← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

مصوَّر، فما له يستقسم؟» (١) وفي رواية (٢): لمَّا رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمرَ بها، فمُحيت. ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: «قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قطُّ» (٣) وفي رواية (٤): لمَّا قدم أبى أن يدخل البيت، وفيه الآلهة، فأمَر بها، فأخرِجَتْ. وأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله ﷺ : «قاتلهم الله، واللهِ قد علموا أنهما لم يستقسما بها قطُّ» فدخل البيتَ، فكبَّر في نواحيه، ولم يصلِّ. رواه البخاري (٥). فهذا نصٌّ في أنه امتنع من الدخول حتى مُحِيت الصور، فكيف يقال: إنه ﷺ صلَّى في الكعبة، والتماثيلُ فيها؟ وقد روى الأزرقيُّ (٦) أنه ﷺ لمَّا دخل البيتَ أرسل الفضل بن عباس، فجاء بماء زمزم. ثم أمرَ بثوبٍ، فبُلَّ بالماء، وأمَر بطمس تلك الصور، فطُمِسَتْ. وروي من غير وجه أنه لم يدخل حتى مُحِيت الصور. ثم لو قُدِّر أنه قد دخل قبل الطمس، فإنه لم يدخل حتى طُمِست أو شُرِع في طمسها كما يدلُّ عليه ظاهر بعض الروايات. ولو كان قد صلَّى بعد الأمر بطمسها، فهو قد شرع في إزالة المنكر، فلا يشبه هذا من صلَّى في موضعٍ الصورُ فيه

стр. 1227

مستقِرَّة. ولهذا جاز للرجل أن يحضر الوليمة التي فيها منكر إذا قصد أن ينكِر، وإن كان الحضور قبل الإنكار. فصل ولا يصلَّى في مواضع الخسف. نصَّ عليه في رواية عبد الله (١)، واحتجَّ بما رواه بإسناده عن حُجْر بن عَنْبَس الحضرمي قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب إلى النَّهروان حتَّى إذا كنَّا ببابل حضرت صلاة العصر، فقلت: الصلاة! فسكت، مرّتين. فلمَّا خرج منها صلَّى، ثم قال: ما كنت أصلِّي بأرض خُسِف بها، ثلاث مرَّات (٢). وروى أبو داود في «سننه» (٣) عن عمَّار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أنَّ عليًّا ﵁ مرَّ ببابل وهو يسيرُ، فجاءه المؤذِّن يؤذِّن (٤) بصلاة العصر. فلمَّا [ص ١٨٧] برز منها أمر المؤذنَ، فأقام الصلاة. فلما فرغ قال: إنَّ حبيبي (٥) نهاني أن أصلِّي في المقبرة، ونهاني أن أصلِّي في أرض بابل فإنها ملعونة. ولأنَّ النبي ﷺ نهى عن الدخول إلى مساكن الذين ظلموا أنفسهم،

стр. 1228

وسنَّ إن اجتزنا بها الإسراعَ. فروى ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ لما مرَّ بالحِجْر قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلّا أن تكونوا باكين. فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثلُ الذي أصابهم» ثم قنَّع رسول الله ﷺ رأسَه، وأسرع السيرَ حتَّى أجاز الوادي. متفق عليه (١). وقد قيل: إنه ﷺ أسرع السيرَ بوادي محسِّر صبيحة مزدلفة، وسنَّ للحجيج الإسراع فيه؛ لأنه المكان الذي نزل على أهل الفيل فيه العذابُ، وحسَر فيلُهم فيه، أي انقطع عن الحركة إلى جهة مكة. ويقال: إنه يُخسَف بقوم فيه. فإذا كان المكثُ في مواضع (٢) العذاب والدخول إليها لغير حاجة منهيًّا (٣) عنه، فالصلاةُ بها أولى. ولا يقال: فقد استثنى ما إذ كان الرجل باكيًا، لأنَّ هذا الاستثناء من نفس الدخول فقط. فأما المكث بها والمقام والصلاة، فلم يأذن فيه، بدليل حديث علي، ولأنَّ مواضع السخط والعذاب قد اكتسبت السخط بما نزل ساكنيها، وصارت الأرض ملعونة، كما صارت مساجدُ الأنبياء مثل مسجد إبراهيم ومحمد وسليمان صلى الله عليهم مكرَّمةً لأجل مَن عبد الله فيها، وأسَّسها على التقوى. فعلى هذا، كلُّ بقعة نزل عليها عذابٌ لا يصلَّى فيها، مثل أرض الحِجْر وأرض بابل المذكورة، ومثل مسجد الضِّرار لقوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]. فإن صلَّى فهل تصحُّ صلاته؟ فعلى ما ذكره طائفة من أصحابنا تصحُّ،

стр. 1229

لأنهم جعلوا هذا من القسم الذي تُكرَه الصلاة فيه ولا تَحرُم، لأنَّ أحمد كرِه ذلك (١)؛ ولأنهم لم يستثنوه من الأمكنة التي تجوز (٢) الصلاة فيها. ولأصحابنا في الكراهة المطلقة من أبي عبد الله وجهان (٣)، أحدهما: أنه محمول على التحريم. وهذا أشبه بكلامه، وأقيس بمذهبه، لأنه قد قال في الصلاة في مواضع نهى النبيُّ ﷺ عنها: يعيد الصلاة (٤). وكذلك عقد القاضي والشريف أبو جعفر وغيرهما الباب في ذلك (٥) بأنَّ كلَّ بقعة نُهي عن الصلاة فيها مطلقًا لم تصحَّ الصلاة فيها كالأرض النجسة. وهذا ظاهر، فإنَّ الواجب إلحاق هذا بمواضع النهي، لأنَّ النبيَّ ﷺ نهى عنه، كما نهى عن الصلاة في المقبرة، ونهى الله نبيَّه أن يقوم في مسجد الضِّرار، ونهى النبيُّ ﷺ عن الدخول إلى مساكن المعذَّبين عمومًا. فإذا كان الله نهى عن الصلاة في الأماكن الملعونة خصوصًا، ونهى [نبيُّه] (٦) عن الدخول إليها

стр. 1230

عمومًا (١)، وعمل بذلك خلفاؤه الراشدون [ص ١٨٨] وأصحابه، مع أنَّ الأصل في النهي التحريم والفساد= لم يبق للعدول عن ذلك بغير موجِبٍ وجهٌ، لاسيَّما والنهي هنا كان مؤكَّدًا. ولهذا لمَّا عجَنوا دقيقَهم بماء أهل ثمود أمرهم أن يَعلِفوه النواضحَ ولا يَطعموه (٢)، فأيُّ تحريم أبيَن من هذا؟ قوم مجاهدون في سبيل الله في غزوة العسرة (٣) التي غلب عليهم فيها الحاجة، وهي غزوة تبوك التي لم يكن يحصي عددَهم فيها ديوان حافظ، وخرجوا في شدَّة من العيش وقلَّة من المال، ومع هذا يأمرهم أن لا يأكلوا عجينهم الذي أعزُّ أطعمتهم عندهم. فلو كان إلى الإباحة سبيل لكان أولئك القوم أحقَّ الناس بالإباحة. فعُلِم أنَّ النهي عن الدخول والاستقاء كان نهيَ تحريم. ثم إنه قد قرَن بين الصلاة في الأرض الملعونة والصلاة في المقبرة، ثم جميع الأماكن التي نُهي عن الصلاة فيها إذا صلَّى فيها لم تصح صلاته، فما بالُ هذا المكان يُستثنى من غير موجِب إلا عدم العلم بالسنَّة فيه؟ فصل قال الآمدي وغيره: تُكرَه الصلاة في الرَّحَى ، ولا فرق بين علوها وأسفلها والسطح. هكذا روى جماعة من السلف. هكذا ذكروا. لعلَّ هذا لما فيها من الصوت الذي يُلهي المصلِّي ويشغَله. ولذلك كُرِه رفعُ الصوت في المسجد. وكانوا يكرهون رفع الصوت في الذكر.

