← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القاضي عياض: "ودرس أصول الفقه والدين وتقدم في ذلك فجاء سابقًا" (١). وكان مقدمًا في اللغة، عارفًا بالآداب والحساب، والطب، قال القاضي عياض: "وإليه يفزع في الفتوى في الطب في بلده، كما يفزع إليه في الفتوى في الفقه" (٢). وبالجملة فهو علم مقدم في شتى فنون العلم، قال ابن خلكان (٣): "أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه" (٤). ولا أدل على ذلك من كثرة مؤلفاته وشمولها لسائر فنون العلم مما يدل دلالة أكيدة على بروز هذا الإمام في شتى العلوم. ولذا فلا غرابة أن يلتف حوله العدد الكبير من طلبة العلم ويحرصوا على لقائه والاجتماع به والأخذ عنه. قال الأستاذ حسن حسني: "وتصدر للتدريس بجامعها - أي المهدية - جامع عبد الله بن المهدي، وبث ما وسعه صدره من العلم الغزير والمادة الواسعة فنشر العلوم الدينية والفنون على اختلاف أجناسها ومراميها، ومن ذلك الحين ذاع صيته، وطبقت شهرته المشرق والمغرب، فكانت حلقة دروسه تشمل المبتدئين من التلاميذ المجتهدين سواء كانوا إفريقيين أو وافدين من أقطار المغرب والأندلس، وصار كعبة

стр. 37

أنظار الطلاب يقصده الداني والقاصي (١). قال الدكتور حسين شواط: "لقد بلغ المازري درجة الاجتهاد، ووصف بالإمامة في الفقه، والبروز في علوم الحديث، وأصول الفقه وأصول الدين ولم يكن في عصره من يماثله في ذلك في مختلف بلاد المغرب فأقبل عليه طلبة العلم من آفاق تلك الديار للإفادة من علمه وهو يعد بحق حامل لواء العلم بإفريقية في ذلك العصر وقد ساعد على تقوية أثره العلمي أمور منها: ١ - ضعف الحياة العلمية، وقلة العلماء بسبب الظروف التي عاشتها إفريقية آنذاك مما جعل تلاميذه يكثرون وينشرون مروياتهم عنه ومؤلفاته في مختلف بلدان المغرب. ٢ - بذله وقته لنشر العلم والجلوس للطلبة أكثر أوقات يومه وعزوفه عن الاتصال بالسلطان ورفضه تولي منصب القضاء والإفتاء. ٣ - استقراره في مدينة المهدية، وهي ممر الحجيج والتجار من مختلف بلاد المغرب والأندلس في ذهابهم وعودتهم، فكثر بذلك الآخذون عنه. ٤ - اهتمامه بطلبة العلم وبرهم والإحسان إليهم وبخاصة المهاجرين الفارين من صقلية. ٥ - أنس مجلسه وملاحته بالإضافة إلى ما فيه من الفوائد العلمية (٢).

стр. 38

٦ - كثرة مؤلفاته وتنوعها بحيث يجد فيها كل طالب مبتغاه (١). المطلب الرابع: تلاميذه: ١ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت مؤسس دولة الموحدين بالمغرب سمع بالأندلس والمغرب لقي المازري وأخذ عنه توفي سنة (٥٢٤ هـ) (٢). ٢ - أبو العباس أحمد بن طاهر بن عيسى الأنصاري الداني الشارقي: رحل كثيرًا في طلب العلم، له تأليف في علوم الحديث، توفي سنة (٥٣٢ هـ) (٣). ٣ - أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن العبدي المعروف بابن عظيمة: مقرئ، محدث، مؤرخ، له تأليف في علم القراءات، توفي سنة (٥٤٣ هـ) (٤). ٤ - أبو بكر محمد بن عبد الله الأشبيلي، المشهور بابن العربي، من أعلام القرن السادس، رحل إلى المشرق لطلب العلم، التقى بالمازري في المهدية، وأخذ عنه، ثم عاد إلى الأندلس، وتوفي بها سنة (٥٤٣ هـ)، له عدة مؤلفات منها "العواصم من القواصم" و"عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي" وغيرها (٥). ٥ - أبو عبد الرحمن مساعد بن أحمد الأصبحي ابن زعوقة، أخذ عن علماء الأندلس، ورحل إلى مكة، وأخذ عن علمائها، توفي سنة

стр. 39

(٥٤٥ هـ) (١). ٦ - أبو الحسن محمد بن خلف بن صاعد الغساني: مقرئ، محدث، فقيه، سمع بالأندلس وإفريقية والمشرق، ولقي المازري، وأجازه بكل تآليفه، تولى قضاء أشبيلية، توفي سنة (٥٤٧ هـ) (٢). ٧ - أبو عبد الله محمد بن عيسى الشلبي، وقيل: أبو محمد عبد الله بن عيسى (٣)، من رجال الحديث وحفَّاظه، رحل إلى المشرق، لازم المازري قرابة الثلاث سنوات، توفي سنة (٥٥١ هـ) (٤). ٨ - أبو الحسن علي بن محمد بن الضحاك الفزاري، وقيل: ابن المقري، من أهل غرناطة. له عدة مؤلفات، منها: "مدارك الحقائق" و"السباعيات" وغيرها، توفي سنة (٥٥٧ هـ) (٥). ٩ - أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة: أخذ عن عدد كبير من علماء المغرب والمشرق، سمع من المازري بعض المعلم، وأجازه بباقيه، تولى قضاء شاطبة وغيرها، له مؤلفات، منها: "شجرة الوهم المرقية إلى ذروة الفهم" وغيرها، توفي سنة (٥٦٥ هـ) (٦). ١٠ - أبو مروان عبيد الله، وقيل: عبد الله (٧)، وقيل: عبد الملك (٨)

стр. 40

ابن عبد الله ابن عبد الرحمن المعافري، من أهل بلنسية، أخذ العلم في الأندلس، ورحل في طلب العلم، ولقي المازري بالمهدية، وأخذ عنه، من أثرياء بلده، وله مكتبة جامعة، توفي سنة (٥٧٤ هـ) (١). ١١ - أبو الحسن صالح بن خلف بن عامر الأنصاري الأوسي: إمامًا عالمًا مقدمًا في علم الكلام، أخذ المعلم عن المازري سماعًا لبعضه وإجازة لباقيه توفى سنة (٥٨١ هـ) (٢). ١٢ - أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي القرشي: نزل مكة ودرس بها وخطب، له مؤلفات، منها: "المجالس المكية" و"ما لا يسمع المحدث جهله" توفي سنة (٥٨١ هـ) وقيل: سنة (٥٨٣ هـ) (٣). ١٣ - أبو يحيى زكريا بن عبد الرحمن المهدوي الغساني، المعروف بابن الحداد، من أكبر تلاميذ المازري، وهو الذي خلفه في التدريس والإفتاء بالمهدية، اختلف في تاريخ وفاته، ويرى النيفر أنه بعد سنة (٥٨٠ هـ) (٤). ١٤ - أبو الحسن طاهر بن علي السوسي: تولى القضاء بسوسة، ثم انتقل منها إلى المهدية، ولازم المازري، ثم رحل إلى الأندلس وتوفي بها (٥).

