← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

¬ المبحث الثاني: حياته، وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه المطلب الثاني: مولده ونشأته المطلب الثالث: مكانته وثناء العلماء عليه المطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه المطلب الخامس: مصنفاته المطلب السادس: عقيدته المطلب السابع: مذهبه الفقهي المطلب الثامن: وفاته

стр. 37

¬ المطلب الأول: اسمه ونسبه (١) اتفقت جميع مصادر ترجمته على أن: اسمه بكر، وأن كنيته: أبو الفضل، وأن نسبته القشيري. واختلف في بعض نسبه، فقال ابن حزم هو: بكر بن محمد بن العلاء بن يحيى بن زياد بن الوليد بن الجهم بن مالك بن ضمرة بن عروة بن شنوءة بن سلمة الخير بن قشير القاضي المالكي. (٢) وقال القاضي عياض هو: بكر بن محمد بن العلاء بن محمد بن زياد بن الوليد بن الجهم بن مالك بن ضمرة بن عروة بن شنوءة بن سلمة الخير بن بشير بن كعب القشيري. (٣) والقُشيري - بضم القاف وفتح الشين وسكون الياء - قبيلة كبيرة، تنسب إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس عيلان بن مضر. (٤) قلت: فعليه يكون ما ذكره القاضي عياض في نسبه من أنه: (سلمة الخير بن بشير) تصحيف، والصواب (سلمة الخير بن قشير بن كعب).

стр. 38

¬وأما ما ذكر من أنه (ابن العلاء بن محمد) أو (ابن العلاء بن يحيى) فلم يتبين لي الصواب في ذلك، وقد ذكر أنه ابن العلاء بن محمد: ابن فرحون (١)، والداودي (٢)، والشيخ محمد مخلوف (٣)، وأظنهم أخذوا ذلك من القاضي عياض. وقد اشتهر تسميته بـ (بكر بن العلاء القشيري) كما عنون عن ترجمته القاضي عياض، وابن فرحون، محمد مخلوف، وكما يرد اسمه في كتب أهل العلم. وقد يكون هذا من باب نسبة الرجل إلى جده، وهذا كثير عند أهل العلم، وقد يكون من باب تمييزه عن غيره، فبكر بن محمد كثير. هذا ما يتعلق بنسبه من جهة أبيه، وأما أمه فقد حكى - عن القاضي بكر - ابن عيشون الطليطلي أن أمه من ولد عمران بن حصين صاحب رسول الله ﷺ . (٤) المطلب الثاني: مولده ونشأته لم تبين مصادر ترجمته متى ولد، ولا أين ولد، ولا كيف كانت نشأته، ولكن يمكن استنتاج ذلك مما ذكروه في ترجمته ضمناً. فقد ذكر أنه توفي في ربيع الأول سنة ٣٤٤ هـ، وأنه قد جاوز الثمانين سنة بأشهر. (٥) مما يدل على أنه ولد سنة ٢٦٣ هـ. وأما مكان ولادته فهو البصرة، حيث إن من ذكره يقول: البصري (٦)، بل قد نص القاضي عياض على أنه من أهل البصرة، ونقل عن الفرغاني قوله: أوله من البصرة، وخرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة. (٧) فهذا يدل على أنه ولد في البصرة، وأنه نشأ بها وترعرع، وقضى معظم حياته فيها.

стр. 39

¬وأما نشأته فالذي يظهر أنه قد نشأ من صغره في طلب العلم، والجلوس إلى العلماء، والأخذ عنهم، ويدل على هذا أنه حدث في مقتبل عمره، حيث حدث عن القاضي إسماعيل (ت ٢٨٢ هـ)، وسمع من زياد بن الخليل التستري (ت ٢٩٠ هـ)، وأبي مسلم الكجي (ت ٢٩٢ هـ). المطلب الثالث: مكانته العلمية يعد القاضي بكر بن العلاء من الأعلام البارزين الذين تبؤوا مكانة عالية في العلم، ومما يؤكد هذا: ١. كونه أحد فقهاء المدرسة المالكية العراقية، الذين أسهموا في نشأتها، وحفظ تراثها من خلال ما صنفه من مصنفات، حيث أورد في كتبه كثيراً من تراث تلك المدرسة، وكان له مساهمة في نشر تراث تلك المدرسة خارج العراق، فقد جلس للتدريس في مصر بعد انتقاله إليها، كما حدث بكتابه هذا فيها، فكان حلقة وصل بين المدرسة المالكية العراقية وغيرها من المدارس. ٢. تنوع التصنيف عنده، حيث ألف في علوم شتى، ومجالات مختلفة، مما يدل على سعة علمه واطلاعه. ٣. تنوع مصادر التلقي عنده، فسمع الفقه من كبار أئمة المالكية في وقته، حيث سمع من القاضي إسماعيل، وكبار أصحاب القاضي إسماعيل، وسمع الحديث من أئمة كبار، يقول الدكتور محمد العلمي: وكما كانت للقشيري تلمذة فقهية كان أيضاً متردداً على حلقات المحدثين، وآخذاً عن أئمتها، نقاداً، وحفاظاً، ومصنفين، فكان هذا التكوين السبب الطبيعي لتبريز الرجل في الفقه والحديث والأصول. (١) ٤. كثرة من حدث عنه، يقول القاضي عياض: حدث عنه من لا ينعد من المصريين والأندلسيين والقرويين وغيرهم. (٢) ٥. شهادة أهل العلم بعلو مكانته، يقول الفرغاني: كان بكر من كبار الفقهاء المالكيين بمصر، وتقلد أعمالاً للقضاة، وكان راوية للحديث عالماً به. (٣)

стр. 40

¬ويقول القرطبي عند ترجيحه لمعنى من المعاني في تفسير آية من سورة الأحزاب: قال علماؤنا رحمة الله عليهم وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. (١) ويقول الذهبي: بكر بن محمد بن العلاء العلامة أبو الفضل القشيري البصري المالكي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع. (٢) ويقول الشيخ محمد مخلوف: الإمام الفقيه النظار المحدث الراوية. (٣) المطلب الرابع: شيوخه وتلاميذه لقد كان العصر الذي عاش فيه القاضي بكر من العصور الزاهية في العلم، وبوجوده في العراق حاضرة العالم الإسلامي في ذلك الوقت، ثم انتقاله بعد ذلك إلى مصر وهي مركز آخر من مراكز العلم والحضارة، كل ذلك ساعد على كثرة شيوخه وتلاميذه، وسأتحدث عن شيوخه الذين حدث عنهم في كتابه - في القسم المحقق عندي -، والذين ذكرت كتب التراجم أنه أخذ عنهم - ممن استطعت الوقوف على ترجمته -.

стр. 41

¬ أولاً: شيوخه - الذين حدث عنهم في القسم المحقق عندي -. ١. إبراهيم بن حماد بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم، أبو إسحاق الأزدي، مولى آل جرير بن حازم، تفقه بعمه القاضي إسماعيل بن إسحاق، وروى عن أبيه حماد، وجعفر الفريابي، وعنه: أبو بكر الأبهري، وابن الجهم، وأبو عبد الله التستري، إمام ثبت ثقة، ولد سنة ٢٤٢ هـ وتوفي ٣٢٣ هـ. (١) وقد ذكر القاضي عياض وغيره أن القاضي بكر سمع منه. (٢) وقد روى المؤلف القاضي بكر في كتابه هذا حديثاً عنه. (٣) ٢. إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز بن المهاجر، أبو مسلم البصري، المعروف بالكجي وبالكشي، صاحب السنن، سمع: محمد بن عبد الله الأنصاري، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبي، وعنه: أبو القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وثقه الدارقطني وغيره، قيل كان مولده سنة ٢٠٠ هـ وتوفي سنة ٢٩٢ هـ، سمي بالكجي نسبة إلى الكَجّ وهو الجص، وقيل الكشي نسبة إلى جده الأعلى كش. (٤) وقد ذكر الذهبي أن القاضي بكر سمع منه. (٥) وقد روى عنه المؤلف حديثاً واحداً. (٦) ٣. إبراهيم بن فهد بن حكيم البصري، عن قرة بن حبيب وغيره، قال ابن عدي: سائر أحاديثه مناكير، وهو مظلم الأمر، وقال البردعي: ما رأيت أكذب منه، قيل توفي سنة ٢٧٥ هـ، وقيل ٢٨٢ هـ. (٧) وقد روى المؤلف عنه حديثاً واحداً. (٨)

