ليثأروا من هذا النبي الذي بُعث مسفهاً لموروثات الجاهلية، يحمل في يدٍ مشعل العلم والنور ليضيء للتائهين دروب النجاة، وفي يدٍ المعجزة الإلهية الناطقة بصدقه التي يعجز عن مثلها البشر جميعاً ولو اجتمعوا لها.
وفي المشهد الثاني اندفاع من هؤلاء القتلة ومن لفّ لفّهم بحثاً عن رسول الله ﷺ لقتله وتصل طلائع إجرامهم إلى فم الغار.
стр. 165
المشهد الأول يبدأ ليلاً حين أحاط مسلحوهم بالمنافذ المؤدية إلى دار رسول الله ﷺ ، ونظروا من ش ق الباب فوجدوا نائماً في الفراش، فحسبوه رسول الله ﷺ ، فاطمئنوا إلى أنه ﷺ موجود، وما عليهم سوى انتظار الخروج، ولقد همّوا أن يقتحموا عليه خلوته ويقتلوه أو يقيدوه ليساق للموت لكن انتهى أمرهم إلى الانتظار حتى خرج عليهم عليٌّ كرّم الله وجهه صُبحاً فأخبرهم أن رسول الله ﷺ قد فات ونجا (١)، فاستشاطوا غضباً، فانطلقوا يبحثون عنه في الفجاج والشعاب معتمدين على شبابهم وخيلهم وأهل الخبر فيهم حتى بعثوا في أثرهم قائفَين يقتفيان الأثر، أحدهما كرز بن علقمة الذي أوصلهم بالفعل إلى منطقة الغار قائلاً: هنا اختفى الأثر.
ومع انتشارهم بحثاً عنه ﷺ في الفيافي والقفار يبدأ المشهد الثاني صباحاً.
وفي المشهدين تعريض النفس للموت فداء رسول الله ﷺ .
في المشهد الأول كان يمكن أن ينقضوا على الفراش فتزهق روح علي دون أن يدروا ولم يكن ثمة ضوء فيظهر المعالم والبيت منزل رسول الله ﷺ .
وفي المشهد الثاني كان يمكن أن يهوي أبو بكر من الجبل الشاهق وهو يسير مضطرباً على رسول الله ﷺ تارة أمامه وتارة خلفه وذلك في صعود صعب لا سهل ميسَّر.
في المشهد الأول لحظة خروج عليّ يخبرهم بنجاة رسول الله ﷺ صباحاً (٢)،
стр. 166
وشعورهم بأنه انقضى وقت يتيح لمحمد ﷺ بسبب خديعة علي، كان من المتوقع أن يفرّغوا غيظهم في صدر علي بطعنة خنجر، أو ضربة سيف وهو الذي استدرجهم ليلة بكاملها، لكن الله سلّم.
وفي المشهد الثاني في استبراء الغار، أو إدراك العيون للحبيب وصاحبه، الموت هو أبسط عقاب في هجرة مصيرية بالنسبة لكل من التوحيد والوثنية في مكة على حد سواء.
أما المشهد الثالث فترسمه شجاعة عمر، في إظهاره لعزة المسلم الذي لا يخشى لومة لائم، ولا كيد حاقد على الإسلام والمسلمين.
وهكذا فإن شموع الإسلام أبو بكر عمر عثمان وعلي وسائر الصحابة الكرام هم التضحيات التي أذابت حظوظ نفسها لأجل أن يصل الإسلام إلى البشرية نقياً صافياً سلسبيلاً كما أُنزل، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
لكنَّ الذي ذكرته الآية وأكثر من ذكره رسول الله ﷺ هو سيدنا أبو بكر ﵁.
أولاً: الآية وثقت حديث الغار بآية نزلت على رسول الله ﷺ وفي هذا مزيد خصوصية لأبي بكر أن يحكي القرآن كلاماً دار بين الحبيب وصدّيقه.
ثانياً: أن الآية نسبت الصدّيق إلى الصحبة، ووصفته بالصاحب: «إذ يقول لصاحبه لا تحزن» (١).
