← Акыда

Акыда · id 151203

استجلاب ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذوي الشرف

السخاوي

Полный текст (771 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

اسْتِجْلَابُ ارْتِقَاءِ الغُرَفِ بِحُبِّ أَقْرِباءِ الرَّسُولِ ﷺ وَذَوِي الشَّرَفِ تَأْلِيفُ الحَافِظِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّخَاوِيِّ (٨٣١ هـ - ٩٠٢ هـ) تَحْقِيْق وَدِرَاسَة خالد بن أحد الصُّمِّي بابطينْ الجُزْءُ الأَوَّلُ دَارُ البَشَائِرِ الإِسْلَامِيَّة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. [سورة الأحزاب (آية ٣٣)] قال النَّبِيُّ ﷺ : "أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي". [صحيح مسلم (٤/ ١٨٧٣)]

стр. 3

شكر وثناء في البداية أشكر الله تبارك وتعالي، مستحقَّ الحمد والثناء، ربِّي الذي خلقني وربَّاني، وأسدى إليَّ وافر النِّعم؛ وأعظمها نعمة الإيمان، وتوفيقي لطب العلم الشَّرعيِّ، فله الحمد والمنَّة والفضل على ما منَّ عليَّ من إتمام هذه الرِّسالة على هذا النحو، وأسأله تعالى أن ينفعني بهذا العمل، وأن يجعله ذخزًا لي في الدُّنيا والآخرة. • كما أشكرُ -بعد شكر الله- والديَّ المكريميْن أمدَّ الله في عمرهما في طاعة، وأجزل لهما المثوبة، امتثالًا لقول الله : ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، فلقد أحسنا إليَّ، وربَّياني، وتعهَّداني بالنُّصح والتَّوجيه منذ نعومةِ أظفاري، وكثيرًا ما كنتُ أجد أثرَ دعوتِهما لي بظهر بالغب في تيسير ما قد يعسر عليَّ أنناء إعداد الرِّسالة؛ فجزاهما الله خيرًا، وأحسن لهما العاقبة. • كما أتقدَّم بالشكر لجامعة أُمِّ القرى بمكة المكرمة متمثلة في فرع الدِّراسات الإِسلامية بكلية الشريعة، على تيسيرهم لي ولأمثالي من طلبة العلم مواصلة الدِّراسات العُليا الشَّرعية. • كما أتقدَّم بوافر شكري وعظيم امتناني لشيخي الجليلِ، والمحقِّقِ النَّبيلِ، صاحبِ الفضيلةِ الأُستاذ الدكتور أبي شَهبة رفعت فوزي عبد المطلب حفظه الله تعالي، الذي لم يألُ جهدًا في توجيهي وإرشادي، وإسداء الملحوظات والتوجيهات طيلة فترةِ إعدادِ الرِّسالة، بل منذ أنْ كانت فكرة! فلقد وجَّه وسدَّد وأرشد وأصلح؛ حتى خرجتْ بهذه المثابة. وقد فتح لي بابه وبيته، ومنحني من وقته وجهده الشيءَ الكثيرَ، مع كثرة مشاغله وأعماله العلمية، فجزاه الله خيرًا، وَ"مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشكُرُ اللَّهَ"، أخرجه الترمذي. * كذلك أشكر زوجي الوفيَّة؛ أُمَّ معاوية، التي بذلتْ معي جهدًا غير قليل، وقدَّمتْ كلَّ عون ومساعدة ومراجعة، حتى تمَّ إنجاز هذا العمل المبارك بإذن الله.

стр. 4

• والشكرُ موصولٌ لفضيلة الشيخ الدكتور ستر بن ثوَّاب الجعيد، مديرِ مركزِ الدِّراسات الإسلامية، على اهتمامه وكثرة سؤاله عن إنجاز العمل منذ أن بدأتُ، فما لقيني أو هاتفني إلَّا سألني عن البحث وحثَّني على سرعة إنجازه وإتقانه! فجزاه الله خيرًا. • كما لا يفوتني أن أشكرَ صاحبَ الفضيلةِ الشيخَ الدكتورَ يوسفَ بنَ عبد الله الوابل، مديرَ مكتبة الحرم المكي الشَّريف، الذي تفضَّل بتصوير مخطوطة الكتاب (الأصل)، ثُمَّ اتَّصل بي هاتفيًّا لاستلامها من مكتبه، وذلك في وقت قياسيٍّ؛ فجزاه الله خيرًا. • كذلك أشكرُ كلَّ من ساهم معي في إنجاز هذه الرِّسالة، من أخٍ، أو زميلٍ، أو تلميذٍ. كما أشكر جميعَ من قدَّم لي مشورةً أو فكرةً أو معروفًا. المحقِّق

стр. 5

تقريظ الدكتور الشيخ عبد المجيد محمود عبد المجيد • " الحقيقة إنَّ هذه الرِّسالة فيها كثيرٌ مما يجب أن يُبَيَّنَ للناس، وأن يُوضَّح المجهود الذي بذله الباحث. والواقع أنني سررتُ سرورًا كثيرًا بقراءة هذه الرِّسالة، وبالجهد الواضح الطَّيِّب الذي لم يبخل فيه الباحثُ بوقتٍ ولا مشقةٍ، وإنما فيه استقصاءٌ، وفيه جدٌّ، وفيه سلاسة أُسلوب، وفيه لغةٌ سليمة، قليلة الأخطاء، سواء اللغة أو أخطاء النَّسخ. والحقيقة أنَّ هذه الرِّسالة فيها الدِّراسة لهذا الكتاب ولهذا الموضوع؛ والمباحث المتعلقة به أن تكون رسالة بمفردها دون التحقيق الذي اجتهد فيه الطالب؛ في تقويم النَّصِّ، وفي توثيق النُّصوص، وفي تخريج الأحاديث، تخريجًا علميًّا على منهج علمائنا السَّابقين. وفيها -في هذه الرسالة- وضوحٌ لشخصية الباحث، في نقده، وفي ملاحظاته، وفي مناقشاته، فجزاه الله خيرًا، وجزى مشرفه خيرًا. وفي الختام أُعيد ما بدأت به من جودة هذه الرِّسالة، وسروري بقراءتها، وإعجابي بالباحث فيها، أرجو إن سار على هذا المنهج، واتَّبع هذا المَهْيع أن أن يَبْزُغَ نَجْمُهُ، ويَسْطَعَ ضوؤُهُ، ويَنْتَشِرَ ذِكْرُهُ إنْ شاء الله تعالى". الأستاذ الدكتور الشيخ عبد المجيد محمود عبد المجيد الأستاذ المشارك بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة أُمِّ القرى - مكة المكرمة

стр. 6

تقريظ الأستاذ الدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر • " ... فلقد أحسن الطالب تحرير النَّصِّ، والتَّخريج، والتَّعليل، والتَّراجم؛ أقول: هذه الرِّسالة، قد قرأتُ الكثيرَ من الكتب ومن الرَّسائل، وناقشتُ الكثير؛ لم أجد رسالة ماجستير ترقى إلى هذا المستوى قطّ، والله لا أقولها مجاملة، وإنما أقولها عن قناعة، وقد قرأتُها لأجد فيها خللًا فلم أجد إلَّا أشياء لا تكاد تُذكر؛ أمام ما بذله الطالب من جهدٍ في تخريج وتعليل وتدقيق، وغير ذلك مما يتطلَّبه تحقيق النُّصوص. ولا عجب في ذلك؛ فإنَّ شيخه -وهو شيخنا الفاضل- الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب من المعروفين في التَّأليف والتَّحقيق. يُضاف إلى ذلك حسن الخلق الذي تمتَّع به الطالب، فإنَّنا لم نجد كلمةً مزعجةً! كما ناقشنا سابقًا رسائل، نجد الطالبَ يتعالم ويطاول على العلماء! إنَّما هنا الطالب فيه تواضعٌ جمٌّ، وهذه بداية طيِّبة إنْ شاء الله لهذا الطالب؛ نسأل الله له التَّوفيق والسَّداد. إنَّ هذه الرِّسالة بَحَثَ فيها الطالب بحثًا جادًّا يفوق درجة الماجستير، هذه الرِّسالة ترقى إلى درجة الدكتوراه؛ نسأل الله للجميع التَّوفيق". الأستاذ الدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر الأستاذ المشارك بكلية الدعوة وأُصول الدين جامعة أُمِّ القرى - مكة المكرمة

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بين يدي الكتاب إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (٣). أَمَّا بَعْدُ: "فإِنَّ الله هو المنفرد بالخلق والاختيار من المخلوقات، قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (٤)، والمراد بالاختيار هاهنا: (الاجتباء والاصطفاء)، فهو اختيارٌ بعد الخلق. وإذا تأمَّل العبدُ أحوالَ هذا الخلقِ، رأى هذا الاختيارَ والتَّخصيصَ فيه دالًّا على ربوبيته ووحدانيته، وكمال حكمته وعلمه وقدرته. فلقد خلق الله السَّمواتِ سبعًا، واختار العُليا منها فجعلها مستقرَّ المقرَّبين من _________ (١) آل عمران (آية: ١٠٢). (٢) النساء (آية: ١). (٣) الأحزاب (الآيتان: ٧٠ - ٧١). (٤) القصص (آية: ٦٨).