стр. 42

¬٤. أحمد بن عبيد الله بن يوسف، أبو العباس الجُبيري، حدث عن: أحمد بن الأسود بن الهيثم، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، حدث عنه: الطبراني، وأبو بكر الإسماعيلي، وثقه الدارقطني. (١) وقد روى عنه المؤلف حديثاً واحداً. (٢) ٥. أحمد بن موسى. روى عنه المؤلف حديثين عنه عن القعنبي عن مالك. (٣) وقد ذكر الذهبي أن بكر بن العلاء سمع الموطأ من أحمد بن موسى السامي، (٤) وسماه الذهبي في موضع آخر فقال: سمع موطأ القعنبي من أحمد بن موسى السامري. (٥) قلت: قلت وقد سماه المؤلف في موضع فقال: أخبرنا أحمد بن موسى السامي عن القعنبي عن مالك (٦). وقد روى ابن عبد البر من طريق بكر بن العلاء قال: حدثنا أحمد بن موسى الشامي - بالشين المعجمة - حدثنا القعنبي عن مالك. (٧) قلت: ولم أجد له ترجمة، وقد وقفت أن لأبي القاسم الطبراني (٢٦٠ - ٣٦٠ هـ) شيخ يقال له: أحمد بن موسى الشامي البصري، روى عنه في الأوسط (٨)، والكبير (٩)، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه أحمد بن موسى الشامي، ولم أعرفه. (١٠) قلت: فلعله هو: أحمد بن موسى الذي يحدث عنه المؤلف في كتابه هذا. ٦. إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل ين حماد بن زيد بن درهم بن بابك الجهضمي الأزدي، أبو إسحاق البصري المالكي، قاضي بغداد، أصله من البصرة، وفيها نشأ، واستوطن بغداد.

стр. 43

¬سمع من: محمد بن عبد الله الأنصاري، وسليمان بن حرب، وحجاج بن منهال، ومسدد، والقعنبي، وإسماعيل بن أبي أويس، ونصر بن علي الجهضمي، وأبي مصعب الزهري، وقالون عيسى وتلا عليه بحرف نافع. أخذ الفقه عن أحمد بن المعذل، وصناعة الحديث عن علي بن المديني. روى عنه: عبد الله بن حنبل، وإسماعيل الصفار، والحسن بن محمد بن كيسان. وتفقه عليه وروى عنه: ابن أخيه إبراهيم بن حماد، والنسائي، وأبو بكر بن الجهم، وابن مجاهد المقرئ، وقاسم بن أصبغ، وغيرهم كثير. وبه تفقه أهل العراق من المالكية، وكان شديداً على أهل البدع، اجتمع له من صنوف العلم ما لم يجتمع لغيره، من أهم مصنفاته: أحكام القرآن الذي اختصره القاضي بكر (١)، الموطأ، معاني القرآن وإعرابه، كتاب في القراءات، الرد على محمد بن الحسن، الرد على أبي حنيفة، الرد على الشافعي، كتاب الفرائض، المبسوط في الفقه، كتاب الصلاة على النبي ﷺ (٢)، جمع حديث مالك (٣)، وأيوب السختياني (٤)، ويحيى بن سعيد الأنصاري. ولد سنة ٢٠٠ هـ، ومات سنة ٢٨٢ هـ، قال عنه ابن أبي حاتم: كتب إلينا ببعض حديثه، وهو ثقة صدوق. (٥)

стр. 44

¬وقد دار جدل حول لقيا بكر بن العلاء بالقاضي إسماعيل وسماعه منه، بعد اتفاقهم على أنه أخذ كتب إسماعيل بالإجازة (١)، فقد ذكره أبو إسحاق الشيرازي في أصحاب إسماعيل، وقال أبو عمر الطلمنكي: هو معدود في أصحاب إسماعيل بن إسحاق. وقال الفرغاني وغيره: إنه لم يدرك إسماعيل، ولا سمع منه. قال القاضي عياض: وقد حدث بكر عن إسماعيل في كتبه بالإجازة، ولا يبعد سماعه من إسماعيل؛ إذ قد أدركه بالسن كما تراه في وفاته وسِنه. (٢) قلت: الذي يظهر صحة سماعه منه، إذ قد أدركه بالسن، فقد ولد القاضي بكر - كما سبق - ٢٦٣ هـ، وتوفي القاضي إسماعيل (٢٨٢ هـ) أي أن عمره كان عند وفاة القاضي إسماعيل ما يقارب التاسعة عشرة، وهذا ما أشار إليه القاضي عياض في كلامه المتقدم. وأمر آخر وهو أن كلاهما من أهل البصرة، حتى وإن انتقل القاضي إسماعيل إلى بغداد فلا يبعد لقياه له وسماعه منه لقرب المكان.

стр. 45

¬ومما يدل على صحة السماع تصريح القاضي بكر بالسماع من القاضي إسماعيل، حيث عبر عن هذا السماع بقوله: أخبرنا، ونا، وأنا، في هذا القسم الذي أقوم بتحقيقه أكثر من عشر مرات (١)، وهذه من الألفاظ الدالة على صحة السماع من الشيخ. (٢) وقد ورد في هذا القسم قول المؤلف: قال إسماعيل، فيما يقارب ستة مواضع (٣)، فما لم يصرح فيه بالسماع فيحمل على أخذه له بالإجازة. ٧. جعفر بن محمد بن الحسن المستفاض، أبو بكر الفريابي، قاضي الدينور، لقي المحدثين في كل بلد، استوطن بغداد، وحدث بها عن: هدبة بن خالد، وعلي ابن المديني، وعنه: أبو بكر الشافعي، ومحمد بن مخلد الدوري، وخلق يطول ذكرهم، كان ثقة أميناً، ولد سنة ٢٠٧ هـ، ومات سنة ٣٠١ هـ. (٤) ذكره القاضي عياض في جملة شيوخ القاضي بكر بن العلاء. (٥) وقد حدث عنه القاضي بكر في كتابه هذا بحديث واحد. (٦) ٨. الحسن بن علي. لم أعرفه، وقد روى عنه المؤلف حديثاً واحداً. (٧) ٩. الحسن بن المثنى بن معاذ العنبري، أبو محمد، من نبلاء الثقات، سمع عفان، وأبا حذيفة النهدي، وعنه: الطبراني، ويوسف البختري، ولد سنة ٢٠٠ هـ، ومات سنة ٢٩٤ هـ. (٨) حدث عنه المؤلف بحديث واحد. (٩)

стр. 46

¬١٠. زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي، أبو يحيى البصري، سمع: محمد بن بشار بندار، ومحمد بن المثنى، وعنه: أبو أحمد بن عدي، وأبو بكر الإسماعيلي، له مؤلفات حسان في الرجال، واختلاف العلماء، وأحكام القرآن، ثقة فقيه. (١) روى عنه المؤلف حديثاً واحداً. (٢) ١١. زياد بن الخليل، أبو سهل التستري، قدم بغداد وحدث بها عن: إبراهيم بن المنذر، ومسدد، وعنه: أبو بكر الشافعي، وعبد الصمد بن علي، ذكره الدارقطني فقال: لا بأس به. مات سنة ٢٩٠ هـ. (٣) روى المؤلف عنه حديثين عن مسدد (٤)، وروى ابن عبد البر من طريقه حديثين عن القاضي بكر بن العلاء عن زياد بن الخليل (٥). ١٢. أبو الضحاك بن أبي عاصم. لم أعرفه، وقد روى عنه المؤلف حديثاً واحداً مقروناً مع أحمد بن عبيد الله الجبيري. (٦) ١٣. محمد بن أحمد بن سهل البرنكاني، ويقال له: البركاني، أبو عبد الله القاضي البصري، تفقه بإسماعيل بن إسحاق وصحبه وروى عنه، وسمع من: أحمد بن عبدة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وعليه تفقه القشيري، والتستري، ورويا عنه، له كتاب فيما سئل عنه القاضي إسماعيل، وكتاب في فضائل مالك، ولد سنة ٢١٩ هـ ومات سنة ٣١٩ هـ. (٧) وقد روى عنه المؤلف ثلاثة أحاديث. (٨)