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿إِن اللَّهَ مَعَنَا﴾ أي بالنصر والرعاية والحفظ والكلاءة. فأبو بكر ناله نصر الله ورعاية ربه وحفظ مولاه، وكلاءة العناية الإلهية بصحبة رسول الله ﷺ في الغار، وبنص كتاب الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ
стр. 167
يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ (١) إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
رابعاً: قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ الضمير في أصح القولين يعود على أبي بكر. قال ابن العربي: «وهو الأقوى؛ لأنه خاف على النبيّ ﷺ من القوم؛ فأنزل الله سكينته عليه بتأمين النبي ﷺ ، فسكن جأشه، وذهب روعه وحصل الأمن .. ».
ومن فضل أبي بكر الذي ترشد إليه هذه الآية مسألة الخلافة التي انتقلت إليه لفضله، الذي أطبقت الأمة عليه، ولتزكية هذه الآية على الخصوص، فقد اجتمع المهاجرون يتشاورون بعد وفاة رسول الله ﷺ فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر. فقالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير. فقال عمر ﵁: مَن له مثل هذه الثلاث ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا﴾ مَن هما؟ قال: ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة (٢).
стр. 168
قال الإمام القرطبي: » قلتُ: ولهذا قال بعض العلماء: في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ما يدل على أن الخليفة بعد النبي ﷺ أبو بكر الصدّيق ﵁؛ لأن الخليفة لا أبداً إلا ثانياً. وسمعتُ شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر يقول:
إنما استحق الصدّيق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبيّ ﷺ بالأمر؛ كقيام النبيّ ﷺ به أولاً، وذلك أن النبيّ ﷺ لما مات ارتدّت العرب كلها، ولم يبق الإسلام إلَّا بالمدينة ومكة وجُوَاثا (١)؛ فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبيُّ ﷺ فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ (٢).
وربما المشهد الأخير من حياة رسول الله ﷺ ساعد كثيراً في اندفاع الأنصار إلى التنازل عن تقديم اسم أمير منهم ذلك أنه أغمي على رسول الله ﷺ في مرضه، ثم أفاق، فقال: أحضرتِ الصلاة؟ قالوا: نعم، قال: مُرُوا بلالاً فليُؤَذّن، ومُرُوا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس، ثم أغمي عليه، وتكرر الأمر بصلاة أبي بكر خمس مرات، ثم خرج متكأ على بريرة ورجل آخر، وصلَّى خلف أبي بكر، حتى قضى أبو بكر صلاته ثم إنّ رسول الله ﷺ قُبض (٣).
إنّ قيمة الغار التاريخية تأتي من فضل من نزل فيه محتمياً وهو رسول الله ﷺ سيد الإنس والجن، والأولين والآخرين، وأبو بكر الصاحب الأمين، والرفيق الأبدي في مكة والهجرة والمدينة، والمدفن والبرزخ والقيامة والبعث والجنة التي أعدّها الله للمتقين.
стр. 169
ولقد تكرر ذكر رسول الله ﷺ للغار مقترناً بأبي بكر، ولأبي بكر مقترناً ذكره بالغار، إقتداء بالكتاب العزيز، وإحساناً من رسول الله ﷺ ووفاء لمن أحسن إليه، فالعمل من جنسه وأحسن منه (١).
روى ابن حبان من طريق أبيع وانة في قصة بعث أبي بكر إلى الحج، وفيه: «فقال له رسول الله ﷺ : أنت أخي وصاحبي في الغار» (٢). وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار».
دار الندوة:
بناها قصيُّ بن كلاب حوالي ٢٠٠ ق. هـ، وسميت بذلك لتشاورهم فيها، وعقد الألوية للحروب، وغير ذلك من مهمات الأمور (٣).
والاسم مشتق من الندي على فعيل مجلس القوم ومتحدَّثهم، وكذا الندوة والنادي والمنتدى. قال صاحب مختار الصّحاح: «ومنه سميت دار الندوة التي بناها قُصَيّ بمكة؛ لأنهم كانوا يَنْدون فيها أي يجتمعون للمشاورة. وقوله تعالى:
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أي عشيرته، وإنما هم أهل النادي، والنادي مكانه
стр. 170
ومجلسه قسماه به، كما قال: تقوَّض المجلس ويراد به تقوَّض أهله» (١).
الذي يجدر التنبيه إليه أن هذه الدار هي التي اجتمع فيها صناديد قريش ليتدارسوا الخطة النهائية لإخماد الدعوة الإسلامية إلى الأبد، بعد أن شعروا بخروج الأمر من يدهم إثر خروج المسلمين الواحد تلو الآخر سراً من مكة، واجتماعهم في المدينة التي بدأت تتحول إلى معقل حصين للإسلام والمسلمين، لا ينقصه إلَّا هجرة محمد ﷺ إليه لذلك عقدوا الأمر على قتل رسول الله ﷺ في هذه الدار بالذات.