стр. 1231

فصل السنَّة أن يكون موضع الصلاة مستقرًّا مع القدرة . فإن لم يصلِّ على مكان مستقِرٍّ مثل أن يقوم على الأرجوحة التي تُرجحه، وهو يصلِّي وهو معلَّق بالهواء؛ أو يسجد على متن الماء أو الطين، أو على متن الهواء بأن يقف على سطح ويسجد على الهواء المسامِت له، أو يسجد على ثلج أو قطن أو حشيش ونحو ذلك من الأجسام المنتفشة ولا يجِد حجمَه= لم تصحَّ صلاته، لأنَّ القيام والقعود والركوع والسجود واجب، وإنما تتمُّ هذه الأركان على المكان المستقرِّ. ولهذا لا يجوز أن يسجد بالإيماء، وإن بلغ إلى حدٍّ يجزئه، لو كان هناك ما يسجد عليه. فعُلِم أنَّ المقصود لا يتِمُّ إلا بالاستقرار. فإن وضع يديه أو رجليه على غير مستقِرٍّ، فإن قلنا: السجود على الأعضاء السبعة واجب، وهو المشهور، فهو كالجبهة. وأما إن كانت أعضاؤه على مكان مستقِرٍّ، وتحته هواء، لم يضُرَّ ذلك. فإن صلَّى في سفينة، وأتى بجميع أركان الصلاة من القيام [ص ١٨٩] والاستقبال وغيرهما؛ أو على راحلة بأن تكون معقولةً وفوقها مقعد واسع، أو يكون في مِحَفَّةٍ كبيرة أو محمِل واسع؛ فهل تصح صلاة الفرض لغير عذر؟ على روايتين، أشهرهما عند أصحابنا: أنها تصح. قالوا: وسواء كانت الدابَّة والسفينة سائرتين أو واقفتين. وفي الأخرى: لا تصح، لأن مكانه ليس بمستقِرٍّ، لأنها إن كانت سائرة فهو تابع لها في الحركة، وإن لم يكن في نفسه متحرِّكًا، فهو كالمصلِّي في الأرجوحة. وإن كانت واقفة فهي في مظنة الحركة.

стр. 1232

ومن أصحابنا من حكى الروايتين في السفينة، وقال في الراحلة: لا تجوز الصلاة عليها رواية واحدة إلا لعذر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ووجه الأول: ما روى عبد الله بن عتبة قال: سافرتُ مع أبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وناس من أصحاب النبي ﷺ ، فصلَّوا في السفينة قيامًا، وأمَّهم بعضُهم بمقدَّمهم. قال: ولو شئنا أن نخرج إلى الجُدِّ (١) الآخر خرجنا. والجُدُّ هو الشاطئ. رواه سعيد (٢). ولأنه مكان معتاد للتمكُّن عليه أتى فيه بجميع الشرائط والأركان، فصحَّت صلاته عليه كالسرير. وأما كونُ المصلِّي متحرِّكًا، فليس بصحيح، لأنه في نفسه ساكن مستقِرٌّ، وإنَّما يوصف بالحركة على سبيل التبع، لأنَّ مستقَرَّه متحرِّك، لكن تلك الحركة لا أثر لها في صلاته، فإنه لا فرق بين الجلوس في السفينة والجلوس على الأرض. وأما الصلاة على العجلة، فقال ابن عقيل: لا تصح الصلاة على العجلة. قال: وهي خشبة على بَكَر، تسير على تلك البَكَر، لأنَّ ذلك ليس بمكان مستقِرّ عليه، فأشبه الأرجوحة. وعدَّ غيرُه من أصحابنا الصلاة فيها كالصلاة في السفينة، تصِحُّ في ظاهر المذهب. وهذا أجود.

стр. 1233

فصل فأما المعذور، فمن لم يمكنه الخروج من السفينة، إمَّا لبعده عن الساحل، أو لخوفه من عدوٍّ أو نحو ذلك، فإنه يصلِّي فيها على حسب حاله. فإن أمكنه القيام والاستقبال لزمه ذلك، سواء كانت سائرة أو واقفة؛ لما روى ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ : كيف أصلِّي في السفينة؟ قال: «صلِّ فيها قائمًا إلا أن تخافَ الغرقَ» رواه الدارقطني والحاكم في «صحيحه» (١). ولأنَّ أركان الصلاة يجب فعلُها مع القدرة عليها، لما نذكره ــ إن شاء الله ــ من أدلَّة وجوبها. وإذا دارت السفينة، فقال ابن أبي موسى (٢) وغيره: يستقبل القبلة في الفرض، ويدور إليها كلَّما دارت السفينة. [ص ١٩٠] ويُعذَر في النفل أن لا يدور إلى القبلة إذا دارت السفينة. وهذا يشبه الراكبَ في العَمّارية (٣) والمَحْمِل ونحوهما. وفي وجوب الاستدارة عليه في النفل إذا أمكنه وجهان.

стр. 1234

وإن لم يمكنه القيام في السفينة بأن يخاف الغرق، أو يهيج به المِرَّة (١) فيمرض ونحو ذلك، لصغرها وسيرها، أو تكون مسقوفة ولا يمكنه الصعود إلى الطبقة العليا، أو يخاف أن يراه عدوٌّ يؤذيه ونحو ذلك= صلَّى جالسًا، وسجد على ما فيها من الأحمال والثياب والأمتعة وغيرها إن أمكنه. ولا بدَّ من استعلاء عجيزته على رأسه مع القدرة، فإن عجز أومأ إيماء. فإن أمكنهم أن يصلُّوا قيامًا فرادى واحدًا (٢) بعد واحد، ولم يمكنهم أن يصلُّوا جميعًا إلا بجلوس بعضهم؛ فقال جماعة من أصحابنا: يصلُّون وُحْدانًا مع اتساع الوقت ولا يسقط القيام هنا للجماعة (٣)، بخلاف المريض الذي لا يمكنه القيام في الجماعة ويمكنه في الانفراد، فإنه يصلِّي في الجماعة إن شاء؛ لأنَّ حكم العجز لا يثبت لغير معيَّن. ولهذا قلنا في العُراة: إنهم يصلُّون في الثوب واحدًا (٤) بعد واحد. وعلى هذا فإذا خافوا خروج الوقت بالصلاة قيامًا صلَّى بعضهم قاعدًا كما في العراة. وقال ابن أبي موسى (٥): لم يختلف قوله: إنه إن قدر جميعُهم على القيام جاز أن يصلُّوا جماعة في السفينة. فإن عجزوا عن القيام، فهل يصلُّون جماعةً أم لا؟ على روايتين. أجاز ذلك في إحداهما، ومنع منه في الأخرى، واختياري أن ذلك جائز.

