← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وعن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجل أنصلِّي في مناخ الإبل؟ قال: لا، ولكن صلِّ في مرابض الغنم. رواه مالك وغيره (١). وعن عبد الله بن عمرو قال: تُكرَه الصلاة إلى حشٍّ، وفي حمَّام، وفي مقبرة (٢). وقال إبراهيم: كانوا لا يصلون التطوع. فإذا كانوا في جنازة، فإن حضرت صلاة مكتوبة تنحَّوا عن القبور، فصلَّوا. رواهما سعيد (٣). وقد قدَّمنا عن عمر وغيره من الصحابة أنهم نهَوا عن قراءة القرآن في الحمام، فكيف بالصلاة التي لا بَّد فيها من القراءة، والتي يشترط لها ما لا يشترط لمجرَّد القراءة. وهذه مقالات انتشرت، ولم يُعرَف لها مخالف، إلا ما رُوي عن يزيد ابن أبي مالك قال: كان واثلة [ص ١٥٢] بن الأسقع يصلِّي بنا صلاة الفريضة في المقبرة، غير أنه لا يستتر بقبر. رواه سعيد (٤). وهذا محمول على أنه تنحَّى عنها بعضَ التنحِّي، ولذلك قال: «لا يستتر بقبر». أو لم يبلغه نهيُ رسول الله ﷺ عن الصلاة فيها، فلما سمع النبيَّ ﷺ ينهى عن الصلاة إليها (٥)

стр. 1157

لأنه هو راوي هذا الحديث (١)، ولم يبلغه النهيُ عن الصلاة فيها= عمِلَ بما بلغه، دون ما لم يبلغه. وأمَّا الأحاديث المشهورة في جعل الأرض مسجدًا، فهي عامَّة، وهذه الأحاديث خاصَّة. وهي تفسِّر تلك الأحاديث، وتبيِّن أن هذه الأمكنة لم تُقصَد بذلك القول العامِّ. ويوضِّح ذلك أربعة أشياء: أحدها: أنَّ الخاصَّ يقضي على العام، والمقيَّد يفسِّر المطلق، إذا كان الحكم والسبب واحدًا، والأمر هنا كذلك. الثاني: أنَّ قوله: «جُعِلت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا» بيانٌ لكون جنس الأرض مسجدًا له، وأنَّ السجود عليها لا يختصُّ بأن تكون على صفة مخصوصة، كما كان في شرع من قبلنا. لكنَّ ذلك لا يمنع أن تعرِضَ للأرض صفةٌ تمنع السجود عليها. فالأرضُ التي هي عطَن أو مقبرة أو حمام، هي مسجدٌ، لكنَّ اتخاذها لما [ .... ] (٢) له مانع عرض لها إخراجُها عن حكمها. ولو خرجت عن أن تكون حمّامًا أو مقبرةً لكانت على حالها. وذلك أنَّ اللفظ العامَّ لا يُقصَد به بيانُ تفاصيل الموانع، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقد عُلِم أنَّ العقد لا بدَّ فيه من عدم الإحرام، وعدم العِدَّة، ولا بدَّ له من شروط وأركان. الثالث: أنَّ هذا اللفظ العامَّ قد خُصَّ منه الموضعُ النجسُ اعتمادًا على

стр. 1158

تقييده بالطهارة في قوله ﵇: «كلُّ أرض طيِّبة» (١)، وتخصيصُه بالاستثناء المحقَّق والنهي الصريح أولى وأحرى. الرابع: أن تلك الأحاديث إنما قُصِد بها بيانُ اختصاص نبيِّنا ﷺ وأمته بالتوسعة عليهم في مواضع الصلاة، دون من قبلنا من الأنبياء وأممهم حيث حُظِرت عليهم الصلاة إلا في المساجد المبنيِّة للصلاة، فذكر ﷺ أصلَ الخصيصة والمزية، ولم يقصِد تفصيلَ الحكم. واعتضد ذلك بأن هذه الأماكن قليلة بالنسبة إلى سائر الأرض، فلما اتفق قلَّتُها وأنه لم يتمحَّض المقصود لبيان أعيان أماكن الصلاة ترَكَ استثناءَها. فأما أحاديث النهي، فقصد بها بيان حكم الصلاة في أعيان هذه الأماكن، وهذا بيِّن لمن [ص ١٥٣] تأمَّله. وما ذكروه من تعليل النهي، فسنتكلَّم عليه إن شاء الله. إذا ثبت ذلك، فمن صلَّى فيها غيرَ عالم بالنهي فهل تجب عليه الإعادة؟ على روايتين شبيهتين بالروايتين بالتوضؤ من لحم الإبل لغير العالم. وكثير من متأخري أصحابنا ينصرون البطلان مطلقًا للعمومات لفظًا ومعنًى. والذي ذكره الخلال أن قوله استقرَّ أن (٢) لا إعادة. وهذه أشبه، لاسيَّما على قول من يختار منهم أنَّ من نسي النجاسة أو جهلها لا إعادة، فيكون الجهل بالحكم فيها كالجهل بوجود النجاسة إذا كان ممن يُعذَر. ولأنَّ النهي لا يثبت حكمه في حقِّ المنهيِّ حتى يعلم، فمن لم يعلم فهو كالناسي، وأولى. ولأنه (٣) لو صلَّى صلاة فاسدة لنوع تأويل، مثل أن يمسَّ

стр. 1159

ذكره أو يلبس (١) جلود السباع ويصلِّي، ثم يتبيَّن له رجحان القول الآخر لم تجب عليه الإعادة مع سمعه للحجَّة. فالذي لم يسمع الحجة يجب أن يُعذَر لذلك، إذ لا فرق بين أن يتجدَّد له فهمٌ لمعنًى لم يكن قبل ذلك، أو سماعٌ لعِلمٍ لم يكن قبل ذلك، إذا كان معذورًا بذلك؛ بخلاف من جهل بطلانَ الصلاة في الموضع النجس، فإنَّ هذا مشهور. ولو صلَّى في موضع لم يعلم أنه مقبرة، ثم تبيَّن له أنه مقبرة، فهنا ينبغي أن يكون كما لو صلَّى في موضع نجس لا يعلم بنجاسته، ثم علِمَ بعد ذلك، وقد تقدَّم قولُ عمر لأنس: «القبرَ، القبرَ». ولم يأمره بالإعادة لأنه لم يكن يعلم أنَّ بين يديه قبرًا. الفصل الرابع أنَّ أكثر أصحابنا لا يصحِّحون الصلاة في شيء من هذه المواضع، ويجعلونها كلَّها من مواضع النهي ومنهم من لم يعدَّ مواضع النهي إلا أربعة فقط، وهي: المقبرة، والحُشّ، والحمّام، وأعطان الإبل؛ سوى الموضع النجس والمغصوب. وهذا هو الذي ذكره الشيخ ﵀، وهو مقتضى كلام الخِرَقي وغيره لوجهين: أحدهما: أنَّ النهي إنما صحَّ في المقبرة والحمَّام وأعطان الإبل. والحُشُّ أسوأ حالًا منها، فأُلحِقَ بها. وسائرُ الأمكنة مدارها على حديث ابن عمر، وإسناده ليس بالقوي، ولا يعارض عموم الأحاديث الصحيحة، لاسيَّما

стр. 1160

وقد استثنى في حديث أبي سعيد المقبرة والحمام خاصَّةً دون غيرهما، وقال: «الأرض كلُّها مسجد». الثاني: أنَّ النهي إنما كان لأنها مظِنَّة النجاسة. وهذه العلة يمكن الاحتراز عنها غالبًا في تلك المواضع، فلا تبطل الصلاة مع تيقُّن اجتناب النجاسة غالبًا. والأول أظهر لوجهين: أحدهما: الحديث المذكور. وقد تقدَّم الجواب عن تضعيفه، لاسيَّما والحديثُ الذي يسمِّيه [ص ١٥٤] قدماء المحدِّثين ضعيفًا مثل هذا خيرٌ من القياس والمجمل، أعني ما ذُكِر فيه الحكمُ جملةً وإن كان بصيغة العموم. وهو أحقُّ أن يتَّبع منه، على ما هو مستوفًى في مواضعه من أصول الفقه، فكيف إذا لم يعارضه إلا عمومٌ ضعيفٌ لكونه مخصوصًا بصور كثيرة، أو قياس ضعيف؟ ثم إن بعض تلك المواضع قد جاء فيها نصوص أخرى مثل جوادِّ الطريق (١) ومثل ظهر بيت الله الحرام (٢)، فإنَّ فيه آثارًا عن الصحابة. والمزبلة والمجزرة أولى بالمنع من الطريق والحمَّام، فصار ذلك الحديث معتضدًا بالآثار التي توافقه، وبفحوى الخطاب الذي يطابقه. وقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: «الأرض كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام» (٣) يشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون إنما استثنى ما على هيئة مخصوصة لا يصلح أن