стр. 47

¬١٤. محمد بن صالح الطبري، روى عن: بندار، وأهل همذان، وعنه: علي بن الحسن بن الربيع، ليس بذاك، اتهم بالكذب وكان مخلطاً وله رحلة وحفظ. (١) وقد ذكر القاضي عياض أنه من شيوخ القاضي بكر بن العلاء. (٢) وقد روى عنه المؤلف ثلاثة أحاديث. (٣) ١٥. محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث، أبو بكر الأزدي الواسطي المعروف بالباغندي، سمع من عثمان بن أبي شيبة، وعلي بن المديني، وعنه: الحسين بن إسماعيل المحاملي، وأبو حفص بن شاهين، قال فيه الدارقطني: مخلط مدلس يكتب عن بعض أصحابه ثم يسقط بينه وبين شيخه ثلاثة وهو كثير الخطأ. وقال الذهبي: صدوق من بحور الحديث , وقال ابن حجر: مشهور بالتدليس مع الصدق والأمانة، مات سنة ٣١٢ هـ. (٤) وقد روى عنه المؤلف حديثاً واحداً. (٥) ١٦. محمد بن معدان القطعي. لم أعرفه، وقد روى عنه المؤلف حديثاً واحداً. (٦) - وفيما يلي من وقفت على ترجمته من شيوخ المؤلف ممن ذكر في كتب التراجم أن المؤلف أخذ عنه، ولم يرو عنه في كتابه هذا. ١٧. الفضل بن الحباب، واسم الحباب عمرو بن محمد بن شعيب، أبو خليفة الجمحي البصري الأعمى، سمع: القعنبي، ومسلم بن إبراهيم، ومسدد، وعنه: أبو عوانة، وأبو حاتم، ثقة صدوق، ولد سنة ٢٠٦ هـ ومات بالبصرة سنة ٣٠٥ هـ. (٧) ذكر القاضي عياض أنه ممن سمع منه القاضي بكر بن العلاء. (٨)

стр. 48

¬١٨. محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير، أبو بكر البغدادي، تفقه بإسماعيل، وكان فقيهاً جدلياً ولي القضاء، يروي عن القاضي إسماعيل وهو من كبار أصحابه، روى عنه: ابن الجهم، والقشيري، وأبو الفرج، له كتاب في الرضاع، وفي أحكام القرآن، توفي سنة ٣٠٥ هـ. (١) ١٩. محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم، أبو عمر القاضي الأزدي، سمع: الحسن بن أبي الربيع الجرجاني، وتفقه بالقاضي إسماعيل وكتب الفقه عنه، وعنه جماعة منهم: ابنه عمر، وأبو بكر الأبهري، ولد سنة ٢٤٣ هـ ومات سنة ٣٢٠ هـ. (٢) ذكر القاضي عبد الوهاب أنه ممن سمع منه القاضي بكر بن العلاء. (٣) ثانياً تلاميذه: لقد ساهم القاضي بكر في نشر المذهب المالكي تأليفاً وتدريساً، فذاع صيته، واشتهر حتى صار مقصداً لطلاب العلم، يقول القاضي عياض: حدث عنه من لا ينعد من المصريين والأندلسيين والقرويين وغيرهم. (٤) وسأتحدث عن تلاميذه، وخاصة من حمل هذا الكتاب عنه - ممن استطعت الوقوف على ترجمته -. ١. أحمد بن عون الله بن حدير، أبو جعفر الأندلسي القرطبي البزار، سمع ببلده، ورحل إلى المشرق فسمع بدمشق أبا الميمون بن راشد وغيره، وبمصر من: أحمد ابن سلمة بن الضحاك، وبكر بن العلاء القشيري، روى عنه: أبو الوليد الفرضي، وأبو عمر الطلمنكي، كان صدوقاً صالحاً، شديداً على أهل المبتدعة، لهجاً بالسنة، ولد سنة ٣٠٠ هـ ومات سنة ٣٧٨ هـ. (٥)

стр. 49

¬٢. الحسن بن رشيق، أبو محمد العسكري المصري، روى الحروف عن أحمد بن شعيب النسائي، وسمع أحمد بن حماد، والمفضل بن محمد الجندي، وحدث عنه: الدارقطني، وعبد الرحمن بن النحاس، وثقه جماعة، ولينه الحافظ عبد الغني بن سعيد، مات سنة ٣٧٠ هـ. (١) ٣. عبد الرحمن بن عمر بن سعيد التجيبي المصري المالكي البزار، أبو محمد المعروف بابن النحاس، مسند الديار المصرية، سمع: عثمان السمرقندي، ومحمد بن وردان العامري، حدث عنه: الصوري، وأبو عمرو الداني، ولد سنة ٣٢٣ هـ ومات سنة ٤١٦ هـ. (٢) وقد ذكر الحافظ الذهبي أن الحسن بن رشيق، وعبد الرحمن بن النحاس ممن روى عن القاضي بكر بن العلاء. (٣) ٤. عبد الرحيم بن مسعود الكتامي، أبو زيد يعرف بابن أبي غافر - بغين معجمة وفاء - سمع وتفقه ورحل فسمع من رجل المصريين، ولقي أئمة المالكيين، منهم: بكر بن العلاء القشيري وسمع منه أحكامه، وأبا حفص عمر بن حفص الإسكندراني، مات سنة ٣٩٠ هـ. (٤) ٥. عبد الله بن أبي زيد القيرواني، أبو محمد، واسم أبي زيد: عبد الرحمن، سكن القيروان، كان إمام المالكية في وقته، يقال له: مالك الصغير، جمع مذهب مالك ولخصه وشرحه، تفقه بفقهاء أهل القيروان، وعول على أبي بكر بن اللباد، ورحل فسمع من ابن الأعرابي، واستجاز ابن شعبان، والأبهري، صنف كتاب النوادر والزيادات، وكتاب الرسالة، واختصر المدونة، وغيرها من المؤلفات الكثيرة، ولد سنة ٣١٠ هـ ومات سنة ٣٨٦ هـ. (٥)

стр. 50

¬وقد أخذ كتب بكر بن العلاء بالإجازة، قال ابن أبي زيد القيرواني في مقدمة كتابه النوادر والزيادات: وما ذكرت فيه لبكر بن العلاء، وأبي بكر الأبهري، ,أبي إسحاق ابن القرطي، فقد كتبوا إلي به. (١) ٦. عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد، أبو محمد الجهني الطليطلي المالكي البزار، عالم الأندلس، سمع: قاسم بن أصبغ، وارتحل فسمع من: أبي محمد بن الورد، وأبي علي بن السكن، أكثر من الأخذ عنه أبو عمر بن عبد البر، ولد سنة ٣١٠ هـ ومات سنة ٣٩٥ هـ. (٢) ذكر الذهبي أنه ممن سمع من القاضي بكر بن العلاء. (٣) ٧. محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن عفان بن عبدوس الخشني، يعرف بابن المشكيالي، من الأهل طليطلة، يكنى أبا عبد الله، روى ببلده عن: أبي عمر بن أحمد بن خليل قاضي طليطلة، رحل إلى المشرق فحج، ولقي بمصر أب القاسم حمزة بن محمد الكناني، وبكر بن العلاء القشيري سمع منه كتابه في أحكام القرآن، ولد سنة ٣١٢ هـ ومات سنة ٤٠٠ هـ. (٤) ٨. محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرج الأموي، مولاهم القرطبي، محدث الأندلس، يكنى أبا عبد الله، ويكنى أيضاً أبا بكر، رحل فسمع أبا سعيد بن الأعرابي، وقاسم بن اصبغ وطبقتهم، وسمع بالحجاز، والشام، واليمن، وكان رفيق ابن عون الله في الرحلة، حدث عنه: شيخه أبو سعيد بن يونس، وأبو الوليد بن الفرضي، صنف كتباً في الحديث والفقه منها: فقه الحسن البصري، وفقه الزهري، مات سنة ٣٨٠ هـ، وقد جاوز الستين وقيل: السبعين. (٥)

