سلسلة منشورات دار المنهاج للنشر والتوزيع (٢٧)
آرَاءُ ابْن حَجَر الهَيْتَمِي الاعتقادية
عَرْضٌ وَتَقْويم فِي ضَوْءِ عَقِيدَةِ السَّلَف
تَأْلِيف
مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ الشَّايع
مكتبة دار المنهاج، للنشر والتوزيع
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أصل هذا الكتاب رسالة ماجستير تقدم بها الباحث إلى قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وقد أُجيزت الرسالة بتقدير ممتاز مع التوصية بطباعتها وتداولها بين الجامعات
стр. 3
آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية
стр. 4
ح مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، ١٤٢٧ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الشايع، محمد بن عبد العزيز بن محمد
آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف. محمد بن عبد العزيز بن محمد الشايع.-
الرياض، ١٤٢٧ هـ
٨٢٤ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم.- (منشورات مكتبة دار المنهاج؛ ٢٧)
ردمك: ٤ - ٩ - ٩٦٦١ - ٩٩٦٠
١ - العقيدة الإسلامية أ- العنوان ب- السلسلة
ديوي ٢٤٠
٤١٠٤/ ١٤٢٧
جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهاج بالرياض
الطبعة الأولى
١٤٢٧ هـ
حقوق الطبع محفوظة ١٤٢٧ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
مكتبة دار المنهاج
للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض
المركزي الرئيسي -طريق الملك فهد- شمال الجوازات
هاتف ٤٠٦٥٥٥٣ - فاكس ٤٠٨٣٦٩٨ - ص ب ٥١٩٢ الرياض ١١٥٥٣
الفروع: طريق خالد بن الوليد (إنكاس سابقًا) ت ٢٣٢٢٠٩٥
طريق الأمير سعد بن عبد الرحمن (مخرج ١٥) ت ٤٤٥٦٢٢٩
المدينة النبوية -طريق سلطانة ت ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤
مكة المكرمة- الشاميّة- ت ٥٧٣٠٩٨٠/ ٠٢
стр. 5
المقدمة
وتشتمل على:
أ- أهمية الموضوع، وأسباب اختياره.
ب- الدراسات السابقة.
ج- خطة البحث.
د- منهج البحث.
стр. 6
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن أحسن الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (١).
стр. 7
وبعد: فإن علم التوحيد أشرف العلوم وأفضلها، وأرفعها مكانة وأجلها؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم، ولا أشرف من توحيد الله تعالى ومعرفة ما يجب له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وإدراك حقوقه تعالى على عباده، والالتزام بذلك علمًا وعملًا، فإن العبد كلما كان بهذا أعرف وله أتبع كان إلى ربه أقرب، وبهذا تنال النجاة والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
ولما كان من فضل الله عليّ أن جعلني أحد طلاب الدراسات العليا بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة لمرحلة الماجستير؛ اخترت الكتابة في موضوع "آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية، عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف"، بعد استخارة الله تعالى، واستشارة مشايخي الفضلاء الذين أشاروا علي بتسجيله والكتابة فيه.
أسباب اختيار الموضوع:
ومما دفعني لاختيار هذا الموضوع ورغبني فيه، ما يلي:
١ - أهمية دراسة الأعلام المشهورين وآرائهم الاعتقادية، وعظم الفائدة المرجوة من ذلك؛ فإن البحث في آراء هؤلاء الأعلام يفيد الباحث من حيث قراءته الكتب الكثيرة في الفنون المختلفة، ودراسته لأغلب مسائل العقيدة من جهة، ويفيد الباحثين من حيث جمع آراء هؤلاء الأعلام الاعتقادية المتناثرة في كتبهم وتمحيصها من جهة أخرى.
٢ - أهمية دراسة آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية على الخصوص ويتجلى ذلك في أمور:
стр. 8
أ- مكانته العلمية فهو من كبار أعلام الشافعية المتأخرين وأحد المحققين لمذهبهم وله اليد الطولى في تأليف كثير من الكتب التي لا تزال معتمدة عندهم، وأقواله تحظى بالقبول لديهم ولدى غيرهم من أتباع المذاهب الأخرى.
ب- كثرة مصنفاته وتنوع فنونها، حيث أربت على المائة والعشرين؛ طبع منها نحو الخمسين والباقي ما بين مخطوط ومفقود، وقد ملأها بكثير من آرائه الاعتقادية التي خالف فيها منهج السلف؛ مما يحتم بيانها والتحذير منها، ومناقشته فيها.
ج- أنه يعتبر من الأشاعرة المتأخرين الذين يجمعون بين التمشعر والتصوف في آن واحد؛ ولهذا فإن دراسة آرائه تعني الرد على الأشاعرة والصوفية، وتمييز ما أدخله من آراء المتصوفة على عقائد الأشاعرة.
د- أنه يعد من حاملي لواء بعض البدع العملية وداعيًا إليها كالتوسل الممنوع، وشد الرحال إلى القبور، والاحتفال بالمولد النبوي وغيرها؛ مما جعله مرجعًا للقبورية والمتصوفة المتأخرين.
هـ- أنه على جلالته العلمية إلا أنه كان له موقف معاد لبعض أئمة السلف كشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم، فقد أكثر من الطعن فيهما والتقول عليهما، فلعل في هذا البحث دفاعًا عن هؤلاء الأعلام وانتصارًا لهم.
٣ - أن هذا الموضوع لم يتناوله أحد بالبحث -حسب علمي-.
الدراسات السّابقة:
لم يتناول أحد بالبحث -حسب علمي- آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية على وجه التفصيل، ولكن هناك دراسات تخدم البحث يمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: دراسات تتعلق بالمسائل التي اختلف فيها ابن حجر مع شيخ الإسلام ابن تيمية سواء كانت عقدية أو فقهية:
والكتاب الوحيد في ذلك "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" تأليف السيد نعمان خير الدين الشهير بابن الألوسي البغدادي.