стр. 1161

تكون إلا على الوجه المنهيِّ عنه، فإنَّ المقبرة والحمَّام لهما هيئة مخصوصة يتميزان بها عن سائر البقاع. وأعطانُ الإبل والمزبلةُ ونحو ذلك فإنَّها لا تتميَّز بنفس هيئة الأرض، وإنما تتميَّز بما يكون فيها. الوجه الثاني: القياس في المسألة. وفي ذلك ثلاثة (١) مسالك. أحدها ــ وهو مسلك كثير من أصحابنا، منهم أبو بكر والقاضي وغيرهما ــ: أنَّ الحكم ثبَت تعبُّدًا، فيتعلَّق (٢) بنفس الأسماء ومفهومها من غير زيادة ولا نقص. وإذا قال بعض الفقهاء: هذا الحكم تعبُّد، فله تفسيران: أحدهما: أن يكون الحكم شُرع ابتلاءً وامتحانًا للعباد، ليتميز المطيع عن العاصي، ويثاب المطيع على محض الطاعة والانقياد والإسلام، كما يعاقَب العاصي على محض المعصية والمخالفة، وإن لم يكن في نفس العمل ــ لولا الأمر ــ معنًى يقتضي العمل. ومثلُ هذا أمرُ الله خليلَه بذبح ابنه، وتحريمُه على أصحاب طالوت أن يطعَموا من النهر إلا غرفة واحدة. وكثيرٌ من الأحكام من هذا النمط. وهذا التعبد حقٌّ واقعٌ في الشريعة عند أهل السنَّة خلافًا للمعتزلة ونحوهم، إلَّا أنَّ الصلاة في هذه الأماكن ليست ــ والله أعلم ــ من هذا القبيل؛ لأنه قد أشير فيها (٣) إلى التعليل. ولأنَّ مواضع الصلاة مبنيَّة على التوسعة والإطلاق في شريعتنا، ولا تناسب الحَجْر والتضييق. ولأنه لا بد أن تشتمل هذه الأماكن على معانٍ

стр. 1162

اقتضت المنعَ عن الصلاة فيها وامتازت بتلك المعاني عن غيرها، وإلا كان النهيُ عنها دون غيرها تخصيصًا بغير مخصِّص. ولأنَّ من أنعَمَ (١) النظرَ علِمَ اشتمالَها على معانٍ انفردت بها عن غيرها. التفسير الثاني: أن يُعنَى بالتعبد أن المكلَّف لم يطَّلِع على حِكمة [ص ١٥٥] الحكم جملةً ولا تفصيلًا، مع أنَّ العمل يكون مشتملًا على وصفٍ لأجله عُلِّق به الحكم، سواء كان الوصف حاصلًا قبل نزول الشريعة وإرسال نبيِّنا ﷺ ، أو إنما حصل بعد الرسالة. والحكم المعلَّق به قد يُطلَق على نفس خطاب الله الذي هو الأمر والنهي والإباحة، وعلى موجَبِ الخطاب الذي هو الوجوب والحرمة والحِلّ. والأول إضافة إلى الفعل، والثاني: صفة ثابتة للفعل لكنها صفةٌ أثبتها الشارع له. وقد يطلَق الحكمُ على التعلُّق الذي بين الخطاب وبين الفعل. وقد يعنى بالحكم أيضًا صفة ثابتة للفعل قبل الشرع، أظهرها الشرع، كما يقوله بعض أصحابنا، منهم التميمي وأبو الخطاب. وأكثرهم لا يُثبت حكمًا قبل الشرع، وإنما كان ثابتًا عندهم بعضُ علل الأحكام. فمن قال: إنَّ الحكم في هذه المواضع تعبد بهذا التفسير، فقد ذكر أنه لم يظهر له حكمةُ الحكم على وجه منضبط، فأدار الحكمَ على الاسم. فهذا مسلك سديد (٢) في نفسه، وإن لم يكشِف فقهَ المسألة. والمسلك الثاني: مسلك طائفة من أصحابنا وغيرهم. علَّلوا الصلاة

стр. 1163

بالمقبرة، بأن التراب يختلط بصديد الموتى ورطوباتهم، فيتنجَّس. ومن قال هذا من أصحابنا قال: لما كانت المقبرة في الجملة مظنَّةَ النجاسة عُلِّق الحكم، وإن تخلَّفت الحكمة في (١) آحاد الصور، لأنَّ المذهب لا يختلف عندنا أنه لا فرق بين المقبرة الحديثة والعتيقة، وإن كان بعض الفقهاء يجوِّز الصلاة في المقبرة الجديدة لزوال هذه المفسدة. وكذلك علَّلوا الصلاة في الحمَّام بأنه مصَبُّ الاقذار والأوساخ من البول والدم وما تولَّد منه والقيء وغير ذلك. وهذا في الحُشِّ والمزبلة والمجزرة ظاهر. وكذلك الطريق هو مظنَّة أرواث الدواب وأبوالها. وأمَّا أعطان الإبل، فعلَّلها بعضُ الناس بنجاسة أبوالها. وأجاب أبو بكر وغيره عن ذلك بأنه لو كان كذلك لم يكن فرق بين أعطان الإبل وبين مرابض الغنم، لأنَّ فيها أبوالها أيضًا، وحكمُ بول الإبل والغنم واحد. وعلَّل ذلك بعضهم بأنَّ فيها شِماسًا (٢) ونُفورًا، فربما نفرت، فأفزعت المصلِّي، وقطعت (٣) صلاته، وخَبَطته. وهذا المعنى معدوم في الغنم لضعف حركتها وسكونها. وأجاب [أبو] (٤) إسحاق بن شاقْلا وغيره عن ذلك بأنه لو كان كذلك لما صلَّى النبيُّ ﷺ إلى البعير (٥)، ولما صلَّى عليه (٦). وأيضًا لو

стр. 1164

كان كذلك لما صلَّى بين الإبل في السفر؛ وهو خلافُ سنَّة المسلمين، وخلافُ ما كان يفعله رسول الله ﷺ وأصحابه. وأيضًا فلو كانت هذه العلَّة لكان النهيُ عن الصلاة عندها سواء كان في أعطانها، أو غير أعطانها ولم يكن [ص ١٥٦] النهي عن الصلاة في مباركها وأعطانها، سواء كانت حاضرة أو غائبة. وقال بعضهم: إن مواضعها مناخ الركبان، وكانوا يبولون ويتغوَّطون في أمكنتهم، ثم يرتحلون. فنهى أن يصلَّى في أمكنتها لموضع أبوال الناس. وقال بعضهم: معنى الحديث أنه كره الصلاة في السهول من الأرض، لأنَّ الإبل إنما تأوي إليها، وتعطِنُ فيها. والغنم إنما تُبَوَّأ (١) وتُراح إلى الأرض الصلبة. قال: والمعنى في ذلك أنَّ الأرض الخوَّارة التي يكثر ترابها ربما كانت فيها النجاسة، فلا يبين موضعها، ولا يأمن المصلِّي أن تكون صلاته فيها على نجاسة. فأمَّا العَزَاز الصُّلب من الأرض، فإنَّه ضاحٍ بارز، لا يخفى موضع النجاسة إذا كانت فيه. وهذا تكلُّف بارد. فإنَّ الأول يقتضي أن النهي عن مواضعها في الأسفار. وليس بشيء، فإنَّ الصلاة في تلك المواضع جائزة بالسنة الماضية، ولأنَّ المعطِن إمَّا موقفها (٢) عند صَدَرها عن الشرب، أو المكان الذي تأوي اليه. والثاني يقتضي كراهةَ الصلاة في كلِّ موضع سهل، وهو باطل. ثم هو خلاف تعليل الشارع ﷺ . ثم إنَّ ما ذكره من الفرق بين معاطن الإبل

стр. 1165

ومرابض الغنم ليس بمطَّرِد (١)، بل ربما كان الأمر بخلاف ذلك. المسلك الثالث: تفسيرُ النهي عن الصلاة في هذه المواضع وتوجيهه بما دلَّ عليه كلامُ رسول الله ﷺ . فأما القبور، فإنَّ الصلاة عندها تعظيمٌ لها، شبيهٌ بعبادتها، وتقرُّبٌ بالصلاة عندها إلى الله سبحانه. أما من يقصد هذا فظاهر، مثل من يجيء إلى قبر نبيٍّ أو رجلٍ صالحٍ، فيصلِّي عنده متقرِّبًا بصلاته عنده إلى الله سبحانه. وهذا نوع من الشرك وعبادة الأوثان، بل هو أحد الأسباب التي عُبِدَت بها الأوثان. قيل: إنهم كانوا يصلُّون عند قبور صالحيهم، ثم طال العهد حتى صوَّروا صُوَرَهم، وصلَّوا عندها، وعكفوا عليها، وقالوا: إنما نعبدهم ليقرِّبونا إلى الله زلفى. ولمَّا كان النصارى قد ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، كان العكوف عند القبور والتماثيل فيهم أكثرَ. ولهذا قال ﷺ عن الكنيسة التي أُخبِر عنها: «إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنَوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور. أولئك شِرارُ الخلق عند الله يوم القيامة» (٢).