стр. 51

¬وهو كما في ترجمته رفيق ابن عون الله في الرحلة أي أنه سمع من القاضي بكر كما سمع أحمد بن عون الله منه، وقد عده ابن فرحون ممن سمع من القاضي بكر. (١) ٩. محمد بن سليمان، وقيل: محمد بن إسماعيل، أبو بكر النعالي المصري، الفقيه العالم الزاهد، نسب إلى عمل النعال، أخذ عن أبي إسحاق بن شعبان، وبكر بن العلاء القشيري، ومحمد بن زبان، وعنه: أبو بكر بن عبد الرحمن القيرواني، والحافظ عبد الغني بن سعيد، مات سنة ٣٨٠ هـ. (٢) ١٠. محمد بن علي بن أحمد، أبو بكر الأدفوي المصري المقرئ النحوي المفسر، قرأ القرآن على أبي غانم المظفر بن أحمد، ولزم أبا جعفر النحاس وحمل عنه كتبه، وسمع من سعيد بن السكن كتاب السبعة لابن مجاهد، وبرع في علوم القرآن، انفرد بالإمامة في وقته في قراءة نافع، روى عنه القراءة جماعة من الأكابر منهم: محمد بن الحسن بن النعمان، ألف كتاباً في التفسير سماه الاستغناء في علوم القرآن، ولد سنة ٣٠٤ هـ ومات سنة ٣٨٨ هـ. (٣) ولم أجد من ذكر في ترجمة القاضي بكر أن الأدفوي ممن سمع منه، أو في ترجمة الأدفوي أن القاضي بكر من شيوخه. والأدفوي ممن سمع من القاضي بكر كتابه أحكام القرآن، بل هو من روى لنا هذه النسخة، حيث يقول: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري قراءة عليه في منزله بمصر وأنا أسمع سنة إحدى وأربعين. (٤)

стр. 52

¬ومما يدل على أخذ الأدفوي كتاب القاضي بكر أحكام القرآن، ما وقفت عليه مما نقله عبد الله كحيلان في رسالته الأدفوي مفسراً من كتاب الاستغناء عند تفسير الآية ٦٧ من سورة البقرة، ما يقارب ثمانية أسطر هي نفس ما في كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء (١)، فإما أن يكون نقلها عن القاضي بكر، أو من أصله للقاضي إسماعيل، والاحتمال الأول أقرب، حيث إنه ممن سمع كتاب أحكام القرآن من القاضي بكر، كما سبق. (٢) ١١. محمد بن عمر بن سعد بن عيشون، من أهل طليطلة، روى عن: أبيه، وقاسم ابن أصبغ وغيره من القرطبيين، وسمع من شيوخ بلده، وبمكة، ومصر، والشام، والقيروان، سمع من ابن الأعرابي، وأبي مروان المالكي، والقشيري، وعنه: أبو الأصبغ الحزم بن أبي درهم، ولد سنة ٣١٠ هـ ومات سنة ٣٧٠ هـ. (٣) المطلب الخامس: مصنفاته . (٤) لقد خلّف القاضي بكر بن العلاء جملة من الآثار التي تدل على شخصيته العلمية، وإسهامه في حركة التأليف عامة، وفي التأليف في المذهب المالكي خاصة، وذلك باختصار مطولاته، والتأصيل له، والرد على مخالفيه، هذه المؤلفات التي أثنى عليها أهل العلم، بأنها كتب جليلة، وأنها متنوعة في الأصول والفروع (٥)، ما تزال في عداد المفقودات، كأغلب تراث هذه الأمة.

стр. 53

¬ومن هذه المصنفات: - في القرآن وعلومه: ١. أحكام القرآن، مختصر من كتاب القاضي إسماعيل. (١) ٢. من غلط في التفسير والحديث. - وفي العقيدة: ٣. تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ٤. الرد على القدرية. ٥. ما في القرآن من دلائل النبوة. - وفي الأصول: ٦. كتاب أصول الفقه. ٧. مآخذ الأصول. ٨. القياس. - وفي مسائل الخلاف: ٩. كتاب مسائل الخلاف. - وفي الاحتجاج للمذهب والرد على المخالف له: ١٠. الرد على الشافعي في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة. ١١. الرد على المزني. ١٢. كتاب الأشربة، وهو نقض كتاب الأشربة للطحاوي. (٢) - وفي مناقب مالك: ١٣. رسالة لمن جهل قدر مالك بن أنس من العلم. - وفي المسائل المفردة الفقهية: ١٤. مسألة بسم الله الرحمن الرحيم. ١٥. مسألة الرضاع.

стр. 54

¬ المطلب السادس: عقيدته . كان القاضي بكر على منهج أهل السنة والجماعة، متبعاً ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه، فقد تلقى هذا من أشياخه وعلى رأسهم القاضي إسماعيل، يقول القاضي عياض: وكان إسماعيل شديداً على أهل البدع يرى استتابتهم، حتى ذُكر أنهم تحاموا بغداد في أيامه. (١) ويمكن استنتاج معتقده إجمالاً من خلال كتابه هذا، وذلك في النقاط التالية: ١. افتتاح كتابه بذكر مجمل ما يعتقده من أن الخير كل الخير في اتباع سلف هذه الأمة، وراداً على من يرى أنه فوقهم علماً وتقوى. حيث يقول: ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعناً بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء، والطهارة والتقى، ولو أخذوا ذلك عمن شاهد الوحي ونزل القرآن بلغته لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعلِمتْ أن عقول من تقدمهم تربى على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام وجانبوا الورع، وصار القصد الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحاد بهم عن الطريق. ثم قال: وكفى برجل نقصاً أن يرى أنه قد علم من كتاب الله ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أويرى أنه فوقهم علماً وفهماً، أويظن أنه مثلهم، لقد خاب وخسر. (٢) ٢. موقفه الجلي الواضح من أصحاب الأهواء والبدع عموماً، ومن الخوارج خصوصاً، حيث يقول: والقرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة فهو من الخوارج؛ لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتفرقوا، فكانوا شيعاً، فمن قدر منهم على الخروج خرج، ومن عجر فسيفه في قلبه، والله بمنه يقمعه. (٣)

стр. 55

¬٣. عرضه لمذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان وأنه قول وعمل، حيث يقول: وقد سمى الله تعالى الصلاة إيماناً، وأن الإيمان قول وعمل. قال القاضي بكر: ومما يقوي: أن الإيمان قول وعمل قوله : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (١) إلى آخر الآية، والإرادة: النية، والسعي: العمل، وهو مؤمن مقر (٢). ٤. عرضه مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة مرتكب الكبيرة، وأنه تحت المشيئة، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، حيث يقول: والكبائر يكفرها الندم والتوبة والإقلاع، وذلك من فضل الله، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣)، وقد يغفر في الآخرة لغير التائب إن شاء، ويعذب من يشاء. (٤) ٥. لم يحكم بكفر كل من حكم بغير ما أنزل الله كما هو منهج الخوارج، بل جعل منه ما هو كفر مخرج عن الملة، ومنه ما ليس كذلك، حيث يقول: قال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٥) فكان ظاهر ذلك يدل على أنه من فعل فعلهم، واخترع حكماً خالف به حكم الله، وجعله ديناً يعمل به فقد لزمه ما لزمهم، حاكماً كان أو غير حاكم. (٦)