стр. 9
وأصل الكتاب هو رد على إحدى فتاوى ابن حجر الهيتمي المضمنة فتاواه الحديثية، سئل فيها عن شيخ الإسلام ابن تيمية، فأجاب فيها بأنه مبتدع ضال، وجاهل غال، ثم ذكر بعض المسائل التي انتقدها على شيخ الإسلام ابن تيمية سواء أكانت مسائل فقهية أو مسائل عقدية، وهذه المسائل منها ما يقول به شيخ الإسلام ومنها ما هو مفترى عليه.
والكتاب إنما هو في الرد على ابن حجر في اتهامه لشيخ الإسلام ابن تيمية، وليس في دراسة آراء ابن حجر الاعتقادية، وفرق بين الأمرين.
القسم الثاني: دراسات مختصرة عن عقيدة ابن حجر الهيتمي قام بها بعض الباحثين استكمالًا لعناصر ترجمته في مقدمات تحقيقاتهم لبعض كتبه.
ويلحظ على هذه الدراسات جميعًا كونها لم تف بكافة جوانب البحث، وذلك لِمَا يلي:
١ - أن دراساتهم دراسات موجزة تناسب الغرض الذي سيقت من أجله، ولهذا فإن أكثرهم تفصيلًا لم يُسطّر فيها أكثر من عشر صفحات.
٢ - أن دراساتهم كانت في بيان عقيدة ابن حجر لا في دراسة آرائه الاعتقادية، وفرق بين الأمرين.
٣ - أن دراساتهم كانت مجملة، لم تعتمد على استقراء كلامه وتقصي آرائه فهي في مجملها تقرر أشعريته وتصوفه، وتدعم ذلك ببعض الأمثلة فقط.
خطة البحث:
اقتضت طبيعة البحث تقسيمه إلى مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة:
المقدمة: وتشتمل على:
أ- أهمية الموضوع، وأسباب اختياره.
ب- الدراسات السابقة.
ج- خطة البحث.
د- منهج البحث.
стр. 10
التمهيد في ترجمة ابن حجر الهيتمي، وبيان مصادره ومنهجه في تقرير العقيدة، وموقفه من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم:
وفيه ثلانة مباحث:
المبحث الأول: ترجمة ابن حجر الهيتمي.
المبحث الثاني: مصادر ابن حجر ومنهجه في تقرير العقيدة.
المبحث الثالث: موقف ابن حجر من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم.
الباب الأول: آراؤه في الايمان بالله:
وفيه تمهيد وثلاثة فصول:
تمهيد في تعريف التوحيد وبيان أقسامه.
الفصل الأول: آراؤه في توحيد الربوبية:
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف توحيد الربوبية.
المبحث الأول: معرفة الله تعالى.
المبحث الثاني: الفطرة.
المبحث الثالث: حكم إيمان المقلد.
الفصل الثاني: آراؤه في توحيد الألوهية:
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف توحيد الألوهية.
المبحث الأول: معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وفضلها.
المبحث الثاني: معنى العبادة، وبيان بعض أنواعها.
المبحث الثالث: موقفه مما ينافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه.
الفصل الثالث: آراؤه في توحيد الأسماء والصفات:
وفيه تمهيد، ومبحثان:
تمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات.
стр. 11
المبحث الأول: آراؤه في أسماء الله.
المبحث الثاني: آراؤه في صفات الله.
الباب الثاني: آراؤه في بقية أركان الإيمان:
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالملائكة:
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف الملائكة.
المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه.
المبحث الثاني: المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر.
المبحث الثالث: عصمة الملائكة.
الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالكتب:
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف الكتب.
المبحث الأول: معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه.
المبحث الثاني: نزول القرآن ومعناه.
المبحث الثالث: إعجاز القرآن.
الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالرسل:
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما.
المبحث الأول: آراؤه في الإيمان بالأنبياء والرسل عمومًا.
المبحث الثاني: آراؤه في الإيمان بنبينا محمد ﷺ .
المبحث الثالث: آراؤه في كرامات الأولياء.
الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر:
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
стр. 12
تمهيد: في تعريف اليوم الآخر.
المبحث الأول: آراؤه في الحياة البرزخية.
المبحث الثاني: آراؤه في أشرطة الساعة.
المبحث الثالث: آراؤه في الحياة الآخرة.
الفصل الخامس: آراؤه في القضاء والقدر:
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما.
المبحث الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه.
المبحث الثاني: آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضلال، وتنزيه الله عن الظلم.
المبحث الثالث: آراؤه في التحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق.
الباب الثالث: آراؤه في الصحابة، والإمامة، ومسائل الأسماء والأحكام: وفيه فصلان:
الفصل الأول: آراؤه في الصحابة، والإمامة:
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: آراؤه في الصحابة.
المبحث الثاني: آراؤه في الإمامة.
الفصل الثاني: آراؤه في مسائل الأسماء والأحكام:
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وبيان أهميتها.
المبحث الأول: آراؤه في مسائل الإيمان.
المبحث الثاني: آراؤه في مسائل الكفر والتكفير.
المبحث الثالث: آراؤه في مسائل البدعة.
стр. 13
الخاتمة:
وفيها أهم نتائج البحث.
الفهارس:
١ - فهرس الآيات.
٢ - فهرس الأحاديث.
٣ - فهرس الأعلام.
٤ - فهرس الملل والنحل.
٥ - فهرس المصطلحات.
٦ - فهرس الألفاظ الغريبة.
٧ - فهرس المصادر والمراجع.
٨ - فهرس الموضوعات.
منهج البحث:
سلكت في كتابة البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، ويمكن تلخيص معالمه فيما يلي:
أولًا: فيما يتعلق بجمع المادة العلمية:
١ - حصرت كتب ابن حجر الهيتمي ومؤلفاته المخطوطة والمطبوعة، وقرأتها قراءة فاحصة لاستخراج المسائل العقدية منها وآرائه فيها.
