وقال العلامة الفَشني في قول العمريطي: (وأن يطوف للوداع آخرا): «أي إذا أراد الخروج من مكة، سواء كان حجاً أم لا آفاقياً يقصد الرجوع إلى وطنه أم مكياً يسافر لحاجة ثم يعود، وسواء كان سفره طويلاً أم قصيراً، لثبوته عن رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً ... » (١).
وقال الإمام النووي: «ينبغي أن يقع طواف الوداع بعد الفراغ من جميع أشغاله ويعقبه الخروج من غير مكثٍ، فإن مكث بعده لغير عذر أو لشغل غير أسباب الخروج كشراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض ونحو ذلك فعليه إعادة الطواف.
وإن اشتغل بأسباب الخروج كشراء الزاد بلا مكث وشدّ الرحل ونحوهما لم يُعِدْ الطواف، وكذا لو أُقيمت الصلاة فصلّاها معهم لم يُعد الطواف».
قال الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح لكلام النووي هذا: (قوله فإن مكث بعده لغير عذر ... الخ) عبر بنحوه في أصل الروضة ومقتضاه أن المكث مكروهاً أو للخوف على نحو مال لا يوجب الإعادة لعذره وهو كذلك كما رجحه الزركشي في الإكراه قالوا: وإن طال مكثه، وهو يؤيد ما رجحته فيما يأتي، وكالإكراه ما بعده، وألحق به الأذرعي من أُغمي عليه أو جُنّ قبل طوافه». (٢)
وبناء على وضعه بين يديك من نقول استطيع أن أذهب إلى أن ما يجري
стр. 72
اليوم من انتظار المطوّف السعودي ريثما يأتي بالحافلات التي لايسمح بامتطاء غيرها للوصول إلى مدينة رسول الله ﷺ هو عذر في المكث بعد طواف الوداع والله أعلم.
هذه الأحكام استقاها الفقهاء من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ وما دار من اجتهاد واستنباط حولها، فقد روى الإمام البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «أُمِرَ الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلّا أنه خُفِّفَ عن الحائض» (١).
وفي رواية عند مسلم عن ابن عباس ﵄ أيضاً قال: «كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت» (٢).
وعن ابن عباس قال: «رُخِّص للحائض أن تنفرد إذا أفاضت» (٣)
وقال طاوُس: سمعتُ ابن عمر يقول: إنها (٤) لا تنفر، ثم سمعته يقولُ بعدُ: إن النبي ﷺ رخَّص لهنّ» (٥).
فهذه الأحاديث فيها دلالة على وجوب طواف الوداع للأمر في رواية البخاري الاولى، وللنهي عن تركه في الرواية الثانية من طريق مسلم، وللتعبير في
стр. 73
حق الحائض بالتخفيف، والتخفيف لا يكون إلّا من أمر مؤكد وهو ما صرّح به الإمام ابن حجر العسقلاني (١).
فالوجوب قال به أكثر العلماء، وأنه لزمه إن تركه دم، وهو الصحيح في مذهب الشافعية وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والحسن البصري والحكم وحماد والثوري (٢).
وقال مالك وداوُد وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، زيبدو أنهم حملوا الأمر على الاستحاب وربما استدلوا بتخفيفه عن الحائض بلا دم عليها، لا بل قالوا: إنه لو كان واجباً لوجب عليهما كطواف الزيارة (٣).
وسواء قلنا هو واجب وهو قول الأكثر، أو هو سنة في قول البعض، فليس بركن بلا خلاف.
ويشترط في طواف الوداع النية (٤)؛ لأنه نسك مستقل (وليس من جملة مناسك الحج عند الشافعية لذلك فهو يشمل العمرة)، وأن يقع بعد طواف
стр. 74
الإفاضة (١) وسائر أعمال الحج وعند إرادة الخروج من مكة.
ولا يجب في المذهب الحنفي على أهل مكة (٢).
ومن الذي نستفيده في هذه الفقرة أنه يسن لمن فرغ من طواف الوداع أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام، وأن يأتي زمزم فيشرب من مائها لذلك فإن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: إنه يسنُّ لمن فرغ من طواف الوداع أن يأتي الملتزم، فيلصق بطنه بحائط البيت، ويبسط يديه على الجدار، فيجعل اليمنى مما يلي الباب، واليسرى مما يلي الحجر الأسود ويدعوبما أحب، وأنّ المأثور منه أفضل، وهو قولك هناك: اللهمّ البيتُ بيتُك، والعبد عبدك، وابنُ أمتك.
حملتَني على ما سخَّرتَ لي من خلقك حتى صيَّرتني في بلادك، وبلَّغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت عني راضياً فازدَدْ عني رضاً، وإلا فمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتكَ داري، ويبعد عنك مزاري.
هذا أوانُ انصرافي إن أذِنْتَ لي، غير مستبدل بك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك.
стр. 75
اللهمّ فاصحبني العافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارْزُقني العمل بطاعتكَ ما أبقيتني، واجمع لي خيري الدنيا والآخرة، إنَّك على كل شيء قدير قادر على ذلك».
قال: «ثم يصلي على النبي ﷺ » (١).
стр. 76
أبرز المستحبات في الحج
قال الإمام العمريطي:
ويستحبُّ أن يلبّيَ الفتى ... وأن يطوف للقدوم إذْ أتى)
(وأن يكون مفرداً لما ذكرْ ... بأنْ يحج ثم بعد يعتمرْ)
(وركعتان للطواف أُكّدا ... كذا البياض والإزار والرِّدا)
بدأ العلامة العمريطي في هذه الأبيات بسرد سنن الحج وهي كثيرة:
وبدأ بالتلبية التي يستحب الإتيان بها، والإكثار منها، ويتأكد ذلك عند تغاير الأحوال من ركوب ونزول أو صعود وهبوط أو وقوف، أو اختلاط رفقة، أو إقبال ليل أو نهار، أو فراغ صلاة وما إلى ذلك.
وأَوْلاها ما كان عند الإحرام.
وتكره في المواضع النجسة، وبالفم النجس كغيرها من الأذكار.
وإذا رأى المحرم (١) شيئاً يعجبه أو يكره ندب له أن يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة (٢).
