← Сира

Сира · id 1515

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

رفاعة الطهطاوى

Полный текст (549 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كتابته بتقاليد كتابة الرواية التعليمية والتاريخية (١٨٧٠- ١٩١٤) حيث اعتمد كتابها دائما على تلك التقنية لتحقيق غايات تعليمية وإصلاحية تشبه غايات الطهطاوى. (٤/ ٥) أصلت كتابات السيرة النبوية السابقة على الطهطاوى ثلاثة تقاليد تتصل بتوظيف الشعر في إطار سرد السيرة، يتمثل أولها في الإكثار من تقديم الأشعار- مقطوعات كانت أم قصائد- فى إطار السرد، وهذا ما يتجلى لدى كتاب النمط المطول كابن هشام والواقدى؛ إذ اعتادوا تقديم كثير من المقطوعات الشعرية التى قالتها بعض الشخصيات المساهمة في الوقائع المسرودة، مما جعل منها وسيلة لاستكمال بعض جوانب هذه الوقائع أو تأكيد أو تدعيم جانب أو أكثر من جوانبها. بينما انفرد ابن هشام بتقديم عدد كبير من القصائد والمقطوعات التى قيلت في غزوات النبى (ص) بصفة خاصة، وكان يوردها بعد انتهائه من سرد الوقائع، وقد تابعه في ذلك ابن سيد الناس (٧٢) . ويتمثل ثانى هذه التقاليد في تحجيم دور الشعر في سياقات سرد السيرة النبوية، ويبرز هذا التقليد لدى ابن عبد البر حيث اكتفى بإيراد اثنى عشر شاهدا شعريا يتراوح الواحد منها من بيت إلى سبعة أبيات، وقد وردت هذه الشواهد في سياق سرده للوقائع، ومعظمها منسوبة إلى شخصيات مشاركة في الوقائع مما يجعلها جزا من تلك الوقائع (٧٣) . بينما يتمثل التقليد الثالث في الاستبعاد التام للشعر من دائرة سرد السيرة النبوية، ويبرز هذا التقليد لدى ابن حزم؛ إذ تخلو" جوامع السيرة" من الأشعار تماما وتقتصر على تقديم الأخبار والوقائع. ولقد كانت تلك التقاليد ماثلة أمام الطهطاوى والذى اختار متابعة التقليد السائد الذى يقرن السرد بالشعر، فاعتمد في صياغته السيرة على نماذج كثيرة من الأشعار، وندر أن يسرد وقائع دون أن يورد فيها أشعارا (٧٤) ، ومع هذا فقد أبقى الطهطاوى قليلا من الأشعار التى وردت في سيرة ابن هشام، وأضاف إليها نماذج

стр. 37

كثيرة نقلها عن التالين لابن هشام، وغلب على الأشعار عنده أن تكون مقطوعات أو قصائد قصيرة، بينما ندرت لديه القصائد الطويلة (٧٥) كما ندر تقديمه لأشعار من تأليفه هو (٧٦) . وقد تنوعت وظائف الشعر في سرد الطهطاوى تبعا لاختلافات السياقات التى وردت فيها نماذجه؛ ففى بعض السياقات يبدو الشعر جزا متمما للواقعة التى يرويها الطهطاوى أو ينقلها عن السابقين، كما يبدو في الأبيات المنسوبة إلى أبى طالب عند موته، أو المقطوعة التى قيلت في غزوة بدر (٧٧) . على حين يتحول الشعر- فى سياقات أخرى- إلى وسيلة لإثبات الفكرة التى يقدمها، أو بالأحرى، يناقشها الطهطاوى؛ فحين يشير إلى الخلاف حول إيمان عبد المطلب، ويرجح القول بأنه من أهل الفترة ينقل مقطوعة شعرية من خمسة أبيات تعبر عن الرأى الذى يتبناه هو (٧٨) . ويجعل من المقطوعات الشعرية أحيانا وسيلة لشرح الفكرة؛ إذ يقدم فكرة ما فى السرد أو الوصف أولا، ثم يجعل من الشعر سبيلا لصياغة الفكرة وشرحها، على نحو ما يبرز في الشاهد التالى: (هل يجوز أن يكنى غيره ﷺ بأبى القاسم أو لا؟ خلاف، وإليه أشار بعضهم بقوله: فالشافعى مطلقا لها منع فى كنية بقاسم خلف وقع على الحياة، والنواوى جعل ومالك جوز، والنهى حمل يمنع من سمى محمدا، فعى) (٧٩) هذا هو الأقرب، أما الرافعى وتشير النماذج السابقة إلى أن بعض الأشعار التى قدمها الطهطاوى كانت تمثل إضافات إلى المتن السردى الذى صاغه، أو وسيلة لتقديم صياغة شعرية لبعض الأفكار التى ناقشها. غير أن توظيف الشعر، فى سياقات أخرى لدى الطهطاوى، يكشف عن تلك العلاقة الوثيقة التى ربطته بتقنية الاستطراد والتى هيمنت على كثير من المواضع السردية. إذ قد يجعل من الشعر- فى عدد من المواضع- وسيلة

стр. 38

لتقديم صياغة شعرية للفكرة التى قدمها في السرد (٨٠) ، وإذا كانت الفكرة- بهذه الطريقة- تصاغ سردا وشعرا فإن النماذج الشعرية تنتمى إلى دائرة الشعر التعليمى الذى يقدم نظما لأفكار أو وقائع ليسهل حفظها وتردادها. ويبدو الشعر، فى مواضع أخرى، وسيلة لنظم الوقائع التى قدمها الطهطاوى سردا؛ فبعد أن سرد وقائع حياة النبى منذ مولده إلى كفالة عبد المطلب له، ثم وفاة عبد المطلب، قدم خمسة عشر بيتا للحافظ العراقى نظم فيها هذه الوقائع ذاتها (٨١) . وقد يجعل من الشعر وسيلة لتحقيق الاستطراد؛ فحين يشير إلى قصيدة أبى طالب في مدح النبى (ص) يذكر أنها تزيد على ثمانين بيتا، ويشير إلى أن ابن إسحاق ذكرها، ثم ينقل منها بيتا واحدا فقط، هو: وشق له اسمه ليجلهفذو العرش محمود وهذا محمد ثم يقول (وحسان بن ثابت ضمن شعره هذا البيت) ويأتى بمقطوعة له من ستة أبيات فيها البيت المضمن (٨٢) . واللافت أن الشعر، لدى الطهطاوى، قد يكون وسيلة لتحقيق استطراد داخل الاستطراد؛ ففى بعض أنماط الاستطراد التعليمى المباشر يستطرد الطهطاوى من السرد أو الوصف إلى الشعر، ففى نهاية استطراده إلى مسألة المولد النبوى والاحتفال به يستطرد مرة أخرى إلى ذكر همزية عبد العزيز الزمزى، ومطلعها: أثغور منها الصباح أضاء أم بروق على النقا تتراءى ويستغرق هذا الاستطراد الشعرى سبع صفحات إلا قليلا (٨٣) . كما يتكرر الاستطراد الشعرى داخل الاستطراد النثرى في مسألة المفاضلة بين الليل والنهار (٨٤) . إن توظيف الشعر داخل متن سيرة الطهطاوى سواء لاستكمال بعض الوقائع، أو لإعادة صياغتها، أو لتحقيق صورة من صور الاستطراد يقرب كتابته من تقاليد استخدام الشعر لدى كتاب الرواية التاريخية والتعليمية (١٨٧٠- ١٩١٤) الذين أكثروا من استخدام الشعر لتحقيق وظائف تتلاقى مع وظائفه في متن سيرة الطهطاوى (٨٥) .

стр. 39

(٥/ ٥) تمثل صياغة الغزوات الكبرى- كبدر وأحد والخندق- دوال بارزة على الطرائق التى اعتمدها الطهطاوى في تشكيل الغزوة بوصفها واحدة سردية وسطى، وتتبدى فيها الفعاليات المختلفة لتقنيتى الإيجاز والحذف والاستطراد وتوظيف الشعر في إطار السرد، كما تبرز فيها الطريقة التى يعتمدها الكاتب الراوى لتنظيم الوقائع التى يقدمها، وهى طريقة تتضمن دلالات متعددة، وستكشف دراسة الواحدة السردية الوسطى عن هذه الجوانب جميعا، وذلك ما سيتحقق عبر المقارنة بين نص الطهطاوى ونصوص السابقين عليه من كتاب السيرة النبوية. وردت وقائع غزوة بدر عند كتاب السيرة المطولة كابن هشام، وكتاب المغازى كالواقدى، وكتاب النمط المشروح كابن سيد الناس، كما وردت لدى كتاب النمط المختصر كابن عبد البر وابن حزم، بينما وضعها الطهطاوى في إطار ظواهر السنة الثالثة للهجرة (٨٦) ورغم ما يشير إليه ذلك من جعلها تابعة للإطار الزمنى المتمثل فى إفراد الحوادث وضمها إلى سنوات حدوثها، فإن ذلك لا ينفى أهمية هذه الواحدة فى إطار ذلك التقسيم الزمنى. إن كل كاتب من أولئك الكتاب يمكن وصفه بأنه الراوى الأساسى لأنه هو الذى يقوم باختيار الوقائع، واستبعاد بعضها، وإيجاز بعضها الاخر، ثم يقوم- فى النهاية- بعملية تنظيم المرويات المختلفة، وإن اختلفت- بطبيعة الحال- ماهية هذه العمليات لدى كل واحد من هؤلاء الرواة. ويبدو لدى كتاب النمط المطول اهتمام واضح بتقديم سلاسل الأسانيد التى نقلت المرويات، فالواقدى ساق، فى بداية كتابه، أسماء الرواة الذين نقل عنهم مغازيه قائلا إن كلّا منهم (قد حدثنى بطائفة، وبعضهم أوعى لحديثه من بعض، وغيرهم قد حدثنى أيضا فكتبت كل الذى حدثونى) (٨٧) . ولذا بدأت معظم مروياته بعبارة" قالوا" إشارة إلى أن مضمونها أو متنها منقول عن هؤلاء الرواة أو معظمهم، بينما كان يتوقف في بداية خبر من الأخبار المفردة- التى تقدم جانبا مختلفا أو متناقضا مع الأخبار المنقولة عن مجموعة الرواة الذين نقل عنهم- ليقدم سلسلة الرواة الذين نقلوا هذا الخبر. على حين تبدو الأخبار عند ابن هشام متتابعة

стр. 40

ومسندة إلى رواتها، وتقدم الأخبار متوالية حتّى حين تتضمن معلومات متشابهة أو قريبة من التكرار. أما عند ابن سيد الناس فرغم اعتماده على مرويات ابن إسحاق فإنه قد أضاف إليها مرويات أخرى عن رواة اخرين أهمهم ابن عقبة، وهو يهتم بها حين تقدم إضافات أو تصحيحات لمرويات ابن إسحاق، وذلك ما يمكن وصفه بأنه عملية تقوم على الية التدقيق (٨٨) . ولما كانت مرويات ابن إسحاق تشكل الخيط السردى الأساسى الذى يتابعه ابن سيد الناس فإنه كان حريصا دائما على استخدام عدد من التعبيرات والصيغ التى تشير إلى عودته إلى ذلك الخيط السردى الأساسى، مثل: " رجع إلى خبر ابن إسحاق" و" رجع إلى الخبر عن ابن إسحاق" و" رجع إلى خبر الأوّل" أى ابن إسحاق. أما كتاب النمط المختصر كابن عبد البر وابن حزم والطهطاوى فقد كانوا يختارون بعض المرويات ليشكلوا منها واحداتهم السردية، وقليلا ما كانوا يقدمون سلسلة أسانيد هذه المرويات، كما كانوا يميلون إلى الاكتفاء بالراوى الأوّل للخبر. وقبل سرد الوقائع حرص هؤلاء الرواة جميعا على تقليد يتمثل في تقديم مجموعة من الأوصاف التى حملتها هذه الغزوة أو تلك؛ فغزوة بدر هى" بدر الكبرى" و" بدر القتال"، ورغم" بساطة" هذا التقليد فإنه يكشف عن وظيفة من وظائف الراوى المفارق لمرويه حيث يسعى إلى تحديد الأهمية الاعتبارية للأبطال أو لبعض الوقائع (٨٩) . ويمثل تقديم البداية الزمنية للوقائع نقطة مشتركة عند أولئك الرواة جميعا، فكل منهم جعل من علم النبى (ص) بأمر قافلة قريش وإرساله اثنين من المسلمين لتحسس أخبارها نقطة منشأ الوقائع، وإن اختلفت الكيفية التى قدمت بها نقطة البداية تلك؛ فبينما يشير ابن هشام إلى معرفة أبى سفيان قائد قافلة قريش بتصرف النبى (ص) ، فإن الواقدى يؤجل هذه الواقعة، ويأخذ في سرد تحرك المسلمين والنبى (ص) وانتقالهم من المدينة إلى بدر، ويحدد مختلف الأماكن التى مروا بها، ويتشابه ابن حزم معه في ذلك (٩٠) ، وهذا ما يشير إلى ملمح متكرر لدى بعض رواة السيرة من حرص على تتبع الانتقالات المكانية المفصلة للوقائع، بينما

стр. 41

أعمل الطهطاوى تقنية الحذف؛ إذ لم يشر إلى الأماكن التى انتقل عبرها جيش النبى (ص) إلا مرة واحدة فقط (٩١) . وتبدو البنية السردية لنقطة البداية" السابقة" عند الواقدى قائمة على توالى الأخبار، ويشير الواقدى، دائما، إلى الأيام التى وقعت فيها الانتقالات المكانية، كما يقدم تفصيلات لبعض الجوانب الثانوية (٩٢) . وتمثل رؤيا عائشة بنت عبد المطلب النقطة المحورية التالية في تحريك الوقائع وتوجيهها، وهى تقدم نبوءة ضمنية أولية بخسائر قريش. ويبدو حرص الواقدى وابن هشام على تقديم هذه الرؤيا مفصلة (٩٣) ولكن الواقدى قدم، بعدها، بعض التفصيلات التى تصور جانبا من جوانب الصراع بين بنى هاشم وبنى أمية، كما قدم الواقدى عدة أخبار منسوبة إلى شخصيات قرشية مختلفة، يمثل كل خبر منها نبوءة بمصير قريش أو بعض رجالها، وأفاد الواقدى من هذه النبوات في تصوير دعوة بعض القرشيين إلى عدم الخروج لقتال محمد (ص) كما صور قيام بعض رجال قريش باستسقام الأقداح، فخرج النهى إليهم، لكنهم خالفوا ذلك (٩٤) . إن النبوءة تقنية من التقنيات السردية التى تشير إلى مستقبل أو مصير بعض الشخصيات المهمة، ومن هنا لعبت دورا أساسيا في السير الشعبية العربية (٩٥) ، وبها يحقق الراوى وظيفة الاستباق إذ يشير بها إلى أحداث ستقع (٩٦) فيما بعد. إن راوى السيرة النبوية في نمطها المطول كان يتعامل دائما مع الواحدة السردية بوصفها إطارا عاما مرنا لا يقيد حريته في تقديم الأخبار التى تقدم بعض التفصيلات، أو الأخبار التى تمثل تكرارا لما قدمه من قبل، أو الأخبار التى تدعم منحى ضمنيا- تعبيريا أو أيديولوجيا- يعمل على تثبيته لدى المتلقى. وبقدر ما كانت تلك الحرية تفيد الراوى في تحقيق الأهداف السياسية والاجتماعية المتصلة بالسياقات والقوى الاجتماعية التى كان يروى السيرة في إطارها- فإنه كانت تمنحه إمكانية تقديم بعض التفصيلات التى تهدف إلى إقناع المتلقى، من ناحية، وتشويق المتلقى وإثارة رغبته في تتبع الوقائع، من ناحية أخرى ... وذلك ما يبدو واضحا في سرد الواقدى وابن هشام للنقطة التالية لرؤيا عاتكة؛ إذ يقدمان الأخبار المختلفة عن سعى قريش- قبل خروجها إلى بدر- إلى إصلاح ما بينها وبين بنى

