← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

عن إسماعيل محتجًّا به. وذكر إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: إسماعيل بن حماد ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي خالد الوالبي, فقال: صالح الحديث. وعن علي ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. رواه الدارقطني (١). وعن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم. رواه الترمذي والدارقطني (٢) , وإسناده ليس بذاك. ولأنَّ أحاديث أنس كلَّها (٣) إنما نُفِي فيها الجهر, فعُلِم أنهم كانوا يقرؤونها سرًّا, كما صرِّح به في بعض الروايات, [ص ٢٦٧] يعني ابتداء

стр. 1402

القراءة، كما سيأتي. ولأنَّ الصحابة ﵃ كانوا يقرؤونها، وينكرون على من رغب عن قراءتها, وهم أعلم بالسنَّة. ولأنه يشرع قراءتها في النافلة, فكذلك في الفريضة. ولأنه يشرع قراءتها في أول السورة خارج الصلاة, فكذلك في الصلاة، وأولى. ولأنها مكتوبة في المصحف, وإنما كُتِبت لتقرأ. وهل قراءتها واجبة أو سنة؟ يأتي إن شاء الله توجيهها. و السنَّة: الإسرار بها . هذا مذهبه الذي لم تختلف فيه نصوصه, وهو قول عامة أصحابه. والجهر بها مكروه, نصَّ عليه. وقد ذهب بعض أهل مذهبه إلى استحباب الجهر بها, وهو قول أبي القاسم عبد الرحمن بن منده. وربما حكى بعض الناس هذا روايةً عنه (١) , وهو غلط. وإنما مذهبه الإسرار، لما روى أنس بن مالك ﵁ قال: صلَّيتُ خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وفي لفظ: «يفتتحون القراءة» رواه الجماعة (٢). وفي لفظ: «كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها» رواه أحمد ومسلم (٣).

стр. 1403

وفي لفظ متفق عليه (١): «فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه أحمد (٢) بإسناد جيد (٣) شرط الصحيح, ولفظه: «كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وفي لفظ لابن شاهين: «كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يخفُون بسم الله الرحمن الرحيم» (٤). وفي لفظ: «كان رسول الله ﷺ يُسِرُّ بسم الله الرحمن الرحيم، وأبو بكر وعمر» (٥).

стр. 1404

فإن قيل: قوله: «بالحمد لله رب العالمين» أراد به السورة, يعني: أنه كان يقرأ الفاتحة قبل السورة؛ والروايات الصريحة لعلها من بعض الرواة رواها بما فهمه من المعنى. يدل على ذلك ما روى سعيد بن يزيد (١) عن أبي مسلمة (٢) قال: سألتُ أنسًا: أكان رسول الله ﷺ يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم, أو الحمد لله رب العالمين؟ قال: إنك تسألني [عن شيء] (٣) ما أحفظه, ولا سألني عنه أحد قطُّ قبلك. رواه أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي (٤). وإسناده شرط (٥) الصحيحين, وقال الدارقطني: إسناده صحيح. قلنا: هذا التأويل لا يصح لو تجرد عن الروايات الصريحة، لأنه لو أراد السورة لذكرها باسمها, فقال: «بالفاتحة» أو «أم الكتاب» أو «أم القرآن» كما عادتهم في سائر الخطاب, [أو سمَّاها] (٦) بالحمد بأول كلمة منها, كما تقول: سورة «والعاديات»، وسورة «اقرأ» ونحو ذلك [ص ٢٦٨] كما عرف أهل زماننا. فأما تسميتها «الحمد لله رب العالمين» بالجملة جميعها, فليس يُعرَف في اللسان قديمًا ولا حديثًا.

стр. 1405

ثم لو كان المقصود أن يبتدئ القراءة بسورة أم الكتاب, لم تكن فيه فائدة, لأن هذا من العلم العام, مثل كون قراءة الليل يجهر بها وقراءة النهار يخافت بها, وسنَّة ذلك. وفي حديث قتادة: أنهم سألوا أنسًا عن ذلك, من توهم بعض الرواة, فقال قولًا عظيمًا (١)؛ لأن في الحديث ذكر لفظ أنس في قوله: «لم يكونوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها». وهذه زيادة على الرواية الأخرى, ثم قد رواه عن أنس جماعة, كلٌّ منهم يؤدِّي لفظًا صريحًا غير الآخر. ومن تتبَّع طرق الحديث علِم ذلك. وأما الحديث الآخر، إن كان محفوظًا، فالظاهر: أن السائل سأل أنسًا عن قراءتها سرًّا, فلم يكن إذ ذاك يعلم ذلك, وإنما كان الذي يعلمه أنهم لا يجهرون بها, وعلِم من طريق آخر أنهم كانوا يسرُّون بها, فرواه في وقت آخر, إن كانت مسألته لأنس قديمًا. وإن كان ذلك حديثًا, فلعل أنسًا قد نسي؛ لأنه كان في آخر عمره. وسعيد بن يزيد (٢) [ ... ] (٣). وبكل حال: مثل هذا لا يصلح أن يعارض الروايات المستفيضة عنه. وأيضًا مما روى أبو الجوزاء عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاةَ بالتكبير، والقراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رواه أحمد ومسلم (٤) , وقد تقدم الكلام على تأويله بالسورة.

стр. 1406

وروى ابن شاهين من حديث ابن عمر (١) وأبي هريرة (٢) , وعِصمة (٣) بن مالك الخَطْمي (٤): أن رسول الله ﷺ كان يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وأبو بكر (٥) وعمر وعثمان. وعن أم الحصين (٦) قالت (٧): صلَّيتُ خلف النبي ﷺ ، فلما افتتح

стр. 1407

الصلاة قرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١). وهذه الرواية صريحة بأنهم أرادوا الآية وما بعدها. وأيضًا ما روى ابن عبد الله بن المغفَّل قال: سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم, فقال: يا بنيَّ إياك والحدَث ــ قال: ولم أر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه حدثًا (٢) في الإسلام منه ــ فإني صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها, فلا تقلها. إذا أنت قرأتَ (٣) فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رواه الخمسة (٤) إلا أبا داود, وقال الترمذي: حديث حسن.

