الاجتهاد، حتى يكون الرجوع إلى المخبر والباني (١) فيه الرجوع إلى تقليد مجتهد، وإنما هو من باب الإخبار عن الأمور المعلومة، لأنَّ أهل الأمصار يعلمون الجهات، ولا يخفى ذلك على أحد إصحاءَ السماء، ويعلمون أيضًا مكة من جهاتهم. فصار ذلك كالعلمِ بدخول الوقت، والعلمِ بطلوع الشمس من بعض الجهات. والراجعُ إلى المخبِر بذلك كالراجع إلى المخبِر بدخول الوقت عن علم، وبطلوع الشمس من جهة من الجهات.
فإن أخطأ في الحضر [ص ٢٠٤] بأن تبيَّن خطأ المخبر، أو كذبُه، أو فسادُ بناء المحراب، أو غير ذلك؛ فعليه الإعادة في المشهور من المذهب. وقد نصَّ عليه أحمد (٢) فيمن هو في مدينةٍ، فتحرَّى، فصلَّى لغير القبلة: يعيد، لأنَّ عليه أن يسأل.
وقال القاضي في «خلافه»: ظاهر كلام أحمد: حكمُ المكي وحكمُ غيره سواء في أنه لا يجب عليه الإعادة، فإنه قال في رواية صالح (٣): «قد تحرَّى». فجعل العلَّة في الإجزاء وجودَ التحرِّي. وهذا موجود في المكي وغيره. وإذا كان هذا في المكي، ففي المقيم بسائر الأمصار أولى.
ووجه المشهور: أنه كان قادرًا على اليقين، فلم يُعذَر بالجهل وإن جاز له العمل بغالب الظن، كمن أفطر بخبر إنسان عند غروب الشمس ثم تبيَّن أنها طالعة، أو صلَّى بخبره عن دخول الوقت ثم تبيَّن أنه لم يدخل. ولقد كان القياس يقتضي أنه لا يجوز له العمل بدليل تدخله الشبهة ولو على بعد،
стр. 1262
مع الاقتدار على الاستيقان. وإنما جاز لأنَّ احتمال الخطأ في ذلك نادر جدًّا لا يكاد يقع، فجُعِل كالمعدوم. فإذا تبيَّن خطأ الدليل لزمته الإعادة (١) في الوقت إلى إخبار المخبر الواحد إذا أمكنه العلم، وهذا الباب مثله. فعلى ذلك الوجه لا يرجع إلى إخبار واحدٍ بالجهة مع قدرته على اليقين؛ لكن العلم هنا بالجهة لا يمكن بالعيان لمن لم يسافر إلى مكة ويعلم أين هي من بلده، وإنما يمكن بالسماع المتواتر، وهو مثل العيان. ولذلك جاز الرجوع إلى المحاريب.
فصل
وأمَّا إذا خفيت في السفر، فإنه يجتهد بالاستدلال عليها بالأدلَّة المنصوبة، ولا إعادة عليه، وإن تبيَّن له الخطأ فيما بعد. قال أبو بكر: لا يختلف قول أبي عبد الله ﵀ في ذلك. وكذلك إن صلَّى بتقليدِ من فرضُه ذلك، ثم تبيَّن أنه أخطأ، فلا إعادة عليه.
وذكر الإمام أبو بكر الدِّينوري (٢) صاحب أبي الخطَّاب أن بعض المتأخرين قال: يجب عند الاشتباه أن يصلِّي أربع صلوات إلى الجهات الأربع (٣)، وزعم أنه رواية عن أحمد. قال الدِّينوري: وهو قياس المذهب،
стр. 1263
كما إذا كان معه ثياب طاهرة ونجسة. قال الدِّينوري: وهذا صحيح فإنه قادر على أداء فرضه بيقين، من غير ضرر يلحقه في بدنه وماله، فيلزمه ذلك؛ كما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها. وذلك لأنه اشتبه الواجب بغيره، فوجب فعلُ ما يتيقَّن به فعلُ الواجب؛ كما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها، وكما لو اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، [ص ٢٠٥] أو اشتبه الموضع الطاهر من ثوبه بالنجس.
وهذا قول شاذّ مسبوق الإجماع على خلافه. والصواب: المنصوص (١)، لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]. وهذه الآية تدل على جواز استقبال جميع الجهات، نُسِخ ذلك في حقِّ العالم القادر في صلاة الفرض، فيبقى في حقِّ الجاهل بالقبلة، والعاجز عن استقبالها لخوف، ونحوه في حقِّ المتنفِّل في السفر لم يُنسَخ. وهذا لأنَّ الأصل جواز استقبال الوجه إلى جميع الجهات، لكن إذا لم يكن بدٌّ من الصلاة إلى واحدة منها عيَّن الله سبحانه لنا استقبال أحبِّ الوجوه إليه، وأوجبَ ذلك. فإذا تعذَّر ذلك بالجهل وبالعجز سقط هذا الوجوب حينئذ، لأنَّ الإيجاب حينئذ محال.
وأيضًا ما روي عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنَّا مع النبي ﷺ في السفر في ليلة مظلمة، فلم يدر أين القبلة، فصلَّى كلُّ رجل منَّا على حياله. فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبيِّ ﷺ ، فنزل ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ رواه ابن ماجه والترمذي (٢) وقال: حديث
стр. 1264
حسن. ليس إسناده بذلك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمَّان، وأشعث يضعَّف في الحديث.
قلت: وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١) عن أشعث بن سعيد وعمر بن قيس عن عاصم بن عبيد الله. وهو يقوِّي رواية أشعث، ويزيل تفرُّدَه به.
وقد روي هذا المتن من حديث جابر من حديث محمد بن سالم ومحمد بن عبيد الله العَرْزمي عن عطاء عن جابر قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ في مسير، فأصابنا غيم، فتحيَّرنا، فاختلفنا في القبلة، فصلَّى كلُّ رجل منَّا على حدة، وجعل أحدنا يخُطُّ بين يديه لنعلم أمكنتنا. فذكرنا ذلك للنبيِّ ﷺ ، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: «قد أجزأت صلاتكم» رواه الدارقطني وغيره (٢)، وقال: هما ضعيفان.
ورواه الباغندي والحسن بن علي المعمري وغيرهما (٣)
عن أحمد بن
стр. 1265
عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدتُ في كتاب أبي: ثنا عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: بعث رسول الله ﷺ سريَّةً كنتُ فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منَّا: القبلة هاهنا قِبَل الشمال، فصلَّوا، وخطُّوا خطًّا. وقال بعضنا: القبلة هاهنا قِبَل الجنوب، وخطُّوا خطًّا. فلما [ص ٢٠٦] أصبحنا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فقدِمنا من سفرنا، فأتينا النبيَّ ﷺ فسألناه عن ذلك، فسكت. وأنزل الله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وهو إسناد مقارب.
وتعدّد (١) هذه الطرق مما يغلب على القلب أنَّ الحديث له أصل، وهو محفوظ؛ فإنَّ المحدِّث إذا كان إنما يُخاف عليه من سوء حفظه، لا من جهة التهمة بالكذب، فإذا عضده محدِّث آخر أو محدِّثان من جنسه قويت روايته، حتى يكاد أحيانًا يُعلَم أنه قد حفظ ذلك الحديث، لا سيما إذا جاء به محدِّث آخر عن صحابي آخر؛ فإنَّ تطرُّقَ سوء الحفظ في مثل ذلك إلى جماعة بعيد لا يُلتفَت إليه، إلا أن يعارض حديثَهم ما هو أصحُّ منه.
وقد روى أصحاب التفسير (٢) عن ابن عباس ﵄ قال خرج نفر
стр. 1266
من أصحاب رسول الله ﷺ في سفر، وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضَّباب، وحضرت الصلاة، فتحرَّوا القبلة، وصلَّوا. فمنهم من صلَّى قِبلَ المشرق، ومنهم من صلَّى قِبلَ المغرب، فلما ذهب الضَّباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا. فلمَّا قدِموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية. فهذا وإن لم يكن مما يُحتَجُّ به منفردًا، فإنه يشُدُّ تلك الروايات ويقوِّيها.
وقد استدلَّ أحمد بهذه الآية وتأوَّلها على ذلك. قال: إذا تحرَّى (١) القبلة، ثم صلَّى، فعلِمَ بعدما صلَّى أنه صلَّى لغير القبلة مضت. فتأول (٢) بعض قول أصحاب رسول الله ﷺ : فأينما تُولُّوا فثَمَّ وجهُ الله.
