← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

¬المملكة العربية السعودية - وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - قسم القرآن وعلومه أحكام القرآن لأبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي (المتوفى سنة ٣٤٤ هـ) «دراسة وتحقيقاً» التحقيق: رسالتا دكتوراة بقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض: ١ - ناصر بن محمد آل عشوان الدوسري (من أول الكتاب - الأعراف) (عام ١٤٢٦) ٢ - ناصر بن محمد بن عبد الله الماجد ﵀ (من الأنفال إلى الناس) (عام ١٤٢٦)

стр. 2

¬ المقدمة

стр. 3

¬المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن من أعظم نعم الله أن أنزل الله علينا القرآن الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. وإن من الواجبات على الأمة الإسلامية أن تتدبر هذا القرآن، وتعمل بما فيه شكراً لله على هذه النعم العظيمة. وقد قام أسلافنا ﵏ بتدبر هذا القرآن، والعمل بما فيه، فحفظوه في الصدور، ودونوه في السطور، وفهموا معانيه، وتخلقوا بأخلاقه، وألفوا في علومه وفنونه حتى تركوا لنا تراثاً هائلاً، أودعوا فيه علمهم، وجهدهم، وخبرتهم. ولعل أقل ما يحتاجه منا هذا التراث أن نعكف على نشره وتحقيقه تحقيقاً علمياً، وأن يكون مبعث عز وافتخار لنا بمنجزات أسلافنا. وقد اخترت من بين هذا التراث كتاب (أحكام القرآن) للقاضي أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي (ت ٣٤٤ هـ) ليكون موضوعاً لرسالتي لنيل درجة الدكتوراه في القرآن وعلومه، وجعلته بعنوان: (أحكام القرآن للقاضي أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي من أول الكتاب إلى آخر تفسير سورة الأعراف دراسة وتحقيقاً). أهمية الموضوع: تبرز أهمية هذا الموضوع من جهتين: الأولى: حول أهمية تحقيق كتب التراث عموماً ويتمثل ذلك في: ١ - إخراج أحد هذه الكتب إخراجاً علمياً حتى يمكن الاستفادة منه، لاسيما وأن تحقيق الكتب في هذا الزمان أصبح تجارة، ومن واجب الجهات العلمية أن تتبنى المحافظة عليها وإخراجها إخراجاً علمياً. ٢ - أن تحقيق الكتب المخطوطة من قبل طلاب الدراسات العليا يعد إسهاماً جاداً في نشر تراث هذه الأمة الإسلامية على أسس علمية صحيحة.

стр. 4

¬ الثانية: حول أهمية المخطوط - المقصود تحقيقه - من حيث: ١ - أهميته بين كتب التفسير: وتبرز هذه الأهمية من خلال أنه مختصر لأصل عظيم مفقود، استفاد منه العلماء قديماً وحديثاً كابن العربي في أحكامه، والقرطبي في جامعه، وابن قدامه، وابن القيم، وغيرهم، ذلكم الأصل هو كتاب (أحكام القرآن) للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي (ت ٢٨٢ هـ)، الذي قال عنه الخطيب البغدادي: له كتاب أحكام القرآن لم يسبق إلى مثله. (١) ٢ - تقدمه على غيره من كتب أحكام القرآن؛ نظراً لتقدم وفاة مؤلفه (٣٤٤ هـ)، وبتحقيق هذا الكتاب ونشره يكون أقدم كتاب - مطبوع كامل - في أحكام القرآن. ٣ - قيمته العلمية من حيث روايته للحديث وعلمه بالرجال وعلل الحديث فقد كان ـ بكر ـ راوية للحديث عالماً بماله من العلل، وكثيراً ما يسوق الأحاديث والآثار بإسناد القاضي إسماعيل، أو إسناده. وتبرز قيمته أيضاً من حيث ذكره لأقوال السلف والوقوف عندها، وقد ذكر ذلك في مقدمته حيث قال: ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعناً بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء والطهارة والنقاء.

стр. 5

¬وقال أيضاً: وكفى برجل نقصا أن يرى أنه قد علم من كتاب الله ما قصر عن عمله الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علماً وفهماً، أو يظن أنه مثلهم لقد خاب وخسر. (١) وللمؤلف اهتمام بأسباب النزول، وما كان عليه العرب من عادات الجاهلية قبل الإسلام. ويهتم أيضاً باللغة العربية، ويستشهد بأقوال العرب في ذلك شعراً ونثراً، وكثيراً ما يرجع إلى ما قاله أبو عبيدة وغيره. ٤ - عنايته بالمسائل الفقهية مقرونة بأدلتها، منسوبة لقائليها، مرجحاً في ذلك، ذاكراً أقوال المذاهب الأخرى. أسباب اختيار الموضوع: بالإضافة إلى ما سبق من أهمية الكتاب، فإن هناك أسباباً دعتني لاختيار تحقيق هذا الكتاب، لعل من أبرزها: ١ - رغبتي في التزود من التفسير الفقهي للقرآن الكريم، الذي يعد ركيزة مهمة لتكوين طالب العلم، يقول القرطبي فيما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به: ((وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن، فيفهم عن الله مراده، وما فرض عليه فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو، فما أقبح لحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلو ولا يدريه، فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفاراً)). (٢) ٢ - اكتساب معرفة جديدة في تحقيق المخطوطات حيث كانت رسالتي في مرحلة الماجستير موضوعاً، بعنوان: علوم القرآن عند ابن حزم جمعاً ودراسة. ولا يخفى ما في التحقيق من فوائد للباحث. ٣ - إخراج كتاب لم ير النور بعد في باب تفسير آيات الأحكام، ومن أهميته أنه يعد مرجعاً لكتاب أصيل ذلكم هو كتاب: أحكام القرآن لإسماعيل بن إسحاق الجهضمي، فبتحقيقه إخراج وإبراز لجهد علم من أعلام التفسير والفقه، وإظهار لفضل المتقدم على المتأخر. ٤ - أن غالب ما ألف في أحكام القرآن: إما مفقود، أو مخطوط، أو مطبوع ولكن بدون تحقيق علمي.

стр. 6

¬ الدراسات السابقة: لم يحض كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء القشيري بالطبع والتحقيق؛ نظراً لعدم وجود نسخ له مخطوطة، وأثناء رحلتي العلمية إلى المغرب التقيت ببعض أهل العلم المهتمين بالتراث فأرشدني بعضهم إلى أن هذا الكتاب يوجد منه نسخة خطية في تركيا، دون تحديد مكانها، وقد عثرت على هذه النسخة الخطية الفريدة بمكتبة (بيازد)، مستعيناً في ذلك بعد الله ببعض الإخوة الأتراك، نظراً لعدم فهرست مخطوطات تلك المكتبة، ولكتابتها باللغة التركية، وقد تمكنت بفضل الله من تصويرها، والاطلاع على النسخة الأصلية للمخطوط - وذلك أثناء رحلة علمية قمت بها إلى تركيا - ثم قمت بتقديم القسم الأول منها إلى قسم القرآن وعلومه لأحظى بدراسته وتحقيقه.