стр. 42

بكر، حينئذ يلجأ الراوى (الواقدى وابن هشام) إلى تصوير ظهور إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجى أحد زعماء بنى كنانة ليؤكد لقريش أن بنى بكر لن تهاجمها (٩٧) . وذلك ما يدفع الراوى إلى التوقف عن سرد وقائع الغزوة ليعود إلى الماضى فيقدم تفاصيل الخلاف بين قريش وبنى بكر (٩٨) . وبقدر ما يمثل ذلك التوقف قطعا لتقديم الوقائع فإنه يهدف إلى تفسير بعض الجوانب المرتبطة بقريش بوصفها طرفا من طرفى الصراع. إن محورية الدور الذى تؤديه الرؤيا في كثير من مواقف السيرة النبوية والسير الشعبية العربية هى التى تفسر سعى الراوى- فى إطار النمط المطول للسيرة النبوية إلى الإبقاء عليها في اللحظات تسبق حدوث الوقائع المهمة. وقد توقف الواقدى وابن هشام عند تقديم رؤيا جهيم بن الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب التى تمثل نبوءة بمصير عدد من القرشيين الذين سيقتلون في القتال (٩٩) . وتلعب هذه الرؤيا دورا مزدوجا في تشكيل الأحداث؛ إذ ينكص بعض القرشيين عن الذهاب إلى بدر، بينما يزداد إصرار أبى جهل على القتال. وعلى مستوى تشكيل الوقائع يبدو الواقدى أكثر من ابن هشام ميلا إلى تقديم الحواريات- بينما يبدو ابن هشام ساعيا إلى ضغط هذه الحواريات أو حذف فقرات منها أو تقديمها سردا (١٠٠) . ومن الملاحظ أن الطهطاوى قد استبعد تماما تلك الرؤيا والأخبار التى سبقتها، ملتقيا في هذا مع ابن عبد البر وابن حزم. أما الوقائع الأساسية المرتبطة بأحداث الغزوة فهى: استشارة النبى أصحابه، واستطلاعه أخبار مسير قريش، ثم تحرك المسلمين لقتال قريش، ثم تشاور النبى (ص) مع أصحابه واقتراح الحباب بن المنذر مكان عسكرة جيش المسلمين، ثم وقائع القتال ونتائجه، ولا يختلف ترتيب هذه الوقائع" الأساسية" عند هؤلاء الرواة جميعا، وإن بدت بعض الطرائق التى استخدمها هذا الراوى أو ذاك ذات دلالة على منحاه في الصياغة والتشكيل. فبينما اعتمد السرد لدى ابن هشام والواقدى وابن سيد الناس على تقديم مجموعة من الأخبار المتوالية والمتعاقبة فإن اهتمام كل منهم بتقديم سلاسل أسانيد هذه الأخبار يجعل منها- أى من هذه السلاسل- وسيلة موجهة نحو تحديد كيفية للتلقى تقوم على تأكيد الفواصل بين المتلقى والوقائع التى تقدم له.

стр. 43

وإذا كان ابن عبد البر وابن حزم قد قدما الوقائع ذاتها موجزة فإنهما قد اختلفا في اعتمادهما على الاستطرادات في تناولهما لبعض جوانب هذه الوقائع (١٠١) . ورغم أن كتابة الطهطاوى تشترك معهما في انضوائها إلى النمط الموجز من كتابة السيرة النبوية فإن من اللافت أن صياغة الطهطاوى لهذه الوقائع تكشف عن بروز منحيين مختلفين لدى الطهطاوى؛ أولهما يعد إعادة صياغة وتشكيل للوقائع، بينما يعد ثانيهما بمثابة استطراد (١٠٢) . ويبرز المنحى الأوّل في سرد الطهطاوى الوقائع بلغته هو، وترتيبه الوقائع ترتيبا قائما على منطق السببية مما يدفعه إلى تقديم الوقائع على أساس تواليها الزمنى، من ناحية، ويتيح له من ناحية أخرى إمكانية تقديم أو تأخير بعض الأخبار التى قدمها الرواة السابقون ليضعها في سياق سببى مباشر (١٠٣) ، ويمكن أن توصف تلك العملية بأنها نوع من التركيب السياقى الذى يتمثل في إنشاء سياق سردى (يستلزم ترتيب مجموعة من الأحداث، بحيث تصبح هذه الأحداث سلسلة متتالية قابلة للفهم والتتبع) (١٠٤) وتحمل دلالة. ولعل تلك العملية كانت تتطلب الارتكان إلى الية الإيجاز والحذف، وقد ظهرت فاعليتها في حذف الطهطاوى لأسانيد المرويات التى كانت تشكل عائقا أمام" ضغط" السياق السردى وتركيزه، والإشارة الموجزة التى قدمها في نهاية صياغته الوقائع إلى أسماء عدد من شهداء المسلمين وقتلى قريش، مختلفا في هذا عن كتاب النمطين المطول والموجز للسيرة النبوية الذين حرصوا- فى نهاية سرد وقائع الغزوة- على تقديم قوائم كاملة بأسماء من أسهموا في الغزوة، وأسماء الشهداء وأسماء القتلى، واللافت أن هذه القوائم كانت تحتل دائما مساحة أكبر من المساحة أكبر من المساحة التى تحتلها وقائع الغزوة نفسها (١٠٥) . وبقدر ما أدت تقنية الحذف والإيجاز إلى مساعدة الطهطاوى على التركيز على سلسلة الوقائع الأساسية، فإنها لم تمنعه من الإشارة الموجزة إلى تعدد المرويات أو اختلافها حول هذا الجانب أو ذاك. ورغم صياغة الطهطاوى لوقائع الغزوة بلغته هو فإنه قد قدم، فى إطار ذلك، الايات القرانية المرتبطة بالغزوة، كما قدم أيضا عددا من المرويات الحوارية أو الحديثية كما هى. وتابع الطهطاوى تقليدا من تقاليد كتاب السيرة بنمطيها يتمثل في شرح أو تفسير بعض الكلمات أو أسماء الأماكن داخل المتن السردى (١٠٦) .

стр. 44

ويبرز المنحى الثانى في استخدام الطهطاوى لتقنية الاستطراد بنمطيها؛ وإن كان من الواضح أن نمط الاستطراد السردى قد أصبح عنده مرتبطا بتقديم حكايات موجزة، أو مطولة أحيانا، عن بعض قتلى أو أسرى بدر؛ كحكاية النضر بن علقمة وقتله بأمر النبى (ص) ، وحكاية عمر بن وهب الجمحى وصفوان أمية وهى منقولة عن ابن إسحاق، وحكاية أسر العباس بن عبد المطلب في بدر ثم إسلامه وهى تتضمن استطرادات أخرى عن زوجته وعن دعائه وإجابته، وحكاية نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب، وأخيرا حكاية إسلام عمرو بن العاص (١٠٧) . أما نمط الاستطراد التعليمى المباشر فيبدو أقل استخداما من النمط السردى، ويبرز في حديث الطهطاوى عن لون من الألوان البديعية يسمى غريب الاتفاق، وتناوله لمسألة الشهادة وأنواع الشهداء (١٠٨) . وتبدو وظائف الشعر داخل تلك الواحدة السردية متسقة مع وظائفه في إطار سيرة الطهطاوى؛ فبعض الأشعار كانت جزا من الأحداث أو متممة لحكاية من الحكايات، بينما كان بعضها الاخر بمثابة إعادة لما قيل سردا أو وصفا، فى حين أن بعض الأشعار قد سيقت بهدف تأكيد الفكرة، بينما مثلت بعض النماذج الشعرية استطرادا على الاستطراد السردى أو النثرى في كتابة الطهطاوى (١٠٩) . (٦/ ٥) تقضى دراسة عناصر التشكيل السردى للسيرة عند الطهطاوى- بداية من تنظيم الواحدات السردية الكبرى، واستخدام تقنيتى الإيجاز والحذف والاستطراد لتأدية وظائف مختلفة ترتبط بتقديم المواد السردية، وانتهاء بتوظيف الشعر في سياقات السرد، وكيفية بنية الواحدة السردية الوسطى- إلى الكشف عن تجليات التجديد في كتابة السيرة النبوية لدى الطهطاوى. فإذا كانت كتابة الطهطاوى قد انطلقت من التماس مع كتابة الرواية التاريخية والرواية التعليمية في مرحلة (١٨٧٠- ١٩١٤) فإن هذا المنطلق هو الذى حدد للطهطاوى التجديد في تقاليد كتابة السيرة النبوية بوصفها نصا سرديا، وذلك ما حققه بإعادة تقديم السيرة في

стр. 45

شكل جديد يفيد من التقاليد الكتابية والصياغية المختلفة التى تجلت في أنماط كتابة السيرة النبوية السابقة عليه. وقد بدت في التشكيل السردى الذى قدمه الطهطاوى ملامح تماس" قوية" مع الرواية التاريخية المعاصرة له، سواء في الاعتماد على أحداث تاريخية، وحذف أسانيد المرويات، واستخدام تقنية الاستطراد لتؤدى وظائف تعليمية مباشرة أو غير مباشرة، أو توظيف الشعر داخل السياقات السردية المختلفة ليؤدى وظائف مماثلة لوظائفه في الرواية التاريخية المعاصرة له. وأما خاصية تنظيم الوقائع تنظيما قائما على منطق السببية، مع إعمال تقنية الحذف والإيجاز، والتى تبدت في صياغة الطهطاوى للواحدة السردية الوسطى الممثلة في الغزوة- فهى دال كاشف عن التماس الشديد بين التشكيل السردى لبعض واحدات السيرة عند الطهطاوى والرواية التاريخية المعاصرة له، بل إن سبق الطهطاوى لمعظم نماذج هذه الشكل الروائى- فى مرحلة (١٨٧٠- ١٩١٤) - يشير إلى إمكانية النظر إلى كتابة الطهطاوى السيرة النبوية بوصفها فعلا إبداعيا مسهما بفاعلية في التمهيد للرواية التاريخية. وذلك ما يكشف عن جانب جديد من جوانب ريادة الطهطاوى في مجال كتابة أو تقديم الأشكال السردية الحديثة؛ إذ لا تقتصر ريادته- فى هذا المجال على كتابه" تخليص الإبريز" وترجمة" وقائع تليماك" أو عمله الصحافى الذى أسهم فيما يرى الن روجر- فى تطور الرواية العربية (١١٠) ، بل تمتد أيضا إلى إعادة صياغة متن السيرة النبوية وجعله شكلا مسهما في التمهيد للرواية التاريخية. وبقدر ما يبدو في كتابة الطهطاوى السيرة من تماس مع الرواية التاريخية فإن ذلك التماس هو الذى يمكن أن يفسر" خفوت" تأثير الكتابات الغربية- والفرنسية تحديدا- عن النبى" ص" على كتابة الطهطاوى؛ فعند إقامة الطهطاوى فى باريس (١٨٢٦- ١٨٣١) واتصاله بالثقافة والأدب الفرنسيين كان هناك خمسة عشر عملا فرنسيا تناول النبى" ص" سواء بكتابة سيرته، أو بتقديم وصف تاريخى له، أو بتقديم فهم جديد له يكشف عن رؤية جديدة له تخالف رؤية القرون الوسطى، واستلهام شخصيته في بعض الأعمال الإبداعية الكبرى (١١١) . ولا يبدو تأثير هذه الكتابات على كتابة الطهطاوى السيرة على الرغم مما يبدو في" أنوار

стр. 46

توفيق الجليل" من اتصال الطهطاوى بكتابات المستشرقين حول بعض جوانب الثقافة" الدينية" العربية (١١٢) ، فلعل الطهطاوى لم يعن بما كتبه المستشرقون الفرنسيون السابقون عليه والمعاصرون له عن سيرة النبى" ص". لقد كانت كتابة الطهطاوى السيرة النبوية بصياغة تشكيلها السردى نابعة من الموقف الذى كان الطهطاوى يسعى إلى تأصيله لدى من توجه إليهم بها. (٦) إذا كان درس التشكيل السردى للسيرة النبوية لدى الطهطاوى قد كشف عن جوانب التجديد في كتابته لها، فإن استنباط الموقف الذى تنطوى عليه تلك الكتابة سيفضى إلى إدراك مستويات الدلالة فيها، وهذا ما يتطلب الالتفات إلى أنماط المتلقين الذين تلقوا نص الطهطاوى، ودور الوسيط الثقافى الذى حمل كتابة الطهطاوى إليهم. تركزت في شخصية الرسول (ص) الصفات الأساسية التى شكلت مرتكزات البطولة لدى الجماعة العربية عبر عصورها المتوالية، وتلخصت هذه الصفات في (اتصال نسبه بما يثبت عروبته وشرفه وأهمية ابائه جميعا) (١١٣) و (دفاعه عن مبدأ أو عقيدة، وأيا كان هذا المبدأ أو تلك العقيدة فلا بد أن تكون خيرة مؤمنة) (١١٤) ، وتعضيد أفعاله بقوة (غيبية خارقة تثبت صحة ما يدافع عنه من مبدأ) (١١٥) ، والاتساق بين أفعاله وأقواله التى تهدف إلى تحرير الإنسان، وإرساء قيمة العدالة، وتأسيس السلوك على قيم أخلاقية مثالية. ولعل هذا ما يفسر، من ناحية، بقاء سيرة الرسول (ص) طوال حياة المجتمع العربى، وتأثيرها في تشكيل نموذج البطل في السير الشعبية العربية، من ناحية أخرى، ولا ينفى انقطاع المصريين- قبل الطهطاوى بأربعة قرون عن كتابة السيرة النبوية- بقاءها حية وفاعلة في الوجدان الشعبى المصرى/ العربى. ومن هنا كانت كتابة الطهطاوى" نهاية الإيجاز" بمثابة إعادة تقديم النموذج البطولى الذى تعكسه شخصية الرسول (ص) ، ليجعل منه وسيلة مباشرة وضمنية في الان نفسه لنقل موقفه أو رسالته الإصلاحية إلى دوائر المتلقين الذين يتوجه إليهم.

