← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ولأن [ص ١٣٦] النبيَّ ﷺ قال: «جُعِلت لي كلُّ أرضٍ طيِّبةٍ مسجدًا وطهورًا» رواه الخطابي (١) بإسناد صحيح من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. وقال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ (٢). والطيِّبة: هي الطاهرة. فلما اختصَّ الأرضَ الطيبة بالذكر دلَّ على اختصاصها بالحكم في كونها مسجدًا طهورًا. ولأنَّ الحكم المعلَّق بوصف مناسب دليلٌ على أنَّ ذلك الوصف علَّة له. فعُلِم أن طهارتها مؤثِّرة في كونها مسجدًا وطهورًا. ولأن النبيَّ ﷺ أمرهم أن يصبُّوا على بول الأعرابي ذَنوبًا من ماء، وقال: «إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا». فدلَّ على وجوب تطهير موضع الصلاة، ووجوب تنزيهه من النجاسات. ولأنه نهى عن الصلاة في الأماكن التي هي مظنة النجاسات، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فالموضع الذي قد تحقَّق وصولُ النجاسة فيه أولى أن لا تجوز فيه الصلاة. والنهي يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه، لا سيما إذا كان من العبادات، وكان النهي لمعنًى في المنهيِّ عنه. وقد استدلَّ كثير من المتأخرين من أصحابنا وغيرهم على وجوب تطهير الثياب بقوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، حملًا لذلك على ظاهر اللغة التي يعرفونها. فإنَّ الثياب هي الملابس، وتطهيرها بأن تُصان عن النجاسة وتُجَنَّبها بتقصيرها وتبعيدها منها، وبأن تُماطَ عنها النجاسة إذا أصابتها.

стр. 1122

وقد نُقل هذا عن بعض السلف، لكنَّ جماهيرَ السلف فسَّروا هذه الآية بأن المراد: زكِّ نفسَك، وأصلِحْ عملَك. قالوا: وكنى بطهارة الثياب عن طهارة صاحبها من الأرجاس والآثام (١). وذلك أنَّ هذه الآية في أول سورة المدَّثِّر، وهي أول ما نزل من القرآن بعد أول سورة اقرأ، ولعل الصلاة لم تكن فُرضت حينئذ فضلًا عن إحدى (٢) الطهارتين التي هي من توابع الصلاة. ثم هذه الطهارة من فروع الشريعة وتتمَّاتها، فلا تُفرَض إلا بعد استقرار الأصول والقواعد، كسائر فروع الشريعة، إذ ذاك (٣) لم تكن قد فرضت الأصول والقواعد. ثم إنَّ الاهتمام في أول الأمر بجُمَل الشرائع وكلِّيّاتها، دون الواحد من تفاصيلها، والجزء من جزئياتها، هو المعروف من طريقة القرآن، وهو الواجب في الحكمة. ثم ثيابُ النبيِّ ﷺ لم تعرض لها نجاسة، إلا أن تكون في الأحيان، فتخصيصُها بالذكر دون طهارة البدن وغيره، مع قلَّة الحاجة وعدم الاختصاص بالحكم، في غاية البعد. وإذا حُملت الآية على الطهارة من الرِّجس والإثم والكذب والغدر [ص ١٣٧] والخيانة والفواحش كانت قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة. والكنايةُ بطهارة الثياب عن طهارة صاحبها من الفواحش والكذب والخيانة ونحو ذلك مشهورٌ في لسان العرب غالبٌ في عرفهم نظمًا ونثرًا، كما قال:

стр. 1123

ثيابُ بني عوفٍ طَهارَى نقيَّةٌ (١) وقال الآخر: وإنِّي بحمدِ الله لا ثوبَ غادر ... لبِستُ ولا من خِزْيةٍ أتقنَّعُ (٢) حتى إذا قيل: «فلان طاهر الثياب، طاهر الذيل» لم يُفهَم منه عند الإطلاق إلا ذلك. فيكون قد صار ذلك حقيقة عرفية، كما صار المجيءُ من الغائط حقيقةً في قضاء الحاجة، وكما صار مسيسُ النساء ومباشرتُهن حقيقةً في الجماع؛ فيجب حمل الكلام عليه. ولذلك وجهان: أحدهما: أنَّ اللباس يضاف إليه من الحكم، ويُقصَد به الإضافة إلى الإنسان نفسه، للعلم بأن المقصود مَن في الثوب، لا نفسُ الثوب. ويُجعَل ذلك نوعًا من الكناية، كما قال الأنصار للنبيِّ ﷺ : لنمنعنَّك مما نمنَع منه أُزُرَنا (٣). الثاني: أن يراد نفسُ تطهير الثوب، لكنَّ الطهارة في كتاب الله على

стр. 1124

قسمين: طهارة حِسِّيّة من الأعيان النجسة ومن أسباب الحدث المعلومة، وطهارة عقلية من الأعمال الخبيثة. فالأول كقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١) [التوبة: ١٠٨]، نزلت في أهل قباء لما كانوا يستنجُون من البول والغائط (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والثاني: كقوله سبحانه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]، في غير موضع، وقوله : ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، إلى غير ذلك من الآيات. وإذا كان كذلك، فالثوبُ نفسه يكتسب صفة حقيقية من لابسه إن كان صالحًا أو فاسقًا، حتى يظهر ذلك فيه إذا قوي تأثير صاحبه فيه، ويظهر ذلك في مواضع الخير ومواضع الشرّ. ولأجل الارتباط الذي بين اللباس والمقعد

стр. 1125

وبين صاحبهما أُمِر بتطهيرهما من النجاسة. وكانت طهارة الخفَّين طهارة للقدمين. [ص ١٣٨] واستُحِبَّ تكريمُ البقاع والثياب التي عُملت فيها الصالحات، حتَّى أعدَّ سعد ﵁ جُبَّته التي شهد فيها بدرًا كفنًا (١)، واستوهب بعضُ أزواج النبيِّ ﷺ منه بردةً لتتخذها كفنًا (٢). وهذا كثير. فالأمرُ بتطهير عينه من الأنجاس أمرٌ بطهارة صاحبه بالضرورة. والأشبه ــ والله أعلم ــ أنَّ الآية تعُمَّ نوعَي الطهارة، وتشمل هذا كلَّه، فيكون مأمورًا بتطهير الثياب المتضمِّنة تطهيرَ البدن والنفس من كلِّ ما يستقذر شرعًا من الأعيان والأخلاق والأعمال، لأنَّ تطهيرها أن تجعل طاهرة، ومتى اتصل بها وبصاحبها شيء من النجاسة لم تكن مطهَّرة على الإطلاق؛ فإنَّها متى أزيل عنها نجسٌ دون نجس لم تكن قد طهرت، حتَّى يُزال عنها كلُّ نجس. بل كلُّ ما أمر الله باجتنابه من الأرجاس وجب التطهيرُ منه، وهو داخل في عموم هذا الخطاب. يبيِّن ذلك أنَّ الطهارةَ من الخمر والبول والدم ونحو ذلك هي من تتمة الطهارة من أكلها وشربها، وتكميلٌ لذلك المقصود، وتحقيقٌ للتنزُّه من الأرجاس بكلِّ طريق. وإنما حرَّم الله سبحانه مباشرة هذه الأعيان الرجسة، كما حرَّم ممازجتها بالأكل والشرب؛ لما فيها من الخبث. وحرَّم مباشرتها بالثياب قطعًا لملابستها بكلِّ طريق، ومبالغةً في اجتنابها. وعلى هذه، فالحجة من الآية اندراج هذه الطهارة في العموم، وبذلك تندفع تلك