стр. 8

ملائكته، واختصَّها بالقرب من كرسيّه ومن عرشه، وأسكنها من شاء من خلقه، فلها مزيةٌ وفضلٌ على سائر السَّموات. ومن هذا تفضيله سبحانه جنَّة الفردوس على سائر الجنان، وتخصيصها بأن جعل عرْشَهُ سقْفَها. ومن هذا اخياره من الملائكة المُصْطَفَيْن منهم على سائرهم، كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل. كذلك اختياره سبحانه للأنبياء من ولد آدم عليه وعليهم الصَّلاة والسَّلام، وهم مائة ألفٍ وأربعة وعشرون ألفًا ... واختياره الرُّسلَ منهم، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ... واخياره أُولي العزم منهم، وهم خمسة: (نوح، وإبراهيم، وموسي، وعيسي، ومحمد عليهم الصَّلاة والسَّلام)، واختار الخليلين منهم: (إبراهيمَ ومحمدًا صلَّى الله عليهما وعلى آلهما وسلَّم). ومن هذا اختياره سبحانه ولدَ إسماعيل من أجناس بني آدم، ثم اختار منهم بني كنانة من خزيمة. ثم اختار من ولد كنانة قريشًا، ثم اختار من قريق بني هاشم -وهم قرابة النَّبيِّ ﷺ ورهطه الأدنون-، ثم اختار من بني هاشم سيِّدَ ولد آدم محمدًا ﷺ . عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانةَ من وَلَدِ إسماعيل، واصطفى قُرَيْشًا من كنانةَ، واصطفى من قُرَيْشٍ بني هاشمٍ، واصطفاني من بي هاشم" (١). كذلك اختار الله أصحابه من جملة العالمين، واختار منهم السَّابقين الأولين، واختار منهم أهل بدر. وأهلَ بيعة الرضوان، واختار لهم من الدِّين أكمله، ومن الشَّرائع أفضلها، ومن الأخلاق أزكاها وأطهرها. _________ (١) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل -باب فضل نسب النَّبي ﷺ (٤/ ١٧٨٢) - رقم (٢٢٧٦). وفي معنى هذا الحديث أنشد بعضهم: قُرَيْشٌ خِيَارُ بَنِي آدَمِ ... وخَيْر قُرَيْشٍ بَنُو هاشمِ وَخَيْرُ بَنِي هَاشمٍ كلِّهم ... نَبِيُّ الإِلَهِ أَبُو القَاسِمِ - "المعجم اللطيف" للشاطري (ص ١٥).

стр. 9

واختار أُمَّته ﷺ على سائر الأمم، ووهبها من العلم والحلم ما لم يَهِبْهُ لأُمَّة سواها ... والمقصود أنَّ الله اختار من كلِّ جنس من أجناس المخلوقات أطيَبَه، واختصَّه لنفسه وارتضاه دون غيره، فإنَّ الله تعالى طيِّبٌ لا يحبّ إلَّا الطَّيِّب، ولا يقل من العمل والكلام والصَّدقة إلَّا الطَّيِّب، فالطَّيِّب من كلِّ شيء هو مُختاره تعالى" (١). إذا عُلِمَ هذا؛ فإنَّ بني هاشم ممن اختار الله ليكونوا رهط نبيّه ﷺ وقرابته الأدنون، خصوصًا المؤمنين منهم، العاملين بشرعه، المتَّبعين لسنَّة نبيِّه، كالعبَّاس وبنيه، وعليٍّ وبنيه. وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل قريش، ثم في فضل بني هاشم -سيأتي أكثرها في ثنايا الكتاب-. والذي ينبغي أن يُعلم: أنه ليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم بمجرد كون النَّبيِّ ﷺ منهم، كما يتوهمه البعض، وإنْ كان ﵊ قد زادهم فضلًا وشرفًا بلا ريب؛ بل هم في أنفسهم أفضل وأشرف وأكمل (٢). وبالجملة؛ فالذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة اعتقاد أنَّ جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم، وسريانيهم، ورومهم، وفرسهم، وغيرهم. وأنَّ قريشًا أفضل العرب، وأنَّ بني هاشم أفضل قريش، وأنَّ رسول الله ﷺ أفضل بني هاشم. فهو ﷺ أفضل، الخلق أجمعين، وأشرفهم نسبًا وحسبًا، وإلَّا لزم الدَّور (٣)، وعلى ذلك درج السَّلف والخلف (٤). _________ (١) ما بين الأقواس مقتبس من مقدِّمة ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ٣٩ - ٤٤)، بتصرُّف. كذلك مما ذكر ابن القيم: اختياره سبحانه من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها. وهو البلد الحرام. ومه أيضًا تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض، فخير الأيام عند الله يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر، وقيل: يوم عرفة، وقيل: أفضل الأيام يوم الجمعة. كذلك تفضيله سبحانه عشر ذي الحجة على غيرها من الأيام، وتفضيل شهر رمضان على سائر شهور السنة، وتفضيل عشره الأخير على سائر الليالي، وتفضيل ليلة القدر على ألف شهر. (٢) "مسبوك الذهب في فضل العرب" للعلَّامة مرعي الكرمي (ص ٤١ - ٤٢). (٣) الدَّوْر: هو توقُّف الشيء على ما يتوقَّف عليه. ومنه ما يُسمَّى: (الدَّور المصرح)، ومنه: (الدَّور المضمر). انظر: "التعريفات" للجرجاني (ص ١٠٥). (٤) هذه المسألة (تفضيل جنس العرب على ما سواه من الأجناس) مما قد يُشكل على البعض، =

стр. 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . _________ = خصوصًا وأنَّ دعاة القومية العربية -أخزاهم الله- يأخذون من هذا الكلام تأييدًا لما ذهبوا إليه! والواقع أنَّ أهل السُّنَّة والجماعة وإن قالوا بتفضل العرب في الجملة إلَّا أنهم يجعلون التقوى والعمل الصالح أهم ما يفضل به الشخص عند الله وعند الناس؛ وكلامهم في هذا يطول جدًّا. وقد أطال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية الكلامَ في هذه المسألة في "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/ ٣٧٤ - ٤٠٥). وفي مواضع من كتبه، وقد نقل عن أبي محمد حرب بن إسماعيل صاحب الإمام أحمد كلامًا في وصف العقيدة التي كان عليها الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسهم وأخذ عنهم العلم، ومما ذكر حرب بن إسماعيل في هذه العقيدة: (ونعرف للعرب حقَّها وفضلها وسابقتها، ونحبَّهم لحديث رسول الله ﷺ : "حبُّ العرب إيمان وبغضهم نفاق"، ولا نقول بقول الشُّعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبُّون الحرب، ولا يُقرُّون بفضلهم؛ فإنَّ قولهم بدعة وخلاف). اهـ. وأشار ابن تيمية إلى أنَّ هذا الكلام مروي عن الإِمام نفسه، وأنه قول عامة أهل العلم. وقد استدلَّ شيخ الإِسلام على فضل جنس العرب، ثم جنس قريش، ثم جنس بني هاشم: • بما رواه الترمذي (٥/ ٥٨٤) - رقم (٣٦٠٧) من حديث عبد الله بن الحارث، عن العبَّاس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله! إنَّ قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض! فقال ﷺ : "إنَّ الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخيَّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثُمَّ تخيَّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتًا". قال الترمذي. هذا حديث حسن. • وبما روى الترمذي أيضًا (٥/ ٥٨٤) - رقم (٣٦٠٨) من حديث المطلب بن أبي وداعة قال: جاء العبَّاس إلى رسول الله ﷺ ، فكأنه سمع شيئًا، فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله ﷺ . قال: أنا محمد بن عبد المطلب. ثم قال: "إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا وخيرهم نفسًا". قال شيخ الإِسلام (١/ ٣٨٠ - ٣٨١): "وقوله في الحديث: (خلق الخلق فحملني في خيرهم، ثم خيرهم فجعلني في خير فرقة)، يحتمل شيئين: أحدهما: أنَّ الخلق هم الثقلان، أو هم جميع في خلق في الأرض، وبنو آدم خيرهم، وإن قيل بعموم الخلق، حتى يدخل فيه الملائكة كان فيه تفضيل جنس بني آدم على جنس الملائكة، وله وجه صحيح. ثم جعل بني آدم فرقتين، والفرقتان: العرب والعجم. ثم جعل العرب قبائل، فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشًا بيوتًا، فكانت بنو هاشم أفضل البيوت. ويحتمل أنه أراد بالخلق بني آدم، فكان في خيرهم، أي في ولد إبراهيم أو في العرب. =

стр. 11

ولذا تقرَّر عند جمهور أهل السُّنَّة والجماعة وجوب محبة قرابة النَّبيِّ ﷺ ، والإحسان إليهم، ورعاية حقوقهم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١)، وقد نصَّ علماء أهل السُّنَّة على هذا في كتب العقائد، وجعلوا ذلك من جملة أصولهم في الاعتقاد. قال الإِمام أبو بكر الآجرِّيِّ في "كتاب الشَّريعة" (٢): "واجبٌ على كلِّ مؤمن ومؤمنة محبَّة أهل بيت رسول الله ﷺ : بنو هاشم؛ عليُّ بنُ أبي طالب وولدُه وذرِّيَّتُه، وفاطمةُ وولدُها وذرِّيَّتُها، والحسنُ والحسينُ وأولادهما وذرِّيَّتُهما، وجعفر الطَّيَّارُ وولدُه وذرِّيَّتُه، وحمزةُ وولدُه، والعبَّاسُ وولدُه وذرِّيَّتُه ﵃؛ هؤلاء أهل بيت رسول الله ﷺ ، واجب على المسلمين محبَّتهم، وإكرامهم، واحتمالهم، وحسن مداراتهم، والصَّبر عليهم، والدُّعاء لهم". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" (٣) ضمن تقرير عقيدة أهل السُّنَّة: "ويُحبُّون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خمٍّ: "أُذكِّركم الله في أهل بيتي" (٤). وقال للعبَّاس عمِّه وقد اشتكى إليه أنَّ بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: "والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يُحبُّوكم لله ولقرابتي" (٥) ". ثم ساق حديث واثلة بن الأسقع المتقدِّم، وهو في "صحيح مسلم". _________ = ثم جعل بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل، وبني إسحاق، أو جعل العرب: عدنان وقحطان، فجعلني في في إسماعبل، في بني عدنان. ثم جعل بني إسماعيل أو بني عدنان قائل، فجعلني في خيرهم قبيلة: وهم قريش". اهـ كلامه يرحمه الله. وانظر كذلك في تقرير هذه المسألة والنظر في أدلتها: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (٢٧/ ٤٧٢ وما بعدها)، "مسبوك الذهب" للكرمي (ص ٤٢). (١) الشورى (آية: ٢٣). (٢) باب ذكر إيجاب حبّ بني هاشمٍ أهل بيتِ النَّبي ﷺ على جميع المؤمنين (٥/ ٢٢٧٦) - تحقيق الدكتور عبد الله الدميجي. (٣) "العقيدة الواسطية بشرح الفوزان" (ص ١٩٥). (٤) أخرجه مسلم (٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم ﵁. (٥) أخرجه أحمد (١/ ٢٠٧)، وهو حسنٌ بشواهده. انظر تخريجه والحكم عليه في القسم المحقق برقم (١٢٠).