وقال في موضع آخر في الرجل يصلِّي لغير القبلة: لا يعيد، فأينما تولُّوا فثَمَّ وجه الله.
وهذا دليل على أن الصحابة تأوَّلوها على حال التحرِّي كما ذكرنا. ويشبه ــ والله أعلم ــ أنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن معهم تلك الليلة، وإنما كان قد سرَّاهم سريَّةً، فلما أصبحوا لقُوه، وقد قفلوا من وجههم (٣) ذاك. هكذا تدل عليه الروايات.
стр. 1267
فإن قيل: ففي حديث ابن عمر (١) أن هذه الآية نزلت في صلاة التطوع في السفر.
قلنا: لا منافاة بين هذين، فإنَّ الآية الجامعة العامة تنزل في أشياء كثيرة. إمَّا أن يراد به جميع تلك المعاني بإنزال واحد، وإمَّا أن يتعدَّد الإنزال إمَّا بتعدُّد عرضِ النبيِّ ﷺ القرآن على جبريل ﵇ أو غير ذلك. وفي كلِّ مرَّة تنزل في شيء غير الأول، لصلاح لفظها لذلك (٢) كلِّه؛ على أنَّ قول الصحابة: نزلت الآية في [ص ٢٠٧] ذلك قد لا يعنُون به سببَ النزول، وإنما يعنُون به أنه أريد ذلك المعنى منها، وقُصِد بها. وهذا كثير في كلامهم.
وأيضًا فإنَّ المصلِّي استقبل غيرَ القبلة جاهلًا بها جهلًا يُعذَر به، فلم تجب عليه الإعادة؛ كأهل قباء فإنهم لما بلغهم الخبر في أثناء الصلاة استداروا إلى جهة الكعبة، ولم يستأنفوا الصلاة إلى الكعبة. ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة، مع أنَّ القبلة كانت قد حُوِّلت قبل (٣) دخولهم في الصلاة. ولا فرق بين عدم العلم بوجوب (٤) الاستقبال لتجدُّد النسخ وعدم العلم بالجهة الواجبة، إذا كان في كلا الأمرين معذورًا، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها. وهذه الدلالة اعتمدها أحمد ﵁ في غير موضع من مسائله.
وقد ذكر عن عطاء وقتادة أن النجاشي كان يصلِّي إلى بيت المقدس إلى أن مات. وقد مات بعد نسخ القبلة بسنين متعدِّدة. فلما صلَّى عليه النبيُّ ﷺ
стр. 1268
بقي في أنفسُ الناس، لأنه كان يصلِّي إلى غير الكعبة، حتَّى أنزل الله هذه الآية (١).
وهذا ــ والله أعلم ــ لأنه (٢) قد كان بلغه أنَّ النبيَّ ﷺ يصلِّي إلى بيت المقدس، فصلَّى إليه. ولهذا لم يصلِّ إلى المشرق الذي هو قبلة النصارى. ثم لم يبلغه خبرُ النسخ لبعد البلاد، فعُذِر بها، كما عُذِر أهل قباء وغيرهم؛ فإنَّ القبلة لما حُوِّلت لم يبلغ الخبر إلى من بمكة من المسلمين، ومن كان بأرض الحبشة من المهاجرين مثل جعفر وأصحابه، ومن كان قد أسلم ممن هو بعيد عن المدينة، إلى مدة طويلة أو قصيرة. ولم يأمر النبيُّ ﷺ أحدًا منهم بإعادة ما صلَّاه إلى بيت المقدس قبل علمه بالناسخ. وما ذلك إلا لأنه معذور لعدم العلم، وأنه كان متمسكًا بشريعة، فما (٣) لم يبلغه نسخها لم يثبت في حقِّه حكمُ النسخ، لأنَّ الله لا يكلِّفه علم الغيب. فكذلك من اجتهد واستفرغ وسعه، أو عميت عليه الأدلَّة، لا يكلفه الله إلا وسعَه.
ولأنَّ القبلة المعيَّنة تسقط بالعجز حالَ المسايفة، وكذلك بالجهل حالَ الاشتباه، لأنَّ كلاهما (٤) معذور في ذلك. ولأنه فعَل ما أُمِر به كما أُمِر به، فلم تلزمه الإعادة، كالمصلِّي إلى القبلة، وذلك أنَّ السماء إذا أطبقت
стр. 1269
بالغيوم، وهو في صحراء من الأرض، قد عميت عليه سُبلُ الأدلَّة، وانحسمت مسالك الاجتهاد، فمن المحال أن يؤمر باستقبال جهة الكعبة.
ولأنَّ الطهارة أبلغ من الاستقبال، ولو اجتهد في طلب الماء ثم تبيَّن أنه كان مدفونًا تحت الأرض التي هو عليها [ص ٢٠٨] لم تجب عليه الإعادة، حيث لم يقصِّر في الطلب؛ فالمجتهد في القبلة أولى. ولهذا حيث أوجبنا الإعادة على من أخلَّ ببعض الشرائط ناسيًا أو جاهلًا، أوجبناها لأنه في مظنَّة التقصير.
فصل
وأمَّا دلائل القبلة، فقد جرَّد الناس التصنيف فيها من أهل الفقه والحساب، فإنها تختلف باختلاف البلاد. فأهلُ كلِّ ناحية يخالفُ (١) وجهُ استدلالهم وجهَ استدلال الناحية الأخرى. والاشتباه له سببان:
أحدهما: أن لا يعرفَ (٢) الجهات لغيم السماء ونحو ذلك، ولو علِم الجهات لعَلِم أين مكة منه، لعلمه بأنها يمانيّ بلده أو شاميّ بلده ونحو ذلك. وهذا هو الاشتباه الذي يعرض كثيرًا، فمتى قدَر هذا على معرفة جهة القبلة فقط (٣)، أجزأته صلاته وإن قلنا: إنَّ الفرض تحرِّي عينها مع القدرة؛ لأنه عاجز عن ذلك في هذه الحالة.
стр. 1270
الثاني: أن يعلم الجهات، لكن لا يدري أين مكة منه. فهذا لا يكاد يشتبه عليه جهة القبلة، وإنما يشتبه عليه عينها. وصلاته أيضًا مجزئة إلى الجهة إذا لم يمكنه أكثر من ذلك قولًا واحدًا. وقد يقع هذا كثيرًا لمن قرب من مكة، وهو سائر، لا يعرف الأرض إذا وقع في طرقات مشيه.
والأدلَّة العامَّة ثلاثة أصناف: سمائية وهوائية وأرضية، كلٌّ منها مبنيٌّ على مقدّمتين:
إحداهما: أن تعلم (١) النسبةَ التي بين مكان الصلاة التي تريد (٢) معرفة قبلته وبين الكعبة إن قصدتَ الاستدلال على العين، أو بينه وبين جهة الكعبة إن قصدتَ الاستدلال على الجهة.
والثانية: أن تعلم النسبة التي بين الدليل وبين الكعبة (٣) أو جهتها.
فإذا علمتَ هاتين المقدِّمتين علمتَ النسبة التي يجب أن يكون المصلي إلى ذلك الدليل (٤).
مثال ذلك: إذا أردتَ الاستدلال على قبلة أهل الشام والعراق وما بينهما من الجزيرة، فقد علمتَ أنَّ جهة الكعبة من هؤلاء الجهة اليمانية. وأما العين فإنَّ أهل الشام يستقبلون ما بين الركن الشامي والميزاب، وأهل العراق يستقبلون ما بين الركن الشامي والباب، وأهل نجران ونحوهم يستقبلون
стр. 1271
نفس الركن الشامي. والعلمُ بهذا ونحوه من مسامتات الأرض بعضها بعضًا، تحريرُه لأهل الحساب.
والمقدمة الثانية: العلم بجهة المشرق والمغرب، وهذا ظاهر [ص ٢٠٩] وأما العين فأن تعلم أنَّ القطب يحاذي الركن الشامي ويواجهه، وحينئذ تعلم أنَّ الشامي إذا جعل القطبَ بين أذنه اليسرى ونُقرة القفا فقد استقبل ما بين الركن الشامي والميزاب (١)، وأنَّ العراقي إذا جعل القطب بين أذنه اليمنى ونُقْرة القفا فقد استقبل قبلته.