стр. 1408

وفي رواية [ص ٢٦٩] لابن شاهين: فإني صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يقرؤون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وهذا ــ مع أنه نص في عدم الجهر بها ــ فيه بيان أن قولهم (٢): «الحمد لله رب العالمين» إنما كانوا يعنُون به الآية وما بعدها، ولا يعنُون أنه كان يبتدئ بالفاتحة المسمَّاة بالحمد لله رب العالمين. والذي يحقِّق ذلك مما تقدَّم أن أنسًا وعبد الله بن مغفَّل وأم الحصين (٣) وغيرهم, ممن أطلق إنما كان يروي ذلك لموضع الشبهة واللبس لمَّا اختلفوا في آخر عصر الصحابة. فمن الناس من كان يجهر بها, ومنهم من كان يخفيها, فاحتاج الناس إلى استعلام السنَّة والرجوع إلى الصحابة في ذلك. فأما أن الفاتحة تقرأ قبل غيرها، فلم يكن عند أحد في ذلك شبهة, ولا يحتاج أن يروي عن فلان أو فلان, أو يحتجَّ بسنَّة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين (٤) على من خالفه؛ حتَّى لو فرضنا أن المراد أنهم كانوا يفتتحون بالسورة, فإنَّ البسملة ليست من السورة, على ما سنذكر إن شاء الله تعالى. وأيضًا حديث: «قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... » على ما سنذكره, فإنه كالنصِّ في أنه لا يُجهَر بها.

стр. 1409

وأيضًا فإنَّ هذا قول أكابر الصحابة وجماهيرهم, وهم أعلم بالسنة وأتبع لها. قال الترمذي (١): على هذا العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم. وقد تقدَّم ذكر ذلك عن الخلفاء الثلاثة. وروى ابن شاهين وابن أبي موسى عن أبي وائل قال: كان عمر وعلي لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم (٢). وعن علي وعمار: أنهما كانا لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم (٣). وعن الأسود بن يزيد قال: صلَّيتُ خلف أمير المؤمنين عمر سبعين صلاة. يكبِّر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك, ولا إله غيرك. ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). وروى أحمد عن ابن عباس قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قراءة الأعراب (٥). وقال بُسْر بن سعيد ــ وهو أحد أجلَّاء التابعين ــ: ما أدركت أحدًا يفتتح إلا بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦). وسئل الحسن عن الجهر بها في الصلاة، فقال: إنما يفعل ذلك

стр. 1410

الأعراب (١). وقال إبراهيم النخعي: الجهر بدعة (٢). رواهن ابن شاهين. والآثار في ذلك كثيرة (٣). [ص ٢٧٠] فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة أنه جهر بها, رواها الدارقطني وغيره؛ وكذلك عن كثير من أصحابه, وروي أيضًا أحاديث كثيرة في الزجر عن تركها. فإمَّا أن تكون روايةُ من روى ترك الجهر, أراد به أن النبي ﷺ كان يخفض بها صوته، ويجهر بها جهرًا خفيًّا, ثم يرفع صوته بسائر السورة. وإمَّا أن يكون الجهر بها والإسرار سواءً، لمجيء الأحاديث بهما بناءً (٤) على أنه كان يجهر أحيانًا ويخفي أحيانًا. قال بعضهم: يكون الجهر بها على حرف من يعدُّها من الفاتحة (٥) , وتركه على حرف من لا يعدُّها من الفاتحة, وهما حرفان مشهوران. أو يكون الجهر أولى، لأنها إما أن تكون آيةً من الفاتحة، فيجهر بها كما يجهر بسائر الفاتحة؛ أو آيةً من القرآن، فيجهر بها كسائر القرآن. وإذا كانت التسمية مشروعةً في أول الوضوء، ففي الصلاة أولى.

стр. 1411

قلنا: أمَّا الأحاديث فضربان: ما صُرِّح فيه بذكر الجهر، فليس فيه عن النبي ﷺ شيء صحيح يقوم (١) به الحجة, ولذلك لم يخرج عن أصحاب السنن منها شيء (٢). وقال الدارقطني, وقد سئل عن أحاديث الجهر: ليس فيها عن النبي ﷺ شيء صحيح. وأما [عن] الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف (٣). ومن تتبَّع أسانيدها علِم الضعيف فيها. ويؤكِّد ذلك أن أكثرها من رواية الصحابة الذين قد صحَّ عنهم عدمُ الجهر, مثل علي وعمار وأنس؛ فكيف وما لم يصرَّح فيه بالجهر، وإنما فيه بسم الله الرحمن الرحيم. فهذا يدل على استنان قراءتها, والردِّ على من رغب عنه. قال أبو عبيد: الأحاديث التي ذكرناها في ترك قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم» فليس هو على الجهر بها, وإنما غلَّطوا تركَ قراءتها في الصلاة أو غير الصلاة؛ إلا أنه يُسِرُّها في الصلاة. ومن نُقل عنه من أصحابه الجهر, مثل ابن عباس وابن الزبير وابن عمر, فقد نُقِل عنهم الإسرار بها. وهذا يدل على أن من جهَر بها من الصحابة كان مقصوده تعليم الناس أن قراءتها سنَّة, كما جهر عمر بالاستفتاح, وكما جهر أبو هريرة بالاستعاذة (٤) , وكما جهر ابن عباس بقراءة أم الكتاب على الجنازة (٥).