٢ - رتّبت تلك المسائل على أبواب العقيدة ومباحثها، وفق ما رسمه السلف في كتبهم ومؤلفاتهم.
ثانيًا: فيما يتعلق بعرض المسائل ودراستها:
١ - ذكرت أولًا رأي ابن حجر في المسألة موجزًا، ثم أوردت كلامه فيها بتمامه إن كان قصيرًا، أو مع التصرف فيه بما لا يخل بمقصوده إن كان طويلًا، وإن كان قد تكلم في المسألة في أكثر من موضع، فإني أقارن بين تلك المواضع فإن كان كلامه فيها متفقًا أوردت أجمعها وأحلت في الحاشية على الباقي، وإن كان كلامه مختلفًا أو فيه زيادة أو نقصان ذكرته كله وحاولت التوفيق بينه.
стр. 14
٢ - بعد إيراد كلام ابن حجر ذكرت عقبه موافقته لمنهج السلف في المسألة أو مخالفته لهم:
أ- فإن كانت المسألة مما وافق فيه منهج السلف ذكرت ما يدل على ذلك من كلامهم وبعض أدلتهم باختصار وإيجاز.
ب- وإن كانت المسألة مما خالف فيه منهج السلف ذكرت ما يدل على ذلك مع مناقشته فيما ذهب إليه بحسب كلامه فيها إجمالًا وتفصيلًا.
٣ - في دراسة المسائل لم أعرض لاختلاف الطوائف وأقوال الفرق في المسألة المقصودة بالبحث، إلا إذا تعرض لذلك ابن حجر في كلامه عليها، أو كانت طبيعة المسألة تقتضي ذلك، إذ المقصود تقويم آراء ابن حجر الاعتقادية من حيث موافقتها أو مخالفتها لمنهج السلف.
ثالثًا: فيما يتعلق بكتابة البحث وتوثيقه:
أ- عزوت الآيات إلى سورها، وذكرت رقم الآية فيها، وجعلت ذلك في متن البحث، خشية الإطالة بذكرها في الحاشية.
٢ - خرجت الأحاديث التي ذكرتها في البحث، وسلكت في ذلك الآتي:
أ- إذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، اكتفيت بهما عما سواهما.
ب- إذا كان الحديث خارج الصحيحين، فإني أجتهد في تخريجه من المصادر الحديثية المعتمدة، ثم أذكر حكم الأئمة عليه.
ج- رتبت مصادر التخريج باعتبار الكتب الستة أولًا ثم ما عداها بحسب تواريخ وفيات أصحابها.
د- ذكرت عنوان الكتاب والباب ورقم الجزء والصحيفة والحديث في الكتب الستة، واكتفيت برقم الجزء والصحيفة والحديث فيما عداها.
٣ - وثقت النقول التي نقلها ابن حجر الهيتمي، والتي استطعت الوقوف عليها.
٤ - ترجمت للأعلام غير الصحابة والأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة ومَن وَرَدَ ذكره عرضًا في سياق أسانيد الأحاديث المُتكلّم عليها،
стр. 15
وذكرت اسم المترجم، وعقيدته -قدر الاستطاعة- وشيئًا من مؤلفاته، وتاريخ وفاته.
٥ - عرّفْتُ بالملل والنحل الواردة في البحث.
٦ - عرفت بالأماكن والبلدان والألفاظ الغريبة الواردة في البحث.
٧ - سلكت في كتابة البحث طرائق البحث المعروفة في عزو النصوص.
٨ - أخرت ذكر بيانات المصادر إلى فهرسها، خشية الإطالة بذكرها.
هذا، وأحمد الله -جل وعلا- على ما مَنّ به عليّ من إتمام هذا البحث، وأشكر له فضله وإنعامه، فله الحمد أولًا وآخرًا، وأبرأ من الحول والقوة إلا به، وأسأله أن يجعله خالصًا لوجهه، نافعًا لي يوم العرض عليه، وأن يعفو عما وقع لي فيه من خطأ أو تقصير، وأن يوفقني للسداد، ويهديني سبل الرشاد.
وأشكر بعد شكر الله تعالى من قرن شكرهم بشكره، وهما والداي الكريمان على حسن تربيتهما وكريم عنايتهما، ثم لزوجتي المباركة التي كانت ولا تزال نعم المعين لي على الدراسة والبحث. أجزل الله للجميع المثوبة، وأسبغ عليهم نعمة الصحة.
كما أشكر فضيلة الشيخ الدكتور يوسف بن محمد السعيد الأستاذ المشارك بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، الذي أشرف على هذا البحث، ولم يدخر جهدًا في توجيهه وتصويبه، فأعلى الله درجته، ووفقه في دينه ودنياه، وبارك له في علمه وعمله وعمره.
وبعد، فهذا جهد المقل، وهذه بضاعته، فإن أصبت فذلك محض فضل الله، وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
стр. 16
التمهيد في ترجمة ابن حجر الهيتمي، وبيان مصادره ومنهجه في تقرير العقيدة، وموقفه من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ترجمة موجزة لابن حجر الهيتمي.
المبحث الثاني: مصادر ابن حجر الهيتمي ومنهجه في تقرير العقيدة.
المبحث الثالث: موقف ابن حجر من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم -رحمهما الله-.
стр. 17
المبحث الأول ترجمة موجزة لابن حجر الهيتمي
المطلب الأول عصر ابن حجر سياسيًا، ودينيًا، واجتماعيًا، وعلميًا
أولًا: الحالة السياسية:
عاش ابن حجر ﵀ في القرن العاشر الهجري، وعاصر دولتين إسلاميتين هما: دولة المماليك، ودولة العثمانيين، حيث عاش قرابة الخمسة عشر عامًا الأولى من عمره في عهد الدولة الأولى، وقضى البقية منه وهو قرابة الاثنين والخمسين عامًا في عهد الدولة الثانية.
أما الدولة الأولى: وهي دولة المماليك:
فقد كانت تحكم مصر والشام، وتسيطر على غرب الجزيرة العربية سيطرة اسمية (١).