стр. 47

وتتمثل الدائرة الأولى في شرائح من المتعلمين والمثقفين الذين أنجبهم النظام التعليمى الذى أنشأه محمد على ودعمه إسماعيل فيما بعد، وقد كان الوسيط الثقافى الذى نقل" نهاية الإيجاز" إلى تلك الدائرة مؤسسة" جديدة" من مؤسسات إرساء التحديث وتثبيت التمدن؛ إذ أسهمت مجلة" روضة المدارس"- طوال سنوات صدورها (١٨٧٠- ١٨٧٧) - فى مسيرة التحديث سواء بتقديم العلوم الجديدة التى كان المجتمع المصرى يحتاجها، أو تقديم المعارف الجديدة التى ترتبط بمجالات التاريخ والفلسفة والاجتماع، أو بالإسهام في إعادة تشكيل بعض الأشكال الأدبية القديمة كالمقامة، أو بتشجيع الأشكال الأدبية الجديدة، ثم بمحاولة تطويع اللغة العربية لتصبح قادرة على الوفاء بالتعبير عن الأفكار والصيغ الفنية الجديدة (١١٦) . وقد كان نشر" نهاية الإيجاز" فى" روضة المدارس" وسيلة لنقل الرسالة الإصلاحية التعليمية التى يتضمنها إلى فئات واسعة من المتلقين، وهذا ما تؤكده طريقة توزيع" روضة المدارس"؛ إذ (كان ديوان المدارس يرسل إلى المدارس بعض أعدادها ليشتريها المدرسون منبها إلى الحذر من عدم ارتداد أى نسخة من الروضة، ثم قرر الديوان أن يشتريها جميع الموظفين في المدارس، والمكاتب الأهلية ممن يزيد مرتبهم عن ٢٥٠ قرشا في الشهر، وكان ديوان المدارس أيضا يرسل أعدادا من روضة المدارس إلى أعيان البلاد ليقوموا بتوزيعها) (١١٧) . وأما الدائرة الثانية التى توجه إليها الطهطاوى بكتابته" نهاية الإيجاز"- بما تنطوى عليه من تقديم شخصية الرسول (ص) بوصفه النموذج البطولى العربى الإسلامى- فهى دائرة السلطة والحاكم، وهذا ما يحتاج إلى إضاءة موسعة تكشف عن تحولات علاقة الطهطاوى المثقف بالسلطة وتأثيرها في تحولات بعض أفكاره. إن الطهطاوى- كما وضعه غالى شكرى في إطار تصنيفه للمثقفين المصريين فى القرن التاسع عشر من منظور علاقة المثقف بالسلطة- يمثل نموذج" المثقف الشامل"؛ أى المثقف ذى الرؤية الشاملة الواعية بجوانب النهضة ووسائلها وغاياتها، وذلك في مقابل المثقف الداعية السياسى كعمر مكرم، والمثقف الخبير كعلى مبارك. وإذا كانت هذه الأنماط الثلاثة قد ولدت في رحم السلطة فإن الطهطاوى المثقف الشامل كان- فى صياغته" مشروع" (تحديث القوة الاجتماعية

стр. 48

والفكرية القادرة على إقامة مجتمع النهضة المتصل والمشارك في الحضارة الحديثة ( ... ) ينطلق أو يكفئ داخل مؤسسة الدولة، يتقاطع مشروعه ومشروعها ويتوازيان، ولكنه لا يخرج عن المؤسسة) (١١٨) . وإذا كانت كتابات الطهطاوى التجديدية قد واكبت مساعى محمد على لتحديث المجتمع المصرى، فإن نفيه إلى السودان لمدة خمس سنوات (١٨٥٠- ١٨٥٤) فى عهد عباس الأوّل- الذى امتد ست سنوات فقط (١٨٤٩- ١٨٥٤) - قد جعل سلبيات الحكم المطلق والمستبد تتجسد بقوة في وعيه. فبعد أن كان الطهطاوى يستمد معرفته بتلك السلبيات من اتصاله بالفكر السياسى الأوروبى، أصبحت تجربة منفاه تجربة عيانية جسدت له تلك السلبيات. واللافت أن استبداد عباس الأوّل قد ارتبط بقضائه على كثير من المشروعات الإصلاحية- فى مجال التعليم خاصة- التى أسسها محمد على. وذلك ما كشف لرفاعة عن السلبيات الاجتماعية التى تتولد عن الاستبداد. وإذا كانت هناك أسباب مختلفة حول أسباب نفى رفاعة- أو على الأقل إبعاده- إلى السودان (١١٩) فإن واحدا من أقواها يتمثل في (احتواء الطبعة الثانية من تخليص الإبريز عام ١٨٤٩ على فقرات تنقد مبدأ الحكم المطلق) (١٢٠) . ولقد كان ذلك التحول في علاقة الطهطاوى بالسلطة الممثلة في الحاكم، وبروز سلبيات الحكم المطلق أمامه دافعا إلى ترجمته" وقائع تليماك"؛ إذ كانت هذه الترجمة وسيلة لنقد ذلك الحكم، وذلك بما تضمنته هذه الرواية من حواريات كثيرة يقوم فيها الحكيم منظور بتعليم تليماك طريقة تسيير الحكم على أساس من الحرية، ويكشف له عن خطورة الاستبداد وعواقبه الوخيمة. وعلى الرغم من أن علاقة الطهطاوى بإسماعيل- الذى تولى الحكم في الفترة من ١٨٦٣- ١٨٧٩- كانت" جيدة" فليس من المستبعد أن تكون كتابته" نهاية الإيجاز" بمثابة رسالة ضمنية إلى الحاكم، تقوم على تقديم صورة الرسول (ص) بوصفه نموذجا يجمع بين البطولة، من ناحية، والإصلاح من ناحية ثانية، والخلق المثالى من ناحية ثالثة ... وتعضد هذا" التأويل" مجموعة من الدوال التى تتبدى في كتابات الطهطاوى بعد المنفى بصفة خاصة.

стр. 49

ويتصل أوّل هذه الدوال بما تكشف عنه قراءة" مناهج الألباب" (١٨٦٩) مقارنة بتخليص الإبريز (١٨٣٤) من بروز قيمة العدالة في الأوّل، بينما كانت قيمة الحرية هى السائدة والمسيطرة على خطاب الطهطاوى في الكتاب الثانى (١٢١) . ويبدو حرص الطهطاوى على تقديم قيمة العدالة في" مناهج الألباب" قرين الكشف عن تعدد جوانبها؛ فهى- من ناحية- أسّ قيام المجتمع وبقائه واستمراره، أو هى- حسب وصف الطهطاوى- أساس التمدن، فالعدل هو (الأصل في سعادة الممالك) (١٢٢) ، وهى- من ناحية ثانية- الأساس الذى في ضوئه تقام قوانين توزيع السلطة داخل مؤسسة الحكم؛ إذ (لما كانت السياسة جسيمة لا يقوم بها واحد اختص الملك بمعالى الأحكام وكلياتها وخلع بعض نفوذه في جزئيات الأحكام على المحاكم والمجالس وجعل لهم لوائح وقوانين خصوصية ترشد أفعالهم ولا يتعدونها. قال بعضهم ليست في الدنيا جمعية منتظمة ولا مملكة معتدلة الأحكام إلا وتكون القوة فيها بالأصول العدلية، فالأصول العادلة تصون ناموس الدولة عن الملامة) (١٢٣) . بينما يجعل الطهطاوى العدالة- من ناحية ثالثة- حقا تاما من حقوق الرعية إذ إن (مأمورية العدل أوّل واجبات ولاة الأمور وهو وضع الأشياء في مواضعها، وإعطاء كل ذى حق حقه والإنصاف بميزان القوانين) (١٢٤) . وبقدر ما كان ذلك الدال الأوّل يقترن بسعى الطهطاوى إلى التأكيد على ترسيخ العدالة قيمة شاملة في تنظيمها المجتمع وتحديدها توزيع السلطة وكونها السمة التى ينبغى أن تحكم علاقة الحاكم برعيته- فإن الدال الثانى يتصل بالتصور الذى يطرحه الطهطاوى للعلاقة بين الكاتب أو المفكر والحاكم، ويكشف هذا الدال- عبر مجموعة من النصوص المنقولة التى" يجيد" الطهطاوى انتقاءها وتقديمها- عن إعلاء الطهطاوى لشأن الكاتب والمفكر على الحاكم، وهذا ما يتجلى في تكرار نقوله على شدة احتياج الحاكم إلى الكاتب والمفكر؛ فإذا كان (الكاتب مالك الملك يصرفه بقلم الإنشاء كيف يشاء) (١٢٥) فإن الكتاب هم (سياسة الملك وعماده وأركان السلطان وأطواده، بأقلامهم تبسط الأرزاق وتبيض الامال، وبها تصان المعاقل إذا عجزت عن

стр. 50

صونها الرجال) (١٢٦) . ويقرن الطهطاوى فعل الكتاب بالحكمة ورجاحة العقل؛ فبالكتابة (والكتّاب قامت الرياسة والسياسة وإليهم ألقى تدبير الأعنّة والأزمّة) (١٢٧) . ومن هذا المنظور الذى يعلى من فعل الكتابة كاشفا عن المهام الاجتماعية والسياسية التى يستطيع ذلك الفعل تحقيقها- احتفى الطهطاوى بمقولة ابن المقفع إن (الملوك أحوج إلى الكتّاب من الكتّاب إلى الملوك، ومن فضل الكتابة أن صاحب السيف يزاحم الكاتب في قلمه ولا يزاحمه الكاتب في سيفه) (١٢٨) . وإذا كان الطهطاوى قد قرن العدل بالتمدن، من ناحية، وجعل من الكاتب والحكيم مرشدا للحاكم وسائسا له من ناحية ثانية، فإن الدال الثالث الذى يتولد عن الدالين السابقين قد تبدى في سعى الطهطاوى- على ما يبدو بوضوح في" مناهج الألباب"- إلى تقديم أمثلة مختلفة من تاريخ مصر القديمة وغيرها من الدول تكشف عن انصياح الملك الحاكم للحكماء وعمله بنصائحهم ضمانا لبقاء الدولة وترسيخا للعدل (١٢٩) . وقد أسس ذلك الدال الثالث لدال رابع أنشأه الطهطاوى بقران وصل فيه بين عدالة الحاكم/ الملك من ناحية، ودور الرأى العام، من ناحية ثانية، ووظيفة التاريخ من ناحية ثالثة، فكشف ذلك القران عن صورة من الجدل بين عدالة الحاكم التى تتجلى في أفعاله، وتأثيرها في الرأى العام بوصفه متلقيا لهذه الأفعال، ودور التاريخ بوصفه وسيلة سردية تبقى ذكر الحاكم أو تخمله؛ فمما يحمل الملوك على العدل (ويحاسبهم محاسبة معنوية الرأى العمومى أى رأى عموم أهل مملكتهم أو ممالك غيرهم ممن جاورهم من الممالك ( ... ) ومما يحاسب الملوك أيضا على العدل والإحسان التاريخ، أى حكاية وقائعهم لمن بعدهم من ذراريهم وخلفهم من الأجيال التالية، فإن المؤرخ يذكر للأمة أخبار ملوكها فينتقل من العين إلى الأثر ومن البيان إلى الخبر فيثبت محاسن الملوك ومثالبهم لأعقابهم ليعتبروا) (١٣٠) .

стр. 51

ويتضام مع الدوال الأربعة السابقة دال خامس يتمثل- فيما لاحظناه من قبل- من تأكيد الطهطاوى إمكانية تعدد مستويات الدلالة في النص السردى، وما لاحظه بعض دارسيه من لجوئه إلى بعض طرائق التحفظ والتخفى لتقديم أفكاره الإصلاحية والنقدية (١٣١) . إن تلك الدوال الخمسة السابقة تشير إلى أن" نهاية الإيجاز" بتقديمه صورة النبى (ص) بوصفه نموذجا للبطل العربى في صفاته المثالية أخلاقيا وإنسانيا وسلوكيا- إنما كان يمثل رسالة ضمنية إلى الحاكم، وهذا ما يكشف عن المستوى الثانى من مستويات تلقى نص الطهطاوى، أو إمكانات إرساله التى تتحقق على نحو رمزى. د. سامى سليمان أحمد

стр. 52

الهوامش (١) نعتمد على طبعة مكتبة الاداب الصادرة في عام ١٩٩٠ بتحقيق عبد الرحمن حسن محمود وفاروق حامد بدر. (٢) انظر مجلة روضة المدارس، السنة الرابعة، العدد العشرين (غاية شوال ١٢٩٠ هـ) ص ٣٥٠، الطبعة الثانية، دار الكتب المصرية ١٩٩٨. (٣) انظر: رفاعة رافع الطهطاوى: نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، تحقيق عبد الرحمن حسن محمود وفاروق حامد بدر، مكتبة الاداب، ١٩٩٠. (٤) روضة المدارس، مرجع سابق، السنة الخامسة، العدد الثانى عشر، (غاية جمادى الثانية ١٢٩١ هـ) ص ٥٣٠. (٥) انظر: روضة المدارس، مرجع سابق، السنة الثالثة، العدد الرابع (غاية صفر ١٢٨٩ هـ) ص- ص ٤٤- ٤٥. (٦) للإحاطة بمسألة نشأة رواية السيرة النبوية وتدوينها، تنظر الكتابات التالية: دائرة المعارف الإسلامية، مادة السيرة، المجلد الثانى عشر، ص- ص ٤٣٩- ٤٥٨، طبع لجنة الترجمة، ١٩٣٣. أحمد أمين: ضحى الإسلام، الجزء الثانى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٨، ص- ٣١٩- ٣٣٩. محمد عبد الغنى حسن: التراجم والسير، دار المعارف، ١٩٥٥، ص- ص ٣٠- ٣٤. مارسدن جونس: مقدمة تحقيقه لكتاب المغازى للواقدى، مطبعة جامعة أكسفورد، ١٩٦٦، الجزء الأوّل، ص- ص ٥- ٣٥، ولا سيما ص- ص ١٩- ٢٩. (٧) انظر: محمد بن سعد: الطبقات الكبرى، طبع لجنة نشر الثقافة الإسلامية ١٩٣٩، الأجزاء الأربعة الأولى. (٨) عبد الملك بن هشام: سيرة النبى، ﷺ ، حقق أصلها وضبط غرائبها، وعلق عليها محمد محيى الدين عبد الحميد، مكتبة محمد على صبيح ١٩٧١، الجزء الأوّل، ص ٢. وقد ذكر ابن هشام في بقية نصه أن مما حذفه أشياء يسوء بعض الناس ذكرها، وأشياء أخرى لم يقر له البكائى بروايتها. (٩) انظر: ابن سيد الناس (محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى اليعمرى) عيون الأثر في المغازى والشمائل والسير، دار الافاق الجديدة، بيروت ١٩٧٧، الجزء الأوّل صفحات: ٢٩٠، ٢٩٣، ٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٧، ٢٩٨، ٣٠٠، ٣٠٩، حيث يقدم مجموعة من المرويات التى قدمها رواة اخرون- لا سيما ابن عقبة- عن وقائع غزوة بدر. وانظر ص ٢٩٤ حيث يقدم خبرا يصحح به خبر ابن إسحاق عن عدد القرشيين الذين خرجوا للقتال في بدر. (١٠) مارسدن جونس: مقدمة تحقيقه لكتاب المغازى، مرجع سابق، ص ٣١. (١١) انظر: ابن عبد البر (يوسف بن عبد البر النمرى) : الدرر في اختصار المغازى والسير، تحقيق د. شوقى ضيف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ١٩٩٥.