стр. 1126

الأسئلة (١). فإن قيل: فقد روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلِّي عند الكعبة، وجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي (٢)؟ أيُّكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسَلاها، فيجيء به، ثم يُمهله، حتَّى إذا سجَد وضَعه بين كتفيه! فانبعث أشقاهم (٣)، فلما سجد رسولُ الله ﷺ وضعه بين كتفيه. فاستضحكوا، وجعل بعضُهم يَميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعةٌ طرحتُه عن ظهر رسول الله ﷺ . والنبيُّ ﷺ ساجد، ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان، فأخبر فاطمةَ، فجاءت ــ وهي جويرية ــ فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تسبُّهم. فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم. وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا. ثم قال: «اللهم عليك بقريش!» ثلاثَ مرَّات. فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته. ثم قال: «اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة [ص ١٣٩] بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط» وذكر السابع، ولم أحفظه. قال: فوالذي بعث محمَّدًا بالحقِّ، لقد رأيتُهم صرعَى قد غيَّرتهم الشمس. وكان يوما حارًّا. متفق عليه (٤). فهذا يدل ظاهره على أن اجتناب النجاسة لا يشترط لصحة الصلاة.

стр. 1127

قلنا: قد قال بعض أصحابنا: هذا منسوخ، لأنه كان بمكة في أول الأمر. ولعل الصلوات الخمس لم تكن فُرضت حينئذ، وفرضُ الطهارة إنما نزل بالمدينة. وأيضًا فإنَّ الحكم بنجاسة الدم ونجاسة ذبائح المشركين إنما عُلِمَ لمَّا حُرِّمت الميتة والدم ولحم الخنزير، ولعل هذا التحريم لم يكن نزل بعدُ. وقيل: لعل النبيَّ ﷺ لم يعلم ما وضعوا على ظهره حتى قضى صلاته. والنجاسة إذا لم يُعلَم بها لم تُبطِل. ثم إنه لم يطل الفصل، لأن فاطمة جاءت، فألقتها عن ظهره، وأقبلت عليهم تسبُّهم. فقد عُلِم أنهم ألقوا على ظهره شيئًا، لكن لم يدر ما هو، وأُلقي عنه ــ بأبي هو وأمي ــ ولم يدر ما هو. وقيل: هذا يقتضي طهارة الموضوع فوق ظهره، فيفيد أنَّ فرث الإبل طاهر. و [أمَّا] (١) الدم، فإنه كان دمًا يسيرًا معفوًّا عنه، لأنَّ الذي يعلق بالسَّلا من الدم لا يكون كثيرًا في العادة. وأمَّا السَّلا نفسه فإنه كان من ذبيحة المشركين، لكن لم يكن قد حُرِّم أكلُ ذبائحهم وحُكِمَ بنجاستها، فإنَّ المسلمين الذين كانوا بين ظهرانيهم إنما كانوا يأكلون من ذبائحهم. وإنما حُرِّم الميتة وما أُهِلَّ لغير الله به. ثم إنه فيما بعدُ حُرِّم اللحمُ، وحُكم بنجاسته، لكونه من ذبيحة غير مسلم ولا كتابيٍّ بمنزلة الميتة. والفرثُ نفسه لم يتغيَّر حكمه؛ لأنه لا يموت، وإنما هو كاللبن، فبقي على حاله. وهذا الوجه أقرب من غيره.

стр. 1128

فصل ويجب اجتنابُ حملِ النجاسة، وملاقاتِها بشيء من بدنه أو ثيابه، وحملِ ما يلاقيها. فلو كان موضعُ قدميه أو ركبته أو جبهته في السجود نجسًا لم تصحَّ صلاته من أجل الملاقاة. وكذلك لو لاقى ثوبه نجاسةً في حال قيامه أو سجوده. وقال ابن عقيل: إن لاقى ثوبه نجاسةً يابسةً على ثوب إنسان في حال القيام لم تبطل صلاته، لأنه ليس بمعتمد على النجاسة، ولا هي تابعة له، فأشبه النجاسةَ على طرف الحصير. قال: وإن كان ثوبه يسقط عليها حال السجود، فوجهان؛ لأن ثوبه هنا معتمد عليها، وليس بمستتبع لها (١). ووجه الأول: أنَّ (٢) مجرَّدَ ملاقاةِ ما هو حامل له (٣) للنجاسة مبطِل، بدليل ملاقاة الحائط النجس والأرض النجسة. ولو وقعت عليه نجاسة، فأزالها في الحال، لم تبطل صلاته في المشهور؛ [ص ١٤٠] لأنَّ زمن ذلك يسير، وقد حصل بغير اختياره، فأشبه انكشافَ العورة في الزمن اليسير. وإن احتاجت إلى زمن كثير أو فصل طويل، فينبغي أن يكون كمن سبقه الحدث وأولى بالبناء. ولو حمل قارورةً فيها نجاسة بطلت صلاته، وإن كانت مشدودة الرأس. ولو حمل شيئًا من الحيونات الطاهرة كالصبي ونحوه، كما حمل النبيُّ

стр. 1129

- ﷺ أمامة ابنة أبي العاص، وكما كان الحسن يرتحله (١) = لم تبطل صلاته، وإن كان في جوفه نجاسة من الدم والخمر ونحو ذلك؛ لأن النجاسة هنا مستورة بأصل الخلقة. وما هذا سبيله من النجاسات فلا حكم له، بخلاف ما في القارورة. نعم في البيضة التي فيها فَرُّوج ميِّت وجهان، لأنه من حيث هو مستور بأصل الخلقة يُشبه الدم في الحيوان الطاهر، ومن حيث هو مستتر بها (٢) يُشبه القارورة. والأظهر أنه كالقارورة، لأنَّ البيضة لم تكن محلًّا للرطوبات، وإنما عرَض لها ذلك، بخلاف باطن الحيوان. ولأنَّ القياس اجتناب جميع النجاسات الظاهرة والباطنة، لكنَّ ما في باطن الحيوان تابع للظاهر (٣)، وفي إخراجه عنه مشقَّة، بخلاف ما في البيضة، فإنه هو المتبوع، ولا مشقَّة في إخراجه منه. فصل وأمَّا النجاسةُ المعفوُّ عنها، فقد تقدَّم ذكرها قدرًا ونوعًا. والضابط لها في الغالب أن تكون مما يشقُّ الاحتراز منه مشقَّةً عامَّةً، كالدم وما تولَّد منه، وكأثر الاستنجاء؛ فيعفو الشرع عن قليله رفعًا للحرج، وإرادةً لليسر دون