فأمَّا دلائل السماء ، فمنها: الشمس، إذ هي أظهر، والاستدلال بها أيسر؛ فإنها تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب. فمن كانت قبلته الركن الذي يلي الحَجَر من ناحية المشرق، ويسمَّى «الركن الشامي»، والركن الآخر الذي يلي الحَجَر «الركن الغربي»، ويسمَّيان جميعًا الركنين الشاميين. وقد يسمَّى الأول «الركن العراقي»، والثاني «الركن الشامي»، وركن الحجر الأسود «الركن البصري». وأما الركن الرابع فإنه يسمَّى «اليماني» بلا اختلاف في العبارة، ويسمَّى هو وركن الحجر الأسود الركنين اليمانيين. فمن كانت قبلته هذا الركن الذي يسمَّى العراقي والشامي وما يليه من ناحية الباب وما يليه من ناحية الحجر، من أهل المدينة والشام والجزيرة والعراق وخراسان وما وراء هذه البلاد، إذا جعلوا المغربَ عن أيمانهم والمشرقَ عن شمائلهم فقد استقبلوا جهة القبلة. وفي ذلك جاءت الآثار المتقدِّمة.
قال أبو عبد الله ﵀ (٢): بين المشرق والمغرب قبلة. ولا يبالي
стр. 1272
مغربَ الصيف ولا مغربَ الشتاء، إذا صلَّى بينهما، فصلاته جائزة؛ إلَّا أنَّا نستحِبُّ أن يستقبلَ القبلة، ويجعلَ المغرب عن يمينه والمشرقَ عن يساره، فيكون وسطًا بين (١) ذلك. وإن هو صلَّى فيما بينهما وكان إلى أحد الشِّقَّين أميَل، فصلاته جائزة إذا كان بين المشرق والمغرب، ولم يخرج من بينهما (٢).
ومنها: القمر، فإنه يستدلّ بطلوعه في النصف الآخر من الشهر، فإنه يطلع من المشرق لا سيَّما أواخرَ الشهر، فإنه يطلع آخر الليل من المشرق. وأمَّا النصف الأول فإنه يستدلّ بغروبه، فإنه يغرب في ناحية المغرب، لا سيَّما ليالي الإهلال فإنه يغرب ويطلع في المغرب، وليلة السابع يكون أولَ الليل في وسط السماء بين المشرق والمغرب، وليلة إحدى وعشرين يكون آخرَ الليل في وسط السماء.
ويستدلّ أيضًا باستواء الشمس وقتَ الزوال لمن يعرفه بزيادة الظل، فإنَّها تكون حينئذ بين المشرق والمغرب، والظلُّ بعدُ يميل إلى جهة المشرق، فمتى جعلها على رأسه أو تُجاهَه، والفيءَ عن يساره، كان مستقبِلَ (٣) جهةِ القبلة. [ص ٢١٠] وكذلك القمر ليلةَ سابعة وقت المغرب، وليلةَ إحدى وعشرين وقتَ المشرق يكون في وسط الفلك. فمن جعله فوق رأسه أو تُجاهَه فقد استقبل القبلة.
стр. 1273
فصل
ومنها: النجوم . قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
وقال عمر بن الخطاب ﵁: تعلَّموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق (١). وفي رواية عنه: تعلَّموا من النجوم ما تهتدون في برِّكم وبحركم، ثم أمسِكوا. رواه حرب (٢).
وعن علي ﵁ قال: أيها الناس إيَّاكم وتعلُّمَ النجوم إلّا ما تهتدون بها في ظلمات البرِّ والبحر. رواه أبو حفص (٣).
ولذلك استحسن أحمد معرفة منازل القمر، وأن يتعلَّم بها: كم مضى من الليل؟ وكم بقي؟ وذكر أنه تعلَّمها من أهل مكة.
والنجوم أقسام:
إحداها: منازل القمر الثمانية والعشرون، فالاستدلال بها كالاستدلال بالشمس والقمر سواء، لأنها تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب. وهي: السَّرَطان، والبُطَين، والثريَّا، والدَّبَران، والهَقْعة، والهَنْعة، والذِّراع، والنَّثْرة، والطَّرْف، والجبهة، والزُّبْرة، والصَّرْفة، والعَوَّاء، والسِّماك، والغَفْر، والزُّبانَى،
стр. 1274
والإكليل، والقَلْب، والشَّوْلة، والنَّعائم، والبَلْدة، وسعد الذابح، وسعد بُلَع، وسعد الأخبية، وسعد السعود، والفرغ (١) المقدَّم، والفرغ المؤخَّر، وبطن الحوت.
فمن عرف كلَّ منزل منها بعينه أمكنه الاستدلال بها. فإنَّ الأربعة عشر الأُوَل هي شامية تميل في طلوعها إلى جهة الشمال، والأربعة عشر الأواخر يمانية تميل في طلوعها إلى ناحية الجنوب. ومن عرف المتوسِّطَ منها وقت طلوع الفجر ورآه متوسِّطًا استدلَّ به كما يستدِلُّ بتوسط الشمس والقمر.
وأثبَتُ الأدلَّة على نفس الكعبة: القطبان الشمالي والجنوبي. والقطب الشمالي هو الظاهر في عامة المسكون من الأرض، مثل أرض الشام والعراق وخراسان والمشرق ومصر والمغرب. وهذان القطبان هما قطبا الفلك المذكور في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، قالوا: فلكه مثل فَلْكة المِغزل (٢).
ويقرب من القطب الشمالي نجم [ص ٢١١] صغير يسمِّيه الفقهاء «القطب». وهو كوكب خفي يمتحن الناس به أبصارهم، يُرى إذا لم يكن في السماء قمر. وحوله أنجم دائرة كفَراشة الرَّحى، في أحد طرفيها الفرقدان، وفي الآخر الجَدْي. وهو كوكب نيِّر معروف، إذا جعله المصلِّي خلفه كان مستقبلَ (٣) القبلة في الشام والجزيرة والعراق وخراسان.
стр. 1275
قال أبو عبد الله في غير موضع: الجَدْي يكون على قفاه، ويطلع من قبل المشرق (١).
وقال أيضًا: قبلتنا نحن وقبلة أهل المشرق كلِّهم وأهل خراسان: الباب (٢).
وقد قال مرّة أخرى، وقيل له: أين تحب أن يكون الجَدْي من الإنسان إذا قام إلى القبلة؟ فقال: أمَّا الجَدْي، فلم يرِد في الجَدْي شيء. إنما يروى: إذا جعلتَ المشرقَ عن يسارك والمغربَ عن يمينك، فما بينهما قبلة.
وقيل له أيضًا: قبلة أهل بغداد على الجَدْي. فجعل ينكر الجَدْيَ، وقال: ليس الجَدْي، ولكن على حديث ابن عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة (٣).
ومعنى كلامه هذا أنه لا يجب على المصلِّي أن يتحرَّى الجَدْيَ، ولا القبلةُ معلَّقةٌ باستدباره كما يقول من يعتبر استقبال العين. وإنما الواجب استقبال الجهة، ويكفي في ذلك ما بين المشرق والمغرب، لأنَّ السائل كان غرضه أن ذلك كان واجبًا، فأنكر أحمد ﵁ ذلك. فأمَّا المستحَبُّ فهو تحرِّي الجَدْي، كما نصَّ عليه في موضع آخر لأنه أقوم استقبالًا، وبه يخرج من الشبهة والخلاف. ثم إنَّ أهل الشام ينحرفون إلى الشرق قليلًا، فيكون القطب بين الأذن اليسرى وصفحة العنق؛ وكلَّما أمعن في المغرب كان الانحراف أكثر.
стр. 1276
وأهل العراق ينحرفون إلى المغرب أكثرَ من ذلك، فيكون القطب محاذيًا لظهر الأذن اليمنى؛ وكلّما أمعن في المشرق كان الانحراف أكثر.
ومن كان بحرَّان وسُمَيساط وما كان على سَمْتها بين المشرق والمغرب محاذيًا لمكة شرَّفها الله، فإنه يجعل القطبَ خلف نُقْرة القفا. ولهذا يقولون: أعدل القِبَل قبلة حرَّان (١)، لكون القطب الذي هو أثبت الدلائل وأبيَنها يُجعَل خلفَ القفا بلا انحراف، فيتيقَّن إصابة العين؛ لكون البلدة محاذيةً للركن الشامي، بعدُها عن المشرق والمغرب كبعد مكة. ولهذا يُجعَل الشام من المغرب، حتى فسَّروا قول النبي ﷺ : «لا يزالُ أهلُ الغرب ظاهرين» (٢) بأنهم أهل الشام (٣). ويُجعَل العراق (٤) من المشرق، لأن الأرض إذا قُسمت قسمَين: قسمًا شرقيَّ مكة وقسمًا غربي مكة، كانت الشامُ في الجانب الغربي، [ص ٢١٢] والعراقُ في الجانب الشرقي، وحرَّانُ وما كان على سَمْتها على مسامته مكة بين الجانب الشرقي والجانب الغربي.