стр. 12

وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (١): "ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإِحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم؛ فإنهم من ذرِّيَّةٍ طاهرةٍ، من أشرف بيت وُجِدَ على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متَّبعين للسُّنَّة النَّبويَّة الصَّحيحة الواضحة الجليّة، كما كان عليه سلفهم، كالعبّاس وبنيه، وعليٍّ وأهل ذرِّيَّته ﵃ أجمعين". اهـ. وكلام أهل السُّنَّة والجماعة في هذا يطول ذكره جدًّا، وقد أوردت أكثره في الفصل الرَّابع من الباب الثاني، في مبحث: (مذهب السَّلف في أهل البيت). هذا؛ وإنَّ من تيسير الله وحسن توفيقه لي؛ أنْ وقفتُ على هذا الكتاب القيِّم للحافظ شمس الدِّين السَّخَاويِّ في هذا الموضوع الحيوي (فضائل أهل بيت النَّبيِّ ﷺ )؛ خصوصًا وأنَّ مواقف النَّاس فيهم بين الغالي والجافي، والإِنصاف في مثل هذه القضايا عزيز، والمسدَّد من سدَّده الله. وقد تردَّدتُ في أول الأمر في الإِقدام على تحقيق الكتاب، وقلت: ماذا عساي أن آتي في هذا الموضوع؟ ما الجديد الذي يمكن أن أُضيفَه إلى المكتبة الإِسلامية؟ وبعد أخذٍ وردٍّ، ومشاورة لأساتذتي ومشايخي، وزملائي وأقراني من طلبة العلم؛ شرح الله صدري للإِقدام على تحقيقه والعناية به، مع خدمته بدراسة وافية عن آل البيت وما يتعلَّق بهم، لا سيما وأنَّ الساحة تكاد تخلو من دراسة شاملة عن آل البيت، وإنْ وُجدت فلا تخلو من كثير من الملاحظات! والذي لفت انتباهي حقًّا، أنَّ هذا الكتاب رغم شهرة مؤلفه ومكانته العلمية لم يأخذ حظَّه من الشهرة والمنزلة التي يليق بها؛ شأن كتب الحافظ السَّخاويِّ؛ فإني وإلى عهد قريب لم أجد أحدًا من العلماء والباحثن المعاصرين -فيما اطَّلعت عليه- أشار إلى الكتاب أو عرَّف به، وإنما قد يُذكر الكتاب من جملة مؤلفات السَّخَاويِّ دون الإِشارة إلى مخطوطاته أو أماكن وجودها، وغالبًا ما تذكر مؤلفات السَّخَاويِّ ولا يُشار إلى هذا الكتاب لا من قريب ولا من بعيد، اللهم إلَّا الدِّراسة الجيِّدة التي قام بها الشَّيخ مشهور آل سلمان _________ (١) "تفسير القرآن العظيم" (٦/ ١٩٩)، عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣].

стр. 13

حول مؤلفات السَّخَاويِّ -وقد طُبع مؤخرًا- على أنه قد فاته شيء من ذلك، نبَّه عليه بعض الباحثين. مع الوضع بعين الاعتبار كثرة المؤلفات في مناقب آل البيت، إلَّا أن الواقع أنَّ هذه المؤلَّفات دخلها كثير من الوضع، بدافع العاطفة والميل لأهل البيت، أو الكيد للإِسلام وتشويهه، مع اشتمال بعضها على عقائد منحرفة! وقد جاء هذا الكتاب -بحمد الله تعالى- وسطًا بين تلك المؤلفات، تحرَّى فيه مؤلفه الحقَّ والصَّوابَ، مع مراعاة المقبول من الرِّوايات، مع وجود بعض الملاحظات التي لا يخلو منها أي كتاب من كتب البشر، فإنَّ الله أبى العصمة إلَّا لكتابه. * * * وبَعْدُ؛ فإنَّا نُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّا نحبُّ آلَ البيتِ ونجلُّهم، ونعتقد فضْلَهم وولايتهم -على قانون السَّلف، كما قرَّره أهل السُّنَّة والجماعة- ولا نذكرهم إلَّا بالجميل، وندفع عنهم كلَّ أذىً وقبيح، ولا يعني هذا تفضيلهم على جميع المؤمنين، بل يُنْزَلون منازلهم اللائقة بهم، من غير غلو أو جفاء. عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي النَّاس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان. قلت: ثم أنت؟ قال: "ما أنا إلَّا رجل من المسلمين! "، أخرجه البخاري (١). كما أنَّا لا ندَّعي لهم العصمة من الوقوع في الذُّنوب والمعاصي، بل هم كسائر البشر في ذلك. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وسائر أهل السُّنَّة والجماعة وأئمة الدِّين لا يعتقدون عصمة أحد من الصَّحابة، ولا القرابة، ولا السَّابقين، ولا غيرهم، بل يجوز عندهم وقوع الذنوب منهم، والله تعالى يغفر _________ (١) كتاب فضائل الصحابة -باب قول النَّبيِّ ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا" (٧/ ٢٠ مع الفتح) - رقم (٣٦٧١).

стр. 14

لهم بالتوبة، ويرفع بها درجاتهم، ويغفر لهم بحسنات ماحية، أو بغير ذلك من الأسباب" (١). وختامًا: فإني أشكر الله ﵎ الذي منَّ عليَّ لإتمام هذه الرِّسالة على هذا النحو، وأسأله تعالى أن ينفعني بهذا العمل، وأن يجعله ذخرًا لي في الدُّنيا والآخرة. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّ على سيِّد الأَوَّلين والآخرين، نبيِّنا محمد، وعلى آله الطَّيِّبين الطَّاهرين، وأزواجه أمَّهات المؤمنين، وأصحابه الغُرِّ الميامين. وكتب خَالدْ بن أَحْمَد الصُّيمِّي بَابطِين مكة المكرمة - ص. ب ٤٧٩١ E-MAIL.SUMI@AYNA.COM

стр. 15

المقدِّمة وتشتمل على أربع نقاط: الأولى: بواعث ودواعي اختياري للكتاب لتحقيقه . الثَّانية: منهج الدِّراسة والتَّحقيق. الثالثة: خطة البحث. الرابعة: روايتي للكتاب عن المؤلف. * * * بواعث ودواعي اختياري للكتاب لتحقيقه لا شك أنَّ الإنسان لا يُقدم على عملٍ ما إلَّا بنيَّة تدفعه للقيام به، وهو ما يُسمَّى اليوم بـ (البواعث والدَّوافع)، وقد دفعني للقيام بتسجيل هذا الكتاب في رسالة الماجستير لتحقيقه والعناية به عدة أمور: ١ - مكانة علم الحديث: فإنَّ علم الحديث -كما هو معلوم للقاصي والدَّاني-، من أشرف العلوم وأجلِّها، وهو إنما يشوف لاتِّصاله بشخص رسول ﷺ ، إذ هو نقل لأقواله، وأفعاله، وتقريراته ﵊. والكتاب الذي قمتُ بتحقيقه والعناية به من هذا النوع الشَّريف من العلم، فهو نقل لأحاديث رسول الله ﷺ في قضية معينة، وهي جمع ما رُوي في مناقب أهل بيت النَّبِيِّ ﷺ ، مع عناية المؤلف بها، ترتيبًا، وتبويبًا، وشرحًا، وتصحيحًا وتضعيفًا.

стр. 16

٢ - قيمة الكتاب العلمية: ومما جعلني أُقْدِم على تسجيل هذا الموضوع، أنَّ الكتاب له قيمة علمية، فهو يناقش قضية مهمة، تتعلَّق بـ (أهل بيت النَّبيِّ ﷺ )، وهي متَّصلة اتِّصالًا مباشرًا بعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة. فلقد انقسم الناس تجاه أهل الميت إلى طرفين وواسطة (غُلاة وجُفاة بينهما واسطة)، أمَّا الغُلاة فهم الرَّوافض، وأمَّا الجُفاة فهم النَّواصب الذين ناصبوا آل البيت العداء، وأمَّا الواسطة فهم أهل السُّنَّة والجماعة، والحمد لله. فمن خلال دراسة الكتاب سيتَّضح للمسلم الموقف الصَّحيح، والمنهج الحقُّ الذي يجب أن يقفه تجاه أهل بيت النَّبيِّ ﷺ . ومما يجعل الحاجة ملحَّة لتحقيق الكتاب وخدمته، أنَّ مذهب الرَّافضة -وهم من أعظم الغُلاة في أهل البيت- أصبح الآن مذهبًا سياسيًّا له ثِقَلُهُ في العالم، كما أنَّ له دعاته وأتباعه ومنظِّريه، فكان الواجب مجابهة هذا المدِّ الشِّيعي المحموم، وبيان الحقِّ في هذه القضية، ولو بجهد المقلِّ بإخراج هذا الكتاب، وسد حاجة المكتبة الإِسلامية بكتاب من كتب أهل السُّنَّة والجماعة بشيء من الخدمة والدِّراسة والتحقيق. ٣ - المكانة المرموقة التي احتلَّها المؤلف: فإنَّ الحافظ السَّخَاويَّ -رحمه الله تعالى- من أساطين العلماء وجهابذتهم، خصوصًا في علم الحديث والإِسناد، وقد انتهت إليه معرفة الجرح والتعديل، حتى إنه قيل: "لم يأت بعد الحافظ الذَّهبيِّ مثله سلك هذه المسالك، وبعده مات فنُّ الحديث" (١). فخدمة كتاب من كتب السَّخَاويِّ يضيف إلى المكتبة الإِسلامية كتابًا محرَّرًا متقنًا، لإِمام له شهرته الواسعة بين العلماء في تاريخ الإسلام. ٤ - رغبتي المُلحَّة في التحقيق وخدمة التُّراث الإِسلامي: ذلك أنَّ أئمة الإِسلام تركوا تراثًا علميًّا عظيمًا، وأكثر هذا التراث لا زال مخطوطًا ومكنوزًا في زوايا المكتبات في شتى بقاع العالم، رغم شدَّة حاجة العلماء، والباحثين، _________ (١) "البدر الطالع" (٢/ ١٨٥).