стр. 41

١٥ - أبو القاسم محمد بن خلف الله بن مشكان (١)، وقيل مجكان (٢)، تولى قضاء قابس وهو من آخر من أخذ عنه (٣). ١٦ - أبو الطاهر بن الدمنة التونسي (٤). ١٧ - أبو يحيى بن الجواد المهدوي (٥). ١٨ - أبو الحسن الأوجقي (٦). تلاميذه بالإجازة: نظرًا لشهرة الإمام المازري، وبروزه في سائر الفنون، رغب طلَّاب العلم في عموم بلاد المغرب والأندلس الالتقاء به، والأخذ عنه، لكن بعضهم لم تتهيأ له الظروف للانتقال إليه فحرصوا على التتلمذ عليه، ولو عن طريق الإجازة، وساعدهم على ذلك حرص المازري على انتشار مؤلفاته، وإشاعة مروياته، فأجاز عددًا من طلاب العلم بجميع مؤلفاته، أو ببعضها، ومن هؤلاء: ١ - أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عطية المحاربي: محدث، فقيه، مفسر، من أعلام الأندلس، له عدة مصنفات، منها: تفسيره "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" وغيره، توفي سنة (٥٤١ هـ) وقيل (٥٤٢ هـ) (٧). وقد كتب إليه المازري يجيزه بكتاب "المُعْلم"

стр. 42

وبسائر مؤلفاته (١). ٢ - أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي، الشهير بالقاضي عياض: محدث، فقيه، أصولي، مؤرخ، بارز في سائر العلوم، له العديد من المؤلفات، منها: "إكمال المُعْلم بفوائد مسلم"، و"الشفا بتعريف حقوق المصطفى" وغيرها. كتب إليه المازري مجيزًا بكتاب "المعلم" وسائر مؤلفاته، فكان أثر ذلك أن أكمل القاضي عياض كتاب "المعلم" بكتابه المذكور سابقًا. توفي سنة (٥٤٤ هـ) (٢). ٣ - محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الحفيد: الإمام الفقيه، برز في فنون عديدة، خصوصًا بالفقه وأصوله، والفلسفة والطب، فهو إمام في هذه العلوم، مشارك في غيرها، له العديد من المؤلفات، منها: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" و"الكليات" في الطب وغيرها، استجاز المازري في مؤلفاته وهو صغير السن، إذ له من العمر عند وفاة المازري ست عشرة سنة حيث ولد سنة (٥٢٠ هـ) وتوفي سنة (٥٩٥ هـ) (٣). المطلب الخامس: مؤلفاته: لقد تنوعت مؤلفات المازري وتميَّزت بالجودة والأصالة، والابتكار، وشملت غالب فنون العلم، وأذكرها هنا مرتبة على حروف المعجم حسب أسمائها: ١ - إملاء على رسائل إخوان الصفا: قال الأستاذ حسن حسني: "حررها في إيضاح بعض مشكلات

стр. 43

وردت ضمن فصول تلك الرسائل الهامة في مسائل من العلوم الرياضية والآراء الفلسفية، وكان إملاؤه لها بطلب من أمير عصره الأمير العالم الأديب تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية، وللأسف الكبير أن هذا التعليق أو الانتقاد على رسائل إخوان الصفا لم يبلغ إلينا فيما نعلم، ولم نقف منه إلَّا على ذكر من بين مؤلفات المازري" (١). ٢ - إيضاح المحصول من برهان الأصول: وهو شرح لكتاب "البرهان في أصول الفقه" للجويني. قال السبكي: "إن هذا الرجل - يعني المازري - كان من أذكى المغاربة قريحة، وأحدِّهم ذهنًا، بحيث اجترأ على يشرح "البرهان" لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة الذي لا يحوم نحو حماه ولا يدندن حول مغزاه إلَّا غواص على المعاني، ثاقب الذهن، مبرز في العلم" (٢). وقد اعتمد عليه الزركشي (٣) في "البحر المحيط"، ونقل منه كثيرًا (٤). قال الشيخ النيفر: "وشرح المازري لم أقف إلى الآن على وجود نسخة منه، فلذلك يعد مفقودًا" (٥). لكن الأستاذ حسن حسني أثبت وجود الكتاب، حيث قال: "وهو

стр. 44

شرح ممتع في أجزاء عديدة على برهان إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني الشافعي، المتوفى سنة (٣٤٨ هـ) في أصول الديانة، وهو من أهم ما صنف في علم الأصول، وأقدم ما شرح به هو تأليف المازري هذا، ومنه أجزاء متفرقة في مكتبات تونس وغيرها" (١). ٣ - تعليق على أحاديث الجوزقي: وهو عبارة عن شرح مختصر للأحاديث التي اختارها الجوزقي (٢) من صحيح مسلم. ولم يكتب ذلك بقلمه بل علَّقها بعض تلاميذه. قال النيفر: ولم نقف على ما يفيد الكتاب الذي علَّق عليه المازري من كتب الجوزقي ما هو؛ لأن للجوزقي كتبًا متعددة، ومن الأقرب حسبما يبدو أنه الجمع بين الصحيحين (٣). ٤ - التعليق على المدونة: وهو تعليق على "المدونة" (٤) في الفقه المالكي لابن القاسم المالكي (٥)، ويوجد قطع منه في الخزانة العامة بالرباط (ق/ ١٥٠).