стр. 1235

وقال غيره: إن أمكن أن يقوم بعضهم دون بعض صلَّى من أمكنه القيام ثم قعدوا (١)، وصلَّى الآخرون. وإن ضاق بهم الوقت صلَّى كلُّ واحد بحسب إمكانه (٢). وان عجزوا عن القيام، فهل يصلُّون جماعةً؟ على روايتين. وظاهر ما اختاره ابن أبي موسى من الروايتين هو قياس المذهب، وهو أن يصلُّوا جماعةً مع قعودهم أو قعود بعضهم. ثم إن كان موضع القيام واحدًا قام فيه الإمام، وإن كان أكثر من واحد صلَّوا على المقاعد التي كانوا عليها قبل الصلاة؛ لأن من أصلنا جواز القعود خلف الإمام إذا صلَّى قاعدًا، لأن فضل الجماعة أسقط القيام. وكذلك المريض له أن يصلِّي جماعةً مع قعوده وإن أمكنه الصلاة وحده قائمًا. ولأنَّ الجماعة مع الخوف فيها مما يُفسِد الصلاة في الجملة أعظم من ترك القيام، ثم احتُمِل ذلك لأجل الجماعة. ومن تأمَّل [ص ١٩١] الشريعة علِم أنَّ الشارع يحافظ على الصلاة جماعةً (٣) كيفما أمكن، ولا يبالي ما فات في ضمن الجماعة. ولأنَّ من أصلنا أنَّ الجماعة واجبة، والقيام واجب أيضًا، لكن القيام ركن خفيف يسقط في النوافل مطلقًا، ويسقط في الفرائض في مواضع. وأمَّا الجماعة فلم نجد الشارع أسقطَها إذا أمكنت من غير ضرر قطُّ.

стр. 1236

فصل وأما العذر في الراحلة، فثلاثة أسباب: الخوف والوحل والمرض. فأما الخوف، فمثل الذي يخاف في نزوله من عدوّ، أو من انقطاعه عن الرفقة الذين لا يحتبسون له، أو لا يمكنه النزول لكونه على مركوب لا يُنزله عنه إلا إنسان، وليس هناك من يُنزله عنه؛ أو يمكنه النزول ولا يمكنه الصعود ولا يقدر على المشي، أو يخاف انفلات الدابَّة بنزوله، ونحو ذلك ممَّا يخاف في نزوله ضررًا في نفسه أو ماله= فإنه يصلِّي على حسب حاله، كما يصلِّي الخائفُ من العدوّ، على ما سنذكره ــ إن شاء الله تعالى ــ، لعموم قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وفي حديث ابن عمر: «فإن كان خوفٌ أشدُّ من ذلك صلَّوا ركبانًا ورجالًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها» (١). لاسيما إذا قلنا: إن طالب العدوِّ يصلِّي على الدابة إذا خاف من فوته، فإنَّ ما يخافه في هذه المواضع قد يكون أشدَّ ضررًا مما يخافه من فوت العدو. ولأنَّه يخاف في النزول ضررًا، فجاز أن يصلِّي على الدابة كالخائف من العدو. ولأنَّ القيام والاستقبال من أخفِّ فروض الصلاة يسقطان في التطوع، فإذا كانت الطهارة والسترة تسقط بمثل هذا الخوف، فسقوطُ القيام والتوجه أولى. هكذا ذكر طائفة من أصحابنا. وقال ابن أبي موسى (٢): لم يختلف قوله: إنّ التوجه إلى القبلة في المكتوبة في سائر الأحوال من شرط صحة الصلاة إلا في حال المسايفة خاصَّة.

стр. 1237

السبب الثاني: الوحل . فإذا خاف التأذِّي في بدنه أو ثيابه بالوحل والمطر والثلج بأن لا يمكنه بسطُ شيء عليه إمَّا لكثرته وأذاه للبسط أو لعدم البسط، ولا يمكنه الوقوف عليه إلا بضرر؛ فإنه يصلِّي على الراحلة بأن يستقبل القبلة ويقف إن كان مسيره إلى غير القبلة. وإن كان جهة مسيره إلى القبلة، فقال أصحابنا: يصلِّي في حال سير الدابة، كما يصلِّي في السفينة. هذه إحدى الروايتين. وعنه: يلزمه النزولُ إلى الأرض، والسجودُ على متن الطين. نقلها حنبل. [ص ١٩٢] وكذلك الروايتان فيمن كان في ماء أو طين. فعلى الرواية الأولى يومئ إلى الحدِّ الذي لو زاد عليه تلوَّث، وهذه الرواية اختيار الخرقي وأكثر أصحابنا (١). وعلى الرواية الأخرى، يسجد على متن الماء أو الطين. وهو اختيار أبي بكر. وقال ابن أبي موسى (٢): «اختلف قوله في الغريق يُصلِّي في الماء والطين على روايتين، قال في إحداهما: يومئ بالركوع والسجود. وقال في الأخرى: يسجد على متن الماء. والقائمُ في الماء والطين، العاجزُ عن الخروج عنه يصلِّي ويومئ في الركوع والسجود إيماءً (٣) قولًا واحدًا». وفرَّق بين الماء والطين، وهو فرق حسن. فإن قلنا: يجب النزول ويجب السجود على الطين، فلما روى أبو سعيد قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ سجد (٤) في

стр. 1238

الماء والطين حتَّى رأيت أثر الطين في جبهته (١). وعن عطاء قال: سألتُ عائشة: هل رُخِّص للنساء أن يصلِّين على الدوابِّ؟ قالت: ما رُخِّص لهن في شدَّة ولا رخاء. رواه أبو داود (٢). ووجه الأول: ما روى يعلى ابن أمية أنَّ النبيَّ ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسَّماءُ من فوقهم، والبِلَّةُ من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذِّنَ فأذَّن وأقام، ثم تقدَّم رسول الله ﷺ على راحلته، فصلَّى بهم يُومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع. رواه أحمد والترمذي (٣). وعن أنس بن مالك: أنه صلَّى بهم المكتوبة على دابته، والأرض طين. ذكره أحمد وغيره (٤). وقد رواه الدارقطني مرفوعًا (٥) إلا أنه

стр. 1239

قال: المحفوظ عن أنس فعلُه غير مرفوع. ولم يُنقَل عن صحابي خلافه. السبب الثالث: المرض . فعنه: أنه ليس بعذر في الصلاة على الراحلة. نصَّ عليه (١) مفرِّقًا بينه وبين الوحل، لأنَّ ابن عمر ﵁ روى عن النبي ﷺ أنه كان يوتر على راحلته، ويسبِّح عليها، ولا يصلِّي عليها المكتوبة. متفق عليه (٢). وكان ابن عمر يُنزِل مرضاه، فيصلُّون بالأرض (٣). ذكره أحمد. فعُلِمَ أنه فَهِم من فعل النبيِّ ﷺ استواءَ الصحيح والمريض في هذا الحكم. ولأنَّ المريض لا ضرر عليه في صلاته بالأرض، بل ذلك أهوَن عليه من صلاته على الدابة. وإنما قد يشقُّ عليه حركة النزول فقط، وهذا يعارضه حركة هَزِّ الدابة. وعنه أنَّ المريض يصلِّي على الدابة، لأنَّ المشقة عليه في نزوله [ص ١٩٣] أعظم من مشقَّة التلوُّث بالطين. ثم من أصحابنا من أطلق الروايتين. وعلى هذه الطريقة فقد اختار جدِّي ﵀: إن تضرَّر بنزول أو لم يكن له من يُنزله، فإنه يصلِّي على الدابة. وإن لم يتضرَّر فهو كالصحيح (٤). ومن أصحابنا من جوَّز ذلك، فقال: إن كان النزول يزيد في مرضه، أو لا

стр. 1240

يقدر على الركوب إذا نزل، أو لا يجد من يُنزله= جازت صلاته على الراحلة، روايةً واحدةً. وإن لم يكن عليه مشقة في النزول وجب عليه النزول روايةً واحدةً. وإن شقَّ عليه النزول من غير زيادة في المرض، فهو على الروايتين. وهذه الطريقة أصوب، والله أعلم. مسألة (١): (الشرط الخامس: استقبال القبلة، إلَّا في النافلة على الراحلة للمسافر، فإنه يصلِّي حيث كان وجهُه . والعاجزُ عن الاستقبال لخوفٍ أو غيرِه فإنه يصلِّي كيفما أمكنه. ومن عداهما لا تصحُّ صلاته إلا مستقبلَ الكعبة). الكلام في فصلين: أحدهما: أنَّ استقبالَ الكعبة ــ البيت الحرام ــ شرطٌ لجواز الصلاة وصحتها. وهذا مما أجمعت الأمة عليه. والأصل فيه: قوله : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآيات [البقرة: ١٤٢ - ١٤٤]. واستدلَّ بعض أصحابنا من القرآن على ذلك بقوله أيضًا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].

