وتكلّم عن المكتبات وأثرها في هذه الحياة، كما انتقد الفرنسيين في كثير من أخلاقهم، وعوائدهم، وعقائدهم التى لم يكن يقرها.
* وبعد خمس سنوات قضاها الشيخ رفاعة في باريس عاد إلى مصر سنة ١٢٤٦ هـ ١٨٣١ م حيث استقبله المصريون أحسن استقبال.
عين الشيخ رفاعة بعد عودته إلى مصر مترجما بمدرسة الطب، وكان أوّل مصرى يعيّن مترجما بهذه المدرسة، وقام خلال هذه الفترة بمراجعة كتاب «التوضيح لألفاظ التشريح، في الطب البيطري.
ثم نقل رفاعة الطهطاوى سنة ١٢٤٩ هـ ١٨٣٣ م مترجما بمدرسة الطوبجية (المدفعية) بطره، وفيها قام بترجمة بعض الكتب الهندسية والجغرافية اللازمة للمدرسة وغيرها من المدارس الحربية، فأتمّ ترجمة كتاب «مباديء الهندسة» الذى طبع في بولاق سنة ١٨٣٣ م.
ولما كان رفاعة الطهطاوى يعشق علمي: الجغرافيا والتاريخ، منذ كان يتلقى العلم في باريس، فقد بدأ بترجمة كتاب خاص أسماه «التقريبات الشافعية لمريد الجغرافية» وطبعه عام ١٨٣٤ م، كما طبع كتابين ترجمهما في باريس هما «المعادن النافعة» و «قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر» .
وفي أواخر سنة ١٢٥٠ هـ/ ١٨٣٤ م تقدم رفاعة لأولى الأمر باقتراح يتلخص في أن يؤذن له بافتتاح مدرسة للترجمة تعلّم فيها الألسن الشرقية والغربية وبعض المواد المساعدة كالتاريخ والجغرافيا، والرياضة، ليقوم خريجوها بترجمة الكتب في العلوم المختلفة. وأنشئت المدرسة سنة ١٨٣٤، وكان مقرها «سراى الدفتردار» بحى الأزبكية، وكانت تسمى أوّل الأمر «مدرسة الترجمة» ثم صارت «مدرسة الألسن» . وكان الغرض من إنشائها تخريج مترجمين لمصالح الحكومة. ثم اتجهت إلى أن يكوّن من خريجيها قلم يعرف «بقلم الترجمة» ، ثم استقر علي أن يكون هدفها إعداد المترجمين والمدرسين، وإمداد المدارس الخصوصية (العالية) بتلاميذ يعرفون اللغة الفرنسية، وكان رفاعة مديرا لهذه المدرسة، ويقوم بالتدريس فيها.
أما في مجال الصحافة فكان لرفاعة الطهطاوى دور بارز؛ ففى عام ١٨٤٢ م
стр. 72
صدر قرار رسمى عن ديوان المدارس، بتعيين رفاعة الطهطاوى رئيسا لتحرير صحيفة «الوقائع المصرية» وتضمّن هذا القرار دستورا جديدا لهذه الصحيفة، من المحقق أن رفاعة الطهطاوى اشترك بنفسه في وضع مواده، ثم تولى تنفيذ ذلك بطريقة كان لها الفضل كل الفضل في تنظيم الوقائع تنظيما جديدا، والدخول بها فى طور اخر من أطوار حياتها الطويلة المجيدة.
وخليق بنا أن نشير إلى بعض الإصلاحات التي أدخلها الطهطاوي، ومنها:
١- لاحظ أن هذه الصحيفة تكتب باللغتين العربية والتركية، غير أن التركية كانت تحتل اليمين من الصحيفة، بينما العربية تحتل الناحية اليسري، وحين أشرف على الوقائع أصر على أن تكون العربية ناحية اليمين والتركية ناحية اليسار.
٢- لاحظ الطهطاوى أن مواد الصحيفة تكتب أولا بالتركية ثم تترجم بعد ذلك إلى العربية، فإذا كان الأصل التركى سقيما في ذاته فأخلق بالترجمة العربية أن تكون ركيكة سقيمة كذلك. ولذلك وجدنا الطهطاوى يحتم على الصحيفة أن تقدم المواد كلها بالعربية أولا، ثم لا بأس من أن تترجم هذه المواد إلى التركية بعد ذلك.
٣- عنى الطهطاوى في صحيفة الوقائع عناية خاصة بالأخبار المصرية مقدما إياها على الأخبار الخارجية.
وفي سنة ١٨٤٩ تولى عباس الأوّل حكم مصر، وكان رجعيا ضيق الأفق، فأصدر أوامره بإغلاق المدارس الخصوصية، وكانت مدرسة الألسن أوّل مدرسة ألغيت. ولم يقنع عباس بذلك، بل أمر بإنشاء مدرسة ابتدائية بالخرطوم، وأن يتولى تأسيسها رفاعة الطهطاوي. ورغم شعور رفاعة بالأسى لإحساسه بأنه منفي، رغم ذلك قام بواجبه في مدرسة الخرطوم خير قيام، وشغل وقته بترجمة قصة «تليماك» لمؤلفها «فنلون» ، وقد طبعت هذه الترجمة بعد ذلك في بيروت، بعنوان «مواقع الأفلاك في وقائع تليماك» كما عني بتكوين جيل من مثقفى السودان بثّ فيهم روح العلم والمعرفة، وكانوا نواة نهضة علمية مماثلة لتلك التى عرفتها مصر على يديه.
стр. 73
وفي عهد سعيد عاد السيد رفاعة إلى مصر، وكانت له جهود علمية في ميادين أخرى في عهدى سعيد وإسماعيل، أهمها تعيينه وكيلا للمدرسة الحربية تحت نظارة سليمان باشا الفرنساوي، إذ اتجه الرأى يومئذ إلى أن تكون هذه المدرسة نواة لمدرسة جديدة تحتفظ من المدرسة الأولى بصفتها العسكرية، ويتجه التعليم فيها وجهة مدنية بالإكثار من دراسة اللغات والعلوم الأدبية والرياضيات، إلى جانب التعليم العسكري.
أنشئت المدرسة بالقلعة سنة ١٨٥٦ م، وعيّن رفاعة رئيسا لها، فأقبل على عمله الجديد بهمة قويه، يريد أن يجدد بذلك عهد مدرسته القديمة (مدرسة الألسن) .
كما أشرف رفاعة على قلم الترجمة الذى أنشيء في عهد إسماعيل، وقام بترجمة مجموعة من القوانين الفرنسية- بالاشتراك مع نفر من تلاميذه- غير أن نشاط رفاعة توقف مرة أخرى بإلغاء المدرسة الحربية بالقلعة سنة ١٨٦١ م.
واستدعى رفاعة في عهد إسماعيل ليتولى إصدار صحيفة جديدة ينفق عليها ديوان المدارس، وأطلق على هذه الصحيفة «روضة المدارس» . وصدر العدد الأوّل منها في شهر إبريل سنة ١٨٧٠، وكانت تصدر مرتين كل شهر، وكانت هذه المجلة تقصر عنايتها على أخبار الطلبة والامتحانات، ومن أهدافها النهوض باللغة العربية، ونشر المعارف الإنسانية، فلم تكن روضة المدارس مجلة سياسية، بل كانت مجلة علمية وأدبية.
وفي النصف الثانى من القرن التاسع عشر، وضع رفاعة جلّ مؤلفاته، ومنها «مباهج الألباب المصرية ومناهج الألباب العصرية» ، و «المرشد الأمين في تربية البنات والبنين» ، و «التحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية» وغيرها.
وإذا كانت جهود رفاعة الطهطاوى في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر موجّهة لترجمة الكتب التاريخية لتزويد المكتبة العربية بمجموعة من الكتب
стр. 74
المعرّبة، تغطى تاريخ العالم بقدر الإمكان، إلا أننا نجده في النصف الثانى من القرن التاسع عشر خطا خطوة جديدة، وبدأ يؤلف في التاريخ، وفي تاريخ مصر بوجه خاص.
ورغم أن الشيخ رفاعة لم يدرك ثورات المصريين ضد الحملة الفرنسية، إذ ولد في نفس السنة التي غادرت فيها الحملة مصر، لكنه سمع عنها الكثير، وقرأ عنها في كتاب الجبرتى «عجائب الاثار» ، وكذلك قرأ الكثير عن الثورة الفرنسية أثناء دراسته في باريس، وقرأ كثيرا من مؤلفات الكتّاب الفرنسيين الذين مهدوا لقيام الثورة الفرنسية، أمثال «روسو» و «فولتير» و «منتسكيو» ، وشهد ثورة فرنسا سنة ١٨٣٠ م، وترجم الدستور الفرنسى الذى وضعه لويس التاسع عشر.
لذلك كله اتجه رفاعة- عند ما بدأ التأليف في التاريخ- اتجاها قوميا، ووضع لنفسه خطة ترمى إلى وضع مؤلّف ضخم في تاريخ مصر، منذ عهد الفراعنة إلى العصر الحديث.
وكان للجهود التى بذلها علماء الحملة الفرنسية في مصر أثر كبير في لفت الأنظار إلى الاثار المصرية، وكان لعثور رجال الحملة على حجر رشيد، وعكوف علماء فرنسا على قراءة ما عليه من نصوص، وتوفيق العالم الفرنسى «شمبليون» فى فكّ رموز الكتابة الهيروغيلفية، مما مكّن من قراءة النصوص المنقوشة على جدران المقابر والمعابد، والمكتوبة على أوراق البردى وغيرها، وتمكين المؤرخين من التعرف على أسرار الحضارة المصرية القديمة، بعد أن ظلت مجهولة قرونا طويلة.
ثم أقبل الباحثون والمنقبون الأوروبيون على الحفر، وكشفوا كثيرا من الاثار المصرية القديمة، وبدأ الأثريون والمؤرخون الأوروبيون يكتبون تاريخ مصر القديم كتابة صحيحة إلى حد كبير. واستفاد رفاعة الطهطاوى من هذه الحركة، وبدأ يؤلف كتابا في تاريخ مصر منذ القدم، وخصص الجزء الأوّل لتاريخ مصر فى عصور الفراعنة، والبطالمة، والرومان، وسمّاه «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر، وتوثيق بني إسماعيل» وقد طبع هذا الجزء في بولاق سنة ١٢٨٥ هـ.