стр. 17

والمسلمين بعامة إليه، وإذا ظلَّ كذلك فسيكون تراثنا طيَّ النسيان، وفي خانة المجهول. لذا، فإنَّ من واجبات طالب العلم في هذا العصر -في نظري- العناية بهذه الكنوز العظيمة، وخدمتها بإخراجها للناس، محقَّقة صافيةً يانعةً، لتكون نبراسًا لكلِّ مسلم في خضمِّ الثقافات الغازية، والأفكار الهدَّامة التي روَّجها أعداء الإِسلام بين المسلمين اليوم، فأحببت أن أشارك في هذا الواجب بتحقيق هذا الكتاب القيِّم، فهو لا يزال في عداد المخطوطات الحبيسة في المكتبات، ولم يسبق له أن طُبع فيما أعلم. ٥ - رغبتي في مواصلة الماجستير في الحديث النَّبويِّ امتدادًا لتخصُّصي في مرحلة البكالوريوس: فأنا من خرِّيجي قسم الكتاب والسُّنَّة بكلية الدَّعوة وأصول الدِّين، فرغبت في الإِعداد لمرحلة الماجستير في نفس التَّخصُّص، لأزداد علمًا وبصيرةً في هذا الفنِّ، ولأتمرَّس على فنِّ التخريج ودراسة الأسانيد، والحمد لله الذي وفَّقني لذلك ومنحني ما رجوتُه ورغبتُه، فالحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات. * * *

стр. 18

منهج دراسة الكتاب وتحقيقه قمت -بحمد الله وتوفيقه- بدراسة الكتاب دراسة متأنية، اتَّبعت فيها منهج الإحصاء والاستقصاء، ثم الاستنباط والتحليل، حيث جمعت المادة العلمية المتعلقة بمباحث الدِّراسة والتي تؤصِّل موضوعات الكتاب، وتُبرز مسائله وقضاياه. وقد حاولت جمع أكبر عدد ممكن من المصنَّفات المؤلفة في مناقب آل البيت، وكذلك قارنت أشهر تلك المؤلفات بهذا الكتاب، متَّبعًا منهج التحليل والمقارنة. أمَّا بالنسبة لمنهج التحقيق، فهو المنهج المتَّبع في الرَّسائل العلمية الجامعية، وفق خطة مركز الدِّراسات الإسلامية بكلية الشَّريعة، وقد فصَّلت الكلام عن منهجي في تحقيق الكتاب، عقب مبحث وصف النُّسخ الخطيَّة من الفصل الثَّاني، فليُنظر في موضعه (١). * * * _________ (١) (ص ٩٠ - ٩٦) من القسم الدِّراسي.

стр. 19

خطَّة البحث قسَّمت خطة البحث إلى قسمين (دراسة - تحقيق): أمَّا القسم الأول: الدِّراسة. فهو يشتمل على فصلين: الفصل الأول دراسة حياة المؤلف • وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأوَّل: اسمه ونسبه ومولده ونشأته وأسرته ووفاته. المبحث الثَّاني: طلبه للعلم ورحلاته وشيوخه وتلاميذه وأعماله. المبحث الثالث: مكانته العلمة وذكر أشهر مؤلفاته المطبوعة. الفصل الثاني دراسة الكتاب • وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: تحقيق اسم الكتاب ونسبته للمؤلف ووصف نُسَخِهِ وبيان منهجي في التحقيق: • ويشتمل على أربعة مطالب: المطلب الأوَّل: في تحقيق اسمه. المطلب الثاني: في تحقيق نسبته للمؤلف. المطلب الثالث: في وصف النُّسخ الخطيَّة. المطلب الرّابع: في بيان منهجي في التحقيق.

стр. 20

المبحث الثاني: التعريف بالكتاب وموضوعاته وقيمته العلمية. • ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأَوَّل: موضوعات الكتاب ومحتوياته ومسائله. المطلب الثَّاني: في الكلام على ثلاث قضايا متعلِّقة بموضوع الكتاب على وجه الاختصار. المطلب الثَّالث: قيمة الكتاب العلمية. المبحث الثَّالث: منهج المؤلف في الكتاب ومصادره. • ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: شرط المؤلف في الكتاب. المطلب الثَّاني: منهج المؤلف في الكتاب. المطلب الثالث: مصادره. المبحث الرَّابع: في بيان مذهب السَّلف في أهل البيت. المبحث الخامس: أشهر الكتب المؤلَّفة في مناقب وفضائل أهل البيت: وفي هذا الفصل ذكرتُ طائفةً من الكتب المصنفة في فضائلهم، واقتصرتُ في ذلك على المطبوع، وقد ذكرتُ سنة الطبع، ومن حقَّقه إنْ كان مما حُقِّق (١). المبحث السَّادس: موازنة بين كتاب: "استجلاب ارتقاء الغُرَف" و "ذخائر العُقبى"، للمحبِّ الطَّبريِّ. المبحت السَّابع: أثر كتاب: "استجلاب ارتقاء الغُرَف" في الكتب التي أُلِّفت بعده. المبحث الثَّامن: أهم المآخذ على الكتاب. * * * _________ (١) توسَّعت كثيرًا في ذكر المصنفات المؤلفة في مناقب وفضائل أهل البيت النبوي في دراسة نشرتها في (مجلة الحكمة)، العدد (٢٠)، شوال عام ١٤٢٠ هـ، وسوف تخرج -بمشيئة الله وتوفيقه- مع زيادات ضمن دراسات أخرى حول أهل البيت في كتاب سمَّيتة: "دراسات في أهل البيت النَّبوي"، يسَّر الله إتمامها ونشرها.

стр. 21

روايتي للكتاب عن المؤلف أروي كتاب: "استجلاب ارتقاء الغُرف بحبِّ أقرباء الرسول وذوي الشَّرف"، وسائر مؤلفات الحافظ السَّخَاوي من عدة طرق: ١ - من طريق الحافظ عبد العزيز بن عمر بن فهد الهاشمي المكي صاحب: "غاية المرام بأخبار سلطنة البيت الحرام" (١)، عن الحافظ السَّخَاويِّ. (أ) أرويه من هذا الطريق عن شيخنا الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب حفظه الله تعالى ونفع به إجازة، عن شيخه محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الحافظ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، عن الشيخ عبد الله السكري الدِّمشقي، عن عبد الرَّحمن الكزبري الدِّمشقي، عن مصطفى الرَّحمتي الأيوبي الدِّمشقي، عن صالح بن إبراهم الجنيني الدِّمشقي، عن محمد بن سليمان الرَّداني، عن المعمَّر محمد بن بدر الدِّين البلباني الصالحي الدِّمشقي، عن الشهابين أحمد بن علي المفلحي وأحمد بن يونس العيتاوي، كلاهما عن مُسند دمشق العلَّامة شمس الدِّين محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي الدِّمشقي الحنفي، عن العلَّامة عبد العزيز بن فهد الهاشمي المكي، عن المؤلف. (ب) وأرويه أيضًا عن شيخنا الشيخ رفعت فوزي عبد المطلب، عن الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الحافظ الكتاني قال: أخبرنا نصر الله الخطيب، عن عمر الغزي، عن الشهاب العطار، عن أحمد المنيني، عن أبي المواهب الحنبلي، عن محمد بن كمال الدِّين بن حمزة نقيب دمشق، عن محمد بن منصور بن المحب، عن الخطيب محمد البهنسي، عن الشمس محمد بن طولون، عن الحافظ عبد العزيز بن فهد المكي، عن المؤلف. _________ (١) توفِّي عام (٩٢٢ هـ). ستأتي له ترجمة عند ذكر تلاميذ المؤلف (ص ٥٥).

стр. 22

(ج) كما أرويه عن شيخنا رفعت فوزي عبد المطلب، عن الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الشيخ عبد الحي الكتاني، عن أبي اليسر المهنوي المدني، عن الأستاذ محمد بن علي الشلفي، عن ابن عبد السلام الناصري، عن أبي عبد الله الحضيكي، عن أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي، عن أبي العباس أحمد الحبيب اللمطي، عن محمد بن عبد الجبار العيَّاشي، عن خاله راوية المغرب أبي سالم العيَّاشي، عن عبد الجواد الطريني، عن ياسين الحمصي، عن الحافظ نجم الدِّين محمد بن أحمد الغَيطي، عن الحافظ عبد العزيز بن فهد المكي، عن المؤلف. ٢ - من طريق العلَّامة عبد الرَّحمن بن الدِّيبع الشَّياني صاحب كتاب: "تمييز الطَّيِّب من الخبيث فيما يدور على ألسنة النَّاس من الحديث" (١)، عن الحافظ السَّخاويِّ. أرويه عن شيخنا الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب حفظه الله تعالي، عن الشيخ محمد الحافظ ابن عبد اللطيف، عن الشيخ الحافظ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، عن النُّور حسين بن محمد الحِبْشي ومحمد بن سالم السري باهارون التَّريمي والقاضي حسين السَّبعي، ثلاثتهم عن الشَّمس محمد بن ناصر الحازمي، عن محمد بن علي العمراني، عن أحمد بن محمد قاطن الصَّنعاني، عن أحمد بن عبد الرَّحمن الشَّامي، عن محمد بن حسين العُجيمي، عن أبيه أبي الأسرار حسن بن علي العُجيمي، عن عبد الرحيم بن الصديق الخاص، عن الحافظ الطاهر بن حسين الأهدل، عن الحافظ عبد الرَّحمن بن الدِّيبع الشَّيباني، عن المؤلف. ٣ - من طريق العلَّامة أحمد بن محمد القسطلَّاني صاحب: "إرشاد السَّاري شرح صحيح البخاري" (٢)، عن الحافظ السَّخَاويِّ. (أ) أرويه من هذا الطريق عن شيخنا رفعت فوزي عبد المطلب إجازة، عن الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الشيخ عبد الحي الكتاني، عن أبي اليسر المهنوي المدنسي، عن الأستاذ محمد بن علي الشلفي، عن ابن عبد السلام الناصري، عن أبي عبد الله الحضيكي، عن أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي، عن أبي العباس _________ (١) توفَّي سنة (٩٤٤ هـ)، ستأتي له ترجمة ضمن تلاميذ المؤلف (ص ٥٦). (٢) توفَّي سنة (٩٢٣ هـ)، ستأتي له ترجمة في جملة تلاميذ المؤلف (ص ٥٥).