стр. 1412

وهذا ــ والله أعلم ــ معنى قول الإمام أحمد، وقد سأله أبو طالب: أتجهر ببسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: بالمدينة نعم. وهاهنا من كان يقول إنها آية من كتاب الله, مثل ما قال ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم آية. وأبو هريرة: هي إحدى [ص ٢٧١] آياتها. وابن الزبير كان يجهر (١) ببسم الله الرحمن الرحيم, ويتأولها (٢) أنها آية من كتاب الله. وحمل (٣) القاضي هذا على أن أهل المدينة كانوا يرون الجهر, فإذا خافتَ استنكروا فعلَه، فلم يصلُّوا معه. وليس كذلك, فإنَّ أهل المدينة كانوا لا يقرؤونها سرًّا ولا جهرًا, فأراد أحمد ﵁ أن يجهر بها الرجل هناك؛ ليبيِّن أن قراءتها سنة, ويكون قدوته في الجهر بها من جهَر بها من الصحابة على هذا التأويل. ولذلك ما أمر بقراءتها بعد الاستعاذة. قال: ومالك لا يرى ذلك, وما يعجبني هذا من قوله. والجهر بها على [هذا] (٤) الوجه مستحب، لما قدَّمناه. فأما اتخاذ الجهر بها سنَّةً، فمكروه. نصَّ عليه في غير موضع, لأنه خلاف السنة. فأما النبي ﷺ ، فلا شك أن المعروف من حاله كان ترك الجهر, كما نطقت به الأحاديث الصحيحة, وعمل به الخلفاء الراشدون. وما نقل عنه من الجهر بها ــ إن صحَّ وكان (٥) له أصل ــ فله ثلاثة أوجه:

стр. 1413

أحدها: أنه يكون جهَر بها أحيانًا، ليُعلمهم أنه يقرؤها, كما ذكرنا عن أصحابه. ويؤيِّد هذا أن الجهر بها مروي من طريق أبي هريرة ﵁ , وهو الراوي لحديث «قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي»، مع أن (١) المحفوظ غيره, فتبيَّن (٢) أصل قراءتها. الثاني: أن يكون جهر بها أحيانًا, كما في حديث أبي قتادة: «كان يجهر بالآية أحيانًا» (٣)، لأنَّ الجهر بها جائز في الجملة, ولا بأس به في الأحيان؛ وإنما المكروه المداومة عليها. الثالث: أن يكون ذلك في (٤) أول الأمر ثم نُسِخ, وكان آخر الأمرين عنه ترك الجهر. ويدل على أنه آخر الأمرين: أن أكابر الصحابة عملوا به. وما روى أبو داود في «الناسخ والمنسوخ» (٥) عن سعيد بن جبير أن النبي ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بمكة. وكان مسيلمة يُدعَى رحمانَ اليمامة، فقال (٦) أهل مكة: إنما يدعو إله اليمامة (٧) , فأمر الله رسوله بإخفائها, فما جهر بها حتى مات» رواه الطبراني في «المعجم» (٨) عن

стр. 1414

سعيد (١) عن ابن عباس مسندًا. ويحقِّق هذا أن الجهر بها أكثر ما يعرف عن المكيين, مثل عطاء وطاووس ومجاهد (٢). وبهذا يتبيَّن أنه لا يستوي الجهر بها والإسرار مطلقًا. وقول من خرَّج ذلك على القراءتين ضعيف, فإنه قد يُجهَر بها وإن لم تكن قرآنًا, كما يُجهَر بالتأمين. وقد يخافت بها وإن كانت من القرآن, كما سنذكر. ولو صحَّ ذلك لم يمنع أن تكون المخافتة بها أولى, كما تختار بعض الحروف على بعض. [ص ٢٧٢] وأما كون الجهر بها أولى، لأنه من القرآن أو من السورة؛ فليس هذا بمطِّرد، فإنه قد يُجهَر ببعض القرآن دون بعض, [كما] (٣) يجهر في بعض الصلوات والركعات دون بعض. وأيضًا: فقد ترك النبيُّ ﷺ الجهرَ بها لحكمةٍ كانت في زمانه, ثم صار ذلك سنّةً لمن بعده, كما رمَل واضطبع في طواف القدوم لمعنًى كان في ذلك الزمان, ثم صار سنةً للمسلمين إلى يوم القيامة. وكما أنَّ أصل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرات وذبح الهدي, لما يروى من قصة فعل إبراهيم وابنه الذبيح وهاجر, ثم جعل الله ذلك عبادةً لمن بعدهم. وأيضًا: فهي وإن كانت آيةً من القرآن, لكن إنما أُنزلت لأجل ما بعدها من السورة؛ لأن رسول الله ﷺ ما كان يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه

стр. 1415

بسم الله الرحمن الرحيم (١). والتسمية إنما تكون عند ابتداء الأمور وفي أوائلها, فصارت كالتابع لغيره، المقصود من أجله. ففُرِّق بين ما يقصَد لنفسه وما يقصَد لغيره بصفة القراءة في الجهر والإخفات, كما يخافت بالاستعاذة لما كانت مقصودةً لغيرها. ألا ترى أن التسمية مقصودة لما بعدها مِن حمد الله والثناء عليه والصلاة له؟ والمعنى: بسم الله أقرأ وأصلِّي, أو بسم الله صلاتي وقراءتي. فبيِّن أن يميَّز بين المقصود لنفسه والمقصود لغيره. فصل وهل تجب قراءتها في الصلاة؟ على روايتين منصوصتين: إحداهما: يجب, بناءً على أنها من فاتحة الكتاب. فإن لم يجعل البسملة آيةً (٢) كان رأس الآية ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وليس يشبه رؤوسَ الآي (٣)؛ لأن ما قبل الحرف الأخير (٤) يكون حرف لين, كما في سائر الآي. وأيضًا: فقد روي عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا ومرفوعًا (٥): «إذا