فالمستقبِل لعين الكعبة في البلاد الشرقية والغربية لا بدَّ له من انحراف. وقد لا ينضبط ذلك غاية الضبط، [لما] (٥) في رعايته من الكلفة، ولأن قدر الانحراف قد لا يتحقَّق، وإلّا فلا بدَّ لكلِّ بلاد من قبلة معتدلة وإن شقَّ ضبطُها. وهذا القدر
стр. 1277
من الانحراف معفوٌّ عنه بالإجماع، وإن قلنا: يجب استقبال العين.
ومتى كان الجَدْيُ عاليًا والفرقدان تحته أو بالعكس، فالقطب بينهما، فاستدبارُهما كاستدباره. وإن كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، فالقطب بينهما، وهو إلى الجَدْي أقرب. وبكلِّ حال فإذا استدبر الجَدْيَ أو الفرقدين أو بنات نعش، فهو مستقبل للجهة بكلِّ حال، وهو كافيه. فإذا أراد مراعاة التحديد انحرف إلى ناحية القطب قليلًا.
فصل
وأمَّا الدلائل الهوائية، فهي الرياح. ومهابُّها أربع، تخرج من زوايا الأرض الأربعة. ويقال: إنَّ الكعبة مبنية على مهابِّها، فجُدُر الكعبة الأربعة مستقبلة لمهابِّ الريح، وأركان الكعبة مستقبلة بجهات الأرض الأربعة.
إحداهن: الصَّبا، سُمِّيت بذلك لأنها تصبو إلى الكعبة. وهي تهبُّ إلى وجهها ما بين مطلع الثريا ومطلع الجدي.
والدَّبور تجاهها، تهُبُّ إلى دبر الكعبة، ما بين مطلع سهيل ومغرب الثريا.
والجنوب تهُبُّ إلى جانب الكعبة اليماني، ما بين مطلع الثريا ومطلع سهيل.
والشمال تجاهها، ما بين مطلع الجدي ومغرب الثريا.
فهذه الرياح مَن عرف خواصَّها وصفاتِها أمكنه أن يستدلَّ بها إذا كان في فضاء من الأرض، حيث تجري الريح على سَنَنها (١). ثم نسبةُ المصلي إليها
стр. 1278
تختلف باختلاف مكانه، ولهذا تختلف عبارة أصحابنا العراقيين والشاميين وغيرهم في نسبة الرياح والشمس والقمر والجَدْي إلى المصلِّي، لأنَّ كلَّ قوم وصفوا دلائل قبلة أرضهم خاصَّة، على سبيل التحديد.
فصل
وأما دلائل الأرض، فقد قال بعض أصحابنا: إنَّ ذلك لا ينضبط انضباطًا عامًّا، لكن من كان في موضع قد علِمَ جهاتِ ما فيه من الجبال والأنهار والأبنية ونحو ذلك أمكنه الاستدلال. فأمَّا بدون ذلك، فإنَّ الجبال والأنهار ليست كلُّها على وجهة واحدة، حتَّى يُحكمَ عليها بحكم عامّ.
وقال كثير من أصحابنا: يستدلّ بالجبال والأنهار الكبار.
أما الجبال، فإنَّ لها [ص ٢١٣] وجوهًا يعرفها سكَّانُها. ولذلك لكلِّ شيء وجهٌ يُعرَف بالمشاهدة. قالوا: ووجوه الجبال جميعها إلى جهة بيت الله (١).
أما الأنهار، فقالوا: أكثر الأنهار الكبار التي خلقها الله ولم يحتفرها الناس لأغراضهم تجري من مهبِّ الريح الشمال إلى مهبِّ الريح الجنوب، مثل الفرات ودجلة. قالوا: إلَّا نهرين: أحدهما بالشام يسمَّى «العاصي»، والآخر بخراسان يسمَّى «سيحون» (٢) يُسمَّى كلُّ واحد منهما
стр. 1279
«المقلوب» (١).
فإذا كانت هذه الأنهار تجري من يَمْنة المصلِّي إلى يَسْرته، وقرَّب كتفه اليمنى من الماء وبعَّد (٢) اليسرى منه إذا كان الماء أمامه ــ وإن كان الماء خلفه فبالعكس ــ فقد استقبل جهة الكعبة. والنهران المقلوبان يجعلهما بالعكس جاريين من ميسرته إلى ميمنته.
وهذا ــ والله أعلم ــ في قبلة أهل العراق وخراسان ومن قاربهم من أهل الشام ونحوهم، وإلَّا فنيلُ مصر يجري من الجنوب إلى الشمال، ونهر الأردن بالشام يجري إلى ناحية الجنوب وهي ناحية القبلة.
مسألة (٣): (وإن اختلف مجتهدان لم يتبَع أحدُهما صاحبَه. ويتبع (٤) الأعمى والعامِّيُّ أوثقهَما في نفسه) .
وجملة ذلك أنَّ المجتهد في القبلة هو: العالم بدلائلها، القادر على الاستدلال بها، سواء كان فقيهًا أو لم يكن.
стр. 1280
فأما الأعمى أو البصير الذي لا يعلم أدلَّتها، أو يعلمها اسمًا ووصفًا، ولا يعلمها عينًا، فليس بمجتهد سواء كان فقيهًا أو لم يكن، لأنَّ المجتهد في كلِّ فنٍّ هو القادر على الاستدلال على مطالبه بسهولة.
فأما المجتهد، ففرضُه العملُ بما أدَّاه اجتهاده إليه، سواء خالفه غيره أو وافقه، وسواء كان أعلم منه أو لم يكن، وسواء اجتهد أو لم يجتهد، إذا كان الوقت متسعًا للاجتهاد، كما قلنا في المفتي والقاضي، وكما في الاجتهاد في أمور الدنيا وغيرها.
قال أصحابنا: وإن أمكنه أن يتعلَّم دلائل القبلة، ويستدلَّ بها قبل أن يضيق الوقت= لزمه ذلك، لأنه قادر على التوجُّه بالاجتهاد، فلم يجُز له التقليد كالعالم بالأدلَّة. وذلك لأنَّ مؤنة تعلُّم أدلَّة القبلة يسيرة، لا تشغل الإنسان عن مصالحه، فأشبه تعلُّمَ الفاتحة وصفة الوضوء وغيرهما (١) من فرائض الصلاة، بخلاف تعلُّم أدلَّة الأحكام الشرعية وطريق الاجتهاد فيها، فإنَّ تكليف العامَّة ذلك يشغلهم عن كثير من مصالحهم التي [ص ٢١٤] لا بدَّ لهم منها. فإن ضاق الوقت عن تعلُّم الأدلَّة والاستدلال بها، فهو بمنزلة العاجز عن تعلُّم الأدلَّة، يقلِّد غيرَه. فإن تعذَّر عليه الاجتهاد مع قدرته عليه لكونه محبوسًا في ظلمة صار فرضه التقليد، بمنزلة المقلِّد الذي لا يُحسن الاستدلال. هكذا ذكر القاضي وغيره من أصحابنا، وذكروا أن أحمد أومأ إليه. ومن أصحابنا من قال: هذا بمنزلة المقلِّد الذي لا يجد من يقلِّده، يصلِّي على حسب حاله.
والصواب أنَّ هذا الإطلاق يجب أن يُحمَل على ما إذا لم يجد من
стр. 1281
يقلِّده، وإلّا فلا فرق بين المحبوس في ظلمة وبين الأعمى.
وان ضاق الوقت عن الاجتهاد، مع علمه بالأدلَّة، فخاف إن اشتغل به أن يفوته الوقت، فإنه يصلِّي بالتقليد عند جماهير أصحابنا. ومنهم من قال: يصلِّي على حسب حاله. وهو كالذي قبله. وقال أبو محمد المقدسي صاحب الكتاب ﵀ (١): بل يجتهد، لأنَّ الاجتهاد في حقِّه شرط لصحة الصلاة، فلم يسقط بخروج الوقت كسائر الشرائط؛ ولأنه مجتهد لا يجوز له التقليد مع سعة الوقت، فلا يجوز له مع ضيقه، كالمجتهد في الأحكام الشرعية مفتيًا وقاضيًا.
والأول هو الصواب، لأنَّ الصلاة في الوقت بالتقليد خير من الصلاة بعد خروج الوقت بالاجتهاد، كمن يقدر على تعلُّم الأدلة، لكن يخاف إن اشتغل بتعلُّمها فواتَ الوقت. ولأنَّ الصلاة في الوقت الحاضر فرضٌ، فلم يجُز تفويتها للاشتغال بأسباب الشرائط، كمن يعلم أنه يقدر على الماء أو على الثوب بعد الوقت.
