← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فنسأل الله أن يهلكهم ويبدد جمعهم" (١). ولذا فقد ساهم في شحذ الهمم للوقوف أمام هؤلاء الأعداء، وصدهم عن بلاد الإسلام، وبيَّن تعين الجهاد في ذلك الوقت لقهر الأعداء، وكثرة الاستيلاء، حيث قال: "وقد يكون الجهاد في بعض الأوقات أفضل من سائر الأعمال، وذلك وقت استيلاء العدو وغلبته على المسلمين، كحال هذا الزمان، فلا يخفى على من له أدنى بصيرة أن الجهاد اليوم أوكد الواجبات، وأفضل الأعمال، لما أصاب المسلمين من قهر الأعداء وكثرة الاستيلاء شرقًا وغربًا، جبر الله صدعنا وجدد نصرنا" (٢). أولًا: الحال في الأندلس: ما مضى حال الأمة الإسلامية عامة، حيث أُصيبت بهذا المصاب العظيم. وأما إذا خصصنا بلاد الأندلس بالحديث، حيث قضى فيها القرطبي حياته الأولى، فوُلدَ ونَشأ، وتعلم فيها. فقد عاش القرطبي حياته في عهد دولة الموحدين التي أسسها عبد الله بن تومرت، حيث خرج على المرابطين سنة (٥١٥ هـ) وسقطت مراكش عاصمة ملكهم على يد خليفته عبد المؤمن بن علي سنة (٥٤١ هـ). ثم زحف إلى الأندلس فاستولى على ملكهم هناك وأصبحت قرطبة عاصمة دولة الموحدين في الأندلس، ومنطلق جيوشهم.

стр. 72

وقد سيطر الموحدون على بلاد الأندلس، وصدوا هجمات النصارى، وخاضوا معهم عدة معارك. وكانت ولادة أبي العباس القرطبي في عهد يوسف بن عبد المؤمن، الذي حكم أكثر من عشرين سنة (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) (١) ثم جاء بعده ابنه يعقوب المنصور (٢)، واستمر حكمه حتى سنة (٥٩٥ هـ)، وقد خاض مع النصارى معركة "الأرك" سنة (٥٩١ هـ) (٣)، وانتصر فيها انتصارًا ساحقًا، وقتل وأسر أعدادًا كبيرة من النصارى. ثم جاء بعده ابنه محمد الناصر الذي حكم حتى توفي سنة (٦١٠ هـ) (٤) بعد هزيمته سنة (٦٠٩ هـ) في معركة "العقاب" (٥) الشهيرة مع النصارى، والتي كانت سببًا في ضعفه وتمزق جيوشه، ثم وفاته حسرة بعد المعركة بزمن يسير. وقد خلف ابنه يوسف المنتصر حيث تولى الحكم وهو صغير، مما جعل الممالك التابعة له لا تخضع له ولا تدين له بالطاعة حتى توفي سنة (٦٢٠ هـ) (٦). فتولى بعده عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن لعدة شهور، ثم عبد الله بن يعقوب المنصور، ثم إدريس بن يعقوب، فتوالى الملوك واحدًا بعد الآخر، لا يستقر الملك لأحد إلَّا مدة قصيرة، مما أضعف هذه

стр. 73

الدولة، فانتقلت من ضعف إلى ضعف، مما أطمع فيها النصارى فهاجموها فتساقطت المدن بأيديهم واحدة بعد الأخرى (١)، حتى سقطت قرطبة حاضرة الأندلس، وعاصمة الموحدين، ومدينة القرطبي، وذلك سنة (٦٣٣ هـ)، حيث وُضع الصليب على جامعها وحُوِّلَ إلى كنيسة، ورحل المسلمون عنها، فتفرقوا في البلاد الإسلامية (٢)، وكان فيمن رحل أبو العباس، حيث خرج في هذا الوقت أو قريبًا منه. فلا حول ولا قوة إلَّا بالله. وقد بيَّن القرطبي ﵀ وهو المعاصر لهذه الأحداث أن سبب تسلُّط الأعداء عليهم إنما كان لاختلافهم وتفرقهم حيث قال: "ولما اختلفت ملوك المغرب وتجادلوا استولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس، والجزر القريبة، وهاهم قد طمعوا في جميع بلاد الإسلام، فنسأل الله أن يتدارك المسلمين بالعفو والنصر واللطف" (٣). ثانيًا: الحال في مصر: عاش أبو العباس في مصر بعد نزوحه من الأندلس، فاستوطن الإسكندرية حتى توفي فيها سنة (٦٥٦ هـ)، وكانت مصر في ذلك الزمن خاضعة لسلطة الدولة الأيوبية، التي خلفت دولة الفاطميين، بقيادة صلاح الدين الأيوبي سنة (٥٦٧ هـ)، حتى توفي سنة (٥٨٩ هـ) فخلفه على مصر ابناه العزيز ثم الأفضل، ثم عمهما العادل بن أيوب الذي تولى مصر سنة (٥٩٦ هـ) حتى توفي سنة (٦١٥ هـ) ثم تولى ابنه الكامل حتى توفي سنة (٦٣٥ هـ)، ثم تولى الملك الصالح أيوب حتى توفي سنة

стр. 74

(٦٤٧ هـ) فتولى ابنه توران شاه، لكنه لم يبق في الحكم إلَّا يسيرًا حيث قتله المماليك واستولوا على السلطة، وبذلك سقطت الدولة الأيوبية وقامت دولة المماليك (١). وحيث عاش القرطبي تحت سلطتها قرابة ثمان سنوات في آخر عمره، حيث انتصر المماليك على التتار، وقضوا عليهم، وصدوا هذا الجيش الجرار عن باقي بلاد الإسلام بقيادة المظفر قطز في معركة "عين جالوت" سنة (٦٥٨ هـ) بعد وفاة القرطبي -رحمة الله- بسنتين (٢). المطلب الثاني: الحالة العلمية: لقد عاش القرطبي ﵀ في الربع الأخير من القرن السادس، والنصف الأول من القرن السابع، وهو عصر مليء بالاضطرابات والحروب والهجمات الشرسة على بلاد المسلمين في المشرق والمغرب من قبل النصارى والمغول -كما سبق ذكره- وقد قُتل خلال ذلك عددٌ من العلماء، ورحل آخرون عن بلادهم، ودُمرت المساجد والمكتبات، حتى ألقى المغول مكتبة بغداد في نهر الفرات حتى تغير لونه (٣). ولكن مع ذلك فبيئة القرطبي وبلاده التي عاش فيها أو انتقل إليها بيئة علمية مزدهرة. * في الأندلس: عرفت الأندلس -التي عاش فيها القرطبي بداية حياته وتعلم في