стр. 1130

العسر. أو أن تكون مما يخِفُّ (١) تنجيسه، لشبهه بالطاهرات من بعض الوجوه المعتبرة كالمذي، أو للخلاف في نجاسته إن جعلنا هذا مؤثِّرًا كالنبيذ ونحوه. وأمَّا الكثير فلا يعفى عنه، لأنه لا حرج في الاحتراز منه، وقد بلغ بكثرته وقدره ما يبلغ غيره بجنسه ونوعه. وسواء كان في موضع واحد أو موضعين من البدن أو الثوب أو المصلَّى؛ فإنَّ المفترق يُجمَع. فإن كان مجموعه كثيرًا أبطَلَ وإلَّا فلا، إن كان في محلٍّ متصل. فإن كان في محلَّين منفصلين، مثل ثوبين، أو ثوب وبدن، أو ثوب ومصلًّى= ضُمّ أحدهما إلى الآخر في أحد الوجهين، اختاره ابن عقيل؛ لأنه صلَّى ومعه دم كثير، فأشبه ما في الثوب الواحد. وفي الآخر: لا يُضَمُّ، لأنَّ ذلك أقلُّ فحشًا، وأشقُّ غسلًا من الثوب الواحد، ففي إيجاب غسله عكسٌ لمقصود الرخصة. فصل وإذا بسط على نجاسة شيئًا طاهرًا أو طيَّنها كُرهت الصلاة عليه [ص ١٤١]، وصحَّت في أشهر الروايتين. وفي الأخرى: لا تصح. هكذا حكاهما جماعة. وقال ابن أبي موسى (٢) وغيره: من بسط على بول لم يجفَّ أو على غائط رطب حصيرًا لم تُجْزِئه الصلاة. فإن كانت الأرض قد جفَّت من البول،

стр. 1131

فبسَط عليه حصيرًا، وصلَّى عليه، أجزأه. قال: ولو طيَّن مسجدًا بطين فيه تِبْنٌ (١) قد بالت عليه الحمير الأهلية لم يصلِّ فيه حتى يقلع الطينَ منه. وكذلك لو كبَس أرضَه (٢) بتراب نجس لم يصلِّ فيه حتى يُزالَ ذلك التراب منه. وعلى هذا فإنه يفرَّق بين أن تكون النجاسة متصلةً بالمصلَّى الذي يصلي عليه، تابعةً له، وبين أن تكون منفصلةً عنه، لكنه ملاقية. وهذا أشبه بمنصوص أحمد، فإنه قال (٣): إذا لم تعلَق نجاسة بالثوب يصلِّي. وقال في المسجد المحشُوِّ بالقذر إذا فرش عليه الطوابيق والآجُرّ (٤): لا يصلِّي فيه إلا أن يخرج عنه. وذلك لما روي عن ابن سيرين أنه سئل عن المسجد، يعني: على مكان نجس، فقال: مرَّ ابن مسعود على قوم يكبِسون مسجدهم بروث أو قذَر، فنهاهم عن ذلك. رواه سعيد (٥). ومن قال بالمنع مطلقًا قال: لأنَّ المقرَّ شرط لصحة الصلاة، فتشرط طهارته كالثوب.

стр. 1132

ولو كان في السُّفل نجاسة صحت الصلاة في العُلْو، قولًا واحدًا من غير كراهة، لأنه ليس بمستقرٍّ له، بدليل أنه لو كان السُّفل مغصوبًا والعلو مباحًا صحَّت الصلاة في العلو. ولو كان ما تحت البساط المباح والطين المباح مغصوبًا لم تصح الصلاة. قال بعض أصحابنا: لأن باطن المسجد يجب صيانته عن النجاسة كظاهره. ولو لم يمنع الصحة لما وجب ذلك، كما لو كان المسجد فوق بيت لإنسان، فإنه لا يلزمه صونُه عن النجاسة. ولذلك جوَّز أحمد بناء المسجد فوق المَطْهَرة (١). واحتجَّ أصحابنا للأول بما ذكره أحمد (٢) عن أبي موسى أنه صلَّى على الروث والنتن، وصلَّى والبرِّيَّة إلى جانبه، وقال: هذا وذاك سواء. وفي لفظ رواه سعيد: أنه صلَّى في سِكَّة المِربد على الروث والنتن، والبرية إلى جانبه، فقيل له: [لو] (٣) صلَّيتَ في البرية! فقال: هذا وذاك سواء. والحجة بهذا مبنيَّة على أنه فرَشَ على ذلك الروث شيئًا، وصلَّى عليه؛ وإلا فقد يكون من روث ما يؤكل لحمُه. وعلى قول ابن أبي موسى، فإنه يؤخذ بهذا، وبقول ابن مسعود. واحتجُّوا بأنه قد صحَّ عن النبي ﷺ : أنه كان يصلِّي على حماره، وهو متوجه إلى خيبر. رواه مسلم (٤). وهذا حجة على من يقول بنجاسة الحمار،

стр. 1133

ويسوِّي بينه وبين الأرض. [ص ١٤٢] وأمَّا من لم يقل بنجاسة الحمار [أو فرَّق] (١) بين الدوابِّ وغيرها، فلا حجَّة عليه فيه، إن صح قوله ذلك. وأيضًا فإنه لم يحمل النجاسة ولم يلاقها، فأشبَه من صلَّى على سرير تحته نجاسة، أو في بقعة طاهرة متصلة بنجاسة. وكونُه شرطًا للصحة من أجل الاستقرار لا يقتضي وجوبَ طهارته كمحلِّ السرير. وأما باطن المسجد، فيصان عن النجاسة كهوائه؛ على أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «البصاق في المسجد خطيئةٌ، وكفارتُها دَفْنُها» (٢). وكان أصحاب النبي يدفنون القَمْلَ في المسجد (٣). فعُلِم أن باطنه ليس كظاهره من كلِّ وجه. ولو صلَّى على فراش، في حشوها وبطانتها نجاسة، أو على بساط في باطنه نجاسةٌ لم تنفذ إلى ظاهره، أو على طابق طاهر الظاهر نجس الباطن= فهو كمن فرَش طاهرًا على نجس على هذه الطريقة. وعلى ما ذكره ابن أبي موسى لا يصلِّي على هذا المصلَّى، مع الصلاة على المفروش على المكان النجس اليابس. فصل وإذا صلَّى على حبل أو منديل في طرفه نجاسة صحَّت صلاته في المنصوص. وقال بعض أصحابنا: إن كانت النجاسة تتحرَّك بحركته لم تصحَّ صلاته، لأنه يصير مستصحبًا (٤) لها.

стр. 1134

ووجه الأول: أنه لم يحمل النجاسة، ولم يلاقِها، ولم يحمل ما يلاقيها= فأشبه ما لو صلَّى في بقعة طاهرة من بيت في جانبه نجاسة. فإن كان يحاذيها بصدره إذا ركع أو إذا سجد، ولم تلاقها ثيابه، صحَّت أيضًا في المشهور. وفي وجه مخرَّج: أنها لا تصح، كما لو صلَّى على مدفن النجاسة على الرواية المتقدمة. ووجه الأول: أن ما يحاذي الصدر لا يُعتبَر استقرارهُ، بدليل ما لو كان رَوزنةً (١) أو حُفرةً؛ بخلاف مساجد الأعضاء السبعة، فإنَّ استقرارها معتبر حتى لو وضعها على قطن منتفش ونحوه. فلذلك اعتبرت طهارتها واشترطت في رواية. فإن كان المنديل أو الحبل متعلِّقًا به في يده أو وسطه أو نحو ذلك، بحيث يتبعه إذا مشى لم تصحَّ صلاته، سواء تحرَّكت النجاسة بحركته في الصلاة أو لم تتحرَّك؛ لأن النجاسة إذا انتقلت لانتقاله كان مستصحبًا لها، وبمنزلة الحامل لها، فأشبَه ما لو كانت على ذيل قميصه الطويل، أو طرف عمامته المحلولة. وسواء كان النجس يتبع باختياره كالحيوان من الكلب ونحوه، أو ليس له اختيار كالسفينة الصغيرة (٢) والثوب النجس ونحو ذلك. فلو صلَّى ومِقوَدُ الكلب بيده لم تصح صلاته. وكذلك إن كان بيده مِقوَد