стр. 75
ثم قرر رفاعة أن يؤرخ لمصر في العصر الإسلامي، ولكنه رأى أن يؤرخ أولا للرسول ﵊ بصورة يلتزم فيها بالمنهج العلمي، وجعل هذه السيرة الجزء الثانى من كتابه، وسمّاه «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» .
وقد بدأ نشره على حلقات، فى مجلة «روضة المدارس» وهو كتابنا هذا الذى نقدم له.
فى هذا الكتاب تتبّع رفاعة حياة الرسول ﷺ منذ مولده إلى وفاته، وأفرد الفصل الأخير للتحدث عن نظام الحكومة في عصر النبى ﷺ ، وعند هذا الجزء وقف قلم الشيخ رفاعة إذ وافته المنية سنة ١٢٩٠ هـ ١٨٧٣ م.
توفي ذلك العالم الجليل الذى كان بحق زعيم الحركة العلمية والأدبية في عصر محمد علي، وحتّى عصر إسماعيل، وقد بلغت مؤلفاته المعروفة حتّى الان نحو الثلاثين مؤلفا في شتى العلوم.
مؤلفاته ومترجماته
جاء في كتاب «اكتفاء القنوع بما هو مطبوع» فى الستة الشهيرين من زمن اليقظة والذى يسميه البعض بدور الاختلاط (أى اختلاط الغرب بالشرق) :
ص ٤٠٧:
«رفاعة بن رافع الطهطاوى المتوفى سنة ١٢٩٠ هـ» له عدة مصنفات منها:
(١) رحلته إلى فرنسا: سماها «خلاصة الإبريز والديوان النفيس» طبعة ١٢٣٠ فى بولاق في عهد محمد على باشا.
(٢) «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» طبعت بالقاهرة ١٢٩١ هـ، وهى من أحسن المختصرات في سيرة الرسول ﷺ .
(٣) (مطلع شموس السير في وقائع كرلوس الثانى عشر) طبعت في بولاق ١٢٥٧ هـ وهى مترجمة من اللغة الفرنسية عن كتاب الفيلسوف فولتير في سيرة Charles ١٢ من ملوك فرنسا.
стр. 76
(٤) (التعريفات الشافية لمريد الجغرافية) طبعت في بولاق ١٢٥٠ هـ، وأيضا ١٢٥٤ هـ، وهى مطوّلة في الجغرافيا مأخوذة عن ٤ أجزاء من جغرافية مالط برون الفرنسية.
(٥) (أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بنى إسماعيل) طبعت في القاهرة ١٢٨٥ هـ في ٥٥٤ ص وهى مفيدة في تاريخ مصر القديم.
(٦) (نظم العقود في كسر العود) قصيدة طبعت في باريس ١٨٢٧ م وهى معرّبة عن شعر نظمه العلّامة اغوب أى يعقوب.
(٧) (المرشد الأمين في تربية البنات والبنين) طبع في بولاق وهو مطوّل في البيداغوجيا (التربية) .
(٨) «مواقع الأفلاك في أخبار تليماك» ترجمها من الفرنساوية، وهي قصة تليماك الأدبية الشهيرة طبعت في بيروت.
(٩) (مباهج الألباب المصرية في مناهج الألباب العصرية) طبعت في ٢٩١ صفحة في بولاق ١٢٨٦ هـ وهى مباحث عن حالة الاداب المصرية في عصره وسياستها وصنائعها وعلومها.
(١٠) (تعريب القانون المدنى الفرنساوي) طبعت في ٢ ج في بولاق سنة ١٢٩٣ هـ.
(١١) (هندسة ساسير) ترجمها من الفرنساوية. طبعت في بولاق.
(١٢) (جمال الاجرومية) وهى منظومة سهلة المأخذ مبنية على الاجرومية الشهيرة.
(١٣) «قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر» جعله على قسمين:
الأوّل في أخلاق أهل بلاد أوروبا، ترجمها عن كتاب العلامة دبينغ في عوائد الأمم وأخلاقها، والثانى معجم الاصطلاحات الجغرافية والتاريخية أخذه عن الفرنساوية طبعت في ٢ ج في بولاق ١٢٤٩ هـ.
стр. 77
(١٤) (قدماء الفلاسفة) ترجمها عن الفرنساوية طبعت في بولاق ١٢٥٢ هـ.
(١٥) (تاريخ قدماء المصريين) طبعت في بولاق ١٢٥٤ هـ.
(١٦) «جغرافية صغيرة» ترجمها من الفرنساوية طبعت سنة ١٢٣٠ هـ في بولاق.
(١٧) «جغرافية عمومية في كيفية الأرض» ترجمها عن الفرنساوية طبعت في بولاق سنة ١٢٣٩ هـ.
(١٨) (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) وهو وصف مدينة باريس طبعت في بولاق سنة ١٢٥٠ هـ.
(١٩) (رسالة المعادن) ترجمها عن الفرنسية طبعت في بولاق سنة ١٢٤٨ هـ.
(٢٠) «بداية القدماء وهداية الحكماء» أوجز فيه التاريخ القديم وأسهب في تاريخ اليونان القديم ومعبوداتهم وحرب ترواس، وهو كتاب مأخوذ عن مصادر عربية وأفرنجية طبعت في ٢٨١ ص في بولاق سنة ١٢٨٢ هـ.
(٢١) (كتاب المنطق) طبع في بولاق سنة ١٢٥٤ هـ، وهو معرّب عن كتاب فرنساوى في المنطق للعلّامة دومارسيس.
(٢٣) (قانون التجارة) ترجمه عن المجلة الفرنساوية طبعت في بولاق سنة ١٢٨٥ هـ.
стр. 78
الباب الأوّل فى مولده الشريف إلى بعثته ﷺ
الفصل الأوّل فى مولده الشريف، ونسبه المنيف «١» . ورضاعه، وكفالته
آباؤه:
هو أبو القاسم: محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك ابن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر بن نزار «٢» بن معد بن عدنان، الذى قيل فيه:
وكم أب قد علا با بن له شرف ... كما علا برسول الله عدنان
وهذا مما لا اختلاف فيه من الاباء، وما فوق ذلك مختلف فيه.
ولا خلاف في أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﷺ ، وإنما الخلاف في عدد ما بين عدنان وإسماعيل من الاباء، فمن مقلّ ومكثر، وكذلك من إبراهيم إلى ادم عليهما الصلاة والسلام، ولا يعلم ذلك على حقيقته إلا الله تعالى.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا انتهى في
стр. 79
النسب إلى معد بن عدنان أمسك وقال: «كذب النسّابون؛ قال الله تعالى وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً «١» » .
وقد أجمع النسابون (العدنانية والقحطانية والأعاجم) علي أن إبراهيم خليل الرحمن ﵇ من ولد سام بن نوح، وأنّ عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉؛ فانتهاء النسب إلى إسماعيل كثير النسل العديد، وذى النبوة العظمى والملك الشديد، متفّق عليه كمال الاتفاق.
وأما أمه ﷺ فهي: امنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، فتجتمع امنة بنت وهب مع زوجها عبد الله بن عبد المطلب في كلاب بن مرة، ويفترقان من ولده. فعبد الله من ولد قصى بن كلاب بن مرة، هاشميّ، وامنة بنت وهب من ولد زهرة بن كلاب بن مرة، فهى قرشية زهرية.
طهارة نسبه ﷺ :
وهو ﷺ مصباح الكون وضياؤه، وخير بنى ادم؛ لأنه من نور الله «٢» فإن الله حين خلق ادم ﵇ وأكمل نشأته واستخرج في عالم الذرّ من ظهره ذريته، وأشهداهم علي أنفسهم «٣» لاحت أنوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكان نور نبينا محمد ﷺ أشرقها صباحا، وأنورها مصباحا، فلم يزل نوره ﷺ رأي العيان في كل الأزمان، ينتقل باهر الضياء من خير الاباء إلى خير الأبناء، حتى انتهى إلى كبير مكة وقريش في الجاهلية: عبد المطلب بن هاشم، ثم إلى أبيه عبد الله الذّبيح الثانى والد نبينا محمد أبى القاسم أشرف الناس
стр. 80
نسبا، عجما وعربا، ذى القدر العليّ والفضل الجليّ، ابن الذبيحين «١» وصاحب النسبتين من الأبوين: بنى هاشم وبنى زهرة، الذى نقله الله من الأصلاب الشريفة إلى الأرحام الطاهرة العفيفة، كما جاء عنه ﵊ أنه قال: «ما ولدتنى بغيّ قط منذ كنت في صلب ادم، فلم تزل تناز عنى الأمم (أى تتنازعني) كابرا عن كابر، حتى خرجت في أفضل حى في العرب: هاشم وزهرة» «٢» فأبوه من بنى هاشم، وأمه من بنى زهرة.