стр. 7

¬ خطة البحث: وتشتمل على مقدمة، وتمهيد، وقسمين، وخاتمة، وفهارس. المقدمة: وتشتمل على العناصر التالية: أهمية الموضوع، وسبب اختياره، والدراسات السابقة، وخطة البحث، والمنهج المتبع في الدراسة والتحقيق. التمهيد: ويتضمن: تعريف تفسير آيات الأحكام، ونشأته وأهم المصنفات فيه. القسم الأول: دراسة عن المؤلف والكتاب، وفيه فصلان: الفصل الأول: عصر المؤلف وحياته، وفيه مبحثان: المبحث الأول: عصره , وأثره عليه، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الحالة السياسية المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية المطلب الثالث: الحالة العلمية المبحث الثاني: حياته، وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه. المطلب الثاني: مولده ونشأته. المطلب الثالث: مكانته وثناء العلماء عليه. المطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه. المطلب الخامس: مصنفاته. المطلب السادس: عقيدته. المطلب السابع: مذهبه الفقهي. المطلب الثامن: وفاته.

стр. 8

¬الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: عنوان الكتاب, ونسبته إلى مؤلفه, ووصف المخطوط. المبحث الثاني: مصادر المؤلف في كتابه. المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب. المبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية. القسم الثاني: التحقيق: وفيه تحقيق القسم الأول من الكتاب من أوله إلى نهاية تفسير سورة الأعراف. الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث، والتوصيات. الفهارس: ١. فهرس الآيات. ٢. فهرس القراءات. ٣. فهرس الأحاديث. ٤. فهرس الآثار. ٥. فهرس الأعلام. ٦. فهرس البلدان والمواضع والأيام ٧. فهرس المسائل الفقهية. ٨. فهرس الشواهد الشعرية. ٩. ثبت المصادر والمراجع. ١٠. فهرس الموضوعات.

стр. 9

¬ المنهج الذي سرت عليه في الدراسة عن المؤلف والكتاب: سرت في القسم الدراسي حسب المنهج التالي: أولاً: في دراستي عن المؤلف: ١ - استقرأت الكتب التي تحدثت عن الفترة التي عاش فيها المؤلف، وأثرها عليه سياسياً واجتماعياً وعلمياً. ٢ - استقرأت الكتب التي ترجمت للمؤلف وتحدثت عنه، واستخلصت منها حياته ونشأته، معتمداً في ذلك على كتب طبقات المفسرين، وطبقات الفقهاء، وكتب التاريخ والتراجم الأصيلة. ٣ - استفدت من كتاب المؤلف - القسم المقرر تحقيقه - فيما يظهر شخصية المؤلف، وشيوخه، ومصنفاته، وعقيدته، ومذهبه الفقهي. ثانياً: دراستي عن الكتاب: ١ - قمت بإثبات الاسم الصحيح للكتاب، وصحة نسبته لمؤلفه، وذلك باستقراء ما ورد في مقدمة الكتاب وخاتمته، وما ورد على غلاف الكتاب، وفي نهاية الجزء الأول، وبداية الجزء الثاني، وما ورد في كتب التراجم التي نصت على اسم الكتاب، أو إثبات نسبته لمؤلفه. ٢ - استقرأت الكتاب - القسم المحقق عندي - واستخرجت منه: مصادر المؤلف في كتابه هذا، ومنهجه في اختصاره، ومنهجه في عرض المادة العلمية.

стр. 10

¬ المنهج الذي سرت عليه في التحقيق يتلخص فيما يلي: يتلخص منهجي في التحقيق بالنقاط التالية: ١. نسخ القدر المطلوب تحقيقه حسب القواعد الإملائية الحديثة، ووضعت علامات الترقيم من: نقط، وفواصل، ونحوها، وفق المنهج المتعارف عليه. ٢. مقابلة النص مع ما تبقى من كتاب القاضي إسماعيل بن إسحاق، وكتب التفسير، وكتب الأحكام التي سبقته، والمصادر التي نقل عنها المؤلف، وأثبت بالأصل ما ورد في النسخة الخطية إلا ما تحققت من خطئه فإني أثبت الصواب في الأصل وما ورد في النسخة الخطية بالحاشية، مبيناً ما اعتمدت عليه في التصويب، وما ترددت فيه أو أجد له احتمالاً فإني أبقيته على ما ورد في النسخة الخطية، مع الإشارة في الحاشية إلى ما يحتمل. ٣. إذا وجدت خطأ في كتابة الآيات القرآنية فإني أصححها دون الإشارة إلى ذلك في الحاشية. ٤. أشرت في أعلى كل صفحة إلى اسم السورة وأرقام الآيات المفسرة فيها. ٥. عزوت الآيات القرآنية إلى سورها بذكر اسم السورة ورقم الآية. ٦. وثقت القراءات القرآنية، وعزوتها إلى مصادرها. ٧. خرجت الأحاديث، ونقلت حكم عليها الأئمة عليها، مكتفياً بما في الصحيحين أو أحدهما، ما لم يكن الحديث الذي ذكره المؤلف من طريق آخر غير طريقهما، أو بلفظ غير لفظهما. ٨. خرجت الآثار من مصادرها المعتمدة. ٩. وثقت النقول وأقوال العلماء، سواء ما نص على قائله، أو ذكر القول ولم يشر إلى من قال به. ١٠. ترجمت للأعلام الواردة في الرسالة. ١١. عزوت الشواهد الشعرية لقائلها، ووثقتها من مصادرها. ١٢. علقت على كلام المؤلف بما تدعو الحاجة للتعليق عليه من المسائل العلمية. ١٣. وضحت بعض عبارات المؤلف التي قد يكون فيها بعض الغموض. ١٤. شرحت الألفاظ الغريبة بالرجوع إلى معاجم اللغة وكتب الغريب والمعاني. ١٥. عرفت بالقبائل والفرق الواردة في الكتاب. ١٦. عرفت بالأماكن غير المشهورة. ١٧. أثبت أرقام لوحات المخطوط، وذلك بالإشارة إلى بداية اللوحة.

стр. 11

¬وأود أن أشير إلى أن ما أوردته من أمثلة في القسم الدراسي نقلته بنصه من قسم التحقيق، دون الإشارة إلى ما فيه من تعليق أو تحقيق أو توثيق، اكتفاء بما أوردته في قسم التحقيق خشية التكرار، وليكون التحقيق متكاملاً في موضعه. هذا وختاماً فإني أتوجه بالثناء والشكر إلى الله على ما يسر وأعان، ومنّ به حتى التمام، وأسأله أن يقبله مني ويغفر زللي فيه. ثم أتوجه بالشكر إلى - من قرن الله حقهما بحقه - والديّ الفاضلين، الذين ربياني وعلماني، وشجعاني على مواصلة الدراسات العليا، رب اغفر لهما وارحمهما كما ربياني صغيراً، وأمدهما بالصحة والعافية، وأحسن خاتمتهما. والشكر موصول لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين، وقسم القرآن وعلومه، والقائمين عليه، من مسؤولين وأساتذة. ثم أتوجه بالشكر والتقدير والاحترام لشيخي الفاضل الدكتور / علي بن سليمان العبيد - وكيل الرئيس العام لشؤون المسجد النبوي، والأستاذ في قسم القرآن وعلومه سابقاً - على توجيهاته، ومتابعته لعملي في بحثي، فقد كان مرشداً موجهاً، مع لين جانب، وحسن توجيه، استفدت من خلقه وعلمه كثيراً، فجزاه الله عني خير الجزاء. كما لا أنسى أن أشكر كل من أعانني على إخراج هذا الكتاب، ممن قدم لي نصيحة، أو أعارني كتاباً، أو أبدى لي مشورة. اللهم اجعل عملنا هذا خالصاً لوجهك الكريم، نافعاً للكاتب والقارئ، حجة لنا لا علينا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين والحمد لله رب العالمين أولاً وآخرا