стр. 23

أحمد الحبيب اللمطي، عن محمد بن عبد الجبار العيَّاشي، عن خاله راوية المغرب أبي سالم العيَّاشي، عن شهاب الدِّين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي، عن البرهان العلقمي، عن أخيه الشمس العلقمي، عن العلَّامة القسطلَّاني، عن المؤلف. (ب) وأرويه كذلك عن شيخنا الدكتور رفعت، عن شيخه محمد الحافظ، عن العلَّامة عبد الحي الكتاني، عن أبي اليسر المهنوي المدني، عن الأستاذ محمد بن علي الشلفي، عن ابن عبد السلام الناصري، عن أبي عبد الله الحضيكي، عن أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي، عن أبي العباس أحمد الحبيب اللمطي، عن محمد بن عبد الجبار العيَّاشي، عن خاله راوية المغرب أبي سالم العيَّاشي، عن أبي الحسن علي الأجهوري، عن البدر القرافي، عن الوجيه زين الدِّين عبد الرَّحمن بن علي الأجهوري، عن العلَّامة القسطلَّاني، عن المؤلف. ٤ - من طريق العلَّامة محمد بن أحمد بن غازي (١)، عن الحافظ السَّخَاويِّ. (أ) أرويه -من هذا الطريق- عن شيخنا رفعت فوزي عبد المطلب إجازةً، عن شيخه محمد الحافظ ابن عبد اللطيف، عن العلَّامة عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، عن القاضي أبي العباس أحمد بن الطالب ابن سودة، عن مصطفى بن الكبابطي، عن علي بن الأمين، عن التاودي ابن سودة وعلي بن العربي السَّقَّاط، كلاهما عن ابن عبد السلام بناني، عن أبي السعود الفاسي، عن ابن أبي النعيم، عن أبي عبد الله محمد بن مجبَّر، عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن غازي، عن المؤلف. (ب) كما أرويه من طريق شيحنا الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، عن الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، عن البدر عبد الله السكري، عن سعيد الحلبي، عن إسماعيل المواهبي الحلبي، عن حسين بن عبد الشَّكور الطَّائفي، عن محمد بن حسن العُجيمي، عن أبيه حسن بن علي العُجيمي _________ (١) توفِّي سنة (٩١٩ هـ)، وأجازه الحافظ السخاوي إجازة عامة سنة (٨٨٥ هـ). له فهرس مطبوع مشهور جمع فيه شيوخه ومن أجازه سمَّاه: "التعلل برسوم الإسناد بعد ذهاب أهل المنزل والناد". وصفه الكتاني بقوله: "وهو فهرس نفيس جدًّا في نحو سبع كراريس، ما أعذب سياقه، وأجمل طرقه، وأصح وأعذب موارده". انظر: "فهرس الفهارس" (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، وسيأتي ذكره من جملة تلاميذ السخاوي.

стр. 24

أبي الأسرار، عن ابن مهدي عيسى بن محمد الثعالبي، عن أبي محمد عبد الكريم الفكون القسمطيني، عن أبي زكريا يحيى بن سليمان الأوراسي القسمطيني، عن أبي القدس طاهر بن زياد الزواوي القسمطيني، عن أبي العباس أحمد زروق الصغير، عن ابن غازي، عن المؤلف. (ج) كما أرويه عن شيخنا رفعت فوزي عبد المطلب، عن الشيخ محمد الحافظ، عن العلَّامة عبد الحي الكتاني، عن أبي اليسر المهنوي المدني، عن الأستاذ محمد بن علي الشلفي، عن ابن عبد السلام الناصري، عن أبي عبد الله الحضيكي، عن أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي، عن أبي العباس أحمد الحبيب اللمطي، عن محمد بن عبد الجبَّار العيَّاشي، عن خاله راوية المغرب أبي سالم العيَّاشي، عن أبي عبد الله بن ناصر الدرعي، عن أبي عبد الله محمد بن أحمد المصمودي، عن زكريا السراج، عن ابن هارون، عن ابن غازي، عن المؤلف. (د) كما أرويه عن شيخنا رفعت فوزي، عن الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الشيخ عبد الحي الكتاني، عن أبي اليسر المهنوي المدني، عن الأستاذ محمد بن علي الشلفي، عن ابن عبد السلام الناصري، عن أبي عبد الله الحضيكي، عن أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي، عن أبي العباس أحمد الحبيب اللمطي، عن محمد بن عبد الجبَّار العيَّاشي، عن خاله راوية المغرب أبي سالم العيَّاشي، عن أبي مهدي عيسى بن محمد الثعالبي، عن أبي محمد عبد الكريم الفكون القسمطيني، عن أبي زكريا يحيى بن سليمان الأوراسي القسمطيني، عن القدس طاهر بن زياد الزواوي القسمطيني، عن أبي العباس أحمد زروق الصغير، عن ابن غازي، عن المؤلف. (د) من طريق شهاب الدِّين أحمد بن محمد الرَّملي (١)، عن الحافظ السَّخَاويِّ: (أ) أرويه -من هذا الطريق- عن شيخنا المحقِّق رفعت فوزي عبد المطلب حفظه الله تعالى ونفع به إجازةً، عن الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الشيخ الحافظ عبد الحي ابن عبد الكبير الكتاني، عن النُّور حسين بن محمد الحِبشي ومحمد بن سالم السري باهارون التَّريمي والقاضي حسين السَّبعي، ثلاثتهم عن الشمس محمد بن _________ (١) توفي سنة (٩٢٣ هـ).

стр. 25

ناصر الحازمي، عن محمد بن علي العمراني، عن أحمد بن محمد قاطن الصَّنعاني، عن أحمد ابن عبد الرَّحمن الشَّامي، عن محمد بن حسن العُجمي، عن أبيه حسن بن علي العُجيمي، عن عبد الله الدِّيري الدِّمياطي، عن نور السَّنهوري، عن الشِّهاب الرَّملي، عن المؤلف. (ب) كما أرويه من طريق شيخنا الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، عن الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، عن البدر عبد الله السكري، عن سعيد الحلبي، عن إسماعيل المواهبي الحلبي، عن حسين بن عبد الشكور الطَّائفي، عن محمد بن حسن العُجيمي، عن أبيه حسن بن علي العُجيمي، عن عبد الله الدِّيري الدِّمياطي، عن نور السَّنهوري، عن الشِّهاب الرَّملي، عن المؤلف. (ج) وأرويه -أيضًا- عن شيخنا الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب حفظه الله ونفع به، عن الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الشيخ الحافظ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، عن النُّور حسين بن محمد الحِبشي ومحمد بن سالم السّري باهارون التَّريمي والقاضي حسين السبعي، ثلاثتهم عن الشَّمس محمد بن ناصر الحازمي، عن محمد بن علي العمراني، عن أحمد بن محمد قاطن الصَّنعاني، عن أحمد بن عبد الرَّحمن الشَّامي، عن محمد بن حسن العُجيمي، عن أيه، عن الشبراملسي، عن نور الدِّين الزِّيادي، عن الشِّهاب الرَّملي، عن المؤلف. ٦ - من طريق يحيى بن مكرم بن المحبِّ الطَّبري (١)، عن الحافظ السَّخَاويِّ. (أ) أرويه من هذا الطريق عن شيخنا الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب حفظه الله تعالى إجازة، عن الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الشيخ الحافظ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، عن النُّور حسين بن محمد الحبشي ومحمد بن سالم السّري باهارون التَّريمي والقاضي حسين السَّبعي، ثلاثتهم عن الشَّمس محمد بن ناصر الحازمي، عن محمد بن علي العمراني، عن أحمد بن محمد قاطن الصَّنعاني، عن أحمد بن عبد الرَّحمن الشَّامي، عن محمد بن حسن العُجيمي، عن أبيه، عن الزين الطبري، عن أبيه، عن جدِّه يحيى بن مكرم، عن المؤلف. _________ (١) ذكر الحافظ السَّخاوي أنَّ ولادته كانت سنة (٨٨٩ هـ)، وأنه سمع منه مع أخيه عبد المعطي سنة (٨٩٩ هـ). انظر: "الضوء اللامع" (١٠/ ٢٦٢).

стр. 26

(ب) كما أرويه عن الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب حفظه الله تعالي، عن الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف، عن الحافظ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، عن النُّور حسين بن محمد الحبشي ومحمد بن سالم السري باهارون التَّريمي والقاضي حسين السَّبعي، ثلاثتهم عن الشَّمس محمد بن ناصر الحازمي، عن محمد بن علي العمراني، عن أحمد بن محمد قاطن الصَّنعاني، عن أحمد بن عبد الرَّحمن الشَّامي، عن محمد بن حسن العُجيمي، عن أبيه أبي الأسرار حسن بن علي العُجيمي قال: أخبرنا السويدي، عن الزبيدي، عن ابن سنَّة، عن ابن المعجل، عن يحيى بن مكرم الطبري، عن المؤلف. * * *

стр. 27

القسم الأول الدِّراسة وتشتمل على فصلين: الفصل الأول: دراسة حياة المؤلف. الفصل الثَّاني: دراسة الكتاب.