وفي هذا يقول بعضهم:
стр. 77
لا تركنن إلى الثياب الفاخرة ... واذكر عظامك حين تبلى ناخرة
وإذا رأيتَ زخارف الدنيا فقلْ ... لبّيك إن العيش عيش الآخرهْ
وبالجملة يسن الإكثار من التلبية في دوام الإحرام، لكن لا تسن في الطواف ولا في السعي؛ لأن لهما أذكاراً خاصة، كما لا تسن عند الرمي؛ لأنّ ذكره التكبير، وعند الرمي تنتهي التلبية.
ويسن في ذكرها رفع الصوت للرجل، ويلحق به الصبي، بشرط أن لايجهد نفسه، ولا يؤذي غيره.
ومن لم يحسن العربية أتى بها بأي لغة يحسنها، مع جواز أن يأتي بها مترجمة، وهو قادر على التلفظ بها باللغة العربية (١).
وإذا فرغ من التلبية الأولى ثلاث مرات صلى على النبي ﷺ بأي صيغة كانت، لكن الصلوات الإبراهيمية هي الأفضل، ويسن أن يكون صوته بالصلاة على النبي ﷺ وما بعدها أخفض من صوته بالتلبية.
كما يسن أن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، بأن يقول:
اللهمّ إني أسالك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار.
стр. 78
ويسن أن يدعوبما شاء من أمر الدين والدنيا، وتمام ذلك أن يقول:
«اللهمّ اجعلني من الذين استجابوا لك ولرسولك، وآمنوا بك، ووثقوا بوعدك، ووفوا بعهدك، واتبعوا أمرك.
اللهمّ اجعلني من وفدك الذين رضيت وارتضيت.
اللهمّ يسر لي ما نويت وتقبل مني يا كريم».
ولفظ لبيك مثنى، لكن لا يقصد منه التثنية، وإنما التكثير على عادة العرب في هذا الاستعمال من نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤].
واللفظ مأخوذ من قولك: لبَّ بالمكان لباً إذا أقام به.
وأصله لبيَّنِ لك، على تقدير فعل محذوف وجوباً وهو أُلبِّي، حيث أقيم المصدر مقامه وهو (لبيْنِ لك)، ثم حذفت النون للإضافة، ثم حذفت اللام تخفيفاً، ثم أضيفت الكاف إليه فصار لبيك (١).
ومن سنن الحج طواف القدوم، أي الطواف الذي سببه القدوم، ويطلقون عليه كذلك طواف الوداع، وطواف الورود.
وطواف القدوم يختص بحاج دخل مكة قبل الوقوف بعرفة.
ولو دخل الحاج المسجد الحرام، والناس يؤدون الصلاة المكتوبة صلاها معهم أولاً، ثم يطوف للقدوم.
ولو أقيمت الصلاة وهو في أثناء الطواف، توقف عن طوافه، وقدم
стр. 79
الصلاة عليه. وكذا لو خاف فوت الفريضة ولو لم تقم الصلاة، أو خشي فوات سنة مؤكدة فإنه يقطع طواف القدوم، ويؤدي ما يخشى فواته.
قال العلامة الفَشني: «ويختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف، ومثله الحلال» (١).
ومن سننه الإفراد، وهو تقديم الحج على العمرة، بأن يحرم بالحج من ميقاته، ويفرغ منه، ثم يخرج من مكة إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة ويأتي بعملها.
ولو عكس لم يكن مفرداً، بل يكون متمتعاً.
ولو جمع بينهما كان قارناً. بأن يحرم بهما في أشهر الحج (٢).
وعلى كل من المتمتع والقارن دم إن لم يكونا من حاضري المسجد الحرام، وحاضروا المسجد الحرام هم من كانت مساكنهم دون مرحلتين منه.
ومن سننه ركعتان يأتي بهما بعد الطواف، ينوي سنة الطواف، يقرأ في
стр. 80
الأولى بعد الفاتحة سورة الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص يؤديهما خلف مقام إبراهيم، فإن لم يتيسر ففي أي موضع شاء من غيره، ولا تفوت الركعتان إلّا بموته، لكن يُجزاء عنهما غيرهما من مكتوبة، أو نافلة أخرى، وقعت بعد الفراغ من الطواف، وإن كان الاحتياط أن يأتي بهما بعد غير هما من الصلوات، إن أتى بذلك عقب الطواف، كأن أقيمت صلاة الفريضة بعد الفراغ من الطواف، فالأحوط أن يأتي بهما بعد الصلاة وإن أجزأته عنهما (١).
ومن سنن الحج كون الإزار والرداء أبيضين جديدين، وإلّا فنظيفين أي مغسولين. ومن السنن والآداب التي يتهاون فيها كثير من الناس أنّ الحاج إذا أتم مناسكه، وما تزال أيام تفصل بينه وبين تمام الرحلة فإنه ينغمس في الأسواق نتردداً في ذلك بين مكة وجدة. زاهداً بما من أجله جاء زعماً أنه قضى نسكه، ولاشيء عليه بعد! فهذه أوقات كريمة ينبغي أن يختم بها الحاج بمسك الأعمال من ألوان الذكر والعبادة لاسيما الإكثار من العمرة والطواف. قال الإمام النووي: «فينبغي للحاج أن يغتنم بعد قضاء مناسكه مُدّة مُقامه بمكة ويستكثر من الاعتمار ومن الطواف في المسجد الحرام فإنه أفضل مساجد الأرض» (٢).
* * *
стр. 81
محرمات الإحرام (١)
قال الإمام العمريطي:
(وهذه عشرُ خصالٍ تحرمُ ... من محرمٍ وكلها ستعلمُ)
(لبس المخيط مطلقاً من الذكرْ ... وستر بعض رأسه بلا ضررْ)
ووجهها كرأسه إذا استترْ ... وقَلْم أظفارٍ كذا حلق الشعرْ)
وقتل صيد كالحلال في الحرمْ ... والقطع من أشجاره كالصيد ثَمْ)
والوطء والنكاح والمباشرهْ ... بشهوة ومس طيبٍ عاشرهْ)
ثم الفدا من كل ما منها وجدْ ... إلّا النكاح فهو غير منعقدْ)
والظفر فيه المد والظفرانٍ ... كالشعرتين فيهما مدانٍ)
والنسكان مطلقاً قد أُبطلا ... بالوطء إلّا وطء من تحللا)
وواجبٌ بالوطء هديٌ والقضا ... وكونه في فاسدٍ مضى)
بدأ العلامة العمريطي بعشر خصال يحرم على المحرم الاقتراب منها بسبب إحرامه.