стр. 12

¬ التمهيد تعريف تفسير آيات الأحكام، ونشأته، وأهم المصنفات فيه

стр. 13

¬تعريف تفسير آيات الأحكام ونشأته وأهم المصنفات فيه لقد أنزل الله كتابه الكريم على نبيه محمد ﷺ ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فكان كتاب حق، مشتمل على الحق، يهدي للتي هي أقوم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١). وأنزله بلسان عربي مبين: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) لكي نعقله، ونتدبره، ونفهمه، ونستنبط ما فيه من العلوم. وقد حوى هذا الكتاب علوماً شتى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣)، يقول السيوطي: وإن كتابنا القرآن لهو مفجر العلوم ومنبعها، ودائرة شمسها ومطلعها، أودع فيه علم كل شيء، وأبان فيه كل هدى وغي، فترى كل ذي فن منه يستمد، وعليه يعتمد، فالفقيه يستنبط منه الأحكام، ويستخرج حكم الحلال والحرام. (٤) ومن العلوم المتعلقة بهذا الكتاب العظيم: معرفة أحكامه (٥)، ولما كان موضوع تحقيق هذه الرسالة: أحكام القرآن، وهو أحد المصنفات في هذا العلم، كان من المناسب الحديث عن هذا العلم - أعني معرفة أحكام القرآن - من جوانب ثلاثة: أولاً: تعريفه، ثانياً: نشأته وتطوره، ثالثاً: أهم المصنفات فيه.

стр. 14

¬ أولاً: تعريف تفسير آيات الأحكام . لم أجد من عرفه من المتقدمين، مع ذكرهم له كنوع مستقل من أنواع علوم القرآن، بل حتى الذين صنفوا في أحكام القرآن لم يُعرفوه، ولعل هذا يرجع إلى التصاقه بالتفسير التصاقاً وثيقاً، حيث يعد نوعاً من أنواع التفسير، ومما يدل على ذلك أن الزركشي عندما عرف التفسير أدخل فيه تفسير آيات الأحكام، حيث قال: التفسير علم يُعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكمه. (١) ومما يدل على ذلك أيضاً: أن كتب التفسير المطولة لا تخلو من الحديث عن أحكام القرآن، وما يتعلق بالآيات من الفقه، وكذلك الكتب التي أفردت أحكام القرآن بالذكر لا تخلو من شيء من التفسير. ومع ذلك فقد تميزت الكتب التي أفردت أحكام القرآن عن كتب التفسير الأخرى ببسط المسائل الفقهية، وبيان وجه الاستشهاد بالآيات على هذه الأحكام، والرد على المخالفين، وبهذا أصبح علماً قائماً بذاته يحتاج إلى تعريف يوضح أطره ومدلوله، ولم أجد تعريفاً جامعاً سوى ما ذكره الدكتور علي بن سليمان العبيد، في كتابه (تفاسير آيات الأحكام ومناهجها) بقوله: تفسير الأحكام وآياته، أو تفسير الفقهاء، أو التفسير الفقهي كما يسميه البعض، نعني به إذا أطلق: التفسير الذي يجمع آيات الأحكام الشرعية من القرآن الكريم ويفسرها في كتاب مستقل. (٢) ثانياً: نشأته وتطوره: سبقت الإشارة إلى الارتباط الوثيق بين التفسير وبين تفسير آيات الأحكام كنوع من أنواع التفسير، وعليه فإن نشأة التفسير عموماً، ونشأة تفسير آيات الأحكام خصوصاً لا تختلف اختلافاً كبيراً.

стр. 15

¬ويمكن تحديد نشأة هذا العلم من خلال مرحلتين: المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل ظهور المذاهب الفقهية . وتشتمل هذه المرحلة على عهد النبوة، وعهد الصحابة، وعهد التابعين. (١) أرسل الله رسوله محمداً ﷺ إلى الناس بشيراً ونذيراً، فكان خاتم الرسل، وأنزل عليه كتابه فكان خاتم الكتب، وقد حوى هذا الكتاب من العقائد والأحكام والأخلاق ما فيه صلاح الناس في دينهم ودنياهم. وقد كان مصدر التشريع في ذلك الوقت الكتاب والسنة، فكان الصحابة يفهمون ما تحمله الآيات من الأحكام الفقهية بمقتضى سليقتهم العربية، ولوضوح بعض الأحكام، وما أشكل عليهم سألوا رسول الله ﷺ عنه، باعتباره المبلغ عن الله، والمبين لهذا الكتاب. وبعد وفاة الرسول ﷺ واتساع الفتوحات، واحتكاك المسلمين بغيرهم من الثقافات الأخرى، حدثت قضايا ومشاكل تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، فكان الصحابة يرجعون في ذلك إلى ما عندهم من الكتاب والسنة، فإن لم يجدوا فيهما استشاروا أهل الرأي من فقهاء الصحابة، فإذا اجتمع رأيهم على شيء كان القضاء به، وذلك ما يسمى بالإجماع، فإن لم يتفقوا اجتهدوا وأعملوا الرأي على ضوء فهمهم للكتاب والسنة، يقول الشيخ مناع القطان ﵀: وباتساع الفتوحات الإسلامية تتجدد مشكلات الناس، وتجد أقضية لم تكن معهودة من قبل، وليس لها نص في كتاب أو سنة، وإذا كانت مدارك الصحابة ودرجاتهم في الفهم متفاوتة، فذلك من شأنه أن يوقع الاختلاف فيما بينهم، وهكذا كان موقفهم من القضايا الجديدة، فمنها ما اتفقوا فيه على رأي، ومنها ما اختلفوا فيه. (٢)

стр. 16

¬واستمر الحال في عهد التابعين باتباع منهج الصحابة في التعامل مع هذه القضايا، مع الأخذ بأحكام الصحابة إن كانوا حكموا في مثل هذه المسائل. ولا بد من الإشارة إلى أنه في هذه المرحلة حدثت أمور كان لها الأثر الواضح في اختلاف مصادر الفقه الإسلامي، فبفتنة مقتل عثمان ﵁، وما حدث بين علي ومعاوية ﵄، ومقتل الحسين ﵁، كانت هذه بداية شر وفتنة، حيث انقسم الناس إلى شيعة، وخوارج، وجماعة، فأصبح لكل فريق من الفرق الثلاث فقهه الخاص به في الأصول والفروع، وما يزال هذا الأمر حتى يومنا هذا. المرحلة الثانية: مرحلة ظهور المذاهب الفقهية . وتشمل هذه المرحلة عهد الأئمة الأربعة ومن بعدهم. (١) ظل الأمر على ما هو عليه حتى ظهور الأئمة الأربعة، وفيه جدت حوادث كثيرة للمسلمين لم يسبق لمن تقدمهم حكم عليها؛ لأنها لم تكن على عهدهم، فأخذ كل إمام ينظر إلى هذه الحوادث تحت ضوء القرآن والسنة، وجعل كل إمام لنفسه أصولاً يقوم عليها مذهبه وحكمه. ومع ذلك فقد كان قولهم جميعاً: إذا صح الحديث فهو رأيي، فهم جميعاً ينشدون الحق، ولا يجد أحدهم في نفسه حرجاً أن يرجع عن رأيه إلى ما يراه صواباً، حتى وإن كان هذا الصواب هو رأي أحد الأئمة الآخرين.