стр. 1241

وقد كان النبيُّ ﷺ والمسلمون يصلُّون إلى بيت المقدس، وكان ﷺ يجعل الكعبة بينه وبينها محبَّةً منه لقبلة إبراهيم. فلما هاجر صلَّوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا وبعضَ آخر، ثم حُوِّلت القبلة إلى الكعبة. فعن ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ، فقال: إنّ النبيَّ ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل القبلة، فاستقبِلوها. وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة (١). والأحاديث في ذلك مشهورة متواترة. وقال ﷺ للأعرابي [ص ١٩٤] المسيء في صلاته: «إذا قمتَ إلى الصلاة، فأسبِغ الوضوءَ، ثم استقبِل القبلةَ، فكبِّر» متفق عليه (٢). وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلَّى صلاتَنا، واستقبل قبلتَنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ذمة الله ورسوله، فلا تُخْفِروا الله في ذمته» رواه البخاري (٣). الفصل الثاني: أن استقبال القبلة يسقط مع العلم بجهتها في موضعين: أحدهما: إذا عجز عن استقبالها ، لخوفه إن استقبلها من عدوٍّ أو سَيل أو سَبُع، بأن يهرب من العدوِّ المباحِ هربُه منه، أو يسايفه العدو الذي يباح له أن يسايفه؛ وإمّا أن يكون مربوطًا إلى غير القبلة، أو يكون بين حائطين ولا يمكنه الاستدارة إلى القبلة؛ وإمَّا بأن يكون مريضًا لا يجد من يديره= فإنه في هذه الحال لا يتعيَّن عليه استقبال جهة الكعبة، بل أيُّ جهة قدرَ على الصلاة

стр. 1242

إليها فهي قبلته، لأنَّ في حديث ابن عمر: فإن كان خوفٌ أشدُّ من ذلك صلَّوا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ . هكذا رواه البخاري (١). ورواه ابن ماجه (٢) مرفوعًا إلى النبي ﷺ من غير تردُّد. ولأنَّ عبد الله بن أنيس لما بعثه النبيُّ ﷺ لقتل خالد بن سفيان الهذلي صلَّى ماشيًا بالإيماء إلى غير الكعبة (٣). وهذا لأنّ الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وهذه الآية تعُمُّ جميعَ المصلِّين، لكن نُسِخ منها أو خُصَّ منها القادرُ، فيبقى حكمها في العاجز، كما جاء في الحديث. ولأنَّ الله لا يكلِّف نفسًا إلّا وسعها، فإذا تضرَّر باستقبال الكعبة كان أن يصلِّي إلى جهة أخرى أولى من تفويت الصلاة. فإن قيل: فهلَّا أوجبتم الإعادة على المربوط ونحوه؛ لأنه ترك الشرط

стр. 1243

لعذر نادر غير متصل، كمن صلَّى بلا ماء ولا تراب، وكالعاجز عن إزالة النجاسة؟ قلنا: قد قال ابن أبي موسى (١): «من كان مصلوبًا على خشبة مستدبرَ القبلة، أو محبوسًا في موضع نجس لا يجد وضوءًا، ولا يقدر على التيمُّم= صلَّى على حاله يومئ إيماءً، ويعيد إذا قدر على الوضوء في إحدى الروايتين». فقد جعلهما سواء. وأمَّا غيره فلم يوجب الإعادة بحال. أمَّا [ص ١٩٥] على إحدى الروايتين، فإنَّ جميع الشرائط تسقط بالعجز من غير إعادة. وأمَّا على الرواية الأخرى، فإنَّ القبلة أشبه بالسترة منها بالطهارة. ولهذا فُرِّق فيها بين الفرض والنفل، كما فُرِّق في السترة عندنا. فإذا سقطت السترة فالقبلة أولى، لأنها أخفُّ، فإنَّ سائر الجهات عوض عن جهة الكعبة عند العجز عنها، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. والشرط إذا كان له بدل لم تجب الإعادة بالعجز عنه كالوضوء. ولأنَّ الطهارة أوكد الشروط، واستقبال الكعبة أخفّ الشروط، لهذا سقطت في النافلة على الراحلة، فصارت بمنزلة القيام في الأركان، فلا يصح إلحاق أحدهما بالآخر. الموضع الثاني: في صلاة النافلة في السفر ، وهو مُجمَع عليه لما روى ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يسبِّح على راحلته قِبَلَ أيِّ وجهٍ توجَّه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلِّي عليها المكتوبة. متفق عليه (٢).

стр. 1244

وعن ابن عمر قال: كان النبيُّ ﷺ يصلِّي على راحلته تطوعًا أينما توجَّهت به، وهو جاءٍ من مكة إلى المدينة. وقرأ ابن عمر هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقال ابن عمر: في هذا أنزلت هذه الآية. رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي صحَّحه (١). وعن عامر بن ربيعة قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ وهو على راحلته يسبِّح، يومئ برأسه قِبَلَ أيِّ وجهٍ توجَّه. ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة. متفق عليه (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يصلِّي على راحلته تطوعًا حيث توجَّهت به في السفر، فإذا أراد أن يصلِّي المكتوبة نزل، فاستقبل القبلة. رواه أحمد والبخاري (٣). وهذا في الحقيقة يعود إلى المعنى الأول، لأنَّ المسافر أكثرَ أوقاته سائر، وإذا كان سائرًا لا يمكنه التنفلُ إلا (٤) إلى جهة قصده، أو أن يُبطل سفرَه، وفي إبطال السفر ضررٌ عليه، فصار عاجزًا عن النافلة إلا على هذا الوجه؛ بخلاف المكتوبة، فإنَّ زمنها يسير. ولا فرق في ذلك بين السفر الطويل والقصير، لأنَّ احتياج الإنسان إلى التطوع في السفر القصير كاحتياجه إليه في الطويل.