стр. 28

الفصل الأول دراسة حياة المؤلف (١) تمهيد: ترجم الحافظ السَّخاويُّ لنفسه ترجمةً وافيةً في كتابه الموسوعي: "الضوء اللامع _________ (١) للتوسع في ترجمة الحافظ السَّخاويُّ؛ انظر: "التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة" للمؤلف (٢/ ٥١٣ - ٥١٤)، و"نَظْم العِقْيان في أعيان الأعيان" للسيوطي (ص ١٥٢ - ١٥٣)، و"ثَبَت أبي جعفر البلوي" للبلوي (ص ٣٧٤ - ٣٨٥)، و "فهرس ابن غازي" لابن غازي (ص ١٤٨ - ١٦٩)، و "بدائع الزُّهور في وقائع الدُّهور" لابن إياس (٣/ ٣٦١)، وشذرات الذهب في أخبار مَن ذهب" لابن العماد (٨/ ١٥ - ١٧)، و"تاريخ النور السَّافر عن أخبار القرن العاشر" للعيدروسي (ص ١٨ - ٢٣)، و "الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة" للغزي (١/ ٥٣ - ٥٤)، و "كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون" لحاجي خليفة (١/ ٢، ١٢، ٢٩، ٦٢، ١٠٧، ١٢٨، ١٥٦، ١٥٧، ٢٩٥، ٣٦٧، ٤٦٥، ٥٠٣، ٦١٨، ٩٠٩، ١٠١٧). (٢/ ١٠٨٩، ١١٧٢، ١٣٥٦، ١٣٦٢، ١٣٦٤، ١٣٦٥، ١٧٧٩، ١٨٨٤، ١٩١١، ١٩٦٤، ١٩٦٩). و "إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون" لإِسماعيل باشا (١/ ٢٧، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٤، ٥٧، ٧٠، ١١٢، ١١٧، ١٢٥، ١٣١، ١٥١، ١٥٥، ١٥٨، ١٥٩، ١٧٥، ١٨١، ١٨٧، ١٩١، ١٩٥، ٢١٧، ٢٢١، ٢٢٧، ٢٣٦، ٢٥٩، ٣٥١، ٣٧٩، ٤٧٤، ٥٤٧، ٥٤٩، ٥٧٩، ٦٠٢). (٢/ ١٢، ٣٣، ٣٩، ٧٩، ٨٠، ٩٣، ١٢٣، ١٢٤، ١٥٠، ١٦٩، ١٨٠، ٢٠٥، ٢٢٢، ٢٢٣، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٥، ٣٧٥، ٤٠٧، ٤٢٠، ٥٣٢، ٥٩٤، ٧١٩)، و"هدية العارفين في أسماء الكتب والمؤلفين" لإسماعيل باشا (٢/ ٢١٩ - ٢٢١)، و "البدر الطالع بمحاسن ما بعد القرن السابع" للشوكاني (٢/ ١٨٤ - ١٨٧)، و "التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول" لصديق خان (ص ٤٣٩ - ٤٤٠)، و "الأعلام" لخير الدِّين الزركلي (٦/ ١٩٤ - ١٩٠)، و"معجم المطبوعات العربية والمعرَّبة" لسركيس (ص ١٠١٢)، و "معجم المؤلفين" لعمر كحالة (٣/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، و "المستدرك على معجم المؤلفين" له (ص ٦٧٨ - ٦٧٩)، و"معجم المؤرخين المسلمين" ليسري عبد الغني (ص ٨٨ - ٩١)، و"تاريخ آداب اللغة العربية" لجرجي زيدان (٣/ ١٨٣ - ١٨٤)، و "الموسوعة العربية العالمية - موسوعة الأمير سلطان" (١٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، و"التعريف بالمؤرخين" لعباس العزاوي (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، و"تزيين الألفاظ بتتميم ذيول تذكرة الحفاظ" لمحمود ممدوح (ص ٦٢ - ٦٧).

стр. 29

لأهل القرن التاسع" -على عادة المحدِّثين-، بلغت صفحاتها ثلاثين ورقة (١)! وهي تكاد تكون أطول ترجمة في الكتاب، ذكر فيها جميع ما يتعلَّق بالترجمة من حيثُ المولدُ، والاسمُ والنِّسبةُ، ثم النشأة، وذكر الشيوخ والمصنَّفات التي ألَّفها ... وغير ذلك مما يتعلَّق بالسيرة الذاتية. ولذا، فإنَّ أحسن ما يكون مصدرًا لترجمة الشخص، هو ما كتبه عن نفسه، ولذلك فإن جميع ما سأذكره في هذا الفصل استفدتُه من ترجمة المؤلف لنفسه (٢). كما أنَّ هناك بعض الدِّراسات حول الحافظ السَّخاويِّ، منها: • ما قام به الدكتور عبد الكريم الخضير في مقدِّمة رسالته للدكتوراه (تحقيق فتح المغيث بشرح ألفية الحديث -النصف الأول) - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام (١٤٠٧ هـ). • كذلك توجد دراسة وافية عن المؤلف وجهوده في الحديث، قدَّمها الشيخ بدر العمَّاش إلى كلية الحديث بالجامعة الإسلامية في المدينة النَّبوية لنيل درجة الدكتوراه، بعنوان: (الحافظ السَّخاويُّ وجهوده في الحديث وعلومه)، سة (١٤١٩ هـ)؛ وبالله تعالى التوفيق (٣). * * * _________ (١) انظر: "الضوء اللامع" (٨/ ٢ - ٣٢). (٢) يُذكر أنَّ للمؤلف كتابًا آخر ترجم فيه لنفسه، سمَّاه: "إرشاد الغاوي بل إسعاد الطالب والراوي للإعلام بترجمة السَّخاوي"، لا زال مخطوطًا في (أيا صوفيا -٢٩٥٠)، وأخرى في (لندن - ١١٦٠). (٣) لم أتمكَّن ش الوقوت عليهما مع حرصي على ذلك، خصوصًا ثانيهما؛ حتى إني لم أظفر بها في مكتبة الجامعة الإسلامية، ولا في مكتبة كلية الحديث!

стр. 30

الفصل الأوَّل دراسة حياة المؤلف وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ونشأته وأسرته ووفاته. المبحث الثَّاني: طلبه للعلم ورحلاته وشيوخه وتلاميذه وأعماله. المبحث الثَّالث: مكانته العلمية وذكر أشهر مؤلفاته المطبوعة.

стр. 31

المبحث الأوَّل اسمه ونسبه و مولده ونشأته وأسرته ووفاته اسمه ونسبه وكنيته: هو الإِمام الحافظ المحدِّث المؤرِّخ، محمد بن عبد الرَّحمن بن محمد بن أبي بكر ابن عثمان بن محمد السَّخاويُّ (١) أصلًا، القاهريُّ موطنًا، الشَّافعيُّ مذهبًا، أبو الخير، وأبو عبد الله. لقبه: يلقَّب شمس الدِّين، ويُقال له: (ابن البارد)، شهرةً لجدِّه بين أناس مخصوصين، ولذا لم يشتهر بها أبوه بين الجمهور، ولا المؤلف نفسه، وقد كان يكره هذا اللقب، ولا يذكره به إلَّا من يحتقره! مولده ونشأته: وُلدَ المؤلف في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة (٨٣١ هـ)، بحارة بهاء الدِّين علو الدَّرب المجاور لمدرسة شيخ الإِسلام البُلْقيني (٢)، محلّ أبيه. _________ (١) في "الأنساب" (٣/ ٢٣٤): (السَّخَويّ: بفتح الشن المهملة والخاء المعجمة، نسبةً إلى سخا قرية بأسفل أرض مصر). و (سخا) كورة من أعمال كورة الغربية، وهي من فتوح خارجة بن حذافة بولاية عمرو بن العاص ﵁، وأصل كلمة (سخا) كما يقول الأصمعي: من الأرض السَّخَاويّة، وهي الأرض اللينة التربة مع بُعْد. "معجم البلدان" (٣/ ١٩٦). والقياس في النِّسبة أن يُقال: (سَخْيّ) أو (سَخَويّ)، ولكن الناس أطبقوا على النطق بها هكذا: (سَخَاويّ). "شذرات الذهب" (٥/ ٢٢٣). ولذا كانت النِّسبة عند المتقدِّمين (سَخَويّ) كما تقدَّم عند السمعاني. (٢) هو العلامة الحافظ أبو حفص، عمر بن رسلان البلقيني. مات سنة خمس وثمانمائة (٨٠٥ هـ). ترجمته في: "إنباء الغُمْر" (٢/ ٢٤٥)، و "البدر الطالع" (١/ ٥٠٦).

стр. 32

وقد نشأ نشأةً صالحةً منذ نعومة أظفاره برعاية والده عبد الرَّحمن زين الدِّين، الذي أدخله المكتب لحفظ القران عند المؤدِّب الشرف عيسى بن أحمد المقسي الناسخ (١)، فأقام عنده يسيرًا جدًّا. ثم نقله لزوج أُخته الفقيه الصالح البدر حسين بن أحمد الأزهري (٢)، فقرأ عليه القرآن، وصلَّى به التراويح في رمضان على عادة الطلاب في ذلك الوقت عند إتمام حفظ القرآن. ثم توجَّه به أبوه لفقيهه المجاور لسكنه الشَّيخِ المفيد النَّفَّاع شمس الدِّين محمد بن أحمد النِّحريري الضَّرير (٣)، ثم إلى الفقيه الشَّمس محمد بن عمر الطَّبَّاخ (٤)، وحفظ عنده بعض "عمدة الأحكام"، ثم انتقل إلى العلَّامة الشَّهاب بن أسد (٥)، فأتمَّ عنده حفظها، وحفظ غيره من الكتب. وبعد ذلك لازم شيخه الأول الحافظ ابن حجر العسقلاني. أُسرته: مما ساعد على بروز الحافظ السَّخاويِّ العلمي وتفوُّقِهِ فيه أنَّ محيط أسرته -والده، وجدِّه لأيه وأمِّه- يتميَّز بالاهتمام بالعلم والاشتغال به، ولذا كان في هذه الأُسرة عدة من العلماء والمشتغلين بالشَّرعيات. فأبوه: عبد الرَّحمن بن محمد بن أبي بكر السَّخاويُّ (٧٩٩ - ٨٧٤ هـ) (٦)، كان من المشتغلين بالعلم، فقد حفظ القرآن صغيرًا، وبَعْدَه عدة كتب، كـ "العدة". وسمع من ولي الدِّين العراقي، والعز ابن جماعة، وشمس الدِّين البرماوي، والجلال البُلْقيني، وغيرهم. نَعَتَهُ المؤلف بقوله: "كان فاضلًا، حسن الفهم، خيِّرًا، ديِّنًا، صادق اللهجة، وافيًا للعهد، مؤدِّيًا للأمانة ... " (٧). _________ (١) توفِّي سنة (٨٦٥ هـ). ترجمته في: "الضوء اللامع" (٦/ ١٥٠). (٢) توفِّي سنة (٨٧٨ هـ). ترجمته في: "الضوء اللامع" (٣/ ١٣٥). (٣) ترجمته في: "الضوء اللامع" (٧/ ١١). (٤) توفِّي سنة (٨٤٣ هـ). ترجمته في: "الضوء اللامع" (٨/ ٢٤٣ - ٢٤٤). (٥) اسمه أحمد بن أسد الأميوطي. توفِّي سنة (٨٧٢ هـ). ترجمته في: "الضوء اللامع" (١/ ٢٢٧)، و"وجيز الكلام" (٢/ ٧٩٣). (٦) ترجمته في: "الضوء اللامع" (٤/ ١٢٥). (٧) "وجيز الكلام" (٢/ ٨١٥).