لكن قبل إعلامك بتفصيل كل منها سأخبرك بأن ثلاثة من العشرة يعد إتيانها
стр. 82
من الكبائر: وهي الصيد والوطء وعقد النكاح، وما سوى ذلك فكلها صغائر (١)
فلينتبه المسلم المحرم بأحد النسكين من وقوع محذورٍ منها منذ الإحرام إلى التحلل سواء كان صغيراً أو كبيراً كي ينال بحرصه رتبة الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة.
أول هذه المحرمات على المهل بحج أو بعمرة، لبس المخيط مطلقاً، أو ما في معناه كالمنسوج على هيئته، سواء كان من قطن أو صوف أو جلد أو غير ذلك، شرط أن يكون محيطاً (٢) أي معمولاً على قدر البدن، أو قدر عضو منه، وشرطه أن يلبسه على الصورة المعتادة لذلك بخلاف ما لو ألقى شيئاً منه كالعباءة مثلاً على كتفه، دون أن يدخل يديه في فتحتيها، أي لا على النحو الذي يلبس عادة فإن ذلك لن يضره، ولا فديه عليه.
ومثله ما لو التحف بجبة أو عباءة عند نومه، أو جعل قميصه إزاراً، أو سرواله رداء جاز له ذلك بشرط أن يراعي أن لا يحيط ما ذكر بعضو من أعضائه أو بجملة جسمه على النحو الذي يجري فيه اللباس عادة (٣).
وله أن يعقد إزاراه (٤)، وأن يشد عليه خيطاً ليثبت، وأن يجعل له مثل الحجزة
стр. 83
ويدخل فيه التِّكة إحكاماً.
ويستثنى من عقد الإزار ما لو شده بأزرارٍ في عراً، فإنه ممتنع، وفيه الفدية.
أما الرداء فلا يجوز عقده مطلقاً (١)، وتلزمه الفدية، سواء عقده بأزرار وعرى، أو عقد طرفه في طرفه الآخر.
ولا يجوز أن يزرّ رداءه، ولا أن يُخلّه بِخِلَال أو مسلة، ولا أن يربط خيطاً في طرفه ثم يربطه في طرفه الآخر؛ لأن ذلك كله فيه معنى الخياطة المحظورة، وبالتالي يترتب على صنعه الفداء.
قال إمامنا النووي بعد أن ساق هذه الأحكام: «فافهم هذا فإنه مما يتساهل فيه عوام الحجاج، ولا تغترّ بقول إمام الحرمين: يجوز عقد الرداء كالإزار فإنه شاذ مردود، ومخالف لنص الشافعي وأصحابه، وقد روى الشافعي تحريم عقد الرداء عن ابن عمر ﵄ (٢).
وله شد المنطقة والِهيْمَان على وسطه للحاجة إلى ذلك (٣).
стр. 84
وله أن يلبس الخاتم والساعة ويضع النظارات على عينيه، أو السماعة (جهاز تقوية السمع) في أذنيه، وأن يتقلد سيفاً ومصحفاً (١).
وله أن يدخل يده في كمّ قميص منفصل عنه؛ لأنه لا يسمى لا بساً.
الضابط في هذا كله أن ما يطلق عليه اسم الملبوس في عرف الناس، يحصل به الترفه الذي يتنافى مع حكمة الإحرام ومشروعيته هو الحرام بالنسبة لمن أحرم بأحد هذين النسكين، وإلَّا فالأصل الإباحة (٢).
فقه هذه الأحكام استنبطه العلماء من المدلول اللغوي والتطبيقي للرواية التي أوردها الشيخان عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً قال: يا رسول الله: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال ﵇: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويل ولا البرانس ولا الخفاف، إلّا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شياً مسّه زعفران أو ورس» (٣).
فالحديث النبوي الشريف نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط معمول على قدر البدن أو على قدر عضو منه بخياطة من نحو نسج أو لزق أو ضفر أو تلبيد أو عقد أو غير ذلك.
стр. 85
ونبه بالعمائم والبرانس على كل ما في معناها مما يستر الرأس مخيطاً كان أو غير ذلك (١).
стр. 86
والنتيجة أن كل معمول على قدر العضو مما يلحق بمعنى من المعاني المنصوص عليها هو حرام بالنسبة للمحرم، وتلزم له الفدية أياً كانت تلك الوسيلة. (١).
هذا السؤال توجَّه به الصحابة الكرام إلى رسول الله ﷺ قبل إحرامهم، بدليل ما جاء في رواية النسائي: ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ (٢) أي بصيغة الاستفهام.
والعلماء مجمعون على أن المراد بالمحرم في هذا الحديث هو الرجل حصراً (٣)؛ لأنه لا إحرام للمرأة في لباسها، إذ ليست معنية لا من قريب ولا من بعيد من حظر القميص أو السروال أو العمامة أو البرنس أو الخف؛ لأن إحرام النساء ينحصر في الوجه والكفين في مسألة اللباس، لذلك لمن أحرمت بأحد النسكين أن ترتدي ما تشاء من الثياب من قمصان أو جلابيب أو سراويل أو أي لون من الكساء تختاره لنفسها سواء من جهة أجزائها العلوية، أو السفلية، لا حرج في ذلك ولا ضرر، شريطة أن يكون شرعياً.
стр. 87
هذه خلاصة قول الإمام في أولى محرمات الإحرام: (لبس المخيط مطلقاً من الذكر .. ).
أما النوع الثاني من محظورات الإحرام فقد ساقه بقوله في الشطر الثاني لهذا البيت: وسترُ بعض رأسه بلا ضرر):
قال فقهاؤنا: يحرم على المسلم في إحرامه ستر جميع الرأس أو بعضه بكل ما يعد ساتراً عرفاً سواء كان مخيطاً أو خلاف ذلك من نحو العمامة أو القلنسوة (١) أو الطيلسان (٢) أو الطربوش أو الخرقة أو العصابة التي يعصب بها الرأس فذلك حرام، وفيه الفدية (٣).