стр. 17

¬ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا سنة أسلافهم في البحث عن الحق والأخذ به وإن خالف رأيه، واتبعوا التقليد القائم على التعصب المذهبي، فنزلوا أقوال الأئمة منزلة النصوص الشرعية، وحصروا جهدهم في الإكثار من كتب المناقب، ينشرون ما كان عليه إمام المذهب من سعة العلم وقوة الحجة، والديانة وحسن الخلق، وتتبع مواضع الخلاف والتصنيف فيها، وإبطال مذهب المخالف وتفنيده، وجالوا في ميدان المناظرة، وتسابقوا في حلبة الجدل، وتراشقوا التهم، بحثاً عن الانتصار للمذهب، وبعيداً عن طلب الحق. ولكن مع هذا الغلو والتعصب المقيت وجد من العلماء المنصفين - وهم كُثر - من يبحث عن الحق، ويتبع الدليل وإن خالف رأيه ورأي شيخه. ومن خلال هاتين المرحلتين نشأ تفسير آيات الأحكام، وألفت فيه المؤلفات المختلفة، وتعددت مناهج المؤلفين فيه، ما بين مقل ومستكثر، وما بين متعصب ومنصف، وسأتناول أهم هذه المصنفات في المبحث التالي، مراعياً سنة وفاة المؤلف، ليعلم المتقدم من غيره. ثالثاً: أهم المصنفات في تفسير آيات الأحكام . ١.تفسير الخمسمائة آية من القرآن، مقاتل بن سليمان البلخي ت ١٥٠ هـ. (١) ٢. أحكام القرآن يحيى بن آدام القرشي المخزومي ت ٢٠٣ هـ. (٢) ٣.أحكام القرآن، محمد بن إدريس الشافعي ت ٢٠٤ هـ. (٣) ٤.أحكام القرآن، إبراهيم بن خالد الكلبي، أبو ثور ت ٢٤٠ هـ. (٤) ٥.أحكام القرآن، أحمد بن المعذل البصري ت ٢٤٠ هـ. (٥)

стр. 18

¬٦.إيجاب التمسك بأحكام القرآن، يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي المروزي ت ٢٤٢ هـ. (١) ٧.أحكام القرآن، علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي ت ٢٤٤ هـ. (٢) ٨.أحكام القرآن، حفص بن عمرو الدوري الأزدي ت ٢٤٦ هـ. (٣) ٩.أحكام القرآن، محمد بن عبد السلام سحنون بن سعيد التنوخي القيرواني ت ٢٥٦ هـ. (٤) ١٠.أحكام القرآن، محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ت ٢٦٨ هـ. (٥) ١١.أحكام القرآن، داود بن علي الظاهري ت ٢٧٠ هـ. (٦) ١٢.أحكام القرآن، القاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي ت ٢٨٢ هـ. (٧) ١٣.أحكام القرآن، يحيى بن منصور بن حسن السلمي أبو سعد الهروي الحنبلي ت ٢٩٢ هـ. (٨) ١٤.أحكام القرآن، محمد بن عبد الله بن بكير البغدادي ت ٣٠٥ هـ. (٩)

стр. 19

¬١٥.أحكام القرآن، علي بن موسى بن يزداد القُمي الحنفي ت ٣٠٥ هـ. (١) ١٦.أحكام القرآن، موسى بن عبد الرحمن بن حبيب، المعروف بالقطان ت ٣٠٦ هـ. (٢) ١٧.أحكام القرآن، أحمد بن محمد بن زياد الفارسي القيرواني ت ٣١٩ هـ. (٣) ١٨.أحكام القرآن، أحمد بن سلامة الطحاوي ت ٣٢١ هـ. (٤) ١٩.أحكام القرآن، عبد الله بن أحمد بن محمد المُغلس البغدادي ت ٣٢٤ هـ. (٥) ٢٠.أحكام القرآن، قاسم بن أصبغ القرطبي ت ٣٤٠ هـ. (٦) ٢١.أحكام القرآن، ابن آمنة الحجاري. (٧) ٢٢.مختصر أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق، اختصار بكر بن محمد بن العلاء القشيري ت ٣٤٤ هـ. (٨)

стр. 20

¬٢٣.أحكام القرآن. ٢٤.الإنباه عن الأحكام من كتاب الله، كلاهما للمنذر بن سعيد بن عبد الله البلوطي ت ٣٥٥ هـ. (١) ٢٥.أحكام القرآن، محمد بن القاسم بن شعبان بن الصقيل، المعروف بابن القرطي ت ٣٥٥ هـ. (٢) ٢٦.أحكام القرآن، أحمد بن علي الرازي، المعروف بالجصاص ت ٣٧٠ هـ. (٣) ٢٧.أحكام القرآن، عباد بن عباس بن عباد الطالقاني ت ٣٨٥ هـ. (٤) ٢٨.أحكام القرآن، محمد بن أحمد المعروف بابن الكواز كان حياً قبل ٣٧٥ هـ (٥) ٢٩.أحكام القرآن، محمد بن عبدالله بن خويز منداد توفي حدود ٣٩٠ هـ. (٦) ٣٠.أحكام القرآن، أحمد بن علي الربعي الباغائي ت ٤٠١ هـ. (٧) ٣١.مختصر أحكام القرآن. ٣٢.المأثور عن مالك في أحكام القرآن. ٣٣.ما أغفله القاضي منذر ووهم فيه في كتاب أحكام القرآن. ثلاثتها لمكي بن أبي طالب القيسي ت ٤٣٧ هـ. (٨) ٣٤.أحكام القرآن للشافعي جمع وترتيب أحمد بن الحسين البيهقي ت ٤٥٨ هـ. (٩) ٣٥.أحكام القرآن، محمد بن الحسين المشهور بالقاضي أبي يعلى ت ٤٥٨ هـ. (١٠)

стр. 21

¬٣٦.أحكام القرآن، علي بن محمد الطبري المعروف بالكيالهراسي ت ٥٠٤ هـ. (١) ٣٧.أحكام القرآن، محمد بن عبد الله الأندلسي، المعروف بابن العربي ت ٥٤٣ هـ. (٢) ٣٨.أحكام القرآن، عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن الفرس ت ٥٩٧ هـ. (٣) ٣٩.الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي ت ٦٧١ هـ. (٤) ٤٠.إحكام العنوان لأحكام القرآن، صلاح الدين أبو سعيد بن خليل العلائي ت ٦٧١ هـ. (٥) ٤١.التبيان في أحكام القرآن، ابن أبي الأحوص الحسن بن عبد العزيز بن محمد المالكي الأندلسي ت ٧٠٠ هـ. (٦) ٤٢.أحكام القرآن، إبراهيم بن محمد بن إسحاق أبو إسحاق برهان الدين القيسي السقاقُسي ت ٧٤٢ هـ. (٧)

стр. 22

¬٤٣.القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، أحمد بن يوسف، المعروف بالسمين الحلبي ت ٧٥٦ هـ. (١) ٤٤.تهذيب أحكام القرآن، محمود بن أحمد بن مسعود، المعروف بابن سراج القونوي ت ٧٧٠ هـ. (٢) ٤٥.رسالة في آيات الأحكام من القرآن الكريم، علي بن شهاب الدين حسن بن محمد الهمذاني الحسيني ت ٧٨٦ هـ. (٣) ٤٦.تيسير البيان لأحكام القرآن، جمال الدين محمد بن علي، المعروف بابن نور الدين الموزعي ت ٨٢٥ هـ. (٤) ٤٧.أحكام الكتاب المبين، علي بن عبد الله الشنفكي ت ٩٠٧ هـ. (٥) ٤٨.الإكليل في استنباط التنزيل، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت ٩١١ هـ. (٦) ٤٩.تفسير آيات الأحكام، محمد بن علي الفارسي الاستراباذي ت ١٠٢٨ هـ. (٧) ٥٠.أحكام القرآن، رحم علي الجعفري الفلواري ت ١١٢٩ هـ. (٨) ٥١.التفسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية، أحمد بن أبي سعيد بن عبد الله الحنفي ت ١١٣٠ هـ. (٩) ٥٢.نيل المرام من تفسير آيات الأحكام.