стр. 75

دور العلم فيها، ولازم مجالس العلماء-، بأنها بلد العلم والأدب، شجع على ذلك اهتمام غالب حكامها بالعلم وتشجيعهم عليه، واهتمامهم بإنشاء المكتبات وتشييدها، وجمع الكتب لها، بداية من عهد الأمويين، فهذا الحكم الثاني الأموي المتوفى سنة (٣٦٦ هـ) كون مكتبة عظيمة جمع لها الكتب من شتى البلاد، وكان محبًا للعلم مشجعًا عليه، قال عنه المقري: "كان محبًا للعلوم مكرمًا لأهلها، جمَّاعًا للكتب بأنواعها، بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله" (١). وفي حكم المرابطين كان يوسف بن تاشفين محبًّا للعلم، مقرِّبًا لأهله، قال عنه المراكشي (٢): "فانقطع إلى أمير المؤمنين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب، وفرسان البلاغة، ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار (٣). واستمر ذلك في دولة الموحدين، وهي التي قامت على أساس العلم، وعلى يد من انتسب إليه وهو عبد الله بن تومرت (٤). وسار على دربه الخلفاء من بعده فيوسف بن عبد المؤمن كون مكتبة كبيرة جمع فيها

стр. 76

من أصناف الكتب ما فاق به من قبله، قال المراكشي: "ولم يزل -يعني يوسف بن عبد المؤمن- يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب، ويبحث عن العلماء، وخاصة أهل النظر، إلى أن اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله ممن ملك المغرب" (١). ولذا أصبحت الأندلس من أعظم بلاد المسلمين في الحركة العلمية، مما جعل العلماء وطلبة العلم يقصدونها لهذا الغرض، خصوصًا قرطبة، وهي بلد القرطبي التي تميزت بذلك، واشتهرت فصارت مدينة العلم في بلاد الأندلس، قال المقري عنها: "هي أكثر بلاد الأندلس كتبًا، وأشد الناس اعتناءً بخزائن الكتب" (٢). * في مصر: وإذا نظرنا إلى مصر، حيث قضى فيها أبو العباس بقية عمره، رأيناها قد ازدهرت بالعلم، واكتظت بالعلماء، فالنكبات التي توالت على بلاد المسلمين جعلت عددًا كبيرًا من العلماء يرحلون إليها، ويستقرون فيها، منهم أبو العباس القرطبي، وتلميذه القرطبي المفسر، وابن مالك النحوي (٣) وغيرهم. خصوصًا بعد سقوط عامة بلاد الأندلس في يد النصارى، وسقوط غالب بلاد المسلمين في يد التتار، وبهذا انتقل النشاط العلمي من المشرق والمغرب إلى مصر.

стр. 77

إضافة إلى حرص العلماء على تعويض الخسارة العلمية التي لحقت بالأمة الإسلامية من آثار غزو التتار لبلاد الإسلام وإتلافهم لنتاجهم العلمي. فانتشرت المدارس في عهد الأيوبين وبعدهم، قال ابن خلكان: "ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية لم يكن بها شيء غير المدارس" (١). فبلغت المدارس في القاهرة وحدها سنة (٦٠٠ هـ) ثلاث عشرة مدرسة، ثم تضاعف هذا العدد في زمن المماليك (٢). إضافة إلى كثرة المكتبات الزاخرة بأمهات الكتب في شتى فنون المعرفة، ولا غرابة في ذلك إذا كان الحكام يشجعون على العلم، ويهتمون بنشره، وتقريب أهله. قال المقريزي (٣) عن الملك الكامل: "وكان يحب أهل العلم، ويؤثر مجالستهم، وشغف بسماع الحديث النبوي ... وكان يناظر العلماء، وعنده مسائل غريبة من فقه ونحو يمتحن بها، فمن أجاب قدَّمه وحظي عنده" (٤). وبالجملة فالحالة العلمية في هذا العصر تميزت بالازدهار والنشاط وكثرة المكتبات ودور العلم. وأعظم ما يدل على هذه الحركة العلمية كثرة العلماء الأعلام في

стр. 78

هذا العصر، سواء في المشرق أو المغرب، وغزارة نتاجهم العلمي الذي حُفِظ لنا، فمنهم: ابن الجوزي (١) توفي سنة (٥٩٧ هـ)، والفخر الرازي (٢) توفي سنة (٦٠٦ هـ)، وابن قدامة المقدسي (٣) توفي سنة (٦٢٠ هـ)، وابن الأثير الجزري توفي سنة (٦٣٠ هـ)، وابن الصلاح توفي سنة (٦٤٣ هـ)، والمنذري توفي سنة (٦٥٦ هـ)، والعز بن عبد السلام (٤)، توفي سنة (٦٦٠ هـ)، وابن مالك النحوي توفي سنة (٦٧٢ هـ)، والقرطبى المفسر توفي سنة (٦٧٢ هـ)، والنووي توفي سنة (٦٧٦ هـ) وغيرهم.

стр. 79

المبحث الثاني حياته الشخصية وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه المطلب الثاني: مولده ونشأته المطلب الثالث: أسرته المطلب الرابع: وفاته

стр. 80

المطلب الأول: اسمه ونسبه هو أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي الأندلسي المالكي. أمَّا الأنصاري فنسبة إلى الأنصار ﵃ إذ قد هاجر منهم أناس إلى المغرب واستقروا هناك. ولكن هل نسبة أبي العباس إليهم ولاءً أم صليبة، رجَّح بعض المترجمين له أن نسبته إليهم بالولاء (١)، وذلك لأن والده كان "مُزَيِّنًا" وهو من يمتهن الحلاقة والحجامة والختان، ولذا لُقِّب بابن المزين نسبة لعمل والده. وهذه مهنة محتقرة عند العرب لا يقوم بها عادة إلَّا الرقيق والموالي، وهذا دليل قوي لترجيح هذا القول. وأمَّا القرطبي فنسبة إلى مدينته قرطبة (٢) التى عاش فيها الشطر الأول من حياته. وأما الأندلسي فنسبة إلى بلاده الأندلس (٣). أما المالكي فإلى مذهب الإمام مالك ﵀ إذ هو من أعيان