стр. 56

¬٦. عرضه لمذهب أهل السنة والجماعة في أنه لا واجب على الله إلا ما أوجبه على نفسه، وما أوجبه على نفسه فهو من باب التفضل، حيث يقول: كل من عصى الله فهو جاهل بحق الله عليه، فإن كان عامداً فالتوبة، والإقلاع، والندم، وترك العودة يوجب له فيما تفضل الله به من الوعد لقبول توبته، وإذا كان مخطئاً فالندم يكفيه، ومعنى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (١) هو قبل الغرغرة، قبل معاينة الملائكة، وليس على الله عز وعلا شيء واجب، وإنما أوجب القبول تفضلاً ورحمة لعباده، فكل من تاب قبل المعاينة قبلت توبته، ومن تاب بعد المعاينة ضرب بتوبته وجهه. (٢) ٧. موافقته لمذهب أهل السنة والجماعة في وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، حيث يقول: وطاعة السلطان واجبة في كل طاعة لله، وكل شئ لا يخرج إلى معصية ولا إثم، وطاعة أهل الفضل في الدين والعلم، ومن يوثق بهما عليهما فيما نيط بهم يوجب رضوان الله، ويلزم أهل طاعة الله، فإن قوام الدين بهاتين الطائفتين. (٣) وقد ذُكر سابقاً في مصنفات المؤلف: كتاب الرد على القدرية، وكتاب تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذان الكتابان شاهدان أيضاً على سلامة معتقده. أما في باب الأسماء والصفات، فإن هذا الكتاب خاص بأحكام القرآن، والغالب في مثل هذه المصنفات عدم التعرض لآيات الأسماء والصفات، ومع ذلك فقد وجدت نصاً مجملاً قد يستفاد منه موافقته لمذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، فقد قال المؤلف عند قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٤): فالله ﵎ بهذه الصفة لم يزل ولا يزال، ومعنى الآية: إن الله عليم حكيم. (٥)

стр. 57

¬ المطلب السابع: مذهبه الفقهي . لم تختلف كتب التراجم التي ترجمت للقاضي بكر بن العلاء أنه كان مالكي المذهب، وأنه أحد شيوخ المدرسة المالكية العراقية. قال الفرغاني: كان بكر من كبار الفقهاء المالكيين بمصر. (١) ويقول القاضي عياض: وهو من كبار فقهاء المالكيين رواية للحديث. (٢) وعده ابن فرحون في الطبقة الخامسة الذين انتهى إليهم فقه مالك ولم يروه ولم يسمعوا منه والتزموا مذهبه من العراق. (٣) وقال الذهبي: وصنف التصانيف في المذهب. (٤) وقال الصفدي: أبو الفضل القشيري الفقيه المالكي. (٥) ويظهر هذا جلياً من خلال النظر في نوعية مصنفاته، حيث كانت تأصيلاً للمذهب المالكي، وشرحاً، ورداً على مخالفيه. ومما يدل على ذلك أيضاً ما سار عليه المؤلف من نصرة مذهب مالك في هذا الكتاب، وسيأتي الحديث عن هذا عند ذكر منهجه الفقهي في هذا الكتاب - إن شاء الله -. المطلب الثامن: وفاته . توفي بمصر ليلة السبت لسبع بقين من ربيع الأول سنة ٣٤٤ هـ، وقد جاوز الثمانين سنة بأشهر. (٦) ولم يخالف ما عليه جماهير المؤرخين إلا الصفدي حيث ذكر أنه توفي سنة ٣٤٣ هـ. (٧) قلت: وإن كان الأول هو قول الجمهور، إلا أن القول الثاني قريب من الأول، حيث ذكر الجمهور أنه لم يعش من سنة ٣٤٤ هـ إلا ثلاثة أشهر.

стр. 58

¬ الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: عنوان الكتاب ونسبته إلى مؤلفه ووصف المخطوط المبحث الثاني: مصادر المؤلف في كتابه المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب المبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية

стр. 59

¬ المبحث الأول: عنوان الكتاب، ونسبته إلى مؤلفه، ووصف المخطوط أولاً: عنوان الكتاب . من خلال النظر في هذا الكتاب، وكتب التراجم التي ترجمت للمؤلف، يمكن القول بأن هناك ثلاثة أسماء لهذا الكتاب، وهي: ١ - أحكام القرآن . هكذا ورد على غلاف المخطوط في الجزء الأول والثاني، بخط قريب جداً من خط الناسخ، إن لم يكن بخط الناسخ. وكذا سماه ابن خير الإشبيلي في فهرسة ما رواه من كتب عن شيوخه، حيث يقول: كتاب أحكام القرآن، لبكر بن العلاء القشيري، وهو مختصر كتاب إسماعيل القاضي، حدثني به الشيخ أبو عتاب أبو محمد بن عتاب إجازة فيما كتب به إلي، قال: حدثني به أبي ﵀ قراءة عليه وأنا أسمع، قال: قريء على أبي عثمان سعيد بن سلمة وأنا أسمع، عن أبي جعفر أحمد بن عون الله قال: نا بكر بن العلاء القشيري. (١) وكذا قال الداودي في طبقاته: ألف بكر كتباً جليلة منها كتاب أحكام القرآن المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق بالزيادة عليه. (٢) ٢ - كتاب الأحكام . كذا قال المؤلف في خاتمة هذا الكتاب، حيث قال: قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀. (٣) وقال القاضي عياض: وألف بكر كتباً جليلة منها: كتاب الأحكام المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق بالزيادة عليه. (٤)، وتبعه على هذا ابن فرحون. (٥) وقريباً من هذا ما ذكره الذهبي بقوله: ومؤلفه في الأحكام نفيس. (٦)، وقوله: صنف كتاباً في الأحكام. (٧)

стр. 60

¬ ٣ - مختصر أحكام القرآن . ذكر هذا العنوان ناسخ هذا الكتاب، حيث قال في آخر الجزء الأول: تم الجزء الأول من مختصر أحكام القرآن من كتاب القاضي إسماعيل بن إسحاق، اختصار القاضي أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري. (١) ولم أجد من ذكر هذه التسمية غيره، ولعله فهم هذه التسمية من قول المؤلف في مقدمة كتابه: فإني اختصرت في كتابي هذا أحكام القرآن، ليقرب من فهم المتعلم. (٢) ومن قول من ترجم للقاضي بكر: أنه ألف كتابه هذا مختصراً من كتاب القاضي إسماعيل. قلت: ولعل التسمية الأولى - أعني أحكام القرآن - أقرب وأصوب، لما سبق من تعليل عند ذكر هذه التسمية. وأما ما ذكر من تسميته بالأحكام فيحمل على أن المراد به أحكام القرآن، حتى يكون اسمه مطابقاً لاسم الأصل المختصر منه، ويكون ما ذكره المؤلف وغيره من تسميته بالأحكام من باب الاختصار. ثانياً: نسبته إلى مؤلفه . وهي نسبة صحيحة، لاشك فيها، ويمكن إثبات ذلك بأمور منها: ١. ما سبق ذكره عن ابن خير الإشبيلي من روايته لهذا الكتاب عن مؤلفه (٣). ٢. ما سبق ذكره من أخذ كل من: عبد الرحيم بن مسعود الكتامي، ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن المشكيالي (٤) لكتاب أحكام القرآن من مؤلفه القاضي بكر. ٣. أن كثيراً ممن ترجم للقاضي بكر ذكر هذا الكتاب من ضمن مصنفاته. (٥) ٤. ما اشتمل عليه المخطوط من إثبات سماع أبي بكر الأدفوي هذا الكتاب من مؤلفه القاضي بكر بن العلاء. (٦)