стр. 1135

بغل أو حمار إذا قلنا: [ص ١٤٣] هو نجس. ويتوجَّه الفرق بين ما يتبع بإرادته وبين الجامد. وعلى المعروف في المذهب، لو لم يكن له مَن يمسك بغله أو حماره، ولا يمكن ضبطه إلا بإمساكه، فينبغي أن يكون بمنزلة العاجز عن إزالة النجاسة، لأن اجتناب النجاسة هنا لا يمكن إلا بضياع ماله، فلم يجب؛ كما لو لم يمكنه الذهاب إلى الماء إلا بالخوف على ماله، أو كانت عليه نجاسة ولا يمكنه غسلها إلا بالخوف على ماله، وأولى. ولو كان الحبل المعلَّق به واقعًا على نجاسة يابسة لم تصحَّ صلاته، لأنه حامل لما يلاقي النجاسة، فأشبه ما لو ألقى عليها طرفَ ثوبه أو كمّه. وإن كان الحبل مشدودًا في شيء لا ينجرُّ بجرِّه ومشيه، كحمل ميِّت أو حيوان نجس لا يتبعه إذا مشى، ولا يقدر على جرِّه إذا استعصى عليه، كالفيل أو سفينة كبيرة فيها نجاسة، أو ظرف كبير مملوء خمرًا= فإن كان طرف الحبل متصلًا بموضع نجس كمسألة الميتة ونحوها لم تصحَّ صلاته. وإن لم يكن متصلًا بموضع نجس صحَّت كمسألة السفينة والظرف، لأنَّ هذا ليس حاملًا للنجاسة، ولا مستصحبًا لها، وإنما هو حامل للحبل، فإذا كان ملاقيًا للنجاسة كان كما لو لاقاها ثوبه أو كمُّه، بخلاف ما إذا لاقى محلًّا طاهرًا متصلًا بنجس. ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين أن يكون المحلُّ متصلًا بموضع (١) طاهر أو نجس، فلا تبطل صلاته فيهما إلا إذا كان ينجرَّ معه، لأنه لا يقدر

стр. 1136

على استتباع النجاسة، فلا يضرُّ حملُه لما يلاقيها، كما لو أمسك سفينة عظيمة فيها نجاسة، أو أمسك (١) شجرة على غصنها نجاسة. وهذا يوافق قول ابن عقيل. وقال الآمدي: إذا كانت النجاسة في مركب، فشُدَّ حبلُه إلى وسطه، كانت صلاته باطلة. ولم يفرِّق بين أن يستطيع أن يجُرَّها أو لا. مسألة (٢): (فإن صلَّى وعليه نجاسة لم يكن علِمَ بها، أو علِمَها ثم نسيها، فصلاته صحيحة. وإن علِمها في الصلاة أزالها وبنَى على صلاته) . هذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. والرواية الأخرى: أنه يعيد صلاته سواء علِمَها قبل الصلاة ثم نسيها، أو لم يعلم بها حتى سلَّم، أو علِمَها في أثناء الصلاة. هذه الطريقة المشهورة، وهذه الرواية اختيارُ كثير من أصحابنا كابن أبي موسى والقاضي وأصحابه (٣). وذكر القاضي في «المجرَّد» والآمدي أن الناسي يعيد، روايةً واحدةً؛ لأنه مفرِّط، وقد وجبت عليه الإزالة، وإنما الروايتان في الجاهل (٤).

стр. 1137

والروايتان منصوصتان عن أحمد في الجاهل بالنجاسة. فأما الناسي فليس فيه عنه نصٌّ، فلذلك اختلفت الطريقتان. فإن قلنا: يعيد مطلقًا، [ص ١٤٤] فلأنها إحدى الطهارتين، فلم يسقط بالجهل والنسيان كطهارة الحدث، ولأنه شرطٌ من شروط الصلاة، فلم يسقط بالجهل والنسيان كاللباس والقبلة. وإن قلنا: لا يعيد، وهي اختيار طائفة من أصحابنا، وهي أظهر؛ فلما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ صلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم. فلما انصرف قال: «لِمَ خلعتم؟» قالوا: يا رسول الله رأيناك خلعتَ، فخلعنا. فقال: «إنَّ جبريل أتاني، فأخبرني أنَّ بهما خَبَثًا. فإذا جاء أحدُكم المسجدَ فليقلب نعليه، فلينظر فيهما. فإن رأى خبَثًا فليمسحه بالأرض، ثم ليصلِّ فيهما» رواه أحمد وأبو داود (١). واحتجَّ به إسحاق بن راهويه، وذكر أنَّ النبيَّ ﷺ حين أخبره جبريل ﵇ أنَّ في نعليه قذرًا كان راكعًا، فخلَعهما، ومضى في صلاته. ولو أبطل (٢) حملُهما بغير علم لاستأنف الصلاةَ. ولا يصح أن يقال: لعله كان مُخاطًا أو بُصاقًا أو نحو ذلك مما لا يُبطل الصلاة، أو كان يسيرًا من دم ونحوه. فقد قيل: إنه كان دم حَلَمة، لأنَّ الخبَث اسم للغائط، وكذلك القذَر حقيقة في النجاسة. ولأنه لو كانت الصلاة تصح معه لم يخلع نعليه في الصلاة، فإنه عبث،

стр. 1138

والعبث في الصلاة مكروه جدًّا، لا سيما وهو راكع، وخلعُ نعليه يحتاج إلى نوع علاج. وأيضًا فإنه ﷺ قد أمر المصلِّيَ أن يبصُق في ثوبه، إذا لم يجد مكانًا يبصق فيه. وكانوا إذا وجدوا يسيرَ الدم مضوا في صلاتهم (١). فعُلِم أنَّ حملَ شيءٍ من البصاق ونحوه وحملَ شيءٍ من يسير النجاسة المعفوِّ عن يسيرها لا كراهة فيه، ولا يُشرَع لإزالته شيءٌ من العمل. وأيضًا فقوله في الحديث: «فإن رأى خَبثًا فليمسحه، ثم ليصلِّ فيهما» دليل على أن الصلاة لا تصح مع وجوده، وهذا لا يكون إلا في خبثٍ هو نجسٌ. ولأن النسيان يجعل الموجود كالمعدوم، ويبقى المعدوم على حاله، لأن الله سبحانه قد استجاب دعاء نبيه والمؤمنين حيث قالوا: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فإنه قال: قد فعلتُ. رواه مسلم (٢). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «عُفِيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان» (٣).