стр. 45

٥ - شرح التلقين: وهو أيضًا في الفقه المالكي، ألَّفه القاضي عبد الوهاب البغدادي (١)، قام المازري بشرحه ولم يتمه، قال الشيخ النيفر: الذي في الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب أنه لم يتمه حيث يقول: لم يبلغنا أنه أكمله، وما قاله ابن فرحون صحيح ... بالرجوع إلى متن التلقين نجد أن هناك الشيء الكثير مما لم يشرحه المازري أي ما يقارب ثلث الكتاب (٢). ثم رأيت هذا الشرح مطبوعًا بثلاث مجلدات إلى آخر كتاب الجنائز بتحقيق مفتى الجمهورية التونسية الشيخ محمد المختار السلامي. ٦ - شرح صحيح البخاري: قال الدكتور زكي بخاري في تحقيقه لجزء من كتاب شرح التلقين للمازري: "ذكر المازري في ص (١٢٨٢) من شرح التلقين ما يدل على أنه شرح صحيح البخاري وأحال إلى كتابه ذلك (٣). ٧ - كشف الغطا عن لمس الخطا: وقد ذكر الشيخ النيفر سبب تأليف المازري لهذا الكتاب فقال:

стр. 46

"وقضية ابن التبان (١) أنه وقعت يده على ساق ابنته وهو يظنها زوجته ففارق الزوجة أم البنت، ورأى أنها حرمت عليه بهذا، وكان يفتي بذلك ... وهنا حرر المازري المسألة، وبيَّن أن هذا لا يصح مجريًا لها على الأصول ... وألَّف في ذلك كتابًا وسماه "كشف الغطا عن لمس الخطا"" (٢). قال الأستاذ حسن حسني عن هذا الكتاب: "هي رسالة في مسألة فقهية دقيقة استفتي فيها فأجاب عنها بإيضاح وعلم وتحقيق، وقد وقفت عليها ومنها نسخة بالزيتونة" (٣). ٨ - الكشف والإنباء عن المترجم بالإحياء: وهو جواب لسؤال ورده عن كتاب الغزالي (٤) "إحياء علوم الدين" قال ابن الصلاح (٥): "ولأبي عبد الله المازري ... رسالة يذكر فيها حال الغزالي وحال كتابه "الإحياء" ... تكلم المازري في محاسن الإحياء ومذامه ومنافعه ومضاره بكلام يطول ختمه بأن من لم يكن عنده من

стр. 47

البسطة في العلم ما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب، فإن قراءته لا تجوز له وإن كان فيه ما ينتفع به. ومن كان عنده من العلم ما يأمن به على نفسه من غوائل هذا الكتاب ويعلم ما فيه من الرموز فيجتنب مقتضى ظواهرها، ويكل أمر مؤلفها إلى الله تعالى، وإن كانت كلها تقبل التأويل، فقراءته لها سائغة، ويَنْتَفِعُ به، اللهم إلَّا أن يكون قارئه ممن يقتدى به، ويغتر به، فإنه ينهى عن قراءته وعن مدحه والثناء عليه" (١). ٩ - قطع لسان النابح في المترجم بالواضح: قال عنه المازري في المعلم: "وهو كتاب نقضنا فيه كلام رجل وصف نفسه بأنه كان من علماء المسلمين ثم ارتد وأخذ يلفق قوادح في الإسلام، فنقضنا أقواله في هذا الكتاب، وأشبعنا القول في هذه المسألة وبسطناه في أوراق" (٢). وقال في شرح التلقين: "وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة وتأويل قوله ﵇: "أُنزل القرآن على سبعة أحرف" (٣) وذكرنا تأويل ما حكي عن ابن مسعود وابن شهاب في كتابنا المترجم بقطع لسان النابح في المترجم بالواضح، وهو كتاب نقضنا فيه كتابًا ألَّفه بعض حذَّاق نصارى المشرق، قصد فيه إلى جمع المطاعن التي تشبث بها الملحدون، وقذفها الطاعنون على ديننا وأضافوها إلى العقل والنقل، فاكتفينا بذكرها هناك عن ذكرها هاهنا لاشتغال أهل الأصول بالخوض فيها دون أهل

стр. 48

الفروع" (١). ١٠ - المُعلم بفوائد مسلم: ويأتي التعريف به مفصَّلًا. ١١ - النكت القطعية في الرد على الحشوية والذين يقولون بقدم الأصوات والحروف: وسماه الأستاذ حسن حسني: "النقط القطعية" وقال عنه: "وهذا تأليف لم نقف له على أثر ولا على السبب الأصلى في تحريره" (٢). ١٢ - نظم الفرائد في علم العقائد: قال عنه الأستاذ حسن حسني: "وهو من أجل مصنفات الإمام، إذ أنه أفرغ فيه ما آتاه الله تعالى من العلم الغزير الواسع والنظر الدقيق في المعتقدات وأصولها ولم نقف على ذكر وجود نسخة منه في المكتبات التي نعرفها" (٣). ١٣ - كتاب في الطب: قال عنه الأستاذ حسن حسني: "المشهور أنه وضع مؤلفًا في علم الطب ... الإمام ﵁ درس الطب، وألف فيه لاسيما وقد نقل مترجموه أنه كان درس فنونًا كثيرة من أدب وحساب وطب وغير ذلك، فلا يستغرب حينئذ من تدوينه في الطب، وإن لم يصل إلينا تأليفه المشار إليه" (٤).

стр. 49

المطلب السادس: مذهبه الفقهي وعقيدته: أولًا: مذهبه الفقهي: أخذ الإمام المازري الفقه على مذهب الإمام مالك وهو المنتشر في المغرب العربي والأندلس حتى بلغ رتبة عالية أهَّلته لأن يكون أحد أئمة المذهب المعتبرين حتى اعتمدت أقواله في المذهب. بل أصبح حامل راية المذهب المالكي في عصره. قال ابن خلكان: الفقيه المالكي المحدث (١). وقال ابن فرحون: آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه (٢). وقال القاضي عياض: لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض -في وقته- أفقه منه ولا أقوم لمذهبهم (٣). وقال المقري (٤): أحد الأئمة الأعلام ... عد في المذهب إمامًا وملك من مسائله زمامًا (٥). وقال محقق كتاب "شرح التلقين للمازري": المازري ﵀ قد بلغ رتبة الإفتاء في المذهب وتبوأ مكانة مشهورة واستفاض خبره حتى كتب إليه الناس من المشرق والمغرب ... لقد أسهم المازري بجهد