стр. 1416

قرأتم الحمد فاقرؤوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ , إنها أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسبع المثاني. وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها». وروي ذلك عن النبي ﷺ وجماعة من أصحابه, من عدة وجوه رواها الدارقطني وغيره (١)؛ لأنها مكتوبة في أولها في المصحف, فوجب (٢) أن تتلى حيث كُتبت كسائر آياتها. والرواية الثانية: لا تجب قراءتها, لكن يُكرَه تركُ قراءتها كالاستعاذة، وأولى, بناءً على أنها ليست [ص ٢٧٣] من الفاتحة, والمفروض إنما هو قراءة الفاتحة. ويمكن أن يقال: هي وإن جُعلت من الفاتحة باعتبار, فليست من القراءة المفروضة. وهذه الرواية هي الصحيحة عند عامة الأصحاب, وهي الغالب على كلام أحمد. وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ [يقول] (٣): «من صلَّى صلاةً لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج» يقولها ثلاثًا. فقيل لأبي هريرة: إنما نكون وراء الإمام, فقال: اقرأها في نفسك, فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين, ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ

стр. 1417

الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: حمِدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجَّدني عبدي. وقال مرةً: فوَّض إليَّ عبدي. فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي, فلعبدي ما سأل. وإذا قال ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هؤلاء لعبدي, ولعبدي ما سأل» رواه الجماعة (١) إلا البخاري وابن ماجه (٢). وقال أبو زرعة: حديث صحيح. وفيه دلالة من أربعة أوجه: أحدها: أن أبا هريرة هو راوي الحديث, وقد فهم أنَّ أم الكتاب هي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخرها. ولهذا فَسَّر أحدَ الحديثين بالآخر, وهذا يُضعف ما روي عنه بخلافه. الثاني: أنها لو كانت منها أو هي واجبة لَذكَرها في القسمة (٣) , كما ذكر غيرها؛ لأن المراد بالصلاة: القراءة الواجبة في الصلاة. الثالث: أن القسمة باعتبار الآيات، لأنه وقَف على رأس كلِّ آية, وجعل يشير إليها. فلو كانت البسملة فيها لكان الذي لله أربع آيات ونصفًا, والذي

стр. 1418

للعبد اثنتين ونصفًا. الرابع: أنه قال في آخره: «فهؤلاء لعبدي». وهذا (١) صيغة جمع, إنما يشار به إلى ثلاثة آيات. ولو لم يكن (٢) ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ رأس آية لقال: «فهاتان». والإشارة إنما هي إلى الآي (٣) دون الكلمات والحروف, كما قال: «فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين, ولعبدي ما سأل». وأيضًا حديث أبي بن (٤) كعب (٥) وحديث أبي سعيد بن المعلَّى (٦) وحديث ابن جابر (٧). ولأنها لو كانت من الفاتحة لكانت السنَّة الجهر بها,

стр. 1419

فإنَّ الفرق بين آيات السورة بعيد عن القياس, بخلاف ما ليس من السورة وإنما [ص ٢٧٤] نزل لأجلها. ولأنها لو كانت من أول الفاتحة لكانت من أول سائر السور، لأنها سورة من السور. ولا يختلف المذهب أنها ليست من غير الفاتحة. وقد دلَّ على ذلك ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن سورةً من القرآن ثلاثون آية شفَعت لرجل حتى غُفِر له, وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾» رواه أحمد وأبو داود، والترمذي (١). وقال: حديث حسن. قال أصحابنا: وقد أجمع القُرَّاء على أنها ثلاثون آية بدون التسمية, فلو كانت منها لكانت آية، وكانت إحدى وثلاثين. ولأن الناس مجمعون على أن الكوثر ثلاث آيات, ولو كانت منها لكانت أربع آيات. ولأنَّ الصحابة والتابعين وسائر الأمة يسمُّون حروف الهجاء فواتح السور, والحروف المقطَّعة في أوائل السور, ولو كانت

стр. 1420

البسملة أول آية من السور لما صحَّ. ولأنَّ الصحابة رضوان الله عليهم كتبوها في المصحف سطرًا مفصولًا عن السورة، ولو كانت منها لخلطوها في سائر آياتها كغيرها. ومع هذا، فلا تختلف النصوص عن أحمد أنها آية من كتاب الله في كلِّ موضع كُتبت في المصحف, إلا في سورة النمل, فإنها بعض آية. ومن لم يقرأها فقد أسقط مائة وثلاث عشرة آية من كتاب الله. وهي آية مفردة أنزلت في أول السورة، وإن لم تكن منها؛ لأن الصحابة ﵃ كتبوها في المصحف. فعُلِم أنها من القرآن, مع اعتنائهم بتجريده عما ليس منه, حتى عما فيه مصلحة من التعشير والتخميس والنقط [و] (١) أسماء السور (٢) وغير ذلك. وروى أبو داود (٣) عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه «بسم الله الرحمن الرحيم». وفي كتابة الصحابة لها في أول الفاتحة دون أول براءة, وكتابتها سطرًا مفصولًا عما قبلها: دلالة واضحة على ذلك.

стр. 1421

هذه حقيقة المذهب, ومن تأمَّله علِمَ الطريقة المثلى فيما اضطرب الناس فيه في شأن البسملة. وطائفة من أصحابنا يحكون رواية أخرى أنها بعض آية, وأنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل. وربما اعتقد كثير منهم أن هذا هو المذهب, ظنًّا منهم أنَّا إذا قلنا: ليست من السورة, فقد قلنا: ليست من القرآن. وهذا غلط على المذهب، توهَّموه من مذهب غيرنا. والله أعلم. فصل [ص ٢٧٥] السنَّة لمن قرأ سورة من القرآن: أن يقرأ في أولها البسملة, إلا في أول براءة, سواء ابتدأ السورة أو وصلها بما قبلها, إلا في الصلاة يخفيها, وخارج الصلاة إن شاء جهَر بها, وإن شاء خافَتَ, كالاستعاذة وسائر القرآن؛ لأن الجهر والمخافتة موقَّت في الصلاة, وليس موقتًا في غيرها. وأما في الصلاة فيخافَت بها, إلا إذا قُرِن بين السورتين في التراويح ونحوها, ففيه روايتان: إحداهما: لا يجهر بها كسائر الصلوات. والثانية: إن جهَر فلا بأس، لأن النافلة أخفُّ من الفريضة. وإذا قرَن بين السورتين كأن قد جهر بما قبلها, وما بعدها فألحقت بذلك, بخلاف ما إذا كان قبلها سكوت أو مخافتة, فإنها تلحق به. وإن ابتدأ من أثناء سورة أو من أول براءة لم يُستحَبَّ أن يقرأها، لأنها لم تُكتَب هناك, والمستحب أن تُقرأ كما في المصحف في مواضعها (١). وإن قرأها فلا بأس, بخلاف الاستعاذة