стр. 1166

وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد. واشتدَّ غضبُ الله [ص ١٥٧] على قوم اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» (١). وقال ﵇: «إنَّ من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا، فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، فإنِّي أنهاكم عن ذلك» (٢). فإنما نهى عن ذلك، لأنَّ الصلاةَ عندها واتخاذَها مساجدَ ضربٌ من عبادة الأوثان، وسببٌ إليه، لأنَّ عُبَّاد الأوثان ما كانوا يقولون: إنَّ تلك الحجارة والخشب خَلَقتهم، وإنما كانوا يقولون: إنها تماثيل أشخاص معظَّمين من الملائكة أو النجوم أو البشر، وإنَّهم بعبادتهم يتوسَّلون إلى الله. فإذا توسَّل العبد بالقبر إلى الله فهو عابدُ وثن، حتَّى يعبد الله مخلصًا له الدين، من غير أن يجعل بينه وبينه شفعاء وشركاء، كما أمر الله تعالى بذلك في كتابه؛ ويعلمَ أنه ليس من دون الله وليٌّ ولا شفيعٌ، كما أخبر تعالى. ولهذا جمع النبيُّ ﷺ بين مَحْق التماثيل وتسوية القبور المُشْرِفة، إذ كان بكلاهما (٣)، يُتوسَّل بعبادة البشر إلى الله. قال أبو الهيَّاج الأسدي: قال لي عليٌّ رضي الله تعالى عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسولُ الله ﷺ ؟ أن لا تدعَ تمثالًا إلا طمستَه، ولا قبرًا مُشْرفًا إلا سوَّيته. رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (٤).

стр. 1167

وأخبر النبيُّ ﷺ أنَّ هذه (١) الأمة ستتبع سَنَنَ من كان قبلها حذوَ القُذَّة بالقُذَّة حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلوا معهم. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمَن؟» (٢). وأخبر أنه لا تقوم الساعة حتى تُعبد اللَّاتُ والعُزَّى (٣)، وحتَّى تضطربَ ألَياتُ [نساءِ] (٤) دوس حول ذي الخَلَصَة، صنمٌ كان لهم في الجاهلية (٥). ولهذا قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: لا يجوز أن يُبنَى مسجدٌ على قبر، ولا فيما بين القبور. والواجب في المساجد المبنيَّة على تُرَبِ الأنبياء والعلماء والشيوخ والملوك وغيرهم أن لا تُتَّخذ مساجدَ، بل يُقطَع ذلك عنها إمَّا بهدمها، أو سدِّها، أو نحو ذلك، مما يمنع أن تُتَّخذ مسجدًا. ولا تصح الصلاة في شيء منها، ولا يجوز الوقف عليها، ولا إسراج ضوء فيها، سواء كان بدهن أو شمع، ولا يصح النذر لها، بل هو نذر معصية، فتجب فيه كفَّارةُ يمين، لأنه ﷺ لعن مَن يتخذ القبورَ مساجدَ (٦)، ولعن من يتخذ عليها السُّرُج (٧)، ونهى عن اتخاذها مساجد (٨)، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيلُ القول في ذلك.

стр. 1168

وأمَّا من يصلِّي عند القبر اتفاقًا من غير أن يقصده، فلا يجوز أيضًا، كما لا يجوز السجود بين يدي الصنم والنار وغير ذلك مما يُعبد من دون الله، لما فيه من التشبُّهِ [ص ١٥٨] بعُبَّاد الأوثان، وفتحِ باب الصلاة عندها، واتهامِ من يراه أنه قصَد الصلاةَ عندها. ولأنَّ ذلك مظِنَّة تلك المفسدة، فعُلِّق الحكمُ بها، لأنَّ الحكمة قد لا تنضبط؛ ولأنَّ في ذلك حسمًا لهذه المادة، وتحقيقَ الإخلاص والتوحيد، وزجرَ النفوسِ (١) أن تتعرض لها بعبادة (٢)، وتقبيحًا (٣) لحال من يفعل ذلك. ولهذا نهى النبيُّ ﷺ عن الصلاة عند طلوع الشمس، لأنَّ الكفار يسجدون للشمس حينئذ (٤). ونهى أن يصلِّي الرجلُ، وبين يديه قنديل أو نحوه (٥). وكان إذا صلَّى إلى سترة انحرف عنها، ولم يصمُد لها صَمْدًا (٦).

стр. 1169

كلُّ ذلك حسمًا لمادة الشرك صورةً ومعنًى، كما نهى سعدًا أن يدعو بإصبعين، وقال: «أحِّدْ أحِّدْ» (١)، وأن يقول الرجل ما شاء الله وشاء فلان (٢)، وأن يحلف الرجل بغير الله، وقال: «من حلَف بغير الله فقد أشرَكَ» (٣). ولعلَّ بعض الناس يخيَّل إليه أنَّ ذلك كان في أول الأمر، لقرب العهد بعبادة الأوثان؛ وأنَّ هذه المفسدة قد أمِنت اليوم. وليس الأمر كما تخيَّله، فإنَّ الشركَ وتعلُّقَ القلوب بغير الله عبادةً واستعانةً غالبٌ على قلوب الناس في كلِّ وقت، إلا من عصَم الله. والشيطانُ سريعٌ إلى دعاء الناس إلى ذلك، وقد قال الحكيم الخبير ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وقال إمام الحنفاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]، وقد قال الناس

стр. 1170

لرسول الله ﷺ في غزوة حنين عقيبَ فتح مكة: اجعل لنا ذات أنواط. فقال: «الله أكبر. قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. إنها السُّنَن. لتتبعُنَّ سُنَنَ من قبلكم» (١). وسيعود الدين غريبًا كما بدأ، ويصير الصغير كبيرًا، فكيف تؤمن المفسدة؟ بل هي واقعة كثيرة. فهذه هي العلَّة المقصودة لصاحب الشرع في النهي عن الصلاة في المقبرة واتخاذ القبور مساجد، لِمن تأمَّل الأحاديث، ونظَر فيها. وقد نصَّ الشارع على هذه العلَّة، كما تقدَّم. فأما إن كان التراب نجسًا، فهذه علَّة أخرى قد تُجامع الأولى، لكن تكون المفسدة الناشئة من اتخاذها أوثانًا أعظم من مفسدة نجاسة التراب، فإنَّ تلك تقدح في نفس التوحيد والإخلاص، الذي هو أصلُ الدين وجِماعُه ورأسُه، والذي بُعثت به جميعُ المرسلين، كما قال : ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا [ص ١٥٩] الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]. ولهذا كانت فاتحة دعوة المرسلين من نوح وهود وصالح

стр. 1171

وشعيب وغيرهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥]. وقد تفارق الأولى إذا كان بينه وبين التراب حائل من البِساط ونحوه، أو كانت المقبرة جديدة لاسيَّما المسجدُ المبنيُّ على قبر نبيٍّ أو رجل صالح، فإنَّ تربته لم يُدفَن فيها غيرُه، فلا نجاسة هناك البتَّة، مع ما فيه من نهي الشارع. وأما أعطان الإبل، فقد صرَّح النبي ﷺ في توجيه ذلك بأنها من الشياطين (١)، وبأنها خُلقت من الشياطين (٢). وفي رواية (٣): أنها جِنٌّ خُلِقت من جِنٍّ. وفي حديث آخر: «على ذِروةِ كلِّ بعير شيطان» (٤). والشيطان: اسم لكلِّ عاتٍ متمرِّد من جميع الحيوانات، والشياطينُ من ذرِّية ابليس تُقارب شياطينَ الإنس والدوابِّ؛ فمعاطنها مأوى الشياطين. أعني أنها في أنفسها جِنٌّ وشياطينُ لمشاركتها لها في العتوِّ والتمرُّد والنَّفْر