стр. 50

ظاهر في مجال التأليف في العلوم الشرعية عمومًا، وفي الفقه المالكي خصوصًا كما ظهر ذلك من خلال بعض مؤلفاته الفقهية .... أما أثره في المذهب المالكي فهو ظاهر جدًّا وذلك من خلال ما يلي: - كثرة الناقلين عن المازري والاستشهاد بأقواله وتخريجاته وملاحظاته، خاصة ما أثبته في كتابه "شرح التلقين" فقد اتفق المتأخرون ممن جاء بعد المازري على اعتبار كتابه "شرح التلقين" من المصادر الأصلية في تحرير المذهب وأكثروا من النقل عنه من هذا الكتاب وسائر مؤلفاته (١). ولم يكن ملتزمًا بالمذهب المالكي تقليدًا دون دليل بل وصل إلى مرحلة تؤهله للاجتهاد. قال ابن دقيق العيد (٢): ما رأيت أعجب من هذا - يعني المازري- لأي شيء ما ادعى الاجتهاد (٣). فهو يأخذ ما دل عليه الدليل ولو خالف المذهب ويظهر هذا من خلال شرحه للتلقين وهو أحد الكتب المالكية المعتمدة. ثانيا: عقيدته: ألَّف المازري كتابًا في العقيدة سماه "نظم الفرائد في علم العقائد" لكنه لم يصل إلينا. على أننا نستطيع أن نعرف عقيدته من خلال ما وصلنا من مؤلفاته، خصوصًا كتابه "المُعلم" الذي تظهر عقيدته واضحة من

стр. 51

خلال تعليقه على صحيح مسلم. فهو أشعري العقيدة سائر على مذهب المتكلمين من الأشاعرة، يظهر ذلك من خلال نصره لأقوالهم ومدافعته عنها وتقريرها والاستدلال عليها. ومن خلال تأويله لعامة صفات الله تعالى -كما سيتبين إن شاء الله- من خلال مبحث الصفات كما هو مذهب الأشاعرة. ولذا فقد أكثر من ذكرهم في المعلم ووصفهم بالأئمة وانتسب إليهم فقال: ومال إليه بعض أئمتنا من المتكلمين (١)، وجعلهم هم أهل السنة فقال: وإنما سميت الأشعرية أهل السنة لأتباعهم السنة وموافقتهم لها (٢). هذا ما صرح به هو في كتابه وهو ما أكده الذين كتبوا عنه قال ابن الصلاح: كان إمامًا محققًا بارعًا في مذهبي مالك والأشعري (٣) (٤). قال السبكي: كان مصممًا على مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵁، جليلها وحقيرها، كبيرها وصغيرها، لا يتعداها ويبدِّع من خالفه ولو في النزر اليسير والشيء الحقير (٥). قال النيفر: نجد المازري في شرحه للمعلم أشعريًّا يتقلد قول الأشعري وقول أصحابه، ويذب عما رأوه من آراء فهو خالص في

стр. 52

أشعريته (١). وقال أيضًا: اشتمل المعلم على جملة صالحة من المسائل التي اختلفت فيها الأشعرية مع المعتزلة وانتصر فيها المازري لمذهبه العقائدي (٢). وسيتضح هذا أكثر من خلال مباحث هذه الرسالة -إن شاء الله-. المطلب السابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: يعتبر الإمام المازري علمًا من أعلام المذهب المالكي، فهو حامل لوائه في زمنه، وأحد العلماء الذين بلغوا رتبة علمية عالية شهد له بها علماء أفذاذ. ومما يدل على تلك المكانة اجتماع الأعداد الكبيرة من طلاب العلم على درسه وحرصهم على الأخذ عنه ومراسلة أعداد أخرى من شتى بلاد المغرب والأندلس له للأخذ عنه عن طريق الإجازة إضافة إلى مؤلفاته التي تدل على تضلعه بالعلوم وإسهامه في سائر الفنون. لذا عده العلماء قد بلغ رتبة الاجتهاد وهي منزلة رفيعة لا يبلغها كل أحد. قال صاحب شجرة النور عنه: الإمام خاتمة العلماء المحققين والأئمة الأعلام المجتهدين الحافظ النظار كان واسع الباع في العلم والاطلاع مع ذهن ثاقب ورسوخ تام بلغ رتبة الاجتهاد (٣). وقال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعجب من هذا -يعني المازري-

стр. 53

لأي شيء ما ادعى الاجتهاد (١). وقال الذهبي: الإمام العلامة البحر المتفنن ... كان أحد الأذكياء الموصوفين والأئمة المتبحرين (٢). وقال المقري: أحد الأئمة الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه (٣). وقال ابن فرحون: كان آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر (٤). وقال الحميري (٥): برع في العلم وانتهت إليه رياسة العلم في وقته ولا يسمى بالإمام أحد بإفريقية سواه وسارت مقالاته وفتاويه في الأقطار وقصد الناس إليه (٦). قال الشيخ محمد المختار السلامي: برزت مكانته العلمية منذ عهد حداثته وازدادت تلك المكانة رسوخًا مع نضجه وتقدم سنه فإذا كان وهو ابن عشرين سنة مرجعًا للقاضي يعود إليه ولا يخرج عن رأيه وإنه منذ حداثته يهاب الشيوخ البالغون درجة الإفتاء مناظرته (٧) فإن ذلك يدلك

стр. 54

على أنه كان أرفع مقامًا، وأعلى شأنًا بعد ذهاب شيوخه وتفرده بالإمامه (١). وهذه المكانة التي عرفها أهل العلم عرفها أهل السلطان فكتبوا إليه يستفتونه فيما يشكل عليهم (٢) وهو لم يتول لهم قضاء ولا إفتاء.

стр. 55

المبحث الرابع التعريف بالكتاب وبيان أهميته وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تسميته المطلب الثاني: نسبته للمازري المطلب الثالث: تأليفه المطلب الرابع: أهميته المطلب الخامس: مميزاته ومنهج المازري فيه

стр. 56

المطلب الأول: تسميته: اختلفت المصادر في تسمية هذا الكتاب وإن كانت قد اتفقت على الكلمة الأولى وهي "المعلم" فبعضهم قد اقتصر عليها مسماه "المُعْلِم" بصيغة اسم الفاعل دون إضافة ما يفيد أنه شرح لصحيح مسلم أو أن هذا هو أصل اسمه ثم أضيف عليه ما يبين موضوعه من قبل المترجمين. وممن سماه بهذا الاسم القاضي عياض في كتابه "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (١). وابن الآبار (٢) في كتابه "التكملة لكتاب الصلة" (٣). وهناك من سمى الكتاب بـ "المعلم بفوائد مسلم". وقد وردت هذه التسمية عند أكثر المترجمين وإن كان بعضهم يقتصر على هذا الاسم وبعضهم يضيف كلمة "كتاب" في أوله، أو كلمة "صحيح" قبل كلمة "مسلم" أو كلمة "كتاب" بدل من كلمة "صحيح". وهذه التسمية هي المشهورة والمذكورة في غالب كتب التراجم وقد ذكرها ابن عطية في فهرس شيوخه (٤)، وابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" (٥) وابن العماد الحنبلي (٦) في كتابه "شذرات ........