стр. 53

- ابن حزم (أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد) : جوامع السيرة وخمس رسائل أخرى، تحقيق إحسان عباس وناصر الدين الأسد، دار المعارف،، ١٩٥٦ (١٢) انظر: المقريزى (تقى الدين أحمد بن علي) : إمتاع الأسماع بما للنبى ﷺ من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع، تحقيق وتعليق محمد عبد الحميد النميسى، دار الأنصار، القاهرة، ١٩٨١. (١٣) عبد الله إبراهيم: السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائى العربى، الطبعة الثانية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ٢٠٠٠، ص ١٧٠. (١٤) عبد الله إبراهيم: المرجع السابق، ص ١٤٧. (١٥) عبد الحميد بورايو: المغازى لون من السير الشعبية العربية، مجلة الفنون الشعبية، عدد ٥١، إبريل- يونيه ١٩٩٦، ص ٣٧. (١٦) عبد الرحمن السهيلى: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق وتعليق وشرح عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب الحديثة، القاهرة ١٩٦٧، الجزء الأوّل ص ٣٥، وانظر أيضا ص، ٣٣ وانظر نموذجا في شرحه لغزوة بدر في الجزء الخامس من كتابه حيث قدم جزا من نص ابن هشام ص- ص ٨١- ١١٥، ثم قدم شروحه وتعليقاته ص- ص ١١٦- ١٤٤، ثم عاد إلى تقديم بقية نص ابن هشام ص- ص ١٤٥- ١٧١، بينما قدم شروحه وتعليقاته عليه ص- ص ١٧٢- ٢٠١. (١٧) انظر: القاضى عياض (أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبى) : الشفا بتعريف حقوق المصطفى، جزان، تحقيق على محمد البجاوى، مطبعة عيسى الحلبى، القاهرة ١٩٧٧. ويمكن أن يضاف إلى هذا النمط كتاب الوفا بأحوال المصطفى، الذى ألفه ابن الجوزى (أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزى) ، وهو يتشابه مع كتاب" الشفا" فى تناوله لموضوعات كثيرة، ويختلف عنه في أمور أهمها: حذفه أسانيد الأخبار، وذكر القليل من أشعار السيرة، وتناوله حوادث السيرة بإيجاز ودون تعليقات دائما. انظر: ابن الجوزى: الوفا بأحوال المصطفى، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار الكتب الحديثة، القاهرة ١٩٦٦. (١٨) وصف على مبارك كتابه" علم الدين بأنه (اشتمل على جمل شتى من غرر الفوائد المتفرقة في كثير من الكتب العربية والإفرنجية في العلوم الشرعية والفنون الصناعية وأسرار الخليقة وغرائب المخلوقات وعجائب البر والبحر وما تقلب فيه نوع الإنسان من الأطوار والأدوار في الزمن الغابر، وما هو عليه في الوقت الحاضر وما طرأ عليه من تقدم وتقهقر وتكدر وراحة وهناء وبؤس وعناء إلى غير ذلك من الشئون بتقلب الدهور وتصرف الأمور مع الاستكثار من المقابلة والمقارنة بين أحواله وعاداته في الأوقات المتفاوتة والأنحاء المتباينة) ، على مبارك: علم الدين، الجزان الأوّل والثانى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٩، ص ٨ من المقدمة. وقد رأى عبد المحسن طه بدر أن" علم الدين" (رواية تعليمية) وعلى هذا حلل العناصر الروائية فيه، انظر كتابه: تطور الرواية العربية الحديثة في مصر" ١٨٧٠- ١٩٣٨"، الطبعة الرابعة، دار المعارف، ١٩٨٣، ص- ص ٦٧-، ٧٢ أما أحمد درويش فيرى أن على مبارك قد (وضع بذرة للرواية التعليمية في الأدب العربى المعاصر ممثلة في علم الدين) ، انظر كتابه تقنيات الفن القصصى عبر الراوى والحاكى، الشركة المصرية العالمية

стр. 54

للنشر، ١٩٩٨، ص ١٢٧، ونشير إلى أن الاقتباس المذكور من فصل عنوانه (على مبارك: قراءة في علم الدين) ص- ص ١٢٣- ١٤٨. (١٩) نشير إلى أن القليل من روايات زيدان كان يتناول بعض أحداث العصر الجاهلى تمهيدا لتصوير التغير الذى أحدثه ظهور الإسلام في الشخصيات التى عاصرت الجاهلية وبداية الإسلام، على نحو ما يظهر في روايته" فتاة غسان" التى صدرت عام، ١٨٩٨ (٢٠) جميل نخلة المدور: حضارة الإسلام في دار السلام، الطبعة الثانية، مطبعة المؤيد، ١٩٠٥، ص أمن المقدمة. (٢١) محمد يوسف نجم: القصة في الأدب العربى الحديث في لبنان حتّى الحرب العظمى، دار مصر للطباعة، ١٩٥٢، ص، ١٧٨ وانظر أيضا: تطور الرواية العربية الحديثة، ص- ص ١٠٤- ١٠٦. (٢٢) انظر: تطور الرواية العربية الحديثة ص ١٠٦، القصة في الأدب العربى الحديث ص ١٨٥، ١٩٢. (٢٣) فى الجزء الأوّل من علم الدين تمضى المسامرات من المسامرة الحادية عشرة إلى الثامنة عشرة على النحو التالى: الخانات واللوكندات، النساء، البوستة، المكاتبة، الملاحة، التعلم والتعليم، البحر وعجائبه، ثم البراكين. واللافت أيضا أن بعض المسامرات تتألف من موضوعات مختلفة ولذلك كان مبارك يعطيها عنوانا دالا على ذلك، فالمسامرة العاشرة يسميها شتى، بينما يسمى المسامرة التاسعة عشرة" شذور"، مما يشير إلى تصوره أن واحدة الموضوع كانت تؤدى إلى اتصال المسامرة أو واحدتها. (٢٤) تتبدى السمات المشار إليها في المتن في رواية" العباسة أخت الرشيد" بدا من العنوان الفرعى الذى يصفها بأنها (تشتمل على نكبة البرامكة وأسبابها، وما يتخلل ذلك من وصف مجالس الخلفاء العباسيين وملابسهم، ومواليهم، وحضارة دولتهم في عصر الرشيد) ، ومرورا بما أثبته المؤلف في الصفحة التالية لصفحة العنوان من قائمة المراجع التى اعتمد عليها. أما حبكة الرواية فتجمع بين حكايتين تصور أولاهما وقائع صعود البرامكة وسقوطهم عبر أحداث كثيرة، وتركز على علاقة جعفر البرمكى بالعباسة أخت الرشيد بوصفها حكاية تتضمن خيطا عاطفيا قويا، وحكاية أخرى تصور حب أبى العتاهية لعتبة جارية العباسة، وعبر استخدام تقنيات المصادفة والحيلة والمفاجأة- والصراع أحيانا تبدو الملامح التعليمية واضحة في: تقديم وصف تفصيلى لقصور بغداد وأسوارها (ص- ٣- ٤) ، ووصف تفصيلى لقصر الأمين وبستانه، وكذا قصر الرشيد (٨٧- ٨٨) ، ثم وصف قصر زبيدة (٧٩- ٨٠) . وصف جوانب الحياة الاجتماعية والحضارية لا سيما في قصور الخلفاء وعلية القوم؛ كوصف جوانب اللهو (٥٧- ٦٤) وموكب الرشيد (٨٥) ووصف الرقيق وأصنافهن وطرق تربيتهن وإعدادهن لمتطلبات الحياة العباسية (٢٣- ٢٨) ، وظاهرة التمسك بالطالع (١٣٧- ١٣٨) ، وتصوير مجالس الرشيد في جده ولهوه (٩٩- ١٠٤) ، ويبدو اهتمام المؤلف بالجوانب التاريخية في الموضوعات السابقة وفي وصفه للملامح الخارجية للشخصيات واضحا. تصوير أجواء التنافس السياسى في بلاط الحاكم- كما في تصوير الصراع بين الفضل بن الربيع والبرامكة، أو بدايات الصراع بين الأمين والمأمون، أو لجوء أفراد الطبقة الحاكمة إلى التجسس على بعضهم البعض.

стр. 55

- الاتكاء على تقنية الاستطراد كما في الصفحات: ١٣، ٢١، ٤٠، ٤١، ١٦- ١٧، وغيرها. ففى الموضع الأوّل، على سبيل المثال، ينتقل الراوى من الحديث عن بعض ملامح العباسة الخارجية إلى الحديث عن أوّل من اتخذت العصابة المكللة، بينما ينتقل في الموضع الثانى من تقديم الملامح الخارجية للفضل بن الربيع إلى الحديث عن أنواع الأمزجة وتأثيرها في السلوك، وهو ما يتكرر مرة أخرى ص ٤٠، بينما تهدف بعض الاستطرادات إلى التأثير العاطفى في القارئ وتقديم بعض النصائح والحكم التى يستخلصها الراوى من الموقف، كما في كلام الراوى (١٦- ١٧) الذى يرد بعد وصفه لقاء العباسة بجعفر. (٢٥) أحمد درويش: تقنيات الفن القصصى، ص- ص ١٤٠- ١٤٥ حيث يمثل لهذه الظاهرة بقصة يعقوب التى بدأت في المسامرة الثالثة والخمسين- والتى حملت عنوان" حكاية يعقوب"- وانتهت في المسامرة الثانية بعد المائة- والتى حملت عنوان" تتمة حكاية يعقوب"- وقد تخللت هذه القصة قصص أخرى كثيرة عن أحوال البحار وغابات افريقيا وحياة الكنسية والدير وغيرها، انظر: علم الدين الجزء الثانى ص- ص ٦٥١- ٧٧٨، الجزء الثالث ص- ص ١١٥٣- ١٢٥٢. (٢٦) طه حسين: على هامش السيرة، الجزء الأوّل، الطبعة الثامنة عشرة، دار المعارف ١٩٦٨، ص ك من المقدمة، حيث يقول طه حسين إنه قد منح نفسه (الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث ( ... ) إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبى، أو بنحو من أنحاء الدين) حينئذ كان يلتزم (ما التزمه المتقدمون من أصحاب السيرة والحديث، ورجال الرواية وعلماء الدين) حيث كان يرد الأخبار إلى مصادرها الأولى. (٢٧) انظر: جمال الدين الشيال: التاريخ والمؤرخون في مصر في القرن التاسع عشر، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ٢٠٠٠، ص ٨٠. (٢٨) حول مواقف بعض المؤرخين العرب القدامى من العلاقة بين القصص والتاريخ، انظر دراسة ألفت كمال الروبى، الموقف من القص في تراثنا النقدى، مركز البحوث العربية، ١٩٩١، ص- ص ١٥٨- ١٦٨. (٢٩) الطهطاوى: أنوار توفيق الجليل، تحقيق محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ١٩٧٤، ص ١٤ من المقدمة. وهو الجزء الثانى من الأعمال الكاملة وقد نشره عمارة تحت عنوان" تاريخ مصر والعرب قبل الإسلام". (٣٠) الطهطاوى: المرجع السابق ص ١٣ من المقدمة. وانظر أيضا: الطهطاوى: مناهج الألباب المصرية في مباهج الاداب العصرية، مطبعة شركة الرغائب ١٩١٢، ص- ص ١٩٧- ١٩٨ حيث يعرض الطهطاوى أفكارا مماثلة لما قدمناه في المتن. (٣١) الطهطاوى: أنوار توفيق الجليل، ص ١٧. (٣٢) الطهطاوى: المرجع السابق ص ١٧. (٣٣) العبارات الأربع المنقولة في المتن هى عبارات الطهطاوى في: أنوار توفيق الجليل، ص- ص ٩- ١٠. (٣٤) حول تفاصيل هذه المواقف، انظر: ألفت كمال الروبى: الموقف من القص، مرجع سابق، ص- ص ٥٩- ٩٦. (٣٥) الطهطاوى: مواقع الأفلاك في وقائع تليماك، المطبعة السورية، بيروت، ١٨٦٧، ص- ص ٢- ٣ من المقدمة. ومن اللافت أن القصة عن الطهطاوى في" مناهج الألباب" قد اقترنت- كثيرا- بالقران الكريم، وقد كرر فيه عدة مرات