والفترة التي عاصرها ابن حجر ﵀ من هذه الدولة تعتبر فترة ضعفها وهرمها، حيث ساءت الأحوال فيها بسبب كثرة الفتن والاضطرابات الداخلية من جهة، وتسلط الصليبيين الإسبان والبرتغال من جهة أخرى.
فقد ظهر في هذه الفترة الضعف والتفكك بين أفراد المجتمع، وانتشرت العصبية المقيتة بينهم، وساد النظام الإقطاعي، وكثرت المكوس
стр. 18
على التجار والمزارعين، وتمكن الصليبيون من الاستيلاء على عدن وعمان (١).
ولَمّا رأى بعض أمراء المماليك ضعف الدولة المملوكية، وقوة أعدائها الصليبيين، والخطر المحدق بالمسلمين اتصل بالعثمانيين وطلب منهم سرعة التدخل، ووعدهم بالتعاون (٢).
حينها تحركت جيوش الدولة العثمانية، ففتحت مصر أوائل سنة (٩٢٣ هـ)، ثم امتد فتحها ليشمل بقية تركة الدولة المملوكية، ومنها الحجاز (٣).
وأما الدولة الثانية: وهي دولة العثمانيين:
فقد كانت تحكم الشرق الأقصى الإسلامي، ثم امتد حكمها -كما سبق- ليشمل تركة الدولة المملوكية (٤).
والفترة التي عاصرها ابن حجر ﵀ من هذه الدولة تمثل عصرها الذهبي في تاريخها الطويل، ويمثل هذا العصر ولاية خليفتين من خلفائها، هما:
١ - سليم الأول (٥)، والفترة التي عاصرها ابن حجر من ولايته (٩٢٣ هـ- ٩٢٦ هـ).
стр. 19
٢ - سليمان القانوني (١)، والفترة التي عاصرها ابن حجر من ولايته (٩٢٦ هـ- ٩٧٤ هـ).
وفي هذا العصر الذهبي للدولة العثمانية كان الحكم الإسلامي في العالم يشهد أعظم اتساع له على مدى التاريخ (٢).
لكن الدولة العثمانية مع ذلك كانت تواجه خطرين في وقت واحد:
الخطر الأول: خطر الروافض (٣) ممثلًا في الدولة الصفوية التي قامت سنة (٩٠٦ هـ) قبل مولد ابن حجر بقرابة ثلاث سنين، وكان قيامها نقطة تحول كبير في تاريخ إيران، والشرق كله، فلأول مرة يعلن الرفض مذهبًا رسميًا لكل إيران (٤).
والخطر الثاني: خطر الصليبيين ممثلًا في الأوربيين، وبخاصة البرتغال الذين وصل نفوذهم إلى محاولة الوصول إلى الأماكن المقدسة مكة والمدينة (٥).
стр. 20
هذا هو حال العالم الإسلامي بعمومه، أما في مكة بخصوصها والتي قضى ابن حجر ﵀ معظم سني حياته بها فقد كانت تحت حكم أسرة آل أبي نُميّ، وهي أسرة حسنية، وكان حكمهم خاضعًا للدولة العثمانية.
وقد عاصر ابن حجر ﵀ اثنين من أمراء هذه الأسرة، هما:
١ - بركات بن محمد بركات بن حسن (١) (٩٠٣ هـ- ٩٣١ هـ).
٢ - محمد بن بركات بن محمد بركات (٢) (٩٣١ هـ- ٩٩٢ هـ).
وقد تتابعت الفتن والحروب بين أفراد أسرة آل أبي نمي، وكان كل منهم يستعين بمن يواليه من القبائل التي حول مكة (٣).
ثانيًا: الحالة الدينية:
كانت الدولة المملؤكية قد حملت الناس على اتباع أحد المذاهب الفقهية الأربعة وترك كل ما سواها، وتعزير من يخالفها أو يخرج عنها (٤).
ولَمّا جاءت الدولة العثمانية اتخذت المذهب الحنفي مذهبًا رسميًا لها (٥).
وقد كان عامة أهل العلم في هذه الفترة أشعرية (٦) أو
стр. 21
ما تريدية (١) المعتقد، صوفية (٢) الطريقة؛ حيث انتشر التصوف في العالم الإسلامي أجمع (٣).
وقد ساعد على ذلك تأييد الدولة العثمانية له فيما بعد، مما أدى إلى بروز جملة من مظاهره في المجتمع، منها:
١ - بناء المشاهد والقبور.
٢ - كثرة الزوايا الصوفية.
٣ - الاحتفالات البدعية.
٤ - إقامة مجالس السماع.
٥ - انتشار التواكل وترك العمل والكسب.
٦ - ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد أثرت هذه المظاهر على هدي المجتمع المسلم في هذه الفترة، وقلّ التزام الناس بالفرائض الدينية (٤)، وتسلل هذا لبعض الحكام والقضاة (٥).
стр. 22
ثالثًا: الحالة الاجتماعية:
كان للفتوحات الإسلامية واتساع رقعة الدولة الإسلامية في هذا العصر أثر بلا شك على الحالة الاجتماعية.
فقد أدى ذلك إلى تداخل الأجناس واللغات، ونتج عنه تمازج الشعوب، وانتقال المبادئ والأفكار والثقافات.
وكان لمصر والحجاز قصب السبق في ذلك لمكانتهما التاريخية، وأهميتهما السياسية في ذلك الوقت.
وقد برزت في عصر ابن حجر ﵀ نتيجة لذلك جملة من المظاهر الاجتماعية السلبية، منها:
١ - العصبية بين الأتراك والعرب التي تجاوزت مداها إلى أن القتيل من العرب لا يؤخذ له بالقصاص من قاتله، وأصبحت سببًا بعد ذلك في سقوط الدولة العثمانية.