نزل في دار الندوة عمر بن الخطاب ذات مرة أيام خلافته، ثم نزل فيها الخلفاء والأمراء، وكانت محل اهتمامهم حتى أدخلها المعتضد العباسي في توسعته للمسجد الحرام التي نفذها في العام ٢٨٤ هـ الموافق للعام ٨٩٧ م، وهي تقع اليوم في الجهة الشمالية الغربية ضمن الأروقة والمطاف، وتخليداً لموقعها وأهميتها حمل أحد الأبواب في تلك الجهة اسم باب الندوة (٢).
دار السيدة خديجة ﵂:
في هذه الدار بنى رسول الله ﷺ بأُمِّ المؤمنين خديجة ﵂، وفيها ولدت بناته ﷺ ، وفيها توفيت، وفيها نزل الوحي مراراً. الأهم من هذا كله أن رسول الله ﷺ لم يزل ساكناً في تلك الدار حتى حاصرته قريش، بعد أن اتفقوا على قتله في دار الندوة، فخرج من بينهم، وهو ينثر التراب في وجوههم، ويقرأ صدر سورة يس، كما سيأتي، أي من هذه الدار هاجر، وإلى هذه الهجرة، وما أحاد بها من مؤامرات خسيسة، ومكائد حاقدة، أشار البيان الإلهي في سورة الأنفال الآية (٩) حين قال: «وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك أو يقتُلوك أو يُخرجوك، ويمكرون،
стр. 171
ويمكر الله والله خيرُ الماكرين .. ».
كانت الدار تقع خلف دار أبي سفيان، فلما كانت خلافة معاوية اشتراها ﵁ واتخذها مسجداً، وفتح باباً من دار أبي سفيان ﵁ إلى هذا المسجد الجديد.
قبل أن تدخل في التوسعة السعودية عام ١٣٨٥ هـ كان آخر ما طرأ عليها من تعديل أن بُني في موقعها مدرسة للبنات عام ١٣٦٩ هـ (١).
الأخشبان:
الأخشبان هما جبلان في مكة، وفي مختار الصحاح: الأخشبان جبلا مكة، وكل جبل خَشِن عظيم فهو أخشب، وسمّيا بذلك لصلابتهما وغِلظ حجارتهما كما أفاده الإمام ابن حجر العسقلاني.
وقد جاء ذكرُ الأخشبين في حديث عن عائشة وقد سئل رسول الله ﷺ : هل أتى عليك يومٌ كان أشدّ من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيتُ من قومك ما لقيتُ، وكان أشدّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة إذْ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال (٢) فلم يُجبني إلى ما أردْتُ فانطلقت وأنا مهموم، على وجهي (٣)، فلم أستفقْ إلا وأنا بقرنِ الثعالب (٤)، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ، فناداني فقال:
стр. 172
إن الله قد سمع قول قومكَ لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال (١)، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ ثم قال:
يا محمد، فقال: «ذلك فيما شئت، إنْ شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين».
فقال النبي ﷺ : «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً» (٢).
والأخشبان قال في تحديدهما العلامة ابن حجر العسقلاني: «هما جبلا مكة أبو قُبَيْس والذي يقابله وكأنه قُعَيْقُعان، وقال الصفاني: بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قُعَيقعان، ووهم من قال هو ثور كالكرماني (٣).
وفي إطباقهما يقول: «والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يريد أنهما يصيران طبقاً واحداً» (٤).
وجبل أبو قُبيس هو الجبل الشرقي المشرف على الصفا والمسجد الحرام، وارتفاعه نحو ١٢٠ متراً من سفح الجبل. سمّي بذلك، لأنه يقال إنّ أول من بناه كان يُدعى أبا قُبيس.
وكان يسمى في الجاهلية الأمين لما قيل إنّ الحجر الأسود كان مستودعاً فيه قبل أن يبني إبراهيم البيت (٥).