стр. 1172

وغير ذلك من الأخلاق، وأنَّ ذرية إبليس مقترنة بها. وإذا كان كذلك فالمواضع التي هي مألف الشياطين ومثواهم، نهى الشارع عن الصلاة فيها، لما في الصلاة فيها من المفسدة التي تعكِسُ على المصلي مقصودَه من العبادة؛ بل هي من أبلغ الأسباب المانعة من صحة العبادة وصلاحها؛ كما فضَّل الأماكنَ التي هي مألف الملائكة والصالحين مثل المساجد الثلاثة، لما يرجى هناك من مزيد الرحمة والبركة وكمال العبادة؛ ولما يُخاف هنالك من نقص الرحمة والبركة ونقص العبادة. ألا ترى إلى قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨]؟ ألا ترى أنَّ المسجد صِينَ عن كلِّ ما ينفِّر الملائكةَ من التماثيل والجنُب وارتفاع الأصوات ونحو ذلك؟ فعُلِمَ أنَّ مواضع العبادة يُقصَد أن تكون مما تنزل فيه الرحمة والسكينة والملائكة، وأنَّ ما كان محلًّا لضدِّ ذلك لم يُجعَل موضعَ صلاة. وهذه العلَّة التي أومأ إليها الشارع هنا أومأ إليها في مواضع أخَر، فإنَّهم لما ناموا عن صلاة الفجر بعد القفول من غزوة خيبر واستيقظوا قال ﷺ : «ليأخذ كلُّ رجل منكم برأس راحلته، فإنَّ هذا منزلٌ حضَرَنا فيه الشيطانُ» (١)، مع أمره بصلاة الفائتة حين يُنتبَه لها وقوله ﷺ : «لا كفارة لها إلا ذلك» (٢). فعُلِم أنَّ الصلاةَ ببقعةٍ يحضرها الشيطانُ أمرٌ محذورٌ في الشرع. واعتُبِر هذا المعنى في قطع الصلاة بمرور المارِّ [ص ١٦٠] فقال لمَّا سئل عن الفرق بين الكلب الأسود والأبيض والأحمر: «الكلب الأسود

стр. 1173

شيطان» (١). وقال: «إنَّ عفريتًا من الجنِّ تفلَّتَ عليَّ البارحةَ ليقطعَ عليَّ الصلاةَ، فأمكنني الله منه، فذَعَتُّه» (٢) الحديث (٣). وفي رواية: «مرَّ علي الشيطانُ، فتناولتُه، فأخذتُه فخنقتُه» (٤). ونحن نقول بجميع هذه السنن، ونعلِّل بما علَّل به رسولُ الله ﷺ ، فإنه يعلم ما لا نعلم، وأمرُه يتبَع علمَه، بأبي هو وأمي. وحينئذ فيجب طردُ هذه العلَّة، فإنَّ الحُشَّ مع أنه مظِنة النجاسة، فإنَّ الشياطين تحضره، كما قال ﷺ : «إن هذه الحشوش محتضرَة» وأمَر عند دخولها بالتسمية والاستعاذة من الشيطان الرجيم (٥). وكذلك الحمَّام، فإنه مع أنه مظِنة النجاسة، فإنه بيتُ الشيطان، كما جاء في الأثر الذي ذكرناه في الطهارة: أنَّ الشيطان قال: أيْ ربِّ اجعل لي بيتًا. قال: بيتك الحمَّام (٦) وهو محلٌّ للخبَث، والملائكةُ لا تدخل بيتًا فيه خبَث. وأما المجزرة والمزبلة، فهي كالحمَّام سواء، وأسوأ لأنها مظنَّة النجاسة. وهي ــ والله أعلم ــ محتضَرة من الشياطين، فإنَّهم أبدًا يأوون

стр. 1174

مواضعَ النجاسات. فما خبُث من الجمادات والأجساد مقرونٌ أبدًا بما خبُث من الحيوانات والأرواح، وليس اعتبارُ طهارة البقعة من الأجسام الخبيثة بدون اعتبار طهارتها من الأرواح الخبيثة، بل العنايةُ بتطهيرها من هؤلاء الخبيثين والخبيثات من الأماكن أولى. ولمَّا كان هذا مُغَيَّبًا عن عيون الناس عَلَّق الشارعُ الحكمَ بمظنَّة ذلك وعلامته (١)، وهو مكان النجاسات. وأما قارعة الطريق، فقد صرَّح ﷺ بأنها مأوى الحيَّات والسِّباع (٢). وهذا ــ والله أعلم ــ ينزع إلى ذلك؛ لأنَّ الحيَّات والسِّباع من أخبث شياطين الدوابِّ، ومأواها أسوأ حالًا من مأوى الإبل. وقد أشار أبو بكر الأثرم (٣) إلى نحو من هذه الطريقة، فقال لما ذكر حديث زيد بن جَبيرة، واعتمَده، وبيَّن الجمعَ بينه وبين الأحاديث المطلقة، فقال: «قول النبي ﷺ : «جُعلت لي الأرضُ طهورًا ومسجدًا» (٤) إنما أراد به الخلافَ على أهل الكتاب، لأنهم لا يصلُّون إلا في كنائسهم وبِيَعهم، فقال: فُضِّلتُ على الناس بذلك وبغيره. ثم استثنى بعد الخلاف عليهم مواضعَ لمعانٍ غير معاني أهل الكتاب». قال: «[فأمّا] (٥) الحمام والمقبرة، فإنَّ الحمام ليس من بيوت الطهارة، لأنه بمنزلة المراحيض التي (٦) يغتسل فيها (٧) من الجنابة والحيض.

стр. 1175

والمقبرة أيضًا إنما كُرهت للتشبُّه بأهل الكتاب، لأنهم يتخذون قبورَ أنبيائهم وصالحيهم مساجد. وسائرُ المواضع التي استثناها إنما كرِه نجاستها [ص ١٦١]. ومعاطنُ الإبل قال: إنها خُلِقت من الشياطين. فقد بيَّن في كلٍّ معناه». هذا كلام الأثرم. وقد تبيَّن بما ذكرناه أنَّ العلَّة في أكثر هذه المواضع كونها مأوى الشياطين ومألفهم، وأنَّ إلفَ الشيطان إياها بسبب النجاسة وغيرها. فإن قيل: فعندكم تجوز الصلاة في الموضع الذي نسيَ الصلاةَ فيه، وهو موضع شيطان. وتجوز في السوق بنصِّ السُّنَّة (١)، وبها يركُز الشيطان رايته (٢). وقد كان ﷺ يصلِّي على البعير وإليه (٣). ثم ما كان مأوى الشيطان فينبغي أن تكون الصلاة فيه أفضل، كما فُضِّل ذكرُ الله في السوق لأنه محلُّ الغفلة (٤)، وكما أنَّ الأذان يطرد الشيطان (٥). قلنا: الأماكن قسمان، أحدهما: ما يألفونه ويلزمونه، ولا يمكن طردهم عنه مطلقًا، لثبوت المقتضي لحضورهم، مثل الحُشِّ والحمّام وأعطان الإبل. فهذا الذي لا تصح الصلاة فيه.

стр. 1176

والثاني: ما يعرضون فيه، ولا يقيمون، مثل السوق وموضع النوم عن الصلاة. فهذا تُكرَه الصلاة فيه، نصَّ عليه. ومتى أمكن طردهم بالصلاة والذكر لم تُكرَه الصلاة. ولهذا لم تكره الصلاة على البعير ولا إليه، بخلاف البقعة التي اتخذها موطنًا ومدارًا (١). الفصل الخامس في تحديد هذه الأماكن أما المقبرة ، فلا فرق فيها بين المقبرة الجديدة والعتيقة، وما انقلبت تربتها أو لم تنقلب، ولا فرق بين أن يكون بينه وبين الأرض حائل أو لا يكون؛ لما تقدَّم من الأحاديث وعمومها لفظًا ومعنًى، ولأنَّا قد بيَّنًا أنه لا يجوز أن يراد بتلك الأحاديث المقبرة العتيقة المنبوشة فقط، لأنه نهى عن الصلاة في المقبرة، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، ونهى عن اتخاذ قبر النبي أو الرجل الصالح مسجدًا، ومعلوم أنَّ قبور الأنبياء لا تُنبش؛ ولأن عامَّة مقابر المسلمين كانت جديدة، ولا يجوز أن يطلق «المقبرة»، ويريد بها مقابر المشركين العُتُق، مع أنَّ المفهوم عندهم مقابرهم. ولا يجوز أن يريد بها ما يتجدَّد من القبور العُتُق، دون المقابر الموجودة في زمانه وبلده، فإنَّ ما يعرفه المتكلِّم من أفراد العامِّ هو أولى بالدخول في كلامه. ثم إنه لو أراد القبور المنبوشة وحدها لوجب أن يقرُن بذلك قرينةً تدلُّ عليه، وإلَّا فلا دليل يدلُّ على أنَّ المراد هو هذا. ومن المحال أن يُحمَل الكلامُ على خلاف الظاهر المفهوم منه من غير أن يُنصَب دليلٌ على ذلك.