стр. 23

¬٥٣.آيات الأحكام الشرعية، كلاهما لمحمد بن صديق خان ت ١٣٠٧ هـ. (١) ٥٤.أحكام القرآن، إسماعيل جودت المصري ت ١٣١٥ هـ. (٢) ٥٥.الفتوحات الربانية في تفسير ما ورد في القرآن من الأوامر والنواهي الإلهية، محمد بك عبد العزيز الحكيم ت ١٣٥٠ هـ. (٣) ٥٦.الآيات المحكمات في التوحيد والعبادات والمعاملات، محمد بن أحمد الملقب بـ: الداه الشنقيطي. (٤) ٥٧.تفسير آيات الأحكام، محمد علي السايس ت ١٣٩٦ هـ. (٥) ٥٨.تفسير آيات الأحكام، مناع خليل القطان ت ١٤٢١ هـ. (٦) ٥٩.روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن، محمد علي الصابوني. (٧) ٦٠.الشامل في تفسير آيات الأحكام، منصور أبو المعاطي الجوهري. (٨) ٦١.المصطفى من تفسير آيات الأحكام، د. فريد مصطفى سلمان. (٩) ٦٢.آيات الأحكام في المغني لابن قدامة المقدسي. (١٠) ٦٣.تفسير آيات الأحكام في سورة النساء والمائدة، د. سليمان بن إبراهيم اللاحم. (١١) وهناك مؤلفات أخرى في تفاسير آيات الأحكام آثرت هنا الاقتصار على أبرزها.

стр. 24

¬ القسم الأول: دراسة عن المؤلف والكتاب، وفيه فصلان: الفصل الأول: عصر المؤلف وحياته، وفيه مبحثان: المبحث الأول: عصره، وأثره عليه، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الحالة السياسية المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية المطلب الثالث: الحالة العلمية المبحث الثاني: حياته، وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه المطلب الثاني: مولده ونشأته المطلب الثالث: مكانته وثناء العلماء عليه المطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه المطلب الخامس: مصنفاته المطلب السادس: عقيدته المطلب السابع: مذهبه الفقهي المطلب الثامن: وفاته

стр. 25

¬ المبحث الأول: عصره، وأثره عليه، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الحالة السياسية المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية المطلب الثالث: الحالة العلمية من المناسب الحديث بإيجاز عن عصر المؤلف من خلال بيان الحالة السياسية، والاجتماعية، والعلمية؛ لمعرفة تلك الأحوال التي نشأ فيها المؤلف، ومدى تأثره بها سلباً أو إيجاباً.

стр. 26

¬ المطلب الأول: الحالة السياسية: عاش القاضي أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجريين، وبالتحديد من سنة ٢٦٣ هـ إلى ٣٤٤ هـ. فهو قد عاش في العصر العباسي الثاني، وقد كان بداية هذا العصر بداية عهد الضعف الذي أصاب الأمة الإسلامية، ويعتبر عهد الخليفة المتوكل (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ) هو بداية هذا العصر الثاني من العصر العباسي. ولعل من أبرز أسباب هذا الضعف في هذا العصر: اعتماد الدولة العباسية على الفرس أولاً ثم على الأتراك، وإيثارهم إياهم بالمناصب المدنية والعسكرية على العرب، وقد كان من ثمرات هذا الأمر خروج السيطرة عن الخليفة، حيث أصبحت مقاليد الحكم بأيدي الأتراك من خلال سيطرتهم العسكرية على مركز الخلافة، وبقي الخليفة اسماً أو صورة في قصره. وبهذا الضعف أخذت الأقطار الإسلامية تستقل عن بغداد شيئاً فشيئاً، فصارت عبارة عن دول متعددة مستقلة، لكل دولة مالها وجندها وإدارتها وأميرها، واشتغل كل واحد منهم بقتال الآخر، وشغلوا عن قنال عدوهم، فتفشت الفوضى، وانتشرت الفتن والثورات الداخلية، وطمع الأعداء من الخارج في الدولة الإسلامية فأخذوا يغيرون عليها من وقت لآخر. (١)

стр. 27

¬ولعل من أبرز تلك الثورات الداخلية: ثورة الزنج، والتي شغلت الدولة أربع عشرة سنة، لم تضع فيها الحرب أوزارها (٢٥٥ - ٢٧٠ هـ) وكانت بقيادة محمد بن علي، الذي زعم أنه متصل النسب بزيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ولم تهدأ هذه الثورة إلا بمقتل زعيمهم سنة ٢٧٠ هـ، بعد أن عاثوا في الأرض فساداً، فقتلوا وأخافوا، وأحرقوا المساجد، وانتهكوا الحرمات. (١) وما كادت نار هذه الثورة تنطفئ حتى قامت ثورة أخرى وهي ثورة الإسماعلية والقرامطة، وكلها كانت من الحركات الباطنية التي ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها الإلحاد وهدم الإسلام، وقد استمرت هذه الثورة أكثر من أربعين سنة (٢٧٨ - ٣٣٢ هـ)، سامو المسلمين فيها سوء العذاب، فقتلوا الرجال والنساء، وتعرضوا لحجاج بيت الله الحرام وقطعوا عليهم السبل، واشتد خطرهم وإفسادهم سنة ٣١٧ هـ عندما دخلوا مكة وقتلوا من الحجاج ما يزيد على عشرة آلاف، وقُلع باب الكعبة، واقتلع الحجر الأسود، وأخذ معهم إلى هجر، واستمرت هذه الثورة حتى مات زعيمهم سنة ٣٣٢ هـ. (٢) هذا هو الحال العالم الإسلامي بصورة عامة، وإذا نظرنا إلى الحالة السياسية في مصر، وهي البلد الثاني الذي استقر به المؤلف، حيث نزل مصر قبل سنة ٣٣٠ هـ حتى مات فيها (٣). فإنها لم تكن ببعيدة عن هذه الأحداث، إلا أنها أفضل حالاً في العموم، وذلك راجع إلى قوة من حكمها ذلك الوقت من الدولة الطولونية والإخشيدية.