стр. 81

المذهب. كنيته أبو العباس، ولقب بضياء الدين، وبجمال الدين، كما لُقِّب بالعدل، والشاهد، وذلك لأنه قام بعمل العدول والشهود في الإسكندرية، وهم من يتعرفون على الناس، ويشهدون في القضايا، مع كونهم محل ثقة عند القضاة (١). كما عُرِف بابن المزين نسبة لعمل والده -كما سبق-. قال ابن فرحون: "أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر أبو العباس الأنصاري الأندلسي، ثم القرطبي المالكي الفقيه، عُرف بابن المزيّن بالزاي المعجمة بعدها ياء مثناة من تحت ونون يلقب بضياء الدين من أعيان فقهاء المالكية" (٢). وقال ابن العماد الحنبلي: "أبو العباس القرطبي أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري المالكي المحدث الشاهد" (٣). وقال محمد محمد مخلوف (٤): "ضياء الدين أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي يعرف بابن المزين" (٥). وقال البغدادي (٦): "أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري

стр. 82

أبو العباس، جمال الدين القرطبي" (١). المطلب الثاني: مولده ونشأته أولًا: مولده: ولد ﵀ في قرطبة من بلاد الأندلس عام (٥٧٨ هـ) ثمان وسبعين وخمسمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وهذا محل اتفاق بين من ترجموا له إذ لم يذكر أحد سوى هذا التاريخ لولادته. ولم أجد من ذكر اليوم أو الشهر الذي ولد فيه بل جميعهم اكتفوا بذكر السنة. ثانيا: بيئته ونشأته: نشأ أبو العباس في مكان ولادته في قرطبة في بيئة علمية فوالده على ما يبدو من طلبة العلم أو العلماء وإن لم أظفر له بترجمة لكن جاء في افتتاح كتاب المفهم ما نصه: "قال الشيخ الفقيه الإمام العالم المحدث أبو العباس أحمد بن الشيخ الفقيه أبي حفص عمر القرطبي الأنصاري" (٢). وتطواف هذا الوالد بولده وهو صغير في حواضر العلم في سائر أنحاء العالم الإسلامي ليسمع من العلماء مع مشقة ذلك في تلك الأوقات ليَدُلُ دلالة أكيدة على أنه من أهل العلم العارفين بفضله (٣). قال ابن فرحون: رحل أبو العباس مع أبيه من الأندلس في سن الصغر فسمع كثيرًا بمكة والمدينة والقدس، ومصر، والإسكندرية،

стр. 83

وغيرها من البلاد (١). ونشأة أبي العباس في هذه البيئة العلمية الصالحة كان له أثر كبير على مستقبل حياته وتوجهه للعلم، وجده في طلبه. وقد عاش القرطبي الشطر الأول من حياته في قرطبة، وإن تخلل ذلك رحلات في سائر البلاد الإسلامية -كما سبق ذكره- حينما رحل مع والده في سن الصغر إلى الشام ومصر والحجاز، عاد بعدها إلى قرطبة، إذ رحلته تلك قبل مجاوزته الاثنتي عشرة سنة، بدليل أخذه من القاسم بن فيرة بمصر، وهو قد توفي سنة (٥٩٠ هـ) (٢). وقد أخطأ من اعتبر رحلته هذه إلى مصر هي التي استقر فيها هناك، إذ وجد دليل على وجوده في قرطبة بعد هذا التاريخ. فقد ذكر أنه سمع صحيح مسلم في قرطبة سنة (٦٠٧ هـ) (٣). وقد ذكر ابن مسدي (٤) أنه لقيه بغرناطة سنة (٦١٤ هـ) (٥). وقد رحل إلى الحج سنة (٦١٧ هـ) (٦) حيث قال في رحلته تلك:

стр. 84

"لما وصلت إلى تونس قاصدًا إلى الحج سمعت أخبارًا سيئة عن البلاد المصرية، من جهة العدو الذي غلب على دمياط، فعزمت على المُقام بتونس إلى أن ينجلي أمر العدو، فجدد الله عزمًا وأزال عني ما كنت أتخوفه من أمر العدو، وسافرت إلى أن وصلت إلى الإسكندرية، فوجدتها والديار المصرية على أشد خوف وأعظم كرب، والعدو قد استفحل أمره، وعظمت شوكته، فلم أكمل في الإسكندرية عشرة أيام حتى كسر الله العدو، ومكَّن منه من غير صنع أحد من المخلوقين، بل

стр. 85

بلطف أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين" (١). وهل عاد بعد هذه الرحلة إلى قرطبة أم كان هذا هو الاستقرار النهائي له في الإسكندرية؟ الله أعلم بذلك! . المقصود أنه استقر في الإسكندرية وانتقل من قرطبة بعدما ساءت أحوالها انتقالًا نهائيًا. فكان أن قضى شطر حياته الأخير في الإسكندرية حيث تصدى للتدريس ونفع الناس هناك. قال ابن فرحون: "نزل الإسكندرية واستوطنها ودرَّس بها" (٢). المطلب الثالث: أسرته: لم أقف على ترجمة لوالده ولا ذكر لأسرته، سوى ما ذكره تلميذه أبو عبد الله القرطبي حينما أشار إلى أخيه أبي القاسم حيث قال: "ولقد أخبرني صاحبنا أبو القاسم ﵀ أنه ربط نحوًا من خمسين امرأة واحدة بعد أخرى في حبل مخافة سبي العدو، حتى خرجوا من قرطبة أعادها الله" (٣). ولم أقف أيضًا على شيء يدل على زواجه وإنجابه، إلَّا ما ذكره هو عن نفسه في "المفهم" حيث قال: "ومنها أني تزوجت امرأة، وقبل الدخول بها حُدِّثْتُ عن صفتها ما أوقع في قلبي نفرة، فأُريتها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها، ثم إني لما اجتمعت بها وجدتها هي التي أريتها في النوم" (٤). وقد يكون تزوج فلم يوفق فآثر العزوبة بعد، وربما يؤيد هذا الظن