стр. 1177

ثم إنه نهانا عما كان يفعله أهل الكتابين من اتخاذ القبور مساجد، وأكثر ما اتخذوه من المساجد مقبرة جديدة، بل لا يكون إلا كذلك. ثم هم يفرشون [ص ١٦٢] في تلك الأرض مفارش تحول بينهم وبين تربتها، فعُلِمَ أنه ﷺ نهانا عن ذلك. وبالجملة، فمَن جعَل النهي عن الصلاة في المقبرة لأجل نجاسة الموتى فقط، فهو بعيد عن مقصود النبيِّ ﷺ ، كما تقدَّم. ثم لا يخلو إمَّا أن يكون القبر قد بُني عليه مسجد، فلا يصلَّى في هذا المسجد، سواء صلَّى خلف القبر أو أمامه، بغير خلاف في المذهب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا، فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنِّي أنهاكم عن ذلك» (١). وقال: «لعن الله اليهودَ والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) وقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنَوا على قبره مسجدًا» الحديث (٣). وقال: «لعن الله زوَّاراتِ القبور والمتخذين عليها المساجدَ والسُّرُجَ» (٤) فعمَّ بالنهي أن يُتَّخذ شيءٌ من القبور مسجدًا، وخصَّ قبورَ الأنبياء والصالحين؛ لأنَّ عكوفَ الناس على قبورهم أعظم، واتخاذَها مساجد أكثر. ونصَّ على النهي عن أن يُتَّخذ قبر واحد مسجدًا، كما هو فعل أهل الكتاب. ولذلك إن

стр. 1178

لم يكن عليه مسجدٌ، لكن قصَده إنسان ليصلِّي عنده، فهذا قد ارتكب حقيقةَ المفسدة التي كان النهي عن الصلاة عند القبور من أجلها، وقد اتخذ القبورَ مساجدَ يقصدها للصلاة فيها، والصلاة عندها، كما يُقصَد المسجدُ الذي هو مسجدٌ للصلاة فيه؛ فإنَّ كلَّ مكان أُعدَّ للصلاة فيه أو قُصِد لذلك فهو مسجد. بل كلُّ ما جازت الصلاة فيه فهو مسجد، كما قال: «جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا» (١) وقال ﵇: «الأرض كلُّها مسجد إلا المقبرة والحمَّام» (٢) وسواء كان في بيت أو مكان محوط، وقد بُني عليه بناءٌ لأجله أو لم يكن. وأما إن كان في موضعٍ قبرٌ وقبران، فقال أبو محمد (٣): لا يُمنَع من الصلاة هناك؛ لأنه لا يتناولها اسمُ المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا. وليس في كلام أحمد وعامَّة أصحابه هذا الفرق، بل عمومُ كلامهم وتعليلُهم واستدلالُهم يوجِب منع الصلاة عند قبر من القبور. وهذا هو الصواب، فإنَّ قوله ﷺ : «لا تتخذوا القبور مساجد» (٤) أي (٥) لا تتخذوها موضع سجود. فمن صلَّى عند شيء من القبور فقد اتخذ ذلك القبر مسجدًا؛ إذ المسجدُ في هذا الباب، المرادُ به: موضع السجود مطلقًا، لاسيَّما ومقابلة الجمع بالجمع يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد، فيكون المقصود: لا يُتَّخَذ قبرٌ من القبور

стр. 1179

مسجدًا من المساجد. ولأنه لو اتُّخِذ قبرُ نبيٍّ أو قبرُ رجل صالح مسجدًا لكان حرامًا بالاتفاق، كما نهى عنه ﷺ ، فعُلِمَ أنَّ العدد لا أثر له. وكذلك قصدُه للصلاة فيه وإن كان أغلظ، لكن هذا الباب [ص ١٦٣] سُوِّي في النهي فيه بين القاصد وغير القاصد سدًّا لباب الفساد. ولأنه قد تقدَّم عن علي ﵁ أنه قال: لا تصلِّ في حمام ولا عند قبر (١). قال أصحابنا: وكلُّ ما دخل في اسم المقبرة من حول القبور لا يصلَّى فيه. فعلى هذا ينبغي أن يكون المنع متناولًا (٢) لحريم القبر المفرد وفنائه المضاف اليه. قال أصحابنا: ولا تجوز الصلاة في مسجد بُني على المقبرة، سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور أو كان مكشوفًا. فأمَّا إن لم يكن في أرض المقبرة، وكانت المقبرة خلفه أو عن يمينه أو عن شماله، جازت الصلاة فيه. يعنون: إذا لم يكن قد بُني لأجل صاحب القبر. فأما إن بُني لأجل صاحب القبر بأن يُتَّخَذ موضعًا للصلاة، لمجاورته القبرَ وكونه في فنائه، فهذا هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ . وأما إن كانت المقبرة أمامه، فسيأتي إن شاء الله. هذا قول القاضي وغيره. وقال ابن عقيل (٣): إن بني بعد أن تقلَّبت

стр. 1180

أرضُها بالدفن لم تجُز الصلاة فيه. وإن بُني مسجدٌ في ساحة طاهرة، وجُعلت الساحة مقبرةً، فالمسجد على أصل جواز الصلاة، لأن أكثر ما فيه أنه في جوار مقبرة، فلم يمنع من الصلاة فيه، كسائر ما جاورها من الدور والمساجد. والصحيح أنه لا فرق في بناء المسجد في المقبرة بين أن تكون جديدة أو عتيقة، كما تقدَّم. وقال جماعة كثيرة من أصحابنا: إن بني مسجد في المقبرة لم تصحَّ الصلاة فيه بحال؛ لأن أرضه جزء من المقبرة. وإن كان المسجد متقدِّمًا فاتُّخِذ ما حوله مقبرة جازت الصلاة فيه، إلا أن تكون المقبرة في قبلته. وفَسَّروا إطلاق القاضي وغيره بهذا. فإن زال القبر إمَّا بنبش الميِّت وتحويل عظامه مثل أن تكون مقبرة كفار، أو ببِلاه وفنائه إذا لم يبق هناك صورة قبر؛ فلا بأس بالصلاة هناك، لأنَّ مسجد رسول الله ﷺ كانت فيه قبور المشركين، فأمَر بها، فنُبشت لمَّا أراد بناءه. وإن لم يعلم بِلاه (١)، أو كان ممن يعلم أنه لم يَبْلَ (٢)، لكن قد ذهب تمثالُ القبر واندرس أثره، بحيث لم يبق علَمٌ على الميت، ولا يظهر أنَّ هناك أحدًا مدفونًا= فهنا ينبغي أن تجوز فيه الصلاة إذا لم يقصد الصلاة عند المدفون هناك، لأن هذا ليس صلاةً عند قبر، ولا يقال لمثل هذا مقبرة.

стр. 1181

ولهذا يقال: إنَّ إسماعيل وأمه هاجر مدفونان في حِجْر البيت (١)، ويقال: إنَّ جماعة من الأنبياء مدفونون بمسجد الخَيف (٢)، وآخرين مدفونون بين زمزم والمقام (٣)؛ مع أنَّ الصلاة هناك جائزة حسنة بالسنَّة المتواترة والإجماع، لأنه لا يُتوهَّم أن تلك الأمكنة مقابر، ولا أنَّ الصلاة عندها صلاةٌ عند قبر، ولأن الصلاة عند القبور كُرِهت خشيةَ أن تُتَّخذ [ص ١٦٤] أوثانًا تُعبَد. فإذا كان هناك تمثالٌ أو عَلَمٌ يُشعِر بالمدفون كان كصورته المصوَّرة إذا صُلِّي عنده، فيصير وثنًا. أما إذا فُقِد هذا كلُّه، فلا عين ولا أثر، وليس فيه ما يفضي إلى اتخاذ القبور وثنًا، حتَّى لو فرِضَ خشيةُ ذلك نُهِي عنه. فصل وأمَّا الحمَّام، فقال أصحابنا: لا فرق فيه بين المغتسَل الذي يتعرَّى الناس فيه ويغتسلون فيه من الوسطاني والجوَّاني، وبين المسلخ وهو الموضع الذي توضع فيه الثياب. بل كلُّ ما دخل في مسمَّى الحمام لا يصلَّى فيه. ويدخل في ذلك كلُّ ما أُغلِق عليه بابُه.