٢ - كثرة الاختلافات في المسائل الشرعية والنوازل الفقهية وكلام العامة فيها، واضطراب أهل العلم حولها، كإصلاح ما وهى وتشعب من الكعبة، والسماع الصوفي، وشرب القهوة ونحو ذلك، وما نتج عنه من فتن وقلاقل وتحزبات داخل المجتمع الواحد.
٣ - انتشار الحشيش أكلًا وتدخينًا، وأكل القات، وشرب التبغ.
وقد كان لابن حجر ﵀ عناية فائقة بعلاج هذه المظاهر، حيث ألّف عددًا من المؤلفات في بيان أحكامها والتحذير منها، مثل: مبلغ الأرب في فخر العرب (١)، والمناهل العذبة في إصلاح ما وهى من الكعبة (٢)، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع (٣)، وتحذير الثقات عن أكل الكفتة والقات.
وكثير من كتب ابن حجر -رجمه الله- تجلي هذه الظواهر الاجتماعية وتصف العلاج لها، وتعكس علاقة التأثير والتأثر بين ابن حجر ﵀ وبين مجتمعه.
стр. 23
رابعًا: الحالة العلمية:
لقد عاش ابن حجر ﵀ أغلب سني القرن العاشر الهجري؛ والمتأمل لهذا القرن من جهة ما كتب فيه وما كتب عنه، يظهر له مدى الضعف العلمي الذي يعانيه مقارنة بما سبقه من القرون، ويتجلى ذلك في مظاهر عدة، أهمها:
١ - انتشار البدع والخرافات كالموالد، ومجالس السماع، والصلوات المبتدعة ونحوها.
٢ - شيوع الجمود الفكري، والتقليد المذهبي، ودعوى إغلاق باب الاجتهاد.
٣ - اشتغال العلماء والطلاب في دروسهم بعلوم الآلة، والتصوف، والفقه المذهبي، دون علوم الاجتهاد.
٤ - اقتصار كثير من المؤلفات على المتون والاختصارات والشروح والحواشي.
وهذه الحالة العلمية الضعيفة كانت هي السائدة في العالم الإسلامي عامة (١).
أما مصر التي عاش بها ابن حجر ﵀ أوائل عمره فقد كانت مأهولة بالعلماء نظرًا لوجود الجامع الأزهر فيها، وبعد فتح العثمانيين لها انتقل كثير منهم إلى استنبول عاصمة الدولة العثمانية (٢)، والفترة التي قضاها ابن حجر ﵀ في مصر تمثل الفترة الأولى فيها.
وأما الحجاز التي قضى ابن حجر ﵀ بها بقية عمره فقد كانت أحسن حالًا من غيرها نظرًا لوجود الحرمين بها، خاصة بعد دخولها تحت سلطة الدولة العثمانية الواسعة النفوذ؛ حيث أصبح الطريق إلى مكة والمدينة ميسورًا وبدأت الهجرة إليهما تفتح أبوابها وأصبح العلماء يجاورون بهما مما ساعد على ازدهار العلم (٣).
стр. 24
ومع ذلك لم يخل هذا القرن من جملة من أهل العلم المشهورين، الذين عاصرهم ابن حجر ﵀.
فمن الحنفية: ابن كمال باشا (١)، وابن طولون (٢)، وطاش كبرى زاده (٣)، وابن نجيم (٤)، وأبو السعود (٥).
ومن المالكية: الونشريسي (٦)، والحطاب (٧)، واللقاني (٨)، والأخضري (٩).
стр. 25
ومن الشافعية: القسطلانى (١)، وزكريا الأنصاري (٢)، وبحرق (٣) والرملي (٤)، والخطيب الشربيني (٥).
ومن الحنابلة: العليمي (٦)، والشويكي (٧)، وابن عطوة (٨) والحجاوي (٩)، وابن النجار (١٠).
стр. 26
المطلب الثاني حياته الشخصية
أولً ا: اسمه ، ولقبه، وكنيته:
أ- اسمه:
هو (١): أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر، السلمنتي، الهيتمي، الوائلي، السعدي، المصري، ثم المكي.
стр. 27
وبهذا السياق ذكر ابن حجر ﵀ نفسه في معجم شيوخه (١).
والمتأمل له يجده قد نسب نفسه فيه إلى:
١ - ابن حجر: وهي -بفتح الحاء المهملة والجيم المعجمة بعدها- نسبة لأحد أجداده؛ لقب بحجر لملازمته الصمت (٢).
٢ - السَّلمنتي: وهي -بالسين المهملة المفتوحة المشددة، بعدها لام ساكنة، وميم مضمومة، ونون ساكنة- نسبة إلى سلمنت (٣)، وهي موطن أهله قبل انتقالهم إلى محلة أبي الهيتم (٤).
٣ - الهيتمي: وهي نسبة إلى محلة أبي الهيتم أو الهياتم بمصر الغربية، واختلف في ضبطها هل هو بالمثناة أم المثلثة؟
قال العلامة الغزي (٥): "ضبطها عبد القادر الفاكهي في ترجمته بالمثناة الفوقية، وأما ما يقع لبعض المتشدقين من قراءته بالمثلثة فلم أقف عليه في كلام أئمة المنقول" (٦).
وقال العلامة الزبيدي (٧): "يقال هي محلة أبي الهيثم بالمثلثة، فغيرتها العامة" (٨).
стр. 28
وعلى هذا فمن ذكره بالمثلثة؛ على القول الأول: ضبطهم له خاطئ، وعلى القول الثاني: ضبطهم له محتمل.
٤ - الوائلي: وهي نسبة لوائل، وهو بطن من بني سعد الأنصار (١).
٥ - السعدي: وهي نسبة لبني سعد الذين كانوا في مصر، وموطنهم إقليم الشرقية (٢).
قال تلميذه الفاكهي في مقدمة فتاويه: "المستفاض أنهم من الأنصار، ولكن امتنع شيخنا من كتابة الأنصاري تورعًا" (٣).
٦ - المصري: وهي نسبة إلى مصر التي ولد بها وقضى فيها أوائل عمره.