أما جبل قُعَيقعان فهو الجبل الضخم الآخر المشرف على المسجد الحرام من
стр. 173
الشمال والشمال الغربي والممتد من حارة الباب إلى الشامية، ويسمى اليوم بأسماء عدة حسب إطلالته على مختلف الأحياء والجهات لذلك يسمى طرفه الشمالي الغربي جبل العبادي، وطرفه الشرقي المشرف على الحجون ومقبرة المعلاة جبل السليمانية، وبين القرارة والفلق يسمى جبل القرارة والفلق، أما الجزء الجنوبي منه فيسمى جبل هندي، لسكنى الهنود بجواره. وما أشرف على دحلة يسمى جبل السودان (١). ارتفاعه نحو ١١٠ م من سفح الجبل.
ولابد لنا في ختام هذا المشهد من وقفة تأمل عند قوله ﷺ :
«بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئاً». قال هذه العبارة الراقية رغم الغلظة التي عامل بها أهل الطائف رسول الله ﷺ بعد أن التجأ إليهم إثر وفاة عمه أبي طالب يدعوهم إلى الإسلام، ويعرضه على ثلاثة من سادتهم وهم عبد يا ليل ومسعود وحبيب أولاد عمرو بن عُمير الثقفي، فلما عرض عليهم نصرته حتى يؤدي دعوته فردوا عليه أقبح رد، وسلطوا عليه سفهاءهم وغلمانهم يرمونه بالحجارة، فعاد مهموماً، فلما أتيحت له فرصة الانتقام من الطائفتين بسهم واحد، صبر واحتسب عند الله، وأظهر من الرحمة والحلم ما يجسد حقيقة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢).
ولقد تكرر الموقف يوم جاء إلى مكة فاتحاً على رأس جيش جرّار في مقاييس العرب في ذلك الزمان، ويومها قال ما يشبه مقولته هنا: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
فإلى من يجهل من هو محمد رسول الله ﷺ أدعوهم للتوقف عند هذين
стр. 174
المشهدين من خلال عشر سنوات خُتِمَتْ بالمشهد الأول، وأكثر من عشرين سنة (١) من الحرب الضروس لم تكن فيها أسلحة أو وسائل محرمة من قبل عدوه، ختمت بالمشهد الثاني، وفي كلٍّ كان ﷺ رحمة مهداة يحمل بيده وشماله وعقله وقلبه ومنهجه ورسالته مشعل السلام لكل البشر فجزاه الله عنّا وعن البشرية خير ما جزى نبياً عن أمته.
شِعبُ أبي طالب:
الشِّعْبُ في اللغة بكسر الشين ما انفرج بين الجبلين، والجمع شِعاب.
وشعبُ أبي طالب، أو شعبُ بني هاشم، يطلق عليه ذلك؛ لأن منازل بني هاشم كانت هناك، ولهذا أيضاً يسمّى شعبَ عليّ؛ لأن منزل سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ تقع في شِعب أبيه وأبناء عمومته.
وفي هذا الشعب ما يعرف بالمولد النبويّ الشريف، وهي الدار التي وُلد فيها رسول الله ﷺ وتقع في فم الشِّعب. ولقد بنت الخيزران أم هارون الرشيد العباسي رحمها الله مسجداً في موضع هذا الدار، لكن هدم، ثم بنى الشيخ عباس قطان سنة ١٣٧٠ هـ/١٩٥٠ م من ماله الخاص مكتبة عامة فوق أرض تلك الدار المباركة (٢).
هذه الدار تقع في الجهة الشرقية من الساحة الشرقية للمسجد الحرام، وبالضبط أمام الساحات التي تقابل أبواب المسعى باتجاه القصر المشاد هناك، حيث يقع القصر عن يمينك، وأبواب المسعى خلفك، وما صار يعرف بمكتبة مكة المكرمة عن يسارك.
قال الدكتور محمد إلياس عبد الغني: «ويأتي هذا الشِّعْبُ من بين جبل أبي قُبَيْس عن يساره والخنادم عن يمينه، فيصبُّ في بطحاء مكة فيما يعرف بسوق الليل
стр. 175
فوق المسجد الحرام بما يقرب من ثلاثمائة متر» (١).
هذا الشعب هو الذي تم حصار بني هاشم وبني المطلب مسلمهم وكافرهم فيه، وذلك في شهر محرم سنة سبع من النبوة، وامتدّ ثلاث سنين، وكان حصاراً شديداً ألجأهم إلى أكل الأوراق والجلود.