стр. 86

ما ذهب إليه من تفضيله التفرغ للعبادة على الزواج، فبعد ذكره لأقوال القائلين بتفضيل الزواج على التفرغ منه للعبادة قال: "وحديث أنس وسهيل يدلان على أن التزويج أفضل من التفرغ للعبادة، وهو أحد القولين المتقدمين، ويمكن أن يقال كان ذلك في أول الإسلام، لِمَا كان عليه النساء من المعونة على الدين والدنيا، وقلة الكلفة، والتعاون على البر والتقوى، والحنو والشفقة على الأزواج، وأما في هذه الأزمان فنعوذ بالله من الشيطان والنسوان، فوالله الذي لا إله إلَّا هو لقد حلت العزبة والعزلة بل وتعين الفرار من فتنتهن والرحلة، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله" (١). وقال أيضًا في شرحه لدعاء الرسول ﷺ لأنس بن مالك ﵁ بقوله: " اللهُمَّ أكثِرْ مالَهُ وَوَلَدَهُ" (٢). قال: "يدل على إباحة الاستكثار من المال والولد والعيال، لكن إذا لم يشغلك ذلك عن الله تعالى، ولا عن القيام بحقوقه، لكن لما كانت سلامة الدين مع ذلك نادرة، والفتن والآفات غالبة، تعين التقلل من ذلك، والفرار مما هنالك، ولولا دعوة النبي ﷺ لأنس بالبركة لخيف عليه من الإكثار الهلكة، ألا ترى أن الله تعالى قد حذَّرنا من آفات الأموال والأولاد، ونبَّه على المفاسد الناشئة من ذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣). وصدر الكلام بإنما الحاصرة المحققة، فكأنه قال: لا تكون

стр. 87

الأموال والأولاد إلَّا فتنة، يعني في الغالب، ثمل قال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١). ووجه عداوتهما. أن محبتهما موجبة لانصراف القلوب إليهما، والسعي في تحصيل أغراضهما، واشتغالهما بما غلب عليهما من ذلك عما يجب عليهما من حقوق الله تعالى، ومع غلبة ذلك تذهب الأديان ويعم الخسران، فأي عداوة أعظم من عداوة من يدمر دينك هذا الدمار ويورثك عقوبة النار" (٢). المطلب الرابع: وفاته: بعد عمر مديد حافل بالعلم والعمل قارب الثمانين سنة توفي أبو العباس القرطبي في مدينة الإسكندرية من بلاد مصر عام (٦٥٦ هـ) في شهر ذي القعدة. وقد اختُلِف في يوم وفاته من ذلك الشهر فقيل في الرابع منه (٣)، وقيل في الرابع عشر (٤)، وقيل في الرابع والعشرين (٥)، عن ثمان وسبعين سنة. وقد اتفقت المصادر في ذلك سوى ما ذكره ابن فرحون، ويبدو أنه قد وهم في ذلك، أو أن التاريخ قد تصحف حيث جعله سنة (٦٢٦ هـ) (٦) وقد تفرد بهذا الوهم.

стр. 88

المبحث الثالث حياته العلمية وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: طلبه للعلم ورحلاته فيه المطلب الثاني: شيوخه المطلب الثالث: تلاميذه المطلب الرابع: مؤلفاته المطلب الخامس: مذهبه وعقيدته المطلب السادس: علمه وثناء العلماء عليه

стр. 89

المطلب الأول: طلبه للعلم ورحلاته فيه: بدأ أبو العباس بطلب العلم في مسقط رأسه "قرطبة" حيث أخذ عن علمائها ولازمهم في صغره. قال ابن كثير (١): "ولد بقرطبة سنة (٥٧٨ هـ) وسمع الكثير هناك" (٢). ورحل لطلب العلم مع والده، وهو دون البلوغ، فطاف حواضر العلم في أنحاء العالم الإسلامي في الحجاز ومصر والشام والمغرب، وسمع من العلماء هناك. قال ابن فرحون: "رحل أبو العباس مع أبيه من الأندلس في سن الصغر فسمع كثيرًا بمكة والمدينة والقدس ومصر والإسكندرية وغيرها من البلاد" (٣). ورحلاته هذه وتطوافه سائر هذه البلدان مع بعدها عن موطنه، وتحمله ما في تلك الأسفار من المشاق والأخطار يدل على أن البلاد القريبة من بلده سيكون لها النصيب الأكبر، والوقت الأطول من هذه الرحلات العلمية لسهولة الوصول إليها، وهو ما أفادتنا به المصادر من أنه طاف عامة بلدان المغرب، ولقي العلماء فيها، وسمع منهم. قال ابن فرحون: "سمع الحديث من مشايخ المغرب، فلقي بفاس أبا القاسم عبد الرحمن بن عيسى ابن الملجوم الأزدي، وسمع بتلمسان من أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبي، ومن قاضيها أبي محمد عبد الله بن

стр. 90

سليمان بن حوط الله وبسبته من عبد الحق الخزرجي" (١). ولا شك أن القرطبي قد استفاد من هذه الرحلات الالتقاء بعدد كبير من العلماء في مختلف بلدان العالم الإسلامي. وبعد استقراره في مصر أخذ عن علمائها مع تصديه للتدريس فيها. وكان في بداية طلبه قد اشتغل بعلم الكلام ثم تركه واتجه للفقه والحديث. قال ابن مسدي: "أخذ نفسه بعلم الكلام وأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام وتغلغل في تلك الشعاب عدة أحقاب" (٢). وقال المقري: "وكان يشتغل أولًا بالمعقول" (٣) ويدل على ذلك تمكنه من علم الكلام ورده على الخائضين فيه (٤). المطلب الثاني: شيوخه: أخذ أبو العباس العلم عن عدد من العلماء سواء في المشرق أو المغرب، وذلك خلال رحلاته العلمية، وتطوافه سائر الحواضر الإسلامية، ولكن مصادر ترجمته لم تزودنا إلَّا بعدد قليل منهم، لا يتناسبُ مع ما ذكر من كثرة رحلاته وتطوافه بسائر بلاد الإسلام، منذ نعومة أظفاره، فمنهم: ١ - أبو محمد القاسم بن فيرة بن أبي القاسم الشاطبي، المقرئ الضرير، عالم بالقراءات، محدث، مفسر، لغوي، له "حرز الأماني ووجه

стр. 91

التهاني" قصيدة تزيد على ألف بيت في علم القراءات، وهي عمدة في هذا العلم، توفي بمصر سنة (٥٩٠ هـ) (١). ٢ - أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود الخشني، المحدث، الفقيه، اللغوي، إمامٌ في اللغة، ولي القضاء بجيان، ورحل إلى فاس، واستوطنها، وبها مات سنة (٦٠٤ هـ). له عدة مؤلفات، منها: "شرح كتاب سيبويه" (٢). ذكره القرطبي في المفهم حيث قال: "وقد رويته كذلك من طريق شيخنا أبي ذر بن مسعود الخشني" (٣). ٣ - أبو القاسم عبد الرحمن بن يوسف الأزدي ابن الملجوم الزهراني، من أهل فاس، إمامٌ في اللغة والأدب، لقيه القرطبي بفاس، وسمع منه، توفي سنة (٦٠٥ هـ) (٤). ٤ - أبو الصبر أيوب بن محمد الفهري، من أهل سبته، رحل إلى الأندلس والمشرق في طلب العلم، وأخذ عن عدد كبير من العلماء، توفي شهيدًا في معركة العقاب بالأندلس سنة (٦٠٩ هـ) (٥). ذكره القرطبي في المفهم فقال: "وقد وجدت في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي" (٦)، وكرر ذكره في أكثر من موضع (٧). ٥ - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبي، من أهل إشبيلية، طاف عامة