стр. 33

وجدُّه لأبيه: محمد بن أبي بكر بن عثمان السَّخَاويُّ، المعروف بـ "ابن البارد" (١)، المتوفى سنة (٨١٨ هـ)، كان مجاورًا للسِّراج البُلقيني، وسمع منه ومن ولده الجلال مجالس الحديث. وجدُّه لأُمِّه: محمد بن علي بن عبد الرَّحمن، شمس الدِّين العدويُّ المالكيُّ، المعروف بـ "ابن نُدَيَبة" (٢) (٧٩٠ - ٨٤٥ هـ)، ممن اشتغل بالفقه والعربية وغيرهما. وتميَّز في الشُّروط ورافقه فيها الأكابر، كالجمل الزيتوني والقاياتي. أُمُّه: واسمها آمنة (٨١٠ - ٨٩٧ هـ) (٣)، كان لها اهتمام بالعلم، فقد شملتها إجازة غير واحد من المعتبرين، بل إنها سمعت على الحافظ ابن حجر العسقلاني. وعمُّه: أبو بكر بن محمد بن أبي بكر بن عثمان السَّخَاويُّ (٧٩٣ - ٨٢٢ هـ) (٤)، هو أيضًا ممن اشتغل بالقرآن والحديث والفقه والفرائض، وجالس كبار علماء العصر، إلَّا أنه مات مبكرًا ﵀ بسبب مرض السُّل دون أن يتزوَّج. وشقيقه الأصغر: أبو بكر ين عبد الرَّحمن السَّخَاويُّ (٨٤٥ - ٨٩٣ هـ) (٥)، كان من طلبة العلم الكبار، فقد حفظ القرآن منذ صغره، و"العمدة" و"المنهاج"، و"جمع الجوامع"، و"ألفيتيْ الحديث والنحو"، واشترك هو والمؤلف في عدة شيوخ، كالسَّعد الدِّيري، والشُّمَّني، وابن الهمام، والأقصرائي ... وغيرهم. وابن أخيه بدر الدِّين السَّخَاويُّ (٦): واسمه محمد بن عبد القادر بن عبد الرَّحمن بن محمد، المولود سنة (٨٦٤ هـ)، فقد نشأ نشأة علمية فحفظ القرآن، وبعض "المنهاج". وقد سمع من المصنِّف الكثير من مؤلفاته وغيرها، وله مشاركة قي سائر الفنون في الجملة. _________ (١) ترجمته في: "الضوء اللامع" (٧/ ١٧٥ - ١٧٧). (٢) ترجمته في: "وجيز الكلام" (٢/ ٥٧٩)، و "التبر المسبوك" (ص ٣٢). (٣) ترجمته في: "الضوء اللامع" (١٢/ ٤). (٤) ترجمته في: "الضوء اللامع" (١١/ ٧٣). (٥) ترجمته في: "الضوء اللامع" (١١/ ٤٤ - ٤٦). (٦) ترجمته في: "الضوء اللامع" (٨/ ٦٧).

стр. 34

وابن أخيه الآخر زين العابدبن بن أبي بكر السَّخَاويُّ (١): واسمه محمد -وهو مشهور بلقبه- المولود سنة (٨٧٩ هـ)، وهو من المشاركين في العلم، إذ حفظ القرآن صغيرًا، وشيئًا من الكتب كالأجرومية. وقد سمع من عمِّه المصنِّف عدَّة من الكتب. قال السخاويُّ: " ... وحافظته قوية، مع فهمٍ". أولاده: أنجب المؤلف أربعة أولاد، ذكَرَيْن وأنثييْن: ١ - الشِّهاب أبو الفضل أحمد (٨٥٥ - ٨٦٤ هـ) (٢): فقد اعتنى به والده، وأنشأه نشأةً صالحةً، فأحضره على العلاء القلقشندي وغيره. وأسمعه الكثير من الكتب الكبار والأجزاء القصار، إلَّا أنه مات صغيرًا وعمره تسع سين، ومع ذلك أتى على أكثر القرآن، وكان يُقابل مع أبيه كثيرًا من مصنَّفاته، وقد كتب عنه بعض الأمالي. قال السَّخاويُّ: " ... وكان نجيبًا ذكيًّا بارعًا في الجمال، محبَّبًا إلى الأكابر، أتى على أكثر القرآن، وكتب عني بعض الأمالي، وقابل معي كثيرًا، مات بالطاعون". ٢ - عبد الرَّحمن: مات في ذي الحجة سنة (٨٧٥ هـ) في طفوليته (٣). ٣ - زينب -وهي بكر أبويها-: مانت صغيرة في ذي القعدة سنة (٨٤٩ هـ) (٤). ٤ - جويرية: ماتت هي الأخرى بعد أشهر من ميلادها في ذي الحجة سنة (٨٧٧ هـ) (٥). وقد احتسب المؤلف جميع أولاده، وصبر على فقدهم، وعزَّى نفسه بما ورد في فضل الصَّبر على فقد الأولاد، ولذا ألَّف كتابًا سمَّاه: "ارتياح الأكباد بأرباح فقد الأولاد"، وسمَّاه في بعض المواضع "موت الأبناء" (٦) ... فهنيئًا له، وعوَّضه وعوَّضهم وإيانا الجنَّة. _________ (١) ترجمته في: "الضوء اللامع" (١١/ ١٧٢ - ١٧٣). (٢) ترجمته في: "الضوء اللامع" (٢/ ١٢٠ - ١٢١). (٣) "الضوء اللامع" (٤/ ١٣٣). (٤) "المرجع السابق" (١٢/ ٤٧). (٥) "المرجع السابق" (١٢/ ١٩). (٦) "الضوء اللامع" (٤/ ٦٦).

стр. 35

وفاته: بعد حياة حافلة بالعلم، والتَّصنيف، والإفادة، والإِقراء -بلغتْ إحدى وسبعين سنة- أسلم الحافظ السَّخاويُّ الرُّوحَ لبارئها في بلد رسول الله ﷺ . وقد أجمع مؤرِّخو وفاته أنَّها كانت في سنة اثتين وتسعمائة للهجرة (٩٠٢)، وإنما اختلفوا في الشهر واليوم الذي مات فيه. فقد ذكر ابن طولون في "تاريخه" أنه مات في يوم الجمعة، ثالث عشر ذي القعدة، إلَّا أنه جعل وفاته بمكة (١). وذكر النُّعيمي في "عنوانه" أنه مات في يوم الجمعة، ثالث عشر ذي القعدة (٢). وذهب ابن العماد (٣)، والعيدروسي (٤) إلى أن وفاته كانت في يوم الأحد، الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة. وخالفهما الشَّوكاني، فذكر أنَّها كانت في عصر يوم الأحد، سادس عشر شعبان (٥). وذكر النَّجم الغزّي قولًا لبعضهم، وهو أنَّ وفاته كانت سنة خمس وتسعين وثمانمائة (٨٩٥ هـ)! وجزم بأنه غلط، لوجود أحداث وقعت بعد هذا التاريخ ذكرها السَّخَاويُّ في تواريخه (٦). ومهما يكن من أمر، فهو -بلا شك- من وَفَيَات سنة اثتين وتسعمائة. رحم الله الحافظ السَّخَاويَّ وتجاوز عن سيئاته، وأدخله واسع جنَّاته، وجزاه خير ما جزى عالمًا عن أمَّته. وقد وُوري جُثمانه ﵀ ببقيع الغرقد، بجوار الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة. * * * _________ (١) نقله عنه الغزي في: "الكواكب السائرة" (١/ ٥٤). (٢) نقله عنه الغزي في: "الكواكب السائرة" (١/ ٥٤). (٣) "شذرات الذهب" (٨/ ١٧). (٤) "النور السافر" (ص ٨). (٥) "البدر الطالع" (٢/ ١٨٦). (٦) "الكواكب السائرة" (١/ ٥٤).

стр. 36

المبحث الثَّاني طلبه للعلم ورحلاته وشيوخه وتلاميذه وأعماله تمهيد: اعتنى الحافظ السَّخَاويُّ بشأن العلم وانصرف إليه بكليته إقبالًا يزيد على الوصف، خصوصًا علم الحديث، وساعده على ذلك تلك النشأة الصَّالحة التي شبَّ عليها، ثم مجاورة والده لمسكن الحافظ ابن حجر وانتقاله إليه. وقد سجَّل المؤلف تاريخ أول جلوسه عند الحافظ ابن حجر، وذلك سنة ثمانمائة وثمان وثلاثين (٨٣٨ هـ)، وعليه فيكون عمره آنذاك سبع سنين، فكان يقرأ هو وأبوه الحديث على ابن حجر ليلًا (١). وقد ألقى الله في قلبه محبَّة الحافظ ابن حجر، فلازم مجلسه ودروسه، وداوم على ذلك حتى حمل عنه علمًا جمًّا، واختصَّ به كثيرًا، بحيث كان من أكثر الآخذين عنه (٢). وقد برع المصنِّف في الفقه، والعربية، والقراءات، وفاق أقرانه في الحديث والتاريخ، وشارك في الفرائض، والحساب، والتفسير، وأصول الفقه، وغيرها. مروياته ومسموعاته: أمَّا عن مرويات المؤلف وما سمعه من الشُّيوخ، فإنَّ ذلك من الكثرة بمكان، وأعلى ما عنده من المروي ما بينه وبين الرَّسول ﷺ بالسند المتماسك فيه عشرة أنفس، وليس ما عنده من ذلك بالكثير، وأكثر منه وأصحّ ما بين شيوخه وبين النَّبيِّ ﷺ فيه العدد المذكور (٣). _________ (١) "الضوء اللامع" (٨/ ٥). (٢) "المرجع السابق" (٨/ ٦). (٣) "المرجع السابق" (٨/ ١٣).