٧ - المكي: وهي نسبة لمكة المكرمة التي استوطنها باقي حياته بعد انتقاله من مصر.
ب- لقبه:
يلقب المترجم بشهاب الدين، وقد أثبت ذلك ﵀ في معجمه (٤)، وذكره عنه من ترجم له (٥).
ج- كنيته:
يُكنّى بكنيتين:
١ - أبو العباس، وبها اشتهر (٦).
٢ - أبو عبد الله، ووجدت على طرة إحدى مخطوطات كتبه (٧)، ولم أجد فيما اطلعت عليه من مصادر ترجمته من ذكر له ولدًا بهذا الاسم.
стр. 29
ثانيً ا: مولده ، ونشأته، ورحلاته:
أ- مولده:
ذكر تلميذه السيفي (١) أنه وجد بخطه أنه ولد في محلة أبي الهيتم أواخر سنة (٩٠٩ هـ) (٢).
وهناك قولان آخران في سنة ولادته:
الأول: أنها سنة (٩١١ هـ) وهو قول الغزي (٣)، وعمدته في ذلك إخبار حفيده عبد العزيز الزمزمي (٤) بذلك.
الثاني: أنها سنة (٨٩٩ هـ) وهو قول الزبيدي (٥)، والكتاني (٦)(٧)، ولم يذكرا عمدتهما في ذلك.
والراجح أنه ولد أواخر سنة (٩٠٩ هـ)؛ وذلك لِمَا يلي:
١ - أنه ذكر في معجم شيوخه (٨) أنه ولد قبل وفاة السيوطي (٩) بنحو ثلاث سنين، والسيوطي توفي في جمادى الأولى سنة (٩١١ هـ)؛ ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالقول بمولده سنة (٩٠٩ هـ).
стр. 30
٢ - أنه ذكر في معجم شيوخه (١) أن شيوخه أجازوا له بالإفتاء والتدريس وسنه دون العشرين، وذكر تلميذه السيفي (٢) أنهم أجازوه أواخر سنة (٩٢٩ هـ)؛ وبالجمع بين هذين النصين يظهر صواب القول بمولده سنة (٩٠٩ هـ) وبعد القول بما عداه.
٣ - أن تلميذه السيفي -كما سبق- قد نصّ على ذلك، وصرح أنه وجد ذلك بخطه.
ب- نشأته:
نشأ ابن حجر ﵀ في محلة أبي الهياتم يتيم الأب حيث توفي والده وهو صغير (٣)، فكفله جده برعايته وتدريسه، فحفظ القرآن وكثيرًا من المنهاج في الفقه الشافعي، ثم توفي جده فكفله شيخا أبيه:
١ - شمس الدين بن أبي الحمائل (٤).
٢ - شمس الدين الشناوي (٥).
وانتقل به الثاني إلى طنطا حيث المسجد الأحمدي، ثم إلى القاهرة حيث الجامع الأزهر، وفيهما تلقى تعليمه (٦)، واستجاز شيوخه بإقراء العلوم والتصدر للإفتاء على المذهب الشافعي، فأجازوه وأذنوا له بذلك وهو دون العشرين (٧).
стр. 31
وقد نقلت بعض مصادر ترجمته بعض ما عاناه في صباه وأوائل شبابه، ومنها قوله عن نفسه: "قاسيت في الجامع الأزهر من الجوع ما لا تحتمله الجبلة البشرية لولا معونة الله وتوفيقه، بحيث إني جلست فيه نحو أربع سنين ما ذقت اللحم إلا في ليلة دعينا لأكل فإذا هو لحم يوقد عليه، فانتظرناه إلى انبهار الليل -أي: منتصفه- ثم جيء به فإذا هو يابس كما هو نيء فلم أستطع منه لقمة" (١).
ج- رحلاته:
في أثناء إقامته بمصر كان يتردد على مكة حاجًا ومعتمرًا ويجاور بها، وفي سنة (٩٤٠ هـ) قرر سكنى مكة المكرمة فقدم إليها بأهله واستوطنها إلى أن توفي سنة (٩٧٤ هـ) (٢).
وقد ذكرت بعض مصادر ترجمته (٣) سبب انتقاله من مصر إلى مكة، وعزت ذلك إلى ما وقع له بالقاهرة من تسلط بعض حساده عليه.
حيث كان مشتغلًا باختصار متن الروض في فقه الشافعية وشرحه، وقد ألحق به كثيرًا مما في كتب أهل اليمن وغيرهم، فلما رآه بعض العلماء طلبوا استنساخه فعمل أحد حاسديه على إتلافه، فحزن ابن حجر لذلك حزنًا شديدًا اعتل به، ومرض بسببه مدة من الزمن؛ فقرر حينها ترك مصر والمجاورة بمكة.
قال السيفي: "سمعت شيخنا ﵀ وهو يعفو عن فاعل ذلك، ويقول: حلله الله وعفا عنه" (٤).
وفي أثناء مقامه بمكة تكررت زيارته المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وفي إحداها ألّف كتابه الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرّم (٥).
стр. 32
ولم تذكر المصادر رحلات أخرى له ﵀ غير رحلته إلى مكة المكرمة والمدينة النبوية.
ثالثًا: وفاته:
توفي ﵀ بمكة، وذكرت أكثر المصادر أن وفاته سنة (٩٧٤ هـ)، ونص بعضها على أنه توفي يوم الاثنين الثالث والعشرين من رجب منها.
يقول تلميذه السيفي: "كان ابتداء مرضه الذي انتقل فيه في شهر رجب، فترك التدريس نيفًا وعشرين يومًا، ووصى يوم السبت الحادي والعشرين من رجب المذكور، وتوفي ضحوة الاثنين الثالث والعشرين من الشهر المذكور سنة أربع وسبعين وتسعمائة" (١).
وقد شذت بعض المصادر (٢) فذكرت أنه توفي سنة (٩٧٣ هـ)، والصحيح الأول؛ وذلك لأمرين:
أحدهما: أن القائلين بالقول الأول أخص بابن حجر، ومنهم تلميذه السيفي.