ما زال نور محمد متنقلا ... في الطيّبين الطاهرين ذوي العلا
حتي لعبد الله جاء مكمّلا ... ولبنت وهب قد علا متهلّلا
وهو ﷺ ذو نسب: إبراهيم خليل الله دعامه، وإسماعيل سنامه، وكنانة زمامه، وقريش نظامه، وهاشم تمامه، قال ﷺ : «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار» «٣» وقال الشاعر:
نسب أضاء وشمسه من هاشم ... وسماؤه من يعرب ونزار
من معشر ورثوا السيادة كابرا ... عن كابر فهم كبار كبار
ومن كلام عمه أبى طالب:
إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرّها وصميمها
وإن حصلت أنساب عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإنّ محمدا ... هو المصطفي من سرّها وكريمها
стр. 81
[مولده] :
ولد ﷺ يوم الاثنين «١» حين طلع الفجر، وهو وقت البركة كما قال ﷺ :
«بورك لأمتى في بكورها» «٢» لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل على المشهور. واختلف في عام ولادته ﷺ ؛ فالأكثرون على أنه عام الفيل، وبه قال ابن عباس، وحكي الاتفاق عليه، قيل: وكل قول يخالفه وهم، والمشهور أنه بعد الفيل بخمسين يوما، وإليه ذهب السهيلى في جماعة، وقيل غير ذلك. ويوم الاثنين كانت هجرته ووفاته، وكذا الإسراء «٣» به، قيل: وابتداء نبوته، فلهذا صارت أيامه مبتسمة الثغور ولياليه مشرقة بالنور. وكان ﷺ معتدل الخلق والخلق كما هو مشهور، وكانت ولادته في زمن الملك العادل كسرى أنوشروان، وهو لقب لكل من ملك الفرس. وموضوعيّة* حديث «أنا ولدت في زمن الملك العادل كسرى أنوشروان» لا تمنع من وصف كسرى بالعدل، فقد ذكر الغزالى رحمه الله تعالى في كتاب «السير والسلوك إلى مالك الملوك» أن الخالق جلت قدرته أرسل نبيه في أسعد وقت وأوان، فيه خير الملوك؛ فكان الملك في ذلك الزمان كسرى أنوشروان، وأنه فاق جميع الملوك بعدله وسياسته، وذلك كله
стр. 82
ببركة قدوم سيد الكائنات وأشرف الموجودات؛ فوصف كسرى بالعدل، وإطلاق العدل عليه لتعريفه بالاسم الذى كان يدعى به في زمنه، لا لوصفه بالعدل والشهادة له بذلك؛ فإنه كان يحكم بغير حكم الله، أو وصفه بذلك بناء على اعتقاد الفرس فيه أنه كان عادلا كما قال تعالى: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ [هود: ١٠١] أى ما كان عندهم الهة، ولا يجوز أن يسمّى رسول الله ﷺ من يحكم بغير حكم الله عادلا، وهذا على فرض صحة الحديث، والحق أنه كذب لا أصل له كما نقله الحفّاظ من المتقدمين والمتأخرين.
وكان مولده ﷺ بالشّعب؛ وهو شعب بنى هاشم (مكان معروف عند أهل مكة يخرجون إليه في كل عام يحتفلون بذلك أكثر من احتفالهم يوم العيد إلى يومنا هذا، فى الدار التى كانت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج) «١» .
[أسماؤه ﷺ ] :
وهو ﷺ دعوة إبراهيم ﵇ حين بنى الكعبة دعا لأهل مكة فقال:
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: ١٢٩] ، وبشرى عيسى ﵇ في قوله تعالى: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] وأخرج من حديث عمرو بن مرة قال: خمسة تسموا قبل أن يكونوا: محمد بقوله:
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] ، ويحيى بقوله: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [مريم: ٦] ، وعيسى بقوله: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [ال عمران: ٣٩] وإسحاق ويعقوب بقوله: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١] . وإنما سمى في بشارة عيسى باسم أحمد مع أن اسمه الذى سماه به جده عبد المطلب محمد؛ رجاء أن يحمد في السموات والأرض، وقد حقق الله رجاءه كما سبق في علمه؛ لأن أحمد في الحقيقة أبلغ من محمد، كما
стр. 83
أن أحمر وأصفر أبلغ من محمّر ومصفر، قال ﷺ : «لى خمسة أسماء؛ أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس علي قدمي، وأنا العاقب الذى ليس بعدي نبي» «١» وقد سمّاه الله رؤفا رحيما «٢» .
وقد ذكر الحافظ ابن سيد الناس اليعمرى فيما وافق من أسماء الله الحسنى لأسماء رسول الله ﷺ من قصيدة له فقال:
وحلّاه من حسني أساميه جملة ... أتي ذكرها في الذكر: ليس يبيد
وفي كتب الله المقدس ذكرها ... وفي سنّة تأتي بها وتفيد
رؤف رحيم فاتح ومقدّس ... أمين قوي: عالم وشهيد
وليّ شكور صادق في مقاله ... عفو كريم بالنّوال يعود
ونور وجبار وهاد من اهتدي ... ومولي عزيز ليس عنه محيد
بشير نذير، مؤمن ومهيمن ... خبير عظيم: بالعظيم يجود
وحقّ مبين اخر أوّل سما ... إلى ذروة العلياء وهو وليد
فاخر أعني اخر الرسل بعثة ... وأوّل من ينشقّ عنه صعيد
أسام يلذ السمع إذ هي عدّدت ... نعوت ثناء والثناء عديد
ومن أسمائه ﷺ : طه، يس، والمزّمل، والمدثر «٣» وعبد الله، فى قوله تعالى:
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ [الجن: ١٩] ، ونبى التوبة ونبى الرحمة «٤» ، ومذكّر في
стр. 84
قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية: ٢١] ، إلى غير ذلك من الأسماء.
روى الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ وهم ينتظرون خروجه، قال: فخرج حتّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبا، إن الله ﵎ اتخذ من خلقه خليلا: اتخذ إبراهيم خليلا، وقال اخر: ماذا بأعجب من كلام موسي: كلّمه تكليما، وقال اخر: ماذا بأعجب من جعله عيسى كلمة الله وروحه، وقال اخر:
ماذا بأعجب من ادم اصطفاه الله عليهم وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، فسلّم رسول الله ﷺ على أصحابه، وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم؛ إن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وإن موسى نجيّ الله، وإن عيسى روح الله وكلمته، وإن ادم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا سيد الأوّلين والاخرين ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفّع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين ولا فخر، «١» انتهي، فقوله ﷺ «ألا وأنا حبيب الله» أراد ﷺ المحبة العامة التى منها توحيد المحبة، وهى الخلّة الخاصة؛ فهو ﷺ حبيب وخليل، حيث تخللت المحبة الموجدة في جميع أجزاء روحه ﷺ كما قيل:
قد تخلّلت موضع الرّوح منّي ... وبذا سمّي الخليل خليلا
لا سيما وأنه قد صحّ أن الله اتخذ نبينا خليلا، فحصل له من الإنعام الحبّ العام على الخاص والعام، كما قيل:
خللت بهذا خلّة بعد خلّة ... بذلك طاب الواديان كلاهما
فلا نظر لزعم من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل؛ محتجّا بأن محمدا حبيب الله وإبراهيم خليل الله، وقد علمت ما يفيد خلاف ذلك، لما صحّ عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» وفي الحديث
стр. 85
«لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا» «١» فلم يتخذ أبا بكر إلا حبيبا، على أن المحبة في ذاتها أفضل من الخلة كما هو التحقيق؛ لما أن الحبيب من يحب بلا امتحان، والخليل من يمتحن ليحب، ولأنه ﷺ يوصف بالحبيب وإن كان خليلا، وإبراهيم ﵇ يوصف بالخلة وهو حبيب، لصدق تعريف الحبيب عليه. ولأهل الإشارة* مشرب اخر حسن في مغايرة المحبة والخلة وتفضيل الأولى على الثانية، حيث قالوا: إنما اتصل الخليل بواسطة: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام: ٧٥] ، والحبيب بدونها: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [النجم: ٩] وقد علمت أنه لا حاجة إلى ذلك لعموم المحبة ودخوله فيها، وأن هذه الإشارة الصوفية مطمح النظر فيها سيدنا محمد وسيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
وقد خص الله تعالى كلّ واحد من أنبيائه بكرامة؛ فأكرم ادم ﵇ بسجود الملائكة له وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: ٣٤] ، ونوحا ﵇ بإجابة الدعوة: لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[نوح: ٢٦] ، وموسى ﵇ بالكلام: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: ١٦٤] ، وإبراهيم ﵇ بالخلة وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] ، ونبيّنا محمدا ﷺ بالصلاة عليه بالاية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: ٥٦] .
وقوله: «أنا سيد الأولين والاخرين» إخبار عمّا أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدّث بنعمة الله تعالى عليه، وإعلام لأمته، ليكون إيمانهم به على حسب موجبه، ولذا أتبعه بقوله: «ولا فخر» والمعنى: هذه الفضيلة التى نلتها كرامة من الله لم أنلها من قبل نفسى ولا بلغتها بقوّتي، فليس لى أن أفتخر بها،
стр. 86
ولا يعارض هذا ما في الحديث «أنه جاءه رجل فقال له: أنت سيد قريش، فقال:
السيد الله» «١» أى هو الله الذى يحق له السيادة، إذ هو محمول على أنه كره أن يحمد في وجهه، وأحبّ التواضع، وكذلك ما روي عنه ﵊ «لا تفضّلونى على يونس بن متّى» «٢» أى تفضيلا يؤدى إلى تنقيصه، وإلا فهو ﷺ سيد ولد ادم على الإطلاق، وقد روى عن على رضى الله عنه قال: «سمعت حبيبى رسول الله» يقول: هبط عليّ جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن لكل شيء سيدا؛ فسيد البشر ادم، وسيد ولد ادم أنت، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر، وسيد الطير النسر، وسيد المشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القران، وسيد القران سورة البقرة» «٣» .
[طهارة مولده وشرفه] :
وقد اختصه الله من أطيب العشائر نكاحا، وحماه من دنس الفواحش والسفاح «٤» ، ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة بشهادة: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٩] فكان نور النبوة ظاهرا في ابائه لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت؛ لانتهاء صفوتهما إليه، وقصر
стр. 87
سرّهما عليه، ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرّده نهاية، فلا يشارك فيه ولا يماثل، فلذلك مات أبواه في صغره، فهو سلالة اباء كرام، ليس فيهم مسترذل ولا مستبذل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوّة، ولبعضهم:
تنقّل أحمد نورا مبينا ... تلألأ في وجوه الساجدينا
تقلّب فيهم قرنا فقرنا ... إلى أن جاء خير المرسلينا
روى عن هشام بن محمد السائب الكلبى عن أبيه قال: «كتبت للنبى ﷺ خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان في الجاهلية» . انتهي.
ولعل هؤلاء الأمهات من جهة الأصلين، أى أمهات أبيه وأمه، وأمهات ابائهم وأمهاتهم؛ لإمكان السنين التي تحسب فيها الأجيال.