стр. 37

وقد اجتمع له بالسَّماع والقراءة ما يفوق الوصف، وهي متنوعة، أوردها السَّخاويُّ عند ترجمته مرتبةً ترتيبًا بديعًا، وسأذكرها مجملة بذكر كتاب أو كتابين أو ثلاثة: ١ - ما رُتِّب على الأبواب الفقهية -وهي كثيرة جدًا- كـ "الصحيحين"، مثلًا، وكان يروي "صحيح البخاري" فقط عن أزيد من مائة وعشرين نفسًا. ٢ - ما رُتِّب على المسانيد، كـ "مسند الإِمام أحمد"، وهو أجمع مسندٍ سمعه. ٣ - ما رُتِّب على الأوامر والنَّواهي، وهو "صحيح أبي حاتم ابن حبان"، المسمَّى: "التقاسيم والأنواع". ٤ - ما رُتِّب على الحروف في أول كلمات الحديث، وهو "مسند الشِّهاب"، للقضاعي. ٥ - ما كان في الأحاديث الطوال، كـ "الطوال"، للطبراني. ٦ - ما اقتصر فيه مؤلفه على أربعين حديثًا فقط، مثل "الأربعين الإِلهية" و "الأربعين المسلسلات"، كلاهما لابن المفضَّل. ٧ - ما رُتِّب على شيوخ المصنِّف، مثل "المعجم الأوسط"، و"الصغير"، كلاهما للطبراني. ٨ - ما رُتِّب على الرواة عن إمام كبير ممن يجمع حديثه، كـ "الرُّواة عن مالك"، للخطيب. ٩ - ما اقْتُصِرَ فيه على الأفراد والغرائب، مثل "الأفراد"، لابن شاهين، وللدارقطني. ١٠ - ما لم يتقيَّد فيه بشيء مما ذُكِرَ، وإنما يشتمل على أحاديث نثرية من العوالي، كـ "الثقفيات"، و"الجعديات"، وغيرهما. ١١ - كتب ليس بها إسناد، بل اقتصر فيها مؤلفها على المتون مع الحكم عليها، وبيان جملةٍ من أحكامها، كـ "الأذكار"، و"التبيان"، و "الرِّياض"، وغيرها من تصانيف النَّووي.

стр. 38

رحلاته العلمية: مما أكثر منه المؤلف رحمه الله تعالى كثرة التِّرحال والتجوال في طلب العلم، على أن ذلك لم يحصل إلَّا بعد وفاة شيخه الحافظ ابن حجر، حتى لا يفوته شيء من علمه، بل إنه لم يخرج للحجِّ إلَّا بعد أن مات الشَّيخ. وقد زادت الأماكن التي تحمَّل فيها من البلاد والقرى على الثمانين، حتى صار أكثر أهل العصر مسموعًا، وأكثر روايةً (١). فلقد دخل حلب سنة ثمانمائة وتسع وخمسين (٨٥٩ هـ) (٢)، ودمشق، وبيت المقدس، والخليل، ونابلس، والرَّملة، وحماة، وبعلبك، وحمص، وغزة، وسرمين، وجبرين، وطرابلس، فضلًا عن مدن الديار المصرية وضواحي القاهرة: كدمياط، ومنوف العليا، وفيشا الصُّغري، والجيزة، والإِسكندرية، وأمِّ دينار، ودسوق، وفوة، ورشيد، والمحلَّة، وسمنُّود، وبلبيس، ومِنية عساس، ومِنية نابت، والمنصورة، وفارسكور، ودنجية، والطويلة (٣). وقد حصَّل في هذه الرِّحلات أشياء جليلة من الكتب، والأجزاء، والفوائد عن عشرات الشُّيوخ، هذا فضلًا عن رحلاته إلى حج بيت الله الحرام، وزيارة مسجد رسول الله ﷺ والمجاورة بهما، وأخذه عن علمائهما، وبين بلده إلى وصوله مكة بلدان كثيرة، كان حريصًا على السَّماع من شيوخ تلك المدن التي في طريق الحجِّ، فلقد أخذ عمن لقيه بالطُّور، والينبوع (ينبع البحر)، وجدة، وقرأ في رجوعه من الحجِّ في خليص، ورابغ، وينبوع، والمدينة النَّبويَّة، وعقبة أيلة (٤). وفي فترة بقائه في مكة قرأ على الشُّيوح من الكتب الكبار، والأجزاء القصار ما لم يتهيأ لغيره من الغرباء، حتى أنه قرأ داخل البيت المعظَّم، وبالحِجر، والجِعرانة، ومِني، ومسجد الخيف. وقد حاول الباحثان مشهور آل سلمان وأحمد الشقيرات في كتابهما: "مؤلفات _________ (١) "الضوء اللامع" (٨/ ٧). (٢) "المرجع السابق" (٨/ ٦٩). (٣) انظر في التعريف بتلك المدن "خطط المقريزي". (٤) "الضوء اللامع" (٨/ ٧ - ٨).

стр. 39

السَّخَاوي" (١)، من خلال إجراء مسح شامل لمصنَّفاته، وبخاصةٍ "الضوء اللامع"، و "التحفة اللطيفة"، أن يُحدِّد أماكن ارتحاله وإقامته، ومن المناسب إثبات ما وصلا إليه: (أ) جاور في مكة خمس مرات، كانت المجاورة الأولى سنة إحدى وستين وثمانمائة، وكان في مكة خلال السنوات التالية: ستٍّ وخمسين (٨٥٦ هـ) وصحب مع والدته ... تسع وستين (٨٦٩ هـ) ... سبعين (٨٧٠ هـ) وحجَّ فيها ... إحدى وسبعين (٨٧١ هـ) ... أربع وسبعين (٨٧٤ هـ) ... ست وثمانين (٨٨٦ هـ) ... اثنين وتسعين (٨٩٢ هـ) ... ثلاث وتسعين (٨٩٣ هـ) ... أربع وتسعين (٨٩٤ هـ) ... خمس وتسعين (٨٩٥ هـ) ... ست وتسعين (٨٩٦ هـ) ... ثمان وتسعين (٨٩٨ هـ) ... تسع وتسعين (٨٩٩ هـ). (ب) جاور بالمدينة النَّبويَّة مرتين، الثانية منهما سنة ثمان وتسعين، وكان فيها خلال السنوات: ستٍّ وخمسين (٨٥٦ هـ) ... أواخر سنة سبع وخمسين (٨٥٧ هـ) ... سبع وثمانين (٨٨٧ هـ) ... ثمان وثمانين (٨٨٨ هـ) وجاور قبلها ... ثمان وتسعين (٨٩٨ هـ). وقد حجَّ المؤلف أربع مرات (٢): الأولى: سنة ثمانمائة وسبعين (٨٧٠ هـ). الثانية: سنة ثمانمائة وخمس وثمانين (٨٨٥ هـ). الثالثة: سنة ثمانمائة واثنين وتسعين (٨٩٢ هـ). الرابعة: سنة ثمانمائة وستٍّ وتسعين (٨٩٦ هـ). ولا يفوتني الإشارة إلى أنَّ السَّخَاويَّ سجَّل لنا كثيرًا من أحداث تلك الرِّحلات العلمية التي قام بها، فإنه ألف عدة كتب في ذكرها والتنويه بها ومن لقي من العلماء: ١ - "الرِّحلة الحلبية وتراجمها". ٢ - "الرِّحلة الإسكندرية وتراجمها". _________ (١) (ص ١٥ - ١٧). (٢) "شذرات الذهب" (٨/ ١٥ - ١٦).

стр. 40

٣ - "الرحلة المكيَّة". ٤ - "البلدانيَّات العليَّات" (١) شيوخه وتلاميذه والأعمال التي قام بها أولًا: شيوخه: يعتبر الحافظ السَّخاوي من المكثيرين من الشُّيوخ، حتى إنَّ عدد شيوخه، ومَن أخذ عنهم بلغ ألفًا ومائتي شيخ، بل إنه لم يكتف بالأخذ عن الرِّجال، فقد سمع حتى من النِّساء المحدِّثات في ذلك الوقت، وأجازت له منهنَّ عدة مُسنِدات. وقد أخذ عن الأعلى والأدنى والمماثل، وعبارة المؤلف في هذا مشهورة، فقد قال: "ولعمري إنَّ المرء لا ينبل حتى يأخذ عمن فوقه ومثله ودونه" (٢). وقد أودع معلومات قيمة عن شيوخه الذين أخذ عنهم في كثير من كتبه، فإن "الضوء اللامع" على سبيل المثال، يزخر بأسماء العشرات من شيوخه وأساتذته، كما أنه أفردهم في غير ما كتاب، ككتابه: "بغية الرَّاوي بمن أخذ عنه السَّخاويُّ"، أو "الامتنان بشيوخ محمد بن عبد الرَّحمن" (٣). وكُتُبُ الرحلات -التي مضى ذكرها- ضمَّنها كذلك تراجم شيوخه الذين سمع منهم، ويكفي أن تعلم أنه روى "صحيح البخاري"، عن أزيد من مائة وعشرين نفسًا، كما مضى أيضًا. وسأذكر في هذا الفصل جماعةً من شيوخه، رتَّبتُهم حسب الفنون، حيث أورد في كلِّ فنٍّ أربعة شيوخ فحسب: أولًا: شيوخه في القراءات والتفسير. ثانيًا: شيوخه في الحديث وعلومه. _________ (١) لزيادة المعلومات عن هذه الكتب طالع: "مؤلفات السخاوي" رقم (١٥٠، ١٥١، ١٥٢، ٦٣). (٢) "الضوء اللامع" (٨/ ١٣). (٣) انظر في التعريف بالكتاب "مؤلفات السخاوي" رقم (٥٩، ٦٠).
следующие страницы →