стр. 61

¬٥. ورود اسم المؤلف في هذا المخطوط أكثر من مرة، وتصريحه بنسبة هذا الكتاب له، حيث يقول في خاتمة هذا الكتاب: قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀. (١) ٦. ما رواه المؤلف من أحاديث من طريق شيوخه الذين روى عنهم، وقد سبق ذكرهم، وذكر مواضع روايته عنهم. (٢) ٧. ما أحال إليه المؤلف في كتابه هذا على كتبه الأخرى، ككتاب الأشربة. (٣) ٨. ما وجد على غلاف المخطوط من ذكر اسم الكتاب واسم مؤلفه. ٩. ما وجد في آخر الجزء الأول بخط الناسخ من نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه. ١٠. ما ورد في هذا الكتاب مما شُهر عن المؤلف القول به من إغلاق باب الاختيار بعد المائتين. (٤) ثالثاً: وصف المخطوط . يوجد للكتاب نسخة واحدة فريدة، عثرت عليها بعد البحث في مكتبات تركيا بين مئات المخطوطات غير المفهرسة، وفيما يلي وصف لهذه النسخة: مكان وجودها: مكتبة بيازد بتركيا. رقمها: ١٨٨٦. عدد لوحاتها: ٣٢٥ لوحة أو ورقة، أي: ٦٥٠ صفحة. تقع في جزأين مجموعة في مجلد واحد، كتب على غلاف الجزء الأول: وفيه الثاني وبتمامه تم الكتاب. عدد الأسطر في كل صفحة ما يقارب ١٩ سطراً، وفي كل سطر ما بين تسع كلمات إلى إحدى عشرة كلمة. ناسخها: عبد الكافي بن محمد. لم يتبين لي لقبه، ولم أعرفه. تاريخ نسخها: ربيع الأول سنة ٥٨٩ هـ. نوع الخط: نسخ. نسخة كاملة، خالية من السقط والخرم، يوجد فيها بعض الكلمات اليسيرة التي لم أستطع قراءتها، ويوجد فيها بعض التصحيفات أيضاً في المعنى واللغة.

стр. 62

¬وهي نسخة منقولة عن نسخة مقرؤة على مؤلفها قبل موته بثلاث سنوات سنة ٣٤١ هـ. في أولها سماع أبي بكر الأدفوي من مؤلفها، والذي يظهر أن سماعه منه كان في عدة مجالس، ففي أول درس سماع يسوق أبو بكر الأدفوي سماعه من المؤلف. وهي نسخة موثقة، في نصها وهوامشها تصويبات بخط ناسخها. كتب على غلاف الجزء الأول اسم الكتاب، واسم المؤلف، وأسقط كنيته، وكناه باسمه، حيث قال: الجزء الأول من أحكام القرآن تأليف القاضي الفقيه الإمام أبو بكر القشيري ﵁، وعلى غلاف الجزء الثاني اسم الكتاب واسم المؤلف كما في الجزء الأول دون كنية. وعلى غلاف الجزء الأول تمليكات، فكتب يملكه الفقير إلى عفو ربه محمد بن حسين، وفي تمليك آخر لم أستطع قراءة اسم صاحبه دون تاريخ تملكها في شهر ذي الحجة سنة ١٠٨٥ هـ، وعليها ختم وفيه: وقف هذا الكتاب لوجه لله الأجل الأكرم مصطفى باشا الوزير الأعظم. وفيما يلي نماذج من المخطوطة:

стр. 63

¬ المبحث الثاني: مصادر المؤلف في كتابه لم يؤلف القاضي بكر كتابه هذا ابتداء، وإنما هو مختصر من كتاب أحكام القرآن لشيخه إسماعيل بن إسحاق، فالمصدر الأساس في كتاب القاضي بكر هو كتاب القاضي إسماعيل بما حواه من نقول عن من تقدمه، ومع ذلك فقد كان للقاضي بكر بعض المصادر الخاصة به، فله زيادات على ما ذكره القاضي إسماعيل، يقول القاضي بكر في خاتمة كتابه هذا: وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحاً لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل. (١) ويمكن تقسيم مصادر هذا الكتاب إلى قسمين، الأول: المصادر السمعية، الثاني: المصادر النقلية. أولاً: المصادر السمعية: ويقصد بها ما رواه المؤلف أو شيخه القاضي إسماعيل كل عن شيوخه، سواء ما يتعلق بالأحاديث النبوية، أو الآثار في التفسير، والفقه، واللغة، والقراءات، والجرح والتعديل، وغيرها. وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك عند الحديث عن شيوخ المؤلف، وما رواه عنهم. ويمثل هذا الجانب - أعني جانب الرواية - الجزء الأكبر من المادة العلمية لهذا الكتاب، حتى وإن كان المؤلف قد حذف كثيراً من الأسانيد، وذكر الأقوال مجردة عن سندها، إلا أنها موجودة في الأصل، والمؤلف ممن روى كتب القاضي إسماعيل إما سماعاً أو إجازة - كما سبق ذكر الخلاف في ذلك - بما فيها كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل.

стр. 64

¬ولم تكن الرواية محصورة في الأحاديث والآثار التفسيرية والفقهية، بل هي في كل مجال، فمثلاً نجد أن المؤلف يروي عن شيخه الفريابي عن نصر بن علي عن الأصمعي عن سفيان بن عيينة قال: إذا أردت ما لا يعرف صدقه من كذبه فعليك بأهل العراق. ثم قال المؤلف: وقال ابن المبارك: أفسد التدليس حديث أهل الكوفة. (١) وما ينقله عن شيخ شيخه علي بن المديني في علم الجرح والتعديل. (٢) ثانياً: المصادر النقلية: أ. في التفسير . ١. أحكام القرآن للقاضي إسماعيل. ٢. مجاز القرآن لأبي عبيدة، وقد أكثر المؤلف من النقل عن أبي عبيدة، فتارة يصرح باسمه فيقول: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى بن ربيعة: بسم الله إنما هو الله. (٣) وهذا هو الأكثر (٤)، وتارة يذكر القول دون التصريح باسمه، وهو في مجاز القرآن (٥)، وتارة يصرح باسم أبي عبيدة، ولا أجده في مجاز القرآن، مما يدل على أنه ينقل من كتب أخرى لأبي عبيدة. (٦) ب. في الفقه . أما ما يتعلق بحكاية مذهب مالك فلم أقف من خلال هذا الكتاب على الإشارة إلى اسم مصدر في هذا. ومما لا شك فيه أن هذه الأقوال في المذهب أُخذت من أقوال الإمام مالك من خلال ما نقله ورواه عنه تلاميذه، وقد تتلمذ القاضي إسماعيل على كبار تلاميذ مالك كالقعنبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهم (٧).