стр. 1182

وكذلك أتُّون الحمام، لا تجوز الصلاة فيه، لأنه مزبلة. هذا تعليل القاضي وغيره. فعلى هذا إذا عُلِمَ أنه لا يوقد فيه إلا وقود طاهر، فهو كالمزبلة التي عُلِمَ أنه لا يوضع فيها إلا شيء طاهر. وجعل ابن عقيل وغيره الأتُّون داخلًا في مسمَّى الحمام، فيكون النهي فيه لعلَّتين. وقيل: تجوز الصلاة فيما ليس مظنّةً للنجاسة من الحمام كالمسلَخ ونحوه تعليلًا للحكم بكون البقعة مظنَّةَ النجاسة، فإذا تيقّن طهارتها زال سبب المنع. والأول: المذهب، للنصوص المتقدِّمة. فإنَّ اسم الحمَّام يشمل الجوَّاني والبرَّاني، فلا يجوز التفريق بينهما في كلام الشارع؛ ولأن العلَّة لو كانت مجرَّد النجاسة المتيقَّنة (١) لم يكن فرق بين الحمام وغيره (٢). ولو كانت مظنة (٣) النجاسة أو توهّمها لوجب أن تحرُم الصلاةُ في كلِّ بقعة شككنا في نجاستها إذا أمكن نجاستها. وقد تقدَّم أن العلَّة التي أومأ الشارع إليها كونها محتضرة من الشياطين (٤)، وهذا القدر يعمُّها كلَّها. ثم لو كانت العلَّة مجرَّد أنها مظنَّة النجاسة، فالصور النادرة قد لا يلتفت الشارع إلى استثنائها إلحاقًا للنادر بالغالب، كما هو في أكثر المواضع التي تُعلِّق الأحكام بالمظانِّ.

стр. 1183

وأما الحُشُّ ، فهو المكان المُعَدُّ لقضاء الحاجة، فلا تصح الصلاة في شيء من مواضع البيت المنسوب إلى ذلك، سواء في ذلك موضع التغوُّط أو موضع الاستنجاء أو غيرهما. فأمَّا المطاهر التي قد بُني فيها بيوتٌ للحاجة وللاغتسال (١) أيضًا، وبرَّانيُّها للوضوء فقط، أو للوضوء (٢) والبول= فينبغي أن تكون نسبة برَّانيِّها كنسبة برَّانيِّ الحمام إليها. ولا يصلَّى فيها، بل هي أولى بالمنع من الحمام، لأنها أولى بالنجاسة والشياطين من الحمَّام. ووجود ذلك في الخارج منها أظهر من وجوده في الخارج من الحمام. فأما ما ليس مبنيًّا للحاجة، وإنما هو موضع يُقصَد لذلك، كما في البرِّ والقرى، ومنه ما قد اعتيد لذلك، ومنه ما قد فُعِل ذلك فيه مرَّةً أو مرتَين [ص ١٦٥] فينبغي أن يكون من الحشوش أيضًا، فإنَّ الحُشَّ في الأصل هو البستان، وإنما كَنوا عن موضع التغوُّط به، لأنهم كانوا ينتابونها للحاجة، ولأن العرب لم يكونوا يتخذون الكُنُفَ قريبًا من بيوتهم، وإنما كانوا ينتابون الصحراء. فعُلِمَ أنَّ تلك الأمكنة داخلة في كلام رسول الله ﷺ . فإذا طهر المكان وقطعت عنه هذه العادة لم يكن حُشًّا. فصل وأما أعطان الإبل، فالمنصوص عن أحمد أنها الأماكن التي تقيم بها الإبل وتأوي إليها (٣).

стр. 1184

ومن أصحابنا من قال: هي المواضع التي تصدر إليها بعد أن ترد الماء. وذلك أن الإبل بعد أن ترِد الماءَ، فإنها تُناخُ بمكان، لتُسقَى بعد ذلك عَلَلًا بعد نهَلٍ، فإذا استوفت رُدَّتْ إلى المراعي. وعبارة بعضهم أنه المواضع التي بقرب النهر، فتُناخ فيه الإبلُ حتَّى ترِد الماءَ. فجعلها مناخها قبل الورود. والعبارة الأولى أجود، لأنَّ هذا تفسير أهل اللغة. قالوا: أعطان الإبل: مَبارِكها عند الماء لتشرب عَللًا بعد نهَل. يقال: عطَنت الإبل تعطُن وتعطِن إذا رَوِيت، ثم برَكت (١)، فهي إبل عاطنة وعواطن. وقد ضربَتْ بعَطَن، أي بركت (٢). ومنه قول النبي ﷺ في ذكر رؤياه: «ثم أخذها ابن الخطَّاب، فاستحالت غَرْبًا. لم أر عبقريًّا من الناس يَفْري فَرْيَه، حتَّى ضرب الناسُ بعَطَن» (٣). كأنهم امتلؤوا من تلك البئر، ثم صدروا رِواءً كهيئة الإبل إذا رَوِيت. ومنه: إسقاءٌ رَواءٌ (٤). [و] (٥) قولهم (٦): فلان واسع العطن والبلد. وأعطنَ الرجلُ

стр. 1185

بعيرَه إذا لم يشرب، فردَّه إلى العطَنِ ينتظر به. قال لبيد: عافتا الماءَ فلم نُعطِنهما ... إنما يُعطِن مَن يرجو العَلَلْ (١) وتوسَّعوا في ذلك حتَّى قالوا لمرابض الغنم حول الماء: معاطن. والصواب أنَّ الأماكن التي تقيم بها مراد من الحديث (٢) كما نصَّ أحمد؛ لأنَّ في بعض ألفاظ الحديث أنَّ السائل قال: أنُصلِّي في مبارك الإبل؟ (٣) قال: والمبارك: التي يكثر بروكُها فيها. والمواضع التي تقيم بها أولى بهذ الاسم من مصادرها. ولأنه قابَلَ بين مَعاطن الإبل ومُراح الغنم ومَرابضها، فعُلِمَ أن المعاطن للإبل بمثابة المُراح والمرابض للغنم. ومُراح [الغنم] (٤): ما تقيم فيه وتأوي إليه، فكذلك معاطن الإبل. ولأنه إذا نُهي عن الصلاة في المواضع التي تقيم بها ساعةً أو ساعتين، فالمواضعُ التي تبيت بها وتأوي إليها أولى بهذا الحكم. فإما أن يكون الحكم أريد في مبيتها بطريق الفحوى والتنبيه [ص ١٦٦] أو يكونوا قد توسَّعوا في العطَن حتى جعلوه اسمًا لكلِّ مأوى لها، كما توسَّعوا فيه حتى جعلوا للغنم أعطانًا وللناس أعطانًا. فإذا قلنا: إنه لا تجوز الصلاة فيما تقيم فيه وتأوي إليه كما نصَّ عليه جازت في مصادرها عند الشرب، فيما ذكره من رجَّح هذا القول من أصحابنا.

стр. 1186

والصحيح: أنَّ المعاطن تعُمُّ هذا كلَّه على ظاهر كلام أحمد، فإنه قال: هي الأماكن التي تقيم بها وتأوي إليها، وعلى هذا، فسواءٌ أوت بالليل أو النهار. وهذا لأنَّ لفظ المعاطن والمبارك يعمُّ هذا كلَّه كما تقدَّم، فلا وجه لإخراج شيء منه من الحديث. وهذا لأنَّ اللفظ إذا توسَّع أهلُ العُرف فيه حتى صار معناه عندهم أعمَّ من معناه في اللغة لم يخرج ذلك المعنى اللغوي عن اللفظ، بل يصير بعضه. ولأنه مكان تعتاده الإبل وتأوي إليه، فأشبه مبيتَها، وهذا لأنَّ العطن الذي يكون عند البئر أو الحوض أو النهر قد أعِدَّ لمقام الإبل وبُروكها فيها، فكان من مبركها، كما لو أُعِدَّ لمقامها فيه نهارًا دون الليل. قال أصحابنا: ولا فرق بين أن تكون الإبل في المعاطن أو لا تكون، ولا فرق بين أن تكون قائمةً حال الصلاة أو غيرَ قائمة، لأن النهي تناول الموضع. وقال ابن حامد والقاضي وسائر أصحابنا: فأما مكانُ نزولها في سيرها، أو مكانُ مقامها لِتتنقل عنها، أو مكانُ علفها أو ورودها لتسقى الماء= فالصلاةُ فيه جائزة، لأنه لا يسمَّى عطنًا. وقد قال الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله يُسأل عن موضع فيه أبعار الإبل، نُصلِّي فيه؟ فرخَّصَ، ثم قال: إذا لم يكن من معاطن الإبل التي نُهِي عن الصلاة فيها، التي تأوي إليها الإبل (١). وذلك لأنَّ هذه الاماكن ليست مُعَدَّة لمقام الإبل، وإنما مقامها فيه عارض، فلا يتناولها النهيُ لفظًا ولا معنًى. ولأنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابه إنما كانوا يرتحلون في أسفارهم في الحجِّ والعمرة والغزو وغير ذلك على