стр. 92

بلاد الأندلس لطلب العلم، ثم استوطن تلمسان، وفيها سمع منه القرطبي، وله عدة مؤلفات، منها: "الترغيب في الجهاد" توفي سنة (٦١٠ هـ) (١). ٦ - أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله الأنصاري الحارثي، الفقيه، الأصولي، النحوي، الأديب، الحافظ، ولي القضاء في قرطبة وإشبيلية وسبتة وغيرها من بلاد الأندلس، توفي سنة (٦١٢ هـ) (٢). ذكره القرطبي في المفهم فقال: "فممن رويته عنه ... والشيخ الفقيه القاضي الأعدل العلم الأعلم، أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله قراءة عليه وسماعًا لكثير منه وإجازة لسائره وذلك بقرطبة" (٣). ٧ - أبو إبراهيم تقي الدين عوض بن محمود الحميري البوستي المالكي، الفقيه الزاهد، العابد، سمع منه القرطبي بمصر توفي سنة (٦٣٣ هـ) (٤). ذكره القرطبي ممن روى عنهم صحيح مسلم فقال: قرأته كله على الشيغ الفقيه الزاهد الفاضل تقي الدين أبي إبراهيم عوض بن محمود (٥). ٨ - أبو الحسين مرتضي بن العفيف حاتم بن المسلم الحارثي المصري، المقرئ المحدث العابد، الزاهد، توفي بمصر سنة (٦٣٤ هـ) (٦).

стр. 93

وقد ذكره القرطبي فيمن روى عنهم صحيح مسلم فقال: وممن أجازه لي الشيخ الفقيه المحدث الزاهد التلاء للقرآن أبو الحسين مرتضي بن العفيف المقدسي" (١). ٩ - أبو جعفر أحمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن حجة المقرئ المحدث الحافظ، درَّس بقرطبة وإشبيلية له مؤلفات منها: "منهاج العباد" أسر وعذب ثم توفي سنة (٦٤٣ هـ) (٢). ١٠ - أبو الفضل أحمد بن عبد العزيز بن الحسين بن الجباب التميمي السعدي المالكي، فخر القضاة، حدث عنه الدمياطي والمنذري، توفي سنة (٦٤٨ هـ) (٣). ذكره القرطبي فيمن روى عنهم صحيح مسلم فقال: "ومنهم القاضي فخر القضاة أبو الفضل بن الجباب وأجازه لي" (٤). ١١ - أبو محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المصري الشافعي، الإمام، الحافظ، الشهير، له عدة مؤلفات، منها: "اختصار صحيح مسلم" و"الترغيب والترهيب" وغيرها، توفي سنة (٦٥٦ هـ) (٥). وقد ذكره القرطبي في المفهم، فقال: "قال شيخنا أبو محمد عبد العظيم المنذري" (٦). ومنهم عبد الحق بن محمد بن عبد الحق الخزرجي، وأبو الحسن

стр. 94

علي بن محمد اليحصبي (١)، وأبو جعفر بن أبي يحيى، وعبد العزيز بن أبي الوليد يوسف الدباغ، وأبو بكر محمد بن عبد الله العربي المعافري (٢). المطلب الثالث: تلاميذه: جلس أبو العباس للتدريس في الأندلس حال وجوده فيها، وفي مصر بعد استقراره في الإسكندرية، والتف حوله أعداد كبيرة من التلاميذ للاستفادة من علمه. قال المقري: "ثم انتقل إلى المشرق، واشتهر وطار صيته، وأخذ النالس عنه، وانتفعوا بكتبه" (٣). وقال ابن فرحون: "وأخذ عنه الناس من أهل المشرق والمغرب" (٤). ومع ذلك لم نعرف من تلاميذه إلَّا القليل، بل أقل القليل. فمنهم: ١ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي، المفسر، الحافظ، ولد في قرطبة وعاش بها وتعلم، ثم انتقل إلى مصر واستوطن الإسكندرية، وأخذ عن علمائها، له عدة مؤلفات، منها: "الجامع لأحكام القرآن" تفسير للقرآن الكريم في مجلدات و"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" وغيرها، توفي سنة (٦٧١ هـ) (٥).

стр. 95

وهو أشهر تلاميذه وأكثرهم ملازمة له، وكان كثير الذكر له، ملازمًا للثناء عليه، فكثير ما ينقل عنه فيقول: قال شيخنا الإمام أبو العباس الفقيه المحدث (١). وقد نقل عنه في كتابيه السابقين نقولات كثيرة (٢). ٢ - أبو محمد شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، الشافعي، محدث، فقيه، إمام، حافظ، لغوي، عالم بالنسب، له عدة مؤلفات، منها: "المتجر الرابح" و"الخيل" وغيرها، توفي سنة (٧٠٥ هـ) (٣). وقد ذكر القرطبي في معجم شيوخه فقال: "اجتمعت به وأخذت عنه شيئًا" (٤). ٣ - أبو الحسن بن يحيى القرشي (٥). قال ابن فرحون: "كتب عنه الحافظ أبو الحسن بن يحيى القرشي، وذكره في معجم شيوخه" (٦). ومما لا شك فيه أن عدد التلاميذ الذين أخذوا عنه أكثر من هؤلاء بكثير، ولكن لم يصلنا من تلاميذه إلَّا هؤلاء لشح مراجع ترجمته كما سبق. كما تتلمذ على كتبه عدد كبير من جهابذة العلماء وطلبة العلم خلال