ثانيهما: أن تلميذه السيفي ذكر تاريخ وفاته مفصلًا -كما سبق- مما يدل على عنايته به وضبطه.
ومن طريف ما ذكر مترجموه أنه أشيع في حياته بدمشق سنة (٩٧١ هـ) أنه توفي، فصلي عليه صلاة الغائب، ثم تبين بعد ذلك أنه حي لم يمت (٣).
* * *
стр. 33
المطلب الثالث حياته العلمية
أولًا: شيوخه:
تتلمذ ابن حجر ﵀ على جماعة من علماء عصره، وتلقى عنهم فنونًا عدّة كلّ حسب اختصاصه وما شُهِرَ به.
وقد ذكرت المصادر منهم نحوًا من أربعين شيخًا، وسأقتصر على ذكر أشهرهم، وأكثرهم أثرًا عليه، وهم:
١ - زكريا الأنصاري: هو زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، السنيكي، القاهري، الأزهري، الشافعي.
ولد سنة (٨٢٦ هـ)، وتوفي سنة (٩٢٦ هـ).
من مؤلفاته: حاشية على تفسير البيضاوي، وشرح ألفية العراقي، وشرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي (١).
تتلمذ عليه ابن حجر ولم يتجاوز عمره الثالثة عشر، وأجازه بمروياته (٢).
قال عنه ابن حجر: "ما اجتمعت به إلا قال: أسأل الله أن يفقهك في الدين" (٣).
وقد ذكر ابن حجر في معجمه، والفاداني (٤) في أسانيده الكتب التى قرأها على شيخه زكريا وأجازه بها.
стр. 34
٢ - الزيني السنباطي: هو عبد الحق بن محمد بن عبد الحق السنباطي القاهري الشافعي.
ولد سنة (٨٤٢ هـ)، وتوفي سنة (٩٣١ هـ) (١).
جلس للإقراء بالجامع الأزهر، ودرس عليه خلق كثير، منهم ابن حجر (٢)، وأجازه بمروياته (٣).
وقد ذكر ابن حجر في معجمه (٤) والفاداني في أسانيده (٥) الكتب التي قرأها عليه وأجازه بها.
٣ - شمس الدين الدلجي: هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الدلجي العثماني الشافعي.
ولد سنة (٨٦٠ هـ) وتوفي سنة (٩٤٧ هـ).
من مؤلفاته: شرح على الأربعين النووية، وشرح على الشفا، ومقاصد المقاصد اختصر به مقاصد التفتازاني (٦).
تتلمذ عليه ابن حجر وعمره ثماني عشرة سنة (٧)، وقرأ عليه علومًا عدّة، هي: علم المعاني والبيان، وعلم الأصلين، وعلم المنطق (٨).
٤ - أبو الحسن البكري: هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد البكري، الصديقي، المصري، الشافعي، المتوفى سنة (٩٥٢ هـ).
من مؤلفاته: الكنز في شرح المنهاج للنووي، وشرح الروض، وشرح العباب (٩).
стр. 35
تتلمذ عليه ابن حجر، وقرأ عليه في الأصلين وغيرهما (١)، وقد أجازه بالإفتاء والتدريس وعمره دون العشرين (٢).
٥ - الشمس الحطابي: هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب، الرعيني، الأندلسي، المكي.
ولد سنة (٩٥٢ هـ)، وتوفي سنة (٩٥٤ هـ).
من مؤلفاته: قرة العين بشرح الورقات لإمام الحرمين، ومتممة الآجرومية في علم العربية، وتفريج القلوب بالخصال المكفرة لِمَا تقدم وما تأخر من الذنوب (٣).
تتلمذ عليه ابن حجر، وأخذ عنه النحو والصرف (٤).
٦ - الشهاب الرملي: هو أحمد بن حمزة الرملي المنوفي، الأنصاري، الشافعي.
المتوفى سنة (٩٥٧ هـ).
تولى التدريس بعد وفاة شيخه زكريا، وتتلمذ عليه أغلب طلاب العلم بمصر.
جمع ابنه فتاويه (٥)، وقد طبعت طبعات عدة منسوبة للابن.
تتلمذ عليه ابن حجر (٦)، وأجاز له بالإفتاء والتدريس وهو دون العشرين (٧).
٧ - ناصر الدين اللقاني: هو محمد بن حسن اللقاني المالكي، الشهير بناصر الدين.
стр. 36
ولد بمصر سنة (٨٧٣ هـ)، وتوفي بها سنة (٩٥٨ هـ).
من مؤلفاته: شرح جمع الجوامع، حاشية على السعد التفتازاني في العقائد، شرح التصريف للزنجاني (١).
تتلمذ عليه ابن حجر، وأخذ عنه علومًا عديدة، منها المنطق (٢).
٨ - محمد الشنشوري: هو محمد بن عبد الله بن علي الشنشوري المصري الشافعي.
ولد سنة (٨٨٨ هـ)، توفي سنة (٩٨٣ هـ) (٣).
تتلمذ عليه ابن حجر، وقرأ عليه المنطق (٤).
ثانيًا: تلاميذه:
تتلمذ على ابن حجر ﵀ وأخذ عنه جماعة، ذكرت المصادر منهم نحوًا من خمسين تلميذًا.
وفيما يلي ذكر أشهرهم:
١ - عبد القادر الفاكهي: هو عبد القادر بن أحمد بن علي الفاكهي المكي.
ولد سنة (٩٢٠ هـ)، وتوفي سنة (٩٨٢ هـ).
له مؤلفات كثيرة لا تحصى حتى شبه بالجلال السيوطي، منها: شرحان على البداية للغزالي، وشرح لمنهج القاضي زكريا، ومناهج الأخلاق السّنّيّة في مباهج الأخلاق السنية وغيرها.