стр. 1422

فإنها مشروعة في أول كلِّ قراءة. مسألة (١): (ثم يقرأ الفاتحة, ولا صلاةَ لمن لم يقرأ بها, إلا المأموم فإنَّ قراءة الإمام له قراءة . ويستحَبُّ أن يقرأ في سَكَتات الإمام وما لا يجهَر فيه). هذا الكلام فيه فصول: أحدها: في قراءة الفاتحة في الصلاة أما قراءة الفاتحة في الصلاة, فهذا من العلم العامِّ المتوارث بين الأمة خلفًا عن سلف عن نبيها ﷺ . وظاهر المذهب أن صلاة الإمام والمنفرد لا تصح إلا بقراءة الفاتحة, سواء تركها عمدًا أو سهوًا. وعنه: إذا صلَّي بآية واحدة أجزأته. وقوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (٢) على طريق الفضل، لأن الله تعالى قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ

стр. 1423

الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال النبي ﷺ للأعرابي المسيء في صلاته: «كبِّر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن, ثم اركع» (١). ولأن المفروض في الصلاة هو القرآن بقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] سمِّي الصلاة قرآنًا, وإنما يعبَّر عن الشيء باسم بعضه إذا كان ركنًا فيه, كما سُمِّي ركوعًا وسجودًا وقيامًا. [ص ٢٧٦] وكذلك قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٢ - ٤] وسائر السورة دليل على أن الصلاة لا بد فيها من القراءة. وقد روى أبو الدرداء أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله أفي كلِّ صلاة قرآن؟ قال: «نعم». وقال رجل من الأنصار: وجبت هذه. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (٢). وقال ﷺ : «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين, إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» رواه مسلم (٣) وغيره. وهذا يعمُّ جميعَ القرآن, وكلُّه كلام الله, فاستوى في انعقاد الصلاة بما تيسَّر منه, كما استوى في جهة تلاوته وصحة الخطبة به, وإنما اعتبرت الآية كما اعتبرناها في الخطبة.

стр. 1424

ومن أصحابنا من قال: إذا لم تشترط الفاتحة، فعليه أن يأتي بسبع آيات. وهل يشترط أن تتضمَّن قدر الحروف؟ على وجهين. وهو مع مخالفة النصوص فاسد الوضع، لأن اعتبار سبع آيات على إيجاب الفاتحة, فكيف يوجب مع القول بعدم وجوبها؟ والصحيح: الأول لما روى عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» رواه الجماعة (١). فإن قيل: هو محمول على نفي الفضل والكمال، لأن حقيقة الصلاة قد وُجدت, فلا يمكن نفيها. فلا بدَّ من إضمار الإجزاء أو الكمال, إذ لا يمكن إضمارهما، لما بينهما (٢) من التنافي. ولأنَّ المقتضَى لا عموم له, فإن الإضمار أوجبته الضرورة, فيتقدَّر بقدرها, وليس أحدهما أولى, فتقف الدلالة. أو يُحمَل على الكمال، لأنه المتيقَّن, ولما قدَّمناه من الدلالة. قلنا: بل المنفي حقيقة الصلاة، لأن الصلاة المطلقة في لسان الشرع هي: الصلاة المشروعة المأمور بها, وهذه لم توجد مع عدم الفاتحة, كما لا توجد مع عدم الركوع والسجود. وإنما يتوجَّه مثل هذا الكلام في مثل قوله: «رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيان» (٣)، وأما الأشياء التي تناول الاسم المطلق صحيحها دون فاسدها فيكن رفع حقيقتها قد ارتفعت حقيقته (٤).

стр. 1425

وأيضًا فلو كانت حقيقة الصلاة موجودة, لوجب حملُ مطلق النفي على نفي الإجزاء والصحة, لأن الشيء إذا عدم إجزاؤه وصحته كان كالمعدوم في المعنى, فيحسن إطلاق النفي عليه، ويكون أولى بالنفي من الشيء الذي هو صحيح مجزئ. وأيضًا فإنَّ نفي الشيء باعتبار انتفاء فائدته وجدواه [ص ٢٧٧] طريقة معروفة (١) في الكلام, بل قد صارت حقيقة عرفية, فيجب حملُ الكلام عليها. ويحتاج حملُه على انتفاء كمال وأفضليّة (٢) إلى دليل, وفي هذا جواب عما قالوه. وهذا إنما قلناه تأسيسًا لغير هذا الموضع, وإلا فقد روي الحديث بلفظ ماض: «لا تجزئ الصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٣). رواه الشافعي والدارقطني (٤) وقال: إسناده صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أمره أن يخرج، فينادي: «لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد» رواه أحمد وأبو داود (٥).