стр. 57

الذهب" (١). وحسن حسني في مجلة الهداية (٢)، والنيفر في مقدمة المعلم (٣) وغيرهم. بل قد نصَّ ابن خلدون على أن هذه التسمية من المازري نفسه حيث قال عند تعريفه لصحيح مسلم، وبيان اهتمام المغاربة به: وأملى الإمام المازري من فقهاء المالكية عليه شرحًا وسماه "المعلم بفوائد مسلم" (٤). وهناك تسمية أخرى له وردت عند البعض وهي "المعلم في شرح مسلم". وذلك عند حاجي خليفة (٥) في كتابه "كشف الظنون" (٦) والقاضي عياض في كتابه "الغنية" حيث قال عند حديثه عن المازري: كتب إليَّ من المهدية يجيزني في كتابه المسمى بالمعلم في شرح مسلم وغيره من تواليفه (٧). والذي يظهر لي -والله أعلم- أن اسمه "المعلم بفوائد مسلم" فمن

стр. 58

اقتصر على "المعلم" أراد الاختصار ومن سماه "المعلم في شرح صحيح مسلم" ونحوها، أراد إيضاح أن هذا هو اسمه فكأنه اقتصر على تسميته بالمعلم وبين بما بعده موضوع الكتاب ومما يؤكد هذا ما جاء في شذرات الذهب حيث قال: محمد بن علي مصنف المعلم بشرح مسلم -ثم قال في تعداد مؤلفاته- وله المعلم بفوائد مسلم (١). المطلب الثاني: نسبته للمازري: قد أجمعت المصادر على نسبة هذا الكتاب للإمام المازري بل أصبح هذا المؤلف علامة فارقة له عند خوف الالتباس فيقال: المازري صاحب المعلم. وكل من ترجم للمازري ذكر مؤلفه هذا مما يجعلنا نثق بنسبة الكتاب إليه ولا يخامرنا شك في ذلك. بل لقد ورد في المعلم نفسه ما يدل على نسبته إلى أبي عبد الله المازري حيث ورد ما نصه: "هذا كتاب قُصد فيه إلى تعليق ما جرى في مجالس الفقيه الإمام الجليل أبي عبد الله محمد بن علي المازري (٢) ﵁ حين القراءة عليه لكتاب مسلم بن الحجاج ﵀ في شهر رمضان المكرم من سنة تسع وتسعين وأربعمائة (٣). المطلب الثالث: تأليفه: لم يقصد المازري تأليف هذا الكتاب ولم يستجمع نفسه لذلك،

стр. 59

إنما كان من إملائه في درسه، فقد درَّس في حلقته في رمضان سنة (٤٩٩ هـ) هذا الإملاء فتلقاه بعض التلاميذ ودوَّنه، ثم عرضه بعد على الشيخ، فاطلع عليه وصحح بعضه وحذف بعضه، ثم أجازه بعد ذلك. ولذا فغالب الكتاب يكون النقل عن الإمام بالمعنى لا باللفظ، قال ابن الآبار في ترجمته لتلميذ المازري عبيد الله بن عيشون: "ولقي أيضًا أبا عبد الله المازري بالمهدية وحكى عنه أنه سمعه يقول، وقد جرى ذكر كتابه "المعلم بفوائد صحيح مسلم": إني لم أقصد تأليفه وإنما كان السبب فيه أنه قرئ عليَّ كتاب مسلم في شهر رمضان فتكلمت على نقط منه فلما فرغنا من القراءة عرض عليَّ الأصحاب ما أمليته عليهم فنظرت فيه وهذبته فهذا كان سبب جمعه" (١)، وقد جاء ذلك في كتاب المعلم ونصه: "هذا كتاب قصد فيه إلى تعليق ما جرى في مجالس الفقيه الإمام الجليل أبي عبد الله محمد بن علي المازري ﵁ حين القراءة عليه لكتاب مسلم بن الحجاج ﵀ في شهر رمضان المكرم من سنة تسع وتسعين وأربعمائة منقولًا ذلك بعضه بحكاية لفظ الفقيه الإمام أيَّده الله وأكثره بمعناه" (٢). وهو وإن كان من تدوين بعض تلاميذه في درسه فقد أجازه وصار ينسبه إلى نفسه ويعتبره من تأليفه وهو يدل على طول نفس المازري في دروسه وتمهله في إلقائه على طلابه بحيث يستطيع التلاميذ أن يدونوا ذلك أو كثيرًا منه بلفظ الشيخ. وقد جزم النيفر أن هذا الشرح كان خلال شهر واحد أي في شهر

стр. 60

رمضان عام (٤٩٩ هـ) فقط حيث قال: "ونجزم أن هذا الإملاء كان في رمضان واحد سنة (٤٩٩ هـ) لأن عباراته هذه لا يستفاد منها إلَّا أنه كانت القراءة في السنة المذكورة دون غيرها إذ لو كانت القراءة على سنوات في رمضانات متعددة لوقع التصريح بذلك" (١). المطلب الرابع: أهميته: إن أهمية كتاب المعلم بفوائد مسلم تبدو من خلال المميزات الكثيرة التي تميز بها، ومنها: - أنه يعتبر أول شرح لصحيح مسلم، أو أول تعليق يصل إلينا، بل لم يبدأ التأليف حول صحيح مسلم إلَّا في عصر المازري، فألَّف أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي النيسابوري المتوفى سنة (٥٢٩ هـ) في نيسابور كتاب "المفهم بشرح غريب مسلم" (٢) وكذلك ألَّف محمد بن أحمد التجيبي المعروف بابن الحاج قاضي قرطبة المتوفى سنة (٥٢٩ هـ) كتابه "الإيجاز والبيان لشرح خطبة مسلم مع كتاب الإيمان" (٣). - وأبو محمد عبد الله بن عيسى الشيباني الأندلسي المتوفى ببلنسية سنة (٥٣٠ هـ) له كتاب حول صحيح مسلم لم يكمله (٤). - وعبد السلام بن عبد الرحمن بن برجان اللخمي الأندلسي المتوفى بمراكش سنة (٥٣٦ هـ) له كتاب "الإرشاد" وهو شرح للأحاديث من خلال الآيات القرآنية الدالة عليها (٥).