أما المكان الذي كتبت فيه الصحيفة فهو خَيْفُ بني كنانة ب المحصَّب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يقبلوا منهم صلحاً، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسلموا لهم رسول الله ﷺ للقتل.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ من الغَدِ يوم النَّحر ـ وهو بمنى ـ نحن نازلون غداً بخَيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر، يعني بذلك المحصَّب، وذلك أنّ قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يُسلموا إليهم النبيَّ ﷺ (٢).
وفي رواية عند غير البخاري: «ولا يخالطوهم» وفي أخرى أيضاً: «وأن لا يكون بينهم وبينهم شيء» (٣).
المحصَّبُ:
المحصَّبُ موضعٌ بأعلى مكة يقع عند مدخل مكة من جهة منى العزيزية الشمالية إلى مقربة الحجون وهو ما يعرف اليوم بالمعابدة وامتداداتها باتجاه الحجون، وباتجاه منى.
والمحصّب في اللغة من الحصباء، وهي الحجارة، لذلك يقال لموضع الجمار
стр. 176
في منى المحصّب أيضاً.
والمحصَّب هو الشِّعبُ بين الجبلين، وهو ما جاء في القاموس المحيط.
وبالتالي فالمحصَّب هو مسيل الوادي؛ حيث تجتمع فيه بسبب السيول، الحجارةُ الصغيرة. ويطلق عليها الحصباء، والمكان الذي تجتمع فيه يسمّى المحصّب، ويطلق المحصّب على الأبطح؛ لأنه كالمحصَّب مأخوذ من البطحاء وهي الحصى الغار.
قال العلامة ابن حجر العسقلاني: «البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها المحصّب والمقوس، وحدّها ما بين الجبلين إلى المقبرة»، ثم قال: «الثاني ما يشعر بأنه صلى بالأبطح، وهو المحصّب» (١).
وفي المحصَّب خَيْفُ بني كنانة، والخَيْفُ في اللغة: وفق ما جاء في القاموس المحيط للفيروزابادي ما انحدر عن غليظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء (٢)، وبه سُمّي مسجدُ الخَيْف في منى؛ لأنه في سفح الجبل.
ولمّا كانت أرضُ المحصَّب تتبعُ بني كنانة، فإنّ المحصَّب يطلق عليه خَيْفَ بني كنانة، مع أنه في الأصل ـ كما قلتُ لك ـ يختص بما انحدر من الجبل، وهو هنا جبل زرود، وفيه ينشد المداح في مجالسهم:
ألفُ صلّى الله على زين الوجود ... مَن سكنْ طَيْبَةْ، وخيَّم في زرود
أهمية المحصَّب تأتي من أنه المكان الذي تحالفت فيه قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب لمقاطعتهم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم، ولا يؤووهم؛ ولا
стр. 177
يكون بينهم شيء حتى يُسلموا لهم رسول الله ﷺ ، وقد تم حصارهم بالفعل في شعب بني طالب. فالمحصَّب هو الموضع الذي استعلن فيه الكفر في وجه المسلمين، لذلك تعدّدت المواقف النبوية التي تعلن الإيمان وعزّة الإسلام وشعائره في الموقع الذي ارتفع فيه صوت الباطل في وجه الحق الذي نزل به الوحيُ الأمين.
قال لهم ذلك في فتح مكة، وفي يوم النحر من حجة الوداع، وحين أراد حُنَيناً.
روى البخاري في صحيحة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «منزلنا ـ إنْ شاء الله (١)، إذا فتح الله ـ الخَيْفُ (٢) حيث تقاسموا (٣) على الكفر» (٤).
مسجد البيعة:
هو المسجد الذي بني في الموضع الذي تمّت فيه بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية. ذلك أن رسول الله ﷺ كان يعرض نفسه على القبائل التي تتوافد إلى البيت الحرام كل عام في موسم الحج، يتلو عليهم كتاب الله، ويدعوهم إلى التوحيد، ويبشرهم إن هم منعوه حتى يبلغ رسالة ربه أن لهم العزة في الدنيا التي يملكون بها العرب، وتذلّ بها العجم، وأن لهم الجنة في الآخرة، وكان يتّبعهم إلى منازلهم في عكاظ وذي المجاز ومجنة فلا يتبعه منهم أحد؛ لأن أبا لهب كان يمضي وراءه يحذر الناس منه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب، فيردّون على رسول الله ﷺ أقبح الردّ ويؤذونه (٥).