أما ما لا يعد ساتراً عادة كما لو انغمس في الماء، أو استظل بمَحْمِل (٤) أو داخل حافلة، أو حمل بيده مظلة تقيه الشمس أو المطر، فلا بأس بهذا كله سواء مسّ المحمل رأسه أم لا.
ومن قال: إن سقف الحافلة يعد ساتراً يحرم عليه فعله وتجب فيه الفدية
стр. 88
فقد أبعد وأغرب وشذّ عن العرف ومدلول اللغة، وضوابط الفقهاء. لا بل قال النووي ما هو أشدّ من هذا حين نقل قولاً ضعيفاً إلى أن المحمل إن مسَّ رأسه لزمه الفدية! قال: «وليس بشيء» (١) وقال العلامة ابن حجر: «وفي المجموع أنه ضعيف أو باطل» (٢) فكيف بمن يقول اليوم إن سقف المحمل ولو لم يمس يعد ساتراً! هل قال لهذا أحد من السلف الصالح، أو الفقهاء المعتمدين! ألا فلنتذكر نصيحة رسول الله ﷺ لنا: «ولن يُشَادّ هذا الدينَ أحدُ إلّا غلبه».
ومن الأصل ما لو وضع يده على رأسه، وأطال في ذلك، أو شدّ عليه خيطاً لصداع أو غيره فلا بأس به ولو قصد به الستر. أما لو وضع على رأسه حِملاً أو نحوه ولم يقصد به الستر فيكره ولا يحرم، ولا فدية فيه (٣).
المحظور الثالث ساقه العمريطي في صدر البيت الثالث حين قال: «ووجهها كرأسه إذا ااستتر ... »:
الضمير في وجهها يعود إلى المرأة المحرم، رغم أنه لم يأت لها على ذكر حتى الآن تأكيداً منه على أنه لا إحرام للمرأة في اللباس إلّا من خلال منع ستر الوجه (٤) وهو ما أورده، هنا، ويلحق به منع ستر الكفين، وذلك لقوله ﷺ في رواية البخاري
стр. 89
من زيادته على الحديث السابق (١): ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين (٢).
فوجه المرأة في حرمة ستره كرأس الرجل في ذلك سواء بسواء، ولو كان لبعض منه، فحرام، وفيه الفدية، اللهمّ إلّا ما لا يتأتى ستر جميع الرأس إلّا به؛ لأن ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، إذ لا يمكن استيعاب ستر الرأس إلَّا بستر قدر يسير مما يليه من الوجه (٣).
قال إمامنا النووي: «وأما المرأة فالوجه في حقها كرأس الرجل، فتستر رأسها وسائر بدنها سوى الوجه بالمخيط وجميع ما كان لها السَّتْرُ به قبل الإحرام كالقميص والسراويل والخُفِّ. وتستر من وجهها القدْرَ اليسير الذي يلي الرأس، إذ لا يمكن ستر جميع الرأس إلّا به. والرأس عورة تجب المحافظة على ستره» (٤).
ولو رغبت المرأة بستر وجهها دون مخالفة القواعد الفقهية كأن كانت ذاتَ هيئة، أو حريصة على أن لا يتبدّى وجهها للرجال، فلها ذلك، ولو لم تدْعُ إلى ذلك حاجة من حرّ أو برد أو خوف فتنة أو نحو شيء مما ذكر، فهذا حقها، وطريقته كما ذكره الفقهاء أن تُسْدِلَ على وجهها ثوباً متجافياً عنه بحيث لا يمس بشرة وجهها، تباعده بما يشبه ما يضعه مرتادوا المواقع السياحية من هلالٍ بلاستيكي على جباههم يحجبون به عن أعينهم وهج الشمس المزعج.
стр. 90
هذا الذي سقته بين يديك من تحريم اللبس، المعمول على قدر العضو، وتحريم ستر الوجه واليدين، هو فيما إذا لم يكن عُذْرٌ، يبيح للمحرم لبس شيء في جسمه، أو ستر شيء لوجهها أو كفَّيها، فإن وُجد العذر جاز ذلك، وسقط الإثم، لكن تلزم الفدية (١).
فالحاجة التي ترتقي إلى رتبة العذر في سائر محظورات الإحرام هي التي يحصل معها مشقة لا يحتمل مثلها غالباً، جسدية كانت أو شرعية، كما لو شجَّ رأسه واحتاج إلى عصبه ومنع الجراثيم والهواء عنه، أو احتاج إليه لحرّ أو برد أو مداواة، أو احتاجت المرأة إلى ستر وجهها خشية فتنة حامت حولها، أو توقعتها من نظر بعض من حولها، فهذه مشقة شرعية (٢).
دليل الفقهاء في هذا حديث كعب بن عُجْرَة، حين أصاب رأسه القملُ، فقال له رسول الله ﷺ : أيؤذيك هوامُّك؟ فقال: نعم، يا رسول الله. قال: «احلقْ رأسك، وانسكْ نسيكة، أو أطعم ستة من مساكين الحرم، أو صُمْ ثلاثة أيام» (٣).
وقد قاس الفقهاءُ على حلق شعر الرأس عند العذر سائرَ المحظورات.
كما قاسوا الفدية في حلق الرأس مع العذر على فعل محرمات الإحرام بدافع العذر، فأوجبوا الفدية أيضاً، حيث ذهبوا إلى رفع الإثم في كلٍّ لاتحاد الصورة.
стр. 91
وبمناسبة ذكر القمل في حديث كعب بن عُجْرَة، وبمناسبة ما يتلوه في الفقرة التالية من حكم إزالة الأظفار، فإنه يحسن بي أن أعرّج على ما ذكره الفقهاء حول مسألة قتل القمل، وإلقائه، وإزالة أذاه.