стр. 61

فهذه الكتب مع كتاب المازري هي أول المؤلفات حول صحيح مسلم. فالأول منها اختص بشرح الغريب، والثاني اقتصر على جزء منه، والثالث لم يتم شرحه المذكور، والرابع قصد مؤلفه استخراج معاني الأحاديث من كتاب الله. ومع ذلك ما وصل إلينا إلَّا كتاب "المعلم"، فهو أول المؤلفات التي وصلت إلينا حول صحيح مسلم. ثم بعد ذلك توالت الشروح لصحيح مسلم حتى بلغت عشرات الشروح والتعليقات. ومما يبين أهمية الكتاب أنه أصبح أساسًا لمن جاء بعده، فبنيت عليه شروح كثيرة، حيث أكمله القاضي عياض في كتابه "إكمال المعلم بفوائد مسلم"، ثم جاء بعده أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري الأندلسي المحدث، المتوفى سنة (٧٠٧ هـ) بمراكش، فألَّف كتاب "إكمال الإكمال" (١) وكذلك عيسى بن مسعود المنكلاتي الحميري الزواوي المتوفى بالقاهرة سنة (٧٤٣ هـ) له كتاب "إكمال الإكمال" (٢) ومحمد بن خليفة التونسي المشهور بالأبي المحدث الحافظ المتوفى سنة (٨٢٨ هـ) له كتاب "إكمال إكمال المعلم" (٣)، ولعيسى بن أحمد البجائي المشهور بابن الشاط كتاب في شرح صحيح مسلم اختصره من كتاب "إكمال الإكمال" (٤) للأبي، ثم جاء محمد بن يوسف التلمساني السنوسي

стр. 62

المتوفى سنة (٨٩٥ هـ) فألَّف كتاب "مكمل إكمال الإكمال" (١). وهكذا توالت الشروح مبنية على كتاب "المعلم" ومكملة له وهذا ولا شك يدل على اهتمام العلماء بهذا الكتاب وعنايتهم به واعتبارهم إياه أساسًا يبني عليه غيره ولم تقتصر العناية والاهتمام بهذا الكتاب ممَّن ألفوا عليه بل كل من جاء بعد المازري وألَّف في شرح الصحيحين فقد استفاد منه أو اعتمد عليه. فقد نقل القرطبي عنه كثيرًا في كتابه "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (٢). وكذلك النووي (٣) في كتابه "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (٤). وكذلك الحافظ ابن حجر (٥) في كتابه "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" (٦).

стр. 63

وغيرهم من العلماء الذين اعتمدوا كتاب "المعلم" كمرجع في تآليفهم وتصانيفهم. تظهر أيضًا أهمية الكتاب من خلال إشادة العلماء به وثنائهم عليه. قال القاضي عياض عن كتاب "المعلم": "نهاية في فنه، بالغ في بابه، مودع من فنون المعارف وفوائدها، وغرائب الأثر وشواردها" (١). وقال ابن خلكان عند ترجمته للمازري: "وشرح صحيح مسلم شرحًا جيدًا" (٢). وقال ابن خلدون عند حديثه عن صحيح مسلم: وأملى الإمام المازري -من فقهاء المالكية- عليه شرحًا وسماه: المعلم بفوائد مسلم، اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون الفقه (٣). وقال النيفر: إذا نظرنا في الكتاب نراه مشحونًا بالفوائد المتنوعة المختلفة الدالة على سعة وتمكن صاحبها من ناحية الكثير من العلوم" (٤). وقال القاضي عياض أيضًا -عند ذكره لعزمه على تأليف كتابه "إكمال المعلم"-: "إن تأليف كتاب جامع لشرحه لا معنى له مع ما قد تقرر في "المعلم" من فوائد جمة لا تضاهى، ونكت متقنة وقف عندها حسن التأليف وتناهى" (٥).

стр. 64

المطلب الخامس: مميزاته ومنهج المازري فيه: قد سبق بيان أن المازري لم يقصد تأليف هذا الكتاب، إنما كان من إملائه لتلاميذه، ولا شك أن ما يلقى على الطلاب في الدرس يختلف عن التأليف من وجوه كثيرة لا تخفى. ومع أن المعلم على طريقة الإملاء في الدروس إلَّا أنه تميز بميزات واختص بفرائد لم تكن لغيره من الشروح، لغزارة علم مؤلفه، وذكائه، ودقة استنباطه. ومن خلال النقاط التالية يتبين ميزات هذا الكتاب، ومنهج المازري فيه: • الكتاب لا يعتبر شرحًا لصحيح مسلم بمعنى استيعابه لجميع أحاديث الصحيح، وشرحه لها شرحًا وافيًا. إنما هو تعليق على بعض الأحاديث وعادة ما يكتفى بالتعليق على حديث أو حديثين في الباب، ولا يكون التعليق أيضًا عبارة عن شرح لهذا الحديث الذي اختاره، إنما يذكر من الحديث الجزء الذي يكون عليه التعليق. • لم يلتزم المازري بترتيب الأحاديث في تعليقه حسب ما هو في صحيح مسلم، بل يقدم ويؤخر في ذلك (١). قال القاضي عياض: وكان في المعلم تقديم وتأخير عن ترتيب كتاب مسلم (٢). • إذا ذكر الحديث أو جزءًا منه لا يذكر في الغالب جميع الفوائد المتعلقة

стр. 65

به، إنما يقتصر على إيضاح غامض، أو استنباط فائدة، أو تعليق يسير، أو تفسير لغريب، وقد يتوسع أحيانًا عند مناقشته لمسألة، أو انتصاره لقول. • لم يتعرض المازري لمقدمة صحيح مسلم بالشرح، إنما علَّق على ثمانية مواضع فقط من المقدمة بالاختصار الذي عرف به المعلم (١). • اهتم المازري بإيراد الألفاظ المختلفة لروايات صحيح مسلم سواء بالسند أو المتن (٢). - كما اهتم المعلم بالمسائل العقدية والأصولية والفقهية- كما تبين سابقًا-، اهتم أيضًا بالحديث وعلومه، وفي الكتاب تعليقات نفيسة في هذا الباب (٣). واهتم كذلك بالمباحث اللغوية اهتمامًا واضحًا بحيث لا يخلو تعليق على حديث من فوائد لغوية نافعة (٤). - تميز الكتاب بالنقل عن مصادر ضاع بعضها، فلم يصل إلينا، ولذا يعتبر هذا توثيقًا لها، وحفظًا لما نقل منها (٥).