стр. 178
وفي السنة الحادية عشرة للهجرة من البعثة المحمدية، عرض نفسه على القبائل شأنه في كل عام، يتلاطف معهم ويقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلَّا الله تفلحوا وتملكوا .. »، فبينما هو كذلك إذ لقي عند العقبة في منى رهطاً (١) من الخزرج أراد الله بهم الخير، فسألهم:
من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج.
قال: أمن موالي يهود. قالوا: نعم.
قال: أفلا تجلسون أكلمكم، قالوا: بلى، قال: فجلسوا معه فدعاهم إلى الله
وتلا عليهم القرآن فآمنوا.
قال أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: «وكان مما مهد أفئدتهم لقبول الإسلام أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، ومعلوم أنهم أهل كتاب وعلم، فكان إذا وقع بينهم وبين اليهود نفرة أو قتال، قال لهم اليهود: إن نبيَّاً مبعوث الآن قد أطلَّ زمانه، سنتَّبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم!
فلما كلم الرسول هؤلاء النفر، ودعاهم إلى الإسلام، نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: «تعلمون والله إنه للنبيُّ الذي توعَّدَكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه».
فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الإسلام، وقالوا: إنّا تركنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم
стр. 179
الله عليك فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل» (١).
عند هذه المحطة الموفقة بدأ منعطف جديد للدعوة الإسلامية على العموم، وفوق ثرى تراب المدينة المنورة على الخصوص؛ لأن النفر الستة صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، فأخذوا ينشرون مبادئ الدين الحنيف خلال عام كامل هو زمن غيابهم بين موسمي حج متتابعين، فلما طلع العام الثاني عشر من عهد النبوة وافى موسم البيت الحرام من الأنصار اثنا عشر رجلاً بايعوا رسول الله ﷺ بيعة لا جهاد فيها، أي على نمط ما بايع عليه النساء ثاني يوم الفتح على جبل الصفا، أما هذه البيعة فكانت في منى فيما صار يعرف اليوم بمسجد البيعة والذي يبتعد قرابة ثلاثمائة متر عن جمرة العقبة على يمين النازل من منى إلى مكة المكرمة.
نص البيعة: «تعالوا بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه» (٢).
قال عبادة بن الصامت: فبايعناه على ذلك.
فلما أرادوا الانصراف بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير الذي كان قبل الإسلام أنْعَمَ غلام في مكة، فلما دخل الإسلام، وحمل أمانته، طوى كل أسباب الرفاهية، وتصدّى لنشر دعوة الله بين عباد الله.
стр. 180
وفي العام التالي عاد الداعية الإسلامي مصعب بن عمير ومعه ثمرة عام كامل من الدعوة إلى الله تعالى وهو لا يحمل معه إِلَّا القليل من العلم، وهو ما يؤكد أن الدعوة الإسلامية وظيفة كل مسلم لا تختص بما يسمّى خطأ رجال دين، ولا تقتصر على العلماء، الذين لهم إلى جانب هذه الوظيفة العامة مهامٌ أخرى من تبصير الناس بشرائع دينهم، وضبط إيقاع الدعاة على إسقاط الشريعة.
وفي موسم الحج للعام الثالث عشر من بدء الدعوة واعد رسول الله ﷺ أواسط أيام التشريق ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتان، ناموا في رحالهم مع قومهم المشركين الذين استخفوا بهم منذ بدء الرحلة من المدينة، فلما مضى ثلث الليل خرج الجمع الطاهر متسللاً إلى موعد رسول الله ﷺ الذي جاء بصحبة عمه العباس بن عبد المطلب، فتكلم القوم وقالوا بعزيمة وصدق: خذ منا لنفسك ولربك ما أحببت .. فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فقام البراء بن معرور فأخذ بيد رسول الله ﷺ ، ثم قال:
نعم، والذي بعثك بالحق نبيّاً لنمنعنَّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (١) ورثناها كابراً عن كابر.
أثناء هذا الكلام قام أبو الهيثم بن التّيهان مقاطعاً البراء ومستدركاً:
يا رسول الله، إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ .
فأجابه رسول الله ﷺ مبتسماً: بل الدمَ الدمَ والهدمَ الهدمَ، أنا منكم، وأنتم