فالصحابي الجليل ترك شعره؛ لأن حلق الشعر من محظورات الإحرام، لكن ظروف السفر، وغباره جعل القمل يلحق بشعر كعب، حتى هال رسول الله ﷺ ما رآه، فقال: أيؤذيك هوامُّك؟ ، ثم أمره بإزالة شعره، وما فيه من قمل. فما حكم إزالة القمل، وقتله؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال أُذَكّر القارئ الكريم بأنَّ إزالة القمل في غير الإحرام مطلوب شرعاً بداهة، لما فيه من الأذى والضرر الذي يتنافى مع النظافة التي نادى بها ديننا، حيث إنَّ الإسلام دخل حياتنا على قاعدة النظافة في كل شيء، نظافة القلب، ونظافة العقيدة ونظافة اللباس والمكان والبدن.
لذلك قال الشافعية: لا شيء في قتل القمل أو إزالته؛ لأنّ فيه دفع الأذى عن نفسه، لكنهم استحبوا له إن فعل أن يتصدَّق؛ لأنه ـ فيما يبدو لي ـ قتل شيئاً في رحلة السلام التي أقام مولانا الحج ساحة لها.
أما الحنفية فقد قالوا بوجوب التصدّق بما شاء.
وفي المذهب المالكي: القمل يأخذ حكم الشعر تماماً (١). وإذا جاز لباحث مثلي أن يجتهد، فإني أميل إلى مذهب الشافعية، لا لأني أتعبد الله وفق اجتهاداته وضوابطه الشرعية، بل، لأن السلام في هذا الوجود لا يتنافى مع إزالة ما غرز في
стр. 92
أرضه من أشواك دامية، وهو ما يتفق مع الفواسق التي استثناها الشرع من الأصل العام في حرمة الصيد والقتل.
المحظور الرابع: ساقه العمريطي بقوله: «وقلْم أظفار»:
يحرم قلْم الظفر وكسره، ويحرم قطع جزء من أظفار اليد أو الرِّجل، فإن فعل المحرم شيئاً من ذلك عصى، ولزمه الفدية.
الحرمة لا تقتصر على التقليم، لأنّ أيّ إزالة للأظفار يعد محظوراً، وتلزم الفدية. يستثنى من الحرمة والفدية ما لو انكسر بعض ظفر المحرم، وتأذى به، فله إزالة الجزء المنكسر دون غيره، وليس له إزالة باقي الظفر؛ لأنه صحيح، ولا يجوز له أن يقطع شيئاً من الصحيح (١).
دليل تحريم قلْم الأظفار القياس في منع إزالتها على منع إزالة الشعر الذي هو أحد المحرمات كما سيأتي، بجامع الترفُّهِ في كلٍّ. قال العلامة الشربيني: «وأمّا الظفر فقياساً على الشَّعْر لما فيه من الترفّه» (٢).
المحظور الخامس: هو إزالة الشعر من الرأس وغيره بالحلق، أو بأيّ وسيلة أخرى: قال الفقهاء: يحرم على المحرم إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو حرق أو بغير ذلك من وجوه الإزالة، سواء وقع منه ذلك في شعر الرأس أو الوجه أو الشارب أو سائر الجسد من نحو شعر الصدر أو الإبط أو العانة ولو كان لشعرة واحدة فهو حرام (٣).
стр. 93
وفي دليل هذا المحظور يقول الفقيه الشافعي العلامة الشيخ محمد الخطيب الشربيني ﵀: «وأما الشعر فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي شعرَها، وشعرُ سائد الجسد ملحق به بجامع الترفه (١). أمّا حكُّ الشعر بالظفر أو بغيره فهو مكروه» (٢).
لكن ماذا لو نسي المحرم فأزال بعض شعره أو قلم ظفره. قال الإمام النووي في تبيانه لهذه النقطة:
«هذا الذي ذكرناه في الحلق أو القَلْم بغير عذر (٣).
فأمّا إذا كان بعذر فلا إثم.
وأما الفدية ففيها صور:
منها الناسي والجاهل فعليهما الفدية على الأصح؛ لأنّ هذا إتلاف، فلا يسقط ضمانه بالعذر كإتلاف المال.
ومنها ما لو كثر القمل في رأسه أو كان به جراحة أحوجه أذاها إلى الحلق أو تأذّى بالحرّ لكثرة شعره فله الحلق وعليه الفدية.
ومنها: لو نبتت شعرة أو شعرات داخل جفنه، وتأذّى بها، قلعها ولا فدية. وكذا لو طال شعر حاجبه، أو رأسه، وغطّى عينه، قطع المغطى ولا فدية. وكذا لو
стр. 94
انكسر بعض ظفره وتأذى به قطع المنكسر ولا يقطع معه من الصحيح شيئاً» (١).
وبالنسبة للتحلل بحلق الشعر أو تقصيره يقول أستاذنا الدكتور محمد توفيق رمضان البوطي حفظه الله: «يجوز للمحرم حلق شعر الحلال، ولا يجوز للمحرم ولا للحلال حلق شعر المحرم، فإن فعل بإذنه فالفدية على المحلوق وإلَّا فالفدية على من حلق» (٢).
وقال استأذنا الدكتور نور الدين عتر في ذات الموضوع: فتحرم بالإحرام الأشياء الآتية: حلق الرأس بنفسه أو بواسطة غيره محرماً كان أو حلالاً، عملاً بنص الآية. وكذا حلقُ المحرم رأس محرم آخر، وذلك ما لم يفرغ الحالق والمحلوق من أداء نسكهما ويصبح الحلق حلالاً لهما، فعندئذ لا يدخلان في الخطر، ويجوز لهما أن يحلقا لبعضهما باتفاق المذاهب» (٣).
وقال فضيلة العلامة الحنفي الشيخ عبد الرزاق الحلبي ـ حفظه الله ـ: «إذا حلق المحرم للمحرم فعلى الحالق صدقة وعلى الآخر دم، وهذا إذا كان في غير أوانه. أما في أوانه فلا شيء على أحد منهما، إذ يجوز للمحرم أن يتحلل بنفسه بالحلق» (٤).
السادس والسابع من المحظورات ـ تناولهما العمريطي في البيت الرابع من محرمات الإحرام وفيه يقول:
стр. 95
وقَتلُ صيد كالحلال في الحرم ... والقطع من أشجاره كالصيد ثَمّ
يحرم بالإحرام صيد كل حيوان بريّ وحشي مأكول اللحم.
خرج بالبري ما لا يعيش إلّا في البحر فيحلُّ صيده.
وخرج بالوحشي الإنسيُّ كالدجاج والنَّعَم وإن توحش.