стр. 28

¬حيث حكمها أحمد بن طولون (٢٥٥ - ٢٧٠ هـ) واستمر حكم هذه الدولة بعد موت مؤسسها إلى عام ٢٩٢ هـ حيث رجعت ولاية تابعة لمركز الخلافة العباسية. (١) ثم رجعت الأمور إلى ما كانت عليه من الاضطراب والفتن، بل اشتد الأمر، حيث كانت مصر تتعرض لهجمات الفاطميين المغاربة. واستمر الأمر على هذه الحال حتى استقر الأمر مرة أخرى في مصر على يد محمد بن طغج الأخشيد، مؤسس الدولة الإخشيدية، حيث رجع الاستقرار على ما كان في الدولة الطولونية، وقد امتد حكم الدولة الإخشيدية من (٣٢٣ - ٣٥٨ هـ). (٢) وقد كان للمؤلف ارتباط بالمؤسسة السياسية في العراق، حيث ولي القضاء ببعض نواحي العراق. (٣)، ولعل هذا الارتباط لم يدم طويلاً حيث خرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل سنة ٣٣٠ هـ، وأدرك فيها رئاسة عظيمة. (٤) ولم تذكر لنا المصادر التاريخية ما هذا الأمر الذي اضطره للخروج من العراق، ولكن لعل السبب يرجع إلى تلك الاضطرابات السياسية والدينية في العراق، فنزل مصر في عهد الدولة الإخشيدية حيث الاستقرار، ولم تبين لنا أيضاً تلك المصادر ما تلك الرئاسة العظيمة التي أدركها في مصر، ولعلها الرئاسة في الدين والعلم. المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية: سبق في الحديث عن الحالة السياسية أن ذلك العصر شهد كثيراً من الاضطرابات والفتن التي كان لها الأثر الواضح على حالة الناس الاجتماعية. وقد تنوعت طبقات المجتمع من ناحية الجنس، والدين، والاقتصاد. فمن ناحية الجنس والعرق كان المجتمع يتكون من عدة عناصر من: العرب، والفرس، والترك، والمغاربة.

стр. 29

¬ومن ناحية الدين كان هناك بجانب الدين الإسلامي الذي هو الأصل ديانات أخرى، كاليهودية والنصرانية والمجوس. ومن ناحية الطوائف كان هناك: السنة، والشيعة، والخوارج، والمعتزلة. ومن ناحية الاقتصاد فقد انقسم الشعب إلى ثلاث طبقات: طبقة عليا، وتشتمل على الخلفاء، والوزراء، والقواد، والأمراء، وكبار رجال الدولة، ورؤوس التجار، وكانت هذه الطبقة تغرق في النعيم بشتى أنواعه وأصنافه. طبقة وسطى: وتشتمل على رجال الجيش، وموظفي الدواوين، والقضاة، والتجار، والصناع، ويدخل تحت هذه الطبقة: العلماء، والشعراء، والمغنون، وهذه الطبقة أقل حالاً من الطبقة العليا، لكنها أفضل حالاً بالنسبة للطبقة الدنيا، والتي تمثل طبقة العامة من الزراع، وأصحاب الحرف، والخدم، والرقيق. (١) وقد صورت لنا كتب التاريخ تلك الحالة التي كان عليها رجال الطبقة العليا، ووصفت وصفاً دقيقاً قصورهم وكيف تم بناؤها، وما فيها من الزينة، ووسائل الراحة، وعدد من كان فيها من الخدم والجواري، وما كان عليه الخلفاء في ذلك الوقت من الترف والنعيم، وكيف كانت مجالسهم تملأ بالشعراء والمغنين، وما انغمسوا فيه من اللهو، وشرب الخمر، والرقص، والغناء.

стр. 30

¬وهنا لا بد من بيان أمرين، الأول: أن هناك من يصور هذه الأمور على أنها من حضارة العالم الإسلامي، والحقيقة أنها من أسباب ضعفه وانحطاطه، يقول الأستاذ / محمود شاكر: وبرز هؤلاء اللاهون في المجتمع لنعيمهم أو شقائهم الذي هم فيه حتى أعطوا العصر سمتهم فأُضيفت هذه الرفاهية - نتيجة الجهل - إلى نتاج ما سبق من حضارة، وظُن أنه جزء من نتاجها وثمارها، والواقع أنه كان الترف والبطر، وكان الفساد، وكانت النتيجة الضياع والانهيار، لا للحضارة التي ظهرت من قبل فحسب وإنما للأمة جميعاً، إذ من أخذ نعم الله وأداها حقها كانت له خيراً وكانت حضارة، ومن بذل ذلك في سبيل هواه كانت النعمة نقمة، وكانت العاقبة شراً، ليس عليه فقط وإنما على أفراد الأمة جميعاً الذين لم يأخذوا على يده. (١) والأمر الثاني: أن هناك مبالغة في تصوير وضع الترف والانغماس في الشهوات، مع الاعتراف بوجود بعض صوره، ولكن لا يزال الناس بخير، ولا يزال فيهم من يقوم بأمر الله من الأمراء والعلماء، يقول الأستاذ / محمود شاكر: وما يبالغ فيه من كثرة الجواري وفساد القصور فهذا أمر مبالغ فيه كثيراً، أجرى أعداؤهم فيه ألسنتهم وأقلامهم حتى أصبح بهذه الصورة التي تمقتها النفس. (٢) ولا بد من الإشارة إلى أن المؤلف كانت له مواقف تشهد في إصلاح الناحية الاجتماعية، وخاصة ما يتعلق بالطوائف الإسلامية المنتشرة في ذلك الوقت، كالشيعة، والخوارج، والقدرية، فقد بدأ كتابه بالثناء على سلف هذه الأمة، وبيان جهل من انتقصهم، وبيان الخوارج وحكمهم. (٣)

стр. 31

¬ المطلب الثالث: الحالة العلمية: يعتبر هذا العصر من أزهى عصور الثقافة الإسلامية بشتى أصنافها ومجالاتها، حيث انتشرت حركة التأليف، والتدريس، والرحلة في طلب العلم. وقد كان لهذا الانتشار والازدهار - مع تلك الظروف السياسية غير المستقرة - أسباب عدة، يمكن إجمال أهمها فيما يلي: ١ - استقلال بعض الأقطار عن مركز الخلافة في بغداد، فأصبح كل قطر مركزاً لحركة علمية وأدبية، وأصبح الأمراء يتنافسون في تقريب العلماء، وتشجعيهم على التأليف، والمساهمة في نشر الثقافة الإسلامية. ٢ - ظهور تلك الفرق الإسلامية والتي اتخذت الثقافة والعلم وسيلة لتحقيق مآربها السياسية، حيث كان للجدل الذي قام بين هذه الفرق وأهل السنة والجماعة أثر في هذه النهضة العلمية. ٣ - المناظرات التي كانت تعقد في المساجد وقصور الأمراء سواء بين الفرق الإسلامية المختلفة، أو المذاهب الفقهية المعروفة، كان لها الأثر الواضح في ازدهار الحركة العلمية. ٤ - الترجمة، وما نقل من ذخائر الأمم المختلفة من اليونان، والفرس، والهند إلى اللغة العربية، كان مؤثراً في انتشار الثقافة. ٥ - كثرة دور الوراقين، واهتمام الناس باقتناء الكتب وشرائها. (١) هذا الازدهار للثقافة العربية ليس محصوراً في فن معين، بل كان في كل الفنون والعلوم، ابتداء بالعلوم الشريعة بكافة تخصصاتها، وعلوم اللغة العربية، والعلوم التطبيقية، والعلوم الإنسانية.