стр. 1139

فإن ترك المأموَر به ناسيًا لم يؤاخَذ بالترك، ولم تبرأ ذمته من عهدة الإيجاب، لأنه لم يفعله. وإن فعل المنهيَّ عنه ناسيًا كان كأنه لم يفعله، فلا يضرُّه وجودُه. وحملُ النجاسة في الصلاة من باب المنهيات، فإذا وقع كان معفوًّا عنه، بخلاف الوضوء والاستقبال والسترة، فإنها من باب المأمورات، [ص ١٤٥] فإذا لم يفعلها بقيت عليه. ولهذا لم يفسد الصومُ بالأكل ناسيًا. ومن فرَّق بين الجاهل والناسي ينتقض عليه بمن ذكر فائتةً، ثم نسيها حتَّى صلى الحاضرةَ، فإنَّ حاضرته تصحُّ في ظاهر المذهب. فإن قيل: فلو جهِل أن النجاسة محرَّمة في الصلاة. قلنا: إن كان ممن يُعذَر بهذا الجهل، فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. فعلى هذا إن علم النجاسة في أثناء الصلاة ابتدأ (١) الصلاة على

стр. 1140

الرواية التي توجب فيها الإعادة، لأن ما مضى من صلاته كان باطلًا. وعلى الأخرى: يلقي النجاسةَ، ويُتِمُّ الصلاة كما فعل النبيُّ ﷺ ، لأنَّ ما مضى من الصلاة كان صحيحًا، فأشبه العاريَ إذا وجد السُّترة؛ إلّا أن تحتاج إزالتها إلى عمل كثير يُبطل الصلاة، أو زمن طويل، فقيل: تبطل الصلاة، كالعاري إذا وجد السترة بعيدة منه. ويتخرَّج في الزمن الطويل أن لا تبطل، كما قيل في السترة. ويتخرَّج في العمل الكثير أيضًا مثلُ ذلك، كما قلنا فيمن سبقه الحدث، وفي العاري والمتيمم والمستحاضة على وجه. مسألة (١): (والأرضُ كلُّها مسجدٌ تصح الصلاة فيها إلا المقبرةَ والحُشَّ والحمَّامَ وأعطانَ الإبل) . هذا الكلام فيه فصول: الفصل الأول أنَّ الأرضَ كلَّها مسجدٌ لنبيِّنا ولأمته ﷺ في الجملة وقد تواطأت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ . فروى أبو ذرٍّ رضي الله تعالى عنه قال: سألتُ رسول الله ﷺ : أيُّ مسجدٍ وُضع في الأرض أولُ؟ قال: «المسجد الحرام». قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة. ثم حيث أدركتك الصلاة فصَلِّ؛ فكلُها مسجد»

стр. 1141

متفق عليه (١). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أُعطِيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرت بالرُّعب مسيرةَ شهر. وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ حيث أدركته. وأُحِلَّتْ لي الغنائم، ولم تُحِلَّ لأحدٍ قبلي. وأُعطيتُ الشفاعة. وبُعِثتُ إلى الناس كافَّة» متفق عليه (٢). ورواه مسلم (٣) من حديث أبي هريرة. وقد رواه عدَّة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. منهم: أبو ذر (٤)، وأبو موسى (٥)، وابن عباس (٦)، وغيرهم.

стр. 1142

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله ﷺ عامَ غَزاةِ تبوك قام من الليل يصلِّي، فاجتمع وراءه رجالٌ من أصحابه يحرُسونه. حتى إذا صلَّى وانصرف إليهم قال لهم: «لقد أُعطِيتُ الليلة خمسًا ما أُعطِيهنَّ أحدٌ قبلي. أمَّا أنا فأُرسِلت إلى الناس كلِّهم عامَّة [ص ١٤٦] وكان مَن قبلي إنما يُرسَل إلى قومه. ونُصِرت على العدو بالرُّعب، ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لَمُلِئَ منِّي رعبًا. وأُحِلَّتْ لي الغنائمُ: أكلُها (١)، وكان مَن قبلي يُعظِّمون أكلها، كانوا يُحرقونها. وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسَّحتُ وصلَّيتُ، وكان مَن قبلي يعظِّمون ذلك، إنما كانوا يصلُّون في كنائسهم وبِيَعِهم. والخامسة، هي ما هي! قيل لي: سَلْ، فإنَّ كلَّ نبيٍّ قد سألَ، فأخَّرتُ مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولِمن شهد أن لا اله إلا الله» رواه أحمد (٢) بإسناد جيِّد. وقد تقدَّم قولُه في حديث حذيفة: «وجُعلت لنا الأرضُ كلُّها مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» (٣).

стр. 1143

الفصل الثاني في المواضع المستثناة التي نُهِيَ عن الصلاة فيها وقد عدَّ أصحابنا عشرة مواضع: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحُشَّ، والحمَّام، وقارعة الطريق، وأعطان الإبل، وظهر الكعبة، والموضع المغصوب، والموضع النجس. فأما الموضع النجس والمغصوب، فقد ذكرنا حكمه. وأما ثلاثة منها، فقد تواطأت الأحاديث واستفاضت بالنهي عن الصلاة فيها، وهي: المقبرة، وأعطان الإبل، والحمَّام. وسائرها جاء فيها من الحديث ما هو دون ذلك. أما المقبرة والحمَّام ، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الأرض كلُّها مسجد إلا المقبرة والحمَّام» رواه الخمسة إلا النسائي (١)، وإسناده صحيح. وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورًا» رواه الجماعة (٢). وعن أبي مرثَد الغنَوي قال: قال رسول الله

стр. 1144

- ﷺ : «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (١). وعن جندب بن عبد الله البجَلي قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا، فلا تتخذوا القبور مساجدَ، فإني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣). وعن ابن عباس وعائشة أنَّ النبيَّ ﷺ قال لمَّا نُزِل به: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤). وعن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبيِّ ﷺ كنيسةً رأينها في الحبشة فيها تصاوير، فقال: «إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح [ص ١٤٧] فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور. أولئك شرُّ الخلق عند الله يوم القيامة» (٥). متفق على هذه الأحاديث.

стр. 1145

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «لعن رسولُ الله ﷺ زائراتِ القبور والمتخذين عليها مساجد والسُّرُج» رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي (١). وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنَّ من شرار الناس مَن تدركهم الساعةُ وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد» (٢). وفي لفظ: «والذين يتخذون قبورهم مساجد» رواه أحمد (٣) بإسناد صحيح.

стр. 1146

والأحاديث في هذ المعنى كثيرة، يُذكر بعضُها إن شاء الله في الجنائز والحج، مثل قوله ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد. اشتدَّ غضبُ الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١)، وقوله ﵇: «لا تتخذوا قبري عيدًا» (٢). وأمَّا أعطان الإبل ، فقد تقدَّم في باب نواقض الوضوء النهيُ عن الصلاة فيها من حديث جابر بن سمرة، وهو في صحيح مسلم. وتقدَّم أيضًا حديث البراء بن عازب وأُسَيد بن حُضَير وذي الغُرَّة. وفي حديث البراء: «لا تصلُّوا فيها، فإنها من الشياطين» (٣) وهو حديث صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل» رواه أحمد والترمذي وصحَّحه. وفي

стр. 1147

رواية لأحمد وابن ماجه (١): «إذا لم تجدوا إلا مرابضَ الغنم ومعاطنَ الإبل، فصلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في معاطن الإبل». وعن عبد الله بن المغفَّل قال: قال رسول الله ﷺ : «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (٢). وفي رواية لأحمد (٣): «إذا حضرت الصلاة وأنتم في مرابض الغنم فصلُّوا، وإذا حضرت وأنتم في أعطان الإبل فلا تصلُّوا، فإنها خُلِقت من الشياطين» وفي رواية له: «لا تصلُّوا في عَطَن الإبل، فإنها من الجنِّ خُلِقت. ألا ترون عيونها وهيئتها إذا نفرت؟». وأمَّا قارعة الطريق ، فعن جابر بن عبد الله أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تصلُّوا على جوادِّ الطريق، ولا تنزلوا عليها، فإنَّها ماوى الحيَّات والسِّباع. ولا تقضُوا عليها الحوائج، فإنَّها من الملاعن» رواه أحمد وابن ماجه (٤). وعن ابن عمر ﵄ أن النبيَّ ﷺ نهى أن يصلَّى على قارعة الطريق، أو يُضرَبَ الخلاءُ عليها، أو يبال فيها. رواه ابن ماجه (٥).