стр. 65

¬ومن المصنفات التي جمعت أقوال الإمام مالك، وتعد مصدراً من مصادر الفقه المالكي في المدرسة المالكية العراقية: الموطأ، ومختصر ابن عبد الحكم، يقول أبو عبد الله البركاني - أحد شيوخ المؤلف -: عرضت مختصر ابن عبد الحكم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فوجدت لها أصلاً إلا اثنتي عشرة مسألة فلم أجد لها أصلاً. (١) ومن المصادر المعتمدة عندهم أيضاً ما ضمنه القاضي إسماعيل كتبه من أقوال مالك، كأحكام القرآن، والمبسوط في الفقه، وغيرها، يقول القاضي عياض عن جهود القاضي إسماعيل بن إسحاق: ونشر من مذهب مالك وفضله ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنف في الاحتجاج له والشرح ما صار لأهل المذهب مثالاً يحتذونه وطريقاً يسلكونه. (٢) ولا شك أن المؤلف استفاد كغيره من المالكية من تراث القاضي إسماعيل، بل هو من خاصتهم في ذلك، إذ قد حدث عنه بكتبه، وفي هذا المختصر إشارة إلى أحد مصنفات القاضي إسماعيل، وهو كتاب الفرائض. (٣) وأما ما يتعلق بحكاية المذاهب الأخرى، فمن المعلوم أن القاضي إسماعيل ألف كتباً في الرد على أبي حنيفة، والشافعي، ومحمد بن الحسن، وكذلك ألف القاضي بكر كتباً في الرد على المزني، والشافعي، والطحاوي، بل له كتاب في مسائل الخلاف. وهذه الكتب من مصادر هذا الكتاب، وإن لم يرد في موضع التصريح بذلك، إلا ما أشار إليه المؤلف بالإحالة إلى كتابه الأشربة الذي نقض به كتاب الأشربة للطحاوي. (٤) وقد صرح المؤلف في موضع واحد بأحد كتب الشافعي فقال: وقال الشافعي في كتابه الرسالة. (٥)

стр. 66

¬وقد ذكر المؤلف في مقدمة كتابه كلاماً أظنه يقصد به ما كتبه الشافعي في كتابه الرسالة، حيث يقول: والقرآن كله قد أحكم، وعرفت أحكامه، فما أُخرَ بيانه عن الحاجة إليه. فقد بيّن ما أراد الله به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف فلا يعمل به، على من يأتي بعد مائتين وثلاث مائة سنة، فبينه حتى يضع كتباً يقول فيها: البيان الأول والثاني والثالث من البيان، وهذا ما لا يجوز أن يقدم عليه إلا جبريل ﵇ عن الله . (١) وأما بقية أقوال الشافعي فبعد الاستقراء والتتبع، ظهر أن غالب هذه النصوص منقولة من كتاب الأم، وقد وثقت ذلك في موضعه. وقد أشار المؤلف إلى أحد أعلام المذهب الشافعي، وما جرى بينهما من مناظرة في مسألة من المسائل، وهو ابن سريج (ت ٣٠٦ هـ). (٢) وأما ما يحكيه عن الأحناف فلم يصرح بمصدر ذلك، ولم استطع معرفة تلك المصادر، إلا أن المؤلف كان له اطلاع على مؤلفات الطحاوي (ت ٣٢١ هـ)، الذي توفي قبل انتقال المؤلف إلى مصر في حدود سنة (٣٣٠ هـ)، ومما يدل على ذلك ما سبق ذكره من تأليفه لكتاب الأشربة الذي نقض به كتاب الأشربة للطحاوي. وقد كان من المذاهب الحاضرة في ذلك الوقت، مذهب الظاهرية، وعلى رأسهم داود ابن علي، وقد ورد اسمه صريحاً في موضع واحد (٣)، وكان لشيخ المؤلف مواقف ومناظرات مع داود بن علي، إذ قد أثر عنه أنه أخرج داود بن علي من بغداد إلى البصرة لإحداثه منع القياس. (٤)

стр. 67

¬قلت: ولعل ما صنفه المؤلف من كتابه المسمى: القياس، كان للرد على داود بن علي في إنكاره لمسألة القياس. وهذا كله يدل على أن ما خلفه أهل الظاهر كان من مصادر هذا الكتاب. ج. في اللغة . في جانب اللغة نقل المؤلف عن جمع من أهل اللغة أقوالهم دون الإشارة إلى كتبهم ومنهم: سيبويه (١)، والخليل بن أحمد (٢)، والكسائي (٣)، والأصمعي (٤)، وأبو عمرو بن العلاء (٥)، وعيسى بن عمر (٦).

стр. 68

¬ المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب سيكون الحديث حول منهج المؤلف من ثلاثة محاور، الأول: منهجه في الاختصار، الثاني: منهجه العام، الثالث، منهجه التفصيلي. أولاً: منهجه في الاختصار . لقد اختصر المؤلف كتابه هذا من كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق، ويمكن معرفة طريقته في الاختصار بما ذكره المؤلف من منهج في كيفية اختصاره، وبمقابلة هذا المختصر بما تبقى من الأصل، حيث لم يتبق منه - فيما يخص القسم المحقق عندي - إلا اثنا عشرة لوحة من سورة النساء من آخر الآية ٢٥ إلى قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (١)، ولوحة واحدة من سورة المائدة الآية ٤٤، وقد وثقت النص منها أثناء التحقيق. لقد حدد المؤلف هدفه من هذا الاختصار، فقال: فإني اختصرت في كتابي هذا أحكام القرآن ليقرب من فهم المتعلم. (٢) كما حدد الطريقة التي سار عليها في اختصاره هذا بقوله: وتركت الأسانيد؛ ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀، وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحاً لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل. (٣)

стр. 69

¬وفيما يلي بيان أهم ما اختصره المؤلف من الأصل: ١. ترك الأسانيد، لتحقيق هدف المؤلف وهو تقريبه على المتعلم، ولسهولة الرجوع إلى الأسانيد في الأصل في ذلك الوقت. وإن كان المؤلف أحياناً يذكر بعض الأسانيد، إلا أن ما تركه منها أكثر بكثير مما أبقاه، فإذا نظرنا إلى الأصل عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (١)، نجد أنه ذكر في تفسيرها ما يزيد على الستين متناً مسندة ما بين حديث وأثر، بينما لم يذكر المؤبف منها سنداً واحداً. ٢. ترك التنصيص على من قال بكل قول، فيقول: قيل كذا، وقيل كذا، ففي المثال السابق، قال اختلف الصحابة والتابعون في الكبائر، فمنهم من عدها سبعاً، ومنهم من عدها سبعين، ومنهم من قال دون ذلك، إلا أن فيها ما لا شك فيه: الكفر، وقتل النفس التي حرم الله، والربا، والزنا، والقمار. إلى آخر كلامه ولم يذكر من قال بكل قول. (٢) وعند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٣). قال المؤلف: قيل في ذلك: إن النساء قلن ليتنا رجالاً، فنجاهد كما يجاهد الرجال، وما أشبه ذلك، فنزلت الآية. بينما في الأصل ذكر ما قيل في سبب نزولها مسنداً عن أم سلمة ﵂ وعن مجاهد، وعن معمر عن شيخ من أهل مكة. ٣. اختصار لفظ الرواية، وذكر معناها، وهذا الاختصار أحياناً يكون شديداً، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٤). قال المؤلف: قال سهل بن حنيف في يوم صفين قولاً عظيماً، وقال مسروق في ذلك قولاً يوم صفين. ولم يذكر هذين القولين، وهما بتمام سندهما ولفظهما في الأصل.

стр. 70

¬وعند قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (١). قال المؤلف: وللرجل عندنا ومن فسر القرآن ممن انتهى إلينا تفسيره في هذه الآية: أن للرجل أن يؤدب امرأته، فما كان منه على وجه التأديب فآل الرجوع من غير قصد، فلا قود فيه، إذا علم أنه لم يتعد ما كان له، وهو الضرب الذي أبيح عند النشوز وأمثاله، ووقعت الإباحة له بهجران المضطجع تأديباً، وليس للمرأة أن تقاتل زوجها على ما يكون من تأديبه على سائر ما ينكره، ولا لها أن تُدخل بيته إلا من يرضاه ويأذن لها، ولا أن تعطي أحداً من ماله شيئاً، إلا ما كان على سبيل الصدقة، إذا علمت أنه لا يكره ذلك. وفي الأصل ذكر الروايات مسندة تامة منسوبة لأصحابها. وفي سورة المائدة قال المؤلف: وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أما والله إن كثيراً من الناس ليتأولون هذه الآيات على غير ما أنزلت، وإنما أنزلت في يهود: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). وفي الأصل ذكرها مسندة بأطول من هذا. ٤. الاكتفاء بذكر بعض من قال بكل قول، والإحالة إلى من بقي بقوله: وقال بذلك جماعة. وهذا كثير، ومن الأمثلة على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٣). قال بعد ذكره لبعض ما قيل فيها: فالتفسير في هذه الآية من الصحابة والتابعين كثير، وكله يدور على قولين، منهم من يقول: المراد الصلاة، ومنهم من يقول: المسجد، وأكثرهم يقول: الصلاة. وفي الأصل ذكر هذه الأقوال كلها مسندة لأصحابها.