стр. 56

الإشارة إلى قصة يوسف، وربط بين القصص القرانى والعظة والعبرة، من ناحية، كما أخذ- من ناحية ثانية- يستنبط المعارف" التصورية والتصديقية" من قصة يوسف في القران، واللافت أيضا أنه قد أخذ يستنبط منها الدلالات الفكرية والتاريخية، انظر: مناهج الألباب المصرية في مباهج الاداب العصرية، ص- ص ١٨١- ١٨٦. (٣٦) الطهطاوى: المرجع السابق، ص ٢٨. (٣٧) الطهطاوى: مواقع الأفلاك، ص- ص ٢٨- ٢٩ من ديباجة الكتاب. (٣٨) الطهطاوى: المرجع السابق، ص ٢٤، وانظر أيضا ص- ص ٢٣- ٢٤ حيث يتحدث عن الأصل الأسطورى لتليماك. (٣٩) الطهطاوى: مواقع الأفلاك، ص- ص ٢٧- ٢٨، ويشير الطهطاوى إلى أنه ينقل هذه الأخبار عن كتاب" حياة الحيوان" للدميرى. (٤٠) الطهطاوى: المرجع السابق، ص ٢٨. (٤١) من المؤكد أن حديث الطهطاوى عن تبنى المؤلفين الفرنسيين فكرة تعدد الالهة كإله الجمال وإله العشق وغيرهما وإن كانوا فيما يقول (لا يعتقدون ما يقولون، وإنما هذا من باب التمثيل ونحوه) - كان يسهم بطريقة غير مباشرة في تهيئة أذهان المتلقين المصريين لتقبل بعض الأنواع القديمة الحديثة في الأدب الأوربى والتى تبنى على أساس الأساطير، وأعنى المسرح أو التراجيديا بصفة خاصة، وهذا جانب يكشف عن ريادة الطهطاوى للتحديث، حتى في المجالات التى لم يعمل بها مباشرة وإن أتيحت له فرض الاحتكاك بها في باريس. (٤٢) قرن الطهطاوى في مقدمته لمواقع الأفلاك بين تلك الرواية ومقامات الحريرى، كما أشرنا في المتن. أما في تلخيص الإبريز فقد ذكر عددا كبيرا من الكتب التى قرأها والمجالات التى اطلع عليها، وقد وردت ص ٣٣٤ عبارة يقول فيها (وقرأت أيضا (......) كثيرا من المقامات الفرنساوية) . ويقول محمود فهى حجازى في تعليقه على هذه العبارة (استخدام الطهطاوى هنا كلمة المقامات الفرنساوية بمعنى القصص) . انظر تلخيص الإبريز في تلخيص باريس، دراسة وتعليق: محمود فهمى حجازى، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٤. (٤٣) انظر الطهطاوى: تلخيص الإبريز، مرجع سابق، ص ٣٣٣ حيث يحدد كتب التاريخ والسير التى قرأها في" بيت الأفندية" بباريس، ويصف أحدها بأنه (يتضمن قصصا وحكايات ونوادر) . وانظر ص- ص ٤٨٤- ٤٨٥ حيث يقدم محمود فهمى حجازى تعليقات وشروحا بالغة الأهمية حول هذه الكتب. (٤٤) حول مفهوم الذوق عند الطهطاوى، انظر: عطية عامر: رفاعة الطهطاوى.. الناقد الأدبى، منشور ضمن كتاب" شوقى ضيف: سيرة وتحية، إشراف طه وادى، دار المعارف، ١٩٩٢، ص- ص ٣٤٧- ٣٤٨ حيث يعرض لمعنى الذوق عند الطهطاوى. (٤٥) شلوفسكى: بناء القصة القصيرة والرواية، ترجمة إبراهيم الخطيب، ضمن كتاب نظرية المنهج الشكلى (نصوص الشكلانيين الروائيين) ، مؤسسة الأبحاث العربية- بيروت، والشركة المغربية للناشرين المتحدين، ١٩٨٢، ص ١٤٦. ونشير إلى أن كلمة" قصة قصيرة" هنا بمعنى حكاية أو واحدة سردية. (٤٦) محمد القاضى: الخبر في الأدب العربى: دراسة في البنية السردية، طبع كلية الاداب- منوبة، تونس، ودار الغرب الإسلامى، بيروت، ١٩٩٨، ص ٣٦٦

стр. 57

(٤٧) انظر: ابن سيد الناس: عيون الأثر، مرجع سابق، الجزء الثانى، ص- ص ٣٦٤- ٤١٧. (٤٨) انظر: أبو الفرج بن الجوزى (عبد الرحمن بن علي بن محمد) : سيرة عمر بن الخطاب، عنى بضبطه وحل مشكله، وعرضه على كتب الحديث: طاهر النعسان الحموى وأحمد قدرى كيلانى، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، دون تاريخ. (٤٩) محمد القاضى: الخبر في الأدب العربى، مرجع سابق، ص، ٤٢٥. (٥٠) انظر: جمال الدين الشيال؛ التاريخ والمؤرخون، مرجع سابق، ص ٨١، حسين فوزى النجار: رفاعة الطهطاوى، مرجع سابق، ص ١٤٣، أما كرابس جونيور فيرى أن هذا الجزء من كتاب الطهطاوى ... يمثل تقدما في التكنيك- أى تكنيك الكتابة التاريخية، ثم يرد ذلك إلى تأثر الطهطاوى بفولتير إذ يقول إن الطهطاوى قد استطاع (أن يضمن في دراسته دراسة مستفيضة عن المؤسسات الإسلامية المبكرة- وهى بدعة هامة في زمانه، ربما يكون قد أوحى له بها قرااته لتاريخ فولتير Voltaire عن لويس الرابع عشر، الذى حاز شهرة لهذا السبب بالتحديد) كتابة التاريخ في مصر في القرن التاسع عشر: دراسة في التحول الوطنى، ترجمة وتعليق عبد الوهاب بكر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٣، ص ص ١١١- ١١٢. (٥١) انظر: أبو الحسن علي بن محمد الخزاعى التلمسانى: تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية، تحقيق أحمد محمد أبو سلامة، طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ١٩٨٠، وتقوم بنية هذا الكتاب على مجموعة من الأبواب التى، تنقسم بدورها إلى فصول، ويتناول المؤلف في كل فصل حرفة أو مهنة مما كان على عهد الرسول (ص) ، ويعد السرد عنصرا أساسيا من عناصر بنية الفصل في هذا الكتاب إذ كان الخزاعى يبدأ كل فصل بتقديم أسماء الشخصيات التى مارست هذه المهنة أو تلك، ثم يقدم مرويات ونقولا من مصادر مختلفة تؤكد ما ذكره أو وتثبته، ثم يتبع ذلك بتقديم (أنساب وأخبار) هذه الشخصيات، بينما يختم الفصل بتقديم بعض الشروح اللغوية التى تتصل بالمادة التى قدمها في الفصل. انظر- على سبيل المثال- الباب الخامس وعنوانه (فى ذكر الخادم) ، وهو يتكون من فصلين هما: (فى ذكر من تولى خدمة النبى" ص") و (فى ذكر أنسابهم وأخبارهم) ص- ص ٥٤- ٥٦. وقد لجأ الطهطاوى إلى إيجاز ما ورد في هذا الباب وأدمجه فى بابين اخرين (من أبواب الخزاعى) وقدمها في فصل واحد عنوانه (فى خدمه الخاصة به ﷺ ، انظر: نهاية الإيجاز، الجزء الثالث، ص- ص ٥- ١٦. (٥٢) الطهطاوى: نهاية الإيجاز، الجزء الثانى، ص ٣٢٩. (٥٣) انظر: الطهطاوى: أنوار توفيق الجليل، ص- ص ٦٥٧- ٦٦١. (٥٤) انظر: نبيلة إبراهيم: السيرة النبوية بين التاريخ والخيال الشعبى، عالم الفكر، عدد مارس ١٩٨٢، ص ٣٣٥. (٥٥) انظر: نهاية الإيجاز، ص- ص ٢- ٤. وقد أصلت السيرة النبوية مبدأ البدء بتقديم نسب البطل في كل السير الشعبية العربية، انظر: أحمد شمس الدين الحجاجى: مولد البطل في السيرة الشعبية، كتاب الهلال، العدد ٤٨٤، إبريل ١٩٩١، ص ٧٤.

стр. 58

(٥٦) حول حذف الأسانيد في مختصرات كتاب الأغانى مثل" تجريد الأغانى من ذكر المثالث والمثانى" لابن واصل الحموى (ت ٦٧٩ هـ) و" مختار الأغانى في الأخبار والتهانى"، انظر: محمد القاضى: الخبر في الأدب العربى، مرجع سابق، ص، ٣٣٥ ومن الملاحظ أن ابن الجوزى قد حذف الأسانيد في كتابه" الوفا بأحوال المصطفى" رغبة في الإيجاز وخوف إملال السماع، وهذا ما جعل الوقائع تحتل مساحة موجزة- انظر على سبيل المثال- تقديمه لغزوة بدر ص- ص ٦٧٥، ٦٨٢، من الجزء الأوّل. (٥٧) انظر: الطهطاوى: نهاية الإيجاز، مرجع سابق ص، ٢٢ وانظر: سيرة ابن هشام الجزء الأوّل، ص- ص ٩٢- ٩٣ ومن اللافت أن بعض الكتاب" العقلانيين" من الجيل التالى للطهطاوى قد تقبلوا هذه الرؤيا- كما نجد عند طه حسين ومحمد حسين هيكل، انظر: طه حسين: على هامش السيرة، مرجع سابق، ص- ص ٣- ٦، محمد حسين هيكل: حياة محمد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٠، ص ١١٦. (٥٨) أحمد مطلوب: معجم النقد العربى القديم، الجزء الأوّل، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، ١٩٨٩، ص ١٤٩، وهو يعالج مصطلح الاستطراد ص- ص ١٤٨- ١٥٣. (٥٩) انظر أحمد مطلوب: المرجع السابق، ص ١٥٢. (٦٠) انظر: الطهطاوى: نهاية الإيجاز، ص- ص ٦٥- ٨٠، وتجنبا لإطالة الهوامش سنشير إلى الصفحات داخل المتن. (٦١) انظر: نهاية الإيجاز، ص- ص ٣٣- ٣٤. (٦٢) انظر: محمد القاضى: الخبر في الأدب العربى، مرجع سابق، ص- ص ٤٢٥- ٤٢٦، حيث يمثل لهذه الظاهرة بتراجم كتاب الأغانى. (٦٣) انظر: أبو محمد عبد الله بن عبد الحكيم: سيرة عمر بن عبد العزيز، على ما روى الإمام مالك ابن أنس وأصحابه، نسخها وصححها وعلق عليها أحمد عبيد، الطبعة الأولى بنفقة المكتبة العربية، مصر ودمشق، ١٩٢٧. وانظر: أيضا: سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزى، مرجع سابق، وانظر ملاحظاتنا عليها في الفقرة الخاصة بالواحدات السردية في متن هذه الدراسة. (٦٤) انظر نماذج مختلفة لهذه الاستطرادات في المواضع التالية: ص- ص ٣٣- ٣٣ عن أبى لهب، ص- ص ٤٢- ٦٠ عن المولد النبوى، ص- ص ٦٥- ٨٣ تنتشر استطرادات مختلفة لا سيما ص- ص ٧٠- ٧٤، ٨٠- ٨١، ٨١- ٨٣ ص- ص ٩٦- ١١٨ حيث يسرد وقائع الهجرة إلى الحبشة، ص- ص ١٢٥- ١٤٨ استطرادات مختلفة مرتبطة بالإسراء والمعراج. أما في الجزء الثانى فينظر- على سبيل المثال- عرضه لوقائع الهجرة، ص- ص ١٦- ٣٩، حيث تبرز فيه استطرادات مختلفة في الصفحات التالية: ٢١- ٢٢، ٣٠- ٣٣، ٣٦، ٣٧- ٣٩. (٦٥) انظر: نهاية الإيجاز، ص- ص ٤٢-، ٦٤ (٦٦) تناول الطهطاوى الهجرة إلى الحبشة ص- ص ٩٦- ١١٨، وقد مضت كتابته على النحو التالى: بدأ بالحديث عن أسباب هذه الهجرة وبدايتها ص ٩٦، ثم عرض إسلام عمر بن الخطاب وما ترتب عليه ص- ص ٩٧- ٩٨، ثم لجأ إلى

стр. 59

قطع مطول للسرد حيث قدم واحدا من استطراداته التعليمية ناقش فيه مسألة" الغرانيق" ص- ص ٩٨- ١١٢، واللافت أن هذا الاستطراد قد قاده إلى تناول الصفات التى يجب توفرها في الأنبياء، والصفات التى يجب ألا يتصفوا بها، وذلك ما يشكل عرضا لمسائل كلامية صرف داخل الاستطراد التعليمى (ص- ص ١٠٩- ١١٢) . وأعقب ذلك بتقديمه حكاية عثمان بن مظعون (ص- ص ١١٣- ١١٤) ، ثم عاد ثانية إلى مسألة الهجرة إلى الحبشة، ثم تناول مقاطعة قريش لبنى هاشم ومسألة الصحيفة (ص- ص ١١٥- ١١٦) ، ثم قدم أخبارا عن إسلام الطفيل بن عمرو الدوسى (ص ١١٦) ، وإسلام عشرين من نصارى نجران (ص ١١٧) ، ثم قدم حكاية نعمان بن عدى (ص- ص ١١٧- ١١٨) فيما يمثل اخر نماذج الاستطراد في تلك الفقرة. (٦٧) انظر: نهاية الإيجاز ص- ص ١٢٣- ١٢٤، وقد حكى ابن عبد البر الإسراء والمعراج في خمسة أسطر فقط، انظر الدرر في اختصار المغازى والسير، مرجع سابق، ص، ٦٩ بينما رواها ابن حزم في صفحة إلا قليلا،، انظر: جوامع السيرة، ص، ٦٨ (٦٨) انظر: نهاية الإيجاز، ص- ص ١٢٥- ١٤٨. (٦٩) انظر: نهاية الإيجاز، ص- ص ١٦- ٣٩، وتمضى فيها استطرادات الطهطاوى على هذا النحو: استطراد عن قول أبى بكر الشعر ص- ص ٢١- ٢٢، استطراد عن مسألة الرسول والشعر ص- ص ٣٠- ٣٢، المفاضلة بين مكة والمدينة ص ٣٦، ثم الفرق اليهودية والتوراة وأسفارها ص- ص ٣٧- ٣٩. (٧٠) من اللافت ما يقوله" كرابس جونيور" بصدد كتاب" مناهج الألباب" من أن الفصل الأوّل منه (بلا رابط) وليس له (موضوع أساسى واضح أو غرض) وأن الطهطاوى فيه كان (ينقلب سريعا جيئة وذهابا من التفسير إلى الحديث إلى الشعر) . وفي موضع اخر يصف كتابة الطهطاوى هذا الكتاب بأنه (كان في الشكل شاردا ملأ عمله بالاستطراد وعدم التتبع) ، انظر: كتابة التاريخ في مصر في القرن التاسع عشر، مرجع سابق، ص ١٠٧، ١١٤. (٧١) الطهطاوى: أنوار توفيق الجليل، مرجع سابق، ص ١٠. وقد ذكر الطهطاوى في مقدمته لتخليص الإبريز أنه قد دون فيه" رحلة صغيرة وقد وشحها (ببعض استطرادات نافعة) انظر: تخليص الإبريز في تلخيص باريز، تحقيق وتعليق محمود فهمى حجازى، الهيئة العامة للكتاب، ١٩٧٤، ص ١٤١ (ص ٣ من المقدمة) . (٧٢) انظر: ابن هشام: السيرة النبوية، الجزء الثانى ص- ص ٥٣٦- ٥٥٧، ابن سيد الناس: عيون الأثر المجلد الأوّل ص- ص ٣٤٤-، ٣٤٩ (٧٣) انظر ابن عبد البر: الدرر في اختصار المغازى والسير، مرجع سابق، صفحات ١١٥، ١٢٠، ١٦٨، ١٦٩، ١٧٢- ١٧٣، ١٨٣، ٢١٢- ٢١٣، ٢٣٨، ٢٤٧ (٧٤) انظر المواضع التى يرد فيها الشعر في الباب الأوّل- على سبيل المثال- فيما عدا الصفحات التى يتحدث فيها عن المولد النبوى (ص- ص ٤٢- ٦٣) ، وهى في الصفحات: ٤ وفيها ثلاثة نماذج، ٧، ٨، وفيها نموذجان، ١١، ١٥، ١٩، ٢٠ وفيها نموذجان، ٢١، ٢٦، ٢٧ نموذجان، ٢٩ وفيها ثلاثة نماذج، ٣٢، ٣٣، وفيها نموذجان، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٣٩، ٤٠- ٤١، ٦٧، ٧٢، وفيها ثلاثة نماذج، ٧٣- ٧٤، ٧٧، ٧٨، ٨١، وفيها ثلاثة نماذج أيضا. وأما المواضع التى