стр. 1245

فأما الراكب السائر في المصر، فلا يجوز له ذلك [ص ١٩٦] في المشهور عنه. وعنه: يجوز له ذلك كما يجوز له في السفر. ووجه الأول: أنَّ ذلك لم يُنقَل عن النبي ﷺ ، ولا هو في معنى المنقول عنه، لأنَّ المسافر لو لم يجُز له التطوع لأفضى إلى ترك التنفل، فإنَّ أغلب أوقاته يكون سائرًا بخلاف المقيم في الحضر، فإنَّ أغلب أوقاته المكث، فلا يفضي منعُه إلى تعطيل التطوع في حقِّه. فصل ويجوز التنفل على الدابة، سواء كانت بعيرًا أو فرسًا أو بغلًا أو حمارًا أو فيلًا أو غير ذلك من المراكب، وسواء كان طاهرًا أو نجسًا إذا كان ما يلاقي المصلي طاهرًا. هذه إحدى الطريقتين لأصحابنا. ومنهم من قال: إذا كانت الدابة نجسةً نجاسة عينية أو عارضة خُرِّج فيه الروايتان فيمن فرش طاهرًا على نجس، لأنه كذلك. ومن فرَّق بينهما قال: أبدان الدوابِّ غالبًا لا تسلم من نجاسة، لا سيما والبغل والحمار، إذا قلنا: هما نجسان، فإنَّ الحاجة ماسَّة إلى ركوبهما، فعفي عن ذلك للحاجة. وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه كان يصلِّي على حماره (١)، وقد تقدَّم ذلك، فلا وجه لخلاف السنَّة. ولا يجوز أن يجعل في هذه الصورة (٢) خلاف في المذهب، لكن يكون من اشترط الطهارة يقول

стр. 1246

بطهارة الحمار، أو يفرِّق بين الدواب وغيرها، أو يفرِّق بين الفرش على نجاسة رطبة أو يابسة. وأما مخالفة عين ما جاءت به السنَّة، فلا يحلُّ بوجه من الوجوه. ولذلك لم يختلف نصُّ أحمد في جواز التطوع على الحمار والبعير وغيرهما. فصل وهل يجوز التطوع إلى غير القبلة للماشي حيث يجوز للراكب؛ على روايتين: إحداهما: لا يجوز. وهو مقتضى ما ذكره الخِرَقي والشيخ المصنِّف وغيرهما (١)، لأنَّ ذلك لم يُنقَل عن النبي ﷺ إلا في حال الركوب. وليس الماشي كالراكب، لأنَّ الماشي متحرِّك بنفسه، فهو يعمل في الصلاة عملًا كثيرًا، وذلك مبطل للصلاة، إلا إذا كان لضروروة مثل صلاة الخوف، ولا ضرورة هنا. ولأن أصحاب رسول الله ﷺ ما زالوا يسافرون مشاةً، والنبيُّ ﷺ قد كان أحيانًا يتعقب هو وبعض أصحابه على بعير واحد، ومع ذلك لم يُنقل أنهم صلَّوا مشاة. والثانية: يجوز. [ص ١٩٧] اختارها القاضي وأبو الخطاب وكثير من أصحابنا (٢). وذكره أحمد (٣) عن عطاء، لعموم قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقد ذكر ابن عمر أنها نزلت في التطوع في السفر (٤)،

стр. 1247

لأنَّ راكبها لا أثر له كما سيأتي. وذلك المعنى الذي أبيح للراكب الذي يصلِّي لأجله موجود في الماشي لأنه مسافر سائر، فإمّا أن يترك التطوعَ حالَ سيره، أو يترك الاستقبال فقط. وكونه يعمل عملًا كثيرًا يقابله أن الراكب ليس على مكان مستقِرٍّ، فإنَّ كلاهما (١) مبطل، ويقابله أن الراكب بمنزلة الجالس، والماشي قائم، والقائم صلاته أفضل من صلاة القاعد. ولأنه (٢) يجوز أن يصلِّي ماشيًا طالبًا للعدو في المكتوبة، كما فعل عبد الله بن أنيس (٣) ﵁، فكذلك في النافلة في عموم السفر. فصل ويلزم الماشي أن يستقبل الكعبة حين الافتتاح وهو واقف، ثم يسير إلى جهة قصده. فإذا أراد أن يركع ويسجد، ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه أن يقف، ويركع ويسجد إلى الكعبة، ويسجد بالأرض. قاله القاضي وغيره لأن ذلك متيسِّر عليه، فأشبه الافتتاح. والثاني: له أن يركع ويسجد مومئًا ماشيًا إلى جهة قصده كما في القيام. قاله الآمدي وغيره. وهو الأظهر، لأن الركوع والسجود وما بينهما مكرر في ركعة، ففي الوقوف له وفعلِه بالأرض قطعٌ لسيره، فأشبه الوقوف حالة القيام.

стр. 1248

وأما الراكب، فإن كان يشقُّ عليه استقبال القبلة حين الاستفتاح، مثل أن تكون دابته مقطورة بغيرها (١)، ويشقَّ عليه أن يستدير (٢)، أو تكون الدابة مستصعبة (٣) يشقُّ إدارتها إلى الكعبة= لم يجب عليه في المشهور في المذهب. وقد قيل: إنه يجب عليه ذلك. فأما إن تعذَّر ذلك عليه، فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف. وإن تيسَّر ذلك عليه وجب عليه في إحدى الروايتين المنصوصتين (٤). وفي الأخرى: لا يجب كسائر أجزاء الصلاة، لكن يستحب. وهذا قول أبي بكر وابن أبي موسى (٥). وجه الأول ــ وهو اختيار أكثر أصحابنا ــ: ما روى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوَّع استقبل القبلة بناقته، فكبَّر ثم صلَّى حيث كان وجهُ ركابه. رواه أحمد وأبو داود (٦). ومدار تطوع الراكب على فعله [ص ١٩٨] ﷺ ، فإذا كان إنما كان يفتتح الصلاة مستقبلًا للكعبة وجب اتباعه في ذلك، وحديث أنس قد فسَّر فعله، وسائر الأحاديث لم يتعرَّض لذلك بنفي ولا إثبات.

стр. 1249

ولأنه قد تيسَّر عليه الاستقبال حين (١) الافتتاح، فأشبه الماشي. وأيضًا فإنَّ الاستقبال شرط من شروط الصلاة، فمتى أتى به في أوله جاز أن يستصحب حكمه إلى آخرها إذا شقَّ استصحابُ حقيقته كالنية. وإذا استفتح الصلاة إلى القبلة تمَّمَ (٢) الصلاةَ إلى جهة مسيره. فإن كان سيره يختلف، فينحرف فيه تارةً إلى جهة، ثم ينحرف عنها إلى جهة أخرى، كان على صلاته؛ لأنَّ قبلته جهة سيره، فأيُّهما ولَّى سيرَه إليه فذاك قبلته. هكذا ذكره القاضي وغيره من أصحابنا. وعلى هذا، فلا فرق بين راكب التعاسيف (٣) وغيره. ومن أصحابنا من قال: لا تباح الصلاة لراكب التعاسيف، لأنه ليس له صَوب معين. وإذا عدل راحلته عن جهة سيره، فإن كان إلى جهة القبلة لم تبطل صلاته، لأنها القبلة الأصلية. وإن عدل إلى غيرها فقال أصحابنا: تبطل صلاته سواء عدَّلها هو، أو عدلت هي فلم يردُدْها مع قدرته على ذلك، لأن جهة سيره هي قبلته، وقد تركها عمدًا. وإن عدلت لغفلته أو نومه، أو عجز عن ضبطها أو عدلها ظنًّا أنها جهة سيره، لم تبطل صلاته، سواءٌ تمادى به أولم يتماد به، إلا أن يتمادى به بعد