стр. 1148

وأمَّا سائرها، فروى ابن ماجه (١) من حديث أبي صالح كاتب الليث، حدَّثني الليث، حدثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب [ص ١٤٨] أنَّ رسول الله ﷺ قال: «سبعُ مواطن لا تجوز الصلاة فيها: ظاهرُ بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمَّام، وعَطَن الإبل، ومحجَّة الطريق». وعن زيد بن جَبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن يصلَّى في سبع مواطن: في المجزرة، والمزبلة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمَّام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله» رواه عبد بن حميد وابن ماجه والترمذي (٢) وقال: ليس إسناده بذلك القوي. وقد تُكُلِّم في زيد بن جبيرة من حفظه. قال: وقد روى الليث بن

стр. 1149

سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العُمَري عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبيِّ ﷺ مثلَه. قال: وحديث ابن عمر عن النبي ﷺ أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد، وعبد الله بن عمر [العمري] (١) ضعَّفه بعضُ أهل الحديث من قبل حفظه، منهم يحيى بن سعيد القطان. وهذا الكلام لا يوجب ردَّ الحديث لوجهين: أحدهما: أن رواته عدول مرضيُّون، وإنما يُخاف على بعضهم من سوء حفظه. وذلك إنما يؤثِّر في رفع موقوف، أو وصل مقطوع، أو إسناد مرسل، أو زيادة كلمة، أو نقص أخرى، أو اختلاط حديث بحديث، وشبه ذلك، مما يؤتى الإنسانُ فيه من جهة تغيُّر حفظه. أما حديث كامل طويل يحدِّد فيه أشياءَ، ويحصيها جملةً وتفصيلًا، فلا يؤتى الإنسان في مثل هذا من جهة حفظه إلا أن يكون اختلقه. ولهذا إنما اختلفت الرواية في كونه عن ابن عمر عن النبيِّ ﷺ ، أو عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ . وإلى ذلك أشار الترمذي في كون عبد الله بن عمر تُكُلِّم فيه من جهة حفظه، لكونه (٢) أدخل في إسناده عمر. والأحاديث الصحاح المشاهير قد يقع فيها أكثر من هذا؛ على أنَّ رواية ابن ماجه قد صرَّح فيها بأنَّ الليث سمعه من نافع، والإسناد إليه صالح إلا أن يكون قد وقع فيه وهم. ومن الممكن أن يكون ابن عمر سمعه من أبيه فكان تارة يأثُره (٣) عنه، وتارة يذكر النبيَّ ﷺ من غير واسطة، فإن ابن عمر على خصوصه وغيرَه من الصحابة لهم من هذا الجنس أحاديث كثيرة.

стр. 1150

الوجه الثاني: أنَّ علَّة الحديث إذا كانت من جهة الخوف من سوء حفظ الراوي، فإذا كان قد روي من وجهين مختلفين عن رجلين عدلين أدَّى كلٌّ منهما مثلَ ما أدَّى الآخر، كان ذلك دليلًا على أنَّ كلًّا منهما حفِظ ما حدَّثه، ولم يخُنْه [ص ١٤٩] حفظُه في هذا الموضوع. ولهذا لما خشي النبيُّ ﷺ أن لا يكون ذو اليدين ضبَطَ ما قاله استشهد بغيره من الحاضرين (١). وكذلك أبو بكر الصدِّيق ﵁ في طلبه شاهدًا آخر مع محمد بن مسلمة على ميراث الجدَّة حتى شهد المغيرة بن شعبة (٢). وعمرُ ﵁ في طلبه شاهدًا مع أبي موسى على حديث الاستئذان (٣). لم يكن ذلك خشية أن يكون المحدِّث كذَبَ، فإنَّ مقادير هؤلاء عندهم كانت أجلَّ من أن يتوهَّم فيهم الكذب. وإنما هو خشية النسيان وعدم الضبط، فإذا اعتضدت رواية برواية أخرى دلَّ ذلك على الحفظ والضبط. وقد قال سبحانه لما أمر باستشهاد امرأتين ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأخبر النبيُّ ﷺ أنَّ نقصَ عقلهن أوجبَ أن

стр. 1151

يكون شهادةُ امرأتين كشهادة رجل واحد (١). فعُلِم أنَّ الضلالَ الذي هو النسيان، ونقصَ العقل الذي هو عدم الضبط، ينجبر بانضمام المثل إلى المثل، لاسيَّما إذا كان المحدِّث جازمًا بما حدَّثه، وليس الحديث مما يُتوهَّم دخولُ الغفلة فيه، ولم يعارضه ما يخالفه، ولا قامت أمارة على عدم حفظه؛ بل قامت الشواهد على صحته إمَّا بنصوص أخرى أو بقياس. وقول الترمذي: «ليس إسناده بذلك القوي» لأجل ما تُكُلِّم في حفظ زيد بن جَبيرة. وقد تقدم القول في مثل هذا، وذكرنا أنَّ الكلام في الحديث تعليلًا وتضعيفًا شيء، وأنَّ العمل به والاحتجاج به شيء آخر؛ وأنَّ أهل الحديث يريدون بالضعيف كثيرًا ما لم يكن قويًّا صحيحًا، وإن كانت الحجَّة تُوجب العملَ به. وعبارتُه إنما تدلُّ على أنه ليس بتامِّ القوة. وهذا صحيح، لكن إذا انجبر هذا الضعيف بالطريق الأخرى صار بمنزلة القوي. هذا كلُّه إن كان بين الليث وبين نافع فيه العمري (٢). وإن كان قد سمعه منه، فالليث حجة إمام. الفصل الثالث في الصلاة في المواضع المنهيِّ عن الصلاة فيها وفيها روايتان: إحداهما، وهي ظاهر المذهب: أنها لا تصح ولا تجوز. والثانية: أنها تُكرَه، وتُستحَبُّ الإعادة. ومن أصحابنا من يحكي هذه

стр. 1152

الرواية بالتحريم مع الصحة. ولفظ أحمد فيها هو «الكراهة» (١)، وقد يريد بها تارةً التحريم، وتارةً التنزيه. ولذلك اختلفوا في كراهيته المطلقة على وجهين مشهورين. ومن أصحابنا من يقول: الروايتان في الجاهل بالنهي، كما سيأتي. أمَّا إن علم بالنهي لم تصحَّ صلاته روايةً واحدةً. والصحيح: أنَّ في العالم بالنهي خلافًا عنه، وقد جاء ذلك صريحًا عنه. فإن قلنا: تصح؛ فلعموم الأحاديث [ص ١٥٠] الصحيحة بأنَّ الأرض كلَّها مسجدٌ كما تقدَّم. ولو كان ذلك يختلف لَبيَّنه، لأنَّ تاخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ويُحمَل النهيُ عن هذه المواضع على الكراهة جمعًا بينهما. ولأنَّ علّةَ النهي في بعضها كونُها مظنَّة النجاسة، وفي بعضها كونها محلًّا للشياطين، وأنَّ بها ما يشغل قلبَ المصلِّي ويُخاف أن يفسد عليه صلاته. وذلك أكثر ما يوجب الكراهة. ولأنه موضع طاهر لا يحرم المقام فيه، فأشبهَ الإصطبلات. والأول أصحُّ؛ لأنَّ قوله: «الأرض كلُّها مسجد إلا المقبرة والحمَّام» إخراجٌ لها عن أن تكون مسجدًا، والصلاة لا تصح إلا في مسجدٍ، أعني: فيما جعله الله لنا مسجدًا. وهذا خطابُ وَضْعٍ وإخبارٍ، فيه أنَّ المقبرة والحمَّام لم يُجعَلا مسجدًا ومحلًّا للسجود، كما بيَّن أنَّ محلَّ السجود هو الأرض الطيبة، فإذا لم تكن مسجدًا كان السجود واقعًا فيها في غير موضعه، فلا يكون معتدًّا به، كما لو وقع في غير وقته، أو إلى غير جهته، أو في أرض خبيثة. وهذا الكلام من أبلغ ما يدل على الاشتراط، فإنه قد يُتَوهَّم أنَّ العبادة تصحّ مع