стр. 96

القرون التي تلته إلى عصرنا هذا. وقد ذكر ابن فرحون أن أبا عبد الله بن الأبار أخذ عنه بالإجازة. قال: "وحدث عنه بالإجازة أبو عبد الله بن الأبار" (١). المطلب الرابع: مؤلفاته: إن علمية أبي العباس القرطبي تجلت وظهرت فيما خلف لنا من تراث علمي نفيس في مؤلفاته التي شملت سائر فنون العلم في الفقه وأصوله، والعقيدة والحديث. وإن كان لم يصل إلينا إلَّا القليل من هذه المؤلفات، ولعل أشهرها كتاب "المفهم" الذي لم يطبع إلَّا قبل سنوات، وإن كان قد حظي باهتمام واسع من قبل العلماء السابقين إذ أصبح مرجعًا لكثير ممن ألفوا بعده. ونعرف هذه المؤلفات من خلال ذكرها في كتب التراجم ممن ترجموا له أو من خلال ذكره لها في كتاب "المفهم" وهي كالتالي مرتبة على حروف المعجم: ١ - إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار: وقد أحال عليه في المفهم فقال: "جزء كتبناه في المسألة سميناه "إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار وذكرنا فيه غاية أدلة الفريقين وتمسكاتهم من الكتاب والسنة على طريقة التحقيق والتحرير والنقل، ومن وقف على ذلك قضى منه العجب العجاب وعلم أنه لم يكتب مثله في هذا الباب" (٢). ٢ - الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا

стр. 97

محمد ﷺ : وقد ألَّفه ردًّا على أحد النصارى الذي ألَّف كتابًا سماه "تثليث الوحدانية في معرفة الله". وقد تهجم فيه على دين الإسلام، وانتقصه، فتصدى له القرطبي ورد باطله، ودحض شبهه بهذا الكتاب، وقد طبع الكتاب بتحقيق الدكتور: أحمد حجازي السقا، عن دار التراث العربي، ولم يُنسب في طبعته هذه لأبي العباس، وقد نسبه بعض الباحثين لأبي عبد الله القرطبي (١)، ورد الدكتور محمد أبا الخيل نسبة الكتاب للقرطبي المفسر وناقش نسبته لأبي العباس خصوصًا بعد وقوفه على إحالات في المفهم للكتاب المذكور، ولكنه تردد في الجزم بنسبته إليه؛ لأن الإحالات التي ذكرها لم تصرح باسمه كاملًا بل اكتفت بجزء من الاسم (٢) كما سيتبين بعد قليل. ولعله لم يقف على الإحالة التي ذكر القرطبي فيها الكتاب باسمه كاملًا مما يزول معه اللبس ونجزم بنسبته إليه، وأن ما سبق من إحالات ذكر فيها الاسم مختصرًا إنما كان ذلك حسب مناسبة الإحالة. فالكتاب لأبي العباس القرطبي جزمًا لا شك فيه، حيث ذكره في المفهم في مواضع كثيرة بذكر اسمه مختصرًا حيث قال مرة: "في كتابنا في الرد على النصارى" (٣)، وقال مرة أخرى: "في كتابنا المسمى الإعلام

стр. 98

بصحة نبوة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام" (١)، وذكره كثيرًا باسم الإعلام (٢). وهو بهذا يريد الاختصار ودليل الاستشهاد، وإلَّا فقد ذكره صريحًا باسمه كاملًا في كتاب التفسير حين قال: "كما قد نقلناه في كتابنا المسمى: بكتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا ﷺ " (٣). ٣ - تلخيص كتاب مسلم: وقد بين سبب وضعه لهذا التلخيص فقال: "لما تقاصرت الهمم في هذا الزمان عن بلوغ الغايات من حفظ جميع هذا الكتاب بما اشتمل عليه من الأسانيد والروايات أشار من إشارته غنم وطاعته حتم إلى تقريبه على المتحفِّظ وتيسيره على المتفقه، بأن نختصر أسانيده ونحذف مكرره .. فاستعنت بالله تعالى وبادرت إلى مقتضى الإشارة" (٤). والمفهم شرح لهذا التلخيص كما ذكر هو في مقدمة المفهم حيث قال: "وسميته المُفْهِم لما أشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم" (٥). فلخص مقدمة الصحيح بذكر أهم مقاصدها، واقتصر في الإسناد على الصحابي، إلَّا أن تدعو حاجة لذكر غيره، وساق أكمل المتون، وألحق بها ما في غيرها من زيادة فائدة حيث قال: فاقتصرت في الإسناد على ذكر الصاحب إلَّا أن تدعو الحاجة إلى ذكر غيره، فأذكره لزيادة فائدة، وحصول عائدة، ومن تكرار المتون على أكملها مساقًا، وأحسنها

стр. 99

سياقًا، ملحقًا به ما في غيره من الرواية" (١). وقد حافظ على ترتيب مسلم إلَّا أن تدعو الضرورة للإخلال بهذا الترتيب في بعض الأحيان، وقد بيَّن ذلك بقوله: "وربما قدمت بعض الأحاديث وأخَّرت، حيثما اضطررت، حرصًا على ضم الشيء لمشاكله، وتقريبًا له على متناوله" (٢). وقد بوَّب كتابه بما تتضمنه الأحاديث التي يضعها تحت الباب، وقد يجعل معنى من معاني الحديث أو جزءًا منه ترجمة عليه، وقد بيَّن هذا بقوله: "وننبه على ما تضمنته أحاديثه بتراجم تسفر عن معناها وتدل الطالب على موضوعها وفحواها" (٣). ٤ - الجامع لمقاصد الأصول: وهو كتابٌ في أصول الفقه، أحال عليه في المفهم كثيرًا في مواضع متعددة (٤). واختلفت عباراته في هذه الإحالات، فمرة يقول: أوضحنا ذلك في الأصول، ومرة يقول: بيَّنا ذلك في أصول الفقه. ٥ - الجدل: وقد أكثر الزركشي من النقل عنه في البحر المحيط (٥)، ولم يتعرض القرطبي لذكره، إنما ذكره الزركشي في البحر المحيط حيث قال في مسألة

стр. 100

السبر والتقسيم: "ما ذكرناه أن هذا النوع من المسالك هو المشهور، وقد نازع فيه جماعة من المتأخرين منهم أبو العباس القرطبي في جدله" (١). ٦ - جزء في صلاة الآبق والسكران: وقد ذكره في المفهم عند حديثه عن عدم قبول صلاة الآبق في كتاب الإيمان حيث قال: "فكان هذا كما قلناه في قوله ﵊: "إن شارب الخمر لا تقبل منه صلاة أربعين يومًا" (٢). وقد كنا كتبنا في ذلك الحديث جزءًا حسنًا" (٣). ٧ - جزء في الطلاق الثلاث: وقد ذكره في المفهم في كتاب الطلاق باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة، حيث قال بعد عرضه للأقوال في هذه المسألة: "وقد أشبعنا القول في هذه المسألة في جزء كتبناه في هذه المسألة سؤالًا وجوابًا" (٤). ٨ - جزء في كراء الأرض: وقد ذكره في المفهم عند شرحه لحديث النهي عن كراء الأرض في كتاب البيوع، حيث قال بعد مناقشة المسألة: "وقد كتبنا في هذه المسألة جزءًا حسنًا" (٥).