стр. 66

- تميز بتتبعه لميلاد كثير من أقوال مالك في الحديث والمسألة من قبل أن تكون مذهبًا، ويشير إلى وقت ميلادها مما يجعل منه ثروة في تقييم المذهب (١). على أن المُعلم مهما وجد فيه من قصور، أو خلل، أو نقص، فيشفع له أنه لم يعد أصلًا، ويوضع كتأليف يعد له بحيث تجمع له المراجع، وتحرر فيه الأقوال، وتُراجع فيه المسائل وتدقق. وكذلك لم يكن شرحًا لصحيح مسلم، إنما تعليق على بعض أحاديث الصحيح، وإذا ظهرت هذه الصورة لم يعتمد عليه كشرح لصحيح مسلم، وقد اعتذر القاضي عياض عن المازري فيما يُوردُ على كتابه من نقد حيث قال: "والعذر بيِّن فإن كتاب "المُعْلم" لم يكن تأليفًا استجمع له مؤلفه، وإنما هو تعليق ما تضبطه الطلبة من مجالسه وتتلقفه وكدات الألباء" (٢).

стр. 67

الفصل الثاني القرطبي عصره وحياته وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: عصره المبحث الثاني: حياته الشخصية المبحث الثالث: حياته العلمية المبحث الرابع: التعريف بالكتاب وبيان أهميته

стр. 68

المبحث الأول عصره وفيه مطلبان: المطلب الأول: من الناحية السياسية المطلب الثاني: من الناحية العلمية

стр. 69

المطلب الأول: الحالة السياسية عاش القرطبي ﵀ في الفترة من (٥٧٨ هـ) حتى (٦٥٦ هـ) وهي فترة اضطرابات، وحروب وفتن، وضعف للأمة الإسلامية، وتسلُّط لأعدائها عليها من النصارى والتتار. فقد عاصر القرطبي حملة التتار واجتياحهم للبلاد الإسلامية، حيث خرجوا من بلاد الصين في الشرق، وساروا نحو بلاد الإسلام، فما مروا على بلدة إلَّا سقطت تحت أيديهم، فيعيثون فيها فسادًا؛ بقتل الرجال والشيوخ والأطفال والنساء، ونهب الأموال، وإحراق البلاد. فعظُمَت بهمُ الفتنة، حتى قال ابن الأثير (١) -وهو المعاصر لتلك الأحداث- في تاريخه -مصورًا عظم الفتنة وشدة المحنة-: "لقد بقيت سنين عديدة معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أُقَدِّم رِجْلًا وأُؤخِّر أُخْرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا، وكنت نسيًا منسيًا، إلَّا إنني حثَّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا مُتوقفٌ، ثمَّ رأيت أنَّ ترك ذلك لا يُجدي نفعًا، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى، التي عَقمَت الأيام والليالي عن مثلها عمَّت الخلائق وخصَّت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ... ولعلَّ الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض

стр. 70

العالم، وتفنى الدُّنْيا، إلَّا يأجوج ومأجوج ... فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، لهذه الحادثة التي استطار شرُّهَا وعمَّ ضررها (١). ثمَّ شرع في ذكر اجتياحهم لبلاد المسلمين، والمجازر العظيمة التي ارتكبوها والأفعال الشنيعة التي فعلوها. وما زالوا في تقدم مستمر والبلاد الإسلامية تتساقط في أيديهم حتى سقطت عاصمة الخلافة الإسلامية ببغداد، وقُتل الخليفة المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس مع أهله وحاشيته وعدد من العلماء، وذلك سنة (٦٥٦ هـ) (٢) وهي السنة التي توفي فيها القرطبي. فقضوا على عامة بلاد الإسلام، وفي نيتهم مواصلة الزحف للقضاء على جميع البلاد الإسلامية حتى قيَّض الله السلطان المملوكي سيف الدين قطز، المتوفى في ذي القعدة سنة (٦٥٨ هـ) حيث انتصر عليهم في معركة "عين جالوت" الشهيرة، وذلك في رمضان من سنة (٦٥٨ هـ) (٣). وكان القرطبي معاصرًا لهذه الأحداث العظام التي عمَّت غالب بلاد الإسلام، ولذا تعرض لهؤلاء في كتابه "المفهم" حينما ورد ذكر الترك حيث قال: "وخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلَّا الله، ولا يردهم عن المسلمين إلَّا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، أو مقدمتهم،

стр. 71

فنسأل الله أن يهلكهم ويبدد جمعهم" (١). ولذا فقد ساهم في شحذ الهمم للوقوف أمام هؤلاء الأعداء، وصدهم عن بلاد الإسلام، وبيَّن تعين الجهاد في ذلك الوقت لقهر الأعداء، وكثرة الاستيلاء، حيث قال: "وقد يكون الجهاد في بعض الأوقات أفضل من سائر الأعمال، وذلك وقت استيلاء العدو وغلبته على المسلمين، كحال هذا الزمان، فلا يخفى على من له أدنى بصيرة أن الجهاد اليوم أوكد الواجبات، وأفضل الأعمال، لما أصاب المسلمين من قهر الأعداء وكثرة الاستيلاء شرقًا وغربًا، جبر الله صدعنا وجدد نصرنا" (٢). أولًا: الحال في الأندلس: ما مضى حال الأمة الإسلامية عامة، حيث أُصيبت بهذا المصاب العظيم. وأما إذا خصصنا بلاد الأندلس بالحديث، حيث قضى فيها القرطبي حياته الأولى، فوُلدَ ونَشأ، وتعلم فيها. فقد عاش القرطبي حياته في عهد دولة الموحدين التي أسسها عبد الله بن تومرت، حيث خرج على المرابطين سنة (٥١٥ هـ) وسقطت مراكش عاصمة ملكهم على يد خليفته عبد المؤمن بن علي سنة (٥٤١ هـ). ثم زحف إلى الأندلس فاستولى على ملكهم هناك وأصبحت قرطبة عاصمة دولة الموحدين في الأندلس، ومنطلق جيوشهم.