стр. 1426

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج, فهي خداج غير تمام». رواه الجماعة (١) إلا البخاري. والخداج: النقصان في ذات الشيء. فعُلِم أن الصلاة ناقصة في أركانها، لأنهم يقولون: خدَجت الناقة، إذا ولدت قبل أيامها. وأخدجت، إذا ولدت ولدًا ناقصَ الخلقة وإن تمَّت أيامه (٢). وربما اجتمعا. ولم يُرد النبي ﷺ نقص الأيام فقط، لأنَّ ذلك لا نقص فيه حتى تشبَّه به الصلاة. فعُلِم أنه أراد الذي نقَص خلقُه, وقد فسَّر ذلك بقوله: «غير تمام». ولأن النبي ﷺ جعل الفاتحة هي الصلاة, وقسمتها قسمتها. فإذا لم يقرأ الفاتحة لم تبق الصلاة المقسومة, فلم تبق صلاة أصلًا؛ لأنه أخبر بقسم مسمَّى الصلاة. ولأن الفاتحة اختصَّت من بين القرآن بكونها أمَّ القرآن، وفاتحة الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم. ولأنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلُها, إلى غير ذلك من الخصائص والمزايا, فلم يجُز إلحاق غيرها بها.

стр. 1427

والقرآن وإن كان جميعه كلام الله, فبعضه (١) أفضل من بعض, كما أن آية الكرسي أعظم آية في القرآن (٢) , و «قل هو الله أحد» تعدل ثلث القرآن (٣) , ويس قلب القرآن (٤). ولا شبهة أن كلام الله الذي يذكر به نفسه ويتضمَّن أسماءه وصفاته أفضل من كلامه (٥) الذي يذكر به مخلوقاته. ولا خلاف بين الأئمة أن القرآن أفضل من التوراة والإنجيل, وهو المهيمن عليهما (٦). وفضلُ كلِّ شيء بحسبه, ففضلُ الكلام قد يكون بحسب المتكلِّم به, كما قال النبي ﷺ : «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (٧). وقد يكون بحسب معانيه وما يتكلم فيه, وكلَّما كانت معانيه أشرف وأنفع كان أفضل. ولهذا فُضِّلت سورة الفاتحة والإخلاص وآية الكرسي وغير ذلك [ص ٢٧٨] (٨) من القرآن على بعضه. الفصل الثاني أن المأموم لا تجب عليه القراءة , لا في صلاة السر ولا في الجهر, من

стр. 1428

غير اختلاف في المذهب؛ حتَّى كان الإمام أحمد بعد الخلاف في ذلك يقول: ما سمعت أحدًا في الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهَر بالقرآن لا تجزئ صلاةُ من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا النبي ﷺ وأصحابه والتابعون, وهذا مالك في أهل الحجاز, وهذا سفيان في أهل العراق, وهذا الأوزاعي في أهل الشام, وهذا (١) الليث في أهل مصر= ما قالوا لرجلٍ (٢) صلَّى خلف إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة (٣). أما إذا جهَر الإمام، فالأدلة عليه كثيرة (٤). وأما إذا خافتَ فيدل عليه وجوه: أحدها (٥): ما روى موسى بن أبي عائشة قال: سألت عبد الله بن شداد بن الهاد عن القراءة خلف الإمام في الظهر والعصر, فقال: صلَّى رسول الله ﷺ بالناس، ورجلٌ خلفه يقرأ, وبجنبه رجلٌ، فجعل يومئ إليه وينهاه, حتى عرَف المنهيُّ أنه ينهاه عن القراءة. فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، فقال المنهيُّ: ما إقبالك عليَّ؟ أتنهاني أن أقرأ القرآن؟ فقال: أتقرأ ورسولُ الله ﷺ إمامنا؟ فقال المنهيُّ: يا رسول الله, إن هذا ينهاني أن أقرأ خلفك. فقال رسول الله ﷺ : «من كان له إمام فقراءته له قراءة» رواه سعيد

стр. 1429

وأحمد وغيرهما (١). وهذا حديث معروف ثابت عن موسى بن أبي عائشة ــ وقد أسنده بعضهم عن جابر (٢) , والمشهور عنه مرسلًا ــ لوجوه: أحدها: أن الذي أرسله احتجَّ به, فلولا أنه قد حدَّثه به ثقة ما جاز الاحتجاج به, وهو من كبار التابعين. الثاني: أنه قد عضده أقوال الصحابة, كما سيأتي. وذلك نصٌّ وحجَّةٌ على من لا يقول بالمرسل (٣) المجرَّد. الثالث: أنه روي من غير هذا الوجه, (فليعتضد به ما يعضده) (٤). الرابع: أنه شهد له ظاهر الكتاب والسنة.

стр. 1430

الخامس: أن الإمام أحمد وابن ماجه (١) رواه من حديث جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان له إمام، فقراءته له قراءة» رواه الدارقطني من حديث ليث وجابر عن أبي الزبير. وجابر الجعفي قد وثَّقه سفيان وشعبة, وقال أحمد: لم يتكلَّم فيه لحديثه, بل لرأيه, وليث قد حدث عنه الناس, وقد تكلم فيهما بالجملة. لكن الحديث [ص ٢٧٩] محفوظ عن جابر, رواه مالك (٢) عن وهب بن كيسان عن جابر

стр. 1431

قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». فإذا كان (١) [ص ٢٨٠] للمستمع أجران (٢) وللقارئ أجر, فلا حاجة إلى القراءة معه. ولأنه إذا قرأ مع جهر الإمام نازع الإمامَ القراءةَ، وخالجه إياها؛ وربما منع من يليه من كمال الاستماع والإصغاء, وفاته هو الاستماع والإنصات, ولم يكد يفقه ما يقرؤه من أجل إسراعه بالقراءة, واشتغاله بقراءة الإمام. ومثل هذا لا يكون مشروعًا، بل (٣) إلى التحريم أقرب منه إلى الاستحباب أو الإيجاب. ولأن القراءة في حال الجهر منهيٌّ عنها, والاستماع واجب، فكيف يترك ذلك لقراءة الفاتحة وهي مستحبَّة للمأموم؟ ولأن حقيقة المؤتمِّ هو المتَّبِع المقتدي للإمام في أقواله وأفعاله, كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أي استمِعْ له, فإذا لم يفهم ما هو فيه كان كالحمار يحمل أسفارًا. وإلى هذه المعاني أشارت الصحابة رضوان الله عليهم. وما اعتلَّ به بعض أصحابنا من الخروج من الخلاف, ففيه أجوبة: أحدها: أنَّ السنَّة إذا تبيَّنت تعيَّن اتباعها, ولم يقدح في حرمتها خفاؤها على بعض الأئمة. ولهذا نظائر كثيرة, ذكرنا بعضها (٤) في باب التيمم.