стр. 1250

زوال العذر ولا يردَّها (١)، فإنه تبطل صلاته. هذا أشهر الوجهين، ولأنه معذور في ذلك. قال القاضي وغيره: ويسجد للسهو إن تمادى به، لأنه أدخل في الصلاة ما ليس منها. وفي الآخر: إن تمادى به ذلك بطلت صلاته بكلِّ حال، لأنه عمل كثير في الصلاة لغير ضرورة. فصل وإذا أمكنه السجود على ظهر الدابة بأن يكون في محمل وغيره لزمه، لأنه ركن مقدور عليه. فإن تعسَّر ذلك عليه أو آذى الدابَّة أومأ، وجعل إيماءه بالسجود أخفض من إيمائه بالركوع. وقد نصَّ أحمد على ذلك. وعنه: ما يدل على أن السجود في المحمل ونحوه مستحب، وليس بواجب (٢). وقال ابن أبي موسى (٣): إن كان في محمل وقدر على الركوع والسجود بحيث لا يشقُّ على البعير ركع وسجد، ولم يجزئه الإيماء. وإن كان ذلك يشقُّ على البعير أومأ في الأظهر من قوله. وإنما جاز الإيماء لما تقدَّم من حديث عامر بن ربيعة أنَّ النبيَّ ﷺ [ص ١٩٩] كان يومئ برأسه قِبَلَ أيِّ وجهة توجَّه (٤). وعن جابر ﵁ قال: رأيت النبيَّ ﷺ يصلِّي ــ وهو على راحلته ــ النوافلَ في كلِّ جهة، ولكن

стр. 1251

يخفض السجود من الركعة، ويومئ إيماءً. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصحَّحه (١). وإن أمكن الراكبَ الاستقبالُ في جميع الصلاة كالراكب في المِحَفَّة الواسعة والعمَّارية لزمه الاستقبال، وإن استدبر جهة سيره. نصَّ عليه، إذ لا مشقة عليه في ذلك على ما تقدَّم، لأنه ركن يقدر عليه، فلزمه فعلُه كالمصلِّي في السفينة، فإنه يجب عليه أن يستقبل القبلة إذا أمكنه. ثم إن قدر على الركوع والسجود لزمه، وإلا أومأ. وعنه: ما يدل على أنَّ ذلك مستحب وليس بواجب. وقال ابن أبي موسى (٢) في راكب السفينة: يستقبل القبلة في الفرض، ويدور إليها كلَّما دارت السفينة. ويُعذَر في النفل أن لا يدور إلى القبلة إذا دارت السفينة. فإذا لم يلزمه الاستدارة إلى القبلة في السفينة، فعلى الراحلة أولى. وإن شقَّ ذلك على البعير فهو كما لو شقَّ عليه السجود على ظهر الدابة، على ما تقدَّم من الروايتين. فصل ومتى عزم على الاقامة في أثناء صلاته أو صار مقيمًا بحصوله في وطنه وجب عليه إتمامُ صلاة مقيم بأن ينزل ويستقبل. فإن اجتاز بمدينة ولم يصر

стр. 1252

مقيمًا فله التطوع ما دام سائرًا. فمتى وصل إلى منزله الذي يريد نزوله نزل وأتمَّ الصلاة على الأرض مستقبلًا، لأن الصلاة على الراحلة إلى غير القبلة إنما تجوز ما دام مسافرًا سائرًا. فأما المسافر الراكب الذي ليس بسائر، وهو الواقف على الدابة، فهذا تجوز له الصلاة عليها، لكن عليه استقبال القبلة في جميع صلاته. هكذا ذكره القاضي والآمدي وغيرهما من أصحابنا؛ لأنه محتاج إلى التطوع عليها، لأنَّ ركوبه عليها مظِنة حاجته إليه، وليس بمحتاج إلى الإعراض عن جهة القبلة، فيلزمه استقبالها. ومتى لم يمكنه أن يديرها صلَّى كيف كان. ومتى وقفت به الدابة في أثناء سيره لزمه أن يلوي بالزمام أو اللجام إلى جهة القبلة إن أمكنه. قال الآمدي: ومن أصحابنا من قال: لا يجوز التطوع على الراحلة إلا للسائر، فأمَّا الواقف فلا. وإن كان يصلِّي نازلًا إلى القبلة، ثم عرض له السفر، فهل يجوز أن يركب ويتمَّ صلاة مسافر؟ على وجهين ذكرهما الآمدي وغيره. أحدهما: يجوز، وهو قول القاضي، لأنه بمنزلة الآمن إذا خاف. [ص ٢٠٠] والثاني: لا يجوز. وهو أظهر لأنه يمكنه أن يُتِمَّ الصلاة بالأرض من غير مشقة، بخلاف الخائف فإنه مضطر إلى الركوب. فصل ولا فرق في هذا بين جميع النوافل من الرواتب وركعتي الفجر والوتر وغير ذلك. نصَّ عليه في مواضع. وقد توقَّف في موضع عن ركعتي الفجر.

стр. 1253

قال ابن أبي موسى (١): اختلف قوله في المسافر: هل يصلِّي ركعتي الفجر على الظهر أم لا؟ على روايتين، أظهرهما أن ذلك جائز. قال: وله أن يوتر (٢) على الراحلة قولًا واحدًا. ووجه الفرق أنه لم يُنقَل عن النبيِّ ﷺ أنه كان يصلِّيهما إلا بالأرض (٣)، ولأنه يتوكَّد فعلُهما في السفر، ويُفعلان تبعًا للفرض؛ فينزل لهما بالنزول له، ويفعلان معه على وجه الأرض. وبهذا يظهر الفرق بينهما وبين سائر التطوعات، لأنها إما أن لا تتوكَّد في السفر كسنَّة الظهر والمغرب أو تُفعَل منفردة كالوتر. والصحيح: التسوية بين الجميع لعموم المعنى لذلك، فإنها من جملة التطوع، ويجوز أن يصلِّيهما قاعدًا، فكذلك على الراحلة. مسألة (٤): (فإن كان قريبًا منها لزمته الصلاة إلى عينها. وإن كان بعيدًا فإلى جهتها) . وجملة ذلك أن الناس في القبلة على قسمين: أحدهما: من يمكنه استقبال عين الكعبة. وذلك على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بحيث يراها مثل أن يكون داخل المسجد أو خارجًا

стр. 1254

عنه وهو ينظرها، فعليه أن يستقبلها بجميع بدنه حتَّى لا يخرج شيء منه عنها. وإن خرج شيء منه عنها لم تصح صلاته. نصَّ عليه. الثاني: أن يعلم ذلك، لكونه من أهل البلد وقد نشأ فيه، سواء كان بينه وبينها حوائل حادثة أو لم يكن، فإنه من طال مقامه بمكان من مكة علِم أين تكون القبلة منه. الثالث: أن يخبره بذلك ثقة من أهل البلد، لكونه غريبًا، أو بينه وبينها حائل وعلى الحائل من يخبره بذلك، فإنَّ الإخبار بالأخبار كالإخبار بدخول الوقت عن علم، فإنَّ هذا الخبر لا يدخله الخطأ، وجواز الكذب من الثقة غير ملتفت إليه في مثل هذا. قال أصحابنا: وحكمُ من كان بمدينة النبيِّ ﷺ حكمُ من كان بمكة، لأنَّ قبلته متيقَّنة الصحة، لأنه لا يُقَرُّ [ص ٢٠١] على الخطأ. القسم الثاني: البعيد، فهذا فرضه الاستدلال والاجتهاد، لكن هل الواجب عليه طلب العين أو طلب الجهة؟ على روايتين: إحداهما: أن فرضه طلبُ العين، فمتى غلب على ظنِّه أنه مستقبل العين أجزأه ذلك، وإن تبيَّن له أنه أخطأها فيما بعد ذلك، أو انحرف عنها انحرافًا يسيرًا. وهذا اختيار أبي الخطاب (١)، لأنَّ الله قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ

стр. 1255

الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]. وقد روى ابن عباس أنَّ النبيَّ ﷺ دخل البيتَ، ثم خرج، فركع ركعتين في قِبَل الكعبة، وقال: «هذه القبلة» متفق عليه (١) وفي حديث آخر أنه عدَّ الكبائر، وذكر منها استحلال الكعبة البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا (٢). وإذا كان نفس الكعبة هي القبلة، فيجب عليه أن يستدِلَّ على قبلته بحسب الإمكان. ولا يكفيه مجرَّدُ التوجُّه إلى جهتها، لأنَّ المستقبِل لجهتها قد لا يكون مستقبِلًا لها، ولأنه مخاطَب باستقبال الكعبة، فوجب عليه أن يقصِد عينَها حسب الطاقة كالقريب. وذلك لأنهما لا يفترقان في فرض استقبال الكعبة، وإنما يفترقان في أنَّ ذلك متيقِّن للصواب على التحديد، وهذا مجتهد في الإصابة على التقريب. ولأنَّ المسافر يلزمه حينَ اشتباهِ الجهات تحرِّي جهة الكعبة، فكذلك العالِمُ بجهة الكعبة يلزمه تحرِّي جهة سَمت الكعبة حسب الطاقة، وإن كان على وجه التقريب والتخمين. وعلى هذه الرواية، متى تيامن أو تياسر عن صَوب اجتهاده لم تصحَّ صلاته، لأنه يغلب على ظنِّه أنه منحرف عن قبلته، فأشبه القريبَ، بخلاف ما إذا توسَّط الجهةَ وتحرَّى نفسَ البيت. والرواية الثانية: ما ذكره الشيخ ﵀ أنَّ فرضه إصابة الجهة. فلو تيامن أو تياسر شيئًا يسيرًا ولم يخرج عن الجهة جاز. وأكثر الروايات عن أحمد

стр. 1256

تدل على هذا. ولهذا أنكر وجوب الاستدلال بالجَدْي، وقال: إنما الحديث «ما بين المشرق والمغرب» (١). وهذا اختيار الخِرَقي وجماهير أصحابنا (٢)، لأنَّ الله سبحانه قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. والمسجد الحرام: اسمٌ للحرم كلِّه. وشطرَه: نحوَه واتجاهه. فعُلِمَ أنَّ الواجب تولية الوجه إلى نحو الحرم، والنحو هو الجهة بعينها. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]. والوجهة: الجهة. [ص ٢٠٢] فعُلِم أنَّ الواجب تولِّي جهة المسجد الحرام. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين المشرق والمغرب قبلة» رواه ابن ماجه، والترمذي (٣) وقال: حديث صحيح. وروي

стр. 1257

ذلك من حديث أبي قلابة عن النبيِّ ﷺ (١). وروي أيضًا مسندًا من حديث ابن عمر (٢) وغيره (٣). وقال ﷺ : «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها؛ ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا». وهذا بيان لأنَّ ما سوى التشريق والتغريب استقبال للقبلة أو استدبار لها. وهذا خطاب لأهل المدينة ومن كان على سَمْتهم وقريبًا من سمتهم: أهلَ الشام والعراق واليمن ونحوهم، دون من كانت

стр. 1258

[قبلته] (١) إلى الركن الأسود أو الركن الغربي وما يقرب منهما من أهل المشرق والمغرب، الذين مساكنهم بين شام الأرض ويمنها على مسامتة مكة وما يقارب ذلك. ولأن ذلك إجماع الصحابة ﵃. قال عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة كلُّه إلا عند البيت. رواه أبو حفص (٢). وذكره أحمد، وقال: ما بين المشرق والمغرب قبلة، إلا عند البيت فهذا لا يكون. ثم لأنه يأتمُّ بالبيت كيف دار. وإن صلَّى قريبًا من الركن، فزال عن الركن قليلًا ترك القبلة، فمكة غير البلدان. وفي رواية: إذا توجَّهت قِبلَ البيت (٣). وروى الأثرم عن عمر (٤) وعلي وابن عباس (٥) أنهم قالوا: ما بين المشرق والمغرب قبلة. وعن عثمان أنه قال: كيف يخطئ الرجل الصلاة، وما بين المشرق والمغرب قبلة، ما لم يتحرَّ المشرق عمدًا (٦). وروى أبو حفص عن ابن عمر قال: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة لأهل المشرق (٧). يعني به: أهل العراق ونحوهم.

стр. 1259

وروى أبو حفص (١) عن المطَّلب بن حَنْطَب أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا وجَّهتَ وجهَك نحو البيت الحرام». يعني ــ والله أعلم ــ إذا وجَّهتَ وجهَك قِبلَه وتُجاهَه. وذلك يحصل باستقبال جهته، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي نحوَه وتلقاءَه. وأراد أن يبيِّن ﷺ أنه لا بد من قصد جهتها. وأيضًا فإنهم أجمعوا على صحة صلاة الصفِّ المستطيل الزائد طوله على سَمْتِ الكعبة مع استقامته، بل على صحة صلاة أهل البلد الذي فيه مساجد كثيرة تصلِّي كلُّها إلى جهة واحدة، مع أنها يمتنع أن تكون [ص ٢٠٣] قبلتها على خطٍّ مستقيم، وهي كلُّها على سَمْتِ عين الكعبة. فإن قيل: مع البعد تحصل المواجهة والمحاذاة لكلِّ واحد مع كثرة المحاذين وطول صفِّهم، لأنَّ المحاذي مع البعد وإن احتاج إلى تقوُّس وانحناء، فهو مع البعد شيء يسير لا يضبط مثله. قلنا: لو كان المفروض محاذاة نفس العين لوجب مراعاة ذلك الشيء اليسير من الانحناء مع القدرة، وأن لا يُتعمَّد تركُه، كما في القريب. فمتى سُلِّم جوازُ تعمُّدِ تركه فلا يُعنى باستقبال جهة الكعبة إلا ذلك، فيرتفع الخلاف. وهذا المعنى هو الفارق بين القريب والبعيد، فإنَّ البعد إذا طال يكون المستقبِل للجهة والعين متقاربين جدًّا، حتَّى لا يكاد يميَّز بينهما. ومثل هذا يعفى عنه، كما عفونا عن سائر الشرائط مما يشقُّ مراعاته، مثل يسير النجاسة، ويسير العورة، والتقدُّم اليسير بالنية، وشبه ذلك؛ فإنَّ الدين أيسر

стр. 1260

من تكلُّف هذا. وقد روي عن النبي ﷺ من وجهين فيهما [ضعف] (١) أنه قال: «البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي» (٢). مسألة (٣): (وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدلَّ بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة. وإن خفيت في السفر اجتهد وصلَّى، ولا إعادة عليه وإن أخطأ) . أما الاستدلال بمحاريب المسلمين، فلأن أهل الخبرة والعلم بجهة الكعبة نصبوها على ذلك، وليس فيها خطأ. وإن فُرِض فهو شيء يسير لا يجب مراعاته، مع قولنا باستقبال الجهة. وإذا قلنا: يجب استقبال العين، فإنه يعفى عن الخطأ اليسير مع الجهل. وكذلك إذا أخبره مخبر ثقة بجهة القبلة عن عِلم، فإنه يقبَل خبرَه. وذلك لأنَّ الإخبار عن جهة القبلة ونصب المحراب إليها ليس هو من باب