стр. 101

٩ - شرح التلقين: وهو شرح لكتاب التلقين في الفقه المالكي للقاضي عبد الوهاب البغدادي. وقد ذكره في المفهم في كتاب الطهارة عند حديثه عن فرض غسل الرجلين في الوضوء، حيث قال بعد ذكر الأقوال في ذلك: "وقد طولنا النفس في هذه المسألة في كتابنا في "شرح التلقين" أعان الله على تمامه" (١). وبعدم وصول الكتاب إلينا لا ندري هل أتم شرح هذا الكتاب الذي بدأ به أم لا؟ . ١٠ - كشف القناع عن حكم الوجد والسماع: وقد طُبع عام (١٤١١ هـ) بتحقيق الدكتور عبد الله بن محمد الطريقي، وهو في مجمله ردٌّ على الصوفية المنحرفة الذين اتخذوا من هذا العمل عبادة تقربهم إلى الله بزعمهم، فبين بهذا الكتاب ضلالهم وانحرافهم، وناقش حكم الغناء وعرض الأقوال فيه بتحقيق هانصاف. وقد ألَّف هذا الكتاب أثناء تأليفه للمفهم بدليل إحالته فيه إلى المفهم (٢)، وإحالته في المفهم إليه (٣). ١١ - مختصر الجامع لصحيح البخاري: ولم يذكره في المفهم، إنما ذكره حاجي خليفة في كتابه "كشف الظنون" حيث قال: "مختصر الشيخ الإمام جمال الدين أبي العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي، المتوفي سنة (٦٥٦ هـ) ست وخمسين

стр. 102

وستمائة بالإسكندرية أوله: الحمد لله الذي خص أهل السنة بالتوفيق" (١). وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٢). ويوجد منه جزء في خزانة القرويين بفاس (٣). ١٢ - المفهم لما أشكل في تلخيص كتاب مسلم: وسيأتي التعريف به مفصلًا. وكما وهم من نسب كتاب أبي العباس "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام" لأبي عبد الله القرطبي، فقد وهم البعض فنسبوا كتاب "التذكرة في ذكر الموتى وأحوال الآخرة" لأبي العباس (٤)، وهو خطأ ظاهر إذ اشتهرت نسبة "التذكرة" لأبي عبد الله حتى أصبحت علامة فارقة بينه وبين غيره من القرطبيين كما قال المقري: "وممن أخذ عنه القرطبي صاحب التذكرة" (٥). المطلب الخامس: مذهبه الفقهي وعقيدته: أولًا: مذهبه الفقهي: يعتبر القرطبي أحد فقهاء المالكية في زمنه ذلك أنه درس بالأندلس والمغرب، وهي بلاد يتمذهب أهلها بالمذهب المالكي، فأخذ أصول المذهب عن شيوخه، وتبحر فيه، حتى عد أحد أعلامه ساعده في ذلك

стр. 103

تمكنه من علم أصول الفقه وقوته فيه. قال ابن فرحون عنه: "من أعيان المالكية" (١). وقال ابن العماد: "كان من كبار الأئمة" (٢). وقال ابن كثير: "أبو العباس الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث" (٣). وقال المقريزي: "فقيه مالكي محدث أصولي" (٤). ولكنه لم يكن متعصبًا للمذهب، متمسكًا به ولو خالف الدليل، بل كان سالكًا لطريق الإنصاف، ساعيًا في اتباع الدليل، ولو خالف مالكًا أو المشهور من مذهبه. قال الطريري: إلَّا أن الشيخ أبا العباس مع ذلك كله لم ينزلق إلى وهدة التعصب الأعمى، ولم يتقيد بأغلال التقليد، فمع مذهبيته المالكية إلَّا أنك لا ترى الغلو في إمامه، ولا التحطط على مخالفيه، ولا التقليد الجامد للمذهب في كل مسألة ... وتتجلى سلامة أبي العباس من غلواء التعصب في مسائل كثيرة عرض لها في المفهم، ثم انقاد فيها إلى ما أداه اجتهاده مع مخالفته للمشهور من مذهب مالك" (٥). وقال المحققون للمفهم: "مالكي متضلع في مذهب الإمام مالك، ومستحضر لأقواله وأدلته، ولكنه يقف في بعض الأحيان مع الدليل

стр. 104

ويصرح بمعارضته لمالك فيما ذهب إليه" (١). ثانيًا: عقيدته: لقد حفل كتاب "المفهم" بالمباحث العقدية، وكان القرطبي طويل النفس في مناقشتها، والوقوف عندها، قويًّا في نصرة ما يراه من مسائل العقيدة، شديدًا في الرد على المخالفين له في ذلك. وقد كان في بداية طلبه للعلم توجه للعلوم العقلية، والأخذ بأقوال المتكلمين. قال ابن مسدي: "أخذ نفسه بعلم الكلام، وأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام، وتغلغل في تلك الشعاب عدة أحقاب" (٢). ولكنه انصرف بعد ذلك عنه بل رد على المتكلمين بكلام نفيس للغاية (٣). وإن كان من خاض في هذه العلوم قلما ينجو دون أن يعلق به شيء منها. ومن خلال هذه المباحث العقدية التي حفل بها المفهم نجد أبا العباس قد سلك طريقة الأشاعرة في غالب مسائل العقيدة خصوصًا في تأويل الصفات التي تأولها الأشاعرة، وإن كان قد تردد في بعضها فلم يجزم بالتأويل، إلَّا أنه تكلف في رد كثير مما يخالف ما ذهب إليه الأشاعرة وشنع على المخالفين لهم. قال في تأويل إتيان الله تعالى ومجيئه: "لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل

стр. 105

حملها على ظاهرها لما يعارضها من ظواهر أخرى كما قرره أئمتنا ولما دل العقل الصريح عليه" (١). وقذف بالتجسيم من يثبت الصفات على مذهب السلف حيث قال: "اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مجسم، وصورة مصورة، ذات وجه وعين وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك ... فالصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون، فإن تابوا، وإلَّا قُتلوا كما يفعل بمن ارتد" (٢). فنستطيع أن نقول أن القرطبي أشعري العقيدة، وإن كان من غير المتعصبين للأشاعرة، إذ ربما خالفهم في بعض أقوالهم كما سيتضح من خلال الرسالة على أنه ﵀ كان شديدًا على الفرق الضالة المنحرفة عن الحق كالرافضة والمعتزلة والخوارج والصوفية وله ردود قوية عليهم. المطلب السادس: علمه وثناء العلماء عليه: إن ما خلفه الإمام أبو العباس القرطبي يدل على علميته وسعة ثقافته فمؤلفاته كثيرة، وفي فنون متعددة من العلم، في الفقه والحديث والعقيدة وغيرها، وهي لا شك تدل على ما وصل إليه من مكانة علمية، جعلت العلماء بل أكابر العلماء يعتمدون عليها وينقلون منها، ويكفي من ذلك اعتماد الحافظ ابن حجر على كتاب المفهم في شرحه لصحيح البخاري واعتماد الزركشي على كتاب القرطبي في الأصول، وغيرهم من العلماء في شتى فنون العلم. مع فقد غالب كتب هذا الإمام.