وخرج بالمأكول غير المأكول كالذئب وكل ماله ناب فلا يحرم صيده (١).
فإن أُتلف الحيوان المذكور بصيد أو غير ذلك لزمه الجزاء. فإن كان إلى جانب ذلك مملوكاً لزمه الجزاء، لأنه حق الله تعالى، ولزمه القيمة للمالك، تعويضاً عليه، لأنه حق العبد (٢).
دليل هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ .. [المائدة: ٩٥].
وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. [المائدة: ٩٦].
فصيد المأكول البري الوحشي ثابت لهذه الآية من نحو بقر وحش أما صيد المتولد منه ومن غيره كمتولد بين حمار وحش وحمار أهلي فقد حمل العلماء، تحريمه على الاحتياط؛ لأن أحد أصليه ينضبط به وصف الحرمة (٣).
وليس الصيد وحده هو الذي يحظر على المحرم الاقتراب منه لا بل إن
стр. 96
ترويع ما أمنه الله تعالى في جنبات بيته الحرام ولو كان من نحو حيوان اعتاد الناس اصطياده، أو طير لهم عهداً بنصب الشباك له، فإن ذلك كله ممنوع بالنسبة للمحرم والحلال. بأي صورة وقع الأمر، وعلى أي وجه جاء، كالاستيلاء عليه، أو إتلاف جزء من أجزائه، فإنه ضامن له، ولو لنحو شعرة منه.
وكذا يحرم ما هو دون هذا كالإعانة على قتل الصيد بالدلالة على موضعه أو إعارة آلة الصيد له أو حتى بصياح، لذلك فإن مجرد التنفير، ممنوع في حرم الله الآمن، فلو تهاون في قدسية الحرم المكي، واستهتر بأمان من فيه ولو كان حيواناً مأكولاً ولو بتنفير صيدٍ، فعثر ذلك الصيد هرباً منه فهلك أو أخذه سبع بسبب خوفه أو أنصدم بحبل أو شجرة أو ما شابه هذا لزمه الضمان. فالحيوان المنفر يبقى في عهدةَ المنفَّر حتى يسكن اضطرابه ويعود إلى حالته الأولى، فإن هلك في حال نفاره بآفة سماوية فلا ضمان على الأصح (١).
هذا معنى الأمان الذي يجب أن يتمتع به الإنسان أو الحيوان المأكول أو الطير أو النبات الذي يقيم في حدود الحرم، وذلك لقوله ﷺ يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرام بحرمة الله، لا يعضد شجره، ولا ينفر صيده (٢).
قال العلامة الشربيني: «أي لا يجوز تنفير صيده لمحرم ولا حلال، فغير التنفير أولى وقيس بمكة سائر الحرم» (٣).
فإن أتلف من حرم عليه ذلك. صيداً بشروطه المذكورة، مملوكاً أوغير
стр. 97
مملوك ضمنه لقواه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. [المائدة: ٩٥].
ويحرم الجراد، كما يحرم الطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج.
لكن لا يحرم السمك وصيد البحر وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَدْوِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ (١) وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٢) [المائدة: ٩٦]، إلّا أنه يلحق بالحرمة ما يعيش في البر والبحر في وقت واحد.
ولا يحرم صيد ما ليس مأكولاً، ولا صيد ما هو متولّد من مأكول وغيره.
ويحرم على المحرم أكل صيد صاده بنفسه، أو صاده غيره له بإذنه، أو بغير إذنه (٣) كما يحرم أكل صيد أعان عليه (٤)، أو تَسبّبَ فيه، كالدلالة فيه عليه، أو إعارة
стр. 98
سكين، أو مناولة سوط، فإن أكل منه عصى لكن لا جزاء عليه بسبب الأكل.
ولو ذبح المحرم صيداً صار ميتة على الأصح، يحرم على كل أحدٍ أكله.
ولو تحلل المحرم من إحرامه لم يحل له ذلك الصيد.
ولو صاد الحيوان المأكول حلالُ، لا لأجل أن يأكل المحرم منه، ولا تسبُّبَ المحرم فيه، جاز له الأكل، دون أن يقع عليه جزاء لما ذكرته لك في حاشية الفقرة السابقة.
لا ينتفي عن الجاهل والناسي فكلاهما في وجوب ذلك كالعامد لكن
لا إثم عليهما بخلاف العامد (١).
стр. 99
ويلحق بحرمة الصيد في الحرم من الحلال والمحرم قطع أو قلع نبات الحرم الرطب الذي يستنبتُ (١) وحده، أي لا يستنبته الآدميون، وليس مما يملكه أحد، للحديث السابق «لا يعضد شجره» (٢) أي لا يقطع، «ولا يختلى خلاه» (٣) أي لا ينتزع حشيشه الرطب.
قال العلامة الشربيني: «وقيس بما في الخبر غيره مما ذكر. وخرج بالرطب الحشيش اليابس، فيجوز قطعه لا قلعه، والشجر اليابس فيجوز قطعه وقلعه والفرق بين الشجر والحشيش في القلع أن الحشيش ينبت بنزول الماء عليه» (٤).
والأظهر عند الشافعية تعلق الضمان بقطع أشجار الحرم (٥).
وبمناسبة ذكر تحريم صيد البرّ يجدر بنا أن نأتي على ذكر ما استثناه الفقهاء من إباحة قتل بعض حيوانات الحرم بنص حديث رسول الله ﷺ الذي ذكر خمساً سماهن فواسق، أجاز قتلهن في الحل والحرم على يد المحرم والحلال سواء بسواء (٦)، وذلك في الحديث المتفق على صحته، والذي يقول فيه المصطفى ﷺ :
стр. 100
«خمسّ من الدوات ليس على المحرم في قتلهن جناج: الغراب (١) والحدَأة، والعقرب والفأرة والكلب العقور» (٢).
وفي رواية عن مسلم ذكر الحية دون ذكر العقرب والحُدَيَّا عوضاً عن الحدأة (٣).
وفي رواية عند أبي داود وقع لفظ: السبُعُ العادي (٤) أي الحيوان المفترس.