стр. 72

وقد سيطر الموحدون على بلاد الأندلس، وصدوا هجمات النصارى، وخاضوا معهم عدة معارك. وكانت ولادة أبي العباس القرطبي في عهد يوسف بن عبد المؤمن، الذي حكم أكثر من عشرين سنة (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) (١) ثم جاء بعده ابنه يعقوب المنصور (٢)، واستمر حكمه حتى سنة (٥٩٥ هـ)، وقد خاض مع النصارى معركة "الأرك" سنة (٥٩١ هـ) (٣)، وانتصر فيها انتصارًا ساحقًا، وقتل وأسر أعدادًا كبيرة من النصارى. ثم جاء بعده ابنه محمد الناصر الذي حكم حتى توفي سنة (٦١٠ هـ) (٤) بعد هزيمته سنة (٦٠٩ هـ) في معركة "العقاب" (٥) الشهيرة مع النصارى، والتي كانت سببًا في ضعفه وتمزق جيوشه، ثم وفاته حسرة بعد المعركة بزمن يسير. وقد خلف ابنه يوسف المنتصر حيث تولى الحكم وهو صغير، مما جعل الممالك التابعة له لا تخضع له ولا تدين له بالطاعة حتى توفي سنة (٦٢٠ هـ) (٦). فتولى بعده عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن لعدة شهور، ثم عبد الله بن يعقوب المنصور، ثم إدريس بن يعقوب، فتوالى الملوك واحدًا بعد الآخر، لا يستقر الملك لأحد إلَّا مدة قصيرة، مما أضعف هذه

стр. 73

الدولة، فانتقلت من ضعف إلى ضعف، مما أطمع فيها النصارى فهاجموها فتساقطت المدن بأيديهم واحدة بعد الأخرى (١)، حتى سقطت قرطبة حاضرة الأندلس، وعاصمة الموحدين، ومدينة القرطبي، وذلك سنة (٦٣٣ هـ)، حيث وُضع الصليب على جامعها وحُوِّلَ إلى كنيسة، ورحل المسلمون عنها، فتفرقوا في البلاد الإسلامية (٢)، وكان فيمن رحل أبو العباس، حيث خرج في هذا الوقت أو قريبًا منه. فلا حول ولا قوة إلَّا بالله. وقد بيَّن القرطبي ﵀ وهو المعاصر لهذه الأحداث أن سبب تسلُّط الأعداء عليهم إنما كان لاختلافهم وتفرقهم حيث قال: "ولما اختلفت ملوك المغرب وتجادلوا استولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس، والجزر القريبة، وهاهم قد طمعوا في جميع بلاد الإسلام، فنسأل الله أن يتدارك المسلمين بالعفو والنصر واللطف" (٣). ثانيًا: الحال في مصر: عاش أبو العباس في مصر بعد نزوحه من الأندلس، فاستوطن الإسكندرية حتى توفي فيها سنة (٦٥٦ هـ)، وكانت مصر في ذلك الزمن خاضعة لسلطة الدولة الأيوبية، التي خلفت دولة الفاطميين، بقيادة صلاح الدين الأيوبي سنة (٥٦٧ هـ)، حتى توفي سنة (٥٨٩ هـ) فخلفه على مصر ابناه العزيز ثم الأفضل، ثم عمهما العادل بن أيوب الذي تولى مصر سنة (٥٩٦ هـ) حتى توفي سنة (٦١٥ هـ) ثم تولى ابنه الكامل حتى توفي سنة (٦٣٥ هـ)، ثم تولى الملك الصالح أيوب حتى توفي سنة

стр. 74

(٦٤٧ هـ) فتولى ابنه توران شاه، لكنه لم يبق في الحكم إلَّا يسيرًا حيث قتله المماليك واستولوا على السلطة، وبذلك سقطت الدولة الأيوبية وقامت دولة المماليك (١). وحيث عاش القرطبي تحت سلطتها قرابة ثمان سنوات في آخر عمره، حيث انتصر المماليك على التتار، وقضوا عليهم، وصدوا هذا الجيش الجرار عن باقي بلاد الإسلام بقيادة المظفر قطز في معركة "عين جالوت" سنة (٦٥٨ هـ) بعد وفاة القرطبي -رحمة الله- بسنتين (٢). المطلب الثاني: الحالة العلمية: لقد عاش القرطبي ﵀ في الربع الأخير من القرن السادس، والنصف الأول من القرن السابع، وهو عصر مليء بالاضطرابات والحروب والهجمات الشرسة على بلاد المسلمين في المشرق والمغرب من قبل النصارى والمغول -كما سبق ذكره- وقد قُتل خلال ذلك عددٌ من العلماء، ورحل آخرون عن بلادهم، ودُمرت المساجد والمكتبات، حتى ألقى المغول مكتبة بغداد في نهر الفرات حتى تغير لونه (٣). ولكن مع ذلك فبيئة القرطبي وبلاده التي عاش فيها أو انتقل إليها بيئة علمية مزدهرة. * في الأندلس: عرفت الأندلس -التي عاش فيها القرطبي بداية حياته وتعلم في

стр. 75

دور العلم فيها، ولازم مجالس العلماء-، بأنها بلد العلم والأدب، شجع على ذلك اهتمام غالب حكامها بالعلم وتشجيعهم عليه، واهتمامهم بإنشاء المكتبات وتشييدها، وجمع الكتب لها، بداية من عهد الأمويين، فهذا الحكم الثاني الأموي المتوفى سنة (٣٦٦ هـ) كون مكتبة عظيمة جمع لها الكتب من شتى البلاد، وكان محبًا للعلم مشجعًا عليه، قال عنه المقري: "كان محبًا للعلوم مكرمًا لأهلها، جمَّاعًا للكتب بأنواعها، بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله" (١). وفي حكم المرابطين كان يوسف بن تاشفين محبًّا للعلم، مقرِّبًا لأهله، قال عنه المراكشي (٢): "فانقطع إلى أمير المؤمنين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب، وفرسان البلاغة، ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار (٣). واستمر ذلك في دولة الموحدين، وهي التي قامت على أساس العلم، وعلى يد من انتسب إليه وهو عبد الله بن تومرت (٤). وسار على دربه الخلفاء من بعده فيوسف بن عبد المؤمن كون مكتبة كبيرة جمع فيها
следующие страницы →