стр. 106

ولذا أثنى عليه العلماء بما هو أهله، قال المقري: "انتقل إلى المشرق واشتهر وطار صيته وأخذ الناس عنه، وانتفعوا بكتبه ... كان بارعًا في الفقه والعربية عارفًا بالحديث ... له اقتدار على توجيه المعاني بالاحتمال ... وكان إمامًا عالمًا جامعًا" (١). وقال محمد محمد مخلوف: "الإمام العمدة العلامة الفقيه المحدث المتقن الفهامة" (٢). وقال ابن كثير: "أبو العباس الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث" (٣). وقال الذهبي: "العلامة المحدث" (٤)، "عالم الإسكندرية" (٥) وقال ابن فرحون: "كان من الأئمة المشهورين والعلماء المعروفين جامعًا لمعرفة علوم منها: علم الحديث، والفقه، والعربية، وغير ذلك ... وكان يشار إليه بالبلاغة والعلم والتقدم في علم الحديث والفضل التام وأخذ عنه الناس من أهل المشرق والمغرب" (٦). وقال المقريزي: "فقيه مالكي محدث أصولي ... وكان عالمًا محققًا ثقة" (٧).

стр. 107

المبحث الرابع التعريف بالكتاب وبيان أهميته المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم وهو موضوع هذه الرسالة وأعظم كتبه وأشهرها ونتعرف عليه من خلال النقاط التالية وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: تسميته المطلب الثاني: نسبته للقرطبي المطلب الثالث: تأليفه المطلب الرابع: أهميته المطلب الخامس: مميزاته المطلب السادس: منهج القرطبي فيه

стр. 108

المطلب الأول: تسميته: لم يختلف في تسمية كتاب القرطبي هذا نظرًا لأنه نص على تسميته في مقدمته حيث قال: "وسميته المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (١). وقد ورد عند بعض من ترجموا له بل عند أغلبهم بتسميته "المفهم في شرح صحيح مسلم" وهو سياق على وجه الاختصار وما دام مؤلفه قد نصَّ على تسميته فلا اجتهاد مع النص. المطلب الثاني: نسبته للقرطبي: لقد أجمع كل من ترجم للقرطبي على نسبة هذا الكتاب له. بل لقد اشتهر القرطبي بهذا الكتاب حتى أصبح علامة فارقة بينه وبين غيره ممن يتفق معه في الاسم فإذا أُريد التعريف به قيل: القرطبي صاحب المفهم. وقد ذكر اسمه أيضًا في كتابه كشف القناع حيث قال: وقد بيَّنا ما قيل في شرط البخاري ومسلم في كتابنا الملقب بالمفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢). المطلب الثالث: تأليفه: لقد ذكر القرطبي سبب تأليفه لهذا الكتاب فقال: فلما حصل من تلخيص كتاب مسلم وترتيبه وتبويبه المأمول وسهل إلى حفظه وتحصيله الوصول رأينا أن نكمل فائدته للطالبين ونسهل السبيل إليه على الباحثين بشرح غريبه والتنبيه على نكت من إعرابه وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه وإيضاح مشكلاته حسب تبويبه وعلى مساق ترتيبه (٣).

стр. 109

ولم يذكر تحديد تاريخ تأليفه لهذا الكتاب لكن ورد ما يدل على أنه ألفه حال استقراره بمصر بعد رحيله من الأندلس منها قوله: وقد سمعنا ونحن بالأندلس أن بلدًا بشرقها خسف به وهلك كثير من أهله (١). فيغلب على الظن أنه ألفه في آخر عمره فيكون من آخر مؤلفاته بدليل إحالته فيه على كثير من كتبه. المطلب الرابع: أهمية الكتاب: يعتبر كتاب المفهم من أهم كتب شروح صحيح مسلم، وإن كان قد بقي حبيسًا قرونًا متطاولة. قال المحققون للكتاب في بيان أهميته ومكانته: يعد كتاب المفهم - تجوزًا - شرحًا واضحًا ذا أهمية بالغة لصحيح الإمام مسلم فهو حلقة وصل بين المازري والقاضي عياض من جهة، وبين من جاء بعد أبي العباس القرطبي كالأبي والسنوسي ... ويكفيه أهمية ومكانة أن اعتمده الإمامان النووي وابن حجر كمصدر مهم في شرحيهما على الصحيحين، ولا شك أن العلماء اهتموا فيما بعد بكتاب المفهم اهتمامًا واضحًا، فها نحن نجد بصماته عميقة فيما ألف بعده عند: الزواوي في كتابه "إكمال الإكمال" الذي جمع فيه بين المعلم والإكمال والمفهم والمنهاج: الأبي في كتابه "إكمال إكمال المُعْلم" الذي ذكر فيه أنه ضمنه كتب شراحه الأربعة: المازري وعياض والقرطبي والنووي. ثم يطالعنا التاريخ بكتاب "مكمل إكمال الإكمال" للسنوسي وغير ذلك من المصنفات التي اعتمدت على كتاب "المفهم" واستفادت منه (٢).

стр. 110

قال المقري: "هو من أجل الكتب، ويكفي شرفًا اعتماد الإمام النووي - رحمه الله تعالى - عليه في كثير من المواضع" (١). ومما يبين أهميته ومكانته، كثرة النقل عنه من علماء أجلاء، وفي كتب معتمدة فقد نقل عنه تلميذه القرطبي المفسر كثيرًا سواء في تفسيره أو في كتابه "التذكرة" (٢)، وكذلك ابن حجر في كتابه "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" فقد نقل عنه في مواضع كثيرة (٣) بل نقل له كلامًا في صفحة كاملة (٤). وكذلك أكثر العراقي (٥) من النقل عنه في كتابه "طرح التثريب" (٦). كذلك نقل عنه الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٧) في كتابه "فتح
следующие страницы →