وعن علي بن أبى طالب رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن ادم إلى أن ولدنى أبى وأمي، لم يصبنى من سفاح الجاهلية شيء» «١» ومن ثمّ ورد عن ابن عباس مرفوعا «لم يلتق أبواى قط على سفاح، ولم يزل الله ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفّى مهذبا؛ لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما» «٢» . وبالجملة فكان نكاح النبي ﷺ كنكاح الإسلام في أنه بإيجاب وقبول، وإن لم يكن مستجمعا للشروط التى اعتبرت فيما بعد في نكاح الإسلام؛ لأن استيفاء شروطه الإسلامية كان
стр. 88
على سبيل الاتفاق دون القصد، أو المراد كنكاح الإسلام في الجملة؛ لأن إسلام الولى أو عدالته أمر متعذر قبل الإسلام، خصوصا أيام الجاهلية، فنكاح أصوله ﷺ منزّه عن السفاح، أى عن الزنا واتخاذ الأخذان، وما كانوا عليه في الجاهلية من نحو نكاح زوجة الأب، حيث أنهم كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل منهم وخلّف أولادا كبارا وصغارا، فالكبار يتزوجون بزوجة أبيهم.
وبالجملة فهو ﷺ مبرّأ عمّا كانت تستعمله العرب في الجاهلية من أنواع السفاح التى لا تعدّ في الإسلام نكاحا.
فقد كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء:
الأوّل: نكاح كنكاح الناس اليوم، أى إيجاب وقبول.
الثاني: نكاح البغايا، وهو أن يطأ البغيّ جماعة متفرقون، واحدا بعد واحد، فإذا حملت وولدت ألحقت الولد بمن غلب عليه شبهه منهم.
الثالث: نكاح الاستبضاع، وذلك أن المرأة كانت في الجاهلية إذا طهرت من حيضها يقول لها زوجها: «أرسلى إلى فلان استبضعى منه» ويعتزلها زوجها، ولا يمسّها أبدا حتّى يتبين حملها، فإذا حملت أصابها زوجها إذا أحب.
الرابع: نكاح الجمع وهو أن تجمع جماعة دون العشرة، ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات، كلهم يطئونها فإذا حملت ووضعت ومرّ عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتّى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: «قد عرفتم الذى كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان» ، تسمّى من أحبت منهم فيلحق به ولدها، فلا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، وإن لم يكن شبهه عليه.
فنكاح اباء النبى ﷺ وأمهاته كان من قبيل القسم الأوّل، ومنزها عما عداه، فقد طهره الله من أدناس الجاهلية، ومنحه الأخلاق الجميلة العليّة، حتى إنه ما كان يدعى في قومه إلا بالأمين، وكيف لا وهو حبيب الله وخليله المختار من العالمين المسدّد المعصوم في البداية والنهاية، وكم قد ذكر له في الصغر وقبل النبوة وبعدها من اية، وهذا من أعظم العناية به ﷺ ، حيث أجرى الله نكاح ابائه ﵊ إلى أن أخرجه ﷺ من بين أبويه على
стр. 89
نمط واحد وفق شريعته، ولذلك قال الإمام السبكي: «إن الأنكحة الواقعة في نسبه ﷺ كلها مستجمعة لشروط الصحة كأنكحة الإسلام، قال: فاعتقد هذا بقلبك وتمسّك به، ولا تزلّ عنه فتخسر» .
وما نقل عن أبى المنذر أنه قال: بلغنا أنّ رسول الله ﷺ ذكر العزّى يوما فقال: «لقد أهديت للعزّى شاة عفراء، وأنا علي دين قومي» فكذب على رسول الله ﷺ وافتراء عليه؛ حيث قد أطبق الإجماع على أنه ﷺ لم يتدنس هو ولا اباؤه مما كانت عليه الجاهلية، وما أقبح من يروم التصنيف ويجعل في مصنفه مثل هذا الكذب القبيح، فإنه ينادى على نفسه بعدم المعرفة والاتصاف بالجهالة والسفه، ولم يكن شيء مثل ذلك إلا لكفار قريش، حيث كانوا يطوفون بالكعبة ويقولون: واللات والعزّى ومناة الثالثة الاخري، فإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي، ولم يثبت شيء من ذلك في حق أحد من ابائه ﷺ على عمود النسب. وقد فسر العلماء قوله تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
[الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] أى يرى تقلبك وأنت نور في أظهر الساجدين، بمعنى في أصلاب وأرحام المؤمنين من لدن ادم وحواء إلى عبد الله وامنة، فعلى هذا جميع أصوله- رجالا ونساء- مؤمنون.
ثم أورد على هذا ازر أبو إبراهيم فإنه على دين قومه بمقتضى الايات!؟
وأجابوا عنه بجوابين:
أحدهما: أنه كان عم إبراهيم لا أباه، وتسميته أبا علي عادة العرب من تسمية العم أبا.
وثانيهما: أن اباءه ﷺ لم يدخلهم الشرك ذكورا وإناثا ما دام النور المحمدى في الذكر والأنثي، فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد الله وغيره، وازر ما عبد الأصنام إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم ﵇، وأما قبل فلم يعبد غير الله، وهذا الجواب الثانى المفيد لتنزه النور المحمدى عن أن يكون قد حلّ فى أصل غير طاهر ما دام ساكنا فيه، فهو وإن استحسنه بعض العلماء إلا أنه لا يخلو من إخلال بالنسب؛ إذ كيف يسكن النور المحمدى في صلب طاهر ورحم نقي، ثم يخبث الأصل بانتقال النور، فهذا مما لا يليق بلفظ «الساجدين» الذى عبر به عن المؤمنين بكمال البلاغة في التجوّز عن (المؤمنين) إلى (المصلين) ،
стр. 90
ثم إلى (الساجدين) ، ولو فسّر قوله: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ بما مشى عليه بعض المفسرين بقوله: إنه أراد تعالى تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبى إلى نبى حتي أخرجك في هذه الأمة، لما ورد على هذا القول كفر ازر، وإنما يكون المراد بالساجدين اباؤه من الأنبياء فقط، مع أن القصد التعميم، ولكن لا مانع من أن يكون المراد بالاباء الساجدين الذين أولهم إبراهيم ﵇ صاحب الملّة الحنيفية، ويؤيده مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ «١» مِنْ قَبْلُ [الحج: ٧٨] وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إبراهيم: ٣٥] وقوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٤٠] فلن يزال من ذرية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله.
وورد عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف: ٢٨] قال: الإخلاص والتوحيد، لا يزال في ذريته من يواحد الله ويعبده. انتهى.
وهذا كله إذا فسرنا الاية بهذا التفسير المعقول المعنى، الذى نسبه الفخر الرازى عنتا للشيعة، مع أنه منقول عن أهل السنة، كما يعلم ذلك من اطلع على التفاسير الاخرى القرانية، ويا ليت ذلك الإمام عضّد تفسير الاية بخبر: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» بل قال: إنه خبر احاد، فلا يعارض القران، فالذي يجب اعتقاده: طهارة نسبه ﷺ .
ولا يرد على ذلك قوله ﷺ لعمه أبى طالب الذي نزل فيه قوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] الاية: «يا عمّ قل لا إله إلا الله: كلمة أحاجّ لك بها عند الله تعالى، فقال: يا ابن أخي قد علمت إنك لصادق، ولكن أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك وعلي بني أبيك غضاضة بعدي
стр. 91
لقلتها، ولأقررت بها عينيك عند الفراق، لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك» ثم أنشد:
ولقد علمت بأنّ دين محمّد ... من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت فيه أمينا
لكن سوف أموت على ملة أشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف» . انتهي.
لأنه لا يبعد أن تكون ملة عبد المطلب وهاشم وعبد مناف هى ملة إبراهيم، حيث هم من أصوله.
وحكى عن هشام بن الكلبى أنه قال: «لما احتضر أبو طالب جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه» إلى أن قال:
«وإنى أوصيكم بمحمد خيرا؛ فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان، مخافة الشنان، وأيم الله كأنى أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الوبر والأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وأعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها.
يا معشر قريش: كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلّا سعد، ولو كان لنفسى هذه مدة، ولأجلى تأخّر لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي» ثم مات.
وكان موته قبل الهجرة بثلاث سنين وأربعة أشهر، قبل موت خديجة رضى الله عنها بثلاثة أيام، وله من الولد: طالب، ومات على دين قومه، وعقيل، وجعفر، وعليّ، ومن الإناث ثنتان: أم هانيء (واسم هانيء فاختة وقيل هند وقيل فاطمة) ، وجمانة، أسلموا ولهم صحبة، وأمهم جميعا: فاطمة بنت أسد بن هاشم، والعقب من أبى طالب في ثلاثة أبطن، وهم: العلويون أولاد علي، والجعفريون أولاد جعفر، والعقيليون أولاد عقيل.
стр. 92
وعلى كل حال فالحذر كل الحذر من ذكر أبوي النبى) بما فيه نقص؛ فإن ذلك قد يؤذى النبى) ؛ لأن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه تأذّى ولده بذلك عند المخاطبة، كيف وقد روى ابن منده وغيره عن أبى هريرة قال: «جاءت سبيعة بنت أبى لهب إلى النبى) فقالت: يا رسول الله إن الناس يقولون: أنت بنت حطب النار. فقام رسول الله ﷺ وهو مغضب، فقال: ما بال أقوام يؤذوننى في قرابتي، ومن اذانى فقد اذى الله!» وقد قال ﵊: «لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات» «١» ولا ريب أن إيذاءه كفر، يقتل فاعله إن لم يتب، خصوصا وأن أبويه، ناجيان «٢» لأنهما من أهل الفترة، وأهل الفترة ناجون ولو عبدوا الأصنام، إلا أفرادا علم الله فيهم أمرا فحكم عليهم بالكفر كحاتم الطائي «٣» وامرئ القيس. (والفترة ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام) ، وقد دلّت القواطع على أنه لا تعذيب حتّى تقوم الحجة لقوله تعالى:
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] أو بإحيائهما له عام حجة الوداع حتي امنا بالله ورسوله. ونفع الإيمان بعد الموت من خصائصه ﷺ ، وليس بممتنع عقلا وشرعا؛ فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بنى إسرائيل،
стр. 93
وإخباره عن قاتله، وقصته مشهورة وفي الكتب مسطورة. وكان عيسى ﵇ يحيى الموتى بنص القران، فأحيا عازر بعد موته بثلاثة أيام، وابن العجوز وهو محمول على نعشه، وابنة العاشر، فعاشوا مدة وولد لهم. وكذلك نبينا ﷺ أحيا الله علي يديه جماعة من الموتي «١» ، ولا غرو فهو أحق بذلك، والظن بالله جميل، وليس تعجز قدرته عن ذلك، فإذا ثبت هذا فما يمتنع المدّعى أى إيمانهما بعد إحيائهما، وبكون ذلك زيادة في كرامته وفضله- فقول من قال: «إنهما ماتا كذا لأن الإيمان بعد الموت غير نافع» مردود بما روى في الخبر أن الله تعالى ردّ الشمس على نبيه ﷺ بعد مغيبها، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا، وأنه لا يتجدد الوقت لما ردّها عليه، فكذلك يكون إحياء أبويه نافعا لإيمانهما وتصديقهما بالنبى ﷺ ، ولا بدع أن يكون الله كتب لأبوي النبى ﷺ عمرا، ثم قبضهما قبل استيفائه، ثم أعادهما- أى أحياهما- لاستيفاء تلك اللحظة الباقية بالمدة الفاصلة بينهما؛ لاستدراك الإيمان من جملة ما أكرم الله به نبيه ﵊.