стр. 1261

الاجتهاد، حتى يكون الرجوع إلى المخبر والباني (١) فيه الرجوع إلى تقليد مجتهد، وإنما هو من باب الإخبار عن الأمور المعلومة، لأنَّ أهل الأمصار يعلمون الجهات، ولا يخفى ذلك على أحد إصحاءَ السماء، ويعلمون أيضًا مكة من جهاتهم. فصار ذلك كالعلمِ بدخول الوقت، والعلمِ بطلوع الشمس من بعض الجهات. والراجعُ إلى المخبِر بذلك كالراجع إلى المخبِر بدخول الوقت عن علم، وبطلوع الشمس من جهة من الجهات. فإن أخطأ في الحضر [ص ٢٠٤] بأن تبيَّن خطأ المخبر، أو كذبُه، أو فسادُ بناء المحراب، أو غير ذلك؛ فعليه الإعادة في المشهور من المذهب. وقد نصَّ عليه أحمد (٢) فيمن هو في مدينةٍ، فتحرَّى، فصلَّى لغير القبلة: يعيد، لأنَّ عليه أن يسأل. وقال القاضي في «خلافه»: ظاهر كلام أحمد: حكمُ المكي وحكمُ غيره سواء في أنه لا يجب عليه الإعادة، فإنه قال في رواية صالح (٣): «قد تحرَّى». فجعل العلَّة في الإجزاء وجودَ التحرِّي. وهذا موجود في المكي وغيره. وإذا كان هذا في المكي، ففي المقيم بسائر الأمصار أولى. ووجه المشهور: أنه كان قادرًا على اليقين، فلم يُعذَر بالجهل وإن جاز له العمل بغالب الظن، كمن أفطر بخبر إنسان عند غروب الشمس ثم تبيَّن أنها طالعة، أو صلَّى بخبره عن دخول الوقت ثم تبيَّن أنه لم يدخل. ولقد كان القياس يقتضي أنه لا يجوز له العمل بدليل تدخله الشبهة ولو على بعد،

стр. 1262

مع الاقتدار على الاستيقان. وإنما جاز لأنَّ احتمال الخطأ في ذلك نادر جدًّا لا يكاد يقع، فجُعِل كالمعدوم. فإذا تبيَّن خطأ الدليل لزمته الإعادة (١) في الوقت إلى إخبار المخبر الواحد إذا أمكنه العلم، وهذا الباب مثله. فعلى ذلك الوجه لا يرجع إلى إخبار واحدٍ بالجهة مع قدرته على اليقين؛ لكن العلم هنا بالجهة لا يمكن بالعيان لمن لم يسافر إلى مكة ويعلم أين هي من بلده، وإنما يمكن بالسماع المتواتر، وهو مثل العيان. ولذلك جاز الرجوع إلى المحاريب. فصل وأمَّا إذا خفيت في السفر، فإنه يجتهد بالاستدلال عليها بالأدلَّة المنصوبة، ولا إعادة عليه، وإن تبيَّن له الخطأ فيما بعد. قال أبو بكر: لا يختلف قول أبي عبد الله ﵀ في ذلك. وكذلك إن صلَّى بتقليدِ من فرضُه ذلك، ثم تبيَّن أنه أخطأ، فلا إعادة عليه. وذكر الإمام أبو بكر الدِّينوري (٢) صاحب أبي الخطَّاب أن بعض المتأخرين قال: يجب عند الاشتباه أن يصلِّي أربع صلوات إلى الجهات الأربع (٣)، وزعم أنه رواية عن أحمد. قال الدِّينوري: وهو قياس المذهب،

стр. 1263

كما إذا كان معه ثياب طاهرة ونجسة. قال الدِّينوري: وهذا صحيح فإنه قادر على أداء فرضه بيقين، من غير ضرر يلحقه في بدنه وماله، فيلزمه ذلك؛ كما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها. وذلك لأنه اشتبه الواجب بغيره، فوجب فعلُ ما يتيقَّن به فعلُ الواجب؛ كما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها، وكما لو اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، [ص ٢٠٥] أو اشتبه الموضع الطاهر من ثوبه بالنجس. وهذا قول شاذّ مسبوق الإجماع على خلافه. والصواب: المنصوص (١)، لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]. وهذه الآية تدل على جواز استقبال جميع الجهات، نُسِخ ذلك في حقِّ العالم القادر في صلاة الفرض، فيبقى في حقِّ الجاهل بالقبلة، والعاجز عن استقبالها لخوف، ونحوه في حقِّ المتنفِّل في السفر لم يُنسَخ. وهذا لأنَّ الأصل جواز استقبال الوجه إلى جميع الجهات، لكن إذا لم يكن بدٌّ من الصلاة إلى واحدة منها عيَّن الله سبحانه لنا استقبال أحبِّ الوجوه إليه، وأوجبَ ذلك. فإذا تعذَّر ذلك بالجهل وبالعجز سقط هذا الوجوب حينئذ، لأنَّ الإيجاب حينئذ محال. وأيضًا ما روي عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنَّا مع النبي ﷺ في السفر في ليلة مظلمة، فلم يدر أين القبلة، فصلَّى كلُّ رجل منَّا على حياله. فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبيِّ ﷺ ، فنزل ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ رواه ابن ماجه والترمذي (٢) وقال: حديث

стр. 1264

حسن. ليس إسناده بذلك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمَّان، وأشعث يضعَّف في الحديث. قلت: وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١) عن أشعث بن سعيد وعمر بن قيس عن عاصم بن عبيد الله. وهو يقوِّي رواية أشعث، ويزيل تفرُّدَه به. وقد روي هذا المتن من حديث جابر من حديث محمد بن سالم ومحمد بن عبيد الله العَرْزمي عن عطاء عن جابر قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ في مسير، فأصابنا غيم، فتحيَّرنا، فاختلفنا في القبلة، فصلَّى كلُّ رجل منَّا على حدة، وجعل أحدنا يخُطُّ بين يديه لنعلم أمكنتنا. فذكرنا ذلك للنبيِّ ﷺ ، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: «قد أجزأت صلاتكم» رواه الدارقطني وغيره (٢)، وقال: هما ضعيفان. ورواه الباغندي والحسن بن علي المعمري وغيرهما (٣) عن أحمد بن

стр. 1265

عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدتُ في كتاب أبي: ثنا عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: بعث رسول الله ﷺ سريَّةً كنتُ فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منَّا: القبلة هاهنا قِبَل الشمال، فصلَّوا، وخطُّوا خطًّا. وقال بعضنا: القبلة هاهنا قِبَل الجنوب، وخطُّوا خطًّا. فلما [ص ٢٠٦] أصبحنا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فقدِمنا من سفرنا، فأتينا النبيَّ ﷺ فسألناه عن ذلك، فسكت. وأنزل الله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وهو إسناد مقارب. وتعدّد (١) هذه الطرق مما يغلب على القلب أنَّ الحديث له أصل، وهو محفوظ؛ فإنَّ المحدِّث إذا كان إنما يُخاف عليه من سوء حفظه، لا من جهة التهمة بالكذب، فإذا عضده محدِّث آخر أو محدِّثان من جنسه قويت روايته، حتى يكاد أحيانًا يُعلَم أنه قد حفظ ذلك الحديث، لا سيما إذا جاء به محدِّث آخر عن صحابي آخر؛ فإنَّ تطرُّقَ سوء الحفظ في مثل ذلك إلى جماعة بعيد لا يُلتفَت إليه، إلا أن يعارض حديثَهم ما هو أصحُّ منه. وقد روى أصحاب التفسير (٢) عن ابن عباس ﵄ قال خرج نفر
следующие страницы →