стр. 71

¬٥. ترك ذكر طرق الأحاديث والآثار من المتابعات والشواهد، فقد يكون للحديث أكثر من طريق عن راوي واحد، وهذا ما يعرف بالمتابعات، وقد يكون للحديث شاهد آخر بنفس المعنى، أومن طريق آخر عن راوي آخر، فيكتفي المؤلف كثيراً بذكر طريق واحد ويترك الباقي، ويقول: ولهذا الحديث طرق كثيرة. (١) وانظر على سبيل المثال قول المؤلف: وقال زر عن علي في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢) قال: إلا أن يكون مسافراً فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي. وفي الأصل ذكره من طريقين عن زر عن علي بن أبي طالب ﵁. وعند نفس الآية قال المؤلف: روى المطلب أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يدخل المسجد وهو جنب، إلا علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن بيته كان في المسجد. وفي الأصل ذكر شاهداً له فقال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا العوام بن حوشب قال حدثنا شيخ منذ أربعين سنة: أن علياً كان يمر في المسجد وهو جنب مجتازاً. ومع ذلك فقد حفظ المؤلف غالب المادة العلمية للأصل، ولم يكن مجرد مختصر، بل كان اختصاره عن علم وحسن انتقاء، وله نظر في ذلك وترجيح، وزيادات، واستدراكات على صاحب الأصل، يقول القاضي بكر: وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحاً لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل. (٣)

стр. 72

¬ويمكن بيان أوجه ما زاده المؤلف على الأصل، مقارنة مع ما تبقى من الأصل: ١. زيادته مسألة فقهية، وهي مسألة حجر الزوج على زوجته في مالها ونفسها، وأطال النفس فيها، مستدلاً لها، ومصححاً لما استدل به، ومجيباً على الاعتراضات على ما ذهب إليه (١). وهذه المسألة غير موجودة في الأصل. ٢. ذكره لمجموعة من الأحاديث والآثار المسندة التي ليس مخرجها القاضي إسماعيل، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الأحاديث والآثار عند الحديث عن شيوخ المؤلف وروايته عنهم (٢). ٣. كان له بعض الاستدراكات على شيخه صاحب الأصل، مع عرضها بشيء من الأدب والاحترام، فعند قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). نقل قول القاضي إسماعيل في مسألة حكم الإتمام في السفر، فقال المؤلف: وليس إتمام الصلاة في السفر مثل الصيام، قال القاضي إسماعيل: لأن المسافر فرضه ركعتان فلا يجوز له أن يصلي أكثر من فرضه.

стр. 73

¬قال المؤلف معقباً على هذا: قال القاضي: وطرق هذا الحديث كثيرة، وقد قال مالك في من أتم في السفر: إنه بعيد في الوقت. فإن قيل: إن كان فرضه ركعتين فالزيادة فيها تبطلها كما تبطل الزيادة في الأربع، قلنا: الفرض ركعتين أقوى ما روي ونقل إلينا، ولسنا مثل من جاء بعد المائتين يقول: إنما خالفه لا يجوز البتة، لو قلنا أن يصلي أربعاً يعيد أبداً لكان عثمان وعائشة ﵄ ما صليا، وآراؤنا دون آرائهم، قال ابن مسعود ﵁ وقد صلى خلف عثمان ﵁ أربعاً: ليت حظي من أربع ركعتين، ولم ير الإعادة، وهذا علي بن أبي طالب ﵁ يقول له ابن عباس: كنت معنا نقول لأبي بكر وعمر إن الخمس لنا بالكتاب والسنة حتى أفضي الأمر إليك فقسمته على ما قسماه، قال علي: إنهما تأولا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وتأولنا ولسنا بتأويلنا أولى منهم بتأويليهم، فقسمتها على ما قسماها، وقال: قد كانا رشيدين وما أحب أن يؤثر عني خلافهما، فنحن ما أدركنا الوقت قلنا أيضاً بالأفضل، فإذا خرج الوقت لم نزر على الصحابة ونقول ما يكدح فيهم. وعند قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (١). قال المؤلف: قال القاضي ﵀: وهذه الآية والله أعلم توجب ترك قتل الذراري، والنساء، والشيخ الفاني، ومعنى قوله: ﴿قَاتِلُوا﴾ اقتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تقتلوا من لا فضل فيه لقتالكم، ألا تراه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) فكان هذا مانعاً من قتلهم.

стр. 74

¬ثم قال: قال القاضي إسماعيل: إنما أذن الله ﵎ للنبي ﷺ في القتال بعد قدومه المدينة، ثم أمره بالقتال على أحوال كانت، فكان يؤمر فيها بعينها فمنها والله أعلم هذه الآية التي ذكرناها وغيرها، ثم نسخ ذلك كله وأمر بقتال المشركين كافة وقتال أهل الكتاب. قال القاضي: فقد يجوز أن يكون كما ذكره إسماعيل، ويدخل في معناه ما قدمنا ذكره. وقال في موضع آخر: وقد قال قوم، وقرأوا: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (١) يريد تزوجن. وهذا تأويل من لم يعرف قول النبي ﷺ : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها. وهذا على العموم، وقد أنكر إسماعيل القاضي: (أحصن) أسلمن، لأن الله ذكر في أول الآية: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) فاستُغني بذلك. وهذا مما لا ينبغي له أن ينكره مع علمه باللغة واتساعه فيها، أن يقول الله : ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) فإذا أحصن بالإسلام. فقد قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)، ونظائر هذا في القرآن كثير، قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٥) وفي هذا كفاية، ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٦). وجعل إسماعيل حجته في حد العبد والأمة الحديث دون الآية، والحديث يزيد الآية، ويبين ما فيها والله أعلم، وكان بنص فرآه بذلك.

стр. 75

¬٤. الزيادة فيما طرأ من الحجة للمذهب بعد ذلك، فنجد المؤلف يذكر مثلاً قول الطحاوي في مسألة النبيذ. (١) ٥. الاختيار والترجيح، فلا تكاد تخلو آية - في الغالب - من ابتدائها أو ختمها بقول المؤلف: قال القاضي. وهذه الاختيارات مبنية على أصول منها ما يتعلق بتفسير الآية، ومنها ما يتعلق بالحديث، ومنها ما يتعلق باللغة، وستأتي الإشارة إلى بعضها عند الحديث عن منهج المؤلف التفصيلي إن شاء الله. ولعل هذه النقطة - أعني اختيارات المؤلف وترجيحاته - لا تنسجم مع ما نقل عن المؤلف من قوله: بعدم الاختيار بعد المائتين، فقد قال ابن حزم: وكقول بكر بن العلاء القشيري المالكي: إن بعد سنة مائتين قد استقر الأمر، وليس لأحد أن يختار. (٢) وقال في موضع آخر: وقول بكر بن العلاء: ليس لأحد أن يختار بعد التابعين من التاريخ. ثم قال: ويقال لبكر من بينهم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا غيرك، فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين؟ أو من هو مثله من فقهاء الأمصار، أو من جاء بعد متعقباً عليه وعلى غيره، ممن هو أعلم منه بالسنن وأصح نظراً، أو مثله كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهما. ثم شدد عليه النكير بكلام شديد. (٣) وقال ابن القيم: وقال بكر بن العلاء القشيري: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة. (٤) وما وقفت عليه من هذا مما ذكره المؤلف في كتابه هذا، هو ما يلي: قوله: والقرآن كله قد أحكم، وعرفت أحكامه، فما أُخرَ بيانه عن الحاجة إليه.
следующие страницы →