стр. 32

¬ولذلك نجد أن العالم الإسلامي قد برز فيه جمع من العلماء الأفذاذ الذين شاركوا بقوة في دعم الحركة العلمية، من خلال التأليف، والتدريس، نذكر جملة منهم على سبيل التمثيل لا الحصر: أبو معشر البلخي الفلكي المشهور المتوفى ٢٧٢ هـ، ابن ماجة صاحب السنن والتفسير المتوفى ٢٧٣ هـ، وأبو داود صاحب السنن المتوفى ٢٧٥ هـ، والترمذي صاحب السنن المتوفى ٢٧٩، والمبرد اللغوي المشهور المتوفى ٢٨٥ هـ، والنسائي صاحب السنن المتوفى ٣٠٣ هـ، ابن جرير الطبري المفسر والمؤرخ المتوفى ٣١٠ هـ، والزجاج صاحب معاني القرآن المتوفى ٣١١ هـ، وابن خزيمة صاحب الصحيح المتوفى ٣١١ هـ، وابن المنذر الفقيه المفسر المتوفى ٣١٨ هـ، وأبو بكر محمد بن زكريا طبيب المسلمين في ذلك العصر المتوفى حوالي سنة ٣٢٠ هـ، وأبو جعفر الطحاوي الفقيه الحنفي صاحب أحكام القرآن المتوفى ٣٢١ هـ، وأبو بكر بن مجاهد شيخ المقرئين ومسبع السبعة المتوفى ٣٢٤ هـ، وأبو بكر الأنباري اللغوي المتوفى ٣٢٧ هـ، وابن أبي حاتم صاحب التفسير والعلل المتوفى ٣٢٧ هـ، وأبو جعفر النحاس صاحب المعاني والناسخ والمنسوخ وإعراب القرآن المتوفى ٣٣٨ هـ، وأبو بكر الأدفوي المفسر المتوفى ٣٨٨ هـ، وغيرهم الكثير. ولعل البلد الثاني الذي نزل به المؤلف وهو مصر كان له مزية من ناحية جمعه بين الحركة العلمية والاستقرار السياسي، وخاصة في عهد الإخشيدين، حيث كانت المساجد تكتظ بطلاب العلم، ومن أبرز تلك المساجد: جامع ابن طولون، وجامع عمرو بن العاص، والأزهر. (١)

стр. 33

¬ومن المناسب ونحن نتحدث عن الحالة العلمية في ذلك العصر أن نتحدث عن بيئة خاصة نشأ فيها المؤلف، وتأثر بمنهجها، وكان أحد روادها، تلكم هي المدرسة المالكية البغدادية، وسيكون الحديث عنها موجزاً من حيث روادها، ومنهجها. (١) لقد كانت هناك عدة عوامل ساعدت على تكوين وظهور مدارس فقهية داخل المذهب المالكي، ومنها: الأول: منهج الإمام مالك الاستنباطي وأصوله التي بنى عليها مذهبه، حيث استدل بنوعين من السنة: السنة المرفوعة، والسنة الأثرية من أقوال الصحابة وفتاويهم، وعمل أهل المدينة وعرفهم. العامل الثاني: التخصص المزدوج لإمام المذهب، حيث جمع بين الفقه والحديث، وهذان التخصصان وإن كانا مرتبطين إلا أن تأثير كل واحد منهما منفرداً ظهر بشكل واضح على بعض تلاميذه دون الآخر. العامل الثالث: البيئة العلمية، فقد ساعدت البيئة العلمية الفقهية في العراق على نشوء منهج مختلف عن منهج من يرى تقديم الأحاديث الصحيحة على العمل، ومنهج من يرى الاعتماد على الأحاديث التي أيدها العمل، ذلكم المنهج المختلف نشأ متأثراً بمنهج أهل الرأي، الذي كان سائداً في العراق، وهو منهج الاحتجاج، والرد على المخالف. العامل الرابع: مراجعة الإمام مالك لآرائه الفقهية وتنقيحه لها بصورة مستمرة، جعلت روايات أصحابه وسماعاتهم عنه تختلف، ومن ثم اختلف تكوينهم الفقهي.

стр. 34

¬وهذه المدارس هي: المدرسة المدنية، المدرسة العراقية، المدرسة المصرية، المدرسة الإفريقية القيروانية، المدرسة الأندلسية. (١) دخل المذهب المالكي إلى العراق عن طريق جماعة من أصحاب مالك، منهم: سليمان بن بلال (ت ١٧٦ هـ)، عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ)، عبد الله بن مسلمة العقعنبي (ت ٢٢١ هـ)، محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ)، يحيى بن يحيى بن بكير (ت ٢٢٦ هـ)، قتيبة بن سعيد الخراساني (ت ٢٤٠ هـ)، هارون بن عبد الله الزهري (ت ٢٣٢ هـ). ثم أتى بعد هؤلاء من درسوا على كبار أصحاب مالك، وعلى رأسهم: أحمد بن المعذل (لم تعرف سنة وفاته)، يعقوب بن إسماعيل بن حماد الأزدي (ت ٢٤٦ هـ)، يعقوب بن شيبة بن أبي الصلت (ت ٢٦٢ هـ). ثم بدأ بعد ذلك بدأ العصر الذهبي لهذه المدرسة على يد مؤسسها الفعلي: القاضي إسماعيل ابن إسحاق الجهضمي (ت ٢٨٢ هـ). ومن أهم روادها بعد هؤلاء: محمد بن أحمد بن سهل البركاني (ت ٣١٩ هـ)، محمد بن أحمد بن بكير (ت ٣٠٥ هـ)، أبو بكر محمد بن الجهم (ت ٣٢٩ هـ)، بكر بن محمد بن العلاء القشيري (ت ٣٤٤ هـ)، أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري (ت ٣٧٥ هـ)، أبو القاسم بن الجلاب (ت ٣٧٨ هـ)، أبو الحسن علي بن عمر القصار (ت ٣٩٨ هـ)، القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر التغلبي (ت ٤٢٢ هـ)، ثم بدأ المذهب المالكي مرحلة الضعف في العراق بعد رحيل القاضي عبد الوهاب، حتى انقطع واندثر. (٢)

стр. 35

¬وقد تميزت هذه المدرسة بعدة مزايا منها: التأصيل، حيث كان اهتمام علماء هذه المدرسة منصباً على تأصيل الأصول وتقعيد القواعد، وكان هذا قائماً أولاً على ما لديهم من تصريحات الإمام بأصوله وقواعد مذهبه، وقائماً ثانياً على دراسة فتاويه وأقواله، والحث عن أدلتها ومصادرها التي يظن أنها استقيت منها، ثم مقارنتها وتنظيرها، ثم استخلاص قاعدة عامة يقع تقريرها بأنها أصل من أصول المذهب. وهناك جانب آخر في التأصيل وهو الاستدلال للمسائل الفقهية، سواء التي أفتى بها الإمام، أو التي خرجوها على ما أفتى به، أو استنبطوها من أصوله، وهذا الاستدلال قائم على بيان أدلتها، وتعليل أحكامها. (١) الخلاف والجدل: فقد كانت بغداد موطناً لمذاهب فقهية متنافسة، كالمذهب الحنفي، والشافعي، والحنبلي، والظاهري، والمالكي. هذا التعدد في المذاهب الفقهية، والتأثر بالبيئة العلمية في بغداد القائم على الرأي كان له الأثر الواضح في كون الخلاف والجدل من مميزات المدرسة المالكية العراقية، حيث كان علماء كل مذهب يسعون لنشر مذهبهم، وبيان صحة أصولهم وأقوالهم، فكان للمالكية دور بارز في هذا المضمار، حيث كانت مؤلفاتهم مطبوعة بهذا المنهج، القائم على المقارنة والنقض والاستدلال، ولعل ذلك يلحظ من خلال مؤلفات علماء تلك المدرسة، وانتشار كتب الرد على المخالفين، فمن ذلك على سبيل المثال: كتاب الرد على محمد بن الحسن، والرد على الشافعي، والرد على أبي حنيفة، للقاضي إسماعيل بن إسحاق (٢)، كما ألف القاضي بكر بن العلاء: كتاب الرد على المزني، وكتاب الأشربة في نقض كتاب الأشربة للطحاوي. (٣) إذاً فقد تميزت هذه المدرسة بميلها إلى التحليل المنطقي للصور الفقهية، والاستدلال الأصولي، وذلك بإفراد المسائل، وتحرير الدلائل على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصول. (٤)