стр. 60

تخلو من الأشعار فهى: الفصل الخاص برحلة الرسول (ص) إلى الطائف، فى الباب الثانى، والفصل الثالث من الباب الثانى ص- ص ٤٠- ٤٢. (٧٥) من المواضع التى أورد فيها الطهطاوى قصائد طويلة: فى مدح السيدة عائشة وذكر فضلها أورد قصيدة كمال الدين ابن العديم، وهى تتكون من خمسين بيتا، ص- ص ٣٠٥- ٣٠٧ من الجزء الثانى. وفي مسألة الاحتفال بالمولد النبوى أورد قصيدة لعبد العزيز الزمزمى، تقع في سبع صفحات إلا قليلا ص- ص ٥٧- ٦٣. (٧٦) الشاهد الوحيد الذى قدمه الطهطاوى من أشعاره هى القصيدة التى عبر فيها حبه أهل البيت ومدحهم، ص- ص ٧٣ ٧٤. (٧٧) انظر: نهاية الإيجاز، ص ١٥، ٦٠. (٧٨) انظر: نهاية الإيجاز ص ٢١، وانظر نموذجا اخر ص ٣٢. (٧٩) نهاية الإيجاز، ص- ص ٦٦- ٦٧. (٨٠) انظر الصفحات التالية في" نهاية الإيجاز": ص ٤ حيث يقدم ثلاثة أبيات لأبى طالب في مدح النبى والفخر به. ص ٧ حيث يقدم جزا من قصيدة لابن سيد الناس يحصى فيها ما وافق أسماء النبى من أسماء الله الحسنى. ص- ص ٣٨- ٣٩ حيث يسرد عن واقعة شق صدر النبى (ص) ثم يقدم مقطوعة من ستة أبيات تصف المواضع الثلاث التى تم فيها ذلك. ص ١٣٢ حيث يعرض أشعارا في مسألة الإسراء، وهل كان الروح والجسد أم بالروح فقط، وذلك بعد أن ناقش المسألة. (٨١) انظر: نهاية الإيجاز، ص- ص ٤٠- ٤١. (٨٢) انظر: نهاية الإيجاز ص ٢٩، وانظر أيضا نموذجا اخر ص ٣٣، حيث يحكى الطهطاوى واقعة تحقق نبوءة النبى (ص) لعتيبة زوج ابنته أم كلثوم، ثم يقدم بيتا أشار فيه حسان بن ثابت إلى هذه الواقعة. (٨٣) انظر نهاية الإيجاز ص- ص ٥٧- ٦٣. (٨٤) انظر: نهاية الإيجاز، ص- ص ٥٧- ٦٣ وانظر أيضا، ص: ١٤٠، ١٤٥، ١٤٧-، ١٤٨ (٨٥) حول تواتر هذه الظاهرة في روايات مرحلة النشأة، انظر: محمد يوسف نجم: القصة في الأدب العربى الحديث، مرجع سابق، ص، ٢٠٢ إبراهيم السعافين: تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام (١٨٧٠- ١٩٦٧) ، وزارة الإعلام العراقية، ١٩٨٠، ص- ص ٩٤- ٩٥، ص ١٠٩،، ١١٨ (٨٦) انظر وقائع بدر عن هؤلاء المؤلفين على النحو التالى: ابن هشام: السيرة النبوية، الجزء الثانى، ص- ص ٤٤٠-، ٥٥٧ الواقدى: المغازى، الجزء الأوّل، ص- ص ١٩-، ١٧١ ابن سيد الناس: عيون الأثر، الجزء الأوّل، ص- ص ٢٩٠-، ٣٤٩

стр. 61

- ابن عبد البر: الدرر في اختصار المغازى والسير، ص- ص ١١٠-، ١٣٨ ابن حزم: جوامع السيرة، ص- ص ١٠٧-، ١٥٤ الطهطاوى: نهاية الإيجاز، الجزء الثانى ص- ص ٥١-، ٧٧ (٨٧) الواقدى: المغازى، ص، ٢ (٨٨) انظر: محمد القاضى: الخبر في الأدب العربى، مرجع سابق، ص ٥٠٣، حيث يتناول التدقيق بوصفه أسلوبا من أساليب تفخيم الأخبار ويعرفه على النحو التالى (كثيرا ما يرد الخبر مجملا في مرحلة أولى ثم يرد بعد ذلك وقد ألحقت به تفاصيل تشرح غوامضه أو تضيف إليه جزئيات لم تكن فيه أصلا) ، وهو يقدم ص- ص ٥٠٣- ٥٠٧ أمثلة لفاعلية هذا الأسلوب في صياغة الأخبار في كتاب" الأغانى". (٨٩) انظر: عبد الله إبراهيم: السردية العربية، مرجع سابق ص، ١١٤ (٩٠) انظر: الواقدى: المغازى، ص- ص ٢٠- ٢٧، وانظر: ابن حزم: جوامع السيرة، ص- ص ١١٠-، ١١١ (٩١) انظر: الطهطاوى: نهاية الإيجاز، ص، ٥٣ (٩٢) انظر: الواقدى: المغازى، ص ٢٤ حيث يحدد أسماء بعض الصحابة الذين كانوا يتعاقبون على الإبل في مسير المسلمين نحو بدر. (٩٣) انظر: الواقدى: المغازى ١/ ٢٩- ٣١، وابن هشام: السيرة النبوية ٢/ ٤٤١-، ٤٤٢ (٩٤) انظر: الواقدى: المغازى ١/ ٣٣-، ٣٧ (٩٥) حول دور النبوءة في السير الشعبية العربية، انظر دراستى أحمد شمس الدين الحجاجى: النبوءة أو قدر البطل في السيرة الشعبية، الهيئة العامة لقصور الثقافة،، ١٩٩٤ مولد البطل في السيرة الشعبية، مرجع سابق، فصل النبوءة. (٩٦) انظر: عبد الله إبراهيم: السردية العربية، مرجع سابق، ص، ١٦٥ (٩٧) انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ٢/ ٤٤٥، والواقدى: المغازى ١/ ٣٨. (٩٨) انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ٢/ ٤٤٣- ٤٤٤، الواقدى: المغازى ١/ ٣٨- ٣٩. (٩٩) انظر: الواقدى: المغازى ١/ ٤٢، ابن هشام: السيرة النبوية ٢/، ٤٥٠ (١٠٠) انظر الوقائع التى يقدمها الواقدى ص- ص ٤١- ٤٢، وقارنها بما يقدمه ابن هشام ص، ٤٥٠ (١٠١) انظر، على سبيل المثال، جوامع السيرة ص- ص ١٠٨- ١٠٩ حيث يبدو ابن حزم مهتما بتتبع تفاصيل الانتقال المكانى لجيش المسلمين، ص- ص ١١٠- ١١١ حيث يقدم خبرا عن كيفية تعرف أبى سفيان على جيش المسلمين. (١٠٢) من اللافت أن المنحى الأوّل يبرز في الصفحات ٥١- ٦٢، بينما يتبدى المنحى الثانى في الصفحات ٦٣- ٧٧ (١٠٣) المثال الواضح لذلك يبدو في إعادة وضع الطهطاوى لخبر اشتراك الملائكة في بدر؛ فبينما قدم ابن إسحاق مرويات مختلفة عن اشتراك الملائكة في القتال إلى جانب المسلمين في بدر- فى نهاية سرده لوقائع القتال- فإن الطهطاوى قد قدم مضمون هذه المرويات في إطار سرده للحظات التى سبقت القتال، فكان ذلك سبيلا لتحبيك السرد. انظر: ابن هشام ٢/ ٤٦٢- ٤٦٣، الطهطاوى ص ٥٧

стр. 62

(١٠٤) سيزا قاسم: الخطاب التاريخى من التقييد إلى الإرسال: قراءة في الطبرى والمسعودى وابن خالدون، ضمن كتاب: الأدب العربى: تعبيره عن الواحدة والتنوع، إشراف عبد المنعم تليمة، مركز دراسات الواحدة العربية، بيروت ١٩٨٧، ص- ص ١٤٩-، ١٥٠ (١٠٥) انظر: الطهطاوى: نهاية الإيجاز، ص ٦٢، وانظر: ابن عبد البر: الدرر في اختصار المغازى والسير ص- ص ١١٧- ١٣٨، حيث يقدم الفصول التالية: تسمية من استشهد ببدر من المسلمين ١١٧، تسمية من قتل ببدر من كفار قريش ١١٨- ١١٩، تسمية من أسر ببدر من كفار قريش ١١٩- ١٢١، تسمية من شهد بدرا من الأنصار ١٢٥- ١٢٨، تسمية من شهد بدرا من الخزرج ١٢٩- ١٣٨ بينما يعرض وقائع بدر ص- ص ١١٠، - ١١٦ أما ابن حزم فقد عرض الوقائع ص- ص ١٠٧- ١١٤، ثم قدم الأسماء في ثلاث فقرات فقط على النحو التالى: تسمية من شهد بدرا من المسلمين رضى الله عنهم مع رسول الله ﷺ ١١٤- ١٤٦، ذكر شهداء بدر رضوان الله عليهم أجمعين ١٤٦- ١٤٧، ثم ذكر من قتل من المشركين يوم بدر ١٤٧- ١٥٢، بينما عرض الوقائع ص- ص ١٠٧- ١١٤، انظر: جوامع السيرة. والملاحظ أن ابن حزم كان يذكر أسماء المشاهير فقط، وكان يقسم الأسماء تبعا لانتما اتها إلى بطون قريش، كما ذكر الأسرى في إطار حديثه عن قتلى المشركين. (١٠٦) انظر: نهاية الإيجاز، ص ٥٢، ٥٣ (١٠٧) انظر: نهاية الإيجاز، ص- ص ٦٣- ٧٣ (١٠٨) انظر: نهاية الإيجاز ص- ص ٧٤- ٧٧ (١٠٩) انظر: الأشعار الواردة في غزوة بدر في نهاية الإيجاز في الصفحات التالية: ٦٠، ٦٣، ٦٩، ٧٤، ٦٢، ٦٤ حيث تبدو نماذج الوظائف التى أشرنا إليها في المتن، وقد رتبنا ذكر صفحات الشواهد تبعا لترتيب وظائف الأشعار المذكور في متن الدراسة. (١١٠) انظر: Roger, Allen:The Beginnings of the Arabic Novel, In:Modern Arabic Literature, edit- ed by M.M.Badawi, Cambridge University Press, ٢٩٩١, P.٣٨١. (١١١) حول هذه الكتابات، انظر مادة" محمد" فى: The Encyclopaedia of Islam, New Edition, V.VII, edited by:Gibb, Hamilton AIexan- der, Leiden- New YorK ٣٩٩١, P- P ٠٦٣- ٧٨٣. وقد ورد الحديث عن الكتابات الحديثة لسيرة النبى (ص) ص- ص ٣٨٢- ٣٨٤ تحت عنوان " النصوص التى قدمت رؤية أقل تحيزا"، كما قدمت قائمة بالمؤلفات الفرنسية حول النبى، ص- ص ٣٨٣- ٣٨٤، ولعل جدة هذه الكتابات أنها قدمت رؤية" منصفة" للنبى تختلف عن رؤية كتاب القرون الوسطى الذين غلب عليهم تقديم رؤية" سلبية"، لمزيد من التفصيل حول هذه الرؤية وأسبابها يمكن مراجعة الفصل الأوّل من الدراسة التالية. Buaben, Jabal, Muhammad:Image of the prophet Muhammad in the west:A studyof

стр. 63

Muir, Margoliouth and watt, published by the Islamic foundation, Markfield Dawah cen- tre, printed in Great Britain, ١٩٩٦, P- P ٣- ٢٠. (١١٢) انظر الطهطاوى: أنوار توفيق الجليل، ص ٦٥٥، حيث يشير إلى موقف المستشرقين من الإعجاز والمشابه والمحكم في القران، حيث يقول إنهم يعدون ذلك (من المعايب) ويصفهم بشدة التعنت في ذلك. (١١٣) فاروق خورشيد: فى الرواية العربية: عصر التجميع، الطبعة الثالثة، دار الشروق، بيروت- القاهرة- ١٩٨٢، ص ١٨٧. (١١٤) فاروق خورشيد: المرجع السابق، ص ١٨٧. (١١٥) فاروق خورشيد: المرجع نفسه، ص ١٨٧، وانظر أيضا ص- ص ١٨٤- ١٨٥، ١٨٨ (١١٦) حول دور مجلة روضة المدارس في النهضة الحديثة يمكن مراجعة الدراسة التالية: عبد العزيز الدسوقى ومحمد عبد الغنى حسن: روضة المدارس: نشأتها واتجاهاتها الأدبية والعلمية، دراسة نقدية تحليلية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٥ (١١٧) مرفيت الطرابيشى: رفاعة الطهطاوى رائد الصحافة العربية، ضمن كتاب رفاعة الطهطاوى رائد التنوير، طبع الهيئة العامة لقصور الثقافة ١٩٩٣، ص، ٢٩٥. (١١٨) غالى شكرى: المثقفون والسلطة في مصر، الطبعة الأولى، أخبار اليوم، ١٩٩١ ص ٦٣، وانظر ص- ص ٤٥- ٧٢، حيث يحدد أنماط هؤلاء المثقفين. (١١٩) انظر: محمود متولى: عصر رفاعة، ضمن كتاب: رفاعة الطهطاوى رائد التنوير، مرجع سابق، ص- ص ٢٤- ٢٥، حيث يعرض الأسباب المختلفة وراء نفى رفاعة إلى السودان، وإن كان يرجح أن سبب النفى (هو أن رفاعة كان يؤيد المصرية الكاملة بينما كان عباس ومن حوله يؤيد تبعية مصر للعثمانيين) . (١٢٠) جاك كرابس جونيور: كتابة التاريخ في مصر في القرن التاسع عشر، مرجع سابق، ص ١٠٣. (١٢١) حول ما طرحه الطهطاوى عن الحرية في تخليص الإبريز، انظر دراسة عزت قرنى: العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة، سلسلة عالم المعرفة العدد ٣٠، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب، الكويت، يونيه ١٩٨٠، ص- ص ٣٦- ٥٩. (١٢٢) رفاعة الطهطاوى: مناهج الألباب المصرية ص، ١٨٠ (١٢٣) رفاعة الطهطاوى: مناهج الألباب ص، ٣٥٣ (١٢٤) رفاعة الطهطاوى: مناهج الألباب ص، ٣٥٦ (١٢٥) رفاعة الطهطاوى: مناهج الألباب ص، ١٦٧ (١٢٦) المرجع السابق، ص ١٦٧. (١٢٧) نفس المرجع والصفحة. (١٢٨) الطهطاوى: مناهج الألباب، ص ١٦٨.