стр. 1187

الإبل، ومع هذا فكانوا يصلُّون في مناخ إبلهم، وكانوا يصلُّون عليها وإليها، وهذا ظاهر مشهور في سِيَرهم. ولأنَّ تلك الأمكنة ليست أخصَّ بالإبل من الناس الذين نزلوا بها. والكراهة إنما نشأت لسبب في المكان الذي انفردت به، أو غلبت عليه، والله أعلم. فصل وأمَّا المجزرة، فقال أصحابنا: هي الموضع الذي يُذبَح فيه الحيوان معروفًا بذلك للقصَّابين والشوَّائين (١) ونحوهم. ولا فرق بين أن يكون الموضع نظيفا من الدماء والأرواث [ص ١٦٧] أو غير نظيف، لأنَّ النهي تناول الموضع، والعلَّةُ كونه مظِنَّةَ النجاسة ومحلًّا للشياطين، وهذا عامٌّ. وهذا هو المشهور، وعلى الوجه الذي يعلَّل الحكمُ فيه بحقيقة النجاسة، تجوز الصلاة في الموضع الذي تُيُقِّنت طهارته. وأما المزبلة، فقالوا: هو الموضع الذي تُجمَع فيه الزُّبالة، مثل المواضع التي في الطرقات ونحوها. ولا فرق بين أن يكون عليها نجاسة من الزبالة أو تكون طاهرة. ولفظ بعضهم: لا فرق بين أن يُرمَى فيها زبالة طاهرة أو نجسة. وهذا لأنَّ المكان مُعَدٌّ لإلقاء الزبالات النجسة والطاهرة، فخلوُّه بعضَ الأوقات عن النجاسة لا يمنعه أن يكون معدًّا لها، كالحمَّام الذي غُسِلت أرضه. وإذا كان معدًّا لها تناوله النهيُ لفظًا ومعنًى. ومن علَّل بوجود النجاسة فإنه يجوِّزه إذا تُيقِّنت طهارة المزبلة.

стр. 1188

فصل وأما قارعة الطريق، فقال أصحابنا: هي الجادَّة التي قد صارت محَجَّةً، وسواءٌ في ذلك طريق الحاضر والمسافر. فطريقُ الحاضر مثل الشوارع المستطرَقة بين الدُّروب والأسواق، وطريقُ المسافر هي الجادَّة التي قد صارت محجَّةً. سمِّيت جادَّةً من قولهم: أرض جَدَد، وهي الصلبة. وفي المثل: مَن سلَك الجدَدَ أمِنَ العِثارَ. وأجَدَّ الطريقُ صار جَدَدًا (١). فالجادَّة هي الطريق التي اشتدَّت وصَلُبت بوطء الناس والدوابِّ. وتسمَّى «قارعة» لكثرة قرع الأرجل لها. فإما أن تكون سمِّيت بذلك لأنها تقرَع الأرجلَ إذا قرعتها الأرجلُ، أو يكون المعنى ذات قرع، أو فاعلة بمعنى مفعولة. والمحجَّة: هي الجادَّة، سُميَّت بذلك لأنَّ الحجَّ هو القصد، والطريق هي موضع قصد الناس إلى حوائجهم. قال أصحابنا (٢): وقارعة الطريق هي التي تسلكها السابلة والمارَّة. وليس المراد بذلك كلَّ ما سُلِك؛ لأنَّ المواضع لا تخلو من المشي عليها في الجملة. قالوا: ولا بأس بالصلاة فيما خرج عن قارعة الطريق يَمْنةً ويَسْرةً، لأن النهي إنما ورد عن الصلاة في محجَّة الطريق وفي جوادِّ الطريق. والمحجَّة: الوسط. والجوادُّ: ما صلُب بالمشي. ومنهم من رخَّص الرخصة بجوانب طرقات المسافرين، لأنَّ أحمد إنما نصَّ على ذلك. قال بعضهم: ولا بأس بالصلاة في الطرقات التي يقِلُّ

стр. 1189

سالكوها، كطريق الأبيات اليسيرة. وبكلِّ حال فيجوز أن يصلَّى في الطرقات: التي يكثر لها الجمع، كالجُمَع والأعياد والجنائز؛ لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك (١). الفصل السادس في عُلو هذه الأمكنة وسطوحها قال كثير من أصحابنا، منهم القاضي وأكثر أصحابه كالآمدي [ص ١٦٨] وابن عقيل وغيرهم: لا فرق في الحمام والحُشِّ وأعطان الإبل بين سُفْلِها وعُلْوِها، لأنَّ الاسم يتناول الجميع، والحكم معلَّق بالاسم (٢). قال الآمدي وابن عقيل: عُلْوُ المجزرة كسُفْلِها. ولم يذكره القاضي في المواضع المنهيِّ عنها، ولم يعدَّها ولا في المنهيِّ عنه عُلْوَ المزبلة. ومن أصحابنا طائفة طردوا الحكمَ في عُلْوِ جميع المواضع المنهيِّ عنها على طريقة هؤلاء، لأنهم منعوا من الصلاة في عُلْوِ الأتُّون مع تعليله بأنه مزبلة. قالوا: ويدخل في كلِّ موضع منها ما يدخل فيه مطلقُ البيع والهبة من حقوق، من سفله وعلوه، اعتبارًا بما يقع عليها الاسم عند الاطلاق. ولأنَّ الحكم تعبُّد، فيناط بما يدخل في الاسم. والفرق بين علو المزبلة وغيرها ــ على ما ذكره الأولون ــ: أنَّ عُلْوَ المزبلة لا يسمَّى مزبلةً، لأنَّ المزبلة: المكانُ المُعَدُّ لوضع الزبالة في الطريق ونحوه. ومعلوم أنَّ عُلْوَ تلك البقعة لا يسمَّى مزبلة، بخلاف الأعطان

стр. 1190

والحشوش والمجازر فإنها أبنية تُبنَى لشيء يُقصَد سترهُ، ويُجعَل سقفُه تابعًا لقراره، فيتناوله الاسم. وأمَّا أبو الخطاب (١)، فلم يمنع من هذه السطوح إلا من سطح الحُشِّ والحمَّام خاصَّةً. وهذا أجود مما قبله، لأنَّ الحُشَّ والحمَّام اسم لبناء على هيئة مخصوصة، لا تُتَّخَذ إلا لِما بني له، حتَّى لو أُريد لاتخاذه لغير ذلك لَغُيِّر عن صورته، فكان الاسم متناولًا لجميعه، وهو كان (٢) قد أُعِدِّ (٣) لشيء واحد، بخلاف العطَن فإنه اسم لما تقيم فيه الإبل وتأوي إليه، لا يختص ببناء دون بناء، حتَّى لو اتُّخِذَ عطنُها مُراحًا للغنم جازت الصلاة فيه، مع أنَّ صورته باقية. وعُلْوُ العطَن ليس متَّخذًا للإبل ولا مبنيًّا لذلك بناءً يخُصُّه، فلا يلحق به. وكذلك المجزرة والمزبلة، إنما (٤) تصير مجزرة ومزبلةً بالفعل فيها، لا بنفس بنائها. فليس العُلْو تابعًا للسُّفْل في الفعل، ولا في البناء المختصِّ بذلك. ومن أصحابنا من قال بجواز الصلاة على عُلْوِ جميع هذه المواضع. وهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا؛ لأنَّ ما فوق سقف الحُشِّ والحمّام قد لا يدخل في النهي لفظًا ولا معنًى؛ لأنَّ الاسم قد لا يتناوله. فإنه لو حلف: لا

стр. 1191

يدخل حُشًّا ولا حمَّاما لم يحنَث بصعود على سطح حُشِّ أو حمام، بخلاف من حلف لا يدخل دارًا، لأن الحُشَّ والحمّام ونحوهما أسماء لأماكن معدَّة لأمور معلومة، وظهورُها ليست من ذلك في شيء. وكونُها مظِنَّة النجاسة أو مظِنَّة الشياطين لا يتعدَّى إلى ظهورها. والهواء تبعٌ للقرار في الملك [ص ١٦٩] ونحوه. أمَّا أنَّه يتبعه في كلِّ شيء، فليس كذلك، فإنَّ كلَّ أحد يعلم أنَّ هواء المزبلة ليس مزبلة، وهواء الحُشِّ الذي فوق سطحه ليس حُشًّا. فأمَّا إن كان العُلو قد اتُّخذ لشيء آخر بحيث لا يتبع السُّفلَ في الاسم، فإنه تصح الصلاة فيه. قال أحمد في رواية أبي داود: إذا بنى رجلٌ مسجدًا، فأراد غيرُه هدمه وبناءه، فأبى عليه الأول، فإنه يصير إلى قول الجيران ورضاهم. إذا أحبُّوا هدمَه وبناه. وإذا أرادوا أن يرفعوا المسجد، ويعمل في أسفله سقاية، فمنعهم من ذلك مشايخ ضَعفى، وقالوا: لا نقدر نصعد. فإنه يرفع، ويجعل سقاية. لا أعلم بذلك بأسًا. وينظر إلى قول أكثرهم (١). فقد نصَّ على بناء المسجد على ظهر السقاية. [و] (٢) قال في رواية حنبل: لا ينتفع بسطح المسجد، فإن جُعل السطح مسجدًا انتفع بأسفله، وإن جُعل أسفله مسجدًا لا ينتفع بسطحه. وكذلك قال القاضي وغيره. فإن كانت المساجد مغلقةً (٣) على حوانيت أو سِقايات فالصلاة فيها جائزة؛ لأنَّ ما تحتها ليس بطريق. وقال أبو محمد المقدسي صاحب الكتاب