ولأنَّ الاجتهاد ليس هو الشرط، وإنما هو الطريق إلى معرفة الشرط، فلم يجُز تفويتُ الصلاة بسببه كطلب الماء. ولأنَّ التقليد طريق صحيح، وهو بدلٌ عن (٢) الاجتهاد، فوجب العمل به عند خشية الفوات كالتيمُّم عند [فقد] (٣) الماء. ولا نسلِّم أنَّ الاجتهاد هو الشرط كما تقدَّم، ثم ينتقض بمن يعلم أنه يجد الماء بعد الوقت، أو تتبيَّن له القبلة، أو يجد السترة، أو يقدر على إزالة
стр. 1282
النجاسة بعد الوقت.
ولأنه لو أدركته الصلاة حال المسايفة وجب عليه أن يصلِّي في الحال إلى غير القبلة، وإن كان بقتاله مجتهدًا في الأمن الذي يقدر به على استقبال القبلة.
فإن قيل: أمَّا إن كان زمن الاجتهاد يطول، فما [ص ٢١٥] ذكرتموه ظاهر، لأنه قد تقدَّم أنَّ الشروط كلَّها متى كان الاشتغال بتحصيلها من أول الوقت تفوت معه الصلاة لم يجُز تفويت الصلاة لأجلها. وأما إن كان زمن الاجتهاد قريبًا، مثل رجل استيقظ قبيل طلوع الشمس، فقد قلتم في مثل هذا: إنه يشتغل بأسباب التوضّؤ واللبس وإن فات الوقت، لأنَّ ذلك وقته.
قلنا: الخلاف في هذه الصورة أقرب. والفرق بين القبلة وغيرها أنَّ أمرها خفيف يسقط في حال الخوف وفي صلاة التطوع في السفر من غير إعادة بالإجماع، ويسقط بالجهل كأهل قباء ومن تحرَّى فأخطأ. ولأنَّ المقلِّد عامل بطريق وإن كان أضعف الطريقين ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
وأما المفتي والحاكم، فليس للاجتهاد به وقت محدود في الشرع، ولم يتعيَّن على هذا الحاكم والمفتي. ومتى تبيَّن له أنه خالف النصَّ نقض حكمه وفتياه، ولا يجوز له العمل بخلاف النصِّ في وقت من الأوقات.
واستقبال الكعبة يسقط بالجهل والعجز من غير إعادة، وفي القبلة إذا استوت عنده الجهات صلَّى إلى أي جهة شاء. والعالم إذا استوت عنده الأقوال لم يجُز له أن يفتي أو يحكم بشيء. وذلك لأنَّ العالم قد أُخِذ عليه أن
стр. 1283
لا يقول إلا بعلم، والتقليد ليس (١) طريقًا (٢) إلى العلم الذي أمر به فيسكت، كما لو لم يكن مجتهدًا. والصلاة لا بَّد له من فعلها إمَّا باجتهاد أو تقليد.
وفي الحقيقة، لا فرق بين الموضعين، لأنَّ الوقت إذا ضاق عن الاجتهاد صار المجتهد العامِّيَّ (٣) في الموضعين، والعامِّيُّ يصلِّي بالتقليد (٤) في الموضعين، ويحرم عليه أن يفتي أو يقضي بالتقليد.
فصل
وإن استوت الجهات كلُّها في نظر المجتهد، لتعارُض الأدلَّة في نظره، أو لعدمها بأن تكون السماء مطبقةً بالغيوم، ولا دليل له يستدلُّ به= فهذا أيضًا كالعاجز عن الاستدلال لكونه محبوسًا في ظلمة ونحوه.
قال بعض أصحابنا: يصلِّي على حسب حاله إلى أيِّ جهة شاء (٥).
وعلى ما ذكره سائر أصحابنا، فإنه يقلِّد غيره إن وجد من يقلِّده. لأنَّ استواء الجهات في نظره يُلحقه (٦) بالعامي، فيقلِّد كما يقلِّد العامِّي.
فأمَّا إذا تعذَّر التحرِّي على المجتهد، لاستواء الجهات في نظره، أو لكونه ممنوعًا من رؤية العلامات، أو لضيق الوقت على المشهور، أو ضاق الوقت عن التعلُّم على من يمكنه التعلُّم، وتعذَّر عليهم التقليد أيضًا [ص ٢١٦]
стр. 1284
كالجاهل بدلائل القبلة إذا تعذَّر عليه التقليد، وكالأعمى إذا تعذَّر عليه التقليد= وجماعُ ذلك أن تستوي الجهات عند المكلَّف، فلا يترجَّح بعضها على بعض باجتهاد ولا تقليد، فهذا يصلِّي على حسب حاله إلى أيِّ جهة شاء، ويسقط عنه فرضُ استقبال جهة معينة. هذا هو المذهب.
وعلى الوجه الذي ذكره أبو بكر الدينوري (١)، عليه أن يصلِّي أربع صلوات إلى أربع جهات.
وعلى المذهب، هل يُستحَبُّ أن يصلِّي أربعَ صلوات؟ قال ابن عقيل: الأحوط أن يصلِّي أربعَ صلوات. وظاهر كلام أحمد وأكثر أصحابنا أنَّ هذا لا يستحب، بل يعيد.
قال أبو بكر: فيه قولان، يعني روايتين. أحدهما: لا يعيد، لأنه لم يكلَّف غير هذا. والثاني: يعيد، لأنه دخل في الصلاة بغير دليل. ولذلك خرَّجها القاضي على الروايتين فيمن عدم الماء والتراب. وقال ابن حامد: إن أخطأ أعاد، وإن أصاب فعلى وجهين (٢).
فإن قلنا: يعيد مطلقًا، فلأنه ترك المفروض عليه في الاستقبال بعذر نادر غير متصل، فأشبه الحائضَ إذا تركت الصوم، ومَن عدم الماء والتراب، لأنه وإن أصاب فذاك على وجه البَخْت (٣) والاتفاق، وذلك لا يكفي.
وإن قلنا: يعيد إن أخطأ فقط، فلأنَّ المقصود استقبال القبلة، وقد
стр. 1285
حصل. وإنما يعيد إذا قدَر على التحرِّي، وصلَّى بغير تحرٍّ، وإن أصاب؛ لأنه ترك المفروضَ عليه. وهذا فعَلَ ما أُمِر به.
وإن قلنا: لا يعيد مطلقًا، وهو الصحيح، وهو الذي يدلُّ عليه كلام أحمد واستدلاله. قال في رواية محمد (١) في الرجل يصلِّي لغير القبلة: لا يعيد ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وهو الذي تقتضيه أصوله خصوصًا في مسائل القبلة.
والقولان الآخران بعيدان على المذهب، فإنَّ القبلة إذا لم يمكن العلم بها صارت جميع الجهات له قبلة، كما نصَّ عليه أحمد. ولهذا لم يختلف قوله: إنه لا إعادة على المخطئ. وذلك لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وقد تقدَّم أنها نزلت في الجاهل بالقبلة والعاجز عنها. وكذلك الحديث المذكور ظاهره أنَّ القوم لم (٢) يترجَّح عندهم جهة القبلة، فصلَّى كلُّ رجل على حسب حاله.
وجميع الأدلَّة المذكورة في مسألة «من اجتهد فأخطأ» يعمُّ هذا الموضع، لأن سقوط الإصابة عن المجتهد والمقلِّد لكونه غير قادر عليها كسقوط الاجتهاد والتقليد عن العاجز عنهما. ولأنَّ القبلة شرط من الشروط، فسقط بالجهل به على وجه يُعذَر به كسائر الشروط. [ص ٢١٧] والتعليلُ بالندرة ضعيف كما تقدَّم. وبتقدير صحته، فالقبلة أخفُّ من غيرها كما تقدَّم.
стр. 1286
وسرُّ المسألة أنَّ المصلِّي إلى أيِّ الجهات توجَّه فثمَّ وجهُ الله وقبلته، لكنه سبحانه عيَّن أشرف الجهات عند العلم والقدرة، فإذا تعذَّر ذلك استوت الجهات كلُّها. والله سبحانه أعلم.
هذا فيمن كان بدار الاسلام. فأما من كان بدار الحرب، ولا طريق له إلى العلم بالقبلة، فقال أبو بكر: لا إعادة عليه هنا قولًا واحدًا، بخلاف من هو في دار الاسلام، لأنَّ العذر يكثر ويطول في أسارى المسلمين المحبوسين في مطامير (١) الكفار. وقصةُ النجاشي (٢) تؤيد هذا.