وقال بعض الأفاضل في حل هذه المسألة ما ملخصه: إن أهل الفترة ثلاثة أقسام:
الأوّل: من أدرك التوحيد ببصيرته، ومن هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من دخل في شريعة حقّ قائمة الرسم كتبّع وقومه من حمير، وأهل نجران، وورقة ابن نوفل، وعمه عثمان بن الحويرث.
القسم الثانى من أهل الفترة: من بدّل وغيّر فأشرك ولم يوحّد، وشرّع لنفسه، فحلّل وحرم، وهم الأكثر كعمرو بن لحي، وهو أوّل من سنّ للعرب عبادة
стр. 94
الأصنام وشرّع الأحكام فبحّر البحيرة وسيّب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحام، وتبعته العرب في ذلك.
القسم الثالث من أهل الفترة: وهم من لم يشرك ولم يوحّد، ولا دخل في شريعة نبيّ ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع دينا، بل بقى طول عمره على حال غفلة من هذا كله، وفي الجاهلية من كان على ذلك.
وحيث انقسم أهل الفترة إلى ثلاثة أقسام، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يدل على تعذيب أهل الفترة، كحديث «رأيت عمرو بن لحيّ يجر قصبه في النار، «١» ونحو ذلك، فيحمل على القسم الثانى من أهل الفترة لكفرهم بما تعدّوا به من الخبائث؛ حيث أن الله سمى جميع هؤلاء من هذا القسم كفارا ومشركين، فإنّا نجد القران كلما حكى حال أحد منهم سجّل عليهم بالكفر والشرك، كقوله تعالى ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة: ١٠٣] ثم قال: وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ.
وأما أهل القسم الأوّل كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل، فقد قال ﵊ في كل منهما: «إنه يبعث أمّة واحده» .
وأما عثمان بن الحويرث وتبّع وقومه وأهل نجران: فحكمهم كحكم أهل الدين الذى دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم بالإسلام الناسخ لكل دين.
وأما أهل القسم الثالث الذين هم أهل الفترة حقيقة، فهم غير معذبين، وقال الجلال السيوطي «٢» : إن أبوى النبى ﷺ كانا على التوحيد ودين إبراهيم، كما كان كذلك طائفة من العرب، كزيد بن عمرو بن نفيل، كما يدل عليه قوله:
أربّا واحدا أم ألف ربّ ... أدين إذا تقسمّت الأمور
تركت اللات والعزّي جميعا ... كذلك يفعل الرجل البصير
стр. 95
وقسّ بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وعمير بن حبيب الجهني، وعمرو بن عنبسة وجماعة اخرين.
وهذه طريقة الفخر الرازي، وزاد: «إن اباء النبى ﷺ كلهم إلى ادم على التوحيد، لم يكن فيهم شرك» ، وقال الجلال السيوطى أيضا: «إنى لم أدّع المسألة إجماعية، بل هى مسألة ذات خلاف، فحكمها كحكم سائر المسائل المختلف فيها، غير أنى اخترت أقوال القائلين بالنجاة لأنه أنسب بهذا المقام» .
جديث إحياء الله أبويه: وما أحسن كلام الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين بن عبد الله بن محمد الدمشقى المولود سنة سبع وسبعمائة ٧٠٧ هـ، حيث قال في كتابه «مورد الصادى بمولد الهادي» بعد أن أخرج الحديث في إحياء أمه من طريق الخطيب، فصرّح بضعف الحديث، ولم يلتفت لزعم وضعه، وكفى به حجة:
حبا الله النبي مزيد فضل ... علي فضل، وكان به رؤوفا
فأحيا أمّه وكذا أباه ... لايمان به فضلا منيفا
فسلّم فالقديم بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا
وقد ردّ بعضهم علي هذه الأبيات بقوله:
أيقنت أنّ أبا النبي وأمّه ... أحياهما المولي الكريم الباري
حتى له شهدا بصدق رساله ... سلّم فتلك كرامة المختار
هذا الحديث ومن يقول بضعفه ... فهو الضعيف، عن الحقيقة عاري
ولئن سلّم أنه من قسم الضعيف، فهو الذى تجوز روايته في الفضائل والمناقب، لا بمعنى الموضوع، وقال أبو القاسم السهيلى في أوائل كتابه «الروض الأنف» بعد إيراد حديث أنه ﷺ سأل ربه أن يحيى أبويه فأحياهما له فامنا به ثم أماتهما: «والله تعالى قادر على كل شيء، ونبيه ﷺ أهل لأن يخصه بما شاء من إكرامه» . انتهي.
وقد أيّد بعضهم هذا الحديث بالقاعدة التى اتفق عليها الأئمة: أنه ما أوتى نبيّ معجزة إلا أوتى نبينا ﷺ مثلها.
стр. 96
ولا يبعد على من أنجى به الثقلين «١» أن ينجى به الأبوين، ولا عبرة باحتجاج المنكر في هذا المقام العظيم، بأنه نزل فيهما: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [البقرة: ١١٩] فقد تقرر في علوم الحديث أن سبب النزول حكمه حكم الحديث المرفوع، لا يقبل منه إلا الصحيح المتصل الإسناد، لا الضعيف ولا المقطوع، وسبب النزول لا يعرف له (كما قال السيوطي) إسناد صحيح متصل، ولا ينكر ذلك أحد من المحدثّين، مع ما ينضم إلى ذلك من بلاغة الخطاب، وأن الايات من قبل ومن بعد كلها في أهل الكتاب، فدلّت الاية علي أن المراد بأصحاب الجحيم كفار أهل الكتاب، ويؤيد ذلك أن السورة مدنية، خوطب فيها من بنى إسرائيل الذرية، وأكثر ما خوطب فيها اليهود الناقضون ما في التوراة من العهود، على أنه قد قيل بصحة الأحاديث الدالّة على أن العرب لم يكفر منهم أحد من عهد إبراهيم إلى عهد عمرو بن لحيّ الخزاعيّ، فهو أوّل من عبد الأصنام وغيّر دين إبراهيم ﵇، وراه النبى ﷺ بسبب ذلك يجرّ قصبه فى النار، أى أمعاءه. وقد أخرج ابن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال:
«كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم؛ فلا تذكروهم إلا بخير» . وفي الروض الأنف «لا تسبّوا إلياس فإنه كان مؤمنا» وفي دلائل النبوة لأبى نعيم أن كعب بن لؤى أوصى ولده بالإيمان بالنبي، قاله السيوطي، وقال أيضا: «وأما كلاب وقصىّ وعبد مناف وهاشم فلم أظفر فيهم بنقل جازم» .
وأما عبد المطلب ففيه خلاف «٢» والأشبه أنه من أهل الفترة، وممن لم تبلغه الدعوة، وقد استشهد القبيل القائل بإيمانه بقوله في قصة أصحاب الفيل:
لا همّ إنّ المرء يمنع ... حلّه فامنع حلالك
لا يغلبنّ صليبهم ومح ... الهم غدوا محالك
جرّوا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك
إن كنت تاركهم وكع ... بتنا فأمر ما بدا لك
стр. 97
وقوله «حلالك» قال الخشني: بكسر الحاء المهملة جمع حلة وهي جماعة البيوت، والذى في النهاية «الحلال» بالكسر: القوم المقيمون المتجاورون، يريد بهم سكان الحرم، وقوله «ومحالهم» بكسر الميم: القوة والشدة، وقوله «غدوا» بالغين المعجمة: هو أصل الغد، وهو اليوم الذى يأتى بعد يومك، فحذفت لامه، ولم يستعمل تامّا إلا في الشعر، ولم يرد عبد المطلب الغد بعينه، وإنما أراد القريب من الزمان.
ولا يشكل علي ذلك قصة الذبيح؛ فإنّ النذر لا يقتضى عدم الإيمان، ولا عدم نجاة أهل الفترة، وكذلك إرادة الذبح عند الأصنام الموجودة في الكعبة، فإنّ هذه محض عوائد لا عقائد، كما سيأتى ذكره.
وبيانها أن عبد المطلب لما أراد حفر زمزم منعته قريش منه، واذاه بعض سفائهم، ولم يكن له ولد إلا الحارث، فنذر لئن جاء له عشرة بنين وصاروا له أعوانا ليذبحن أحدهم قربانا لله تعالى عند الكعبة.
وقيل: سبب ذلك إنّ عدى بن نوفل بن عبد مناف (أبو المطعم) قال: يا عبد المطلب أتستطيل علينا وأنت فذّ لا ولد لك؟! فقال عبد المطلب: أتقول هذا، وإنما كان نوفل أبوك في حجر هاشم! فقال عدي: فأنت أيضا كنت عند أخوالك من بنى النجار حتّى ردّك عمك المطلب، قال: أبا لقلة تعيّرنى!؟ فو الله لئن اتانى الله عشرة من الولد ... إلى اخره.