وليس المذكور وحده مباحاً قتله، بل ما في معناه أيضاً، حيث قال الشافعية: المعنى في جواز قتلهنّ كونُهنّ مما يؤكل، لذلك قالوا: كل ما لا يؤكل،
стр. 101
أو هو متولد من مأكول وغيره جاز قتله.
وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات (١).
وفي الكلب العقور قال جمهور العلماء: ليس المراد به تخصيص الكلب المعروف، بل المراد كل عاد مفترس غالباً كالسبع والنمر والذئب (٢) والفهد ونحوها؛ لأن معنى العاقر والعقور الجارح.
وفي المقابل نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب بعينها: النملة والنحلة والهُدْهُدِ والصُّرَدِ (٣)» (٤).
وفي رواية نهى عن قتل الضفدع. (٥)
البيت الأخير من كلام الإمام العمريطي في محرمات الإحرام يدنن حول ما تبقى منها وهي:
стр. 102
والوطء والنكاح والمباشرهْ ... بشهوة ومسّ طيب عاشره
الوطء والمباشرة بشهوة هو ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم: الجماع ومقدماته، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقٌ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهي آية وردت خبراً بمعنى النهي، والمقصود فلا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج.
والرفث (١) مفسر بعدة أشياء أبرزها الجماع، أي الوطء في الفرج، وهو
قول ابن عباس وابن جبير ومالك، أي فلا جماع في الحج، أي قبل التحلل من إحرامه
стр. 103
فيه؛ لأنه يفسده.
وقال ابن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث: الإفحاش للمرأة في الكلام. وعند قوم: هو الإفحاش بذكر النساء، سواء كان بحضرتهن أم لا (١). ويمكن أن أختصر ذلك بما قاله بعضهم من أنه كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله.
والخلاصة أن الرفث يطلق على الجماع، ويطلق على ما يكون بين الرجل وزوجه من المغازلة والتقبيل بشهوة والمفاخذة والمعانقة واللمس باليد بشهوة، وبهذا يدخل فيه الكلام الفاضح في المسائل الجنسية التي هي من خوارم المروءة بالنسبة لغير المحرم، فكيف باقتراف ذلك زمن الإحرام.
إنني من خلال عملية لف الأقوال أستطيع أن اجمع ذلك بما نقلته لك عن الفقهاء من قولهم: الرفث: هو الجماع ودواعيه أو مقدماته، وفي كل ذلك تجب الفدية، وإن لم يُنزلْ، إذا كان لمساً بشهوة من دون حائل، أما إذا وقع لمس بشهوة مع حائل، أو نظر بشهوة ـ وهو من دواعي الجماع كما تعلم ـ فلا تجب فيه الفدية وإن أنزل، حتى وإن كرر النظر فأنزل من غير مباشرة لم تلزمه الفدية.
ويدخل في تلك المقدمات الاستمناء باليد، فإن أنزل وجبت الفدية، وإن لم يُنزلْ لم تجبْ.
ولو جامع المحرم بعد المباشرة بشهوة أو بعد الاستمناء باليد، دخلت فديتهما في فدية الجماع حتى ولو لم يكن الجماع ناشئاً عن أي منهما، بأن طال الزمن بين الجماع وأحد المذكورين؛ لأن القوي وهو هنا الجماع حين دخل على الضعيف
стр. 104
وهو هنا المباشرة بشهوة أو الاستمناء كانت الغلبة في الفدية للقوي، لاضمحلال الضعيف معه، وهو هنا على سبيل المثال لا يجب عليه الدم إن استمنى بيده، فأنزل، ثم جامع فأدخل، لدخول الأول في بدنة الجماع (١)
زبدة القول أنه لو باشر بشهوة عامداً عالماً بالتحريم لزمه الفدية، لكن لا يفسد نسكه لأنه لا يفسد الحج إلّا الوطء إن كان قبل التحلل الأول، سواء وقع قبل الوقوف بعرفة. أو بعده (٢).
أما لو باشر بشهوة ناسياً فلا شيء عليه بلا خلاف، سواء أنزل أم لم يُنزل. فالجماع وحده الذي يفسده الحج، ومع ذلك فلا يتأثر المضي في أعمال الحج والعمرة إذا أفسدت بالجماع؛ لأن الإحرام شديد التعلق بمناسكه، بخلاف سائر العبادات كالصلاة مثلاً، لذلك ذكر فقهاؤنا أن من أفسد نسكه بالوطء في الفرج وجب عليه المضي في فاسدة من حج أو عمرة، بأن يأتي ببقية الأعمال حسب ترتيبها، وذلك لإطلاق الإتمام في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:
стр. 105
١٩٦]، إذ لم تفصّل الآية بين الصحيح والفاسد (١)، على حين صح ذلك بأسانيد عن جمع من الصحابة ﵃ ولا مخالف (٢).
وإذا فسد الحج ووجب الإتمام، وجب بعد ذلك القضاء على الفور، وإن كان نسكه تطوعاً، لأنه يلزم الحاج أو المعتمر أن يتم ما شرع فيه للآية المذكورة فكان كنسك الفريضة من حيث لزوم القضاء فوراً.
وإذا عزم أن يقضي نسكه الفاسد وجب أن يحرم من الميقات الذي أحرم منه أول مرة، أي حين أحرم بالنسك الذي أفسده بالوطء، فإن كان أحرم به من ميقاتٍ ما لزم أن يحرم بقضائه من ذلك الميقات. وإن كان أحرم من مكان ما قبل الميقات لزمه أيضاً أن يحرم بالقضاء من ذلك المكان (٣).
إن فساد الحج أو العمرة بالوطء لهو من المحرمات التي أجمع عليها العلماء ولو كان إدخالاً في فرج بهيمة أو في دبر إنسان، فضلاً عن كونه في زوجة قبلاً أو دُبُراً ولو بحائل (٤).
ومن أحكام الجماع في إطار مناسك الإحرام أنه يَحرم على المرأة الحلال تمكين زوجها المحرم من مواقعهتا لما فيه من إعانته على معصية الله.
كما يحرم على الحلال جماع زوجته المحرمة، لكن لا فدية عليها على
стр. 106
الصحيح سواء كان الوطء زوجاً أم غيره، مُحرماً أم حلالاً (١).