стр. 1192

- ﵀ (١): إن كان المسجد سابقًا، وجُعِل تحته (٢) طريقٌ أو عطَنٌ أو غيرُهما من مواضع النهي، أو كان في غير مقبرة، فحدثت المقبرة حوله= لم يمنع بغير خلاف، لأنه لم يتبع ما حدث بعده. وهذا يقتضي أنه جعل من صور الخلاف ما إذا أُحدِث المسجدُ على عطَن ونحوه من أمكنة النهي. والذي صرَّح به الأصحاب هو ما ذكرناه، وهو منصوص أحمد. والفقه فيه ظاهر، فإنَّ العُلْو إذا اتُّخِذ لشيء آخر غير ما اتُّخِذ السُّفل له لم يكن أحدهما بأن يُجعل تابعًا للآخر بأولى من العكس. وإنما يُجعل تابعًا له عند الإطلاق. ألا ترى أنه لو قال: بعتُك هذا الحُشَّ وفوقه مسكن أو مسجد لم يدخل في مطلق البيع، بخلاف ما لو كان ظهره خاليًا. ولأنَّ الهواء إنما يتبع القرارَ في العقود عند الإطلاق، فإذا قُيِّد العقدُ بأن قيل: بعتُك التحتاني فقط، لم يدخل. واتخاذُ العلو لأمرٍ آخرَ غيرِ ما اتَّخذ له السفل بمنزلة إخراجه عن كونه تابعًا له في القول، وتقييدٌ له بصيغة توجب الانفراد. ولو حلف: لا يدخل حُشًّا أو عطَنَ إبل أو مزبلةً أو حمَّامًا، فدخل مسجدًا مبنيًّا على ظهور هذه الأشياء لم يجُز أن يقال: إنه يحنث في يمينه. فصل وأمَّا عُلْوُ المقبرة، فإن كان قد بني على المقابر بناءً منهيًّا (٣) عنه كالمسجد، أو بناءً في المقبرة المسبَّلة، كانت الصلاةُ عليه صلاةً في موضع

стр. 1193

محرَّم. أما البناء [ص ١٧٠] في المقبرة المسبَّلة، فإنَّ الصلاة عليه صلاةٌ على مكان مغصوب. والصلاة في علو المسجد صلاة في مسجد في القبور. وأيضًا فإنَّ الصلاة على ظهر البناء المذكور اتخاذٌ للقبور مساجد، ودخول في لعن النبيِّ ﷺ أهلَ الكتاب عليه، فانهم لما اتخذوا الأبنية على قبور أنبيائهم وصالحيهم لُعِنوا على ذلك، سواء صلَّوا في قرار المبنى أو علوه. وان كان الميت قد دُفن في دارٍ، وأعلاها باقٍ على الإعداد للسكنى، فعلى ما ذكره أصحابنا تجوز الصلاة فيه، لأنَّ ذلك ليس من المقبرة أصلًا ولا تبعًا، إلا أن نقول بإلحاق العلو بالسفل مطلقًا، على الوجه الذي تقدَّم في علو العطَن والحُشَّ إذا كان مسجدًا. وإن لم يبق مُعَدًّا للسكنى ونحوها، فهو كما لو دُفن في أرض مملوكة، ثم بُني عليه بناء لم يُعَدَّ للسكنى. فعلى ما دلَّ عليه كلام أحمد وأكثر أصحابه، لا يصلَّى فيه لأنَّ هذا البناء منهيٌّ عنه، وهو تابع للقرار في الاسم، فيقال هذه التربة وهذه المقبرة للعلو والسفل. ولأنَّ الصلاة في علو هذا المكان بالنسبة للمِّيت كالصلاة في أسفله. ولأنَّ حكمة النهي عن الصلاة عند القبر هو ما فيه من التشبُّهِ بعبادة الأوثان، والتعظيمِ المفضي إلى اتخاذ القبور أوثانًا؛ وهذه الحكمة موجودة بالصلاة في قرار الأبنية وعلوها، سواء قصد المصلِّي ذلك، أو تشبَّه بمن يقصد ذلك؛ وخيف أن يكون ذلك ذريعة إلى ذلك. ومن أجاز هذا البناء من أصحابنا ولم يجعل العلو تابعًا للقرار، فإنه يلزمه أن يجوِّز الصلاة فيه.

стр. 1194

فصل وأمَّا عُلْوُ الطريق مثل السوابيط (١) والأجنحة، سواء كانت مساجد أو مساكن، فالمشهور عنه: أنه لا يصلَّى على المساجد المحدَثة على الطرقات والأنهار التي تجري فيها السفن. وقال في رواية عبد الله وجعفر بن محمد: أكره الصلاة على نهر وعلى ساباط (٢). وقد ذكر أحمد ذلك عن ابن مسعود ﵁، وعلَّل ذلك في غير موضع بأنه لا يجوز إحداثه، وأنه في حكم الغصب. وكذلك علَّله القاضي وكثير من أصحابه وغيرهم. ولهذا خصُّوا هذا بالساباط المحدث. قالوا: فإن كان الطريق محدثًا بعد ما بنى المسجد، مثل أن بنى على ملكه مسجدًا، فأُحدِث تحته بعد ذلك طريق يمرُّ الناس فيه، فلا كراهة فيه؛ لأنَّ أحمد إنما كره الصلاة على اتخاذه. هذا لفظ القاضي. قال: وقد تتوجَّه الكراهة أيضًا. وهذا الوجه هو مقتضى ما ذكره الآمدي وابن عقيل، فإنهما عمَّما المنعَ، وعلَّلا ذلك بأن الهواء تابع للقرار بدليل أن سطح المسجد يتبعه في أحكامه. وكذلك سطح الدار، فعلى هذا كلُّ طريق لا يصلَّى فيه [ص ١٧١] لا يصلَّى في سقفه. وأما حكاية هذا عن القاضي فلا يصحّ. والأول هو المذهب المنصوص، لأنَّ السَّاباط والجناح المبنيَّ على الطريق ليس داخلًا في اسم الطريق. وإنما الذي يتبع الطريق الهواء الذي بُني فيه، بخلاف سائر السقوف فإنها قد تتبع ما تحتها في الاسم، كما تقدَّم. وإذا

стр. 1195

لم يكن البناء تابعًا فالهواء أيضًا ليس بطريق، وإنما هو من حقوق الطريق. ولا يلزم أن يكون حكم حقِّه كحكم نفسه في كلِّ شيء. ولأن النبي ﷺ علَّل النهي عن الصلاة في الجوادِّ بأنها مأوى الحيَّات والسِّباع، وهذا مفقود في العلو. ولأنَّ الصلاة على يَمنة الطريق ويَسرته تجوز لكونها ليست من الجوادِّ والمحجَّة، فالعلو أبعَد عن الجادَّة والمحجَّة من ميمنتها وميسرتها. ولو كان غصبُ الميمنة والميسرة لا يجوز، ولو صلَّى فيها وهو غاصب لها لم تصحَّ صلاته. ولأنَّ العُلْوَ إنما يتبع القرارَ في حكمه إذا لم يميَّز عن السُّفل، بل يُجعَل سقفًا له فقط. فأمَّا إذا أُعِدَّ لشيء غير ما أُعِدَّ له السُّفل لم يكن طريقًا البتَّة كالمسكن والمسجد المبنيِّ على ظهر السِّقاية ونحوها، فإنه ليس بسقاية. ولأنَّ الصلاة في السفينة [و] (١) على الراحلة تجوز في الجملة مع مسيرها في الطريق، فالصلاةُ على سقف الطريق أولى أن لا يكون صلاةً في الطريق، وأولى بالجواز. قال بعض أصحابنا: ولأنه لو كان [علَّةُ] (٢) المنع في علو الطريق كونه تبعًا له لجازت الصلاة في الساباط على النهر، لأنه موضع للصلاة في الجملة، بدليل ما لو جمد ماؤه أو كان في سفينة. وهذا ضعيف، لأنه إذا جمد لم يبق طريقًا للسفن، فإن مرَّ الناس فيه واتخذوه طريقًا لم تجُز الصلاة فيه. وأما الصلاة في السفينة، فهي كالصلاة على الراحلة، تجوز مع مسيرها في الطريق. فثبت أنَّ علَّة المنع أنه بناءٌ في هواء الطريق، وهذا غير جائز؛ لما
следующие страницы →