واحتفر عبد المطلب زمزم هو والحارث، فكانت له فخرا وعزّا، وكثر أولاده.
واختلف في عدد أولاد عبد المطلب؛ فقيل: ثلاثة عشر، وقيل اثنا عشر، وقيل عشرة، وقيل تسعة. فمن قال ثلاثة عشر، قال هم: الحارث، وأبو طالب، والزبير، وعبد الكعبة، وحمزة، والعباس، والمقوّم، وحجل، وضرار، وقثم، وأبو لهب، والغيداق، فهؤلاء اثنا عشر، وعبد الله أبو النبى ﷺ الثالث عشر.
ومن جعلهم عشرة: أسقط عبد الكعبة وقال: هو المقوّم، وجعل الغيداق وحجلا وضرارا واحدا، ومن جعلهم تسعة أسقط قثم أيضا، وقد أسلم حمزة والعباس، وأن أبا لهب وأبا طالب أدركا النبوة فمات أبو لهب على دين قومه، وذهب الأكثرون إلى أن أبا طالب مات أيضا علي دين قومه.
стр. 98
ولما حفر عبد المطلب زمزم ودلّه الله عليها وخصّه بما زاده بها خطرا وشرفا فى قومه، وعطلت كلّ سقاية كانت بمكة حين ظهرت، وأقبل الناس عليها لالتماس بركتها، ومعرفة فضلها لمكانها من البيت، وأنها سقاية الله لإسماعيل ﵇، وتكامل بنوه عشرة، وقرّت عينه بهم، نام ليلة عند الكعبة فرأى في المنام قائلا يقول: يا عبد المطلب أوف بنذرك لرب هذا البيت.
فاستيقظ فزعا، وأمر بذبح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين، ثم نام فرأي: أن قرّب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرّب جملا وأطعمه للمساكين، ثم نام فنودي أن قرّب ما هو أكبر من ذلك، فقال: وما هو أكبر من ذلك؟ فقيل له: أحد أولادك الذى نذرته، فاغتمّ غما شديدا، وجمع أولاده وأخبرهم بذلك، وطلب منهم الوفاء بالنذر، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع قال: ليأخذ كل واحد منكم قدحا (بكسر القاف أى سهما بغير نصل) وليكتب اسمه عليه ثم ليأتنى به، ففعلوا، ثم أتوه فدخل بهم على هبل، فدفع عبد المطلب القداح إلى القيّم، فلما أخذ ليضرب قام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله، ويقول: اللهم إنى نذرت لك نحر أحدهم، وإنى أقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت. ثم ضرب السادن القدح فخرج القدح علي عبد الله، وكان أحبّ ولده إليه، فقبض عبد المطلب يده عليه وأخذ الشفرة وأقبل به إلى إساف ونائلة (صنمين عند الكعبة تذبح عندهم الهدايا) فقام إليه سادة قريش من أنديتها، وقالوا له: ما تريد أن تصنع؟ قال: أو في بنذري، فقالوا:
لا ندعك تذبحه حتّى تعذر فيه إلى ربك، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه فيذبحه ويكون سنّة، ولكن انطلق به إلى قطية الكاهنة (والكاهنة التى تخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان وتدّعى معرفة الأسرار) وقيل: اسمها سجاح (على ما ذكر ابن إسحاق) ، فلعلها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك. فانطلقوا حتّى أتوها بخيبر، وقصّ عبد المطلب عليها القصة، فقالت لهم: كم الدية فيكم؟
فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قرّبوا صاحبكم، وقرّبوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشرة أخرى، وهكذا حتّى يرضى ربكم ويخلص صاحبكم، فإذا خرجت علي الإبل فانحروها، فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم.
فرجع القوم إلى مكة وقرّبوا عبد الله وعشرة من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو فقال: اللهم أهو أحب إليك أم مائة من الإبل؟ والذى في «الإمتاع» : اللهم أهو
стр. 99
أحب إليك أم مائة من تلاد إبلى؟ (وتليد المال وتلاده: قديمه ونفيسه) فخرجت القداح على عبد الله، ولم يزل يزيد عشرا عشرا حتّى بلغت الإبل مائة، فخرجت القداح على الإبل، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك صارت الدية مائة من الإبل، فنحرت المائة كلها، وتركت لا يصدّ عنها إنسان ولا طائر ولا سبع، وأوّل من سنّ الدية مائة من الإبل عبد المطلب، ولهذا قال ﷺ : «أنا ابن الذبيحين» «١» ويعني بهما والده عبد الله وجدّه إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وروى الحاكم أنّ أعرابيا قال للنبى ﷺ : «يا ابن الذبيحين» فتبسم ولم ينكر عليه «٢» .
فدخول عبد المطلب بالقداح على هبل ودفعها إلى القيّم، وإقباله على إساف ونائلة قصدا للتذكية والذبح، كل هذا لا يقدح في تبرئته من عبادة الأصنام، فهذه الحركات الصادرة من قبيل العوائد لا العقائد، بدليل قوله: «اللهم إنى نذرت لك نحر أحدهم، وإنى أقرع بينهم فأصب بذلك من شئت» فإن هذا أدلّ دليل على اعترافه بالألوهية مع ما ينقل عنه أنه كان مجاب الدعوة، محرّم الخمر على نفسه، وأنه أوّل من تحنّث بحراء، وكان إذا استهل رمضان صعده وأطعم المساكين، وكان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال. وذكر ابن اسحق أن عبد المطلب وجد في زمزم غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم حين خرجت، ووجد فيها أسيافا قلعية «٣» وأدراعا، فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق، قال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بينى وبينكم، يضرب عليها القداح، قالوا: وكيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولى قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له،
стр. 100
ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له. فقالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها عند هبل، وقام عبد المطلب يدعو وصاحب القداح يضرب بها، فخرج الأصفران على الغزالين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع، وتخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين، فكان أوّل ذهب حلّيته الكعبة.
و «هبل» بضم الهاء وفتح الباء: صنم اتخذته قريش علي بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هى التى تجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عنده قداح سبعة، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل «١» إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله. وقدح فيه: «نعم» للأمر، إذا أرادوه، يضرب به في القداح، فإن خرج قدح: نعم، عملوا به. وقدح فيه «لا» إذا أرادوا الأمر ضربوا به في القداح؛ فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه «منكم» ، وقدح فيه «ملصق» ، وقدح فيه «من غيركم» ، وقدح فيه المياه، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح فحيثما خرج عملوا به، وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا منكحا أو يدفنوا ميتا أو شكّوا في نسب أحدهم، ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها، ثم قرّبوا صاحبهم الذى يريدون به ما يريدون، ثمّ قالوا: يا إلهنا، هذا فلان ابن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج لنا الحقّ فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه «منكم» كان منهم وسيطا، وإن خرج عليه «من غيركم» كان حليفا، وإن خرج عليه «ملصق» كان على منزلته فيهم؛ لا نسب له ولا حلف، وإن خرج في شيء مما سوى هذا ممّا يعملون به «نعم» عملوا به. وإن خرج «لا» أخّروه عامه ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. هذا ما ذكره ابن هشام.
والذى ذكره غيره، أنهم كانوا إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على
стр. 101
أحدها «أمرنى ربي» ، وعلى الاخر «نهانى ربي» والثالث غفل؛ فإن خرج الامر مضوا علي ذلك، وإن خرج الناهى تجنبوا عنه، وإن خرج الغافل أجالوها ثانيا اهـ.
والقداح جمع قدح (بكسر القاف وسكون الدال) هو السهم الذى كانوا يستقسمون به، يقال للسهم أوّل ما يقطع: قطع (بكسر القاف وسكون الطاء) ، ثم ينحت ويبرى فيسمّى بريا، ثم يقوّم قدحا، ثم يراش ويركّب نصله فيسمى سهما، والقدّاح: صانعها، وهى الأزلام المذكورة في قوله : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ [المائدة: ٣] جمع (زلم كجمل) ، و (زلم) كصرد. اهـ.
* وأما عبد الله فكان أيضا صاحب أمانة وصيانة، كما يفهم ذلك من واقعته مع الخثعمية؛ وذلك أنه مرّ بامرأة من خثعم- بعد انصرافه مع أبيه عبد المطلب من نحر الإبل- يقال لها فاطمة بنت مرّة، وكانت من أجمل النساء وأعفهن، وكانت كاهنة قد قرأت الكتب، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله، فقالت له- حين نظرت إلى وجهه- وكان أحسن رجل رؤي في قريش- «لك مثل الإبل التى نحرت عنك وقع عليّ الان» لما رأت في وجهه من نور النبوة، ورجت أن تحمل بهذا النبى الكريم ﷺ ، فأجابها بقوله:
أمّا الحرام فالممات دونه ... والحلّ: لا حلّ فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه
وفي لفظ: «فالحمام دونه» بكسر الحاء المهملة بمعناه، وقيل: هو قدر الموت وقضاؤه، من قولهم: حمّ كذا أي: قدر بالبناء للمفعول، والمعنى: الموت أيسر من فعل المحرم. وقوله: أما الحرام، سماه حراما وإن لم يكونوا أهل شرع؛ لأن الزنا مما علموا حرمته من بقايا دين إبراهيم ﵇، إذ يحتمل أن حرمة الزنا وحل النكاح من الأحكام التى كانت باقية من شريعة إبراهيم ﵇ ولم تغيّر، وقد صرّح بذلك السهيلي. وقوله: «يحمى الكريم» إلى اخره، أي لو لم يكن فى هذا الفعل مؤاخذة، فالمروءة تمنع منه، وكرم الكريم وعرضه يمنعانه من مثل ذلك.
ويقال: إن التى عرضت عليه من بنى أسد بن عبد العزّي، واسمها قتيله
стр. 102
(بضم القاف وفتلله المثنّاة الفوقية) ، وقيل «رقيقة» (بضم الراء وفتح القاف بعدها مثناة تحتية ثم قاف أخرى بعدها تاء تأنيث تقلب في الوقف هاء) تكني: أم قتال، وهى أخت ورقة بن نوفل رضى الله عنه، ويقال: إن التى عرضت عليه «ليلى العدوية» . والجمع ممكن لاحتمال أن يكون مرّ عليهن كلهن ودعوته؛ لما رأين من النور في وجهه، كما لا يخفي. والجمهور على أنها قتيلة.