فصل
فإن ترك الاجتهادَ مع قدرته عليه، أو التقليدَ مع قدرته عليه، أو صلَّى إلى غير الجهة التي أمر من قلَّده بها، فإنه يعيد بكلِّ حال، أصاب أو أخطأ، في ظاهر المذهب؛ لأنه فعل ما لم يؤمر به، فلم تنفعه الإصابة اتفاقًا، كمن أفتى بغير علم، أو قضى للناس على جهل، أو قال في القرآن برأيه، أو شهد بما لا يعلم؛ فإنَّ هؤلاء لا ينفعهم الإصابة في نفس الأمر، لأنهم لم يعلموا أنهم مصيبون.
وعكس هؤلاء من اجتهد، فأخطأ في قضاه أو فتياه، أو حلف على شيء يظنُّه كما حلف عليه، أو اجتهد، أو قلَّد في القبلة فأخطأ؛ فإنَّ الخطأ عن هؤلاء محطوط، لأنهم فعلوا ما يقدرون عليه.
فصل
وأما الأعمى والجاهل بأدلَّة القبلة الذي لا يمكنه التعلُّم، أو الذي يضيق
стр. 1287
وقته عن التعلُّم، فإنه إذا اختلف عليه مجتهدان، فإنَّه يتبع أوثقَهما عنده علمًا بدلائل القبلة، وورعًا في تحرِّيها. وذلك واجب عند أكثر أصحابنا، فإن قلَّد المفضول لم تصحَّ صلاته.
وقال بعض أصحابنا: يجوز تخريجًا على أنَّ للعامِّيِّ أن يقلِّد من شاء من المفتين، فإنَّ فيه روايتين أشهرُهما جوازُه، لأنه أخذ بدليل يجوز العمل به منفردًا، فكذلك إذا كان معه غيره، كما لو استويا، فإنهما إذا استويا قلَّد من شاء منهما.
وحكى الحُلْواني (١) في هذه المسألة روايتين أيضًا، وقدَّم رواية التخيير كالروايتين في الاستفتاء.
والأول أقيس، لأنه إنما جاز له أن يقلِّده حال الانفراد لعدم المعارض، كما يعمل في خبر الواحد والقياس والعموم مع عدم المعارض؛ فإنَّ غلبة الظن بمعرفة المجتهد تزول إذا خالفه من هو أعلم منه. ولأنَّ أمر القبلة مبنيٌّ على العمل بالأقوى، فلم يجُز العمل بالأضعف، كما لو تعارضت الأدلَّة عند المجتهد فإنه يجب عليه العمل بأقواها، وكما لو أخبر المحبوسَ والأعمى رجلان كلٌّ منهما يزعم أنه [ص ٢١٨] يُخبره عن علم بجهة القبلة واختلفا، فإنه يجب عليه أن يعمل بأصدقهما وأوثقهما. ولأنَّه عمل بالمرجوح فيما لم يُبْنَ على التوسعة والرخصة فلم يجُز، كالعمل بالدلالة الضعيفة.
وأما تقليد المفتين، فإنَّ ابن عقيل وغيره سوَّوا بينهما في وجوب تقليد
стр. 1288
أوثقهما في نفسه، وهو إحدى الروايتين طردًا للقياس. قالوا: لأنَّ الحقَّ في جهة واحدة، وعلى المكلَّف أن يطلبه بأقوى الأدلَّة في نفسه. وأقوال المفتين للعامِّيّ كالأدلَّة الخاصّة للمجتهد، وله نوعُ اجتهاد فيمن يقلِّده، فكما وجب على المجتهد رأيه في أدلَّة الأحكام أن يتبع أقوى الدلالتين، كذلك يجب على المجتهد رأيه في أقوال المفتين أن يتبع أوثق القائلين. وأكثر أصحابنا جوَّزوا له تقليدَ من شاء، وهو أشهر الروايتين إذا لم يكن من (١) أحد الجانبين نصٌّ ونحوه.
ثم إنَّ طائفة من أصحابنا، منهم ابن عقيل وأبو بكر الدينوري، ذكروا روايةً عن أحمد أنَّ كلَّ مجتهد مصيب (٢) بناءً على إذنه لبعض من استفتاه أن يقلِّد غيره من المفتين إذا أفتاه بخلاف قوله. وصنَّف رجلٌ (٣) كتابًا سمَّاه «كتاب الاختلاف»، فقال: سمِّه «كتاب السعة»، ولا تسمِّه «كتاب الاختلاف»، وقال (٤): لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناسَ على مذهبه. قال: ولو كان يعتقد أنهم على خطأ لما دلَّ عليهم، وأمر بالاستفتاء لهم. وبنى الدينوري على هذا أنَّ المصلِّي إلى القبلة باجتهاده مصيبٌ لما عند الله، وإن استقبل غير جهة الكعبة. وعلى هذا فيظهر تخيير العامِّي في تقليد من شاء في القبلة.
وأيضًا فلا فرق، بل يقال: التخيير في القبلة أولى من التخيير بين أعيان
стр. 1289
المفتين، لأن من استوت عنده الجهات صلَّى إلى حيث شاء، ومن تكافأت عنده الدلالات أمسك عن الفتيا حتَّى يتبيَّن له الحقُّ. وذلك لأن لله المشرق والمغرب ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ولا يجوز أن يقال: أيّ شيء قلتم فهو حكم الله.
ولأنَّ التخيير بين الجهات لا تناقضَ فيه، بل هو كالتخيير بين أنواع القراءة والتشهد (١)، بخلاف التخيير بين اعتقاد التحليل والتحريم ونحو ذلك، فإنه متناقض. والمنصوص عنه في غير موضع، وهو مذهبه المعروف، أنَّ الحقَّ عند الله واحد، وعلى المكلَّف أن يطلبه، والمصيب له واحد. وليس هذا موضع استقصاء [ص ٢١٩] في ذلك.
ولا ريب أن كون الحقِّ عند الله واحدًا في باب الأحكام أبلغ [منه] (٢) في باب الاستقبال ونحوه، لأنَّ المختلفين في القبلة وإن كان يعلم أنَّ بعضهم مستقبلٌ (٣) غيرَ القبلة، فجعلُ جهةٍ غير القبلة قبلةً أمرٌ معهودٌ في الشرع في حال الخوف والتطوع على الراحلة. وهو في هذه الحال مستقبلُ القبلة التي شرعها الله له ظاهرًا وباطنًا، فكذلك في حال الجهل بها للاشتباه، أيُّ جهة ولَّاها فثمَّ وجهُ الله؛ بخلاف حكمٍ غيرِ الحكم الذي حَكَم الله، فإنه لا يجوز أن يكون هو حكمَ الله ظاهرًا وباطنًا بالنسبة إلى أحد من المكلَّفين، كما هو مقرَّر في موضعه، وإن قلنا: هو مصيب في اجتهاده، مخطئ بحكم الله، أو قلنا: هو مخطئ فيهما جميعًا. لكن الفرقَ بين التقليد في القبلة،
стр. 1290
والتقليد في الأحكام: أنَّ تقليد الأوثق في القبلة ليس فيه عسر ولا حرج، إذ الجهات بالنسبة إلى المصلِّي سواء، فيبقى تقليدُ المرجوح لا وجه له؛ بخلاف الأحكام فإنَّ إلزام العامَّة بقول واحد بعينه في جميع الأحكام، فيه عسر وحرج عظيم منفيٌّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وقد جعل اختلاف العلماء رحمة وتوسعة على الأمة. وما زال المسلمون في كلِّ عصر ومصر يقلِّدون من العلماء من هو أعلم (١) عندهم فيه (٢). وقد كان الصحابة يعلمون فضلَ بعضهم على بعض في بعض أنواع العلم، ثم لم يقصُروا العامَّةَ على استفتاء ذلك الأفضل في ذلك النوع.
وأيضًا فإنه يجب الرجوع إلى قول أوثق الطبيبين والقائفين والمقوِّمين، فكذلك في قول أوثق المجتهدين في القبلة، لأنها أمور جزئية (٣)، ولا يشقُّ تعيين الأقوى منها، بخلاف الأحكام الشرعية فإنَّها كثيرة ومتسعة، ولربما كان المفضول في كثير من المسائل أوثق من الفاضل لاختلاف المطلوبات فيها، والمسألة محتملة.