стр. 64

(١٢٩) انظر: الطهطاوى: مناهج الألباب ص ١٧٨ حيث يقول (كانت حكماء مصر تذكر الملوك دائما بالحقوق والواجبات وتحثهم على التمسك بالفضائل الملوكية وتلعن من يصرفهم عنها من بطانة السوء وأهل النفاق، وكانت الملوك في تلك الأوقات يشتغلون بمطالعة الحكم والاداب والمواعظ والتواريخ وكل ما يرشد إلى العدل والاستقامة) . وانظر أيضا ص- ص ١٩٧- ١٩٨ حيث يكشف عن تأثير قص التاريخ على الإسكندر الأكبر. (١٣٠) الطهطاوى: مناهج الألباب، ص- ص ٣٥٥-، ٣٥٦ (١٣١) انظر: العدالة والحرية- مرجع سابق، ص ٢٦، حيث يشير عزت قرنى إلى اتخاذ الطهطاوى أساليب التحفظ في" تلخيص الإبريز" وهو بصدد الحديث عن الإفادة من الأفكار الأوروبية. وانظر أيضا: جاك كرابس جونيور، كتابة التاريخ في مصر في القرن التاسع عشر؛ مرجع سابق، ص ١٠٧ حيث يصف الفصل الأوّل من" مناهج الألباب" باللا ترابط بسبب انتقال الطهطاوى في حديثه من (التفسير إلى الحديث إلى الشعر) ، ويصف هذا بأنه (محاولة معتدلة عارضة لتقديم تبرير دينى لبعض الأفكار الجديدة التى يقترحها أو يقدمها فيما بعد في الكتاب) ، ثم يعود جونيور في هامش رقم ٤٦، ص ١٢٠ إلى القول إنه (يحتمل أن الفصل الأوّل استخدم كستارة دخان لتجنب اعتراضات المتحفظين الدينيين) .

стр. 65

مقدمة الناشر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. والصلاة والسلام على الطيّب المطيّب الذي أرسله الله رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، وجعل سيرته العطرة خالدة أبد الدهر إلى يوم الدين. ويعد.. فإن تاريخ الأمم هو تراثها الماضى الذى تستمد منه الإلهام والثقة في حاضرها، وتستشرف به مستقبلها؛ مقتفية الأثر، متجنبة الزلل، اخذة بالمثل العليا. وما تاريخ الأمم إلا تاريخ رجالها الخالدين الذين غيّروا بأعمالهم وجه التاريخ وتركوا بصمات واضحة على جبين الإنسانية. والرسل هم أعظم العظماء؛ بهم استنارت القلوب والعقول؛ بلّغوا رسالات السماء، وأخرجوا الإنسانية من ظلمات الجهل والجاهلية، وأرسوا أسس حضارات متميزة. مجدوا الفضيلة، وكانوا حربا على الرذيلة، ونادوا بارتقاء الإنسان عن الحيوانية، ورسموا له أسس حياة إنسانية راقية. وسير الأنبياء والرسل، وقصصهم- من ادم ﵊ إلى نبينا ﷺ فنّ إلهي تربوي، ورد في التوراة والإنجيل [قبل تبديلهما] ، وفي القران الكريم: بما أورده من سيرهم عظة وعبرة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣] ، ولا تكاد تخلو سورة من سور القران من سيرة رسول أو نبي، بل سميت سور بأسماء رسل وهى على ترتيبها في المصحف: يونس (١٠) ، وهود (١١) ، ويوسف (١٢) ، وإبراهيم (١٥) ، وطه (٢٠) ، ويس (٣٦) ، ومحمد (٤٧) ، ونوح (٧١) ، عليهم أفضل الصلاة والسلام.

стр. 66

ونبينا محمد ﷺ هو خاتم الأنبياء ومتمّم رسالاتهم، وإنّا- وإن كان ﵊ قد نهانا عن المفاضلة بين الأنبياء حتّى لا ننتقص من قدر أحدهم- نراه بلا مراء أعظمهم أثرا في تاريخ الإنسانية بما أرساه من مفاهيم وقيم روحية وعملية وأخلاق ومبادئ كانت أساسا لحقبة جديدة في طور الرقى الإنساني. لذا كانت السيرة النبوية الشريفة أشرف وأطرف العلوم الإنسانية، وكان لها مكان الصدارة من علوم الدين؛ ذلك أن الإسلام رسالة ورسول يبلغها، وسيدنا محمد ﷺ رسول ورسالة بعث بها إذ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣، ٤] فارتبط تدوين السيرة المحمدية بسائر العلوم الدينية؛ من تفسير لاى الذكر الحكيم وعلم حديث وفقه وأصول دين وغيرها، أخذا وعطاء. وللسيرة النبوية مصدران أساسيان: القران الكريم بما أورد من إشارات لبعض الأحداث النبوية، والحديث الشريف الذى ليس إلا مواقف نبوية إن قولا أو فعلا أو تقريرا، ثم تأتى مصادر أخرى- فرعية- هى اثار الصحابة ورواياتهم، ثم روايات غيرهم بعد تمحيصها وتدقيقها. والمؤرخ للسيرة النبوية حين يشرع فيها يجمع شوارد هذه السيرة في ترتيب تاريخى معيّن في إطار العصر وأحداثه. وللسيرة النبوية جوانب عديدة؛ فهي إلى جانب كونها تاريخ رجل: طفولته وصباه، وشبابه ورجولته إلى وفاته، فهى تاريخ عصر عاشه ﷺ ، وتاريخ رجال صحبوه واخرين عادوه؛ ففيها منهاج حياة في السلم والحرب، وهى حياته الخاصة في بيته مع نسائه التى علّمت الناس أصول العشرة واداب البيوت، وهى سيرة عشرته مع أصحابه وذويه التى علمت الناس أصول الصحبة والإخاء والمودة، وهى نظام اجتماعى متين: الأسرة نواته والتكافل رباطه، وهى نظام اقتصادى لا ضرر فيه ولا ضرار الخ ... لذلك فإن من كتب من العلماء والحفّاظ في فن السيرة والتأريخ للنبى ﷺ لم يستطيعوا الإحاطة بشتّى جوانبها على كثرتهم ولم يوفوه حقه ﷺ . فإنّ فضل رسول الله ليس له ... حدّ فيعرب عنه ناطق بفم

стр. 67

وكتابنا هذا الذى نقدم له «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» زهرة من الزهور اليانعة في بستان السيرة المحمدية. يمتاز بالأصالة وغزارة المادة العلمية وعمق الفكرة، صيغت بلسان عربى ويراع يعرف كيف يعبر عن فكره، وينقله فى يسر ووضوح إلى القاريء. والكتاب في جملته يراعى الترتيب الزمنى المعهود في كتب السيرة السابقة عليه: بدا بمولده حتّى وفاته ﷺ ، ويضيف فصولا عن نظم الدولة الحديثة التى أرساها الإسلام وهو باب مستحدث لم يوفه السابقون عن المؤلف- ﵀ حقّه. والمؤلف يستخدم المنهج العلمى في دراسته؛ فإذا ما تعرّض لحادثة عجيبة أو حدث تاريخى مختلف عليه، أو مسألة فقهية عرضت له في سرده، أخذ القاريء في سياحة طريفة، ووافاه من علمه الغزير بما يحيط بالمسألة ويجليها؛ إذ يقلّبها على وجوهها، ويشرك القاريء معه في التوصل إلى اقتناع عقلى يميط اللبس ويجلى الحق. ومؤلف الكتاب عالم جليل من أبناء مصر؛ «السيد رفاعة الطهطاوى» [شريف حسيني] ينتسب إلى الرسول ﷺ عن طريق الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبى طالب من فاطمة الزهراء رضى الله عنهم، وذلك من جهة أبيه، أما أخواله فمن الأنصار. وهو [عالم أزهرى جليل] تعلّم في الأزهر على كبار العلماء، ومنهم الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر. [وهو خطيب وإمام فصيح] ، وهو [إمام النهضة العلمية في مصر] كما وصفه الأمير عمر طوسون ﵀، فهو الذى نقل العلوم الحديثة إلى مصر بما ترجم من مؤلفات وما بث فى تلاميذه من روح العلم في شتّى فروع المعرفة، من: هندسة وجغرافيا وأدب وطب وعلوم حربية الخ. وهو إلى جانب ذلك كله [ذو شمائل فاضلة] فهو ذكى الفؤاد، متوقد الذهن، حديدى الإرادة، طيب الخلق. وسوف تطّلع بنفسك أيها القاريء الكريم على حسن تعبيره ودقة معانيه مما لا يتوفّر إلا [لأديب مطبوع] . وسوف يعرض لك محققا الكتاب ترجمة له تنبئك بالخبر تفصيلا بعد إيجاز.

стр. 68

[عملنا في هذا الكتاب] طبعنا هذا الكتاب عن طبعة طبعت عام ١٢٩١ هـ بمطبعة المعارف الملكية «نظارة قلم الروضة والمطبوعات» بمصر. . ولقد تولى تحقيق هذه الطبعة وإخراجها على هذه الصورة الأستاذان الجليلان: عبد الرحمن حسن محمود، وفاروق حامد بدر، جزاهما الله خيرا عما أسدياه للمكتبة الإسلامية من خدمات جليلة توّجاها بعملهما الطيب الذى سوف يحكم عليه القارئ بنفسه. فلقد تصدى [الأستاذ عبد الرحمن حسن] لشرح بعض غامض الكلام، وتخريج ما يحتاج إلى تخريج من الحديث الشريف، والرّد ما أمكن على بعض المسائل التى تحتاج إلى رد. وقد تصدى أيضا لتصحيح الأخطاء العديدة التى كانت بالطبعة التى راجعنا عليها، وهي أخطاء نعتقد أنها مطبعية لا يسأل عنها الشيخ رفاعة، فمن أغرب ما صحّح من هذه الأخطاء- وهى عديدة- عنوان فيه: «وهجرته إلى الحبشة وإلى الطائف» والمعروف أن الرسول ﷺ لم يهاجر إلى الحبشة، وإنما الصحيح «وهجرة المسلمين إلى الحبشة وخروجه إلى الطائف» . ولوضع الأمور في نصابها نقول: إن الشيخ ﵀ توفى عام ١٢٩٠ هـ، والكتاب طبع في عام ١٢٩١ هـ، ومن هنا نعرف أن الشيخ ﵀ لم يتمكن من مراجعته، كما أشار ابنه إلى هذا في نهاية الطبعة الأولى، وحتّى لو فرض أنها كتبت بيده الكريمة فإنها من باب السهو و «جلّ من لا يسهو» . [أما الأستاذ فاروق بدر] فقد تصدى للناحية التاريخية من العمل بدا بإعداد ترجمة وافية للمؤلف في إطار عصره. كما أضاف بعض المعلومات التاريخية الهامة التي قد يكون أغفلها المؤلف. وعلّق على بعض الأحداث التاريخية التى ذكرت دون أن تستوضح. وعنى كذلك بعمل خرائط للمواضع والبلدان والغزوات التى تدور في إطارها السيرة، وكذلك بعض الجداول الإيضاحية. وكلّ ما نرجو أن نكون قد وفّينا السيرة الشريفة بعض حقها علينا، وأن ينفع الله بهذا العمل. اللهم صلّ علي سيدنا محمد، وغفر الله للمؤلف، وسدّد خطانا ووفقنا إلى ما فيه خير البلاد والعباد. محمد عبده وأحمد عبده ابنا على حسن مكتبة الاداب غرة المحرم ١٤٠٣ هـ- ١٨ أكتوبر ١٩٨٢ م

стр. 69

ترجمة المؤلف هو السيد/ رفاعه بن بدوى بن علي بن محمد ابن علي بن رافع، وهو شريف حسينى يتصل نسبه بالرسول ﵊ عن طريق محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن فاطمة الزهراء، أما أخواله فمن الأنصار. ولد رفاعة الطهطاوى سنة (١٢١٦ هـ/ ١٨٠١ م) وهى السنة التى غادرت فيها حملة «نابليون بونابرت» مصر. ولد في بلدة طهطا، إحدى قرى مديرية سوهاج في صعيد مصر. ولد رفاعه لأبوين كانا على قدر من اليسار لم يلبث أن زال بسبب سحب والي مصر محمد علي باشا ما كان بأيدى العلماء والأشراف من الالتزامات. وقد دفعت الضائقة المالية أباه إلى ترك بلدته بحثا عن الرزق، وصاحب رفاعة أباه في هذه الجولة من قنا إلى جرجا، ثم عاد إلى طهطا بعد وفاة والده. وهناك تعهده أخواله، فحفظ القران الكريم، وكتب المتون العلمية التى كانت معروفة يومئذ على يد نفر من أقاربه العلماء. وفي سنة ١٢٣٢ هـ/ ١٨١٧ م وفد رفاعة إلى الأزهر يطلب العلم، وسنّه إذ ذاك تناهز السادسة عشرة سنة، واتصل منذ دخل الأزهر بشيخه الشيخ حسن العطار الذى احتضن تلميذه واختصه بمزيد من الرعاية لما أنسه فيه من الذكاء وحب العلم. ولم تطل المدة بالفتى رفاعة في طلب العلم حتّى تخرّج في الأزهر (فى مدة لا تتجاوز الستة أعوام) ، ثم عمل سنتين بعد التخرج مدرسا في الأزهر، قام خلالها بتدريس كتب كثيرة في بعض العلوم الأزهرية، مثل الحديث، والمنطق، والبيان، والبديع، والعروض، وغيرها. وكان شيخا سلس الحديث، واضح العبارة، يفهم دروسه الكبير والصغير بلا مشقة.