[زواج أبيه بأمه] :
ولما أراد الله إظهار السر المصون الساري في الظهور والبطون من عالم الخفاء إلى عالم الظهور، ليتمّ بذلك كمال الصفا ومزيد السرور، ألهم عبد المطلب أن يذهب إلى وهب بن عبد مناف، وهو سيد بنى زهرة يومئذ نسبا وشرفا، فخطب منه ابنته امنة أفضل امرأة في قريش حسبا ونسبا وجمالا لولده عبد الله، فزوّجه إياها ودخل بها مكانه، فحملت برسول الله ﷺ من ليلتها، ثم ذكر فاطمة الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه ودعته نفسه؛ فأتاها فقال لها: هل لك فيما كنت عرضت علي وليس المراد أنها دعته إلي طلب الزنا والميل ألبتة، فقد علم انتفاء ذلك من قوله: «يحمى الكريم عرضه» ، وإنما المراد أن نفسه دعته ليختبر السبب الحامل لها على أن طلبت منه ما طلبت؛ مع جعل المائة من الإبل في ذلك الطلب. فقالت:
لا تطلبنّ الأمر إلا مقبلا ... قد كان ذاك مرة؛ فاليوم لا
فذهبت (أى الجملة) مثلا، أى سارت مثلا؛ وهو كلام شبّه مضربه بمورده؛ ويقال لكل من أذن له في شيء لنيل غرض منه، ففوّت المأذون له الغرض؛ فامتنع الاذن من تمكين المأذون له من فعل المأذون فيه. وقالت: أي شيء صنعت بعدي قال: وقعت على زوجتى امنة، فقالت: والله لست بصاحبة ريبة، ولكنى رأيت نور النبوة في وجهك فأردت أن يكون ذلك فيّ، فأبى الله إلا أن يجعله حيث جعله.
فكان يرضى الخلّاق، ويتمسك بمكارم الأخلاق، ويدل على ذلك كله، واستمرار التوحيد في ذرية إبراهيم وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إبراهيم: ٣٥] فقد تحققت دعوته لا سيما في اباء النبى ﷺ :
حفظ الإله كرامة لمحمد ... اباءه الأمجاد صونا لاسمه
تركوا السفاح فلم يصبهم عاره ... من ادم وإلى أبيه وأمه
стр. 103
* ومات أبوه ﷺ وله سنتان، وقيل غير ذلك، ودفن بالأبواء على الراجح.
وكفلته أمه امنة، وماتت بالأبواء (محل بين مكة والمدينة) وتقدم نسبها من جهة الأب في أوّل الفصل. وأما نسبها من جهة الأم فهى بنت برّة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب، فتلتقى هى وزوجها وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب: فى كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، ويفترقان في ولد كلاب، فبرّة من ولد قصى بن كلاب، ثم من ولد عبد الدار، فهى قرشية عبدرية، وزوجها من ولد زهرة بن كلاب، فهو قرشى زهري.
ولما ولدت السوداء بنت زهرة بن كلاب، وهى عمة وهب أبى امنة، أرسل بها أبوها من يئدها، فخرج الوائد حتي أتي بها الحجون، فحفر لها ووضعها في حفرتها، فصاح صائح من الجبل: «يا وائد الصبية: ربّ فرس ردود، ومطعم يجود، فى السنة الجلمود، من الصبية الوئيد» فرفع رأسه فلم ير أحدا، فعاد لأن يئدها، فصاح به «يا وائد الصبية، امض ودعها عنك في البرية؛ إنّ لها علما في الأنسية» .
فرجع بها إلى أبيها فأخبره الخبر، فقال: دعها فإن لها شأنا. فعمّرت. وكانت تقول: يا بنى زهرة: إن فيكم لنذيرة، أو والدة نذير، فاعرضوا عليّ نساءكم.
فعرضن عليها حتّى مرت بها الشفّاء أم عبد الرحمن ابن عوف، فقالت: ليست بها، ولتلدنّ، فولدت عبد الرحمن. وعرضت عليها بنت عبد الحارث، أم عبد الله بن مسعود، فقالت: ليست بها، ولتلدنّ، فولدت عبد الله بن مسعود، وعرضت عليها هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، فقالت: ليست بها، ولتلدن، فولدت حمزة وصفية والمقوّم بنى عبد المطلب، وعرضت عليها امنة بنت وهب، فقالت: إنها لنذيرة، ولتلدن نذيرا، فولدت رسول الله ﷺ .
ولم يتزوج عبد الله غير امنة لا قبلها ولا بعدها، كما أنها لم تتزوج بغير عبد الله لا قبله ولا بعده، ولم تلد غير النبي، فهو بكر أبويه ﷺ .
ولمّا مات أبوه لم يترك له ﷺ سوى جاريته أم أيمن (بركة الحبشية) مع أمه؛
стр. 104
وبعد أمه زوّجها لحبه زيد ابن حارثة، فولدت لزيد أسامة الذى قال فيه ﷺ :
«أسامة أحبّ الناس إليّ» .
* وكفله جده عبد المطلب وأكرمه غاية الإكرام وأجلّه لعلمه أنه سيصير له إقبال عظيم يحقق.
* ثم كفله عمه أبو طالب، وكان موظفا بوظيفة الرفادة؛ وهي إطعام الطعام لسائر الحجاج أيام الموسم، فكانت تمد لهم الأسمطة حيث هم ضيوف بيت الله الحرام، وكان أبو طالب يحبه حبا شديدا زائدا على أولاده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج معه متى خرج، وجاءت قريشا سنة شديدة القحط، فخرج أبو طالب ومعه النبى ﷺ يستسقى به، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بأصبعه ﷺ ، فأقبل السحاب متراكما، ونزل المطر كأفواه القرب، فأخصب الوادى والنادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامي عصمة للأرامل
وهى أكثر من ثمانين بيتا ذكرها ابن إسحاق، والثمال (بكسر المثلاثة: الملجأ) ، وعصمة الأرامل: أي يمنعهم من الضياع والحاجة، والأرامل: المساكين من الرجال والنساء، ويقال لكل واحد من الفريقين علي انفراده: أرمل، وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالا، والواحد أرمل وأرملة، وأنشأ أبو طالب في مدح النبى ﷺ أبياتا منها هذا البيت:
وشقّ له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمد
وحسان بن ثابت ضمّن شعره هذا البيت فقال:
ألم تر أنّ الله أرسل عبده ... باياته، والله أعلي وأمجد
أغرّ عليه للنبوّة خاتم ... من الله مشهود يلوح ويشهد
وضمّ الإله اسم النبي إلي اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذّن أشهد
وشقّ له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمد
نبيّ أتانا بعد يأس وفترة ... من الدين والأوثان في الأرض تعبد
وأرسله ضوا منيرا وهاديا ... يلوح كما لاح الصقيل المهند
стр. 105
[تعبده ﷺ قبل البعثة] :
وكان رسول الله ﷺ يبغض حضور الأصنام مع قومه، ولم يأكل مما ذبح على النّصب، وما عبد غير الله، وما شرب خمرا، وكذلك الأنبياء لم يعبدوا سوى الله قبل أن يوحى إليهم؛ فإنهم معصومون عن الكبائر والصغائر، وعن الكفر قبل البعثة بالاتفاق. واختلف في تعبده ﷺ : هل كان بشريعة من قبله أو لا؟ فقيل:
إنه كان متعبدا بشريعة موسي، وقيل بشريعة عيسي، وقيل بشريعة إبراهيم، وقيل بشريعة نوح ﵈، وقيل إنه لم يكن متعبدا، والمختار أنه كان متعبدا قبل البعث؛ لأنه ثبت أنه كان متعبدا في غار حراء، والتعبد لا يكون إلا بشريعة؛ لأن الحاكم هو الشرع عند أهل الحق، وعلى مذهب المعتزلة (القائلين بحكم العقل) الأمر أظهر؛ إذ العبادة لا تتوقف على هذا التقدير على شريعة.
[رضاعه] :
وأرضعته أمه سبعة أيام، ثم أرضعته ثويبة الأسلمية بلبن ابنها مسروح، وكانت أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وكان أسنّ من النبى ﷺ بأربع سنين علي الصحيح، وقيل بسنتين، فهو عمه من النسب، وأخوه من الرضاع، وأمه بنت عم أمه؛ لأن حمزة أمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وامنة هى بنت وهب بن عبد مناف، وكان عبد المطلب تزوج هالة أم حمزة بعد نحر الإبل فداء لعبد الله قبل عام الفيل بخمس سنين، فلم يكن حمزة داخلا في القرعة، فلا يبعد كون حمزة أسن من النبى ﷺ بأربع سنين وأنه أرضعته ثويبة قبله لجواز أن تكون أرضعت النبي ﷺ في اخر رضاع ابنها، وأرضعت حمزة فى أوله، وأما على القول بأن حمزة رضى الله تعالى عنه أسن من النبى ﷺ بسنتين، فلا إشكال في الرضاع. وكان النبى ﷺ يبعث إلى ثويبة من المدينة بصلة وكسوة. واختلف في إسلامها، وأثبته ابن منده.
وكذلك أرضعته ثويبة مع أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى القرشى المخزومى زوج أم سلمة، أسلم بعد عشرة أنفس، وهاجر مع امرأته أم سلمة إلى أرض الحبشة، وهو أوّل من هاجر إليها وشهد بدرا واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة فى غزوة العشيرة، وتوفى سنة ثلاث من الهجرة، وقال لما احتضر: «اللهم اخلفنى في أهلى بخير» ، فخلفه رسول الله ﷺ على زوجه أم سلمة رضى الله
стр. 106
عنها، وله من الولد: سلمة، وعمرو، ودرة، وزينب أمهم أم سلمة. وكانت ثويبة جارية أبى لهب، فأعتقها حين بشرته بولادته ﷺ عتقا منجزا، ثم جعلها ترضعه بعد ولادته أياما.