هذا إذا اختلف مجتهدان، وعلم اختلافهما. فأمَّا إذا كانت هناك عدَّة مجتهدين، ولم يدر أيتفقون أم يختلفون، مثل أن يكون في جيش عظيم أو ركب عظيم، فهل له أن يقلِّد من تيسَّر عليه منهم، أم يجب عليه أن يسأل
стр. 1291
أوثقهم؟
لأصحابنا في الاستفتاء وجهان، فكذلك يخرَّج هنا مثلُه. لكن ظاهر كلامهم هنا أنَّ ذلك لا يجب عليه، لأنهم قصروا اتباع الأوثق على حال الاختلاف، ولأنه لو كان قريبًا منه أمارة تدل على القبلة [ص ٢٢٠] جاز له اتباعها، ولم يجب عليه أن يقطع مسافةً إلى أمارة أخرى، لجواز أن تخالفها؛ ولأن الأصل عدم الاختلاف.
فصل
وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يجُز أن يأتمَّ أحدهما بصاحبه، في المنصوص المشهور. ومتى ائتَّم أحدهما بالآخر، فصلاة المأموم باطلة. وفي صلاة الإمام وجهان.
وقال بعض أصحابنا (١): قياس المذهب جوازه، كما لو ائتمَّ بمن يخالف اجتهاده في بعض شروط الصلاة، كمن يصلِّي خلف من يصلِّي في جلود السِّباع، فإنه تصح صلاته في المنصوص عنه. ولأنَّ خطأ الإمام هنا لا يمنع صحة الصلاة ظاهرًا ولا باطنًا، لأنَّ الإمام لا يعيد إذا تبيَّن له الخطأ، بخلاف ما لو اعتقد الماموم أن الإمام مُحدِث.
ووجه الأول: ما تقدَّم من الحديث المذكور، فإنَّ الصحابة رضوان الله عليهم حينئذ صلَّى كلُّ واحد منهم على حدته، ولم يصلُّوا جماعة واحدة (٢). ولو كان ذلك جائزًا لفعلوا، لأنَّ الجماعة واجبة أو سنَّة مؤكدة.
стр. 1292
ولأنَّ المأموم يعتقد أنَّ الإمام يترك شرطًا من شرائط الصلاة للعجز عنه، فأشبه ما لو كان الإمام عاريًا، أو مُحدِثًا وعَدِم (١) الماء والتراب، أو مربوطًا إلى غير القبلة، أو حاملًا لنجاسة لا يقدر على إزالتها، أو أمِّيًّا، أو أقطع.
وأيضًا فإنه هنا يتيقَّن أنَّ صلاته اشتملت على ترك استقبال القبلة، وكلُّ صلاة تيقَّن أنه ترك فيها استقبال القبلة فهي باطلة؛ لأنه إن كان هو المصيب فصلاته مبنيَّة على صلاة إمامه، وصلاةُ إمامه على هذا التقدير إلى غير القبلة، فتكون صلاته إلى غير القبلة، مع القدرة على ترك ذلك. وإن كان إمامه هو المصيب، فصلاته هو إلى غير القبلة.
وبهذا يظهر فقه المسألة، فإنَّ العفو عما يجوز أن يكون صوابًا أو خطأً، إذا ضُمَّ إليه ما يتيقَّن باجتماعهما حصولُ الخطأ، لم يحصل العفو عنهما جميعًا؛ كما لو أحدث أحد رجلين (٢)، ولم يعلم عينه، وقلنا لكلٍّ منهما أن يصلِّي، فليس لأحدهما أن يأتمَّ بالآخر. وكما لو قال رجل: إن كان هذا الطائر غرابًا فعبدي حرٌّ، وقال آخر: إن لم يكن غرابًا فعبدي حُرٌّ. فإذا اجتمع العبدان في ملك واحد حكمنا بعتق أحدهما.
وبهذا يظهر الفرق بينه وبينما إذا ترك الإمام ما يعتقده المأموم ركنًا أو شرطًا، لأنه لا يتيقَّن اشتمال الصلاتين على مبطِل، لجواز أن يكون اعتقاد إمامه صوابًا، وحينئذ فتكون صلاة الإمام صحيحة في الباطن، وكذلك صلاته؛ لأنه لم يترك شيئًا، ومجرَّدُ اعتقاد إمامه (٣) لا يؤثِّر في صلاته.
стр. 1293
نعم، نظير مسألة القبلة: أن يفعل أحدهما شيئًا ويتركه الآخر، وهو [ص ٢٢١] عند أحدهما واجب (١)، وعند الآخر مبطل. فإنه هنا إن كان واجبًا فقد تركه أحدهما، وإن كان مبطِلًا فقد فعله أحدهما، فالصلاة مشتملة على تركِ واجب أو فعلِ محرَّم بيقين.
على أنَّ القياس على مسائل الاجتهاد الفقهية قد فرَّق بينهما، إذا سُلِّم بما تقدَّم في التي قبلها. وذلك أنَّ مسائل الاجتهاد إذا لم يخالف الرجلُ فيها كتابًا ولا سنّةً ولا اجماعًا، فإنه لا يُنقَض حكمه، ولا يُحكم (٢) بخطئه، ولا يُحكَم ببطلان صلاته، ولا يُنهَى عن استفتائه، ولا يُنهى (٣) أن يعمل باجتهاده؛ بل قد يؤمر باستفتائه، إما لأنَّ الحكم يختلف باختلاف الاجتهادات، كما يقوله من يعتقد: كلُّ مجتهد مصييب؛ أو (٤) لأنَّ الناس لم يكلَّفوا إلا ما يقتضيه رأيهم وإن كان في الباطن أشبه، كما يقول أصحاب الشبه؛ أو لم يكلَّفوا إلا طلبَ ما هو الحقُّ في الباطن سواء أصابوه أو أخطؤوه وقد عفي عنهم إذا أخطؤوه. أو لأنه وإن كان مخطئًا في اجتهاده وحكمه، فإنَّ الله تعالى رفع الحرج فيها عن المخطئ، وجعل له أجرًا على اجتهاده إقرارًا لكلِّ ذي رأي على رأيه، مع أنَّ الحقَّ عند الله واحد؛ لخفاء مدركها، وخفّة أمرها، ومشقَّة إصابة الحقِّ فيها، وعموم الرحمة والمصلحة
стр. 1294
في تيسير ذلك، وتفاقُم الفساد من هدم بعض الاجتهادات ببعض.
وهذان القولان هما اللذان يقولهما أصحابنا، وإن كان الأول قد حُكي في المذهب أيضًا. وهذا الواقع في أحكام الشريعة لا يلزم مثله في مسألة تقع (١) في الدهور مرَّةً، ولا يُلزِم العفوُ فيما تعُمُّ به البلوى العفوَ عما لا تعُمُّ به البلوى.
فإن اتفقا على الجهة واختلفا في العين، فقال أحدهما: ننحرف (٢) يمينًا، وقال الآخر: ننحرف شمالًا؛ فقال القاضي في «الجامع»: إن قلنا: المطلوب العين، لم يجُز له أن يتبعه. وإن قلنا: المطلوب الجهة ــ وهو الصحيح من قوله ــ جاز له أن يتبعه. وقال في «المجرد» وغيره: من أصحابنا من يجوِّز الائتمامَ هنا مطلقًا. وهذا أصح، لأنَّا إن قلنا: المطلوب العين، فإنَّ الانحراف اليسير مع الخطأ معفوٌّ عنه بكلِّ حال بالإجماع، والصلاة إلى قبلة واحدة في مثل هذه الحال.
فصل
إذا صلَّى بالاجتهاد، ثم تبيَّن له في أثناء الصلاة أنَّ جهة القبلة خلاف ذلك عن يقينٍ، استقبلَ القبلةَ، ويبني على صلاته كأهل قباء؛ لأنَّ أولى صلاته كانت صحيحه ظاهرًا وباطنًا، فهو كالعاري إذا وجد السترة في أثناء صلاته.
وإن تبيَّن له ذلك باجتهاد انحرف إلى الجهة التي تبيَّن له أنها القبلة.
стр. 1295
نصَّ عليه، وهو قول أكثر الأصحاب. وقال ابن أبي موسى (١) والآمدي وغيرهما [ص ٢٢٢]: يبني على صلاته، لأنَّ الاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد.
والأول أصح، لأننا لا ننقض الاجتهاد الأول، وإنما نأمر أن يُتِمَّ الصلاة إلى الجهة الأخرى، كما لو علم القبلة يقينًا. وهذا ممكن هنا، دون القضايا والفتاوى فإنَّ ذلك لا يمكن فيها إلا في حادثتين. ثم إن كان إمامًا فارقه المأمومون إذا لم يتغير اجتهادهم، وأتمُّوا جماعة وفرادى. وإن كان مأمومًا فارق إمامه، وبنى.