تتلمذ على ابن حجر ولازمه، وأكثر عنه في الفقه، وألّف رسالة في
стр. 37
مناقبه سماها: فضائل ابن حجر الهيتمي (١)(٢).
٢ - عبد الرؤوف الواعظ: هو عبد الرؤوف بن يحيى بن عبد الرؤوف المكي الشافعي، عرف جده بالواعظ.
ولد سنة (٩٣٠ هـ)، وتوفي سنة (٩٨٤ هـ).
تتلمذ على ابن حجر واختص به، وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية، وأجازه بمروياته (٣).
٣ - محمد طاهر الهندي: هو جمال الدين محمد طاهر الملقب بملك المحدثين، الهندي.
ولد سنة (٩١٣ هـ)، وتوفي مقتولًا على يد الرافضة سنة (٩٨٦ هـ).
من مؤلفاته: مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار.
تتلمذ على ابن حجر في رحلة حجه إلى مكة (٤).
٤ - محمد الفاكهي: هو محمد بن أحمد بن علي الفاكهي المكي الحنبلي.
ولد سنة (٩٢٣ هـ)، وتوفي سنة (٩٩٢ هـ).
من مؤلفاته: شرح مختصر الأنوار المسمى نور الأبصار في فقه الشافعية، ورسالة في اللغة.
تتلمذ على ابن حجر في آخرين (٥).
стр. 38
٥ - أحمد بن قاسم العبادي: هو أحمد بن قاسم العبادي، القاهري، الشافعي، المتوفى سنة (٩٩٤ هـ).
من مؤلفاته: الآيات البينات على جمع الجوامع، وحاشية على شرح الورقات، وحاشية على تحفة المحتاج لابن حجر.
تتلمذ على ابن حجر، وقرأ عليه عوارف المعارف للشهاب السهروردي (١)، والورقات للجويني (٢) وسائر تصانيفهما (٣).
توفي سنة (٩٩٤ هـ).
٦ - عبد الكريم القطبي: هو عبد الكريم بن محب الدين بن أبي عيسى علاء الدين أحمد بن محمد النهرواني الحنفي المكي، الشهير بالقطبي.
ولد سنة (٩٦١ هـ)، وتوفي سنة (١٠١٤ هـ).
له مؤلفات، منها: اختصار تاريخ قطب الدين النهروالي، وشرح على صحيح البخاري لم يتمه.
تولى الإفتاء بمكة سنة (٩٨٢ هـ)، وأمَّ بالمقام الحنفي سنة (٩٩٠ هـ).
تتلمذ على ابن حجر في آخرين (٤).
٧ - الملا علي القاري: هو الملا علي بن سلطان محمد الهروي القاري المكي، المتوفى سنة (١٠١٤ هـ).
стр. 39
برع في علوم عديدة، وأكثر من التصنيف، وصار علامة زمانه.
من مؤلفاته: رسالة في بيان الحج المبرور وضعها في تحقيق الخلاف بين شيخه ابن حجر وبعض علماء الحنفية في أن الحج هل يكفر الكبائر أم لا؟ سماها: الذخيرة الكثيرة في رجاء المغفرة للكبيرة، وتعليق على قول ابن حجر في شرح المشكاة: بجواز خلف الوعيد في رسالة سماها: القول السديد في خلف الوعيد، ورسالة في العمامة والعذبة تعقب فيها شيخه ابن حجر سماها المقالة العذبة في العمامة والعذبة، وغيرها.
تتلمذ على ابن حجر، وأكثر النقل عنه في كتبه، وتعقبه في مواضع منها (١).
٨ - أبو بكر الشنواني: هو أبو بكر بن إسماعيل بن شهاب الدين عمر بن علي الشنواني، التونسي، المصري، الشافعي.
ولد سنة (٩٥٩ هـ)، وتوفي سنة (١٠١٩ هـ).
من مؤلفاته: حاشية على المقدمة الأزهرية في علم العربية، وحاشية على شرح قطر الندى، وحاشية على شرح الآجرومية وغيرها.
تتلمذ على ابن حجر، وأخذ عنه الحديث والتفسير (٢).
ثالثًا: مؤلفاته:
بدأ ابن حجر ﵀ التأليف في سن مبكرة بمصر قبل انتقاله إلى مكة واستيطانه بها، ومن أوائل مؤلفاته شرحه على ألفية ابن مالك حيث ألفها سنة (٩٣٠ هـ) (٣).
وابن حجر معدود في جملة المكثرين من التصنيف حيث أربت مؤلفاته
стр. 40
على سبعة عشر ومائة مؤلف ما بين كتاب في مجلدات ورسالة صغيرة في أوراق.
وقد ذكر تلميذه السيفي منها اثنين وتسعين (١)، والباقي جاء ذكره مفرقًا في مصادر ترجمته.
وهذه المؤلفات تناولت العديد من العلوم كالحديث، والفقه، والعقيدة، والنحو، والأخلاق، والأدب، والسيرة، والتاريخ، والتراجم (٢).
وسأقتصر هنا على سياق كتبه العقدية، وذكر نبذة مختصرة عن كل واحد منها:
١ - إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم:
أ- نسبته إليه: ذكره ابن حجر في كتابه مولد النبي ﷺ (٣) ونسبه له تلميذه السيفي (٤).
ب- موضوعه: ذكر ابن حجر ﵀ فيه مولد النبي ﷺ وأصل الاحتفال به، وحكمه، وإنكار بعض القبائح التي تصدر من بعض الناس فيه، ومختصر سيرته ﷺ .
وقد رتبه على مقدمة، وبابين، وثلاثة تنبيهات، وخاتمة.
المقدمة بيّن فيها سبب تأليف الكتاب.
والباب الأول: جعله في المقدمات وذكر فيه ثلاثة فصول:
الأول: في أصل عمل المولد.
والثاني: في قبائح صدرت من الناس مقترنة بعمل المولد، لا سيما بمكة المشرفة.
والثالث: في ذكر اختلاف العلماء في تفضيل ليلة المولد على ليلة القدر.