وذكر عروة بن الزبير أن أبا لهب رؤى في النوم بشرّ حيبة «١» فقيل له: ماذا لقيت فقال له: لم ألق بعدكم رخاء، غير أنّى سقيت في هذه منى بعتاقتى ثويبة، (وأشار إلى النقيرة التي بين الإبهام والتى تليها من الأصابع) . (وفي رواية أن الرائى كان من أهله، وأنه أخوه العباس بن عبد المطلب، قال: مكثت حولا بعد موت أبى لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: «ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفّف عنى كل يوم اثنين» وذلك أن رسول ﷺ ولد يوم الاثنين «٢» ، وكانت ثويبة مولاته قد بشرته بمولده، وقوله: (بعتاقتي) ، بفتح العين أحد مصادر عتق العبد الذى هو فعل لازم) فالحكمة في التعبير به دون التعبير بالإعتاق، وإن كان هو الأنسب؛ لأن العتاقة أثر الإعتاق، فلذلك أضافها لنفسه. قال ابن بطال: ومعنى قوله (سقيت في هذه الخ) : أن الله سقاه ماء في مقدار نقرة إبهامه، لأجل عتقه ثويبة. قال ابن حجر: واستدل به على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، وهو مردود بظاهر قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً «٣» [الفرقان: ٢٣] لا سيما والخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدّثه به، وعلى تقدير أن يكون موصلا فلا يحتجّ به؛ إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي. لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبى ﷺ مخصوصا بذلك، بدليل التخفيف عن أبى طالب «٤» المرويّ في الصحيح. وعلى هذا جرى جمع؛ قال البيهقي: ما ورد من بطلان الخير للكفار
стр. 107
معناه أنهم لا يكون لهم التخلّص من النار، ولا دخول الجنة، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذى يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم ثمّ سوى الكفر، بما عملوه من الخيرات. والذى قاله القاضى عياض: [انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض. قال الحافظ: وهذا لا يردّ الاحتمال الذى ذكره البيهقي؛ فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر، وأمّا ذنب غير الكفر، فما المانع من تخفيفه؟] وقال القرطبي: [هذا التخفيف خاصّ بهذا، وبمن ورد النص فيه] ، وقال ابن المنيّر: [هما فضيلتان إحداهما محال، وهى اعتبار طاعة الكافر مع كفره؛ لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر، وإثبات ثواب على بعض الأعمال: تفضل من الله تعالى، وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبى لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبى طالب، والمتبّع في ذلك التوقيف نفيا وإثباتا قال الحافظ: فوقوع التفضيل المذكور إنما هو إكرام لمن وقع البرّ من الكافر لأجله، وهو النبى ﷺ ] انتهي.
قال ابن الجوزي: فإذا كان هذا حال أبى لهب الذى مات على دين قومه، ونزل القران بذمه: جوزي بعد موته جزاء بفرحه بمولد محمد ﷺ ؛ فما حال المسلم المواحد من أمته يفرح ويسرّ بمولده ﷺ ، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ﷺ من الصدقات لعمرى إنما يكون جزاؤه من المولى الكريم أن يدخله بفضله وكرمه جنات النعيم.
ولله درّ حافظ الشام: شمس الدين محمد بن ناصر الدمشقي، حيث قال:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمّه ... وتبّت يداه في الجحيم مخلّدا
أتي أنه في يوم الاثنين دائما ... يخفّف عنه للسرور بأحمدا
فما الظنّ بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسرورا؛ ومات موحّدا
مات أبو لهب بداء «العدسة» فى مكة على دين قومه بعد بدر بسبعة أيام، وكان قد بلغه خبر بدر ولم يشهدها.
والعدسة: بثر كانت تخرج على الناس، تزعم العرب أنها تعدي، شبيهة بالطاعون.
стр. 108
* وعلى ذكر الطاعون؛ فقد ورد النهى عن دخول بلد فيها الطاعون؛ لأن الدخول إلى موضع النّقم تعرّض للهلكة، فالمقام بالموضع الذى لا طاعون فيه أسكن للقلب، فليتأدب الشخص بأدب الحكمة، وهى الفرار من الهلاك ولا يعارضها بالقدر الذى تضمنته اية: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا (٥١) [التوبة: ٥١] .
ولهذا قال عمر لأبى عبيدة رضى الله عنهما حين قال: أتفرّ من قدر الله!؟:
يا أبا عبيدة، لو غيرك قالها!؟ جواب الشرط محذوف يدل عليه السياق «١» : ...
نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.
ولما رمى أبو لهب بالعدسة تباعد عنه بنوه، فبقى ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يدفن، فلما خافوا السبّة دفعوه بعود في حفرته، ثم قذفوه بالحجارة من بعد حتّى واروه. وذكر أن عائشة كانت إذا مرت بموضعه غطت وجهها.
وله من الولد ثلاثة: عتبة، وعتيبة، ومعتب، ومن الإناث: درة، وسبيعة، أسلم منهم اثنان يوم فتح مكة ولم يهاجرا من مكة حتّى ماتا ولهما بها عقب. ودرة وسبيعة أسلمتا، وكان عتبة ومعتب قد هربا من الإسلام، فأرسل إليهما عمهما العباس، فقدما وأسلما، فسرّ بذلك ﵇، وشهدا معه حنينا والطائف. وأما عتيبة فإنه لما أسلمت أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ فارقها، وقال: يا محمد فارقت ابنتك وتركت دينك، فلا تحب لى خيرا أبدا. فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه، فخرج إلى الشام تاجرا، فلما كان في بعض الطريق جاءه الأسد ففزع وقال: أترى ابن أبي كبشه «٢» قاتلى وهو بمكة وأنا بالشام! فأدخله أصحابه بينهم وتوسّطوا به جميعهم، فلما كان في بعض الليل أتاهم الأسد فتعدّاهم رجلا رجلا، حتى أتى إليه فشدخه من بينهم، وفيه قال حسان:
من يرجع العام إلي أهله ... فما أكيل السبع بالراجع
وأما أبوهما أبو لهب، وأمهما أم جميل، حمّالة الحطب، فيكفيهما ما أنزل الله
стр. 109
فيهما من قوله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ السورة، وقال بعض العلماء في أولاد أبى لهب:
كرهت عتيبة إذ أجرما ... وأحببت عتبة إذ أسلما
كذلك معتب اسلم فاح ... ترز أن تسبّ فتى مسلما
ومثل عتبة وعتيبة في الصلاة والفحش: عبد الله وعبيد الله ابنا جحش؛ فإنّ عبد الله تبيّن وتبصّر فأسلم، وعبيد الله افتتن وتنصّر فأجرم، وإن الأكبر هو الأفضل والأصغر هو الأرذل.
* ثم أرضعت النبى ﷺ حليمة السعدية بنت أبى ذؤيب (تصغير ذئب) واسمه عبد الله بن الحارث، ومن سعادتها توفيقها للإسلام «١» هى وزوجها الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة السعدى وبنوها: عبد الله، والشيماء، وأنيسة، وقد ألّف الحافظ أبو سعيد علاء الدين بن مغلطاى في إسلامها جزا وسماه (التحفة الجسيمة في إسلام السيدة حليمة) وقال في سيرته: «وبقيت حليمة حتّى قدمت على رسول الله ﷺ بمكة، وقد تزوج خديجة، فشكت إليه جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلّم لها خديجة فأعطتها أربعين شاة وبعيرا، وانصرفت إلى أهلها.
وقدمت عليه أيضا في يوم حنين، فقام لها وبسط لها رداءه، فجلست عليه وقضى حاجتها، فلما توفى ﷺ قدمت على أبى بكر الصديق فصنع لها مثل ذلك، ثم عمر، ففعل ذلك. وأنشد في اخر الجزء المذكور:
أضحت حليمة تزدهي بمفاخر ... ما نالها في عصرها ذو شان
منها الكفالة والرضاع وصحبة ... والغاية القصوي: رضي المنّان
ومضمون قصتها مع اختصار: أنها قدمت مكة من البادية في سنة قحط شديدة لم تبق لهم شيئا صحبة عشر نسوة من قومها يلتمسن الرضعاء، ومعها ابن لها رضيع مجهود، وزوجها أبو أولادها الحارث، وكلاهما من بنى سعد بن
стр. 110
بكر بن هوازن، فلم يبق منهن امرأة إلا وقد عرض المبارك عليها فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم، ثم أخذته هي «١» إذ لم تجد غيره، فرأته مدرجا في ثوب صوف أبيض يفوح منه المسك، وكان راقدا على قفاه، فهابت أن توقظه، فوضعت يدها على صدره فتبسّم ضاحكا، وفتح عينيه فقبّلته وأعطته ثديها الأيمن فقبله، وحوّلته إلى الأيسر فأبي؛ لأن الله ألهمه العدل وأعلمه أن له شريكا هو ابنها فترك له ثديها الأيسر، وكانت هى وناقتها في أشد الجوع والهزال وعدم اللبن، فبمجرد أن وضعته في حجرها أقبل (أى درّ عليه) ثديها فروى وروى أخوه، ودرت ناقتهم فأشبعتهم تلك الليلة لبنا، فلمّا أصبحت ودّعت أمه امنة وركبت أتانها، فلما خرجت مع قومها سبقت أتانها الكلّ بعد أن كانت لا تنهض بها، فأنكر صويحباتها أنها هي، فلمّا علمنها قلن: إن لها شأنا عظيما. ولما وصلوا منازلهم كانت أجدب أرض الله، فكانت غنم حليمة ترجع ملاى، بخلاف غنمهم، مع أنها كلها بمحلّ واحد، فلله درّها من بركة كثرت بها مواشي حليمة ونمت وارتفع قدرها به وسمت، ولم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة، وتفوز منه بالحسنى وزيادة، وقيل:
لقد بلغت بالهاشميّ حليمة ... مقاما علا في ذروة العز والمجد
وزادت مواشيها وأخصب ربعها ... وقد عمّ هذا السعد كلّ بني سعد
ولا يخفى أن قدوم نساء بنى سعد للرضعاء إنما كان لطلب الأجر على الرضاع.
قال السهيلى رحمه الله تعالى: والتماس الأجر على الرضاع لم يكن محمودا عند أكثر العرب، حتى جرى المثل «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها» «٢» أى ولا