وإن (٢) لم يبق اجتهاده إلى تلك الجهة، ولم يؤدِّه اجتهاده إلى جهة أخرى= بنى (٣) على جهته، لأنه لم يتبيَّن له خطؤه، وقد دخل دخولًا صحيحًا.
وإن صلَّى بتقليد، ثم أخبره في أثناء صلاته مخبِرٌ أنَّ القبلة في جهة أخرى، فإن كان الثاني ممن لا يُقبَل خبرُه ولا اجتهادُه، أو أخبره باجتهاده، وهو عنده مثل الأول= لم ينصرف عن قبلته. وإن كان الأول أخبره باجتهاده، والثاني عن علم، انحرف إلى الجهة التي أخبره بها. وإن كان الثاني أخبره باجتهاد، وهو أوثق من الأول، فهو كما لو تغيَّر اجتهاده وهو من أهل الاجتهاد، فهل ينحرف؟ على وجهين.
فصل
وإذا صلَّى بالاجتهاد، ثم حضرت صلاة أخرى، جدَّد الاجتهاد. فإن تغيَّر
стр. 1296
اجتهاده صلَّى بالثاني، ولم يُعِد ما صلَّى بالأول، كالمفتي والحاكم يجدِّد اجتهاده في قضاياه وفتاويه. والاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد، لأنه لم يتيقَّن الخطأ فيما فعله أولًا، مع أنه لو تيقَّن (١) ذلك في القبلة لم يُعِدْ، فأولى أن لا يعيد مع استمرار الشكِّ في الجملة.
فصل
ولا يتبع دلالة مشرك بحال، مثل أن يدخل بلدًا فيه محاريب [لا يعلم] (٢) هل هي بناء المسلمين أو المشركين؟ أو يخبره الكفار أنها مبنيَّة إلى القبلة، ونحو ذلك.
ولو رأى على المحراب آثار المسلمين، وهو في بلد كُفَّار، أو في بلدٍ خرابٍ لا يعلم هل هو بلد مسلم أو كافر؟ لم يصلِّ إليه، لاحتمال أن يكون الباني له كافرًا مستهزئًا غارًّا للمسلمين، إلّا أن يكون مما يعلم أنه من محاريب المسلمين.
قال بعض أصحابنا (٣): لو علِم قبلةَ الكفار، فله أن يستدلَّ بها على قبلة المسلمين؛ مثل أن يرى قبلةَ النصارى في كنائسهم، وقد علم أنهم يصلُّون إلى الشرق، فإنه يستدلُّ بها على القبلة، فيجعله عن يساره وأن كانت هذه قبلته، لأنَّ خبرهم عن قبلتهم بمنزلة التواتر، وهم لا يُتَّهمون فيه.
стр. 1297
مسألة (١): (الشرط السادس: النية للصلاة بعينها) .
النية لها ركنان:
أحدهما: أن ينوي العبادة والعمل.
والثاني: أن ينوي المعبود المعمول له. فهو المقصودُ بذلك العمل والمرادُ به، الذي عُمِل العمل من أجله، كما بيَّنه النبيُّ ﷺ بقوله: «إنما الأعمال بالنيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى. فمن كانت هجرتُه إلى الله [ص ٢٢٣] ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه» (٢). فميَّز ﷺ بين من كان عمله لله، ومن كان عمله لمال أو نكاح. والذي يجب أن يكون العمل له هو الله سبحانه وحده لا شريك له، فإنَّ هذه النية فرضٌ في جميع العبادات، بل هذه النية أصلُ جميع الأعمال، ومنزلتها منها منزلة القلب من البدن.
ولا بدَّ في جميع العبادات أن تكون خالصةً لله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤]. وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]. وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥]. وقال: ﴿إِلَّا
стр. 1298
عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ في عدة مواضع [الصافات: ٤٠، ٧٤، ١٢٨، ١٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
وهذه الآيات كما دلَّت على فرض العبادة، ففُرضت العبادة، وأن تكون (١) لله خالصة، وهذه حقيقة الاسلام. وما في القرآن من قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، إلى غير ذلك من الآيات كلُّها تدلُّ على هذا الأصل. بل جماع مقصود الكتاب والرسالة هو هذا. وهو معنى قول لا اله إلا الله، وهو دين الله الذي بعث به جميع المرسلين.
وضدُّ هذه النية: الرياء والسمعة، وهو إرادة أن يرى الناسُ عملَه وأن يسمعوا ذكرَه. وهؤلاء الذين ذمَّهم الله تعالى في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٦]. وقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]. ومن صلَّى بهذه النية، فعملُه باطل يجعله الله هباءً منثورًا. وكذلك من أدَّى شيئًا من الفرائض.
والكلام في هذه النية وتفاصيلها لا يختصُّ بعبادة دون عبادة، إذ الفعل
стр. 1299
بدون هذه النية ليس عبادةً أصلًا.
الركن الثاني: أن ينوي ما تتميَّز به عبادة عن عبادة، فينوي الصلاة لتتميَّز عن سائر أجناس العبادات، وينوي صلاة الظهر مثلًا لتتميَّز عن صلوات سائر الأوقات. وهكذا في كلِّ ما يميِّز تلك العبادةَ عن (١) غيرها، سواء كانت مفروضة أم مستحبة. وهذه النية هي التي يتكلَّم عليها [ص ٢٢٤] في هذا الموضع (٢)، إذ الكلام هنا في فروع الدين وشرائعه. وتلك النية متعلِّقة بأصل الدين وجماعه، والفقهُ في شرائع الدين وفروعه إنما هو بعد تحقيق أصوله، إذ الفروع كمال الأصول وإتمامها.
إذا تبيَّن هذا، فيجب على المصلي أن ينوي الفعلَ وهو الصلاة، ليتميَّز قيامه عن قيام العادة، وكذلك سائر أفعاله.
ويجب أن يعيِّن الصلاةَ مثل أن ينوي صلاة الظهر أو العصر، إن كانت ظهرًا أو عصرًا ونحو ذلك. هذا ظاهر المذهب.
وعنه ما يدل على أنه يكفيه نية مطلقة إذا تعذَّر تعيينُ الصلاة، وأمكن الاكتفاءُ بنية مطلقة بأن ينوي فرضَ الوقت، أو تكون عليه فائتة رباعية ــ إما الظهر وإما العصر ينوي الواجب عليه، كما قلنا في الزكاة.
والأول: المذهب، لأنَّ مقصود كلِّ صلاة واسمها ووقتها يخالف الأخرى، فلا بدَّ من تمييزها بالنية.
стр. 1300
ولهذا لو كانت عليه فوائت فصلَّى رباعية ينويها (١) عمَّا عليه لم يُجزئه إجماعًا. ولو كانت عليه شياهٌ عن ذَود وغنم، أو صِيعانٌ من طعام من صدقة فطر وعُشْر، فأخرج شاةً أو صاعًا مما عليه أجزأه؛ لأنَّ الواجب ثَمَّ لم يختلف اسمُه ولا مقصودُه، وإنما اختلف سببُ وجوبه، فإنَّ مواقيت الصلاة حدودٌ للصلوات صارت صفاتٍ لها، فالعبادة المفعولة على غير ذلك الحدِّ والصفة لا تسُدُّ مسدَّها معها كالبعير بالنسبة إلى البقرة. ولهذا كانت الصلوات الخمس لا بد أن تخالف كلُّ صلاة الأخرى في بعض واجباتها أو في بعض مستحباتها، كما خالفتها في الوقت.
فصل
وهل يجب عليه في المكتوبة أنها فرض؟ على وجهين.
أحدهما: يجب عليه. قاله ابن حامد (٢)، لأن الظهر قد تكون نفلًا، كظهر الصبيِّ والظهر المعادة، وكما لو صلَّى الظهر أولًا تطوعًا قبل أن يصلِّي المكتوبة.
والثاني: لا يجب. وهو قول الأكثرين، لأنَّ الظهر المطلق ممن في ذمته ظهرٌ لا يقع إلا فرضًا. فإذا نوى الظهر وأطلق لم تكن إلا فرضًا، كما أنَّ الزكاة المطلقة لما لم تقع إلا فرضًا لم يجب أن ينوي الفرض. وكذلك الوضوء من الحدث، وغسل الميت، وغسل الجنابة؛ وإن كان مع التقييد قد تكون الزكاة نافلةً كما يقال: زكاة الحلي عاريته، وكما قال ﷺ : «ليس فيما