стр. 1153

التحريم إذا كان الخطابُ خطابَ أمر وتكليف. أمَّا إذا وقعت في المكان أو في الزمان الذي بيَّن أنه ليس محلًّا لها ولا ظرفًا، فإنها لا تصح إجماعًا. وأيضًا فإنَّ نهيه عن صلاة المقبرة وأعطان الإبل والحمام مرّةً بعد مرّة أوكد شيء في التحريم والفساد، لاسيَّما وهو نهي يختصُّ الصلاةَ بمعنًى في مكانها، فإنَّ الرجل إذا صلَّى في مكان نهاه الله ورسوله أن يصلِّي فيه نهيًا يختصُّ الصلاة لم يفعل ما أمره الله به، فيبقى في عهدة الأمر، بل قد عصى الله ورسوله، وتعدَّى حدوده. وأيضًا لعنته ﷺ من يتخذ القبور مساجد، ووصيته بذلك في آخر عمره، وهو يعالج سكرات الموت، بعد أن نهى عن ذلك قبل موته بخمس، وبيانه أن فاعلي ذلك شرارُ الخلق من هذه الأمة ومن الأمم قبلها= بيانٌ عظيمٌ لقبح هذا العمل، ودلالةٌ على أنه من الكبائر وأنه مقارب للكفر، بل ربما كان كفرًا صريحًا. وأيضًا فإنَّ قوله: «لا تجوز الصلاة فيها» صريحٌ في التحريم، والتحريم يقتضي الفساد خصوصًا هنا، ولذلك لا يصح أن يقال هنا بالتحريم مع الصحة، وإن قلنا به في الدار المغصوبة، لأنَّ النهي هناك ليس عن خصوص الصلاة، وقد يقال: إنه ليس لمعنًى في المنهيِّ عنه. وهنا النهيُ عن نفس الصلاة في المكان المخصوص لمعنًى في نفس المنهيِّ عنه. وأيضًا فقوله: «لا تجوز» (١) دليل على أنه لا تجزئ، لأن العبادة (٢) الجائزة هي الماضية النافذة، وضدُّها [ص ١٥١] الموقوفة المردودة. وإذا

стр. 1154

كانت الصلاة موقوفة محبوسة مردودة لم تكن مُجزئة. بل قوله: «لا تجوز» أبلغ من قوله: «لا تجزئ» لأنَّ هذا يعُمُّ الفرض والنفل، وذاك يختصُّ الفرض (١). وأيضًا فإن الصلاة في المكان النجس فاسدة، مع أنه لم ينطق كتاب ولا سنّة بأنها فاسدة ولا أنها غير مجزئة، وإنما فهم المسلمون ذلك من نهي الشارع عن الصلاة فيها، وتخصيص الإباحة بالأرض الطيبة. فهذه المواضع التي سُلِبت اسمَ المسجد، وترادفت أقاويلُ رسول الله ﷺ بالنهي عن الصلاة فيها= أولى أن لا تجزئ الصلاة فيها. فإذا قيل: إنَّ الصلاة على مكانٍ فيه قطرةُ بولٍ أو خمرٍ، أو في بعض مساقط ثوب المصلِّي لا تصح اعتمادًا على قوله: «جُعِلت لي كلُّ أرضٍ طيِّبةٍ مسجدًا وطهورا» (٢)، واستنباطًا من تخصيصه وتعليله، مع أنه فهمٌ حسنٌ وفقه صحيح= فما هو أبينُ منه وأصرَحُ، من النهي الصريح والاستثناء القاطع، مع كونه أصحَّ وأشهر، وهو عن السلف أظهر وأكثر= أولى (٣) أن يُعتمَد عليه، فإنَّ هذا كالإجماع من الصحابة. قال أنس: كنت أصلِّي، وبين يديَّ قبرٌ، وأنا لا أشعر. فناداني عمر: القبرَ القبرَ، فظننتُ أنه يعني القمر، فرفعت رأسي إلى السماء. فقال رجلٌ: إنما يعني القبر. فتنحَّيتُ عنه. رواه سعيد وابن ماجه وغيرهما (٤). وذكره

стр. 1155

البخاري في «صحيحه» (١). وقال علي بن أبي طالب ﵁: لا تُصلِّ في حمَّام أو عند قبر (٢). وقال جابر بن سمرة ﵁: لا تصلِّ في أعطان الإبل (٣). وكذلك روي عن ابن عمر ﵄ (٤). ذكر ذلك ابن حامد. وعن ابن عمر (٥) وابن عباس (٦) كراهة الصلاة في المقبرة. وهذا أولى أن يكون صحيحًا مما ذكره الخطابي (٧) عن ابن عمر أنه رخَّص في الصلاة في المقابر. فلعل ذلك ــ إن صحَّ ــ أراد به صلاة الجنازة. وعن علي ﵁ مرفوعًا وموقوفًا قال: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد رواه عبد الرزاق (٨).

стр. 1156

وعن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجل أنصلِّي في مناخ الإبل؟ قال: لا، ولكن صلِّ في مرابض الغنم. رواه مالك وغيره (١). وعن عبد الله بن عمرو قال: تُكرَه الصلاة إلى حشٍّ، وفي حمَّام، وفي مقبرة (٢). وقال إبراهيم: كانوا لا يصلون التطوع. فإذا كانوا في جنازة، فإن حضرت صلاة مكتوبة تنحَّوا عن القبور، فصلَّوا. رواهما سعيد (٣). وقد قدَّمنا عن عمر وغيره من الصحابة أنهم نهَوا عن قراءة القرآن في الحمام، فكيف بالصلاة التي لا بَّد فيها من القراءة، والتي يشترط لها ما لا يشترط لمجرَّد القراءة. وهذه مقالات انتشرت، ولم يُعرَف لها مخالف، إلا ما رُوي عن يزيد ابن أبي مالك قال: كان واثلة [ص ١٥٢] بن الأسقع يصلِّي بنا صلاة الفريضة في المقبرة، غير أنه لا يستتر بقبر. رواه سعيد (٤). وهذا محمول على أنه تنحَّى عنها بعضَ التنحِّي، ولذلك قال: «لا يستتر بقبر». أو لم يبلغه نهيُ رسول الله ﷺ عن الصلاة فيها، فلما سمع النبيَّ ﷺ ينهى عن الصلاة إليها (٥)