стр. 1432

الثاني: أنَّ الخلاف هنا شاذّ مسبوق بالإجماع قبله. الثالث: أن الخروج من الخلاف في هذه المسائل لا سبيل إليه, فإن أكثر الناس ينهون عن القراءة ويرون ذلك مما ينقص (١) الصلاة, فرعايتهم في الاختلاف أولى. وأما الحديث المذكور (٢)، فقد ضعَّفه الإمام أحمد وغيره، وقال: لا يصح عندنا. وقد وقفه رجاء بن حيوة على عُبادة (٣) , وهو أشبه بالصحة. والإسناد الذي وثّقه (٤) الدارقطني قد طعن فيه جماعة (٥). وبالجملة فإسناده لو تجرَّد عن معارض لكان مقارب الحال, لكن اختلف (٦) الرواة في الإسناد وقفًا ورفعًا, ومن وقفه [ص ٢٨١] أوثق ممن رفعه. واختلافهم في رجاله (٧) أوجب علَّةً في الحديث مع معارضة الأحاديث التي هي صحيحة. وبكلِّ حال، فما صحَّ في هذا المعنى عن النبي ﷺ أو عن أصحابه، فمعناه ــ والله أعلم ــ: لا تقرؤوا في صلاة الجهر إلا بأم الكتاب في حال سكتات الإمام, لا في حال جهره. وذلك لأن النبي ﷺ كان له سكتتان أو ثلاثة, تتسع لقراءة الفاتحة فيها, فلا يحتاجون إلى القراءة في غيرها.

стр. 1433

ولذلك (١) قصَرهم على الفاتحة، لعلمه بأن زمن السكتات لا يتسع لغيرها, بخلاف صلاة السرِّ فإنها تتسع لأكثر من ذلك. ولهذا قال أبو سلمة: «للإمام سكتتان, فاغتنم القراءة فيهما» (٢). أو لعل هذا كان مقصوده, فرواه بعض الرواة بالمعنى. وبيَّن (٣) ذلك أن قراءة غير الفاتحة لا تُشرَع في حال جهر الإمام, مع أنه سنة مؤكَّدة للإمام والمنفرد, فإذ (٤) نهي عن هذه السنة المؤكدة وسقط اعتياضًا بالاستماع الواجب, جاز أن تسقط الفاتحة الواجبة اعتياضًا بالاستماع الواجب. وحمل بعضهم القراءة خلف الإمام على الحال الذي كانوا يقضُون ما فاتهم، ثم يتابعون الإمام. ثم نُسِخ ذلك. فصل فأما القراءة في حال إسرار الإمام، فتستَحبُّ، لأنه غير مشغول عنها باستماع, ولا يشغل غيره عن الاستماع, والسكوت في الصلاة غير مشروع. ولأنَّ تلاوة القرآن في الصلاة من أفضل الأعمال, فهي أولى بالاستحباب من غيره. ولأنَّ الإمام إذا أسرَّ يحتمل أنه لا يقرأ لنسيان أو غيره, فلا يسقط الفرض عن المأموم حتى يقرأ لنفسه. والقراءة في حال الجهر إنما جاءت (٥) لأنها تشغل

стр. 1434

عن الاستماع, وتوجب منازعة الإمام, وهذا مفقود (١) في الإسرار. وقد روى عمران بن حصين أن النبيَّ ﷺ صلَّى الظهر، فقرأ رجل خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. فلما صلَّى قال: «أيكم قرأ سبِّح اسم ربك الأعلى؟» فقال رجل: أنا. قال: «قد عرفتُ أنَّ بعضكم خالَجَنيها» متفق عليه (٢). ومع هذا لم ينهه عن القراءة كما نهى عن القراءة معه في حال الجهر, ولعل هذا الرجل قوى قراءته حتى صار ينازع النبي ﷺ , وإلا مجرَّد القراءة ليس فيها منازعة, كما لا منازعة في تسبيحتي الركوع والسجود والتشهدين. وقد تقدَّم (٣) عن علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو [ص ٢٨٢] وغيرهم القراءة خلف الإمام بما زاد على الفاتحة, وبعضهم كره ذلك في حال جهر الإمام. فأما كراهة القراءة مع انتفاء هذه المفاسد, فبعيد. وبعضهم كره ذلك لمن يقرأ خلف الإمام معتقدًا أنه لا بد من قراءته في صلاة السر. ومن روى عن الصحابة في ذلك من الترك، فبعضهم أراد به الاجتزاء بقراءة الإمام، دون كراهة القراءة للمأموم. وقد قال الترمذي (٤): أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون القراءة خلف الإمام. فصل ويستحَبُّ أن يقرأ في صلاة السرِّ بفاتحة الكتاب وسورة، كالإمام. وكذلك