стр. 70

وفي عام ١٢٤٠ هـ/ ١٨٢٤ م عين الشيخ رفاعة الطهطاوى واعظا وإماما لإحدى فرق الجيش المصرى النظامي، الذى كوّنه والى مصر «محمد علي باشا» ، فأدى مهمته على أكمل وجه. لكن الشيخ رفاعة لم يمكث في الجيش إلا فترة قصيرة، إذ عند ما قرر محمد علي أن يوفد عددا من شباب مصر إلى باريس سنة ١٢٤١ هـ/ ١٨٢٦ م زيّن الشيخ حسن العطار للوالى أن يجعل لهؤلاء المبعوثين إماما يذكّرهم بالدين ويعظهم ويرشدهم، ويؤمهم في الصلاة، وأن يكون هذا الإمام هو الشيخ رفاعة الطهطاوي. سافر الشيخ رفاعة إلى باريس إماما للبعثة، وبدأ في تعلم اللغة الفرنسية، وأقبل على دراسة العلوم المقررة على طلاب البعثة بأكثر مما أقبل عليها طلاب البعثة أنفسهم. وكان تعمّق الشيخ رفاعة في دراسة اللغة العربية وإتقانها بالأزهر سببا في أن وجّهه المشرفون علي البعثة لإتقان اللغة الفرنسية ودراسة فن الترجمة، حتى يستطيع أن يؤدى نصيبه في النهضة العلمية والحركة الفكرية متى عاد إلى مصر، وذلك بترجمة العلوم المختلفة التى كان الوطن في أشد الحاجة إلى ترجمتها. ولما كان فن الترجمة يحتاج من المترجم إلى معرفة بالعلوم التى سيترجمها من لغة إلى أخرى، نظمت للشيخ رفاعة دراسات في مختلف الفنون والعلوم، فقرأ كثيرا من كتب الهندسة، والرياضة، والعلوم، والتاريخ، والجغرافيا، والاجتماع، والعلوم العسكرية، والقانون وغيرها، وتمرّن على الترجمة، فقام بترجمة بعض الكتب الصغيرة، وبعض الفصول من الكتب الكبيرة التي أتمّ ترجمتها بعد عودته إلى مصر. انتهز الشيخ فرصة وجوده في باريس، فأمعن النظر في كل ما راه، وتغلغل فى الحياة الفرنسية من جميع نواحيها، فعرف ما هو الدستور، وما هى الانتخابات، وعرف المدارس الفرنسية، ومجامع العلماء في باريس وأثرها في الحياة الفكرية.

стр. 71

وتكلّم عن المكتبات وأثرها في هذه الحياة، كما انتقد الفرنسيين في كثير من أخلاقهم، وعوائدهم، وعقائدهم التى لم يكن يقرها. * وبعد خمس سنوات قضاها الشيخ رفاعة في باريس عاد إلى مصر سنة ١٢٤٦ هـ ١٨٣١ م حيث استقبله المصريون أحسن استقبال. عين الشيخ رفاعة بعد عودته إلى مصر مترجما بمدرسة الطب، وكان أوّل مصرى يعيّن مترجما بهذه المدرسة، وقام خلال هذه الفترة بمراجعة كتاب «التوضيح لألفاظ التشريح، في الطب البيطري. ثم نقل رفاعة الطهطاوى سنة ١٢٤٩ هـ ١٨٣٣ م مترجما بمدرسة الطوبجية (المدفعية) بطره، وفيها قام بترجمة بعض الكتب الهندسية والجغرافية اللازمة للمدرسة وغيرها من المدارس الحربية، فأتمّ ترجمة كتاب «مباديء الهندسة» الذى طبع في بولاق سنة ١٨٣٣ م. ولما كان رفاعة الطهطاوى يعشق علمي: الجغرافيا والتاريخ، منذ كان يتلقى العلم في باريس، فقد بدأ بترجمة كتاب خاص أسماه «التقريبات الشافعية لمريد الجغرافية» وطبعه عام ١٨٣٤ م، كما طبع كتابين ترجمهما في باريس هما «المعادن النافعة» و «قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر» . وفي أواخر سنة ١٢٥٠ هـ/ ١٨٣٤ م تقدم رفاعة لأولى الأمر باقتراح يتلخص في أن يؤذن له بافتتاح مدرسة للترجمة تعلّم فيها الألسن الشرقية والغربية وبعض المواد المساعدة كالتاريخ والجغرافيا، والرياضة، ليقوم خريجوها بترجمة الكتب في العلوم المختلفة. وأنشئت المدرسة سنة ١٨٣٤، وكان مقرها «سراى الدفتردار» بحى الأزبكية، وكانت تسمى أوّل الأمر «مدرسة الترجمة» ثم صارت «مدرسة الألسن» . وكان الغرض من إنشائها تخريج مترجمين لمصالح الحكومة. ثم اتجهت إلى أن يكوّن من خريجيها قلم يعرف «بقلم الترجمة» ، ثم استقر علي أن يكون هدفها إعداد المترجمين والمدرسين، وإمداد المدارس الخصوصية (العالية) بتلاميذ يعرفون اللغة الفرنسية، وكان رفاعة مديرا لهذه المدرسة، ويقوم بالتدريس فيها. أما في مجال الصحافة فكان لرفاعة الطهطاوى دور بارز؛ ففى عام ١٨٤٢ م

стр. 72

صدر قرار رسمى عن ديوان المدارس، بتعيين رفاعة الطهطاوى رئيسا لتحرير صحيفة «الوقائع المصرية» وتضمّن هذا القرار دستورا جديدا لهذه الصحيفة، من المحقق أن رفاعة الطهطاوى اشترك بنفسه في وضع مواده، ثم تولى تنفيذ ذلك بطريقة كان لها الفضل كل الفضل في تنظيم الوقائع تنظيما جديدا، والدخول بها فى طور اخر من أطوار حياتها الطويلة المجيدة. وخليق بنا أن نشير إلى بعض الإصلاحات التي أدخلها الطهطاوي، ومنها: ١- لاحظ أن هذه الصحيفة تكتب باللغتين العربية والتركية، غير أن التركية كانت تحتل اليمين من الصحيفة، بينما العربية تحتل الناحية اليسري، وحين أشرف على الوقائع أصر على أن تكون العربية ناحية اليمين والتركية ناحية اليسار. ٢- لاحظ الطهطاوى أن مواد الصحيفة تكتب أولا بالتركية ثم تترجم بعد ذلك إلى العربية، فإذا كان الأصل التركى سقيما في ذاته فأخلق بالترجمة العربية أن تكون ركيكة سقيمة كذلك. ولذلك وجدنا الطهطاوى يحتم على الصحيفة أن تقدم المواد كلها بالعربية أولا، ثم لا بأس من أن تترجم هذه المواد إلى التركية بعد ذلك. ٣- عنى الطهطاوى في صحيفة الوقائع عناية خاصة بالأخبار المصرية مقدما إياها على الأخبار الخارجية. وفي سنة ١٨٤٩ تولى عباس الأوّل حكم مصر، وكان رجعيا ضيق الأفق، فأصدر أوامره بإغلاق المدارس الخصوصية، وكانت مدرسة الألسن أوّل مدرسة ألغيت. ولم يقنع عباس بذلك، بل أمر بإنشاء مدرسة ابتدائية بالخرطوم، وأن يتولى تأسيسها رفاعة الطهطاوي. ورغم شعور رفاعة بالأسى لإحساسه بأنه منفي، رغم ذلك قام بواجبه في مدرسة الخرطوم خير قيام، وشغل وقته بترجمة قصة «تليماك» لمؤلفها «فنلون» ، وقد طبعت هذه الترجمة بعد ذلك في بيروت، بعنوان «مواقع الأفلاك في وقائع تليماك» كما عني بتكوين جيل من مثقفى السودان بثّ فيهم روح العلم والمعرفة، وكانوا نواة نهضة علمية مماثلة لتلك التى عرفتها مصر على يديه.

стр. 73

وفي عهد سعيد عاد السيد رفاعة إلى مصر، وكانت له جهود علمية في ميادين أخرى في عهدى سعيد وإسماعيل، أهمها تعيينه وكيلا للمدرسة الحربية تحت نظارة سليمان باشا الفرنساوي، إذ اتجه الرأى يومئذ إلى أن تكون هذه المدرسة نواة لمدرسة جديدة تحتفظ من المدرسة الأولى بصفتها العسكرية، ويتجه التعليم فيها وجهة مدنية بالإكثار من دراسة اللغات والعلوم الأدبية والرياضيات، إلى جانب التعليم العسكري. أنشئت المدرسة بالقلعة سنة ١٨٥٦ م، وعيّن رفاعة رئيسا لها، فأقبل على عمله الجديد بهمة قويه، يريد أن يجدد بذلك عهد مدرسته القديمة (مدرسة الألسن) . كما أشرف رفاعة على قلم الترجمة الذى أنشيء في عهد إسماعيل، وقام بترجمة مجموعة من القوانين الفرنسية- بالاشتراك مع نفر من تلاميذه- غير أن نشاط رفاعة توقف مرة أخرى بإلغاء المدرسة الحربية بالقلعة سنة ١٨٦١ م. واستدعى رفاعة في عهد إسماعيل ليتولى إصدار صحيفة جديدة ينفق عليها ديوان المدارس، وأطلق على هذه الصحيفة «روضة المدارس» . وصدر العدد الأوّل منها في شهر إبريل سنة ١٨٧٠، وكانت تصدر مرتين كل شهر، وكانت هذه المجلة تقصر عنايتها على أخبار الطلبة والامتحانات، ومن أهدافها النهوض باللغة العربية، ونشر المعارف الإنسانية، فلم تكن روضة المدارس مجلة سياسية، بل كانت مجلة علمية وأدبية. وفي النصف الثانى من القرن التاسع عشر، وضع رفاعة جلّ مؤلفاته، ومنها «مباهج الألباب المصرية ومناهج الألباب العصرية» ، و «المرشد الأمين في تربية البنات والبنين» ، و «التحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية» وغيرها. وإذا كانت جهود رفاعة الطهطاوى في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر موجّهة لترجمة الكتب التاريخية لتزويد المكتبة العربية بمجموعة من الكتب

стр. 74

المعرّبة، تغطى تاريخ العالم بقدر الإمكان، إلا أننا نجده في النصف الثانى من القرن التاسع عشر خطا خطوة جديدة، وبدأ يؤلف في التاريخ، وفي تاريخ مصر بوجه خاص. ورغم أن الشيخ رفاعة لم يدرك ثورات المصريين ضد الحملة الفرنسية، إذ ولد في نفس السنة التي غادرت فيها الحملة مصر، لكنه سمع عنها الكثير، وقرأ عنها في كتاب الجبرتى «عجائب الاثار» ، وكذلك قرأ الكثير عن الثورة الفرنسية أثناء دراسته في باريس، وقرأ كثيرا من مؤلفات الكتّاب الفرنسيين الذين مهدوا لقيام الثورة الفرنسية، أمثال «روسو» و «فولتير» و «منتسكيو» ، وشهد ثورة فرنسا سنة ١٨٣٠ م، وترجم الدستور الفرنسى الذى وضعه لويس التاسع عشر. لذلك كله اتجه رفاعة- عند ما بدأ التأليف في التاريخ- اتجاها قوميا، ووضع لنفسه خطة ترمى إلى وضع مؤلّف ضخم في تاريخ مصر، منذ عهد الفراعنة إلى العصر الحديث. وكان للجهود التى بذلها علماء الحملة الفرنسية في مصر أثر كبير في لفت الأنظار إلى الاثار المصرية، وكان لعثور رجال الحملة على حجر رشيد، وعكوف علماء فرنسا على قراءة ما عليه من نصوص، وتوفيق العالم الفرنسى «شمبليون» فى فكّ رموز الكتابة الهيروغيلفية، مما مكّن من قراءة النصوص المنقوشة على جدران المقابر والمعابد، والمكتوبة على أوراق البردى وغيرها، وتمكين المؤرخين من التعرف على أسرار الحضارة المصرية القديمة، بعد أن ظلت مجهولة قرونا طويلة. ثم أقبل الباحثون والمنقبون الأوروبيون على الحفر، وكشفوا كثيرا من الاثار المصرية القديمة، وبدأ الأثريون والمؤرخون الأوروبيون يكتبون تاريخ مصر القديم كتابة صحيحة إلى حد كبير. واستفاد رفاعة الطهطاوى من هذه الحركة، وبدأ يؤلف كتابا في تاريخ مصر منذ القدم، وخصص الجزء الأوّل لتاريخ مصر فى عصور الفراعنة، والبطالمة، والرومان، وسمّاه «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر، وتوثيق بني إسماعيل» وقد طبع هذا الجزء في بولاق سنة ١٢٨٥ هـ.

стр. 75

ثم قرر رفاعة أن يؤرخ لمصر في العصر الإسلامي، ولكنه رأى أن يؤرخ أولا للرسول ﵊ بصورة يلتزم فيها بالمنهج العلمي، وجعل هذه السيرة الجزء الثانى من كتابه، وسمّاه «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» . وقد بدأ نشره على حلقات، فى مجلة «روضة المدارس» وهو كتابنا هذا الذى نقدم له. فى هذا الكتاب تتبّع رفاعة حياة الرسول ﷺ منذ مولده إلى وفاته، وأفرد الفصل الأخير للتحدث عن نظام الحكومة في عصر النبى ﷺ ، وعند هذا الجزء وقف قلم الشيخ رفاعة إذ وافته المنية سنة ١٢٩٠ هـ ١٨٧٣ م. توفي ذلك العالم الجليل الذى كان بحق زعيم الحركة العلمية والأدبية في عصر محمد علي، وحتّى عصر إسماعيل، وقد بلغت مؤلفاته المعروفة حتّى الان نحو الثلاثين مؤلفا في شتى العلوم. مؤلفاته ومترجماته جاء في كتاب «اكتفاء القنوع بما هو مطبوع» فى الستة الشهيرين من زمن اليقظة والذى يسميه البعض بدور الاختلاط (أى اختلاط الغرب بالشرق) : ص ٤٠٧: «رفاعة بن رافع الطهطاوى المتوفى سنة ١٢٩٠ هـ» له عدة مصنفات منها: (١) رحلته إلى فرنسا: سماها «خلاصة الإبريز والديوان النفيس» طبعة ١٢٣٠ فى بولاق في عهد محمد على باشا. (٢) «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» طبعت بالقاهرة ١٢٩١ هـ، وهى من أحسن المختصرات في سيرة الرسول ﷺ . (٣) (مطلع شموس السير في وقائع كرلوس الثانى عشر) طبعت في بولاق ١٢٥٧ هـ وهى مترجمة من اللغة الفرنسية عن كتاب الفيلسوف فولتير في سيرة Charles ١٢ من ملوك فرنسا.
следующие страницы →