стр. 1157

لأنه هو راوي هذا الحديث (١)، ولم يبلغه النهيُ عن الصلاة فيها= عمِلَ بما بلغه، دون ما لم يبلغه. وأمَّا الأحاديث المشهورة في جعل الأرض مسجدًا، فهي عامَّة، وهذه الأحاديث خاصَّة. وهي تفسِّر تلك الأحاديث، وتبيِّن أن هذه الأمكنة لم تُقصَد بذلك القول العامِّ. ويوضِّح ذلك أربعة أشياء: أحدها: أنَّ الخاصَّ يقضي على العام، والمقيَّد يفسِّر المطلق، إذا كان الحكم والسبب واحدًا، والأمر هنا كذلك. الثاني: أنَّ قوله: «جُعِلت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا» بيانٌ لكون جنس الأرض مسجدًا له، وأنَّ السجود عليها لا يختصُّ بأن تكون على صفة مخصوصة، كما كان في شرع من قبلنا. لكنَّ ذلك لا يمنع أن تعرِضَ للأرض صفةٌ تمنع السجود عليها. فالأرضُ التي هي عطَن أو مقبرة أو حمام، هي مسجدٌ، لكنَّ اتخاذها لما [ .... ] (٢) له مانع عرض لها إخراجُها عن حكمها. ولو خرجت عن أن تكون حمّامًا أو مقبرةً لكانت على حالها. وذلك أنَّ اللفظ العامَّ لا يُقصَد به بيانُ تفاصيل الموانع، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقد عُلِم أنَّ العقد لا بدَّ فيه من عدم الإحرام، وعدم العِدَّة، ولا بدَّ له من شروط وأركان. الثالث: أنَّ هذا اللفظ العامَّ قد خُصَّ منه الموضعُ النجسُ اعتمادًا على

стр. 1158

تقييده بالطهارة في قوله ﵇: «كلُّ أرض طيِّبة» (١)، وتخصيصُه بالاستثناء المحقَّق والنهي الصريح أولى وأحرى. الرابع: أن تلك الأحاديث إنما قُصِد بها بيانُ اختصاص نبيِّنا ﷺ وأمته بالتوسعة عليهم في مواضع الصلاة، دون من قبلنا من الأنبياء وأممهم حيث حُظِرت عليهم الصلاة إلا في المساجد المبنيِّة للصلاة، فذكر ﷺ أصلَ الخصيصة والمزية، ولم يقصِد تفصيلَ الحكم. واعتضد ذلك بأن هذه الأماكن قليلة بالنسبة إلى سائر الأرض، فلما اتفق قلَّتُها وأنه لم يتمحَّض المقصود لبيان أعيان أماكن الصلاة ترَكَ استثناءَها. فأما أحاديث النهي، فقصد بها بيان حكم الصلاة في أعيان هذه الأماكن، وهذا بيِّن لمن [ص ١٥٣] تأمَّله. وما ذكروه من تعليل النهي، فسنتكلَّم عليه إن شاء الله. إذا ثبت ذلك، فمن صلَّى فيها غيرَ عالم بالنهي فهل تجب عليه الإعادة؟ على روايتين شبيهتين بالروايتين بالتوضؤ من لحم الإبل لغير العالم. وكثير من متأخري أصحابنا ينصرون البطلان مطلقًا للعمومات لفظًا ومعنًى. والذي ذكره الخلال أن قوله استقرَّ أن (٢) لا إعادة. وهذه أشبه، لاسيَّما على قول من يختار منهم أنَّ من نسي النجاسة أو جهلها لا إعادة، فيكون الجهل بالحكم فيها كالجهل بوجود النجاسة إذا كان ممن يُعذَر. ولأنَّ النهي لا يثبت حكمه في حقِّ المنهيِّ حتى يعلم، فمن لم يعلم فهو كالناسي، وأولى. ولأنه (٣) لو صلَّى صلاة فاسدة لنوع تأويل، مثل أن يمسَّ

стр. 1159

ذكره أو يلبس (١) جلود السباع ويصلِّي، ثم يتبيَّن له رجحان القول الآخر لم تجب عليه الإعادة مع سمعه للحجَّة. فالذي لم يسمع الحجة يجب أن يُعذَر لذلك، إذ لا فرق بين أن يتجدَّد له فهمٌ لمعنًى لم يكن قبل ذلك، أو سماعٌ لعِلمٍ لم يكن قبل ذلك، إذا كان معذورًا بذلك؛ بخلاف من جهل بطلانَ الصلاة في الموضع النجس، فإنَّ هذا مشهور. ولو صلَّى في موضع لم يعلم أنه مقبرة، ثم تبيَّن له أنه مقبرة، فهنا ينبغي أن يكون كما لو صلَّى في موضع نجس لا يعلم بنجاسته، ثم علِمَ بعد ذلك، وقد تقدَّم قولُ عمر لأنس: «القبرَ، القبرَ». ولم يأمره بالإعادة لأنه لم يكن يعلم أنَّ بين يديه قبرًا. الفصل الرابع أنَّ أكثر أصحابنا لا يصحِّحون الصلاة في شيء من هذه المواضع، ويجعلونها كلَّها من مواضع النهي ومنهم من لم يعدَّ مواضع النهي إلا أربعة فقط، وهي: المقبرة، والحُشّ، والحمّام، وأعطان الإبل؛ سوى الموضع النجس والمغصوب. وهذا هو الذي ذكره الشيخ ﵀، وهو مقتضى كلام الخِرَقي وغيره لوجهين: أحدهما: أنَّ النهي إنما صحَّ في المقبرة والحمَّام وأعطان الإبل. والحُشُّ أسوأ حالًا منها، فأُلحِقَ بها. وسائرُ الأمكنة مدارها على حديث ابن عمر، وإسناده ليس بالقوي، ولا يعارض عموم الأحاديث الصحيحة، لاسيَّما

стр. 1160

وقد استثنى في حديث أبي سعيد المقبرة والحمام خاصَّةً دون غيرهما، وقال: «الأرض كلُّها مسجد». الثاني: أنَّ النهي إنما كان لأنها مظِنَّة النجاسة. وهذه العلة يمكن الاحتراز عنها غالبًا في تلك المواضع، فلا تبطل الصلاة مع تيقُّن اجتناب النجاسة غالبًا. والأول أظهر لوجهين: أحدهما: الحديث المذكور. وقد تقدَّم الجواب عن تضعيفه، لاسيَّما والحديثُ الذي يسمِّيه [ص ١٥٤] قدماء المحدِّثين ضعيفًا مثل هذا خيرٌ من القياس والمجمل، أعني ما ذُكِر فيه الحكمُ جملةً وإن كان بصيغة العموم. وهو أحقُّ أن يتَّبع منه، على ما هو مستوفًى في مواضعه من أصول الفقه، فكيف إذا لم يعارضه إلا عمومٌ ضعيفٌ لكونه مخصوصًا بصور كثيرة، أو قياس ضعيف؟ ثم إن بعض تلك المواضع قد جاء فيها نصوص أخرى مثل جوادِّ الطريق (١) ومثل ظهر بيت الله الحرام (٢)، فإنَّ فيه آثارًا عن الصحابة. والمزبلة والمجزرة أولى بالمنع من الطريق والحمَّام، فصار ذلك الحديث معتضدًا بالآثار التي توافقه، وبفحوى الخطاب الذي يطابقه. وقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: «الأرض كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام» (٣) يشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون إنما استثنى ما على هيئة مخصوصة لا يصلح أن
следующие страницы →