стр. 36

¬ المبحث الثاني: حياته، وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه المطلب الثاني: مولده ونشأته المطلب الثالث: مكانته وثناء العلماء عليه المطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه المطلب الخامس: مصنفاته المطلب السادس: عقيدته المطلب السابع: مذهبه الفقهي المطلب الثامن: وفاته

стр. 37

¬ المطلب الأول: اسمه ونسبه (١) اتفقت جميع مصادر ترجمته على أن: اسمه بكر، وأن كنيته: أبو الفضل، وأن نسبته القشيري. واختلف في بعض نسبه، فقال ابن حزم هو: بكر بن محمد بن العلاء بن يحيى بن زياد بن الوليد بن الجهم بن مالك بن ضمرة بن عروة بن شنوءة بن سلمة الخير بن قشير القاضي المالكي. (٢) وقال القاضي عياض هو: بكر بن محمد بن العلاء بن محمد بن زياد بن الوليد بن الجهم بن مالك بن ضمرة بن عروة بن شنوءة بن سلمة الخير بن بشير بن كعب القشيري. (٣) والقُشيري - بضم القاف وفتح الشين وسكون الياء - قبيلة كبيرة، تنسب إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس عيلان بن مضر. (٤) قلت: فعليه يكون ما ذكره القاضي عياض في نسبه من أنه: (سلمة الخير بن بشير) تصحيف، والصواب (سلمة الخير بن قشير بن كعب).

стр. 38

¬وأما ما ذكر من أنه (ابن العلاء بن محمد) أو (ابن العلاء بن يحيى) فلم يتبين لي الصواب في ذلك، وقد ذكر أنه ابن العلاء بن محمد: ابن فرحون (١)، والداودي (٢)، والشيخ محمد مخلوف (٣)، وأظنهم أخذوا ذلك من القاضي عياض. وقد اشتهر تسميته بـ (بكر بن العلاء القشيري) كما عنون عن ترجمته القاضي عياض، وابن فرحون، محمد مخلوف، وكما يرد اسمه في كتب أهل العلم. وقد يكون هذا من باب نسبة الرجل إلى جده، وهذا كثير عند أهل العلم، وقد يكون من باب تمييزه عن غيره، فبكر بن محمد كثير. هذا ما يتعلق بنسبه من جهة أبيه، وأما أمه فقد حكى - عن القاضي بكر - ابن عيشون الطليطلي أن أمه من ولد عمران بن حصين صاحب رسول الله ﷺ . (٤) المطلب الثاني: مولده ونشأته لم تبين مصادر ترجمته متى ولد، ولا أين ولد، ولا كيف كانت نشأته، ولكن يمكن استنتاج ذلك مما ذكروه في ترجمته ضمناً. فقد ذكر أنه توفي في ربيع الأول سنة ٣٤٤ هـ، وأنه قد جاوز الثمانين سنة بأشهر. (٥) مما يدل على أنه ولد سنة ٢٦٣ هـ. وأما مكان ولادته فهو البصرة، حيث إن من ذكره يقول: البصري (٦)، بل قد نص القاضي عياض على أنه من أهل البصرة، ونقل عن الفرغاني قوله: أوله من البصرة، وخرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة. (٧) فهذا يدل على أنه ولد في البصرة، وأنه نشأ بها وترعرع، وقضى معظم حياته فيها.

стр. 39

¬وأما نشأته فالذي يظهر أنه قد نشأ من صغره في طلب العلم، والجلوس إلى العلماء، والأخذ عنهم، ويدل على هذا أنه حدث في مقتبل عمره، حيث حدث عن القاضي إسماعيل (ت ٢٨٢ هـ)، وسمع من زياد بن الخليل التستري (ت ٢٩٠ هـ)، وأبي مسلم الكجي (ت ٢٩٢ هـ). المطلب الثالث: مكانته العلمية يعد القاضي بكر بن العلاء من الأعلام البارزين الذين تبؤوا مكانة عالية في العلم، ومما يؤكد هذا: ١. كونه أحد فقهاء المدرسة المالكية العراقية، الذين أسهموا في نشأتها، وحفظ تراثها من خلال ما صنفه من مصنفات، حيث أورد في كتبه كثيراً من تراث تلك المدرسة، وكان له مساهمة في نشر تراث تلك المدرسة خارج العراق، فقد جلس للتدريس في مصر بعد انتقاله إليها، كما حدث بكتابه هذا فيها، فكان حلقة وصل بين المدرسة المالكية العراقية وغيرها من المدارس. ٢. تنوع التصنيف عنده، حيث ألف في علوم شتى، ومجالات مختلفة، مما يدل على سعة علمه واطلاعه. ٣. تنوع مصادر التلقي عنده، فسمع الفقه من كبار أئمة المالكية في وقته، حيث سمع من القاضي إسماعيل، وكبار أصحاب القاضي إسماعيل، وسمع الحديث من أئمة كبار، يقول الدكتور محمد العلمي: وكما كانت للقشيري تلمذة فقهية كان أيضاً متردداً على حلقات المحدثين، وآخذاً عن أئمتها، نقاداً، وحفاظاً، ومصنفين، فكان هذا التكوين السبب الطبيعي لتبريز الرجل في الفقه والحديث والأصول. (١) ٤. كثرة من حدث عنه، يقول القاضي عياض: حدث عنه من لا ينعد من المصريين والأندلسيين والقرويين وغيرهم. (٢) ٥. شهادة أهل العلم بعلو مكانته، يقول الفرغاني: كان بكر من كبار الفقهاء المالكيين بمصر، وتقلد أعمالاً للقضاة، وكان راوية للحديث عالماً به. (٣)

стр. 40

¬ويقول القرطبي عند ترجيحه لمعنى من المعاني في تفسير آية من سورة الأحزاب: قال علماؤنا رحمة الله عليهم وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. (١) ويقول الذهبي: بكر بن محمد بن العلاء العلامة أبو الفضل القشيري البصري المالكي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع. (٢) ويقول الشيخ محمد مخلوف: الإمام الفقيه النظار المحدث الراوية. (٣) المطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه لقد كان العصر الذي عاش فيه القاضي بكر من العصور الزاهية في العلم، وبوجوده في العراق حاضرة العالم الإسلامي في ذلك الوقت، ثم انتقاله بعد ذلك إلى مصر وهي مركز آخر من مراكز العلم والحضارة، كل ذلك ساعد على كثرة شيوخه وتلاميذه، وسأتحدث عن شيوخه الذين حدث عنهم في كتابه - في القسم المحقق عندي -، والذين ذكرت كتب التراجم أنه أخذ عنهم - ممن استطعت الوقوف على ترجمته -.
следующие страницы →