стр. 1435

في صلاة الجهر إن اتسعت السكتات لذلك, وإلا اقتصر على الفاتحة. فإن كان لا يسمع قراءة الإمام في حال الجهر لكونه بعيدًا, لم تُكرَه له القراءة، في ظاهر المذهب المنصوص عنه, بل تستحب. وحكي عنه أنه يُكرَه لعموم الأمر بالإنصات, لقوله: «لا يقرأنَّ أحد منكم إذا جهرتُ بالقراءة» (١). والأول أصح، لأنه في معنى: من لا يسمع قراءة الإمام لسكوته وإسراره, ولأن الأمر بالإنصات إنما يكون للمستمع. وكذلك قوله: «لا يقرأنَّ أحد منكم معي إذا جهرتُ» إنما يكون لمن يعلم الجهر, ومسجد النبي ﷺ كان صغيرًا يبلغ صوتُ الإمام إلى عامَّة من فيه. فإن سمع همهمة الإمام أو شيئًا يسيرًا, مثل الحرف بعد الحرف, فهل يقرأ؟ على روايتين، إحداهما: لا يقرأ، لأنه سامع في الجملة, ولأنه بقراءته ربما خلَّط على من يليه, ممن يمكن استماعه؛ وربما ارتفع صوت الإمام، فسمع أكثر. وهذه الرواية أشهر عنه (٢). فإن كان لا يسمع القراءة لطرَشه وهو ... (٣). وروى عبيد الله بن أبي رافع قال: كان علي يقول: اقرؤوا في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر خلف الإمام بفاتحة الكتاب وسورة. رواه

стр. 1436

النجاد, والدارقطني (١) وقال: هذا إسناد صحيح. وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: سألتُ أبيَّ بن كعب: أقرأ خلف الإمام؟ قال: نعم (٢). ورواه النجاد (٣) عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين بفاتحة الكتاب وسورة (٤). وعن مجاهد: فسمعتُ (٥) عبد الله بن عمرو يقرأ خلف الإمام في الركعتين في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة (٦). وقال أبو السائب: قلتُ لأبي هريرة: إني أكون أحيانًا وراء [ص ٢٨٣] الإمام, فقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي (٧). وقال أسامة بن زيد الليثي: سألتُ القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر به الإمام, فقال: إن قرأتَ فلك أسوةٌ برجال من أصحاب النبي ﷺ ، وإن تترك فلك أسوة برجال من أصحاب النبي ﷺ (٨).

стр. 1437

وقال مجاهد: صلَّيتُ إلى جانب عبد الله بن عمرو (١) , فسمعته يقرأ خلف الإمام في صلاة الظهر من سورة مريم. وفي رواية: كان ابن عمرو (٢) لا يقرأ (٣). رواهما سعيد. قلنا: ليس في شيء من الحديث عنهم أنهم أوجبوا القراءة على المأموم, وإنما كان بعضهم يستحبُّ القراءة ويراها, وبعضهم لا يستحبها, وبعضهم لا يفعلها, كاختلافهم في الصوم والفطر في السفر. ولو كانت القراءة واجبة على المأموم وجوبَها على الإمام, لأفصحوا بذلك وبيَّنوه, ولم يفسِّروا حديث النبي بأن قراءة الإمام تكفي المأموم. وأيضًا فلعل من شدَّد في ترك القراءة لما بلغه أن أناسًا يرونها واجبة, حتَّى إنهم يقرؤون مع جهر الإمام, فبالغ في الإنكار عليهم, بأن أمر بتركها بالكلِّية؛ ليتبيَّن للناس أنها ليست واجبة. كما أمر بعضهم من صام في السفر بالقضاء, لما رأى منه تعظيمًا للفطر في رمضان, وضربًا من الغلوِّ في الدين. وكما أنكر بعضهم على من يرى الاستنجاء بالماء، لما رأى من محافظتهم على الماء محافظةَ من يعتقد وجوبه. وكما قال بعضهم: «صلاة السفر ركعتان, من خالف السنَّة كفر» (٤) يعني: من اعتقد أن ركعتين لا تُجزئانه.

стр. 1438

وهذا كثير في أمورهم. ومن أمر بها فلعله (١) لما رأى من رغبة بعض الناس عن القراءة بالكلية, كما يؤمر (٢) الناس بالسنن المستحبة. وأيضًا فلو كانت القراءة على المأموم واجبة لأنكر مَن فعلها على من يتركها, كما أنكر من تركها على من فعلها. والمأثور عنهم مجرَّد الفعل، لا الإنكار على التارك. الرابع (٣): أن المأموم إذا أدرك الإمام راكعًا فقد أدرك الركعة, كما قال النبي ﷺ : «من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة» (٤) وكما في حديث أبي بكرة (٥) حين ركع، والنبيُّ ﷺ راكع, وكما كان الصحابة يفعلون ذلك. ولو كانت واجبة على المأموم لم تسقط بفوات محلِّها, كالركوع والاعتدال عنه وسائر الأركان.

стр. 1439

الخامس: أن الإمام وافد المصلِّين إلى الله تعالى, كما قال النبي ﷺ : «اجعلوا أئمتكم خياركم, فإنهم وفدكم فيما بينكم [ص ٢٨٤] وبين الله» (١). والمفروض من القراءة هو قراءة الفاتحة, ونصفها ثناء على الله، ونصفها دعاء للعبد. والوافد هو لسان القوم فيما يأتي به من ثناء. ولذلك جاء الدعاء فيها بصيغة الجمع في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ولذلك قال النبي ﷺ : «من أمَّ قومًا، فخص نفسه بدعاء دونهم، فقد خانهم» (٢). وهذا إنما

стр. 1440

يكون فيما يفعله الإمام عن نفسه [و] (١) عن المأمومين, ولذلك قال: «الإمام ضامن» (٢). السادس: أن الإمام خُصَّ بالقراءة في قوله: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله» (٣)، وقوله: «وليؤمَّكم أقرؤكم» (٤) وغير ذلك من الأحاديث, حتى يخبَر عن الإمام بالقارئ في قوله: «إذا أمَّن القارئ فأمِّنوا» (٥). فلولا أنَّ قراءته يتعدَّى حكمُها إلى المأمومين لم تكن لإمامة القارئ مزية, إذا كان كلُّ (٦) واحد من الإمام والمأموم إنما يقرأ لنفسه خاصة. السابع: أن الأدلة الواضحة قد قامت على أنها لا تجب في حال جهر الإمام, فكذلك في حال إخفائه؛ لأن الأذكار الواجبة على المأموم من التكبيرات لا تسقط بجهر الإمام.
следующие страницы →