وكما يفسد الحج بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول وتفسد به العمرة المفردة قبل الفراغ منها بالتحلل منها بالحلق أو التقصير في ختام رحلة الإحرام والطواف والسعي لعمرته، حيث ليس للعمرة إلّا تحلل واحد (٢).
ومن محظورات الإحرام قبل التحلل منه عقد النكاح إيجاباً أو قبولاً، للخبر الذي رواه مسلم في صحيحه: «لا يَنْكح المحرم ولا يُنْكح ولا يخْطُبُ» (٣).
لهذا الحديث ذهب جماهير العلماء ومنهم مالك والشافعي وأحمد فمن بعدهم إلى أنه لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب التي أوردها مسلم في كتاب النكاح، باب بعنوان: تحريم نكاح المحرم.
وخالف أبو حنيفة والكوفيون جماهير الفقهاء فقالوا بجواز نكاح المحرم للحديث الآخر الذي رواه مسلم في الباب عن أبي الشعثاء أن ابن عباس أخبره أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم (٤).
стр. 107
أجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، منها تأويل حديث ابن عباس على أنه ﷺ تزوج ميمونة في الحرم وهو حلال؛ لأنه يقال لمن في الحرم محرم وإن كان حلالاً؛ لأنه يقال لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالاً. قال الإمام النووي: «وهي لغة شائعة معروفة، ومنه البيت المشهور [قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً] أي في حرم المدينة (١).
الجواب الثاني قال به جماعة من أصحاب الشافعية أن النبي ﷺ كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خُصَّ به دون الأمة. قال العلامة النووي: وهذا أصح الوجهين عن أصحابنا (٢).
الجواب الثالث: أن أكثر الصحابة رووا أنه ﷺ تزوجها حلالاً، وهو ما روته ميمونة نفسها فرواية هؤلاء أضبط من رواية من قال إنه تزوجها محرماً. قال الإمام النووي: «قال القاضي وغيره: ولم يرو أنه تزوجها محرماً» إلّا ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنه تزوجها حلالاً وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس، ولأنّهم أضبط من ابن عباس وأكثر» (٣).
أما قوله ﷺ : «ولا يُنكح فمعناه كما قال العلماء أنه لا يزوج امرأة بولاية ولا بوكالة. قال النووي: «قال العلماء: سببه أنه لما منع في مدة الإحرام من العقد لنفسه صار كالمرأة فلا يعقد لنفسه ولا لغيره». وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة كالأب والأخ ونحوهم، أو بولاية عامة وهو
стр. 108
السلطان والقاضي ونائبه وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصحابنا.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة؛ لأنها يستفاد بها بالخاصة وولهذا يجوز للمسلم تزويج الذمية بالولاية العامة دون الخاصة» (١). ثم قال النووي: واعلم أن النهي عن النكاح والإنكاح في حال الإحرام نهي تحريم، فلو عقد لم ينعقد سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة أو العاقد لهما بولاية أو وكالة نهي تحريم، فالنكاح باطل في كل ذلك، حتى لو كان الزوجان والولي مُحلِّين ووكّل الوليُّ أو الزوجُ مَحرَماً في العقد لم ينعقد (٢)». (٣)
ثم قال النووي: وأما قوله ﷺ : «ولا يخطب فهو نهي تنزيه ليس بحرام وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهداً في نكاح المحلون» (٤).
إذن كل نكاح وجد فيه ولي محرم، أو زوج محرم، أو زوجة محرمة فهو باطل بنص الفقهاء على هذه المسالة.
وعلى العكس لو عقد وهو حلال وطلق وهو حلال، جاز له الرجعة في الإحرام على الأصح لكن مع الكراهة (٥)
الأخير من محظورات الإحرام هو الطيب: «إذا أهلّ المسلم بالحج أو العمرة
стр. 109
حرم عليه استعمال الطيب في بدنه وملبوسه أو فراشه».
دليل الحرمة الإجماع. ومن النصوص التي استند إليها إجماع الفقهاء الحديث المتفق عليه عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: «كنت أطيِّبُ رسول الله ﷺ لإحرامه حين يُحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» (١).
ومن الأدلة ما أخرجه النسائي وابن ماجة موقوفاً على ابن عباس قال: إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كلُّ شيءٍ إلّا النساء. فقال له رجل: يا ابن عباس! والطيب؟ فقال: أمّا أنا فقد رأيتُ رسول الله ﷺ يُضَمِّخُ رأسه بالمسك. أفطيب ذلك أم لا» (٢).
فالطيب من أبرز مظاهر الترفه الذي تأباه حكمة الحج إلى بيت الله الحرام، ويتنافى مع قوله ﷺ في الحديث الصحيح: الحاجّ أشعثُ أغبر، وقوله ﷺ : «ولا يلبس من الثياب ما مسه ورسٌ أو زعفران» (٣). والروس هو الطيب (٤)، ويبد ولي أن الزعفران مثله (٥)، بدليل ما جاء في القاموس المحيط من أنه إذا كان في بيت لا يدخله سام أبرص اهـ وهذا ربما لرائحته، والله أعلم.
стр. 110
فاستعمال الطيب يحرم على الحاج أو المعتمر حتى ولو كان فيه مقصود آخر كالمسك والكافور والورد والياسمين والبنفسج والنرجس والريحان وما أشبه ذلك (١).
قال الإمام النووي: «ولا يحرم ما لا يظهر فيه قصد الرائحة، وإن كان له رائحة طيبة كالفواكه الطيبة الرائحة كالسفرجل والتفاح والأُتْرُجّ (٢) والنارنج، وكذا الأدوية (٣) كالدار صيني، والقَرَنْفُل والسُّنْبُل (٤) وسائر الأبازير الطيبة، وكذا الشِّيْحُ والقَيْصُوم والشَّقَاق وسائر أزهار البراري الطيبة التي لا تستنبت قصداً (٥)، وكذا نَوْرُ التفاح والكُمّثْرى (٦)، وغيرهما، وكذا العُصْفُر والحناء فلا يحرم شيء من هذه ولا فدية فيه» (٧).
ومن الأشياء التي يحرم استعمالها الكحل إذا ظهر طعم الطيب فيه، أو
ريحه، ما لم يستهلك الطيب في الطعام، فإن استهلك فلا بأس به (٨). فإن بقي اللون